ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > الملتقى الاسلامى > ملتقى الأسرة المسلمة
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

السرايا والبعوث

ملتقى الأسرة المسلمة


السرايا والبعوث

ملتقى الأسرة المسلمة


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-19-2011, 11:12 PM   #1
البشير
مقاوم
 

افتراضي السرايا والبعوث

ولما اطمأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ه ليهدمها، وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانه وهي أعظم أصنامهم وكان سدنتها بني شيبان فخرج إليها خالد في ثلاثين فارساً حتى انتهى إليها، فهدمها. ولما رجع سأله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هل رأيت شيئاً؟ قال: لا قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها، فرجع خالد متغيظاً قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبداً.
ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه، وهو صنم لهذيل برهاط، على ثلاثة أميال من مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن ما تريد؟ قال: أمرني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قال: لم؟ قال: تمنع. قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك، فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئاً، ثم قال للسادن كيف رأيت؟ قال: أسلمت للَّه. وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارساً إلى مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال لها السادن مناة دونك بعض عصاتك. فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزانته شيئاً. ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في شعبان من نفس السنة (8هـ) إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام لا مقاتلاً. فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيراً، فأمر يوماً أن يقتل كل رجل أسيره، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له، فرفع صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين. وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم علياً فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم، وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مهلاً يا خالد، دع عنك أصحابي، فواللَّه لو كان أحد ذهبا، ثم أنفقته في سبيل اللَّه ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته. تلك هي غزوة فتح مكة، وهي المعركة الفاصلة والفتح الأعظم الذي قضى على كيان الوثنية قضاء باتاً لم يترك لبقائها مجالاً ولا مبرراً في ربوع الجزيرة العربية، فقد كانت عامة القبائل تنتظر ماذا يتمخض عنه العراك والاصطدام الذي كان دائراً بين المسلمين والوثنيين، وكانت تلك القبائل تعرف جيداً أن الحرم لا يسيطر عليه إلا من كان على الحق، وكان قد تأكد لديهم هذا الاعتقاد الجازم أي تأكد قبل نصف القرن حين قصد أصحاب الفيل هذا البيت، فأهلكوا وجعلوا كعصف مأكول. وكانت صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم، أمن الناس به وكلم بعضهم بعضاً، وناظره في الإسلام وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في الإسلام، حتى إن عدد الجيش الإسلامي الذي لم يزد في الغزوات السالفة على ثلاثة آلاف إذا هو يزخر في هذه الغزوة في عشرة آلاف. وهذه الغزوة الفاصلة فتحت أعين الناس، وأزالت عنها آخر الستور التي كانت تحول بينها وبين الإسلام. وبهذا الفتح سيطر المسلمون على الموقف السياسي والديني كليهما معاً في طول جزيرة العرب وعرضها، فقد انتقلت إليهم الصدارة الدينية والزعامة الدنيوية. فالطور الذي كان قد بدأ بعد هدنة الحديبية لصالح المسلمين قد تم وكمل بهذا الفتح المبين. وبدأ بعد ذلك طور آخر كان لصالح المسلمين تماماً، وكان لهم فيه السيطرة على الموقف تماماً. ولم يبق لأقوام العرب إلا أن يفدوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيعتنقوا الإسلام، ويحملوا دعوته إلى العالم. وقد تم استعدادهم لذلك في سنتين آتيتين. المرحَلة الثالثة: وهي آخر مرحلة من مراحل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم . تمثل النتائج التي أثمرتها دعوته الإسلامية بعد جهاد طويل وعناء ومتاعب وقلاقل وفتن واضطرابات ومعارك وحروب دامية واجهتها طيلة بضعة وعشرين عاماً. وكان فتح مكة هو أعظم كسب حصل عليه المسلمون في هذه الأعوام، تغير لأجله مجرى الأيام، وتحول به جو العرب، فقد كان الفتح حداً فاصلاً بين المدة السابقة عليه وبين ما بعده، فإن قريشاً كانت في نظر العرب حماة الدين وأنصاره، والعرب في ذلك تبع لهم، فخضوع قريش يعتبر القضاء الأخير على الدين الوثني في جزيرة العرب. ويمكن أن نقسم هذه المرحلة إلى صفحتين: صفحة المجاهدة والقتال. صفحة تسابق الشعوب والقبائل إلى اعتناق الإسلام. وهاتان الصفحتان متلاصقتان تناوبتا في هذه المرحلة، ووقعت كل واحدة منهما خلال الأخرى، إلا أنا اخترنا في الترتيب الوضعي، أن نأتي على ذكر كل من الصفحتين متميزة عن الأخرى، ونظراً إلى أن صفحة القتال ألصق بما مضى، وأكثر مناسبة من الأخرى قدمناها في الترتيب. غزوة حنين: إن فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة شده لها العرب، وبوغتت القبائل المجاورة بالأمر الواقع، الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه، ولذلك لم تمتنع عن الاستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة، وفي مقدمتها بطون هوازن وثقيف، واجتمعت إليها نصر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال - وكلها من قيس عيلان - رأت هذه البطون من نفسها عزاً وأنفة أن تقابل هذا الانتصار بالخضوع، فاجتمعت إلى مالك بن عوف النضري، وقررت المسير إلى حرب المسلمين. مسير العدو ونزوله بأوطاس: ولما أجمع القائد العام - مالك بن عوف - المسير إلى حرب المسلمين ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فسار حتى نزل بأوطاس - وهو واد في دار هوازن بالقرب من حنين، لكن وادي أوطاس غير وادي حنين، وحنين واد إلى جنب ذي المجاز، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات. مجرب الحروب يغلط رأي القائد: ولما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصمة - وهو شيخ كبير، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب وكان شجاعاً مجرباً - قال دريد بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس. مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصبي وثغاء الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس، نساءهم وأموالهم وأبناءهم، فدعا مالكاً وسأله عما حمله على ذلك. فقال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال: راعي ضأن واللَّه، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم سأل عن بعض البطون والرؤساء، ثم قال: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم، ثم ألق الصباة على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. ولكن مالكاً - القائد العام - رفض هذا الطلب قائلاً واللَّه لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، واللَّه لتطيعني هوازن أو لأتكأن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فقالوا: أطعناك فقال دريد هذا يوم لم أشهده ولم يفتن: ياليتني فيها جذع أخب فيها وأضع أقود وطفاء الدمع كأنها شاة صدع سلاح اكتشاف العدو: وجاءت إلى مالك عيون كان قد بعثهم للاستكشاف عن المسلمين، جاءت هذه العيون وقد تفرقت أوصالهم. قال: ويلكم، ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق، واللَّه ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. سلاح استكشاف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ونقلت الأخبار إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمسير العدو، فبعث أبا حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم. ففعل. الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر مكة إلى حنين: وفي يوم السبت - السادس من شهر شوال سنة 8هـ - غادر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مكة - وكان ذلك اليوم التاسع عشر من يوم دخوله في مكة - خرج في اثني عشر ألفاً من المسلمين، عشرة آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة. وأكثرهم حديثو عهد بالإسلام. واستعار من صفوان بن أمية مائة درع بأداتها، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد. ولما كان عشية جاء فارس، فقال: إني طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكر أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، فتبسم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال: تلك غنيمة للمسلمين غداً إن شاء اللَّه، وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مرثد الغنوي. وفي طريقهم إلى حنين رأوا سدرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط، كانت العرب تعلق عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها ويعكفون، فقال بعض أهل الجيش لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال: اللَّه أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم. وقد كان بعضهم قال نظراً إلى كثرة الجيش لن نغلب اليوم، وكان قد شق ذلك على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم . الجيش الإسلامي يباغت الرماة والمهاجمين: انتهى الجيش الإسلامي إلى حنين ليلة الأربعاء لعشر خلون من شوال، وكان مالك ابن عوف قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرق كمناءه في الطرق والمداخل، والشعاب والأخباء والمضايق، وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا. ثم يشدوا شدة رجل واحد. وبالسحر عبأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جيشه، وعقد الألوية والرايات وفرقها على الناس. وفي عماية الصبح استقبل المسلمون وادي حنين، وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي، فبيناهم ينحطون إذا هم تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد، فانشمر المسلمون راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة حتى قال أبو سفيان بن حرب، وهو حديث عهد بالإسلام: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر - الأحمر - وصرخ جبلة أو كلدة بن الجنيد: ألا بطل السحر اليوم. وانحاز رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جهة اليمين وهو يقول هلموا إليّ أيها الناس، أنا رسول اللَّه، أنا محمد بن عبد اللَّه، ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين وأهل بيته تسعة عشرة أو اثنا عشر وروي ثمانون. وحينئذ ظهرت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا نظير لها. فقد طفق يركض بغلته قبل الكفار وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذاً بلجام بغلته، والعباس بركابه، يكفانها، أن لا تسرع. ثم نزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاستنصر ربه قائلاً اللهم أنزل نصرك. رجوع المسلمين واحتدام المعركة: وأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عمه العباس - وكان جهير الصوت - أن ينادي الصحابة قال العباس فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة؟ قال: فواللَّه لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك. ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا. وصرفت الدعوة إلى الأنصار، يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى كما كانوا تركوا الموقعة. وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال: الآن حمى الوطيس. ثم أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب الأرض، فرمى بها في وجوه القوم وقال: اشهت الوجوه، فما خلق اللَّه إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً من تلك القبضة. فلم يزل حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً. انكسار حدة العدو، وهزيمته الساحقة: وما هي إلا ساعات قلائل - بعد رمي القبضة - حتى انهزم العدو هزيمة منكرة وقتل من ثقيف وحدهم نحو السبعين. وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلاح وظعن. وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 25-26>. حركة المطاردة: ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى نخلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري، فناوش الفريقان القتال قليلاً، ثم انهزم جيش المشركين وفي هذه المناوشة قتل القائد أبو عامر الأشعري. وطاردت طائفة أخرى من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة فأدركت دريد بن الصمة فقتله ربيعة بن رفيع. الغنـائــم: وكانت الغنائم السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرون ألفاً، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة. وأربعة آلاف أوقية فضة، أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بجمعها، ثم حبسها بالجعرانة، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري ولم يقسمها حتى فرغ من غزوة الطائف. وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية؛ أخت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فلما جيء بها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عرفت له نفسها فعرفها بعلامة فأكرمها، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، ثم من عليها، وردها إلى قومها. غزوة الطائف: وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع القائد العام - مالك بن عوف النصري - وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم بالجعرانة في نفس الشهر - شوال سنة 8هـ. وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل، ثم سلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، فمر في طريقه على النخلة اليمانية، ثم على قرن المنازل، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه، ثم واصل سيره حتى انتهى إلى الطائف فنزل قريباً من حصنه، وعسكر هناك. وفرض الحصار على أهل الحصن. ودام الحصار مدة غير قليلة، ففي رواية أنس عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يوماً، وعند أهل السير خلاف في ذلك، فقيل: عشرين يوماً، وقيل بضعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: خمسة عشر. ووقعت في هذه المدة مراماة ومقاذفات، فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رمياً شديداً كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلاً، واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك. ونصب النبي صلى الله عليه وسلم المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، حتى وقعت شدخة في جدار الحصن، فدخل نفر من السلمين تحت دبابة. ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه، فأرسل عليهم العدو سكك الحديد محماة بالنار. فخرجوا من تحتها، فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجالاً. وأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم - كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام - أمر بقطع الأعناب وتحريقها. فقطعها المسلمون قطعاً ذريعاً، فسألته ثقيف أن يدعها للَّه والرحم، فتركها للَّه والرحم. ونادى مناديه صلى الله عليه وسلم أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم ثلاثة وعشرون رجلاً فيهم أبو بكرة - تسور حصن الطائف وتدلي منه ببكرة مستديرة يستقي عليها، فكناه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبا بكرة - فأعتقهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة. ولما طال الحصار واستعصى الحصن، وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال وبسكك الحديد المحماة - وكان أهل الحصن قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة - استشار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلي فقال: هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك، وحينئذ عزم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس إنا قافلون غداً إن شاء اللَّه، فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم اغدوا على القتال، فغدوا فأصابهم جراح، فقال: إنا قافلون غداً إن شاء اللَّه، فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يضحك. ولما ارتحلوا واستقلوا قال: قولوا آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون. وقيل: يا رسول اللَّه ادع على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم. قسمة الغنائم بالجعرانة: ولما عاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد رفع الحصار عن الطائف مكث بالجعرانة بضع عشرة ليلة لا يقسم الغنائم، ويتأنى بها، يبتغي أن يقدم عليه وفد هوازن تائبين فيحرزوا ما فقدوا. ولكنه لم يجبه أحد، فبدأ بقسمة المال، ليسكت المتطلعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة. فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطى وحظي بالأنصبة الجزلة. وأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ فأعطاه مثلها، فقال: ابني معاوية؟ فأعطاه مثلها، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى، فأعطاه إياها. وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل ثم مائة ثم مائة - كذا في الشفاء وأعطى الحارث بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وكذلك أعطى رجالاً من رؤساء قريش وغيرها مائة مائة من الإبل، وأعطى آخرين خمسين خمسين وأربعين أربعين حتى شاع في الناس أن محمداً يعطي عطاء ما يخاف الفقر. فازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة، فانتزعت رداءه فقال: أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم. ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً. ثم قام إلى جنب بعيره فأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين إصبعه، ثم رفعها، فقال: أيها الناس، واللَّه مالي من فيئكم، ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم. وبعد إعطاء المؤلفة قلوبهم أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بإحضار الغنائم والناس، ثم فرضها على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل أربعاً من الإبل وأربعين شاة، فإن كان فارساً أخذ اثني عشر بعيراً وعشرين ومائة شاة. كانت هذه القسمة مبنية على سياسة حكيمة، فإن في الدنيا أقواماً كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم، لا من عقولهم، حتى يستأنسوا بالإيمان ويطمئنّوا له. الأنصار تجد على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : وهذه السياسة لم تُفهم أول الأمر، فأطلقت ألسنة شتى بالاعتراض، وكان الأنصار ممن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة، لقد حرموا جميعاً أعطية حنين، وهم الذين نودوا وقت الشدة فطاروا يقاتلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تبدل الفرار انتصارا، وها هم أولاء يرون أيدي الفارين ملأى، وأما هم فلم يمنحوا شيئاً قط. روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال: لما أعطى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي واللَّه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول اللَّه إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء.قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول اللَّه ماأنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا. وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال: لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللَّه؟ وعالة فأغناكم اللَّه؟ وأعداء فألف اللَّه بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، اللَّه ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول اللَّه؟ للَّه ولرسوله المن والفضل. قال: أما واللَّه لو شئتم لقلتم، فلصَدَقتم ولصُدِّقْتُم آتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قسماً وحظاً، ثم انصرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وتفرقوا. قدوم وفد هوازن: وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلماً، وهم أربعة عشر رجلاً، ورأسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فسألوه أن يمن عليهم بالسبي والأموال، وأدلوا إليه بكلام ترق له القلوب. فقال: إن معي من ترون، وإن أحب الحديث إلي أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً. فقال: إذا صليت الغداة - أي صلاة الظهر - فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين، ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يرد لنا سبينا، فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل لكم الناس، فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا. وقال العباس بن مرداس أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم . فقال العباس بن مرداس: وهنتموني. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء القوم قد جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيت سبيهم، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً. فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم، وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء اللَّه علينا، فقال الناس قد طيبنا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم . فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض. فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن فإنه أبى أن يرد عجوزاً صارت في يديه منهم، ثم ردها بعد ذلك. وكسا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم السبي قبطية قبطية. العمرة والانصراف إلى المدينة: ولما فرغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من قسمة الغنائم في الجعرانة أهل معتمراً منها، فأدى العمرة، وانصرف بعد ذلك راجعاً إلى المدينة بعد أن ولى على مكة عتاب بن أسيد، وكان رجوعه إلى المدينة لستّ ليالٍ بقيت من ذي القعدة سنة 8هـ. قال محمد الغزالي: للَّه ما أفسح المدى الذي بين هذه الآونة الظافرة بعد أن توج اللَّه هامته بالفتح المبين، وبين مقدمه إلى هذا البلد النبيل منذ ثمانية أعوام؟ لقد جاءه مطارداً يبغي الأمان، غريباً مستوحشاً ينشد الإيلاف والإيناس، فأكرم أهله مثواه، وآووه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، واستخفوا بعداوة الناس جميعاً من أجله، وها هو ذا بعد ثمانية أعوام يدخل المدينة التي استقبلته مهاجراً خائفاً؛ لتستقبله مرة أخرى وقد دانت له مكة، وألقت تحت قدميه كبرياءها وجاهليتها فأنهضها؛ ليعزها بالإسلام، وعفا عن خطيئاتها الأولى {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90>. البعوث والسرايا بعد الرجوع من غزوة الفتح وبعد الرجوع من هذا السفر الطويل الناجح أقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة يستقبل الوفود، ويبعث العمال، يبث الدعاة، ويكبت من بقي فيه الاستكبار عن الدخول في دين اللَّه، والاستسلام للأمر الواقع الذي شاهدته العرب. وهاك صورة مصغرة من ذلك المصدقون: قد عرفنا مما تقدم أن رجوع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان في أواخر أيام السنة الثامنة فما هو إلا أن استهل هلال المحرم من سنة 9هـ، حتّى بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المصدقين إلى القبائل. وهذه هي قائمتهم: عيينة بن حصن إلى بني تميم. يزيد بن الحصين إلى أسلم وغفار. عباد بن بشير الأشهلي إلى سليم ومزينة. رافع بن مكيث إلى جهينة. عمرو بن العاص إلى بني فزارة. الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب. بشير بن سفيان إلى بني كعب. ابن اللتبية الأزدي إلى بني ذبيان. المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء. وخرج عليه الأسود العنسي وهو بها. زياد بن لبيد إلى حضرموت. عدي بن حاتم إلى طيء وبني أسد. مالك بن نويرة إلى بني حنظلة. الزبرقان بن بدر إلى بني سعد: إلى قسم منهم. قيس بن عاصم إلى بني سعد: إلى قسم آخر منهم. العلاء بن الحضرمي إلى البحرين. علي بن أبي طالب إلى نجران لجمع الصدقة والجزية كليهما. وليس هؤلاء العمال كلهم بعثوا في المحرم سنة 9هـ، بل تأخر بعث عدة منهم إلى اعتناق الإسلام من تلك القبائل التي بعثوا إليها. نعم كانت بداية بعث العمال بهذا الاهتمام البالغ في المحرم سنة 9هـ. وهذا يدل على مدى نجاح الدعوة الإسلامية بعد هدنة الحديبية، وأما بعد فتح مكة فقد دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً. السرايــا: وكما بعث المصدقون إلى القبائل، مست الحاجة إلى بعث عدة من السرايا مع سيادة الأمن على عامة مناطق الجزيرة. وهاك لوحة تلك السرايا: سرية عيينة بن حصن الفزاري - في المحرم سنة 9هـ - إلى بني تميم، في خمسين فارساً، لم يكن فيهم مهاجرون ولا أنصار. وسببها أن بني تميم كانوا قد أغروا القبائل، ومنعوهم عن أداء الزكاة. وخرج عيينة بن حصن يسير الليل ويكمن النهار حتى هجم عليهم في الصحاري فولى القوم مدبرين، وأخذ منهم أحد عشر رجلاً وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبياً، وساقهم إلى المدينة، فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث. وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم، فجاؤوا إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا يا محمد اخرج إلينا. فخرج فتعلقوا به، وجعلوا يكلمونه، فوقف معهم، ثم مضى حتى صلى الظهر، ثم جلس في صحن المسجد، فأظهروا رغبتهم في المفاخرة والمباهاة. وقدموا خطيبهم عطارد بن حاجب فتكلم، فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس - خطيب الإسلام - فأجابهم ثم قدموا شاعرهم الزبرقان ابن بدر فأنشد مفاخراً، فأجابه شاعر الإسلام حسان بن ثابت على البديهة. ولما فرغ الخطيبان والشاعران قال الأقرع بن حابس خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا، وأقوالهم أعلى من أقوالنا، ثم أسلموا فأجازهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فأحسن جوائزهم، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم. سرية قطبة بن عامر إلى حي من خثعم بناحية تبالة، وبالقرب من تربة. في صفر سنة 9هـ. خرج قطبة في عشرين رجلاً على عشرة أبعرة يعتقبونها، فشن الغارة، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعاً، وقتل قطبة مع من قتل، وساق المسلمون النعم والنساء والشاء إلى المدينة. سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول سنة 9هـ بعثت هذه السرية إلى بني كلاب؛ لدعوتهم إلى الإسلام، فأبوا وقاتلوا فهزمهم المسلمون وقتلوا منهم رجلاً. سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى سواحل جدة في شهر ربيع الآخر سنة 9هـ - في ثلاثمائة. بعثهم إلى رجال من الحبشة كانوا قد اجتمعوا بالقرب من سواحل جدة للقيام بأعمال القرصنة ضد أهل مكة، فخاض علقمة البحر حتى انتهى إلى جزيرة، فلما سمعوا بمسير المسلمين إليهم هربوا. سرية علي بن أبي طالب إلى صنم لطيء، يقال له القلس - ليهدمه - في شهر ربيع الأول سنة 9هـ. بعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في خمسين ومائة على مائة بعير وخمسين فرساً، ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة حاتم مع الفجر، فهدموه وملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام، وجد المسلمون في خزانة القلس ثلاثة أسياف وثلاثة أدرع، وفي الطريق قسموا الغنائم وعزلوا الصفي لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم . ولم يقسموا آل حاتم. ولما جاؤوا إلى المدينة استعطفت أخت عدي بن حاتم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائلة يا رسول اللَّه، غاب الوافد وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة، ما بي من خدمة، فمنّ علي، من اللَّه عليك. قال: من وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الذي فر من اللَّه ورسوله؟ ثم مضى، فلما كان الغد قالت مثل ذلك، وقال لها مثل ما قال أمس. فلما كان بعد الغد قالت مثل ذلك، فمن عليها. وكان إلى جنبه رجل - ترى أنه علي - فقال لها سليه الحملان فسألته فأمر لها به. ورجعت أخت عدي بن حاتم إلى أخيها عدي بالشام، فلما لقيته قالت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، ائته راغباً أو راهباً، فجاءه عدي بغير أمان ولا كتاب. فأتى به إلى داره، فلما جلس بين يديه حمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: ما يفرك؟ أيفرك أن تقول لا إله إلا اللَّه؟ فهل تعلم من إله سوى اللَّه؟ قال: لا. ثم تكلم ساعة ثم قال: إنما تفر أن يقال: اللَّه أكبر فهل تعلم شيئاً أكبر من اللَّه؟ قال: لا. قال: فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضالون. قال: فإني حنيف مسلم، فانبسط وجهه فرحاً، وأمر به فتركه عند رجل من الأنصار، وجعل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم طرفي النهار. وفي رواية ابن إسحاق عن عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجلسه بين يديه في داره قال له إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسياً؟ قال: قلت بلى. قال: أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع؟ قال: قلت بلى. قال: فإن ذلك لم يحل لك في دينك. قال: قلت أجل واللَّه. قال: وعرفت أنه نبي مرسل، يعرف ما يجهل. وفي رواية لأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا عدي أسلم تسلم. فقلت إني من أهل دين. قال: أنا أعلم بدينك منك. فقلت أنت أعلم بديني مني؟ قال: نعم، ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟ فقلت بلى قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك. قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها. وروى البخاري عن عدي قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة. ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ فإن طالت بك حياة لترين الظعينة، ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلا اللَّه، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة ويطلب من يقبله، فلا يجد أحداً يقبله منه - الحديث - وفي آخره قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا اللَّه. وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج ملء كفه.

م.ن


من مواضيعي
0 مسح الوجه باليدين بعد الدعاء (دراسة فقهية)
0 السرايا والبعوث
0 انشوده يارسول الله وقدوتنا
0 إبطال شبهات الملاحدة الماديين في إنكار ...
0 الطريقة الأساسية للاستذكار الجيد
0 علاجات بديلة لعسر الهضم في رمضان
0 دعاء خاص لمن أراد أن يحفظ كتاب الله
0 الصيد والقنص

البشير غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
السرايا, والبعوث

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:53 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009