ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > الملتقى الاسلامى > الشيعه في الميزان
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

تطور نظرية الإمامة عند الشيعة

الشيعه في الميزان


تطور نظرية الإمامة عند الشيعة

الشيعه في الميزان


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-19-2017, 07:07 PM   #1
الباسم
فارس
 
الصورة الرمزية الباسم
 

افتراضي تطور نظرية الإمامة عند الشيعة

ماجد الخليفة






تطور نظرية الإمامة عند الشيعة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له ، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام ، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار .
أما بعد :
اقتضت رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن جعل أمتنا خير أمة أخرجت للناس لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر ، وإيمانها برب العالمين كما قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (1) ولم تأتِ هذه الخيرية إلا باتباع هذه الوصايا القرآنية العظيمة ، وإذا أضاعت الأمة هذا المنهج فقد ضيعت نفسها ، وتفرقت بها السبل ، بعد أن حذرها النبي من الافتراق والاختلاف بالالتزام بطريق الإسلام بقوله : «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك ، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي » (2) .
وهذا التفرق قد حصل فعلاً في هذه الأمة ، رغم هذا البيان النبوي الواضح الذي لا مرية فيه، بضرورة التمسك بما كان عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه (رضي الله عنهم) ، فقد ظهر التفرق والاختلاف الذي مزق الأمة ، وقد أزداد هذا التفرق كلما ابتعدنا عن زمن النبوة ، فظهرت الكثير من الفرق التي شوهت الإسلام ، وزاغت بأفكارها عن الصراط المستقيم ، فوقعت في شر الذنوب وأعظمها وهو الإشراك بالله عز وجل ، وفتنهم الشيطان ولم ينظروا إلى وصية رب العالمين لهم :{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } (3).
ومن رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن جعل لها علماء يذبون عنها ، ويبينون للناس مداخل الهاوية في هذه الدنيا ، قبل أن يقعوا فيها في الآخرة ، كما وصف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : « من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين والله المعطي وأنا القاسم ، ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون » (4) ، وأهم صفات فرقة الحق هو العلم الذي عند هذه الطائفة ، لأنها لا يمكن أن تكون على الحق وهي جاهلة به، وإنما علمها هو الذي أهلها لتكون من هذه الطائفة .
وقد صنف العلماء قديماً وحديثاً في تفرق هذه الأمة وبيان حال طائفة الحق مما لا يسع المجال لذكره هنا ، وبحثوا أسباب هذا التفرق وسبل معالجته وتداركه ، ودخلوا في مناظرات ومكاتبات ومؤلفات مع أهل المقالات المختلفة قديماً وحديثاً ، حاملين وصية الله تعالى للنبي واتباعه من بعده : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} (5).
ومن أهم المباحث الكلامية التي أثارت جداً طويلاً هي مسألة الإمامة ، ونعني بها هنا الإمامة الكبرى ، وقد اعتنى كثير من العلماء المسلمين بمبحث الإمامة منذ وقت مبكر ، ونبع هذا الاهتمام من كثرة الجدل الذي دار بين المسلمين ، والذي كان سبباً في ظهور عدد من الفرق الإسلامية التي دارت مباحثها الكلامية حول الإمامة ، كمبحث رئيس من مباحثها الجدلية .
ومن أشهر هذه الفرق هم الشيعة على اختلاف طوائفهم ، ويقف على رأس فرقهم ما عرف عند علماء الملل والنحل بفرق الإمامية ، وهم أكثر من فرقة ، بل إن فرق الشيعة على الإطلاق اعتنت بهذا المبحث ، واعتبرته الأساس في تكوينها ودعوتها ، وحتى انتمائها وعباداتها .
إن الأمر الرئيس الذي تجتمع عليه فرق الشيعة منذ ظهروها هي الإمامة ، وقد أصبحت هذه المسألة هي السبب نفسه في تفرق الشيعة فيما بعد ، بل السبب في تقسيمها عند علماء المسلمين الذين صنفوا الفرق الإسلامية ، ولكن السـؤال الذي يطرح نفسه من الذي قال أولا بنظرية الإمامة ، والإمـام الحجة ؟
يذهب معظم العلماء الذين أرخوا لتاريخ ظهور الفرق الإسلامية ، إن أول من أظهر هذه المقالة هو عبد الله بن سبأ اليهودي الذي كان من أهل الفتنة والزيغ ، قال الشهرستاني : ( وكان يقول في اليهودية في يوشع بن نون وصي موسى عليهما السلام مثل ما قال في علي رضي الله تعالى عنه ، وهو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي رضي الله عنه ، ومنه تشعبت أصناف الغلاة .. ) (6) .
من هذا النص يتضح أن عبد الله بن سبأ لم يكن صاحب المقالة التي أشيعت عنه بالقول بألوهية علي رضي الله عنه فقط ، كما روى ذلك عدد من المؤرخين من كلا الفريقين(7) ، بل المقالة الأخطر بنظرنا ، والتي لقت رواجاً كبيراً فيما بعد ، وكانت الأساس الذي قامت عليه فرق الشيعة ، هي قوله بالنص على إمامة علي رضي الله تعالى عنه ، وبأن الصحابة رضي الله عنهم قد خالفوا وصية النبي صلى الله عليه وسلم ، وحاشاهم من ذلك ، عندما بايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، وهذا واضح من خلال الروايات المتناثرة التي وردت في كتب الشيعة أنفسهم ، فقد أخرج الإمامية أكثر من رواية تفيد بأن عبد الله بن سبأ كان يدخل على أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه في خلافته مع بعض أصحابه (8) .
ومن هنا رجح الحافظ ابن حزم الظاهري بأن عبد الله بن سبأ قد ادعى الإســلام ، ولم يسلم حقـاً : ( ليضل من أمكنه من المسلمين ، فنهج لطائفة رذيلة كانوا يتشيعون في علي رضي الله عنه أن يقولوا بألوهية علي ) (9) ، وليس هذا كلام العلماء من أهل السنة فقط ، بل هو كلام علماء الشيعة الإمامية أيضاً ، بأن عبد الله بن سبأ اليهودي كان أول من أشهر القول بإمامة علي وسائر أهل بيته ، فقد نقل أكثر من واحد من علمائهم عن الكشي قوله : ( وذكر أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى عليا ، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون ، فقال في إسلامه في علي مثل ذلك ، وكان ( ابن سبأ ) أول من أشهر القول بإمامة علي ، وأظهر البراءة من أعدائه ، وكاشف مخالفيه وكفرهم ، فمن هنا قال من خالف الشيعة عن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهود ) (10) .
وهذا النص يبين مقالة خبيثة أخرى أظهرها عبد الله بن سبأ ، وهي البراءة من أعداء علي كرم الله تعالى وجهه ، ويعني بعبارة أخرى البراءة من الصحابة رضي الله عنهم ، لأنهم هم الذين حرموه من حقه ، وهذه المقالة لازالت عند الشيعة الإمامية لهذه اللحظة ! ، فكانت خطة عبد الله بن سبأ ترمي إلى زعزعة احترام المسلمين لخير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ، وبذلك يكون قد حقق غرضين من فعلته هذه .
الأولى تفريق المسلمين بعد أن حثهم الله تعالى على التمسك بقوة بهذا الدين وعدم تتبع السبل :v وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (11) .
والثانية إظهار الطعن بصحابة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وبالتالي التشكيك بالإسلام وشرعه ، وهـذا يقطع صلة الإتصتال بين المسلمين والصحابـة رضي الله عنهم ، ومع شديد الأسف حصل هذا بالفعل ، وانطوى على كثيراً من النـاس ممن سلك مسلك التشيع وهو لا يدري بأصله .
ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد بل تطورت هذه المقالة بشكل يثير الاهتمام والغرابة ، وتلقفتها الأيدي رغم موت ابن سبأ واضمحلال فرقته التي ادعت ألوهية علي رضي الله عنه ، بحيث لعنه أهل البيت كما أورد ذلك الشيعة في كتبهم عن زين العابدين علي بن الحسين قال : (( لعن الله من كذب علينا ، إني ذكرتُ عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة من جسدي ، لقد ادعى أمراً عظيماً ماله لعنه الله .
كان علي (رضي الله عنه) والله عبداً صالحاً لله أخاً لرسول الله ، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله ، وما نال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله )) (12) ، من هذا يتضح تحذير أئمة أهل البيت من هذا الرجل ، ومن كذبه على لسانهم خاصة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وكانوا على علم بما دعى إليه وما انتشر على لسانه من مقالات الزيغ والضلال ، ومع ذلك فقد أخذوا هذه المقالات ، وعدوها من الدين!
وقد تطورت هذه المقالات التي دعى إليها عبد الله بن سبأ على أيدي كثير من أهل الأهواء الذين وجدوا فيها بيئة خصبة لزرع هذه المقالات من جديد بحيث تكون أكثر إقناعاً وقبولاً ، ومن أشهر هؤلاء هشام بن الحكم الكندي ( ت 195هـ ) (13) ، وقد وصفه ابن قتيبة وكان معاصراً له : ( كان رافضياً غالياً ، ويقول في الله تعالى بالأقطار والحدود والأشبار وأشياء يتحرج من حكايتها وذكـرها لا خفـاء على أهل الكلام بها ) (14) ، واشتهرت هذه المقالة عنه وتواترت حتى اصبح لا ينكرها إلا من ينكر القمر ليلة البدر .
قال ابن حزم عن هشام بن الحكم : ( كان من كبار الرافضة ومشاهيرهم وكان مجسماً يزعم أن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه ، ويزعم أن علم الله محدث ) (15) ، وهو في نظر الشيعة من أوثق الرجال قال عنه النجاشي : ( كان ثقة في الروايات ، حسن التحقيق بهذا الأمر ) (16) ، ومن الراجح لدينا أن الحكم بن هشام هذا مع آخرين سيأتي ذكرهم قد طور مقالة الإمامة التي أظهرها عبد الله بن سبأ اليهودي .
وبدأ برواية الأخبار عن علماء آل البيت خاصة جعفر الصادق وابنه موسى الكاظم ، وقد أخرج له الكليني أكثر من ( 134) رواية مباشرة عن هذين الإمامين ويعده الشيعة من مشاهير متكلميهم ، وهو الذي أصّل نظرية الإمامة عندهم ، ومن ضمن روايته الشهيرة التي أخرجها الكليني روايته عن الصادق القول بتحريف القرآن وبأن : ( القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمد سبعة عشرة ألف آية ) (17 ) .
ومثل هذا الرجل يجب أن لا يتطرق لروايته الشك عند الشيعة أو التفكير بأن افتعل الأخبار قال العاملي : ( هشام بن الحكم من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام ، قال أصحاب الرجال في حقه : كان ثقة في الرواية حسن التحقيق بهذا الأمر رفيع الشأن عظيم المنزلة ... وكان ممن فتق الكلام وهذب المذهب بالنظر ، وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب ) (18) .
والعجيب أن الشيعة يعظمون هذا الرجل التعظيم الذي تراه ، مع أنهم يروون في كتبهم ذم علماء أهل البيت له خاصة جعفر الصادق ففي رواية أخرجها الكليني عن : ( علي بن حمزة قال قلت لأبي عبد الله سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أن الله جسم صمدي نوري معرفته ضرورة يمنّ بها على من يشاء من خلقه ، فقال : سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو {كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } (19) ) (20) ، ففي هذه الرواية تصريح بأن هشام هذا كان يكذب على الصادق ، فكذبه الأخير ، فكيف يحل للشيعة الأخذ عن هذا الرجل وعده من أوثق رجالهم ؟! .
وعند العودة إلى علماء أهل السنة ، خاصة من كتب منهم في أقوال الفرق والمقالات ، نجدهم يصنفون فرقة تحمل اسم هشام بن الحكم وهي فرقة ( الهشامية ) أو ( الحكمية ) التي ادعت إمامة أولاد علي رضي الله عنه انتهاءً بالصادق ، وهناك من يقول إلى موسى الكاظم(21) ، وهو التاريخ الذي مات فيه هشام بن الحكم ، وبذلك استطاع هذا الرجل أن يكون له تياراً خاصاً اعتمد عليه من جاء بعده في إثبات نظرية الإمامة بالاعتماد على أسلوب الجدل والكلام الذي اشتهر به ، ليأخذها من بعده صاحبه هشام بن سالم الجواليقي ويواصل ما بدأه أستاذه من تحقيق هدفهم بإتمام ترسيخ مقالة الإمامة وجعلها مضاهية أو مقاربة لمقام النبوة .
والكلام نفسه يمكن قوله على هشام بن الحكم الجواليقي ، الذي وردت الأخبار عند الشيعة في ذمه على لسان الصادق ، فهذا الكليني ينقل مقالة الجواليقي في : ( أن الله تعالى أجوف من الرأس إلى السرة الباقي مصمت ، فخر ( الصادق ) لله ساجداً ثم قال : سبحـانك ما عرفوك ولا وحدوك ، فمن أجل ذلك وصفوك ) (22) ، ووردت رواية أخرى عند الكليني في ذم الجواليقي عن موسى الكاظم(23) ، وينقل العلماء من أهل السنة هذه المقالات نفسها عن هشام الجواليقي ، وإنما قدمنا النقل من كتبهم ليتضح الحق من الباطل ، وإلى هشام بن الحكم تنسب فرقة من الشيعة هي فرقة الهشامية أو الجواليقية (24 ) .
وعلى كل حال لا يمكن أن نتطرق إلى كل من قال بالإمامة من رواة الشيعة من أمثال زرارة بن أعين الذي تنسب إليه الزرارية من فرق الشيعة ، وشيطان الطاق الذي تنسب إليه فرقة الشيطانية ، مما سيأتي الآلوسي على ذكره ، لأن هذا بحاجة إلى بحث معمق ومستقل ، ولكن الذي نريد أن نبينه أن هؤلاء الرواة كانوا قد وقفوا في إمامة عدد من الأئمة ، ولا ضير عند الشيعة الإمامية في النقل عنهم إذا لم تكن هذه الروايـات توافق مذهبهم(25) ، إلا أن هؤلاء القوم هم الذين حملوا على عاتقهم تطوير مقالة ابن سبأ من حصر الإمامة بعلي بن أبي طالب إلى مسائل أخرى مثل القول بالحجة والعصمة .
وتدريجياً بدأت تترسخ فكرة الإمامة عند الشيعة على اختلاف فرقهم ، مع عدم تعيين أياً من الأئمة ، وكان الهدف من ذلك تغذية الجوانب كافة ، وعدم تحديد اتجاه معين ، لكي يقع الاختيار على المقالة التي يمكن أن تعيش طويلاً وتتفرع منها شجرة خبيثة التي بدأت تتلقفها أيدي المنافقين ، وتشذبها حتى ظهرت مقالة قريبة منها ، وهي أن الإمامة هي بمنزلة النبوة ، بل تزيد عليها ، لأن الأرض قد تخلو من نبي ولكنها لا يمكن أن تخلوا من إمام كما روي فيما بعد في كتب الإمامية عن جعفر الصادق : ( لم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله ظاهر مشهور ، أو غائب مستور ، ولا يخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها ، ولما ذلك لما عيد الله ، قال سليمان [ راوي القصة ] فقلت للصادق فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور ؟ قال : كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب ) (26) .
فإذن وظيفة الإمام لا تنحصر في وظيفة البلاغ المبين ، بل هو حجة الله تعالى على خلقه رغم أن ذلك يعارض القـرآن الكريـم قال تعالى : { قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } (27) وقــال أيضاً { لِئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (28 ) .
والناظر لتطور نظرية الإمامة عند الشيعة يجدها غير واضحة المعالم ، في الوقت نفسه الذي اختلفت فيه تفاصيل الإيمان بها عند فرق الشيعة المختلفة ، وفي تحديد الإمام الواجب الاتباع ، وإن ذهبت أغلبية الشيعة إلى القول بإمامة البيت العلوي ، وبالتحديد إمامة الفاطميين ، بل اصبح هذا النسب محط أنظار الطامعين في الوصول للسلطة ، مثل العبيديين الذين ادعوا النسـب الفاطمي ، رغم أنهم لا يمتون بصلة إليه .
والإمامة عند الشيعة قد تطورت مع مرور الوقت ، حتى أصبحت فرق الشيعة تتنافس لكسب الأعوان ووصل بها الأمر إلى أن تكفرّ بعضها بعضاً ، فالإمامية الذين يقولون بإمامة موسى الكاظم بعد جعفر الصادق يكفرون الإسماعيلية الذين قالوا بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق ، بل يكفرون عدد من رجال البيت الطاهر مثل تكفيرهم جعفر بن موسى الكاظم لأنه أنكر أن يكون لأخيه ولد ، فكفروه ولقبوه بالكذاب لهذا السبب ، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى .
وليس هذا الأمر مهماً بقدر اعترافهم بأن منكر الإمامة من أي جماعة كان أو فرقة يعد كافراً يستحق الخلود في النار كما قال شيخهم المضر الذي يسمونه بـ ( المفيد ) : ( اتفقت الإمامية على كفر من أنكر إمامة أحد الأئمة ، وجحد ما أوجب الله تعالى له فرض إطاعته فهو كافر ضال مستحق الخلود في النار ) (29) ، وكانت هذه الخطوة التالية عند الإمامية في سبيل تثبيت هذه العقيدة في صدور اتباعهم ، والتأكيد على مخالفة جمهور المسلمين عندما عدوا الإيمان بالإمامة من شروط الإيمان ، وجاحد ذلك كافر مخلد في النار .
وبتقديري فإن هذا الانحراف الخطير في فهم الإمامة عند الشيعة قد جاء في وقت متأخر عن عصر الأئمة الذين يدعون اتباعهم ، فليس هناك رواية مبكرة تثبت بأن الإمامة من ضروريات الإيمان في كتب الشيعة المبكرة خاصة عند الكليني ، والذي ابتدع ذلك في عقيدتهم ابن بابويه القمي وتلميذه المضر ( المفيد ) ، كما هو واضح من كلام الأخير الذي يقول فيه : ( اتفقت الإمامية على أن الإمامة بعد النبي في بني هاشم ، ثم في علي والحسن والحسين ، ومن بعده في ولد الحسين دون ولد الحسن إلى آخر العالم ، واتفقت الإمامية على أن رسول الله استخلف أمير المؤمنين في حياته ، ونص عليه بالإمامة بعد وفاته ، وإن من دفع ذلك عنه دفع فرضاً من الدين ) (30) .
ولشدة تطرف التفكير في عقيدة الشيعة الإمامية فإنهم لم يكتفوا بما أضفوه على الإمامة من غلو ، فكان لا بد من إضافة شيء آخر يكون أكثر تطميناً لأعوانهم وهو القول بعصمة الأئمة الاثني عشرية ، وهذا ينفعهم في عد قول الإمام مساوياً لقول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وفق مقياس العصمة، قال شيخهم الصدوق، وهو كذوب : ( يجب أن يعلم أهل كل زمان أن الله هو الذي لا يخليهم في كل زمان من إمام معصوم ، فمن عبد رباً لم يقم لهم حجة ، فإنما عبد غير الله عز وجل ) (31) ، إن هذا التقديس الغير متناهٍ للإمام لم يكن حباً لأهل البيت من قبل هؤلاء الرجال الذين يفترون على الله الكذب .
وإنما كان للتقول عليهم كيفما شاءوا وبما أرادوا ، حتى تكون لهم الطاعة العمياء للمفتونين بهم ، فيجب أن يؤمن هؤلاء بأن الإمام عند الإمامية : ( معصوم من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها ، لا يزل في الفتيا ولا يخطئ في الجواب ، ولا يسهو ولا ينسى ولا يلهو بشيء من أمر الدنيا ) (32) ، والعجيب أن أيـّاً من أولئك الأئمة لم يصرح بعصمته أو إمامته تصريحاً يعول عليه في كتب الشيعة أنفسهم ، ولم يسعَ إلى الإمامة سعياً يفهم منه أنها وظيفة إلهية لا تجوز لغيره ، وإنما فعلوا عكس ذلك كما روى الشيعة في كتبهم ونقلوه عنهم .
كما اخرج الكليني عن علي أنه قال لأصحابه : ( لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل ، فإني لست آمن أن أخطئ ) (33) ، والإمام كما نفى عن نفسه العصمة ، نفى عن نفسه الإمامة بعد موت الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم كما في ( نهـج البلاغة ) : ( إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى ، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ) (34) ، وهذا هو الحق الذي آمن به علي وآمن به أهل البيت من بعده كما آمن به الصحابة الآخرين ، ويؤمن به المسلمون في كل عصر وزمان .
من خلال ذلك يتضح أن الإمامة كما يفهمها الإمامية لا تختلف عن الفرق الشيعية الأخرى ، من حيث الاعتقاد بالعصمة والإمامة ، وقد ظهرت عندهم متأخرة عن الفرق الشيعية المبكرة الأخرى مثل الزيدية والإسماعيلية ، ولم ترد تسمية الاثني عشرية عند الأشعري في كتابه عن مقالات الإسلاميين ، وقد وردت لأول مرة عند البغدادي ( ت 423هـ ) هو أول من حدد مفهوم هذا المصطلح الذي تبلور في نهاية القرن الرابع الهجري .
وليس قبل ذلك ، ولذلك ربما انتسب الإمامية الآن إلى جعفر الصادق فيقولون نحن جعفرية أو موسوية كما هو الحال لكثير من عوام الشيعة في العراق ، لأن هذا المصطلح سبق المصطلح الأول بعقود عديدة ، ولا يغرك ما يقوله الإمامية الاثني عشرية من كونهم أقدم دعاة التشيع ، لأن هذا مجرد كلام ليس له قرائن تاريخية شاهدة على مدعاهم ، وإنما هي دعوى لا دليل عليها كما فصّل ذلك الآلوسي الحفيد : ( وادِّعاء كل منهم التواتر على مزعوماتهم وهو أن يستدل بذلك على كذبهم وافترائهم ، إذ لو تواتر خبر إحدى فرقهم أيضاً لم يقع الاختلاف بينهم ... فإن هذه كلها افتراءات لهم قرروا – على وفق مصلحة الوقت - إماماً بزعمهم وأخذوا يدعون إليه ليأخذوا بهذه الذريعة الخمس والنذور والتحف والهدايا من اتباعهم باسم إمامهم المزعوم ، ويتعيشوا بها ، ومتأخروهم قد قلدوا الأوائل بلا دليل ، وسقطوا في ورطة الضلال، إنهم ألفوا آباءهم ضالين ، فهم على آثارهم يهرعون ) (35) .
ـــــــــــــــــــــــ
(1( سورة آل عمران ، آية 110 .
(2) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي ، السنن : 5/26 ، رقم 2641 ؛ الحاكم ، المستدرك : 1/218 ، رقم 444
(3) سورة يس ، آية : 60 .
(4) البخاري ، الصحيح : 3/1134 ، رقم 2948 ؛ مسلم ، الصحيح : 3/1524 ، رقم 1037 .
(5) سورة يوسف ، آية 108 .
(6) الملل والنحل : 1/174 .
(7) ينظر الأشعري : 4/142 ؛ ابن حزم ، الفصل : 4/142 ، من الشيعة الإمامية الكشي ، رجال الشيعة : ص 100 .
(8) ينظر على سبيل المثال : الطوسي ، تهذيب الأحكام : 2/322 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 33/566 .
(9) الفصل في الملل والأهواء والنحل : 1/195 .
(10) المامقاني ، تنقيح المقال : 2/184 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 25/287 .
(11) سورة الأنعام ، آية 153 .
(12) رجال الكشي : ص 100 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 25/286 .
(13) ترجمته في : الفهرست : ص249 ؛ مقالات الإسلاميين : ص31 ؛ لسان الميزان : 6/194 .
(14) تأويل مختلف الحديث : ص 48 .
(15) الفصل : 4/139 ؛ وينظر : مقالات الإسلاميين : ص31 ؛ الملل والنحل : 1/184 .
(16) رجال النجاشي : 2/398 .
(17) الكافي : 2/634 .
(18) أعيان الشيعة : 1/42 .
(19) سورة الشورى ، آية 11 .
(20) الكافي : 1/104 .
(21) مقالات الإسلاميين : ص31 ؛ الملل والنحل : 1/184 .
(22) الكافي : 1/100.
(23) الكافي : 1/105 .
(24) الفرق بين الفرق : ص216 ؛ الملل والنحل : 1/185 .
(25) بحار الأنوار : 51/41 .
(26) ابن بابويه القمي ، كمال الدين : 1/207 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 23/5 .
(27) سورة الأنعام ، آية 149 .
(28) سورة النساء ، آية 165 .
(29) نقل ذلك المجلسي في بحار الأنوار : 8/366 .
(30) أوائل المقالات : ص 48 .
(31) بحار الأنوار : 5/321 .
(32) كما هي الرواية عن علي بن أبي طالب t في بحار الأنوار : 17/108 .
(33) الكافي : 8/356 .
(34) شرح نهج البلاغة : 3/75 .
(35) مختصر التحفة : ص 200 . وينظر تفاصيل هذه الفرق في الأشكال الآتية .
المصدر: موسوعة الرشيد


من مواضيعي
0 مشكلة الشر ووجود الله
0 كيف تستعد لرمضان
0 الصفوية والصوفية .. خصائص وأهداف مشتركة [26]
0 الواجب الثقيل
0 أيحكم على من لبس الصليب بالكفر والخروج عن الإسلام
0 التوسل
0 تطبيق الأحاديث القدسية
0 الصفوية والصوفية .. خصائص وأهداف مشتركة [24]

الباسم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
نظرية, الأمانة, الشيعة, تطور

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:08 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009