ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى الرد علي مواقع و مؤلفات
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

هتك الستار عما فى رسالة الكندىّ الحِمَار من عُوَار

ملتقى الرد علي مواقع و مؤلفات


هتك الستار عما فى رسالة الكندىّ الحِمَار من عُوَار

ملتقى الرد علي مواقع و مؤلفات


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-16-2017, 01:23 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي هتك الستار عما فى رسالة الكندىّ الحِمَار من عُوَار

رساله تافهه يطنن بها المنصرون
د ابراهيم عوض
فى عَسَّةٍ من عَسّاتى التى لا تتوقف خلال المشباك وقعتُ فى بعض المواقع النصرانية على رسالتين دينيتين جداليتين منشورتين معا: الأولى من مسلم اسمه عبد الله بن إسماعيل الهاشمى إلى مسيحى يسمى عبد المسيح بن إسحاق يدعوه فيها إلى الإسلام، والثانية رد من هذا إلى ذاك يفند فيها الإسلام ويتطاول على الرسول الكريم ويبين له أن النصرانية أفضل من الدين الذى أتى به سيد الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام وأن المسيح إله نزل من عليائه وتجسد فى شكل بشر ليفدى العالم من خطيئته، على حين أن محمدا ما هو إلا نبى كذاب. وكان الهاشمى والكندى صديقين عربيين يعيشان فى أيام الخليفة العباسى المأمون بن هارون الرشيد، الذى يمت إليه عبد الله بن إسماعيل بآصرة القربى، ويشتغل فى خدمته عبد المسيح بن إسحاق على ما يقول ناشرو الرسالتين. ومن يقرأ ما كتبه هؤلاء الناشرون وما قدم به المستشرق وليام موير لرسالة الكندى فى ترجمتها الإنجليزية التى قام بها، يدرك مدى اعتزاز المبشرين بما كتبه الكندى ونظرهم إليه على أنه شىء متفرد ومتفوق على كل ما يشبهه من رسائل جدلية، إذ تثير فى وجه المسلم شبهات وبراهين لا يمكنه الرد عليها حسب تصورهم. ويمكن القارئَ العزيزَ أن يطالع هذا الكلام فى مقدمة وليام موير لرسالة الكندى المنشورة فى عدد من المواقع التبشيرية، وكانت فى الأصل ورقة ألقاها أمام الجمعية الاسيوية الملكية فى بريطانيا فى أوائل ثمانينات القرن التاسع عشر. وقد استفزتنى الرسالتان إلى قراءتهما ودراستهما بهدوء، فكان هذا الكتاب الذى بين يدى القارئ والذى يبين أن نَقْب هؤلاء الضالين المضلين طلع على شُونَة، فرسالة الكندى رسالة متهافتة أشد التهافت كما سوف يرى بنفسه. ومعنى هذا أن كلامهم عن خطورة رسالة الكندى هو أضغاث أحلام لا حقائق صلبة. كيف؟ تعالوا نطالع معا ما حبّره كاتوبى الظريف، لا حرمنى الله منه ولا من خفة دمه وسحر جماله الذى ليس على أحد! آمين يا رب العالمين!
1- وأول ما يثور فى الذهن عند مطالعة هاتين الرسالتين هو السؤال التالى: منذ متى كان الأصدقاء الحميمون على شاكلة الهاشمى والكندى يتحاورون فى الدين كتابة، وهم يتقابلون فى كل وقت، ويمكنهم النقاش شفاها؟ إن أقصى ما يمكن أن يقع هو قيام طرف ثالث بتسجيل ما دار فى أية مناقشة شفوية بينهما كما فى كثير من كتب المناظرات والمحاورات، مثل كتاب: "الإمتاع والمؤانسة" لأبى حيان التوحيدى، وبعض الصفحات فى كتب الجاحظ، لا أن يكتب كل منهما رسالة وكأنهما عدوّان لا يستطيعان أن يتفاهما دون عراك وتشاتم، أو شخصان متباعدان لا يتقابلان أصلا، ومن ثم لا يمكن أن يتم حوار شفوى بينهما. والمفروض أن كلا منهما قد اطلع، من خلال المناقشات الشفوية، على ما فى ضمير الآخر وعرف ما يجنه من أفكار وآراء، وأدرك أنه من الصعوبة بمكان، إن لم يكن من الاستحالة فى ظل الظروف القائمة آنذاك، أن يتنازل عن شىء من هذه الأفكار أو الآراء، وإلا لكان قد ظهر فى خلال النقاش أنه مستعد لهذا التغيير، إن لم يكن قد تغير فعلا، وعندئذ لا داعى لكتابة مثل هذه الرسائل لأنها ستكون فى هذه الحالة "تطبيلا فى المطبَّل" كما يقولون فى الريف عن المسحِّراتى الذى يترك الأحياء التى لم يضرب طبلته فيها ويعيد التطبيل فى تلك التى سبق أن طبّلها وأيقظ سكانها ليتناولوا سَحُورهم، فما بالنا إذا كان الأمر يتعلق بالعقائد والأديان؟
2- الثانية هى ما قدم به الناشرون لهاتين الرسالتين، فقد قالوا: "في القرن التاسع الميلادي، في زمن الخليفة (العباسى) عبد الله المأمون (سنة 247هـ و861م)، كتب مسلم تقي هو عبد الله بن إسماعيل الهاشمي رسالة لصديق له مسيحي، هو عبد المسيح بن إسحق الكِنْدي، يدعوه فيها إلى الإسلام. وكان عبد الله معروفًا بالتقوى وشدة القيام بفروض الإسلام، كما كان عبد المسيح مشهورًا بتقواه وتمسّكه بالمسيحية، كما كان في خدمة الخليفة مقرَّبًا إليه. وقد ذكر الرسالتين أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني في كتابه: "الآثار الباقية عن القرون الخالية". وقد قيل إن أمر الرسالتين بلغ الخليفة المأمون، فأمر بإحضارهما وقُرِئتا عليه. فلم يزل ناصتًا حتى جاء إلى آخرهما فقال: ما كان دعاه إلى أن يتعرض لما ليس من عمله حتى أجاز كتاف نفسه؟ فأما النصراني فلا حُجّة لنا عليه، لأن الأمر لو لم يكن عنده هكذا لما أقام على دينه. والدين دينان: أحدهما دين الدنيا، والآخر دين الآخرة. أما دين الدنيا فالدين المجوسي وما جاء به زرادشت، وأما دين الآخرة فهو دين النصارى وما جاء به المسيح. وأما الدين الصحيح فهو التوحيد الذي جاء به صاحبنا، فإنه الدين الجامع الدنيا والآخرة". وجاء فى ذلك التقديم أيضا: "كان في زمن عبد الله المأمون أحد نبلاء الهاشميين، وأظنه من ولد العباس، قريب القرابة من الخليفة، معروفٌ بالنسك والورع والتمسك بدين الإسلام وشدة الإغراق فيه والقيام بفرائضه وسننه، مشهور بذلك عند الخاصة والعامة. وكان له صديق من الفضلاء ذو أدب وعلم، كِنْدي الأصل مشهور بالتمسك بدين النصرانية، وكان في خدمة الخليفة وقريبًا منه مكانًا. فكانا يتوادّان ويتحابان ويثق كل منهما بصاحبه وبالإخلاص له. وكان أمير المؤمنين المأمون وجماعة أصحابه والمتصلون به قد عرفوهما بذلك، وهما عبد الله بن إسماعيل الهاشمي، وعبد المسيح بن إسحق الكِنْدي". وهو نفس ما قاله ناشرو الطبعة الإنجليزية لرسالة الكندى سنة 1887م، تلك الطبعة التى قدم لها وليام موير أحد عتاولة الاستشراق فى عصره. وهذا نص ما كتبوه على الغلاف الخارجى: "THE APOLOGY OF AL KINDY, WRITTEN AT THE COURT OF AL MÂMÛN (Circa A.H. 215; A.D. 830), IN DEFENCE OF CHRISTIANITY AGAINST ISLAM. With an essay on its Age and Authorship read before the Royal Asiatic Society by SIR WILLIAM MUIR, K.C.S.I. LL.D. D.C.L.; PRINCIPAL EDINBURGH UNIVERSITY; AUTHOR OF "THE LIFE OF MAHOMET," "ANNALS OF THE EARLY CALIPHATE," ETC. SECOND EDITION. PUBLISHED UNDER THE DIRECTION OF THE TRACT COMMITTEE. LONDON: SOCIETY FOR PROMOTING CHRISTIAN KNOWLEDGE, NORTHUMBERLAND AVENUE, CHARING CROSS, W.C.; 43, QUEEN VICTORIA STREET, E.C. 26, ST. GEORGE''S PLACE, HYDE PARK CORNER, S.W. BRIGHTON : 135, NORTH STREET. NEW YORK: E. & J. B. YOUNG & CO. 1887"
وهذا كلام لا يدخل عقل صبى ولا امرأة عجوز مخرفة، لأنه لو كان هذا الهاشمى وذلك الكندى معروفين على النحو الذى يذكره التقديم لكانت كتب التراث امتلأت بخبر تلك المناظرة، وبخاصة أن النصرانى قد نال فيها من الرسول والعرب والمسلمين نَيْلاً وقحًا شنيعًا بخلاف ما زعمه وليام موير فى ص 16 من مقدمة النشرة الإنجليزية للرسالة من أن الكندى إنما تحدث عن الرسول باحترام مع تفنيده ادعاءات محمد بعنف، وانتقاده الإسلام بمنتهى القسوة. وهذا نص كلامه كما جاء فى الأصل الإنجليزى: "While our Apologist speaks respectfully of the person of Mahomet, he vigorously denounces his claims as a prophet, and attacks the whole system of Islam with uncompromising severity "، وهو كلام كاذب، فقد قال الكندى عن رسول الله عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات مثلا مخاطبا الهاشمى: "صاحبك أعرابي جلْف، فخَطَر خاطرٌ في قلبه فسجَعه بلسانه وصار به إلى قومٍ بَدْوٍ فتقرَّب به إليهم، وهم يشهدون في كتابهم أن الأعراب أشدّ كفرًا ونفاقًا"، وهذا مجرد مثال ليس إلا. نعم لو كان هذا الهاشمى وذلك الكندى معروفين على النحو الذى يذكره التقديم لكانت كتب التراث امتلأت بخبر تلك المناظرة، ولكان انبرى للرد على الكندى الوقح السافل وتطيين عيشته وعيشة أهله كثير من الكتاب. وهذا إن سكتت السلطات أصلا عن هذه السفاهة والسفالة ولم تؤدّبه الأدب الشرعى الذى ينبغى أن يتلقاه كل مجرم زنيم. أما أن يصمت الجميع ويكفأوا على الخبر ماجورا فهذا ما لا يمكن أن يكون، وبخاصة أن هناك كتبا كثيرة جدا فى الأدب الجدالى حبرتها يراعات المفكرين المسلمين كالجاحظ وابن حزم والقرطبى والغزالى والجوينى وابن تيمية، فضلا عن أحبار اليهود وقساوسة النصارى الذين أسلموا ولم يعتّموا أن أَدْلَوْا هم أيضا بدلوهم بوصفهم من أهل البيت العارفين بخباياه المطلعين على أسراره، الجديرين بأن تكون كلمتهم أشد وقعا وأصوب للهدف. فكيف يمكن أن نتخيل سكوت الكتّاب ورجال الحاشية المأمونية عن الرد على ذلك العلج السفيه؟ أو كيف يمكن أن نصدق أن المأمون، سيد العالم فى وقته، قد علم بأمر هذه الرسالة وسكت عن سفالة الكافر المجرم التى سوّدها فلم يسوِّد عيشته لو كان له وجود حقيقى، ولم تكن الرسالتان منسوبتين زورا لشخصين لم يكن لهما حقيقة، وإنما كتبهما شخص آخر لم يصرح باسمه، ولم يكن يعيش فى عصر المأمون بتاتا كما سوف يتبين بعد قليل؟ بل كيف يمكن أن نصدق تسمية المأمون لرسول الله بـــ"صاحبنا" فى قوله: "وأما الدين الصحيح فهو التوحيد الذي جاء به صاحبنا"! إن هذا لهو المستحيل بعينه!
ذلك أن كاتب الرد المعلن هو شخص اسمه "عبد المسيح بن إسحاق الكندى"، كان قد تلقى رسالة من شخص مسلم يدعى: "عبد الله بن إسماعيل الهاشمى"، فكتب ردا عليها نال فيها من العرب والرسول والإسلام نيلا تجاوز كل الحدود، ولم يترك شيئا فى الإسلام دون أن يتناوله بالتحقير، وهذا الـ"عبد المسيح" لا وجود له فى كتب التراث بأى حال، اللهم إلا إشارة عارضة فى كتاب البيرونى: "الآثار الباقية عن القرون الخالية" ذكر فيها شيئا المفروض أن الكندى قد قاله فى كتابه عن الصابئة، وهذا كل ما هنالك. أمّا مَنِ الكندى هذا فلا أحد يعرف، حتى لقد ظن المستشرق ساخاو (ناشر الطبعة الإنجليزية من كتاب البيرونى: "الآثار الباقية عن القرون الخالية" عام 1879م بعنوان "The Chronology of Ancient Nations") أنه هو الكندى الفيلسوف، وهذا موجود فى الملاحظات الملحقة فى آخر الكتاب (الملاحظة رقم 187 الموجودة فى صفحة 419 على وجه التحديد)، وإنْ علّق وليام مُوِير (ص 6 من مقدمته لترجمة الرسالة المنسوبة للكندى) بأن ذلك غير ممكن لأن الكندى الفيلسوف كان مسلما لا نصرانيا، ومن ثم لا يُعْقَل أن يكون هو كاتب الرسالة التى تهاجم الإسلام وتنتصر للنصرانية.
ومع هذا فإن لويس شيخو الكذاب، وهو معروف بوقاحته وجمود وجهه وغِلَظ جلده حتى لقد جعل كل شعراء الجاهلية الوثنيين نصارى مما أثار عليه بلديّه الكاتب اللبنانى النصرانى الساخر مارون عبود فتهكم على هذا التعميد العجيب الذى يُسْتَخْدَم فيه الحبر بدلا من الماء، هذا الـ"شيخو" الكذاب يمضى فى الغَىّ والتنطع فيزعم أن الكندى كاتب الرسالة هو فعلا الكندى الفيلسوف المعروف، ثم يتمادى فى بطلانه قائلا إنه نصرانى وإن أباه كان يتولى الكوفة للمهدى والرشيد الخليفتين العباسيين، وكأن من الممكن أن يتولى نصرانى فى تلك الأيام ولاية فى الدولة الإسلامية، فضلا عن أن تكون تلك الولاية هى الكوفة التى تقع قريبا من دست الحكم فى بغداد. ومع هذا كله لا يكتفى المتنطع بذلك، بل يضيف أن عبد المسيح بن إسحاق هو من أنسباء هذا الفيلسوف يعقوب بن إسحاق. فانظر، بالله عليك أيها القارئ، لهذه البجاحة التى لا مثيل لها فى الأولين والآخرين، وتعجب ما حلا لك التعجب، فلن تقضى من ذلك العجب حتى لو ظللت تتعجب إلى يوم الدين! ولو كان الكندى الفيلسوف رجلا نكرة، أو كان عليه خلاف كأن يكون نصرانيا هو أو أبوه مثلا ثم أسلم، إذن لكان هناك بعض العذر لشيخو الكذاب، أما أن يكون الكندى مسلما من سلالة مسلمين فى سلسلة طويلة تمتد راجعة فى التاريخ إلى عصر النبى عليه السلام بحيث يكون جده البعيد صحابيا من صحابة رسول الله، فهذا ما يقطع كل عذر لذلك الكذاب الذى لا يعرف وجهه شيئا اسمه الحياء. وهذا يعطيك فكرة عن الأساليب المداورة التى يلجأ إليها هؤلاء القوم الذين مرودوا على التحريف والتكذيب والتزييف طَوَال تاريخهم، وبالذات بعد أن جاء رسول الله بالإسلام، نكايةً منهم فيه صلى الله عليه وسلم وفى دينه، وهيهات! ولنلاحظ كذلك أن شيخو لم يذكر لنا من أين استقى ما قاله عن عبد المسيح ذاك، وهذا أمر طبيعى، فهو من بُنَيّات خياله السقيم ليس إلا، إذ ليس لذلك الرجل ذكر فى كتب التراث كما قلت آنفا.
وهذا نص ما كتبه شيخو الكذاب فى كتابه: "مجانى الأدب فى حدائق العرب" عن الكندى الفيلسوف: "هو يعقوب بن إسحاق الكندي النصراني. وكان شريف الأصل بصريًا، وكان أبوه إسحاق أميرًا على الكوفة للمهدي والرشيد. ويعقوب هذا أوحد عصره في فنون الآداب، وشهرته تغني عن الأطناب. وكان له اليد الطولى بعلوم اليونان والهند والعجم متفننًا عالمًا بالطب والمنطق وتأليف اللحون والهندسة والهيئة والفلسفة، وله في أكثر هذه العلوم تآليف مشهورة. ولم يكن في العرب من اشتهر عند الناس بمعاناة علم الفلسفة حتى سموه: "فيلسوفًا" غير يعقوب. وكان معاصرًا لقسطا بن لوقا الفيلسوف البعلبكي النصراني، واستوطن بغداد وأخذ عن أبي معشر البلخي. ومن أنسباء يعقوب هذا عبد المسيح بن إسحاق الكندي، وله رسالة مشتهرة فنّد فيها اعتراضات ابن إسماعيل الهاشمي على النصرانية ذكرها أبو الريحان البيروني في تاريخه". والحق أن هذا الكذاب يكذب تلك الكذبة البلقاء البجحة دون خجل، فالكندى الفيلسوف مسلم لم يقل أحد قط إنه نصرانى غيره، علاوة على أن المهدى والرشيد لا يمكن أن يوليا نصرانيا ولاية، فضلا عن أن تكون ولاية الكوفة. كما أن عبد الله الهاشمى كان بعد المأمون بزمن طويل، وهو ما سنعرفه بعد قليل كما قلنا، فلا شأن له بذلك الخليفة إذن!
وفى "الفهرست" لابن النديم نقرأ فى ترجمة الكندى الفيلسوف ما يلى: "هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن كندة وهو ثور بن مرتع بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن الهميسع بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب، فاضل دهره وواحد عصره في معرفة العلوم القديمة بأسرها، ويسمى: فيلسوف العرب. وكتبه في علوم مختلفة مثل المنطق والفسفة والهندسة والحساب والأرثماطيقى والموسيقى والنجوم وغير ذلك. وكان بخيلا، إنما وصلنا ذكره بالفلاسفة الطبيعيين إيثارًا لتقديمه لموضعه في العلم. ونحن نذكر جميع ما صنفه في سائر العلوم إن شاء الله تعالى"، فهو مسلم بن مسلم بن مسلم بن مسلم، أى مسلم أصيل فى الإسلام كما هو واضح.
وفى "القانون فى الطب" لابن سينا نقرأ عن الكندى أيضا: "يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها. وكان أبوه إسحاق بن الصباح أميرًا على الكوفة للمهدي وللرشيد. وليعقوب بن إسحاق الكندي من الكتب: كتاب الفلسفة الأولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد. كتاب الفلسفة الداخلة والمسائل المنطقية والمعتاصة وما وافق الطبيعيات. رسالة في أنه لا تُنَال الفلسفة إلا بعلم الرياضيات. كتاب الحث على تعلم الفلسفة. رسالة في كمية كتب أرسطوطاليس. كتاب في قصد أرسطوطاليس في المقولات. رسالته الكبرى في مقياسه العلمي، وغيرها كثير".
وفى "طبقات الأطباء" لابن أبى أصيبعة: "يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها، وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكبر بن الحرث الأصغر بن معاوية بن الحرث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندة بن عفير بن عدي بن الحرث ابن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وكان أبوه إسحاق بن الصباح أميرًا على الكوفة للمهدي والرشيد، وكان الأشعث بن قيس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم، وكان قبل ذلك ملكًا على جميع كندة، وكان أبوه قيس بن معدي كرب ملكًا على جميع كندة أيضًا عظيم الشأن، وهو الذي مدحه الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة، بقصائده الأربع الطوال التي أولاهن: "لعمرك ما طول هذا الزمن". والثانية: "رحلت سمية غدوة أجمالها". والثالثة: "أأزمعت من آل ليلى ابتكارا؟". والرابعة: "أتهجر غانية أم تلم؟". وكان أبوه معدي كرب بن معاوية ملكًا على بني الحرث الأصغر بن معاوية في حضرموت، وكان أبوه معاوية بن جبلة ملكًا بحضرموت أيضًا على بني الحرث الأصغر، وكان معاوية بن الحرث الأكبر وأبوه الحرث الأكبر وأبوه ثور ملوكًا على معبد بالمشقر واليمامة والبحرين. وكان يعقوب بن إسحاق الكندي عظيم المنزلة عند المأمون والمعتصم وعند ابنه أحمد، وله مصنفات جليلة ورسائل كثيرة جدًّا في جميع العلوم".
وفى "أخبار العلماء" للقفطى: "يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكبرين الحارث الأصغر بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرقع بن كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كيلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، أبو يوسف الكندي المشتهر في الملة الإسلامية بالتبحر في فنون الحكمة اليونانية والفارسية والهندية، المتخصص بأحكام النجوم وأحكام سائر العلوم، فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها. وكان أبو إسحاق بن الصباح أميرًا على الكوفة للمهدي والرشيد، وكان جده الأشعث بن قيس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قبل ذلك ملكًا على جميع كندة، وكان أبوه قيس بن معدي كرب ملكًا على جميع كندة أيضًا عظيم الشأن وهو الذي مدحه أعشى قيس بقصائده الأربع الطوال...".
فهذا نسب الكندى، وهو كما ترى نسب معروف ليس عليه أدنى خلاف، ومظنّة أن يكون شيخو جاهلا بهذا النسب مستحيلةٌ تمام الاستحالة، فهو من مؤرخى الأدب العربى، علاوة على أنه يعرف والد الكندى وعمله وولايته على الكوفة أيام المهدى والرشيد، بما يدل على أنه يعرف كل شىء عن الرجل بما فى ذلك نسبه، لأن كلام المؤرخين عن والد الكندى إنما ورد فى تضاعيف الكلام عن نسبه كما رأينا. فتأمل أيها القارئ هذه الأساليب القذرة التى يلجأ إليها بعض الناس فى حربهم ضد الإسلام، ثم يرمون المسلمين بعد هذا بكل بجاحة بعيوبهم هم، ولا يخجلون!
وكى يتبين القارئ كم كان شيخو الكذاب مُلِمًّا بالتراث العربى الإلمام الذى يستحيل معه أن يكون على جهل بدين رجلٍ كالكندى الفيلسوف الذى طارت شهرته فى الآفاق حتى لقد سَمَّوْه: "المعلّم الثانى" بعد أرسطو المعلم الأول ننقل له النص التالى فى التعريف بشيخو، وهو بقلمه لا بقلم أحد آخر، إذ قال معرفا بنفسه فى كتابه: "تاريخ الآداب العربية": "الأب لويس شيخو مدير مجلة المشرق، له مصنفات مختلفة منها دينية ولاهوتية كالبرهان الصريح في لاهوت السيد المسيح، ومجموعة مقالات دينية لقدماء كتبة النصرانية، وتراجم بعض القديسين كالقديس يوحنا الدمشقي والقديس بطرس كانيزيوس والطوبوي بلرمينوس، وأولياء الله في لبنان، والتعبد لطفولية السيد المسيح. ومنها جدالية كالأناجيل القانونية وأناجيل الزور، ومحاورات جدالية، وردود مختلفة على التنير، والمجلات الوطنية، وكشف أسرار الشيعة الماسونية. ومنها فلسفية كمجموعة مقالات فلسفية لقدماء الفلاسفة، ومقالات في النفس، والضمير والتساهل الديني، والألفاظ السحرية. ومنها كتابية في شرح مشاكل واردة في الأسفار المقدسة وتفنيد آراء فاسدة فيها. ومنها تاريخية كبيروت أخبارها وآثارها وكتاريخ جزيرة العرب حاضرًا، وتاريخ الحرب الكونية، وتاريخ النصرانية وآدابها في عهد الجاهلية، وتاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر وفي الربع الأول من القرن العشرين، والمخطوطات العربية لكتبة النصرانية، وتاريخ أساقفة طور سينا، وتاريخ الطباعة في الشام وفلسطين والعراق، ووصف مخطوطات المكتبة الشرقية (خمسة أجزاء)، وتاريخ الرهبانية اليسوعية، والطائفة المارونية، وتاريخ النهضة الأدبية في حلب، وتاريخ القصادة الرسولية في الشام، وابن العبري تاريخه وآثاره. ونشر من التواريخ تاريخ بيروت وأمراء الغرب لصالح بن يحيى، وتاريخ شاكر بن الراهب، وتاريخ سعيد بن بطريق مع ملحقه لسعيد بن يحيى الإنطاكي، وتاريخ محبوب المنبجي، وتاريخ طبقات الأمم لأبي القاسم صاعد الأندلسي، وتاريخ حوادث لبنان ودمشق سنة 1860. وله في اللغة كتاب نزهة الطرف في مختصر الصرف، والوسائل لترقية اللغة العربية واللغة العامية بازاء اللغة الفصيحة. ونشر من كتب اللغة الألفاظ الكتابية للهمذاني، وفقه اللغة للثعالبي، وتهذيب الألفاظ لابن السكيت، وكتاب الكتاب لابن درستويه، والبلغة في شذور اللغة، وغراماطيق عربي في اللاتينية مع منتخبات ومعجم. وفي الأدبيات الشعرية كتاب شعراء النصرانية في عهد الجاهلية ثم بعد الإسلام، ونشر دواوين الخنساء والخرنق والسمؤل والمتلمس وسلامة بن جندل وأبي العتاهية ومراثي شواعر العرب وحماسة البحتري. وله في الأدبيات النثرية والمنتخبات ترقية القارئ، ومرقاة المجاني، ومجاني الأدب مع شروحه، وأطرب الشعر وأطيب النثر، والأحداث الكتابية، والتشابيه النصرانية في شعراء الجاهلية، وأطيب الفكاهات في أربع روايات، وروضة الأحداث في أطايب الأحداث، ونشر منها كليلة ودمنة عن أقدم نسخة مؤرخة، وكتاب فضائل الكلاب لابن المرزبان، وقانون وزارة بني عثمان أصاف نامه. وله أسفار وسياحات شتى كسفره من بيروت إلى الهند وأسفاره إلى حمص وحماة وحلب ودمشق وجبيل مع ذكر آثار كل مدينة. وكتب فنية كمقالة الضوء لأرسطو، والآلات المنغمة لمورستوس، والآلات المزمرة لبني موسى، والمكحلة للصقلي.
أما بالنسبة لعبد الله بن إسماعيل فنقرأ فى "تاريخ الإسلام" للذهبى تحت عنوان "وفاة الهاشمي خطيب جامع المنصور": "وفيها (أى فى سنة 350 هـ) تُوُفِّيَ أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل الهاشمي خطيب جامع المنصور، وكان ذا قعدد في الأبوة، فإنه في طبقة الواثق، إذ هو عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن المنصور أبي جعفر". وفى "النجوم الزاهرة" لابن تغرى بردى أيضا أن عبد الله بن إسماعيل هذا توفى سنة 350هـ، وأنه كان خطيبا لجامع المنصور مثل أبيه، وأنه كان من بنى العباس، وفى طبقة هارون الواثق فى علو النسب. فإذا عرفنا أن المأمون وُلِد سنة 170هـ، ومات سنة 218هـ، تبين لنا أن بينه وبين الهاشمى هذا أكثر من قرن. ويبدو أن هذا الهاشمى كذلك من رواة الحديث، إذ ورد نفس الاسم فى عدد من روايات أسباب النزول فى كتاب الواحدى، وفى سلسلة بعض الأحاديث فى كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبى مثلا. ومع ذلك فإنى لا أظن أنه هو مؤلف الرسالة التى تدعو الكندى المزعوم إلى الإسلام للأسباب التى سوف يطّلع عليها القارئ فى هذا الكتاب.
3- ليس ذلك فقط، بل إن النص الذى ورد عند البيرونى واستشهد به هؤلاء المفترون الكذابون لَيدينهم إدانة باهظة، إذ هو يجرى على النحو التالى: "وكذلك حكى عبد المسيح بن اسحاق الكندى النصارى عنهم (أى الصابئة) فى جوابه عن كتاب عبد الله بن اسماعيل الهاشمى أنهم يُعْرَفون بذبح الناس، ولكن ذلك لا يمكنهم اليوم جهرا". وقد علق عليه وليام موير فى ص 17 من النشرة الإنجليزية للكتاب بأن هذا الكلام موجود فى ص 25 (وأحسبه يشير إلى نشرة جمعية ترقية المعارف المسيحية التى صدرت في لندن عام 1885م)، ونصه: "لا يكاتمون (أى الصابئة) ولا يسترون منها شيئًا غير القرابين التى يتخذونها من الناس، فإن ذبح الناس لا يتهيّأ لهم اليوم جهرًا، بل يحتالون فيه فيفعلونه سرًّا". لكن هذا الكلام، فى الواقع، غير موجود لا فى رسالة الكندى ولا فى رسالة الهاشمى الموجودتين بين يدينا الآن، فما معنى ذلك؟ معناه أن المسألة كلها مملوءة بالاضطراب وأن ما بين أيدينا من رسالة الكندى لم يكن هكذا فى الأصل، بل اعترته تغييرات، وربما لم تكن تحتوى على الكلام المنحط فى حق الرسول عليه السلام، بل هو من إضافات بعض الخنازير من المتأخرين، فضلا عن أن البيرونى لم يقل إنه رأى رسالة الهاشمى، بل كل ما هنالك أنه نقل نصا من رسالة الكندى فقط. وهكذا يتبين للقارئ الكريم أن الجريمة الكاملة لا وجود لها مهما تكن عبقرية المجرم، فما بالنا والمجرم هنا هو جنس المبشرين، وهم أكذب خلق الله، ولا يتورعون عن اللجوء إلى أخس الأساليب فى حرب الإسلام. وعلى كل فإن البيرونى هو من أهل القرن الرابع الهجرى، أى ليس كلامة حجة على أن الهاشمى والكندى كانا من معاصرى المأمون.
4- وهذا يقودنا إلى النقطة الرابعة، وهى العصر الذى عاش فيه صاحبا الرسالتين لو كانا هما فعلا الهاشمى والكندى المذكورين: فأما عبد المسيح فكل ما وجدناه عنه هو زعم لويس شيخو الكذاب أنه من أنسباء الفيلسوف الكندى المشهور الذى جعله نصرانيا دون أدنى خجل، وهو طبعا كلام مرفوض جملة وتفصيلا لمخالفته حقائق التاريخ التى لا تجرى على هوى أحد، سواء كان هذا الأحد شيخو أو ميخو أو برابيخو، بل يجب على شيخو وغير شيخو العُنُوّ لها والخضوع أمام سطوتها دون التنطع ولو بكلمة واحدة. ولو كان عبد المسيح هذا ذا وجود تاريخى حقيقى، فأين يا ترى كتاباته الأخرى مادام صاحب أسلوب وقدرة على الجدل والوقاحة بالشكل الذى تعكسه رسالته؟ إن مثله لا يمكن أن يَبِيض هذه البيضة الوحيدة ثم يصوم عن البيض إلى الأبد، بل لا بد لمثله من مواصلة التأليف والدخول مع المسلمين فى جدالات أخرى، وبخاصة أن الكتب الإسلامية فى دراسة النصرانية وتخطئتها كثيرة متنوعة، ومن شأنها أن تستفز إلى الجدال كل صاحب قلم من أهلها، فإن لم يكن عبد المسيح أحد هؤلاء الذين تستفزهم تلك الكتابات فمن يا ترى سوف تستفزه؟ كما أن مثله لن يكتفى بالكتابة فى الدفاع عن دينه، بل سوف يكتب فى شرح عقيدته وعبادات ديانته للجمهور، وكذلك سوف يكتب عن تاريخها ورجالها وما إلى ذلك. فأين تلك الكتب؟ وأما بالنسبة لذلك الهاشمى فيقول ساخاو (ص 187) إنه لا يعرف شيئا عن عبد الله بن إسماعيل هذا. وقد حاولت أنا أن أصل إلى شىء يزيل تلك الظلمات المتراكبة حوله فلم أجد أحدا بهذا الاسم إلا رجلا فى القرن الرابع الهجرى لا الثانى الذى كان يعيش فيه المأمون العباسى. وهذا الرجل هو أحد رواة الأحاديث، وكان يشتغل خطيبا لجامع المنصور ببغداد كما سلف القول. أى أن كل ما قيل عن أنه من أقرباء المأمون، وأن ذلك الخليفة قد علم بما كان بينه وبين عبد المسيح المكذوب من جدال وقرّعه على التصدى لأمر لا يحسنه هو كلام فى الهجايص، لأنه من الناحية التاريخية مستحيل تمام الاستحالة، إذ يفصل بينه وبين المأمون قرن كامل حسبما رأينا، فهل من الممكن أن يتعاصر شخصان يفصل بينهما عشرة عقود؟ إن ذلك لا يمكن أن يقع إلا فى حالة واحدة هى أن يكون زاعم ذلك أحد أتباع الكتاب الذى يجعل الابن أكبر من أبيه بعامين كما فى سفر "أخبار الأيام الثانى" حسبما يعرف ذلك كل من له أدنى اتصال بالكتاب المقدس، إذ نقرأ فيه أن عُمْر ياهورام حين تولى الملك كان اثنتين وثلاثين سنة، ثم مات بعد ذلك بثمانى سنوات، فيكون عمره حين هلك أربعين سنة، ثم بعد أقل من ثلاثة أسطر نفاجأ بكاتب السفر يقول إن ابنه أخزيا، الذى تولى الملك بعده مباشرة، كان عمره آنذاك اثنتين وأربعين سنة. وليس لهذا من معنى إلا أن الولد أكبر من أبيه بسنتين (الإصحاح/ 21/ 20، و22/ 1- 2)!
5- ثم إن مثل الهاشمى الذى كان من رجال الحديث وخطيبًا لواحد من أكبر الجوامع فى بغداد ذلك العصر المتوهج بالثقافة والفكر الإسلامى لا يمكن أن يخطئ تلك الأخطاء العجيبة التى تشتمل عليها الرسالة المنسوبة له، ومنها قوله إنه قد افتتح رسالته إلى خصمه النصرانى بالسلام عليه والرحمة تشبُّها بسيده وسيد الأنبياء محمد رسول الله لأن الثقات، كما قال، قد رَوَوْا عنه أن هذه كانت عادته، وأنه كان إذا افتتح كلامه مع الناس يبادئهم بالسلام والرحمة في مخاطبته إياهم، ولا يفرّق بين الذمّي منهم والأمي، ولا بين المؤمن والمشرك. والحق أن النبى كان، مع احترامه لجميع البشر، لا يحييهم جميعا بذات التحية. وهذا واضح من تحاياه على الأقل للملوك والزعماء غير المسلمين الذين أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام، إذ كان يكتفى بقوله: "سلْمٌ أنت" أو "السلام على من اتبع الهدى" أو "السلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله"، ولم يكن يقول: "السلام عليك ورحمة الله" كما يزعم كاتب الرسالة. وهذا من الوضوح بمكان بحيث لا يسع أى مسلم له أدنى اطلاع على السيرة النبوية أن يجهله، فما بالنا بمثل ذلك العالم الجليل المنتسب للدوحة الهاشمية والماتّ بصلة القرابة إلى خلفاء بنى العباس؟
6- كذلك جاء فى رسالة الهاشمى المزعومة الحديثان التاليان منسوبين لرسول الله عليه السلام: "بُعِثْتُ بحُسْن الخلق إلى الناس كافة، ولم أُبعث بالغِلظة والفظاظة" و"محبة القريب ديانة وإيمان". وقد بحثت عن هذين الحديثين فى موسوعة الأحاديث الصحيحة والضعيفة المسماة: "تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول" فى إصدارها التاسع المتاح بموقع "الدرر السنية"، فلم أجد لهما أى أثر لا بين الصحاح ولا بين الضعاف. بل لقد زدت فحاولت العثور على كلمة "فظاظة" أو "ديانة" فى أى حديث منسوب للرسول الكريم، صحيحا كان أو ضعيفا، فلم أوفق إلى شىء بالنسبة للكلمة الثانية، أما الأولى فلم أجدها وردت إلا على لسان اليهود فى روايةٍ منقطعةٍ ذَكَرها ابنُ كثير فى تفسيره لقوله تعالى: "من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله..."، وهو قولهم لعمر بن الخطاب لا للرسول عليه السلام، الذى لم يكن حاضرا: "إن جبريل مَلَك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب". ولا يعقل أن يكون الرجل من رواة الأحاديث ويجهل أن ذينك الحديثين لا وجود لهما لا بين صحيح الأحاديث النبوية الشريفة ولا ضعيفها. فتأمل أيها القارئ مغزى هذه النتائج!
7- كذلك أجد من الصعوبة الصعيبة أن يقول أى مسلم فى تلك الأيام، بَلْهَ هاشميا من بنى العباس، فضلا عن أن يكون هذا الهاشمى من رواة الأحاديث وخطباء المساجد الكبار: "ويقول الله مؤكدا"، ناسبا التأكيد إلى الله سبحانه، فمثل هذه اللغة غريبة جدا جدا جدا على كتّاب تلك العصور، بل إنى لأحسبها لا تزال حتى فى عصرنا هذا غريبة كما كانت آنذاك. وبالمثل لا أخال مسلما يسمِّى كتب اليهود المعروفة بــ"العهد القديم" بــ"الكتب العتيقة"، أو كتب النصارى المعروفة بــ"العهد الجديد" بــ"الكتب الحديثة"، فضلا عن أن يسمى أى إنجيل بــ"البشارة" كما صنع الهاشمى فيما هو منسوب إليه مَيْنًا وزُورًا، دعك من أن يستخدم كلمة "سَحْق" للدلالة على الانكسار والاتضاع (لا على الشذوذ الجنسى بين النساء مرادفا لــ"السِّحَاق" كما كان يستعملها المسلمون أحيانا فى القديم)، وذلك فى حديثه عن رجال الدين النصارى و"قيامهم فيها (أى فى الأديرة) حفاة على المسوح والرماد باكين بكاءً كثيرًا متواترًا بانهمال دموع من الأعين والجفون منتحبين بسحقٍ عجيب" كما نُسِب إليه، فهذه كلها رطانة كتابية لم يكن يعرفها المسلمون وقتذاك، زيادة على ركاكة الكلام فى قوله: "قيامهم على المسوح والرماد"، إذ المسوح هى الملابس المتقشفة التى كان يليسها بعض الرهبان إعلانا عن زهدهم فى الدنيا، والرماد معروف، وهو التراب المتخلف عن النار، فما معنى أن يقوم إنسان على المسوح والرماد؟ وكيف؟ ذلك كلام غريب لا يُتَصَوَّر صدوره من عربى فى القرن الثانى أو الثالث أو الرابع الهجرى ولا فيما بعد ذلك بعدة قرون، ودعنا من أن الهاشمى لم يكن عربيا عاديًّا لا فى نسبه ولا فى ثقافته. كما أن المسلم لا يقول: "الإنجيل"، وهو يقصد الأناجيل التى كتبها (فيما يقال) متى ومرقص ويوحنا ولوقا، وأعمال الرسل ورسائلهم ورؤيا يوحنا، إذ الإنجيل فى الإسلام هو الكتاب الذى أنزله الله تعالى على عيسى لا الكتب التى كتبها بعض الناس بعد تركه عليه السلام الأرض. ومن المستحيل أن يدور فى ذهن أى مسلم أن أولئك الناس المسَمَّيْن فى العهد الجديد بــ"الرسل" والذين يدور حولهم سفر "أعمال الرسل" هم حواريّو المسيح كما جاء فى رسالة الهاشمى، ذلك أن حوارييى المسيح لا يمكن أن يكونوا كهؤلاء الناس من المثلّثين. وبالمثل لا يمكن أن يقول مسلم عالم ومن الهاشميين عن المسيح وحوارييه إنه "بعثهم إلى الأمم دُعاةً له"، لأن هذا القول يناقض ما جاء فى القرآن مرارا من أن عيسى عليه السلام إنما أُرْسِل لبنى إسرائيل ليس إلا، وهو ما أكده الرسول حين قارن بين نفسه وبين إخوانه السابقين من الرسل والأنبياء بما فيهم طبعا السيد المسيح، فقال إن كل نبى قبله كان يُبْعَث فى قومه خاصة، أما هو فبُعِث إلى الناس كافّة. كذلك من المستحيل أن يُثْنِىَ مسلم على إيمان القساوسة والرهبان من أهل التثليث وعلى عبادتهم ورهبانيتهم وهو يقرأ فى القرآن ويتلو من أحاديث الرسول أنهم كفار وأنهم قد ابتدعوا تلك الرهبانية التى حرمها الله سبحانه وتعالى لمخالفتها سنة الفطرة، بَلْهَ أن يكون المادح عالما من قرابة النبى له وزنه ومكانته، وفى وقت كان المسلمون سادة للعالم لا يحتاجون إلى المواراة والالتواء فى حديثهم إلى أهل ذمتهم.
8- وبالمثل فالمسلم، فضلا عن أن يكون هذا المسلم عالما كبيرا كهذا الهاشمى المنسوبة له الرسالة التى بين أيدينا، لا يتصور أن يكون المراد بالقسيسين والرهبان فى قوله تعالى من سورة "المائدة": "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)" هم القساوسة والرهبان المؤمنين بالتثليث والصليب، بل القساوسة والرهبان الذين سمعوا القرآن على عهد النبى فبَكَوْا حتى فاض الدمع من عيونهم وآمنوا بدينه. أى أنهم لم يعودوا نصارى، بل أصبحوا مسلمين موحدين يتبعون دين النبى الكريم، وهذا واضح من آيات سورة "المائدة" المارة آنفا لا مماراة فيه. ومن ثم لا يمكن القبول بأن ذلك الهاشمى قد كتب عن القساوسة والرهبان المثلثين فى عصر النبى هذا الكلام الذى لا يُتَصَوَّر صدوره عن مسلم: "وعرف النبي عليه السلام، بما أُنْزِل عليه من الوحي، صحة ضمائرهم ونياتهم، وأنهم أصحاب المسيح حقًّا السائرون بسيرته الآخذون بسننه، إذ كانوا لا يقبلون القتال ولا يستحلّون المال ولا يغشّون أحدا ولا يريدون بالناس سوءا ولا مكروهًا، وأنهم طالبو السلامة ولا يصرّون على حقدٍ ولا عداوة"، إذ لو كان أولئك القسس والرهبان أصحابا للمسيح وسائرين على سنته حقا كما يُنْسَب القول بذلك للهاشمى لكانوا آمنوا بالرسول محمد عليه السلام. كما أن القرآن لا يثنى فى أى موضع فيه على أى واحد من أهل الكتاب على عهد الرسول عليه السلام إلا إذا كان قد ترك ما هو عليه والتحق بأمة المسلمين. أما سائر الأحبار والرهبان فيكفى أن نعرف من سورة "التوبة" ما قاله القرآن فى حقهم: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)" حتى يتبين لنا استحالة صدور مثل ذلك المديح للقسس والرهبان من عالمٍ مسلمٍ فى تلك العهود! كذلك يستحيل أن يقول المأمون عن النصرانية إنها دين آخرة، إذ معنى هذا أن من يعتنقها ناجٍ يوم القيامة، وهو ما لا يمكن أن يقول به مسلم، لأن الدين عنده هو الإسلام، فهو الدين الوحيد الذى لا يصح الإيمان إلا به، أما أى دين آخر غير الإسلام فلا يصلح، إذ الإسلام يجب ما قبله من الأديان، وبخاصة تلك التى تعرضت للعبث والتحريف واتهم القرآن والحديث أصحابها بالكفر ونَصَّا على أن جهنم هى مصيرهم، بغض النظر عن اعتقاد كل إنسان فى دينه وصحته، وبغض النظر عن احترامنا بدورنا لاعتقاد كل إنسان.
9- وينخرط الهاشمى، طبقا لما ينسبونه إليه، فى فاصل من الاستعراض الثقافى فيذكر قراءاته فى كتب القوم ومناظراته لرؤسائهم. وهو فاصل غير مفهوم، إذ المفروض أن الكندى يعرف كل ذلك عنه من واقع أنهما صديقان، ولا يعقل أن تكون بينهما كل تلك الصداقة التى يتحدث عنها مقدمو الرسالتين ثم يبقيا صامتين لا يتناقشان فى أمور الدين، وفجأة تطلع فى ذهن الهاشمى أن يكتب هذه الرسالة لصديقه يدعوه فيها إلى الإسلام، مما لا يقبله المنطق ولا يتسق مع طبائع الأشياء. بل هل يعقل أن يمضى الهاشمى فيحاضر الكندى فى دينه وكُتُبه وفِرَقه، وكأنه يكلمه فى أمور لا يعرفها هذا الكندى، مع أنها من صميم دينه، ومن ثم فهو يعرفها معرفة مباشرة.
10- ومما تناوله الهاشمى فى رسالته كلامه عن النسطورية، الذين سماهم: "أصحابك"، أى أصحاب الكندى، بما يدل على أن الكندى نسطورى. وقد انطلق فوصفهم بأنهم "أقرب وأشبه بأقاويل المنصفين من أهل الكلام والنظر وأكثرهم ميلاً إلى قولنا معشر المسلمين، وهم الذين حَمِد نبينا صلى الله عليه وسلم أمْرهم ومَدَحهم وأعطاهم العهود والمواثيق، وجعل لهم من الذمة في عنقه وأعناق أصحابه ما جعل، وكتب لهم في ذلك الكتب، وسجل لهم السجلات، وأكد أمرهم عندما صاروا إليه حين أفضي الأمر إليه واستوثق له، فأتَوْه وتحرّموا بحرمته وذكّروه بمعونتهم إياه على إعلان أمره وإظهار دعوته. وذلك أن الرهبان كانوا يبشرونه ويخبرونه قبل نزول الوحي عليه بما مكّن الله له وصار إليه. فلذلك كان يُكْثِر توادّه لهم وإطالة محادثتهم، ويُرَى كثيرا عندهم مخاطبا لهم في تردّده إلى الشام وغيرها. وكان الرهبان وأصحاب الأديرة يكرمونه ويجلّونه طوعا، ويخبرون أصحابهم بما يريد الله أن يرفع من أمره ويعلن من ذكره، وكانت النصارى تميل إليه وتخبره بمكيدة اليهود ومشركي قريش وما يبتغونه له من الشرّ، مع مودتهم له وإجلالهم إياه وأصحابه".
وهذا كلام كله خبث وشيطنة، إذ متى عامل النبى النساطرة معاملة خاصة وأثنى عليهم؟ ومتى كان النساطرة يوادّونه ويساعدونه على رسالته ويعضدونه؟ وإذا كان هذا صحيحا فلم إذن يتسافه هذا الكندى النسطورى ويجرم فى حقه عليه السلام ويقول فيه الكلام البذىء الذى سوف نطّلع عليه بعد قليل إذا كان ما ينسبونه للهاشمى من أن النساطرة يحبونه عليه السلام ويوادونه ويعضدونه صحيحا؟ يقولون فى الأمثال الشعبية إن الجمل صعد النخلة، فقال أحدهم: هذا الجمل، وهذه النخلة، فأرونا كيف صعد الجمل النخلة. وهو ما نقوله نحن: هذا تاريخ الرسول، وهذا تاريخ النساطرة، فأرونا متى حدث ما ذكرتموه على لسان الهاشمى. إن الذين دعاهم النبى من النصارى إلى الإسلام إما ناس أسلموا، وهؤلاء لا شأن لنا بهم هنا، وإما نصارى بَقُوا على ما كانوا عليه، فدعاهم عليه السلام إلى المباهلة، وهى الدعاء على الكاذب المدلس من الطرفين أن يهلكه الله ويخزيه ويلعنه هو وأهله من نساء وأبناء، لكنهم حاصوا وهربوا من المباهلة وآثروا أن يدفعوا الجزية لمعرفتهم أنه نبى صادق، لكن حظوظ الدنيا غلبتهم على ضمائرهم ومنعتهم من الدخول فى الدين الحق. فمتى كان النساطرة يتمتعون لديه بوضع خاص؟ إن هذا لهو الكذب المبين، لعنة الله على كل كذاب أفاك لئيم! ثم متى كان النبى عليه الصلاة والسلام يكثر من التردد على النساطرة ويحب محادثتهم؟ ترى ماذا كان يقول لهم ويقولون له؟ إن كاتب هذا القَىْءِ يريد اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صنيعة نصرانية، إذ كان يستمع إلى ما لدى القساوسة ويتعلم منهم حتى استطاع فى نهاية المطاف أن يصبح رسولا. الله أكبر! أرأيتم إلى هذا اللف والدوران؟ أرأيتم إلى هذا الخبث الحقير والكيد الوضيع وكيف يسندون اتهام الرسول إلى رجل من الهاشميين وعالم من علمائهم، وفوق ذلك تقى متمسك أشد التمسك بدينه؟ إن الكذابين يزعمون أن الرسول عليه السلام كان يتردد على القساوسة كلما ذهب إلى الشام، مع أن كل ما ذكره بعض كتاب السيرة أنه قابل بحيرا مرة واحدة وهو صبى صغير، وأن تلك المقابلة كانت بطلب من بحيرا لا العكس، وأن ذلك الراهب قد حذر عمه أبا طالب من كيد يهود ضد ابن أخيه لأنه سوف يكون نبيا. وهذا كل ما حدث، فلا كلام ولا سماع ولا دياولو، كما أن ذلك لم يتكرر مرة أخرى. وقد دفع مثل هذا الزعم الكاتب الأسكتلندى الشهير توماس كارلايل إلى السخرية من المستشرقين والمبشرين الذين يقولون إن الرسول قد تعلم على يد بحيرا، متسائلا ما الذى يمكن أن يتعلمه صبى فى نحو الرابعة عشرة من راهب كبحيرا أو غيره لا يعرف لغته؟ (انظر كتابه: "الأبطال"/ ترجمة محمد السباعى/ كتاب الهلال/ العدد 326/ فبراير 1978م/ 69). كذلك يقول كاتب الرسالة إن قساوسة النساطرة كانو يجلونه هو وأصحابه، فهل كان للرسول آنذاك أصحاب، وهو لم يكن قد بدأ دعوته بعد، ومن ثم لم يكن له أتباع أصلا؟ وأعجب من ذلك وأبعث على الضحك أن يقال إن الوحى عندئذ قد نزل مثنيا عليهم بآيات سورة "المائدة" الآنفة الذكر والتى بينتُ قبل قليل أنها إنما نزلت فيمن أسلم من قِسِّيسِى النصارى ورهبانهم، رغم أنه لم يكن ثمة وحى بعد، إذ كيف ينزل وحى، والنبى لم يكن قد أصبح نبيا آنذاك، لأن الكلام هو عن رحلاته إلى الشام، ومعروف أنه صلى الله عليه وسلم لم يذهب إلى الشام من قبل بدء الدعوة بزمن؟ إن هذا لا يمكن صدوره من مسلم، فضلا عن عالم كبير من علماء المسلمين!
11- ويقول الهاشمى فيما هو منسوب إليه: "ولقيتُ جماعةً من الرهبان المعروفين بشدة الزهد وكثرة العلم، ودخلتُ كنائسَ وأديرةً كثيرةً وحضرت صلواتِهم تلك الطوال السبع التي يسمّونها: "صلوات الأوقات"، وهي صلاة الليل، وصلاة الغداة، وصلاة الثالثة التي هي صلاة السَحَر، وصلاة نصف النهار، أعني صلاة الظهر، وصلاة التاسعة التي هي قريبة من وقت العصر والعِشاء، وصلاة الشفع وهي صلاة العِشاء المفروضة، وصلاة النوم التي يصلّونها قبل أخذهم مضاجعهم. ورأيت ذلك الاجتهاد العجيب والركوع والسجود بإلصاق الخدود بالأرض وضرب الجبهة والتكتُّف إلى انقضاء صلواتهم، خاصة في ليالي الآحاد وليالي الجُمَع وليالي الأعياد التي يسهرون فيها منتصبي الأرجل بالتسبيح والتقديس والتهليل الليل كله، ويصلّون ذلك بالقيام نهارهم أجمع، ويكثرون في صلواتهم ذكر الآب والابن والروح القدس، وأيام الاعتكاف التي يسمونها أيام البواعيث (صلوات الاستمطار)"، فينبثق التساؤل التالى فى الحال: ماذا كان يصنع هذا الرجل بالضبط فى حياته؟ أوكان رجلا فاضيا بحيث إنه لم يجد ما يشغل به وقته سوى التردد على الكنائس والأديرة بل مواصلة النهار بالليل فيها؟ لكننا نعرف أن الأديرة كانت فى ذلك العصر مرتادا لجماعات من المـــُجّان والسكارى المسلمين الذين يذهبون إلى هناك للتحرش بالرهبان الشبان، وما أدراكم ما الرهبان الشبان والتحرش بهم؟ فكيف شذ صاحبنا عن هذا؟ وإلى القارئ واحدة من القصص التى كانت تتكرر كثيرا فى ذلك العصر، وهى منقولة عن كتاب "الديارات" للأصفهانى: "كان بكر بن خارجة يتعشق غلاماً نصرانياً يقال له:عيسى بن البراء العبادي الصيرفي، وله فيه قصيدة مزدوجة يذكر فيها النصارى وشرائعهم وأعيادهم، ويسمي دياراتهم، ويفضلهم. قال: وحدثني من شهد دعبلاً وقد أنشد قوله في عيسى بن البراء العبادي:
زُنّارهُ في خصره معقودُ كأنه من كبدي مقدودُ
فقال دِعبل: ما يعلم الله أني حسدتُ أحدًا قط كما حسدت بكرًا على هذين البيتين! وقال بكر بن خارجة في عيسى بن البراء العبادي:
فبالإنجيل تتلوه شيوخٌ* رهابنةٌ بدير الجاثليقِ
وبالقربان والصلبان إلا* رثيت لقلبيَ الدَنِفِ المشُوقِ
أَجِرْني، متُّ قبلك من همومي* وأرشدني إلى نهج الطريق
فقد ضاقت عليّ وجوه أمري* وأنت المستجارُ من المضيقِ
وكان بكر بن خارجة كثير المقام بهذا الدير مشتهراً بالشراب فيه، افتتاناً بهذا الغلام النصراني، وفيه يقول أرجوزة مليحة منها قوله:
من عاشقٍ ناءٍ هواه دانِ* ناطق دمعٍ صامتِ اللسانِ
موثقِ قلبٍ مطلقِ الجثمان* معذَّبٍ بالصدِّ والهجران
من غير ذنب كسبت يداهُ* إلا هوًى نمّت به عيناه
شوقاً إلى رؤية من أشقاه* كأنما عافاه من أبلاه
يا ويحه من عاشق ما يلقى* بأدمع منهلّة ما ترقى
ذاب إلى أن كاد يخفي عشقا* وعن دقيق الفكر فيه دقّا
لم يبق فيه غير طرفٍ يبكي* بأدمع مثل نظام السلكِ
كأنه قطر السماء يحكي* يخمد نيران الهوى ويذكي
إلى غزالٍ من بني النصارى* عِذارُ خدّيه سَبَى العذارى
يترك ألباب الورى حيارى* في ربقة الحبّ له أسارى
رِيمٍ بدير الروم رام قتلي* بمقلةٍ كحلاء لا من كُحلِ
وطُرَّةٍ بها استطار عقلي* وحُسْن دلٍّ وقبيح فعل
ها أنا ذا من قَدّه مقدودُ* والدمع من خدّي له أُخدود
ما ضرَّ مَنْ قلبي به معمودُ* لو لم يكدِّر صَفْوَه الصدودُ؟
يا ليتني كنت له صليبا* فكنت منه أبدا قريبا
أُبْصِر حسنًا وأشمُّ طيبا* لا واشيًا أخشى ولا رقيبا
أو ليتني كنتُ له قُربانا* ألثم منه الفمَ والبنانا
أو جاثليقًا كنت أو مطرانا* كيما يرى الطاعة لي إيمانا
أو ليتني كنتُ له زنّارا* يدور بي خصراه حيث دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا* صرتُ له تحت الدجى إزارا
يا ليتني في النحر منه عُوذَة * أو خمرة يشربني ملذوذة
أو حلة يلبسني مقدودة* ليست إذا ما أخلقت مقدودة
يا ليتني كنت لعمروٍ مصحفا* أو قَلَمًا يكتب بي ما ألّفا
من حسن أشعارٍ له قد صنّفا* فإن لي من بعض هذا ما كفى
يا للذي بحسنه أضناني* وابتزَّ صبري والضنى كساني
ظبيّ على البعاد والتداني* حلَّ محلَّ الروح من جثماني
واكبدي من خده المضرَّجِ* واحزني من ثغره المفلَّجِ
لا شيء مثل الطرف منه الأدعجِ* أذهب للنسك وللتحرجِ
إليك أشكو يا غزال الأنسِ * يا من هلالي وجهُه وشمسي
ما بي من الوحشة بعد الأنسِ* لا تُقْتل النفسُ بغير النفس
ها أنا في بحر الهوى غريقُ* سكران من حبّك لا أفيقُ
محترقٌ ما مسَّني حريقُ* يرحمني العدوُّ والصديقُ
ويقول فيها:
يا عمرو ناشدتك بالمسيحِ* ألا سمعتَ القول من نصيحِ
يعرِبُ عن قلبٍ له قريحِ* ليس من الحبِّ بمستريحِ؟
يا عمرو بالحق من اللاهوتِ* والروح روح القدس والناسوتِ
ذاك الذي قد خُصَّ بالنعوتِ* النطق في المهد وبالسكوت
بحق من في شامخ الصوامع* من ساجدٍ لربه وراكعِ
يبكي إذا ما نام كلُّ هاجعِ* خوفاً من الله بدمعٍ هامعِ
ثمّ يقسم عليه بكل قسم يعرفه النصارى ويقول:
ألا نظرت يا أميرَ أمري* محتسبًا فيَّ عظيم الأجر؟
كذلك ألم يكن للهاشمى زوجة وأولاد وأهل يستفسرون منه عن سر ذلك التردد الكثير على دور العبادة النصرانية والبقاء الطويل فيها وتركهم دون عائل يقوم بمطالبهم من موبايلات ودروس خصوصية وساندويتشات شاورما وبيتسا وجاتوهات والذى منه؟ وهل من الممكن على من تكتَّف أن يسجد أو أن يضرب نفسه؟ وهل يكون السجود بوضع الخد على الأرض؟ الواقع أن هذا كلام يبرجل الدماغ! ومرة أخرى نحن أمام محاضرة فى العبادات النصرانية، ولا أظن الهاشمى، لو كان شخصية حقيقية، يمكن أن ينخرط فى هذا الدرس الذى لم يطلبه منه الكندى ولا يحتاج له. وعلى الناحية الأخرى نجد الكندى يشرح للهاشمى فى رده على رسالته ألفاظا فى كلامه لم تكن ثمة حاجة إلى شرحها، إلا أن يكون الكندى قد افترض أن صاحبه من العوام فهو يشرحها له، فهو يقول له أثناء حديثه عن جمع القرآن: "فاجتمع أمرهم وجمعوا ما كان حَفِظه الرجال من أجزائه كسورة "التوبة" التي كتبوها عن الأعرابي الذي جاءهم من البادية وغيره من الشاذ والوافد، وما كان مكتوبا على اللِّخاف (وهي حجارة بيض رقاق واحدتها لَخْفة، وهي في حديث زيد بن ثابت جامع القرآن) والعُسُب (وهو جريد النخل) وعلى عظم الكتف ونحو ذلك، ولم يُجمع في مصحف". فهل مما يدخل المخّ أن يكون الهامشى بحاجة إلى من يشرح له معنى "العُسُب" و"اللِّخاف"، وعلى يد من؟ على يد نصرانى! ثم هل من المعقول أن يقضى الهاشمى كل تلك الأوقات فى الكنائس والأديرة مخالطا للقسيسين والرهبان مشاهدا ما يصنعون ويدخل معهم فى مجادلات حول الإسلام والنصرانية ثم لا يهتم بوضع رسائل فى المقارنة بين الديانتين للناس جميعا مسلمين ونصارى ما دامت حماسته للجدال الدينى على النحو الذى تعكسه رسالته للكندى؟ أوتلك الرسالة القصيرة المجملة هى كل ما جادت به قريحته بعد كل تلك التجارب الكنسية والديرية التى خاضها بسلامته طوال ذلك الوقت؟ والمضحك، وكل شىء فى تلك الرسالة مضحك، أن يقول للكندى إنه قد ذكر له كل شىء عن مشاهداته وتجاربه ونقاشاته فى الكنائس والأديرة حتى يعلم كل من يطلع على خطابه إليه أنه كان عالما بالقضية! ترى ما معنى هذه الإشارة إلى من يمكن أن يطلعوا على الخطاب، وهو ليس سوى خطاب شخصى المفروض أنه لن يطلع عليه أحد آخر سوى صاحبه؟ أما إذا كان فى نيته أن يقرأه الآخرون، أفلم يكن الأحرى به أن يضع فى ذلك كتابا يقرؤه الناس جميعا كما قلنا قبل قليل؟ وأخيرا هل يعقل أن ينقضّ ذلك العالم المسلم على أهل دينه بهذه الحماقة وذلك الاحتقار تقربا إلى الكندى كما صنع فى سياق كلامه عن مناظراته مع القساوسة والرهبان: "ناظرتُهم مناظرةً نصفة طالبا للحق، مسقِطا بيني وبينهم اللجاج والمكابرة والصلف بالحسب، وأوْسعتُهم أمنا أن يقوموا بحجّتهم ويتكلموا بجميع ما يريدونه، غير مؤاخذٍ لهم بذلك ولا متعنّت عليهم في شيء كمناظرة الرَّعاع والجهال والسفهاء من أهل ديانتنا، الذين لا أصل لهم ينتهون إليه ولا عقل فيهم يعوّلون عليه، ولا دين ولا أخلاق تحجبهم عن سوء الأدب، وإنما كلامهم العَنَت والمكابرة والمغالبة بسلطان الدولة بغير علم ولا حجة". الحق أن هذا ليس كلام الهاشمى، بل كلام نصرانىٍّ خبيثٍ حقودٍ يهتبل الفرصة لإفراغ ما يَكُظّ قلبه من سمٍّ هارٍ يمزق مصارينه!
12- وفى الرسالة المنسوبة إلى الهاشمى نقرأ أيضا، فيما نقرأ، قوله لصديقه النصرانى: "فأنا الآن أدعوك بهذه المعرفة كلها مِنّي بدينك الذي أنت عليه إلى هذا الدين الذي ارتضاه الله لي وارتضيته لنفسي، ضامنًا لك به الجنة ضمانًا صحيحًا والأمن من النار". والسؤال هو: أمن الممكن أن يتألَّى مثل هذا الهاشمى على الله ويضمن الجنة لأحد من الخلق؟ فمن هو يا ترى؟ أهو الله؟ أم هو نبى من أنبياء الله تلقى الوحى بذلك من الله؟ لا هذا ولا ذاك، وأى مسلم يعرف أنه لا أحد من البشر يمكنه أن يعرف مصير أحد فى الآخرة: لا مصيره هو ولا مصير سواه. وهذا مفهوم فى الإسلام، ولا مماراة فيه، فكيف يقع فى هذه الغلطة البلقاء مثل ذلك العالم الكبير؟ هذا كلام رجل لا يعرف الإسلام، وهو من الأسباب القوية التى تدفع إلى التشكك الشديد فى الرسالة وفى نسبتها إلى عالم مسلم كهذا الهاشمى، الذى كان فوق ذلك من أهل الحديث وخطيبا لجامع المنصور فى بغداد.
13- وجاء فى كلام الهاشمى أيضا عن الشهادتين: "وهذه الشهادة هي الشهادة التي شهد الله بها قبل أن يخلق الخلائق، إذ كان على العرش مكتوبا: لا إله إلا الله. محمد رسول الله". وقد تقصيت هذا الحديث فى "الدرر السنية" فوجدت الآتى: "عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد عبدي ورسولي، أيدته بعلي بن أبي طالب، وذلك قوله (تعالى) في كتابه: "هو الذي أيدك بنصره و بالمؤمنين" يعني: بعلي". خلاصة الدرجة: كذب موضوع. المحدث: ابن تيمية. المصدر: منهاج السنة". فالحديث إذن موضوع لا أصل له، فهل من الممكن أن يردد عالم كالهاشمى مثل هذا الكلام الذى هو بالعَوَامّ أشبه، فضلا عن أن يذهب مذهب الشيعة الذين لا يَرَوْن فى الدنيا إلا عليًّا كرم الله وجهه ولا يكادون يعترفون لأحد من الصحابة بشىء من الفضل إلا لأفراد قلائل منهم، مع أن ذلك الهاشمى هو من بنى العباس، الذين كانوا يشيعون فى المسلمين أن العم أقرب رحما بالنبى من ابن العم، كما كان شعراؤهم يقولون فى الدعاية لهم وإقناع جماهير المسلمين بأنهم أحق بالخلافة من العلويين؟ ومنه قول أبانٍ اللاحقىّ:
نَشَدْتُ بحق الله من كان مسلما * أَعُمُّ بما قد قلتُه العُجْم والعَرَبْ
أعم رسول الله أقرب زُلْفَةً* لديه أم ابن العم في رتبة النسبْ؟
وأيهما أَوْلَى به وبعهده؟* ومن ذا له حق التراث بما وجبْ؟
فإن كان عباسٌ أحقَّ بتلكمو* وكان عليٌّ بعد ذاك على سببْ
فأبناء عباسٍ همو يرثونه* كما العمُّ لابن العم في الإرث قد حَجَبْ
وقول مروان بن أبى حفصة:
يا بن الذي وَرِث النبيَّ محمدًا* دون الأقارب من ذوي الأرحام
الوحيُ بين بنى البنات وبينكم* قَطَعَ الخصامَ، فلاتَ حين خصامِ
ما للنساء مع الرجال فريضةٌ* نزلت بذلك سورة الأنعام
أَنَّى يكون، وليس ذاك بكائن* لبني البنات وراثة الأعمام؟
ألغى سهامَهم الكتابُ فحاولوا* أن يشرعوا فيها بغير سهام
ظفرتْ بنو ساقي الحجيج بحقهم* وغُرِرْتُمو بتوهُّم الأحلام
وقول منصور النمرى للرشيد:
يا ابنَ الأَئِمَّةِ من بَعْدِ النَّبِى ويا ابْـ*ـــنَ الأَوْصِياء أَقَرَّ الناسُ أَو دَفَعُوا
إِنَّ الخِلاَفَةَ كانَتْ إِرْثَ والدِكُمْ* من دُونِ تَيْمٍ، وعَفْوُ اللهِ مُتَّسِعُ
لَوْلاَ عَدِىٌّ وتَيْمٌ لم تَكَنْ وَصَلَتْ* إِلى أُمَيَّةَ تَمْرِيها وتَرْتضِعُ
وما لآلِ عَلِىٍّ في إِمارَتِكُمْ* وما لهم أَبَدًا في إِرْثِكُمْ طَمَعُ
يا أَيُّها الناسُ لا تَعْزُبْ حُلُومُكُمُ* ولا تُضِفْكُمْ إِلى أَكْنافِها البِدَعُ
العَمُّ أَوْلى مِن ابْنِ العَمَّ، فاسْتَمِعُوا* قَوْلَ النَّصِيحَةِ. إِنَّ الحَقَّ مُسْتَمَعُ
14- ومما لا يقتنع به العقل أبدا ولا يصدّق أن من الممكن صدوره عن عالم مسلم قول الهاشمى يدعو الكندى إلى الدخول فى الإسلام وتأدية الصلاة: "وأدعوك إلى الصلوات الخمس التي مَنْ صلاّها لم يخب ولم يخسر بل يربح ويكون في الدنيا والآخرة من الفائزين، وهي الفرض فيها فرضان: فرضٌ من الله، وفرضٌ من رسوله مثل الوتر. وهي ثلاث ركعات بعد العِشاء الأخيرة، وركعتان في الفجر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب. فمن ترك شيئا من هذه فليس بجائزٍ له، ويجب على من تركها أياما الأدب ويُستتاب منه". فهل يقال فى الإسلام إن الصلاة فرضان: فرض من الله، وفرض من الرسول؟ إن المعروف أن الصلاة نوعان: فرض وسنة، فأما الفرض ففاعله مأجور مثاب، وتاركه يعاقب عليه، وأما السنة فمؤديها مأجور، وتاركها غير آثم، بخلاف ما زعمه الهاشمى من أن لتارك الصلاة بنوعيها، دون تفريق بين فرض وناقلة، عقوبة واستتابة، إذ لا عقاب على تارك النوافل كما هو معلوم للمسلمين كافة. أما القول بأن ثمة عقوبة على من لم يصلّ النوافل فهو هزل لا يليق! ثم هل فرغ الهاشمى من كل شىء مع الكندى، ودخل الكندى الإسلام، ولم يبق إلا أن يفرّق له بين العشاء والعَتَمَة ويعلّمه أن الرسول قد نهى عن تسمية العشاء بــ"العَتَمة": "وقد نهى رسول الله أن يُقال: العَتَمة، وقال: هي عتمة الليل، وإنما سُمِّيَتْ: "عَتَمَة" لتأخّرها في العِشاء وإبطائها"؟ ألا إن هذا لمما يبعث على القهقهة!
15- ويمضى الهاشمى قائلا لصديقه النسطورى: "ثم أدعوك إلى الحج إلى بيت الله الحرام الذي بمكة، والنظر إلى حرم رسول الله وآثاره ومواضعه المباركة وتلك المشاعر العجيبة" بما يدل، كما هو واضح جلىّ، على أن حرم رسول الله هو المسجد الحرام. فهل يسمى المسجد الحرام: "حرم رسول الله"؟ فضلا عن أنه ليس هناك فى كتب الموسوعة الشعرية، وهى بالمئات، عبارة "المشاعر العجيبة". وفى "المياه والأمكنة والجبال" للزمخشرى نقرأ أن "الحرم مكة وما حولها، وحرم رسول الله (ص) المدينة". وفى كتب الأدب العربى القديمة أن الأنصار ذهبوا إلى عمر بن عبد العزيز وكلموه فى رد الأحوص الشاعر إلى "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أى إلى المدينة. وكذلك جاء على لسان عائشة رضى الله عنها أن عثمان قُتِل وطُلَّ دمه (أى ذهب هَدْرًا) فى "حرم رسول الله"، أى فى المدينة. وجاء على لسان عبد المطلب فى كتب التاريخ والسيرة قوله عن نفسه وقومه، وكذلك قول غيره عنهم، إنهم "أهل حرم الله"، أى مكة. كما يشار كثيرا فى كتب الأدب والتاريخ إلى مكة بأنها "حرم الله"، وإلى المدينة بأنها "حرم رسول الله"، وإلى أهل المدينة بأنهم "أهل حرم رسول الله"، ولا يوجد فى أى كتاب أن المسجد الحرام هو حرم رسول الله.
16- وثمة أخطاء أخرى لا تليق بأن يقع فيها مثل ذلك العالم المبجَّل، منها قوله عن شفاعة النبى يوم القيامة: "ويقول الرحمن للملائكة: إني أستحيي أن أردّ شفاعة صفيي وحبيبي محمد"، فأين هذا الكلام؟ ومن أين أتى به الكاتب؟ هل يعقل أن يقول هذا رجل من رجال الحديث؟ لقد بحثت عنه فى "موسوعة الأحاديث" فى كل من موقع "الدرر السنية" وموقع "بلِّغوا عنى ولو آية"، فلم أجده لا فى الأحاديث الصحيحة ولا فى الضعيفة. ومنها أيضا: "وأما الزكاة فهي ربع العُشر"، مع أن هذه النسبة إنما هى فى أنواع معينة من الأموال فقط، أما فى الأنواع الباقية فالنسبة مختلفة عن ذلك، وهو ما يدل على أن الكاتب لا يعرف الإسلام إلا لماما. ثم إنه يضيف قائلا: "إذا أتى على المال وهو في ملك صاحبه حَوْلٌ كاملٌ، فتَصْرِف ذلك على المساكين من ملّتك والفقراء من أهلك"، وتعليقنا هو أن مستحقى الزكاة أكثر من ذلك، إذ هم ثمانية أصناف من البشر، فأين الباقون؟ مرة أخرى هذا كلام رجل لا يعرف الإسلام إلا لماما. ومن ذلك أيضا قوله إن الله ليحب أن يؤخَذ بعزائمه وتشديداته. فهل إلى هذا الحد يجهل الهاشمى المزعوم حديث رسول الله فى ذلك الموضوع فلا يستطيع أن يورده على الوجه الصحيح الذى يدل على أن الله سبحانه يحب لعباده اليسر لا العسر وأنه إذا كان ثمة رخصة فهو يريد للمسلم الأخذ بها، إذ يقول الرسول الكريم: "إن الله يحب أن تُؤْتَى رُخَصه كما يكره أن تُؤْتَى معصيته"، وفى رواية أخرى: "إن الله يحب أن تُؤْتَى رُخَصه كما يحب أن تُؤْتَى عزائمه"؟ ثم إنه ليس فى الإسلام أية تشديدات، بل جاء نبينا الرحيم برسالة اليسر والتيسير وأعفى الناس مما كان فى دين اليهود من تشديداتٍ مُعْنِتَةٍ كان الله قد عاقبهم بها جراء تمردهم وعصيانهم ومسارعتهم فى كل مناسبة إلى الكفر؟ بل إن لفظ "التشديدات" لا وجود له فى القرآن الكريم ولا فى الحديث الشريف لا بصيغة المفرد ولا بصيغة الجمع بأى حال من الأحوال. ومرة أخرى بحثت عن كلمة "تشديدات" فى "الموسوعة الشعرية" فى كلا القسمين: قسم الشعر الذى يضم كل الشعر العربى تقريبا حتى منتصف القرن الماضى، وقسم المكتبة التى تضم عدة مئات من أشهر كتب التراث، وكذلك فى "المكتبة التراثية" بموقع الوراق، فلم يرتدّ لى من البحث إلا أربعة شواهد كلها من كتب لاحقة للتاريخ الذى ينتمى إليه كاتبا الرسالتين على أبعد تقدير، وهذه الشواهد موجودة فى الكتب المنشورة فى موقع "الوراق" فقط.
17- وأخيرا فقد ختم الهاشمى رسالته بالعيب على دين الكندى وعقائده وعباداته وشرائعه وعقله، إذ يقول له: "فدع ما أنت فيه من تلك الضلالة وتلك الحمية الشديدة الطويلة المتعبة، وجهد ذلك الصوم الصعب والشقاء الدائم الذي أنت منغمس فيه، الذي لا يجدي عليك نفعا إلا إتعابك بدنك وتعذيبك نفسك، وقولك بذلك التخليط الذي تعرفه ولا تنكره، وهو قولكم بالآب والابن والروح القدس، وعبادة الصليب التي تضر ولا تنفع، فإني أربأ بك عنه وأجلُّ فيه علمك وشرف حسبك عن خساسته، فإني وجدت الله تبارك وتعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (النساء/ 48)، وقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ* لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" (المائدة/ 72- 75)... فقد نصحتُ لك يا هذا وأدَّيْتُ إليك حق المودّة وخالص المحبة، إذ أحببتُ أن أخلطك بنفسي، وأن أكون أنا وأنت على رأي واحد وديانة واحدة. فإني وجدت ربي يقول: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ والْمُشرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ* جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ" (البيّنة/ 6- 8)، وقال في موضع آخر: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ" (آل عمران/ 110). وأشفقت عليك أن تكون من أهل النار الذين هم شر البرية، ورجوت أن تكون بتوفيق الله إياك من المؤمنين الذين رَضِيَ الله عنهم ورَضُوا عنه وهم خير البرية، ورجوت أن تكون من هذه الأمة التي هي خير أمة أُخرجت للناس... فَدَعْ ما أنت فيه من تلك الضلالة وتلك الحمية الشديدة الطويلة المتعبة، وجهد ذلك الصوم الصعب والشقاء الدائم الذي أنت منغمس فيه، الذي لا يجدي عليك نفعا إلا إتعابك بدنك وتعذيبك نفسك... فإن أبَيْتَ إلاَّ جهلاً وتماديًا في كفرك وطغيانك الذي أنت فيه..."، وهذا يناقض ما كان قد كاله قبلا من ثناء له وللقساوسة والرهبان، وللنصرانية أيضا فى بعض الأحيان، فكيف ذلك؟
18- وبالمناسبة فقد كان المخطوط الأصلى الذى حققه وطبعه الدكتور تين (Dr. Tien) خاليا من اسمَىْ صاحِبَىِ الرسالتين، وهذا هو نص المقدمة التى كانت فى المخطوط ثم تم حذفه وكُتِبَ مكانه الاسمان: "ذُكِر أنه كان فى زمن عبد الله المأمون رجل من نبلاء الهاشميّين، وأظنّه من ولد العباس قريب القرابة من الخليفة، معروفٌ بالنسك والورع والتمسك بدين الإسلام وشدّة الإغراق فيه والقيام بفرائضه وسننه مشهورٌ بذلك عند الخاصة والعامة. وكان له صديق من الفضلاء ذو أدبٍ وعِلْمٍ كِنْدِىّ الأصل مشهورٌ بالتمسك بدين النصرانية، وكان فى خدمة الخليفة وقريبا منه مكانا، فكانا يتوادّان ويتحابّان ويثق كل منهما بصاحبه وبالإخلاص له. وكان أمير المؤمنين وجماعة أصحابه والمتّصلون به قد عرفوهما بذلك، وكرهنا أن نذكر اسميهما لعلة من العلل. فكتب الهاشمى الى النصرانى كتابا هذه نسخته". وهذا يدل، كما سبق الإيماء، على أن فى الأمر كثيرا من الاضطراب من شأنه أن يلقى الريبة فى الصدور، وبخاصة أننا نقرأ فى مقدمة الطبعة العربية أن ناشريها قد أَجْرَوْا فيها بعض التعديلات والتغييرات حسبما يقول النص التالى: "ويسرنا أن نقدم للقارئ العربي رسالتي الهاشمي والكِنْدي في هذه الطبعة الحديثة التي قدمنا فيها رسالة الهاشمي كما وجدناها، أما رسالة الكندي للهاشمي فقد حذفنا منها المترادفات، والتكرار، والتحيات، ونقلنا الاقتباسات الكتابية من ترجمة بيروت المعروفة بترجمة البستاني. وقد تركنا كلمة "نصارى ونصرانية" كما هي رغم معرفتنا أن المقصود بها هنا هو "المسيحية" وليس فرقة النصارى". كما أن وليام موير حين ترجم الرسالة المنسوبة للكندى لم يترجمها كاملة كما هى، بل اكتفى بترجمة مختارات منها وحذف الباقى كما أخبرنا فى المقدمة (ص 8)، بما يدل على أن النص الأصلى لم يبق على حاله. وهنا أرجو أن يتنبه القراء إلى دلالة اسمَىْ صاحِبَىِ الرسالتين: عبد الله بن إسماعيل، وعبد المسيح بن إسحاق. فــ"عبد المسيح" تقابل "عبد الله"، و"إسحاق" تقابل "إسماعيل"، على اعتبار أن المسلم يتعبد لله، على حين يتعبد النصرانى للمسيح، وينتسب المسلم إلى إسماعيل، أما النصرانى فهو يفضل أن ينتسب إلى إسحاق، على أساس أن إسماعيل هو ابن إبراهيم الذى إليه يعتزى العرب، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم، بينما إسحاق هو ابنه الآخر الذى إليه ينتسب بنو إسرائيل، ومنهم المسيح عليه السلام. لكل ما سبق فإنى أرجح أن الرسالتين مصنوعتان صنعا على يد نصرانى لم يصرح باسمه بل تخفى وراء الاسمين المذكورين.
هذا ما عنّ لنا فيما يخص رسالة الهاشمى، أو بالأحرى: الرسالة المنسوبة إلى الهاشمى، أما بالنسبة إلى رسالة الكندى المزعوم، ذلك الذى لا نعرف عنه شيئا بالمرة، فإلى القارئ العزيز ملاحظاتنا عليها:
1- يلاحظ إسراف الكاتب فى تبجيل الخليفة (الذى من المفترض أنه هو المأمون، والذى رأينا أنه لا يمكن أن يكون المأمون)، فى الوقت الذى يتسافه فى حق رسول الله. ولا أدرى كيف يكون ذلك، وهو ما يدفعنى إلى القول بأن الرسالة لم تكن فى الأصل هكذا رغم أنها (كما قلت) لا تبعث أبدا على الاطمئنان إلى أن مؤلفها هو الكندى، بل دخلها عبث كثير مع هذا. ذلك أن من يحرص على تبجيل الخليفة كل هذا التبجيل وعلى التخاشع أمامه بكل تلك المذلة لا بد أن يحرص، على الأقل، على ألا يمس الرسول الذى يحكم ذلك الخليفة باسمه فلا يصفه بــ"صاحبك الجلف" مثلا، وهو الوصف الذى لو كان قد كتبه الكاتب فعلا إلى أحد المسلمين لكان قد ضربه بما فى قدمه على وجهه وحطم أنفه ومرغه فى الطين، إذ ليس الأمر هنا أمر حرية تفكير وتعبير بل أمر تسافه وتباذؤ على أكبر رمز عند المسلمين، وبالذات فى تلك العصور حيث كانت الدولة تقوم على العقيدة والشريعة اللتين أتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الخلفاء العباسيين هم من نفس السلالة التى منها رسول الله تبين لنا كيف كان من المستحيل اجتراء مثل ذلك الكلب الكندى على تناول رسول الله فى رسالة له إلى أحد بنى العباس بما تناوله به! ولست محتاجا إلى الإشارة إلى قلة أدب الكندى المزعوم وسفاهة عقله وعمى قلبه عن أنه لا يصح له قول ما قال فى حق رجل غيّر مسار التاريخ وعلّم البشر من قيم الحضارة والرقىّ الإنسانى والاجتماعى والأخلاقى ما كانت تجهله وما زالت تجهله حتى الآن! لكن ما علينا، فإن الحلاليف من أمثال هذا الوغد لا يمكنها أن تقدر اللآلئ قدرها الحق. ذلك أن قيمة اللآلئ إنما يعرفها خبراء الحلىّ والأحجار الثمينة، أما الحلاليف فهى، راحت أو جاءت، حلاليف لا تفهم إلا فى تشمم الزبالة وغمس فراطيسها فيها بحثا عن الفضلات! وإلى القارئ بعض ما قاله ذلك الكلب الحقير النجس عن الخليفة: "قرأت رسالتك وحمدت الله على ما وُهب لي من رأي سيدي أمير المؤمنين، ودعوت الله الذي لا يخيب داعيه إذا دعاه بنيَّةٍ صادقةٍ أن يطيل بقاء سيدنا أمير المؤمنين في أسبغ النعم برحمته". ومن الواضح أنه يكذب أيضا فى إشارته إلى ما وُهِب له من رأى سيده أمير المؤمنين، إذ ليس فى رسالة الهاشمى أية إشارة من قريب أو من بعيد إلى أنه كان لأمير المؤمنين (أيا ما يكن أمير المؤمنين ذاك) رأى يخص ذلك الكلب الدنس!
2- ومما قاله الكندى المزيف لصديقه المسلم: "مكتوب في التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى النبي، وناجاه بجميع ما فيها وخبَّره أسراره في السفر الأول من أسفارها الخمسة، وهو المعروف بسفر "الخليقة" (التكوين)، أن إبراهيم كان نازلاً مع آبائه بحاران، وأن الله تجلّى له بعد تسعين سنة، فآمن به وحُسِب له ذلك بِرًّا. ولكنه كان قبل ذلك التجلّي يعبد الصنم المسمّى: العُزّى، المتَّخَذ على اسم القمر، لأن أهل حاران كانوا يعبدون هذا الصنم، فكان إبراهيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهل بلده كما أقررتَ أنت أيها الحنيف وشهدتَ بذلك عليه، إلى أن تجلّى الله له فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا (تكوين 15:6). فترك الحنيفية التي هي عبادة الأصنام، وصار موحّدًا مؤمنًا، لأننا نجد الحنيفية في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام، فورَّث إبراهيم ذلك التوحيد إسحق، الذي هو ابن الموعد، وهو الذي قرَّبه لله ففداه الله بالكبش، لأنه هكذا أمره الله: خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ إِسْحَاقَ واذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ (تك 22:2)". ولو رجعنا إلى سِفْر "التكوين" (أو سفر "الخليقة" كما سماه الكلب النجس كاتب الرسالة) لتبين لنا أنه كذاب قرارى لا يخجل ولا يستحى على وجهه، إذ ليس فى ذلك السِّفْر ولا فى أى سفر آخر من الكتاب المقدس عنده هو وأمثاله شىء مما زعم: فليس فيه أن إبراهيم كان وثنيا يعبد الأصنام. وليس فيه كلمة "حنيف" ولا "حنيفية". وليس فيه أن الله قد اختار إبراهيم بعد بلوغه التسعين من عمره، بل قبل ذلك بطويل زمن. والسفر المذكور ما زال بحمد الله موجودا فى العهد القديم، فليرجع إليه القارئ بنفسه ليرى مدى الكيد الدنس الذى يتعامل به ذلك المأفون مع خصمه المسلم المزعوم. ومن بجاحته وعراقته فى الكذب أنه يقوّل خصمه المسلم ما لم يقل، لكن الله قد أبى إلا أن يفضح مؤلفهما فجعله يناقض نفسه بنفسه ويكذّب نفسه بنفسه، فهو يقول مثلا للمسلم: "كان إبراهيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهل بلده كما أقررتَ أنت أيها الحنيف وشهدتَ بذلك عليه"، مع أن المسلم لم يقل شيئا من ذلك، أو بالأحرى: أن الذى كتب رسالة المسلم لم يقل على لسان المسلم شيئا من ذلك، لكن إرادة الله اقتضت فضحه وهتك الستر عن سوأته أمام أبصار الناس جميعا!
وفى ص 77 وما بعدها من كتاب "أعاجيب الأكاذيب" لمحمد جواد، وهو متاح على المشباك لمن يطلبه، يطالع القارئ خلاصة تحقيق ذلك العالم لتلك المسألة فى السطور التالية المخزية للكندى الكذاب الذى يجرى على سنة قومه فى الافتراء والتدليس والتزييف دون أن يطرف له جفن. يقول الأستاذ محمد جواد: "قال عبد الله الهاشمي في صحيفة 12 في ذكر إبراهيم النبي عليه السلام: "ملّة أبينا إبراهيم، فإنه كان حنيفًا مسلمًا"، وذكر في صحيفة 6 قول الله تعالى في سورة "آل عمران": "مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ"، فقال عبد المسيح، صحيفة 30، إن إبراهيم إنما كان نازلا بحرّان مع آبائه تسعين سنة، لم يعبد إلاّ الصنم المسمّى بالعزّى. ثم قـال: فكان إبراهـيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهـل بلده، كما أقررت به أنت أيها الحنيف وشـهدت به، إلى أن تجلّى الله له. ثم قال: لأنّا نجد الحنيفيّة في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام. فليت شعري من أين ينسب عبادةَ الأصنام لإبراهيم، ولم يجئ لهذا ذكر في توراته ولا كُتُب وحيه؟! وأما قوله إن إبراهيم إنما كان نازلا بحرّان مع آبائه تسعين سنة، لم يعبد إلاّ الصنم المسمّى بالعزّى، فإنه قد اشتمل على أكاذيب عديدة:
(1) إنّ توراتهم تكذّب قوله هذا، فإنها تذكر في أواخر الأصحاح الحادي عشر من سفر التكوين أن إبراهيم كان ساكنًا في أرض ميلاده أور الكلدانيّين فيما بين النهرين وبقي فيها إلى أن تزوّج هو وأخوه الأصغر منه هاران، وولد لهاران ولده لوط، ثم خرج من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتى إلى حاران. فأين نزوله تسعين سنة مع آبائه في حاران؟ وأيضًا في الأصحاح الثاني عشر من التكوين، في العدد الرابع، أن إبراهيم لما خرج من حاران وأتى إلى أرض كنعان كان عمره خمسًا وسبعين سنة، فأين تكون التسعون سنة في حاران؟ وبمقتضى دلالة التوراة وتواريخهم أن إبراهيم لم يسكن في حاران إلاّ سنين قليلة، وتواريخهم المعلّقة على توارتهم تذكر أن خروجه من بلاده أرض الكلدانيّين كان سنة 1923 قبل المسيح، وخروجه من حاران كان سنة 1921 قبل المسيح، فيكون مكثه في حاران سنتين، فأين التسعون سنة؟!
(2) إن إبراهيم لم يكن له آباء وأجداد في حاران.
(3) إن عبد الله الهاشمي لم يعترف ولم يشهد بأن إبراهيم كان عابد وثن، وإنما ذكر من القرآن الكريم أنه "كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين"، فما هذه الأكاذيب المتتابعة؟
وأيضًا أين عبد المسيح عن مقدّسه كتاب العهد الجديد؟ فإنه يذكر في "أعمال الرسل"، في الأصحاح السابع في العدد الثاني، أنّ الله ظهر لإبراهيم وهو فيما بين النهرين قبلما سكن في حاران، وأمره بالخروج إلى الأرض التي يريه الله إيّاها وهي أرض كنعان، فخرج بأمر الله ووحيه. فإبراهيم دخل حاران وسكن فيها وهو نبيٌّ مُوحًى إليه، فأين تكون عبادته للأصنام في حاران؟ هَبْ أن في الكذب للكاذب شرفًا ودينًا، ولكن ما ذنب إبراهيم مع عبد المسيح، الشخصي أو النوعي، حتى يرمي قُدْسه بعبادة الأصنام، ويكذب عليه بهتانًا وزورًا؟ ومن الظرائف قول عبد المسيح: "لأنّا نجد "الحنيفيّة" في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام"! وياللعجب! هذه الكتب التي يزعم عبد المسيح وأصحابه أنها منزلة من الله بين أيدينا، ولْيَضُمّوا إليها أيضًا ما رفضته المجامع، وما رفضه البروتستنت من كتبهم، ويُرُونا أين يوجد فيها أن "الحنيفية" اسم لعبادة الأصنام؟ أفلا يعلمون أن في المسلمين من قرأ كتبهم حرفًا حرفًا؟ ولكن ماذا نقول؟
لا تنتهي الأنفسُ عن غيِّها* ما لم يكن منها لها زاجر
أيها القارئ، ما هو حالك في الدهشة والأسف عن الصدق والأمانة والشرف والاستقامة والدين؟ هب أن الناس يتسامحون في الكذب في الأمور الدنيوية ومعاملات المعيشة، ولكن الديانة المطلوب بها الهدى والصلاح والاستقامة كيف يُبْنَى أمرها على الكذب الصريح المتسلسل من رجال الدعوة إلى الدين، ومن الكتب المنسوبة إلى الوحي الإلهي؟ فأين الشرف والأمانة والصلاح؟! وأين الدين والتقوى؟! وما هذه الجرأة على قدس الرسل والأنبياء والصالحين؟ وما هذه الجرأة القبيحة على جلال الله وقدسه؟ وياللعجب المدهش من أناس يدعوننا بمثل ما ذكرناه من الكذب إلى مثل ما ذكرناه من الكذب والجرأة على جلال الله وقدسه! ويا للأسف! وحسبنا الله ونعم الوكيل، وسبحان ربّك ربّ العزّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين".
هذا ما قاله محمد جواد، ولكى يتابع معنا القارئ ما نقول أرى أن أضع بين يديه ما كتبه مؤلف سِفْر "التكوين" عن إبراهيم عليه السلام فيما يتعلق بتلك الفترة التى يشير إليها ذلك المدلّس، وهو موجود فى الإصحاحين الحادى عشر والثانى عشر: "27وَهذِهِ مَوَالِيدُ تَارَحَ: وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. وَوَلَدَ هَارَانُ لُوطًا. 28وَمَاتَ هَارَانُ قَبْلَ تَارَحَ أَبِيهِ فِي أَرْضِ مِيلاَدِهِ فِي أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ. 29وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لأَنْفُسِهِمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ، وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ. 30وَكَانَتْ سَارَايُ عَاقِرًا لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ. 31وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ، ابْنَ ابْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَأَةَ أَبْرَامَ ابْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعًا مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ. 32وَكَانَتْ أَيَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ. 1وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ.وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ». 4فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. 5فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ". وكما يرى القارئ ليس فى النص أى كلام عن عبادة إبراهيم للأوثان، وليس فيه لفظة "حنيف"، وليس فيه أن إبراهيم ظل فى حاران حتى بلغ التسعين من عمره، وليس فيه أن الله تجلى له وهو ابن تسعين عاما، بل الذى فيه أنه تجلى له وهو ابن خمسة وسبعين. ورغم ذلك يقول مؤلف "أعمال الرسل" (فى الإصحاح السابع منه) إن الله تجلى لإبراهيم قبل ذلك بكثير حين كان لا يزال فى أرض الكلدانيين، وهو ما ينقض ما قرأناه لتوّنا فى سفر "التكوين": "ظَهَرَ إِلهُ الْمَجْدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ فِي حَارَانَ 3وَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 4فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ. وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هذِهِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمُ الآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا. 5وَلَمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثًا وَلاَ وَطْأَةَ قَدَمٍ، وَلكِنْ وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مُلْكًا لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ".
3- ويمضى الكذاب قائلا إنه "من نسل إسحق من سارة الحرة خرج المسيح مخلِّص العالم"، ولن أسوق فى الرد على ذلك الهراء ونقضه وتدميره إلا ما قاله الإنجيل المنسوب لمن اسمه متى فى أول فقرة من أول إصحاح منه، وهو يجرى على النحو التالى: "1كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ: 2إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. 3وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ. 4وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ. 5وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى. 6وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ. وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا. 7وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَامَ. وَرَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا. 8وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا. 9وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حِزْقِيَّا. 10وَحِزْقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. 11وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ. 12وَبَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ. 13وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. 14وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. 15وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. 16وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ. 17فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً". والآن أرجوك أن تنظر أيها القارئ الكريم إلى آخر سلسلة النسب هذه، ولسوف تلاحظ فى الحال أنه لا صلة البتة بين المسيح وإبراهيم، لأن السلسلة تنتهى، لا بمريم أم المسيح التى جاء منها المسيح، بل بيوسف النجار، الذى لا تربطه علاقة أبوة بالمسيح، اللهم إلا إذا قلنا كما يقول من يكفرون بالله وبالمسيح، ولسنا منهم، إن يوسف النجار هو أبوه، وهى فضيحة نكراء نعوذ بالله منها وممن يقولونها، ومنهم مؤلف إنجيل متى كما هو واضح للأسف. وتقول الأناجيل بكلام صريح مباشر إن يوسف هو أبوه فعلا، وقد جاء هذا الكلام على لسان أمه فيما جاء.
وهو ما يؤكده النص التالى المأخوذ من مطلع إنجيل توما "And a certain Jew when he saw what Jesus did, playing upon the Sabbath day, departed straightway and told his father Joseph: Lo, thy child is at the brook, and he hath taken clay and fashioned twelve little birds, and hath polluted the Sabbath day"، إذ يقول المؤلف إن أحد اليهود الغيارى على الشريعة الموسوية، حين رأى عيسى الصغير يصنع يومَ سبتٍ من الطين طيرًا، ذهب من فوره إلى "أبيه يوسف" وشكا له ما صنع ابنه من الاعتداء على حرمة اليوم المقدس. ومثله قول مؤلف ذلك الإنجيل فى موضع آخر إن عيسى ذهب ذات يوم لزراعة القمح مع "والده" فى حقلهم:"Again, in the time of sowing the young child went forth with his father to sow wheat in their land: and as his father sowed, the young child Jesus sowed also one corn of wheat"...، وغير ذلك من المواضع التى وُصِف فيها يوسف بأنه "أبوه". بل إننا لنقرأ أن يوسف، تعجُّبًا من المعجزات التى كان يعملها عيسى الصغير، قد دعا ربه شاكرا أنْ أعطاه غلاما مثله: " Happy am I for that God hath given me this young child". وفى "يسوع ابن الإنسان" لجبران خليل جبران كلام على لسان يوحنا بن زبدى أحد الحواريين مؤداه أن أباه رجل من البشر: "قد وُلِد يسوع الناصرى ونشأ مثلنا، وكان أبوه وأمه كوالدينا، وكان هو إنسانا مثلنا" (المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران المعرّبة عن الإنجليزية/ دار صادر- دار بيروت/ بيروت/ 1964م/ 236). ولا ننس أيضا أن سلسلة النسب الآنفة تذكر أن عيسى هو ابن داود، ومعروف من هو داود فى العهد القديم! إنه الزانى القتال المجرم الأثيم، المنتسب إلى يهوذا ولوط الزانيين بمحارمهما: الأول بزوجة ابنه، والثانى ببنتيه اللتين حبلتا منه، أستغفر الله وأستلعنه على من كتب هذا الكفر المبين المبير!
وها هى ذى نصوص من العهد الجديد تقول بصريح كلام لا لبس فيه إن عيسى هو ابن يوسف. ونبدأ بما جاء فى لوقا فى الإصحاح الثالث: "23وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ، بْنِ هَالِي، 24بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، بْنِ مَلْكِي، بْنِ يَنَّا، بْنِ يُوسُفَ، 25بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ عَامُوصَ، بْنِ نَاحُومَ، بْنِ حَسْلِي، بْنِ نَجَّايِ، 26بْنِ مَآثَ، بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ شِمْعِي، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يَهُوذَا، 27بْنِ يُوحَنَّا، بْنِ رِيسَا، بْنِ زَرُبَّابِلَ، بْنِ شَأَلْتِيئِيلَ، بْنِ نِيرِي، 28بْنِ مَلْكِي، بْنِ أَدِّي، بْنِ قُصَمَ، بْنِ أَلْمُودَامَ، بْنِ عِيرِ، 29بْنِ يُوسِي، بْنِ أَلِيعَازَرَ، بْنِ يُورِيمَ، بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، 30بْنِ شِمْعُونَ، بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يُونَانَ، بْنِ أَلِيَاقِيمَ، 31بْنِ مَلَيَا، بْنِ مَيْنَانَ، بْنِ مَتَّاثَا، بْنِ نَاثَانَ، بْنِ دَاوُدَ، 32بْنِ يَسَّى، بْنِ عُوبِيدَ، بْنِ بُوعَزَ، بْنِ سَلْمُونَ، بْنِ نَحْشُونَ، 33بْنِ عَمِّينَادَابَ، بْنِ أَرَامَ، بْنِ حَصْرُونَ، بْنِ فَارِصَ، بْنِ يَهُوذَا، 34بْنِ يَعْقُوبَ، بْنِ إِسْحَاقَ، بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، 35بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، 36بْنِ قِينَانَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ، بْنِ لاَمَكَ، 37بْنِ مَتُوشَالَحَ، بْنِ أَخْنُوخَ، بْنِ يَارِدَ، بْنِ مَهْلَلْئِيلَ، بْنِ قِينَانَ، 38بْنِ أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ الله". ثم نثنّى بما جاء فى الإصحاح الرابع منه: "22وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ: «أَلَيْسَ هذَا ابْنَ يُوسُفَ؟»". ثم نثلّث بما قاله مَنء يقولون إنه يوحنا فى الإصحاح الأول من الإنجيل المنسوب له: "43فِي الْغَدِ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجَلِيلِ، فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ فَقَالَ لَهُ:«اتْبَعْنِي». 44وَكَانَ فِيلُبُّسُ مِنْ بَيْتِ صَيْدَا، مِنْ مَدِينَةِ أَنْدَرَاوُسَ وَبُطْرُسَ. 45فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ:«وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ». 46فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ:«أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ:«تَعَالَ وَانْظُرْ»". ثم نربّع بما كتبه مؤلف إنجيل يوحنا فى الإصحاح السادس منه: "41فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ:«أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ». 42وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟» 43فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«لاَ تَتَذَمَّرُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ. 44لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (ولنلاحظ أنه عليه السلام لم ينكر عليهم نسبتهم إياه إلى يوسف النجار!). ثم نخمّس الآن بما ورد فى الإصحاح الثانى مما يسمى: إنجيل لوقا: "25وَكَانَ رَجُلٌ فِي أُورُشَلِيمَ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. 26وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. 27فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، 28أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: 29«الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، 30لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، 31الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. 32نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ»" (ولنلاحظ هنا أيضا وصف سمعان ليسوع بأنه عبد الله لا ابنه سبحانه). ثم نسدّس بهذا النص من نفس الإصحاح حيث تؤكد مريم لابنها أن أباه هو يوسف: "41وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ. 42وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ كَعَادَةِ الْعِيدِ. 43وَبَعْدَمَا أَكْمَلُوا الأَيَّامَ بَقِيَ عِنْدَ رُجُوعِهِمَا الصَّبِيُّ يَسُوعُ فِي أُورُشَلِيمَ، وَيُوسُفُ وَأُمُّهُ لَمْ يَعْلَمَا. 44وَإِذْ ظَنَّاهُ بَيْنَ الرُّفْقَةِ، ذَهَبَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَكَانَا يَطْلُبَانِهِ بَيْنَ الأَقْرِبَاءِ وَالْمَعَارِفِ. 45وَلَمَّا لَمْ يَجِدَاهُ رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَطْلُبَانِهِ. 46وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ. 47وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ. 48فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ:«يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!»". وبطبيعة الحال فنحن المسلمين لا نقول بهذا، بل نؤمن أنه وُلِد دون أب من البشر، لكن هذا لا يجعل منه عليه الصلاة والسلام ابنا لله، إنما هو عبد من عباده سبحانه (كما جاء على لسان سمعان الكاهن)، ونبى من أنبيائه.
4- وفى محاولة من كذابنا الكندى لإثبات صدق التثليث نراه يقول، فى تفسير الكلام التالى الذى كتبه مؤلف سفر "الخروج" فى الإصحاح الثالث منه: "13فَقَالَ مُوسَى ِللهِ: «هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟» 14فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ».15وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ"، إن الله هنا قد "جدَّد ذكر التوحيد وأَلْغز عن سرّ الثالوث حيث قال: إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، فكرر بذلك القول ذكر الثلاثة الأقانيم بعد ذكر التوحيد كما كان قديمًا، فهو واحد ذو ثلاثة أقانيم لا محالة، لأنه أجمل في قوله: "إله آبائكم"، ثم قال مكررًا اسم الجلالة ثلاث مرات. فإن قلنا إنها ثلاثة آلهة أشركنا، وإن قلنا إله واحد مكررًا ثلاث مرات نكون قد دفعنا للكتاب حقه، لأنه قد كان يمكنه أن يقول: إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب". يقصد البكاش صاحب الثلاث ورقات أنه قال أولا: "إله آبائكم"، وهذا توحيد لأنه ذكر كلمة "إله" مرة واحدة، ثم عاد فقال: "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب" مكرِّرًا كلمة "إله" هنا ثلاث مرات. ولو لم يكن يقصد الثالوث فى العبارة الأخيرة لقال بدلا منها: "إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب" دون تكرير كلمة "إله" فى كل مرة مع اسم كل نبى من الأنبياء الثلاثة. ولاحظ أولا قوله إن الله قد "ألغز عن سر الثالوث"، وكأن الله طارح ألغاز، وكأننا فى سمرٍ شتوى أمام موقد نتدفّأ ونتحاكى الحواديت والفوازير تقصيرا لليل الشتاء الطويل! كذلك من المضحك لجوؤه إلى الزعم بأن عبارة "إله آبائكم" توحيد، على حين أن عبارة "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب" تعديد، رغم أن هذه هى تلك، وأن أحمد هو الحاج أحمد بقضه وقضيضه لا يزيد ولا ينقص. وإلا فلو قلت عن نفسى مثلا إننى أستاذ محمد، وأستاذ سيد، وأستاذ نبيل، أأكون حينئذ ثلاثة أساتذة أو ثلاثة أقانيم فى أستاذ؟ فماذا لو قلت إننى أستاذ فلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان... حتى بلغت بالعدد عدة ألوف كما ينبغى أن أقول عن نفسى لأن تلاميذى يعدون فعلا بالألوف، أأكون فى هذه الحالة آلاف الأساتيذ معا أو آلاف الأقانيم فى أستاذ؟ إن هذا الغبى لا يفقه شيئا فى أساليب اللغة، فإن قولنا: "إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب" هو نفسه قولنا: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب" لا يزيد ولا ينقص، اللهم إلا أن فى التكرار شيئا من التأكيد، كما أن فى تكرار "لا" فى قولنا مثلا: "لا أحب البطاطس ولا القلقاس" تأكيدا للنفى لا وجود له فى قولنا: "لا أحب البطاطس والقلقاس"، وكما فى تكرار أية عبارة أخرى لتثبيتها فى الذهن أو للتنبيه إلى أهميتها أو خطورتها مثل قول الواحد منا: "أنا أكره الثرثرة. قلت لك: إنى أكره الثرثرة. ألا تفهم؟ أنا أكره الثرثرة. بالله عليك كُفّ عن اللت والعجن، فأنا أكره الثرثرة"، ومثل قول عبد الحليم حافظ: "أَحبِّكْ، أَحبِّكْ، أَحِبِّكْ يا حياة قلبى"، وقول عايدة الشاعر: "أنا أحبَّك، أنا انا احبَّكْ" عدة مرات وترديد الفتيات وراءها هذه الجملة فى كل مرة، وإلا فهل كل من العندليب الأسمر ومطربة الأفراح أقانيم متعددة؟ فهذا كل ما هنالك. أما قول مجادلنا الصغير العقل إن الله لو لم يكن يقصد الثالوث فى العبارة الأخيرة لقال بدلا منها: "إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب" فالرد عليه هو أنه قالها يا كذاب يا مداور فى الآية التى بعد ذلك مباشرة حيث نقرأ ما نصه: "16اِذْهَبْ وَاجْمَعْ شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمُ: الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ"، وقالها أيضا فى الإصحاح الثالث من سفر "الخروج": "16اِذْهَبْ وَاجْمَعْ شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمُ: الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ"، إذ لم يقل: "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب"، بل قال: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، دون أن يكرر كلمة "إله"! فما القول فى ذلك؟ كذلك أرجو من القارئ العزيز أن يتنبه إلى أن كلمة "إله" فى الكتاب المقدس يمكن أن تُطْلَق على البشر أيضا (حاجة ببلاش كده!)، فالله سبحانه وتعالى يقول لموسى عليه السلام فى أول آية من الإصحاح السابع من سفر "الخروج": "فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ"، وهو ما يدل على أن الكتاب المقدس لا ينبغى أن يؤخذ بكل تلك الجديّة.
ثم إن معنى كلامه هو أن إله إبراهيم كان هو الآب، على حين أن إله إسحاق كان هو الابن، وإله يعقوب هو الروح القدس مثلا. فمن هو يا ترى إله موسى؟ ومن هو إله داود؟ ومن إله سليمان؟ ومن إله زكريا؟ بل من إله كل نبى من الأنبياء؟ ترى أهو إلهٌ قطّاعىّ؟ ولماذا لم يقل يهوه ذلك بوضوح مباشر بدلا من هذا اللف والدوران الذى يليق ببهلوان فى سيرك لا بإله؟ وإذا كان قد فاته هذا هنا فلماذا لم يستدركه بعد ذلك؟ بل لماذا لم يقله منذ آدم وانتظر إلى زمن موسى؟ بل على الأقل لماذا لم يقله منذ إبراهيم المنسوب له هذا الكلام وانتظر حتى كليم الله؟ ولماذا لم يقله موسى إذن بوضوح إذا كان يقصد هذا؟ بل لماذا لم يبشّر موسى بعيسى نفسه؟ ولماذا لم يقل إبراهيم بصريح العبارة إن الله ثالوث فيريح ويستريح؟ إن المسيح ذاته لم يقلها، فكيف نصدق بما يقوله كاتب الرسالة المدلس؟ وبالمناسبة فقد جاء فى النص السابق أن الله سوف يُدْعَى إلى الأبد: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ"، ثم نراه عقب ذلك يقول إن اسمه "يَهْوَه"، وهو ما يربك العقل، إذ لا يعرف الإنسان أى من الاسمين هو المقصود، وإن كان التاريخ قد أثبت أن هذا وذاك كلام فى الهواء، لأنه ما إن جاء المسيح حتى لم يعد أحد يسميه بهذا الاسم أو ذاك، إذ يقول النصارى إنه هو الآب، ثم جاء محمد فقال وقلنا معه إنه هو "الله"! أما قول صاحبنا المداور المفتئت على الحق: "فأي دليل أوضح من هذا إلا لمن عاند الحق الذي أودعه في كتبه التي أنزلها على أنبيائه، وهي في أيدي أصحاب التوراة؟ إلى هذا الوقت لم يكونوا يفهمونه حتى جاء صاحب السرّ الذي هو المسيح سيدنا وكشفه لنا"، فليس له من معنى إلا أن كل الأنبياء قبل عيسى عاشوا وماتوا دون أن يعرفوا أن الله ثلاثة أقانيم، أى ماتوا جهلاء بالدين الحق! بل إن عيسى نفسه لم يتطرق إلى أى ذكر للتثليث! وأيا ما يكن الأمر فماذا نحن قائلون فى كلام يعقوب التالى، وهو موجود فى الإصاح الثانى والثلاثين من ذات السفر: "9وَقَالَ يَعْقُوبُ: «يَا إِلهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلهَ أَبِي إِسْحَاقَ، الرَّبَّ الَّذِي قَالَ لِيَ: ارْجعْ إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى عَشِيرَتِكَ فَأُحْسِنَ إِلَيْكَ. 10صَغِيرٌ أَنَا عَنْ جَمِيعِ أَلْطَافِكَ وَجَمِيعِ الأَمَانَةِ الَّتِي صَنَعْتَ إِلَى عَبْدِكَ. فَإِنِّي بِعَصَايَ عَبَرْتُ هذَا الأُرْدُنَّ، وَالآنَ قَدْ صِرْتُ جَيْشَيْنِ. 11نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي، مِنْ يَدِ عِيسُوَ، لأَنِّي خَائِفٌ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَضْرِبَنِي الأُمَّ مَعَ الْبَنِينَ. 12وَأَنْتَ قَدْ قُلْتَ: إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْكَ وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ لِلْكَثْرَةِ»" حيث قال" إله إبراهيم، وإله إسحاق" فقط، أى أنه كرر كلمة "إله" مرتين لا ثلاثا؟ ترى هل ينبغى أن نفهم من هذا أن الله ثَانُوءٌ لا ثالوث؟ ألا يرى القارئ أننا أمام أمرٍ كلّه هزلٌ لا جِدّ فيه؟
وفى دفاعه عن التثليث يسأل الكندى خصمه وصديقه المسلم قائلا: "ألا تعلم أن الواحد لا يُقال له واحدًا إلا على ثلاثة أوجه: إما في الجنس، وإما في النوع، وإما في العدد. ولستُ أرى أحدًا يدَّعي غير هذا، أو يقدر أن يجد غير هذه الأوجه الثلاثة. فإن قلت إنه واحد في الجنس صار واحدًا عامًّا لأنواع شتى، لأن حكم الواحد في الجنس هو الذي يضمّ أنواعًا كثيرة مختلفة، وذلك مما لا يجوز في الله. وإن قلت إنه واحد في النوع صار ذلك نوعًا عامًّا لأقانيمَ شتَّى، لأن حكم النوع يضم أقانيمَ كثيرةً في العدد. وإن قلت إنه واحد في العدد، كان ذلك نقضًا لكلامك أنه واحد فرد صمد، لأنه لو سألك سائل عن نفسك: كم أنت؟ لا تقدر أن تجيبه أنك واحد فرد. فكيف يقبل عقلك هذه الصفة التي لا تُفضِّل إلهك عن سائر خلقه؟ وليتك مع وصفك إياه بالعدد كنت وصفته أيضًا بالتبعيض والنقصان. ألا تعلم أن الواحد الفرد بعض العدد، لأن كمال العدد ما عمَّ جميع أنواع العدد، فالواحد بعض العدد، وهذا نقضٌ لكلامك. فإن قلت إنه واحد في النوع، فللنوع ذواتٌ شتَّى لا واحدٌ فرد. وإن قلت إنه واحد في الجوهر، نسألك: هل تخالف صفةُ الواحد في النوع عندك صفةَ الواحد في العدد؟ أو هل تعني واحدٌ في النوع واحدًا في العدد لأنه عام؟ فإن قلت: قد تخالف هذه تلك، قلنا لك: حدّ الواحد في النوع عند أهل الحكمة اسم يعمّ أفرادًا شتَّى، وواحد الواحد ما لا يعمّ غير نفسه. فهل تقرّ أن الله واحد في الجوهر يعم أشخاصًا شتى، أو هل هو شخص واحد؟ وإن كان معنى قولك إنه واحد في النوع واحد في العدد، فإنك لم تعرِّف الواحد في النوع ما هو وكيف هو، ورجعت إلى كلامك الأول أنه واحد في العدد، وهذه صفة المخلوقين. وإن قلتَ: هل تقدر أنت أن تصف الله واحدًا في العدد إذا كان كزعمك الواحد في العدد بعضًا وليس بكامل؟ قلنا لك: إننا نصفه واحدًا كاملاً في الجوهر مثلّثًا في العدد، أي في الأقانيم الثلاثة، فقد كملت صفته من الوجهين جميعًا. أما وصفنا إياه واحدًا في الجوهر فلأنه أعلى من جميع خَلْقه، لا يشبهه شيء منها ولا يختلط في غيره، بسيط غير كثيف وروحاني غير جسماني، أب على كل شيء بقوة جوهره من غير امتزاج ولا اختلاط ولا تركيب. وأما في العدد فلأنه عام لجميع أنواع العدد لأن العدد لا يُعَدّ، وإن تكن أنواعه نوعين زوجًا وفردًا، فقد دخل هذان النوعان في هذه الثلاثة. فبأي الأنحاء وصفناه لم نعدل عن صفة الكمال شيئًا كما يليق به. فوَصْفنا الله واحدًا ليس على ما وصفته أنت. وأرجو أن يكون هذا الجواب مقنعًا لك وللناظر في كتابنا هذا، إذا نظر بعين الإنصاف".
ونحن بدورنا نقول فى الرد على ذلك إن هذه سفسطة سخيفة لا طائل من ورائها، وهيهات أن تفتح لصاحبها مسربا يهرب منه كالثعالب. ذلك أنه لا معنى لقوله إن الواحد قد يقال له: "واحد فى الجنس أو فى النوع"، لأن هذا تحصيل حاصل، إذ الجنس بطبيعته لا يمكن أن يكون اثنين، وإلا ما كان جنسا. وبهذا يتجلى للقارئ ما فى كلام البكاش من سفسطة. وبالنسبة للنوع هناك رتب كثيرة تندرج تحته، وتحت الرتب تندرج أفراد لا حصر لهم. وكل رتبةٍ وكل فردٍ هو كيان مستقل لا علاقة لها أو له بما يسمونه: الأقانيم، أما البكاش فيدوس كل منطق ويقول رغم ذلك إنها أقانيم. وهذه أول مرة نسمع فيها هذا، وهو بفعلته تلك يريد أن يخترع مصطلحات جديدة لمنطق جديد، وهذا المنطق الذى يريد اختراعه هو السفسطة بعينها، والغاية منه هو إيهام القراء بأن حكاية الأقانيم أمر منطقى، ولكن هيهات. وبطبيعة الحال فإن واحدية الله ليست واحدية جنس ولا نوع لأنه ليس جنسا ولا نوعا، وإلا كان هناك أنواع تحت الجنس الإلهى متعددة، وأفراد تحت نوعه متعددة أيضا، والله غير متعدد. ويبقى كلامه عن "الواحد فى العدد" ومحاولته الإجلاب على التوحيد الإسلامى بقوله: "وإن قلت إنه واحد في العدد، كان ذلك نقضًا لكلامك أنه واحد فرد صمد، لأنه لو سألك سائل عن نفسك: كم أنت؟ لا تقدر أن تجيبه أنك واحد فرد. فكيف يقبل عقلك هذه الصفة التي لا تُفضِّل إلهك عن سائر خلقه؟ وليتك مع وصفك إياه بالعدد كنت وصفته أيضًا بالتبعيض والنقصان. ألا تعلم أن الواحد الفرد بعض العدد، لأن كمال العدد ما عمَّ جميع أنواع العدد، فالواحد بعض العدد. وهذا نقضٌ لكلامك". وتفنيد ذلك من أيسر ما يمكن، إذ إن الله سبحانه مطلق لا يُحَدّ ولا ينقسم ولا يتكرر، بخلاف المخلوقات، فإنها تُحَدّ وتنقسم وتتكرر. ومن ثم فقولنا إن الله واحد يختلف اختلافا تاما عن قول الواحد منا عن نفسه إنه واحد، لأن قولنا: الله واحد" معناه أنه لا جنس له يشمل أنواعا متعددة متشابهة، ولا نوع له يشمل أفرادا متعددين متشابهين، بخلاف قولنا إن فلانا واحد، فهو يدل على أنه واحد من آحاد كثيرة متشابهة. وهذا جَلِىٌّ بين، إلا أن صاحبنا يسفسط فى سياق لا يحتمل من السفسطة كثيرا ولا قليلا. إن الله فى الإسلام واحد أحد لأنه، حسبما شرحت الآن، لا يمكن أن يكون هناك شبيه له لا فى قوته المطلقة ولا فى إرادته المطلقة ولا فى علمه المطلق ولا فى وجوده المطلق الذى لا يحده حد ولا بداية له ولا نهاية... إلخ، ومن ثم فهو ليس واحدا فى سلسلة من الآحاد. أى أنه واحد ليس له ثان ولا ثالث ولا رابع ولا خامس...، فضلا عن أن يتجسد فيحتويه المكان والزمان ويخضع للقوانين والضرورات، شأنه شأن كل من يعيش داخل نطاق الزمان والمكان. تعالى الله عن ذلك، فهو سبحانه وتعالى خالق المكان والزمان والقوانين والضرورات، فكيف يمكن أن يخضع لشىء منها؟ أما ما يقوله صاحبنا البكاش فكلام ماسخ لا طعم له! وفى النهاية نسوق هذه الفقرة التى كتبها مؤلفو "دائرة المعارف الكتابية"، وهم مجموعة من كبار رجال اللاهوت النصارى فى مصر، فى مادة "وجد" : "الوجود فى كل مكان أمر مقصور على الله وحده، وهو يعنى أن الله لا يقيده أو يحده مكان أو زمان، إذ هو دائم الوجود فى كل مكان ( مز 139: 7- 10، إرميا 23: 23 و24، أع 17: 27، عب 1: 3... إلخ ). فمن اللازم أن نتجنب، فيما يتعلق بالله، المفاهيم المادية لوجوده حتى لا تختلط الأمور. فالله روح، ووجوده غير المحدود يجب النظر إليه بالمعنى الديناميكى، وليس بالمعنى المادى ، فهو متميز عن كل خليقته، بينما تحيط قوته وحكمته وصلاحه وجوده بكل الخليقة، فهو "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1: 3)، وهو الذى "به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع 17: 28)، وفى جلاله وعظمته الإلهية هو "أبونا الذى فى السماء" (مت 6: 9)". يعنى: لا تجسيد ولا دياولو! أما أن الله روح أو أى شىء آخر فهذا ما لا نقول فيه إلا أنه "ليس كمثله شىء"، وإلا فإذا كان الله روحا كما يقول كتاب المادة اعتمادا على ما جاء فى إنجيل يوحنا (4/ 24)، فماذا نقول فى "روح الله" الواردة فى تكوين/ 1/2، و41/ 38، وخروج/ 31/ 3، و31/ 35، وعدد/ 21/ 2، وصموئيل 1/ 10/ 10، و11/ 6... ، ومتى/ 3/ 16، و12/ 26 مثلا؟ أنقول إنها "روح الروح"؟ أرأيت كيف أن بعض الناس لا يتنبهون إلى مرامى ما يقولون؟
وعلى ذات الشاكلة من السفسطة يستمر فى مزاعمه مخاطبا الهاشمى المزعوم بقوله: "وأما قولك إنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولم يكن له كفؤًا أحد، فإن أنت أنصفتنا أقررتَ لي بأن الذي وصفه بذلك هو الذي شنَّع عليه. وأما نحن فلا نقول إن لله صاحبة، ولا إنه اتخذ ولدًا ولا إنه كان له كفؤًا أحد". ومن الواضح أن الرجل قد فقد عقله! ألا يقولون إن عيسى هو ابن الله؟ ألا ينسبون لله القول بأنه هو ابنه الوحيد؟ ألا يقولون عن مريم إنها أم الإله؟ ألا يؤلهها بعض النصارى؟ ألا يقولون بالآب والابن والروح القدس؟ ثم إن الكاتب نفسه قبل قليل قد أشار إلى عبارة "إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب" ومغزاها. سيقول إن المقصود هو أنها ثلاثة أقانيم لا آلهة، لكنه هو وأهل ملته يتحدثون عن كل منها على أنه ذات مستقلة، وهذا من الوضوح بمكان، فهل الأقانيم ينفصل بعضها عن بعض ويستقل كل منها بوجود متمايز، ويكون أحدها فى السماء، والثانى على الأرض، والثالث ذاهب آيب ما بين السماء والأرض؟ هل يمكن أن يتجه أحد الأقانيم إلى أقنوم آخر فيقول له: أنت أبى أو إلهى ويسجد له ويبتهل ويصرخ طالبا العون، ويؤكد للناس من حوله أنه سوف يعود إليه بعد مماته، وأنه سوف يجلس عن يمينه يوم القيامة ويحاسب الناس معه ويشرب الخمر عنده كما كان عيسى عليه السلام يفعل حسبما كتب مؤلفو الأناجيل؟ وهذا يعنى أنه حتى بعدما يعود الابن إلى أبيه ويجلس عن يمينه سوف يتصرف تصرفات مستقلة لا يتصرفها الآب. الحق أنه ليس أمامنا إن أردنا أن نقبل هذا الذى يقوله ذلك البكاش إلا أن نخلع عقولنا ونرميها فى أقرب مقلب للقمامة! ولكن هيهات!
ومن سفسطته أيضا الجملة التالية التى ينقض ذيلها رأسها، وهى فى الحديث عن الله وصفاته: "فأما صفات ذاته فجوهر ذو كلمة وروح أزلي لم يزل متعاليًا مرتفعًا عن جميع النعوت والأوصاف". ذلك أنه فى الوقت الذى يقر فى بداية الجملة بأن لله تعالى صفات، يعود فى نهايتها فينفى أن تكون له أية صفات، ليعود كرة ثانية عقب ذلك فيتحدث عن صفات الله ويذكر له منها عددا غير قليل: "ونعلم أن الصفات في الله صفتان مختلفتان: صفة طبيعية ذاتية لم يزل متَّصِفًا بها، وصفة اكتسبها هي صفة فعله. فأما الصفات التي اكتسبها من أجل فعله فمثل رحيم وغفور ورؤوف. وأما الصفات المنزلة التي هي الطبيعية الذاتية التي لم يزل جل وعز متَّصِفًا بها فهي الحياة والعلم، فإن الله لم يزل حيًّا عالمًا. فالحياة والعلم إذًا أزليان لا محالة". وسبحان مثبّت العقل والدين! ومُضِيًّا مع السفسطة الماسخة يحاول أن يقنعنا بصحة النتيجة التالية: "فقد صحَّت نتيجة هذه المقدمات أن الله واحد ذو كلمة، وروح في ثلاثة أقانيم قائمة بذاتها يعمّها جوهر اللاهوت الواحد. فهذه هي صفة الواحد المثلث الأقانيم الذي نعبده، وهذه الصفة التي ارتضاها لنفسه ودلّنا على سرِّها في كتبه المنزلة على ألسنة أنبيائه ورسله. فأوَّل ذلك ما ناجى به موسى كليمه، حيث أعلمه كيف خلق آدم، فقال في السِّفْر الأول من كتاب التوراة: في البدء خلق الله (وفي العبرية: الآلهة بصيغة الجمع) السموات والأرض (تكوين 1:1). فبهذا يشير الكتاب المقدس إلى تثليث الأقانيم الإلهية الثلاثة، وبقوله "خَلَق" بضمير المفرد يشير إلى وحدة الطبيعة والجوهر الذي هو للأقانيم الإلهية الثلاثة. وقال أيضًا في هذا السِّفْر إن الله قال عند خلقه آدم: نَعْمَلُ الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا (تكوين 1:26)، ولم يقل: أعمل على صورتي وشبهي. وقال في هذا السِّفْر عندما أخطأ آدم: هُوَذَا الإنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ والشَّرَّ (تكوين 3:22)، ولم يقل: مثلي. وقال عزَّ وجل في هذا السفر: هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ (تكوين 11:7)، وذلك لما اجتمعوا ليَبْنوا صرحًا يكون رأسه في السماء، ففرَّق الله ضعف رأيهم وقلة عقولهم في ما فكروا فيه. ولم يقل: أَنْزِل أُبَلْبِل". ووجه السفسطة هنا هو أنه يقر بأن النص العبرى يقول: "آلهة" لا "إله" واحد، أى أننا إزاء شرك سافر، لأن الآلهة شىء، والأقانيم شىء آخر. أما استعمال ضمير الجمع فى حديث المتكلم عن نفسه فليس دليلا على التعدد، وإلا فكل رئيس أو ملك أو سلطان دائما ما يفعل ذلك، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ثلاثة ملوك أو ثلاثة رؤساء أو ثلاثة سلاطين، اللهم إلا إذا كان البعيد غبيًّا فَدْمًا أو سوفسطائيا معوج العقل والضمير! أما فيما عدا هذا فكلا ثم كلا! والعجيب أنه يعود فيقر بأن البشر أيضا يستعملون ضمير الجمع فى الحديث عن أنفسهم، لكنه يسارع إلى السفسطة كعادته الرذيلة قائلا: "فإن قلتَ: نعم قد أجازته (أى اللغات البشرية) حيث يقول الرجل الواحد منهم: أَمَرْنا وأَرْسَلْنا وقلنا ولَقِينا وما أشبه ذلك، نقول لك إن ذلك صحيح جائز في المؤلَّف من أشياء مختلفة والمركَّب من أعضاء غير متشابهة، لأن الإنسان واحد كثيرة أجزاؤه، فأول أجزاءٍ من الإنسان النفس والجسد، والجسد مبني من أجزاء كثيرة وأعضاء شتى. فلذلك جاز له أن ينطق بما وصفتَ من: قلنا وأَمَرْنا وأوحينا، إذ هو عدد واحد كما ذكرت. فإن قلت إن ذلك تعظيمٌ لله أن يقول: أرسلنا وأمرنا وأوحينا، قلنا لك: لو لم يقل ذلك من ليس بمستحقٍّ للتعظيم لجاز قولك". وطبعا لا أظن أن هناك من يرافئه على هذا التنطع، وإلا لم يجز لأى بشرى إلا أن يقول دائما: "نحن فعلنا ونمنا وأكلنا وشربنا وسفسطنا"، لأن البشر دائما وأبدا متركبون من أجزاء. أم تراهم يكونون فى بعض الأحيان متركبين من أجزاء، وفى أحيان أخرى كتلة واحدة لا تقبل انقساما، وأنهم لا يستعملون ضمير الجمع إلا حين يكونون متركبين من أجزاء، فإن أصبحوا كتلة واحدة لا تقبل الانقسام عادوا فقال الواحد منهم: "أنا أكلت وشربت ونمت وسفسطت"؟ لكننا نعلم أنه لا أحد منهم يستخدم ضمير الجمع منهم إلا الملوك والرؤساء والسلاطين، كما أن أولئك الملوك والسلاطين والرؤساء لا يفعلون ذلك فى كلامهم مع آبائهم وزوجاتهم وأولادهم وعشيقاتهم مثلا. أم ترى علينا أن نقول إنهم حين يكونون مع الرعية يكونون متركبين من أجزاء، لكن سرعان ما تلتئم هذه الأجزاء وتضحى كتلة واحدة لا تقبل الانقسام حين يخلون إلى أُسَرهم وعشيقاتهم؟ ألا ما أقبح العقول الزنخة!
ويستمر صاحبنا فى السفسطة السخيفة والجدال السمج قائلا: "ولكن الله سبحانه يعلّمنا أنه واحد ذو ثلاثة أقانيم، قد نطق بالصيغتين من "أمرْتُ وأمرْنا، وخلقْتُ وخلقْنا، وأوحيْتُ وأوحيْنا": فإن الأولى دليل على الوحدانية، والثانية على تعدد الأقانيم. وبيان ذلك قول موسى النبي في التوراة ما معناه أن الله تراءى لإبراهيم وهو في بلوطات مورا جالسًا على باب خبائه في وقت حرّ النهار، فرأى ثلاثة رجالٍ وقوفًا بإزائه، فاستقبلهم قائلاً: يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلا تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ (تكوين 18:2، 3). ألا ترى أن المنظور إليه من إبراهيم ثلاثة، ولكن الخطاب لشخص واحد؟ فسمّاهم ربًّا واحدًا، وتضرع إليه سائلاً طالبًا أن ينزل عنده. فاعتباره الثلاثة سرّ الأقانيم الثلاثة، وتسميته إياهم ربًّا واحدًا لا أربابًا سرّ لجوهرٍ واحدٍ، فهي ثلاثة بحق، وواحد بحق كما وصفنا". وتسفيه ذلك هو التنبيه إلى أنه فى الإصحاح 12 من التكوين مثلا ليس هناك فى الحديث عن إبراهيم إلا كلام عن رب واحد: "6وَاجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. 7وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ». فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ. 8ثُمَّ نَقَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْجَبَلِ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيل وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ. وَلَهُ بَيْتُ إِيلَ مِنَ الْمَغْرِبِ وَعَايُ مِنَ الْمَشْرِقِ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ". ثم إنه إذا كان هؤلاء الثلاثة هم الله، فهل الله رجال؟ وهل الله يأكل ويشرب ويستريح؟
ومع ذلك فإنى أرجو من القارئ الكريم أن يقرأ القصة كلها لا القطعة التى اقتطعها المأفون منها، ولسوف يفاجأ بأن الأمر كله عراك فى غير معترك، وأن الرجال الثلاثة ليسوا هم الله، إذ سوف ينصرف الثلاثة بعد قليل من المكان، ويبقى إبراهيم رغم هذا واقفا قبالة ربه يحدثه ويرد عليه فى حوار طويل فيه رجاء من جانب إبراهيم أن يسامح الله قوم لوط، وإصرار من جانب الله على عقاب قوم لوط. أى أن الرجال الثلاثة شىء، والله شىء آخر، ولا صلة بين الاثنين حسبما يهرف به كِنْدِيّنا. ولنقرأ: "1وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ، 2فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَال وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ، 3وَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ. 4لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَاتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، 5فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ». فَقَالُوا: «هكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّمْتَ». 6فَأَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْخَيْمَةِ إِلَى سَارَةَ، وَقَالَ: «أَسْرِعِي بِثَلاَثِ كَيْلاَتٍ دَقِيقًا سَمِيذًا. اعْجِنِي وَاصْنَعِي خُبْزَ مَلَّةٍ». 7ثُمَّ رَكَضَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْبَقَرِ وَأَخَذَ عِجْلاً رَخْصًا وَجَيِّدًا وَأَعْطَاهُ لِلْغُلاَمِ فَأَسْرَعَ لِيَعْمَلَهُ. 8ثُمَّ أَخَذَ زُبْدًا وَلَبَنًا، وَالْعِجْلَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَوَضَعَهَا قُدَّامَهُمْ. وَإِذْ كَانَ هُوَ وَاقِفًا لَدَيْهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَكَلُوا. 9وَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ سَارَةُ امْرَأَتُكَ؟» فَقَالَ: «هَا هِيَ فِي الْخَيْمَةِ». 10فَقَالَ: «إِنِّي أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ». وَكَانَتْ سَارَةُ سَامِعَةً فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَهُوَ وَرَاءَهُ. 11وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الأَيَّامِ، وَقَدِ انْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لِسَارَةَ عَادَةٌ كَالنِّسَاءِ. 12فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: «أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ، وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ؟» 13فَقَالَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ: «لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟ 14هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟ فِي الْمِيعَادِ أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ابْنٌ». 15فَأَنْكَرَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: «لَمْ أَضْحَكْ». لأَنَّهَا خَافَتْ. فَقَالَ: «لاَ! بَلْ ضَحِكْتِ».16ثُمَّ قَامَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَتَطَلَّعُوا نَحْوَ سَدُومَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مَاشِيًا مَعَهُمْ لِيُشَيِّعَهُمْ. 17فَقَالَ الرَّبُّ: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، 18وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟ 19لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، لِيَعْمَلُوا بِرًّا وَعَدْلاً، لِكَيْ يَأْتِيَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ». 20وَقَالَ الرَّبُّ: «إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا. 21أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الآتِي إِلَيَّ، وَإِلاَّ فَأَعْلَمُ». 22وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ. 23فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ 24عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟ 25حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟» 26فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ». 27فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ. 28رُبَّمَا نَقَصَ الْخَمْسُونَ بَارًّا خَمْسَةً. أَتُهْلِكُ كُلَّ الْمَدِينَةِ بِالْخَمْسَةِ؟» فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ». 29فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضًا وَقَالَ: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ». 30فَقَالَ: «لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ». 31فَقَالَ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ». 32فَقَالَ: «لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ هذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ». 33وَذَهَبَ الرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ". واضح تمام الوضوح، اللهم إلا لمن انطسّ فى نظره وكان "أغلف" بالمعنيين جميعا: أغلف القلب وأغلف شىء آخر، أن الرجال قد انصرفوا وبقى الله مع إبراهيم يتحدثان ويتجادلان، إلى أن جاء الوقت الذى انصرف فيه المولى سبحانه بدوره. فهناك إذن انصرافان: الأول انصراف الرجال الثلاثة، والثانى انصراف الله. أى أن الرجال الثلاثة ليسوا هم الله. واضح هذا أم نقول من جديد؟
وطبعا نحن المسلمين لا نؤمن بتجسد الله ولا برؤية العباد له فى الدنيا ولا يمجيئه وانصرافه كأنه شخص من الأشخاص، لكننى آخذ هذا الوغد على راحته حتى أُفْحِمه على أساس من اعتقاداته هو وأُلْزِمه الحُجّة بالمنطق الذى يتفاخر به ويطنطن فى الآفاق. ومع ذلك لم تنته المسرحية بعد، إذ نقرأ فى الإصحاح الذى بعد هذا الإصحاح مباشرة ما يلى: "1فَجَاءَ الْمَلاَكَانِ إِلَى سَدُومَ مَسَاءً، وَكَانَ لُوطٌ جَالِسًا فِي بَابِ سَدُومَ. فَلَمَّا رَآهُمَا لُوطٌ قَامَ لاسْتِقْبَالِهِمَا، وَسَجَدَ بِوَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ. 2وَقَالَ: «يَا سَيِّدَيَّ، مِيلاَ إِلَى بَيْتِ عَبْدِكُمَا وَبِيتَا وَاغْسِلاَ أَرْجُلَكُمَا، ثُمَّ تُبَكِّرَانِ وَتَذْهَبَانِ فِي طَرِيقِكُمَا». فَقَالاَ: «لاَ، بَلْ فِي السَّاحَةِ نَبِيتُ». 3فَأَلَحَّ عَلَيْهِمَا جِدًّا، فَمَالاَ إِلَيْهِ وَدَخَلاَ بَيْتَهُ، فَصَنَعَ لَهُمَا ضِيَافَةً وَخَبَزَ فَطِيرًا فَأَكَلاَ. 4وَقَبْلَمَا اضْطَجَعَا أَحَاطَ بِالْبَيْتِ رِجَالُ الْمَدِينَةِ، رِجَالُ سَدُومَ، مِنَ الْحَدَثِ إِلَى الشَّيْخِ، كُلُّ الشَّعْبِ مِنْ أَقْصَاهَا. 5فَنَادَوْا لُوطًا وَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ الرَّجُلاَنِ اللَّذَانِ دَخَلاَ إِلَيْكَ اللَّيْلَةَ؟ أَخْرِجْهُمَا إِلَيْنَا لِنَعْرِفَهُمَا». 6فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ لُوطٌ إِلَى الْبَابِ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَرَاءَهُ 7وَقَالَ: «لاَ تَفْعَلُوا شَرًّا يَا إِخْوَتِي. 8هُوَذَا لِي ابْنَتَانِ لَمْ تَعْرِفَا رَجُلاً. أُخْرِجُهُمَا إِلَيْكُمْ فَافْعَلُوا بِهِمَا كَمَا يَحْسُنُ فِي عُيُونِكُمْ. وَأَمَّا هذَانِ الرَّجُلاَنِ فَلاَ تَفْعَلُوا بِهِمَا شَيْئًا، لأَنَّهُمَا قَدْ دَخَلاَ تَحْتَ ظِلِّ سَقْفِي». 9فَقَالُوا: «ابْعُدْ إِلَى هُنَاكَ». ثُمَّ قَالُوا: «جَاءَ هذَا الإِنْسَانُ لِيَتَغَرَّبَ، وَهُوَ يَحْكُمُ حُكْمًا. الآنَ نَفْعَلُ بِكَ شَرًّا أَكْثَرَ مِنْهُمَا». فَأَلَحُّوا عَلَى الْرَّجُلِ لُوطٍ جِدًّا وَتَقَدَّمُوا لِيُكَسِّرُوا الْبَابَ، 10فَمَدَّ الرَّجُلاَنِ أَيْدِيَهُمَا وَأَدْخَلاَ لُوطًا إِلَيْهِمَا إِلَى الْبَيْتِ وَأَغْلَقَا الْبَابَ. 11وَأَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَضَرَبَاهُمْ بِالْعَمَى، مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، فَعَجِزُوا عَنْ أَنْ يَجِدُوا الْبَابَ... إلى آخر القصة". فما الذى نفهمه من هذا؟ ألا نفهم أن الرجال كانوا ملائكة؟ لكن أين ذهب الثالث؟ طبعا أكلته القطة! والعجيب أن مؤلف السفر بعد أن نص بصريح القول على أنهما ملاكان اثنان لا ملاك واحد عاد فجعل لوط يقول لهما: "يا سيد" بصيغة المفرد. واللافت للنظر أنهما هما أيضا يأكلان كما فعل الثلاثة فى قصة إبراهيم، وهذه أول مرة نعلم فيها أن الملائكة تأكل وتشرب مثلنا! ولم لا، والرحلة من السماء إلى الأرض تقاس بالسنوات الضوئية كما نعرف، فهى رحلة شديدة الإرهاق، الله يكون فى عونهم، وبخاصة فى تلك الأيام التى لم يكن فيها سفن فضاء تحملها صواريخ، بل عربات كارو يجرها زوج من الخيول الهلكانة من ذلك النوع الذى فى أغنية "الجُوز الخِيل. تِنْ تِنْ تِنْ، والعربية. أنغامهم كلها حِنِّيَّة". أما فى القرآن فإنهم لم يمدوا يدا إلى الطعام: لا هنا ولا عند إبراهيم. واضح أن المسألة كلها كما يرويها الكتاب المقدس مسألة بزرميط لا يعتمد عليها!
إن التفسير المنطقى للأشياء هو أن كلا من إبراهيم ولوط كانا يتحدثان مع الملائكة الذين يريد كاتب السفر أن يقول لنا إنهم كانوا يمثلون الله فينطقون عنه ما يريد إبلاغه إليهما عليهما السلام، وإنْ كان الكاتب قد أفسد الأمر بإضافات لم تكن فى الأصل فأربك كل شىء. وتتضح منطقية هذا التفسير إذا قرأنا الإصحاح الثانى والعشرين من السفر ذاته مثلا، ففيه نجد أن الله نفسه ينادى إبراهيم قائلا له كذا وكذا: "1وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». 2فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ»، ، لنفاجأ بعد قليل أن الكاتب ينص على أن الملاك قال لإبراهيم كلاما، لكن بطريقة توحى أن الله هو الذى يتكلم فعلا لا أن الملاك ينقل ما قال: "15وَنَادَى مَلاَكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ 16وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، 17أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، 18وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي»". واضح أم نقول من جديد؟ ومن النصوص التى ذُكِر فيها الرب على أنه إلهُ اثنين فقط لا ثلاثةٍ النص التالى الذى يقول فيه سبحانه ليعقوب حسبما نقرأ فى الإصحاح الثامن والعشرين من سفر "التكوين": "10فَخَرَجَ يَعْقُوبُ مِنْ بِئْرِ سَبْعٍ وَذَهَبَ نَحْوَ حَارَانَ. 11وَصَادَفَ مَكَانًا وَبَاتَ هُنَاكَ لأَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ قَدْ غَابَتْ، وَأَخَذَ مِنْ حِجَارَةِ الْمَكَانِ وَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَاضْطَجَعَ فِي ذلِكَ الْمَكَانِ. 12وَرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا. 13وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ"، وكذلك النص الذى نسمع يعقوب يناديه سبحانه فيه بقوله: "يَا إِلهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلهَ أَبِي إِسْحَاقَ" (وكأنه إله أبيه وجده فقط، لا إلهه هو أيضا/ تكوين/ 32/ 9)، وقول موسى عنه عز وجل: "هذَا إِلهِي فَأُمَجِّدُهُ، إِلهُ أَبِي فَأُرَفِّعُهُ" (خروج/ 15/ 2). فهل نقول إنه سبحانه وتعالى أقنومان اثنان لا غير؟
ولنفترض أننا قبلنا كلام الكندى وغضضنا البصر عما قلناه ونسفناه به، فهل نفهم من هذه القصة أن الله تجسد قبل عيسى؟ إذن ما فضل عيسى فى التجسد، وبخاصة أن ثمة تجسدات أخرى لله سبحانه فى هيئة بشرية غير هذه يحكيها لنا الكتاب المقدس من شأنها أن تضع قضية الاعتقاد فى سر تجسد عيسى عليه السلام وما يرتبه النصارى على ذلك من نتائج موضع مساءلة وإعادة نظر؟ من ذلك ما قصه علينا مؤلف سفر "الخلق" ذاته فى النص السابق من أن يعقوب "12َرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا. 13وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا" (وهذه أول مرة نعرف أن الله يقف فوق السلالم. ترى ماذا كان يفعل سبحانه وتعالى هناك؟)، وكذلك ما نقرؤه فى الإصحاح الثانى والثلاثين من أن يعقوب قام فى ليلة من الليالى "22وَأَخَذَ امْرَأَتَيْهِ وَجَارِيَتَيْهِ وَأَوْلاَدَهُ الأَحَدَ عَشَرَ وَعَبَرَ مَخَاضَةَ يَبُّوقَ. 23أَخَذَهُمْ وَأَجَازَهُمُ الْوَادِيَ، وَأَجَازَ مَا كَانَ لَهُ. 24فَبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ، وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ. 25وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. 26وَقَالَ: «أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَقَالَ: «لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي». 27فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: «يَعْقُوبُ». 28فَقَالَ: «لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْتَ». 29وَسَأَلَ يَعْقُوبُ وَقَالَ: «أَخْبِرْنِي بِاسْمِكَ». فَقَالَ: «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟» وَبَارَكَهُ هُنَاكَ. 30فَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ «فَنِيئِيلَ» قَائِلاً: «لأَنِّي نَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي». 31وَأَشْرَقَتْ لَهُ الشَّمْسُ إِذْ عَبَرَ فَنُوئِيلَ وَهُوَ يَخْمَعُ عَلَى فَخْذِهِ. 32لِذلِكَ لاَ يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِرْقَ النَّسَا الَّذِي عَلَى حُقِّ الْفَخِْذِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، لأَنَّهُ ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِ يَعْقُوبَ عَلَى عِرْقِ النَّسَا". إن الذى صارعه يعقوب فى تلك الليلة هو الله. ولنلاحظ أنه هنا رجل واحد لا ثلاثة ولا اثنان كما هو الحال فى قصة إبراهيم ولوط على التوالى، فماذا يقول البكّاش النتّاش فى هذا؟ أما أنا فأقول إنهم قد نزل عليهم التخفيض مع مرور الزمن ككل شىء آخر، فبعد أن كانوا ثلاثة أصبحوا اثنين، ثم ها هم أولاء قد صاروا واحدا، فما المشكلة إذن؟ وعلى أية حال فها هو ذا عبد إبراهيم الخليل ينادى الله باعتباره "إله إبراهيم" فقط: "أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ" (تكوين/ 24/ 12)، مما لو جرينا فيه على طريقة صاحبنا لقلنا إن الإله هنا هو إله إبراهيم وحده وليس إله أى شخص آخر، وهو فهم يبعث على القهقهة! وقد تكرر ذلك فى المواضع التالية: تكوين/ 24/ 27، 42، 48. بل إن الله نفسه سبحانه وتعالى لا يقول عن نفسه لإسحاق بن إبراهيم إلا أنه "إله إبراهيم أبيك" (تكوين/ 26/ 24)، على حين أنه فى الإصحاح السادس والأربعين من سفر "التكوين" يقول ليعقوب إنه إله أبيه (أى إله إسحاق): "1فَارْتَحَلَ إِسْرَائِيلُ (وإسرائيل هو يعقوب كما هو معلوم) وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ وَأَتَى إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ، وَذَبَحَ ذَبَائِحَ لإِلهِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ. 2فَكَلَّمَ اللهُ إِسْرَائِيلَ فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَقَالَ: «يَعْقُوبُ، يَعْقُوبُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». 3فَقَالَ: «أَنَا اللهُ، إِلهُ أَبِيكَ... »"، وإسحاق بدوره يقول لابنه عنه سبحانه: "إلهك" (إلهك فقط، لاحظ/ تكوين/ 27/ 20)، وكذلك يقول يعقوب عنه سبحانه: "إِلهُ أَبِي كَانَ مَعِي" (لاحظ: إله أبيه إسحاق فقط هذه المرة، لكن لا إلهه هو ولا إله جده إبراهيم/ تكوين/ 31/ 5)، و"إله إبراهيم" ("إله إبراهيم" وحده هذه المرة دون إسحاق ودون يعقوب/ تكوين/ 31/ 53)، و"إله إسرائيل" (أى إلهه هو وحده دون غيره، فيعقوب هو نفسه إسرائيل كما هو معروف/ تكوين/ 33/ 20)، ويقول مخاطبا يوسف ابنه إنه سبحانه وتعالى "إله أبيك" (تكوين/ 49/ 25). وبالمثل يقول موسى عنه سبحانه: "إِلهُ أَبِي" (خروج/ 18/ 4)، ويقول له الله: "أنا الربّ إلهك" (خروج/ 20/ 2، 5. وانظر كذلك: خروج/ 20/ 10/ 12، و23/ 19 حيث يقول سبحانه عن نفسه له أيضا: "الرب إلهك"، وكذلك خروج/ 32/ 11 حيث نقرأ أن موسى تضرّع: "أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِهِ"، وخروج/ 34/24، 26، وتثنية/ 7/ 1،2، 6، 9، 12، 16، و15/15 ، 18، 19، 20، 12... إلخ حيث يقول الله عن نفسه مخاطبا كليمه أو شعب إسرائيل قائلا: إننى "الرب إلهك"). أما فى الأناجيل فلا يقابلنا إلا عبارة "الرب إلهك" (متى/ 4/ 7، 10، و22/ 37، ومرقس/ 12/ 30، ولوقا/ 4/ 8، 12، و10/ 27)، أو عبارة "إلهى" (متى/ 26/ 47، ومرقس/ 15/ 34)، أو عبارة "إله إسرائبل" (متى/ 15/ 31، ولوقا/ 1/ 68)، أو ما أشبه حيث لا تثليث ولا يحزنون (وهناك مرة واحدة استشهد فيها عيسى عليه السلام بالعبارة التى أثارت كل هذا الأخذ والرد فى العهد القديم: "أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ الْقَائِلِ: 32أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ؟"/ متى/ 22/ 32، وانظر كذلك مرقس/ 12/ 26، ولوقا/ 20/ 37. وهى، كما يرى القارئ، ليست شيئا جديدا، بل تذكرة بما قيل قديما)، فما رأى بكّاشنا الكبير فى هذا كله؟ وهذا غير تسميته سبحانه لنفسه فى خطابه لبنى إسرائيل مباشرة: "الرب إلهكم"، وهو ما تكرر كثيرا جدا فى العهد القديم. فهل نقول على طريقة صاحبنا الكندى إن أقانيمه سبحانه تبلغ الملايين بمقدار عدد بنى إسرائيل على مدى الدهر؟ ثم هناك التسمية التالية التى نستطيع عن طريق البهلوانية التى يجرى عليها صاحبنا فى الاستنتاج أن نرتفع بعدد الأقانيم الإلهية فنقول استنادا إليها إن أقانيمه سبحانه لا تُعَدّ ولا تُحْصَى لأن موسى وهارون قد ابتهلا إليه قائلين: "اللهمّ إله أرواح جميع البشر" (عدد/ 16/ 22، و27/ 16)، إذ من منّا يستطيع أن يحصى أرواح البشر جميعا فى كل العصور والأقاليم؟
ونعود مرة أخرى فنتساءل: ما الميزة التى يختص بها عيسى عليه السلام فى مسألة التجسد إذن إذا كان الله قد تجسد من قبله بأزمان طوال لكل من إبراهيم وحفيده يعقوب، ومن قبلهما تجسد سبحانه وتعالى لآدم، ومن بعدهما تجسد لموسى، وأستغفره جَلّ وعَزّ على ترديد هذا الكلام؟ فأما تجسده لآدم ففى الإصحاح الأول من السفر الذى نحن فيه: "1وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» 2فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، 3وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا». 4فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! 5بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». 6فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. 7فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. 8وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. 9فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟». 10فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ». 11فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟» 12فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». 13فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ»". فالله هنا يتمشى فى الجنة وينادى على آدم الذى أحس به فاختبأ منه حتى لا يراه سبحانه وتعالى عاريا، وكأن الله يَخْفَى عليه شىء فى الأرض أو فى السماء! ولكنْ هكذا اقتضت مشيئة مؤلف السِّفْر الذى من الواضح أنه يقيس الله على البشر. ولم لا؟ ألا يتجسد مثل البشر ويأكل ويشرب ويستريح ويتنزه مثل أى عمدة فى الريف فى أملاكه مستمتعا بمرآها؟ فما الغريب فى أن يجرى عليه ما يجرى علينا نحن البشر ويخفى عليه آدم حين يختبئ منه وراء الباب أو تحت السرير مثلا؟ ولنلاحظ اضطراب مؤلف السفر فى حكايته المضحكة، إذ ذكر هو نفسه أن أبوينا كانا قد صنعا لنفسيهما مئزرين تغطيا بهما، ومع ذلك يصر على القول على لسان آدم إنهما لا يزالان عريانين! ولكن لا تأخذ فى بالك أيها القارئ، فكله كلام وطحينة! والآن مع تجسده سبحانه لموسى وبعض رجال قومه فوق الجبل طبقا لما كتبه مؤلف سفر "الخروج" فى الإصحاح الرابع والعشرين: "9ثُمَّ صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ وَنَادَابُ وَأَبِيهُو وَسَبْعُونَ مِنْ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ، 10وَرَأَوْا إِلهَ إِسْرَائِيلَ، وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ شِبْهُ صَنْعَةٍ مِنَ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ الشَّفَّافِ، وَكَذَاتِ السَّمَاءِ فِي النَّقَاوَةِ. 11وَلكِنَّهُ لَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى أَشْرَافِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَرَأَوْا اللهَ وَأَكَلُوا وَشَرِبُوا". والآن نعيد التساؤل المنطقى جدا: ترى ما الذى يتميز به عيسى عليه السلام فى مسألة التجسد كى يجعل منها النصارى سببا لتأليهه وعبادته؟ وأرجو أن تلاحظ حكاية الأكل والشرب فى كل مرة يتجسد فيها الله!
ورغم كل ما قدمنا فإننا على استعداد لأن نضرب عنه كله صفحا ونسأل: إذا كان تفسير الكندى لحكاية الرجال الثلاثة الذين ظهروا لإبراهيم هو التفسير الصحيح للأمر فلم لم يلتزمه الله سبحانه وتعالى فى كل كلام قاله لإبراهيم وسائر الأنبياء، وكذلك فى كل كلام قاله إبراهيم وسائر الأنبياء عن الله؟ إننا ننظر فى كلام عيسى مثلا عن الله فلا نجده استخدم فى الإشارة إليه إلا ضمير المفرد، فماذا ترى صاحبنا المسفسط قائلا؟ وقد ذكرت عيسى بالذات لأن اعتقاد الكندى فى التثليث من خلال إيمانه به عليه السلام هو الذى دفعه إلى كل تلك السفسطات، فأردت أن آخذ من ذقنه وأفتل له، وإلا فالكتاب المقدس يقوم فى الأساس على استعمال الضمير المفرد لله سبحانه وتعالى، ولا يلجأ لضمير الجمع إلا على سبيل النُّدْرة الشديدة التى لا تكاد تُذْكَر! والنصوص التى مرت وستمر فى هذه الدراسة، وهى كثيرة جدا، خير شاهد على ما نقول. ومن يرد أن يطالع نصوصا أخرى فأمامه الكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى يستطيع أن يفتحه على أية صفحة ليرى بنفسه صدق هذا الكلام. وعلى كل حال فالعهد القديم مملوء بالخرافات والوثنيات وتصوير الله بما لا يليق به جل شأنه، فلا يحق لذلك السوفسطائى أن يحاجّنا به، وإلا فمتى كان الأعمى يستعين بأعمى على معرفة الطريق؟
ولكى يثبت البكاش أن الله ثلاثة أقانيم يشير إلى ما جاء فى المزمور 33/ 6 منسوبا إلى داود عليه السلام من أنه "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا" قائلا إن داود قد صرح بالثلاثة الأقانيم حيث قال: الله وكلمته وبنسَمة فيه (أي بروحه). ثم يتساءل بخبث غبى مفضوح: "فهل زدنا في وصفنا على ما قال داود؟". والرد عليه هو أن من المضحك أن يفسر النسمة بروح الله. لقد سبق أن أشرنا إلى قول بولس إن الله روح، وهو ما ردده مؤلفو "دائرة المعارف الكتابية" كما رأينا، فكيف تكون روح الله الذى هو أصلا روح؟ أتكون هى روح الروح؟ يا روحى! ثم لقد نسى الغبى أن النص الذى اقتطعه من سياقه ظنا منه أنه يخدم زعمه إنما يتكلم عن رحمة الله وكلمته وروحه لا عن الله وكلمته وروحه. ومع هذا فتعالَوْا أيها القراء نقرأ النص كاملا معا، وها هو ذا: "امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ. 6بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا. 7يَجْمَعُ كَنَدٍّ أَمْوَاهَ الْيَمِّ. يَجْعَلُ اللُّجَجَ فِي أَهْرَاءٍ. 8لِتَخْشَ الرَّبَّ كُلُّ الأَرْضِ، وَمِنْهُ لِيَخَفْ كُلُّ سُكَّانِ الْمَسْكُونَةِ. 9لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ. 10الرَّبُّ أَبْطَلَ مُؤَامَرَةَ الأُمَمِ. لاَشَى أَفْكَارَ الشُّعُوبِ. 11أَمَّا مُؤَامَرَةُ الرَّبِّ فَإِلَى الأَبَدِ تَثْبُتُ. أَفْكَارُ قَلْبِهِ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. 12طُوبَى لِلأُمَّةِ الَّتِي الرَّبُّ إِلهُهَا، الشَّعْبِ الَّذِي اخْتَارَهُ مِيرَاثًا لِنَفْسِهِ. 13مِنَ السَّمَاوَاتِ نَظَرَ الرَّبُّ. رَأَى جَمِيعَ بَنِي الْبَشَرِ. 14مِنْ مَكَانِ سُكْنَاهُ تَطَلَّعَ إِلَى جَمِيعِ سُكَّانِ الأَرْضِ. 15الْمُصَوِّرُ قُلُوبَهُمْ جَمِيعًا، الْمُنْتَبِهُ إِلَى كُلِّ أَعْمَالِهِمْ. 16لَنْ يَخْلُصَ الْمَلِكُ بِكَِثْرَةِ الْجَيْشِ. الْجَبَّارُ لاَ يُنْقَذُ بِعِظَمِ الْقُوَّةِ. 17بَاطِلٌ هُوَ الْفَرَسُ لأَجْلِ الْخَلاَصِ، وَبِشِدَّةِ قُوَّتِهِ لاَ يُنَجِّي. 18هُوَذَا عَيْنُ الرَّبِّ عَلَى خَائِفِيهِ الرَّاجِينَ رَحْمَتَهُ، 19لِيُنَجِّيَ مِنَ الْمَوْتِ أَنْفُسَهُمْ، وَلِيَسْتَحْيِيَهُمْ فِي الْجُوعِ. 20أَنْفُسُنَا انْتَظَرَتِ الرَّبَّ. مَعُونَتُنَا وَتُرْسُنَا هُوَ. 21لأَنَّهُ بِهِ تَفْرَحُ قُلُوبُنَا، لأَنَّنَا عَلَى اسْمِهِ الْقُدُّوسِ اتَّكَلْنَا. 22لِتَكُنْ يَا رَبُّ رَحْمَتُكَ عَلَيْنَا حَسْبَمَا انْتَظَرْنَاكَ". وفى هذه السطور يتضح أن هناك ثمانية أشياء تتعلق بالرب لا ثلاثة فقط كما فى النص الذى اقتطعه المأفون واجتزأه وعبث فوق ذلك به لكى يتم له التدليس المراد. وهذه الأشياء الثمانية هى: رحمته وكلمته ونسمة فيه ومؤامرته وأفكار قلبه ومكان سكناه وعينه واسمه القدوس. فهل معنى هذا أنه ثمانية أقانيم؟ ثم إن كلمة الله، حسب ذلك الكلام الأبله، هى وحدها التى خلقت السماوات، بينما نسمة فمه هى التى خلقت جنودها، أما رحمته فلم تفعل شيئا، بل امتلأت بها الأرض فقط. فهل نفهم من ذلك أن الأقنوم الثانى هو الذى خلق السماوات، وأن الأقنوم الثالث هو الذى خلق جنودها؟ وأن الأقنوم الأول لم يخلق أى شىء؟ إن معنى هذا بكل وضوح أن الله لم يشترك بكليته فى خلق كل شىء، بل قام أقنوم بخلق شىء، وأقنوم آخر بخلق شىء آخر، وباقى الكون له رب اسمه الكريم! نظرة يا أم هاشم! لكن المسيح فى الأناجيل (وهو الأقنوم الثانى عند النصارى كما نعرف) لم ينسب لنفسه خلق أى شىء، بل كل شىء منسوب فى كلامه للأقنوم الأول الذى لم يرد رغم ذلك هنا أنه خلق أى شىء. فما القول فى هذا كله؟ وعلى أية حال لماذا لم يجر الكلام فى الكتاب المقدس كله هكذا؟ وكيف غفل كل الأنبياء وأقوامهم عن ذلك إلى أن جاء متكلمو النصرانية؟ ولنلاحظ أننى قد اكتفيت بالنص الذى استشهد الكندى المزعوم بجزء منه ولم أتوسع فى الكتاب المقدس كله، وإلا لبلغت الأقانيم عددا أكبر كثيرا من ثمانية!
ثم يمضى هذا الكندى الموهوم مشيرا إلى ما جاء فى سِفْر "إِشَعْياء" من أن الله عز وجل تراءى له والملائكة حافّون به مقدِّسون له قائلين: "قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الإرْضِ" (إشعياء 6:1-3)، لينتهى من ذلك إلى القول بأن تقديس الملائكة لله ثلاث مرات واقتصارهم على ذلك بلا زيادة ولا نقصان سرٌّ لتقديسهم الأقانيم الثلاثة إلهًا واحدًا وربًّا واحدًا، وهذا شأنهم منذ خُلقوا إلى أبد الآبدين. وهذا نص كلامه تقريبا. إلا أن الأبعد ينسى أن الله وصَف نفسه فى الإصحاح الثامن والعشرين من نفس ذلك السفر بأنه قدوس مرة واحدة لا ثلاثا: "17هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ فَادِيكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ". وتكرر هذا فى الكتاب المقدس عشرات المرات، أما تثليث القُدُّوس فقد تكررت مرتين فقط: فى هذا النص، وكذلك فى النص التالى من "رؤيا يوحنا" (4/ 8): "والأربعة الحيوانات لكل واحد منها ستة أجنحة حولها ومن داخلٍ مملوءة عيونا، ولا تزال نهارا وليلا قائلة: قدوس قدوس قدوس الرب الاله القادر على كل شيء الذي كان والكائن والذي يأتي". ليس ذلك فقط بل وُصِف هارون أيضا بأنه "قدوس" فى المزمور 106: "16وَحَسَدُوا مُوسَى فِي الْمَحَلَّةِ، وَهارُونَ قُدُّوسَ الرَّبِّ"، وكذلك كل إسرائيلى يبقى فى أورشليم كما جاء فى إِشَعْيا/ 4:" 2فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ غُصْنُ الرَّبِّ بَهَاءً وَمَجْدًا، وَثَمَرُ الأَرْضِ فَخْرًا وَزِينَةً لِلنَّاجِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ. 3وَيَكُونُ أَنَّ الَّذِي يَبْقَى فِي صِهْيَوْنَ وَالَّذِي يُتْرَكُ فِي أُورُشَلِيمَ، يُسَمَّى قُدُّوسًا. كُلُّ مَنْ كُتِبَ لِلْحَيَاةِ فِي أُورُشَلِيمَ". وهناك أيضا "قدوسون" كثيرون لا قدوس واحد، كما فى دانيال/ 9: "21وَأَنَا مُتَكَلِّمٌ بَعْدُ بِالصَّلاَةِ، إِذَا بِالرَّجُلِ جِبْرَائِيلَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الرُّؤْيَا فِي الابْتِدَاءِ مُطَارًا وَاغِفًا لَمَسَنِي عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ. 22وَفَهَّمَنِي وَتَكَلَّمَ مَعِي وَقَالَ: «يَا دَانِيآلُ، إِنِّي خَرَجْتُ الآنَ لأُعَلِّمَكَ الْفَهْمَ. 23فِي ابْتِدَاءِ تَضَرُّعَاتِكَ خَرَجَ الأَمْرُ، وَأَنَا جِئْتُ لأُخْبِرَكَ لأَنَّكَ أَنْتَ مَحْبُوبٌ. فَتَأَمَّلِ الْكَلاَمَ وَافْهَمِ الرُّؤْيَا. 24سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ". وفى إنجيل لوقا نقرأ أنه "مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ". ثم لو كان تكرار "القدوس" ثلاث مرات دليلا على ما يقول، فلماذا لم يجر الكتاب المقدس على هذه الخطة باستمرار؟ وهل الله يلعب معنا لعبة الفوازير فى أمر خطير كالعقيدة؟ ترى لماذا لم يقل ذلك بوضوح فى كل مرة؟ ولماذا ترك سبحانه وتعالى الأنبياء كلهم على جهل بهذا؟ أو إذا كان قد نوّرهم، فلماذا لم ينوّرونا بدَرْوهم ويريحوا ويستريحوا بدلا من كل هذه المتاعب والألاعيب؟ ولماذا "قُدّوس" وحدها هى التى تكررت (وفى موضعين اثنين فقط) ثلاث مرات ولم يحدث هذا مع "رحيم" و"كريم" و"قوى" و"عزيز" وسائر الصفات الربانية؟ أم تراها على رأسها وحدها ريشة دون باقى الصفات الإلهية؟
وفى الكتاب المقدس عبارات معينة تتكرر كثيرا بعضها فى إثر بعض، ومنها عبارة "إلى الأبد رحمته"، التى تكررت ما لا أدرى كم من المرات فى عدد من الأسفار، والتى سوف أكتفى بما تكرر منها فى المزمور السادس والثلاثين وحده، وهذا هو: "1اِحْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 2احْمَدُوا إِلهَ الآلِهَةِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمتَهُ. 3احْمَدُوا رَبَّ الأَرْبَابِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 4الصَّانِعَ الْعَجَائِبَ الْعِظَامَ وَحْدَهُ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 5الصَّانِعَ السَّمَاوَاتِ بِفَهْمٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 6الْبَاسِطَ الأَرْضَ عَلَى الْمِيَاهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 7الصَّانِعَ أَنْوَارًا عَظِيمَةً، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 8الشَّمْسَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 9الْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 10الَّذِي ضَرَبَ مِصْرَ مَعَ أَبْكَارِهَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 11وَأَخْرَجَ إِسْرَائِيلَ مِنْ وَسَطِهِمْ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 12بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ مَمْدُودَةٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 13الَّذِي شَقَّ بَحْرَ سُوفٍ إِلَى شُقَق، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 14وَعَبَّرَ إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 15وَدَفَعَ فِرْعَوْنَ وَقُوَّتَهُ فِي بَحْرِ سُوفٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 16الَّذِي سَارَ بِشَعْبِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 17الَّذِي ضَرَبَ مُلُوكًا عُظَمَاءَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 18وَقَتَلَ مُلُوكًا أَعِزَّاءَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 19سِيحُونَ مَلِكَ الأَمُورِيِّينَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 20وَعُوجَ مَلِكَ بَاشَانَ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 21وَأَعْطَى أَرْضَهُمْ مِيرَاثًا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 22مِيرَاثًا لإِسْرَائِيلَ عَبْدِهِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 23الَّذِي فِي مَذَلَّتِنَا ذَكَرَنَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 24وَنَجَّانَا مِنْ أَعْدَائِنَا، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 25الَّذِي يُعْطِي خُبْزًا لِكُلِّ بَشَرٍ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. 26احْمَدُوا إِلهَ السَّمَاوَاتِ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ". والآن نتساءل: كم أقنوما يا ترى سوف يقول الكندى إن هذه العبارة تتكون منه؟ من المؤكد أن أقانيمها ستبلغ العشرات.
والعجيب الغريب أن المداور المتنطع بعد ذلك كله يرمى القرآن بالخطإ والتجنى لتكفيره من يقول إن الله ثالث ثلاثة، مؤكدا أنهم لا يقولون بهذا، بل المرقونيون المارقون. لكن أليس الكندى وأمثاله يقولون بالآب والابن والروح القدس؟ ألا يشرحون ذلك بأن الله هو الآب، والمسيح هو الابن، فضلا عن الروح القدس الذى كان يقوم بمهمة الرسول بينهما أيام أن كان عيسى عليه السلام يعيش على الأرض؟ ألم يقل المسيح إنه يسجد لله، بما يعنى أن الله شىء، والمسيح شىء آخر؟ ألا يقولون إن الله أرسل ابنه إلى الأرض ليفدى البشرية من خطيئتها الأولى بما يعنى أن الآب كان فى السماء، والابن على الأرض؟ ألم يكن الروح القدس ينزل على الابن آتيا من عند الآب حسبما يقول مؤلفو الأناجيل؟ ألم يصرخ هذا الابن إلى أبيه كى يخف لنجدته وهو على الصليب طبقا لما جاء أيضا فى تلك الأناجيل؟ ألم يقل إنه يوم القيامة سوف يشرب ماء الكَرْمَة عند ذلك الأب؟ ألم يقل إنه سيجلس على يمينه يوم الدينونة ويحاسب الناس معه؟ فعلام يدل هذا كله؟ ألا يدل على أن هناك ثلاث ذوات مستقلة؟ وهل قال القرآن شيئا غير هذا؟ وأعجب من ذلك وأشد إمعانا فى الغرابة والكذب والتدليس أن يقول الكندى الكذاب للهاشمى المزعوم إن "صاحبك (يقصد النبى عليه السلام)... حثَّكم على الإيمان بالمسيح سيد العالم ومخلّص البشر: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الإرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (سورة النساء/ 171)". فهل دعانا الرسول إلى أن نؤمن بعيسى سيدا للأكوان ومخلصا للعالم؟ فأين هذا يا ترى؟ كيف، وفى الآية السابعة عشرة من سورة "المائدة" أن الله لو أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا ما استطاع أحد أن يعقّب عليه سبحانه بشىء؟ ولماذا نذهب بعيدا، وهذا النص الذى استشهد به المدلس ينهى النصارى بأقوى عبارة عن الغلوّ فى أمر المسيح باتخاذه إلها، ويؤكد أنه عليه السلام لا يزيد عن أن يكون رسول الله وكلمته، أى كلمة "كن فيكون" التى خلق بها آدم ويخلق بها كل شىء، ويكفّر من يؤلّه السيد المسيح أو يقول بصلبه وقتله؟ الواقع أن هذا الرجل يجرى الكذب فى دمه ويتنفسه تنفسا ولا يمكنه العيش من دونه، وإلا مات كما تموت السمكة إذا خرجت من الماء! أما ما قاله عن المارقيونيين وأنهم هم المثلثة لا هم فهو كذب صراح يبرهن على أنه لا يعرف الخجل ولا حمرته، إذ إن مارقيون أقرب ما يكون إلى الثنوية، لأن الله عنده إلهان: إله العهد القديم العادل الذى خلق العالم، لكنه إله قاس وعنيف وغضوب لا يعرف الرحمة اتخذ اليهود شعبا مختارا له، بخلاف إله العهد الجديد، إله العطف والمرحمة. ومن هنا نراه يرفض ما فى العهد الجديد ولا يقبل إلا ما جاء فى إنجيل لوقا وبعض الرسائل الموجودة فى العهد الجديد، وإن كان هناك من يقول إن لوقا هو الذى أخذ منه. وهو على كل حال يقول ببنوة المسيح لإله العطف والمرحمة. جاء فى "دائرة المعارف الكاثوليكية: Catholic Encyclopedia " تحت عنوان "Marcionites":
"Heretical sect founded in A.D. 144 at Rome by Marcion and continuing in the West for 300 years, but in the East some centuries longer, especially outside the Byzantine Empire. They rejected the writings of the Old Testament and taught that Christ was not the Son of the God of the Jews, but the Son of the good God, who was different from the God of the Ancient Covenant. They anticipated the more consistent dualism of Manichaeism and were finally absorbed by it. As they arose in the very infancy of Christianity and adopted from the beginning a strong ecclesiastical organization, parallel to that of the Catholic Church, they were perhaps the most dangerous foe Christianity has ever known"
وهو نفسه ما نجده فى مادة "Marcionisme" من المعجم اللفظى (Glossaire) الخاص بموقع " إذ تقول هذه المادة:
"Mouvement hérétique fondé par Marcion, philosophe gnostique.Le Marcionisme oppose le Dieu de Justice de l’Ancien Testament au Dieu d’Amour du Nouveau Testament Il nie la réalité de l’Incarnation du Christ prétendant qu’il est homme en apparence."
وليس لهذا أية علاقة بالإسلام كما نرى، فالله فى الإسلام واحد أحد لا إلهان، والمسيح ليس سوى عبد لله ورسوله، ولا يمكن أن يكون ابنا له سبحانه. أى أن حديث الكندى الملعون عن مارقيون والمارقيونيين هو كذب فى كذب فى كذب!
5- ثم ينتقل الكذاب إلى الحديث عن نبوة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه فيقول إنه تربى يتيما فى بيت عمه أبى طالب وشارك أهلَه عبادة اللات والعزى بدليل ما جاء فى سورة "الضحى" من قوله تعالى: "أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى"، ثم لما تزوج بخديجة واغتنى بمالها أراد أن يرأس قومه، لكن لم يتبعه على ذلك إلا القليلون، فما كان منه إلا أن خدع البدو بأنه نبى من عند الله. وسهَّل عليه مهمتَه أنهم لم يكونوا ذوى عهد بالنبوة والأنبياء، فكانوا لا يعرفون كيف يختبرون صدقه، وهكذا صار نبيا. والحق أن هذا كله ليس سوى كذب منتن كالعقل واللسان اللذين خرج منهما: فالرسول لم يعبد اللات والعزى ولا أى صنم فى حياته، وإلا لما سكت عنه المشركون ولجعلوا منه هدفا لتهكمهم الــمُصْمِى عندما جاءهم بدعوة التوحيد، وهم الذين لم يتركوا شيئا فى الدنيا من الأكاذيب إلا وشنّعوا به عليه. ومع ذلك لم يحدث أن قالوا عنه قط إنه كان يعبد الأوثان. أما هداية الله له من الضلال فمن قال إن معناها إنقاذه من الوثنية؟ لقد وردت الكلمة فى مواضع غير قليلة من القرآن الكريم فى غير هذا المعنى، كقوله تعالى على لسان موسى حين عايره فرعون بأنه قتل مصريا ثم فر هاربا فرد عليه قائلا: "فعلتُها إذن وأنا من الضالين" (الشعراء/ 20)، فهل كان موسى وثنيا حين قتل المصرى خطأً؟ طبعا ليس هذا هو المعنى المراد، بل المقصود أنه حين قتل المصرى كان مندفعا مع عاطفة الغضب للإسرائيلى المظلوم، فكان أنْ وكز الظالمَ وكزة عنيفة قضت عليه. ليس ذلك فقط، إذ كانت تهمة فرعون له أنه فعلها وهو من الكافرين، فكان رد موسى أنه إنما فعلها وهو من الضالين لا الكافرين. فالضلال هنا عكس الكفر كما هو واضح، وموسى يتبرأ من الكفر وينسب نفسه للضلال، أى أنه فعل ما فعل عن غير قصد، بل فى نوبة انفعال واندفاع أراد فيها أن يحمى واحدا مظلوما من أبناء قومه، فكان ما كان من قتله المصرى من وكزة لا تقتل عادة. فما رأى غبينا المطموس البصر والبصيرة؟ وكقول إخوة يوسف لأبيهم حين شم قميص يوسف عن بعد وأخبرهم بذلك فقالوا له: "تالله إنك لفى ضلالك القديم" (يوسف/ 95)، أى ما زلت مقيما على حبك ليوسف، فأنت تتوهم الأوهام الباطلة وتتصور أنه لا يزال حيا. ذلك أنهم كانوا يقولون عنه عندما يَرَوْن حبه الشديد ليوسف إنه لفى ضلال مبين، وهو الحب الذى دفعهم للتخلص من أخيهم الصغير حقدا منهم عليه: "إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (يوسف/ 8). ولا يمكن أن يكون يعقوب وثنيا، وهو النبى ابن النبى ابن النبى! وكقوله سبحانه كذلك لمحمد عليه السلام فى المدينة حين كان يقضى بين الناس ويحكمهم ويحكم بينهم: "وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا" (النساء/ 113)، بمعنى أنه لولا فضل الله عليه لاستطاع أهل طُعْمَة بن أُبَيْرِق سارق الدرع إيهام الرسول عن طريق الكذب بأن الذى سرقها إنما هو اليهودى لا طعمة. فالمقصود بهداية الله إذن من الضلال فى سورة "الضحى" هو الإشارة إلى بحثه عن الحقيقة أيام تحنثه، إذ لا يستطيع الإنسان أن يعرف الحقائق العليا على وجه الدقة واليقين إلا من الله وبهداية منه سبحانه، وهو ما وقع، إذ أنزل الله عليه روح القدس بالوحى القرآنى وكلّفه بحمل رسالته إلى البشر لهدايتهم إلى ما فيه صلاح أمرهم واستقامة حياتهم وسعادة نفوسهم. فهذا هو معنى الهداية من الضلال. وهناك رواية تقول إن محمدا الصغير كان قد تاه ذات يوم، لكن الله أعاده إلى أهله، فهو سبحانه يمنّ عليه بذلك ويذكّره به.
وقد يكون من المفيد للأغبياء من أمثال الكندى المزعوم أن يعرفوا أن أحد معانى "الإضلال" فى القرآن هو عمل الرسول على إبعاد المشركين عن الوثنية والأوثان وهدايتهم إلى نور الحق والتوحيد، وهذا هو المعنى الذى استخدمه المشركون فيه، مما يدل على أن الكلمة قد تعنى عكس ما تعنيه الوثنية تماما. فكيف يصر المأفون على أن "الضلال" فى سورة "الضحى" هو عبادة اللات والعزى؟ قال تعالى: "وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً* إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا" (الفرقان/ 41- 42). باختصار: معنى الضلال هو عدم استطاعة الشخص من الوصول إلى الغاية الصحيحة لسبب أو لآخر، وكثيرا ما يحدث هذا لأى منا وهو راجع إلى بيته من طريق غير الذى يعرفه، وبخاصة إذا كان راكبا سيارته فى منطقة جرت فيها تغييرات لم يكن على علم مسبق بها، ولا وثنية ولا يحزنون، فما قولك فى ذلك يا عقل العصفور؟ وهذه شواهد من كتابك أنت لا من القرآن حتى تخرس فلا تنطق لا من فوق ولا من تحت، لعنك الله من فوق ومن تحت: "مَلْعُونٌ مَنْ يُضِلُّ الأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ" (تثنية/ 27/ 18، والضلال هنا هو الضلال عن الطريق)، "كُفَّ يَا ابْنِي عَنِ اسْتِمَاعِ التَّعْلِيمِ لِلضَّلاَلَةِ عَنْ كَلاَمِ الْمَعْرِفَةِ" (أمثال/ 19/ 7، والضلال فى هذا الشاهد هو ضلال العلم لا الوثنية)، "وَلكِنَّ هؤُلاَءِ أَيْضًا ضَلُّوا بِالْخَمْرِ وَتَاهُوا بِالْمُسْكِرِ. الْكَاهِنُ وَالنَّبِيُّ تَرَنَّحَا بِالْمُسْكِرِ. ابْتَلَعَتْهُمَا الْخَمْرُ. تَاهَا مِنَ الْمُسْكِرِ، ضَلاَّ فِي الرُّؤْيَا، قَلِقَا فِي الْقَضَاء" (إشعيا/ 28/ 7، والضلال هو ذهاب الوعى من الخمر)، "إِنْ كَانَ لإِنْسَانٍ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ عَلَى الْجِبَالِ وَيَذْهَبُ يَطْلُبُ الضَّالَّ. وَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَجِدَهُ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ الَّتِي لَمْ تَضِلَّ" (متى/ 18/ 12، ولا علاقة لها الضلال بالوثنية كما هو جلىّ)، "وَكَانَ فِي الْجُمُوعِ مُنَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَحْوِهِ. بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ:«إِنَّهُ صَالِحٌ». وَآخَرُونَ يَقُولُونَ:«لاَ، بَلْ يُضِلُّ الشَّعْبَ»" (يوحنا/ 7/ 12، والكلام فى النص عن عيسى عليه السلام، ولم يكن اليهود يتهمونه بالوثنية بطبيعة الحال). لقد كان محمد قُبَيْل البعثة يبحث عن الدين الحق ويتحنث فى غار حراء، إلا أن الطريق السليم لبلوغ ذلك الحق صافيا دون أى غبش إنما هو الوحى الإلهى. وهذا الوحى لا يفوز به من الله إلا من يستحقه، فظل محمد يبحث عن الطريق، لكنه لم يهتد إليه حق الاهتداء إلا حين اصطفاه الله وجعله نبيا. أما غيره فقد أراد أن يكون نبيا، وكأن النبوة قرار شخصى يتخذه أى إنسان فيكون له ما أراد، ومن هذه الحالات حالة أمية بن أبى الصلت ومسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسى، وذلك على عكس ما كان يفعل محمد من البحث المخلص عن الحق دون التطلع إلى أن يكون نبيا. وهناك من كان يبحث عن الحق ولا يضع فى اعتباره مسألة النبوة ولم يختره الله مع ذلك، كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل وسلمان الفارسى. ثم فليكن معنى الآية الكريمة بعد كل الذى قلناه هو ما يقول الكندى الكذاب، فكيف يقبل شقها الأول ويرفض شقها الثانى؟ إنها تقول: كان محمد ضالا فهداه الله، لكن الكندى الكذاب يقبل ضلال النبى ويرفض هداه. ترى أمن الممكن القول بأن محمدا يقر بضلاله هكذا على رؤوس الأشهاد وبتلك البساطة؟ الواقع أنه لو كان هذا صحيحا لكان جواب القرشيين على الأقل هو: "طيب يا أخى. ما دام قد سبق لك أن كنتَ ضالا ثم اهتديتَ فاتركنا نحن على ضلالنا حتى يهدينا الله كما هداك. وإذن فعلى رِسْلك ولا تقرّعنا وتهاجم آلهتنا هذا الهجوم العارم!"، لكنهم لم يقولوا له شيئا من ذلك. وعلى كل فقد انتهى أمرهم معه إلى أن دخلوا كلهم فى دينه ورجعوا عن كل ما قالوه فيه، فأثبتوا أنهم كانوا كاذبين فى اتهاماتهم له وأن الحق كان معه طوال الوقت.
ثم فلنفترض ثانية أن كل ما يقوله الكندى الكذاب صحيح وأن محمدا كان يعبد الأوثان قبل البعثة كقومه، فلماذا لا تعامله أيها الكذاب كإبراهيم، الذى قلت بعظمة لسانك إنه كان يعبد العُزَّى مع قومه فى حاران قبل أن يصطفيه الله للرسالة؟ هل مَنَعَتْ إبراهيمَ عبادتُه للعُزَّى فى الجاهلية من أن يكون نبيا؟ فلماذا لا تجرى على نفس المنطق فى حالة محمد عليه الصلاة والسلام، وبخاصة أن كتابك المقدس لا يرى فى مثل هذه الأمور مانعا من أن يكون صاحبها نبيا حتى ولو ارتكبها بعد النبوة، كما هو الوضع فى حالة هارون، الذى تقولون إنه رافأ بنى إسرائيل على عبادتهم للعجل أثناء غياب موسى فوق الجبل للقاء بربه، بل هو الذى صنعه لهم بيديه وشاركهم الرقص عرايا حوله، وكما هو الوضع فى حال سليمان، الذى ساعد بعض زوجاته على ممارسة الوثنية فى قلب بيته ووفر لهن الأصنام التى يعبدنها. إننا بطبيعة الحال لا نعتقد بشىء مما يقوله الكتاب المقدس فى حق هؤلاء الأنبياء، إلا أننى أردت فقط أن أزيح النقاب عن ضمير ذلك الوغد لأُرِىَ القراء مدى التواء ضميره وكراهيته للحق وخضوعه لبواعث الشغب المستكنة فى أغوار قلبه الأسود.
وفى نهاية المطاف أرى أنه ينبغى إيراد ما قاله فى هذه الآية ابن عجيبة صاحب "تفسير البحر المديد في تفسير القران المجيد"، فقد جمع تفاسيرها المختلفة. قال: "وَوَجَدَك ضالا: غافلاً عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول. فَهَدَى : فهداك إليها، كقوله: " مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ" (الشورى/ 52). وقال القشيري: "أي ضالاًّ عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعَرَّفناك تفصيلَها"، أو ضالاًّ عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة. ولم يقل أحد من المفسرين: ضالاًّ عن الإيمان. قاله عياض. وقيل: ضلّ في صباه في بعض شِعاب مكة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضلّ مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعًا، وتضرّع إلى الله، فسمعوا هاتفاً يُنادِي من السماء: يا معشر الناس، لا تَضِجُّوا، فإنَّ لمحمدٍ ربًّا لا يخذله ولا يُضيّعه، وإنَّ محمدا بوادي تهامة عند شجرة السَّمُر. فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يلعب بالأغصان والأوراق. وقيل: أضلّته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته وجاءت به لترده على عبد المطلب. وقيل: ضلّ في طريق الشام حين خرج به أبو طالب. يُرْوَى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل به عن الطريق، فجاء جبريلُ عليه السلام، فنفخ إبليسَ نفخة وقع منها إلى أرض الهند، وردّه إلى القافلة. وقوله تعالى: "فَهَدَى" أي فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يُوحَى إليك من الكتاب المبين، وعلَّمك ما لم تكن تعلم".
ثم يقول المدلس الكذاب ما نَصُّه: "نشأ (محمد) في ذلك الأمر حتى صار في خدمة عِيرٍ لخديجة بنت خويلد، يعمل فيها بأجرة ويتردد بها إلى الشام وغيرها، إلى أن كان ما كان من أمره وأمر خديجة وتزوُّجه إياها للسبب الذي تعرفه. فلما قوَّته بمالها نازعته نفسه إلى أن يدَّعي المُلْك والترؤس على عشيرته وأهل بلده، فلم يتبعه عليه إلا قليل من الناس. فعندما يئس مما سوَّلت له نفسه ادَّعى النبوَّة وأنه رسولٌ مبعوثٌ من رب العالمين، فدخل عليهم من بابٍ لطيفٍ لا يعرفون عاقبته ما هي، ولا يفهمون كيف امتحان مثله ولا ما يعود عليهم من ضرر منه، وإنما هم قوم عرب أصحاب بدوٍ لم يفهموا شروط الرسالة ولم يعرفوا علامات النبوة، لأنه لم يُبعَث فيهم نبي قط. وكان ذلك من تعليم الرجل الملقِّن له الذي سنذكر اسمه وقصته في غير هذا الموضع من كتابنا، وكيف كان سببه. ثم إنه استصحب قومًا أصحاب غاراتٍ ممن يصيب الطريق على سُنَّة البلد وعادة أهله الجارية عندهم إلى هذه الغاية، فانضمَّ إليه هذا النوع، وأقبل يبثّث الطلائع ويدسّس العيون ويبعث إلى المواضع التي ترِد القوافل إليها من الشام بالتجارات فيصيبونها قبل وصولها، فيُغِيرون عليها ويأخذون العِير والتجارات ويقتلون الرجال. والدليل على ذلك أنه خرج في بعض أيامه فرأى جِمالاً مقبلةً من المدينة إلى مكة، لأبي جهل بن هشام، ويُسمِّي أعراب البادية ذلك غزوًا إذا خرجت للغارة على السابلة وإصابة الطريق. وكان أول خروجه من مكة إلى المدينة بهذا السبب، وهو حينئذ ابن 53 سنة بعد أن ادّعى ما ادّعاه من النبوة بمكة 13 سنة ومعه من أصحابه 40 رجلاً، وقد لقي كل أذى من أهل مكة لأنهم كانوا به عارفين، فأظهروا أن طرده لادّعائه النبوة وعقد باطنهم لما صح عندهم من إصابته الطريق. فسار مع أصحابه إلى المدينة وهي يومئذ خراب يباب ليس فيها إلا قوم ضعفاء أكثرهم يهودٌ لا حراك بهم، فكان أول ما افتتح به أمره فيها من العدل وإظهار نصفة النبوة وعلامتها أنه أخذ المِرْبَد الذي للغلامين اليتيمين من بني النجار وجعله مسجدًا. ثم إنه بعث أول بعثة حمزة بن عبد المطلب في 30 راكبًا إلى العيص من بلد جهينة يعترض عِير قريش وقد جاءت من الشام، فلقي أبا جهل بن هشام في 300 رجل من أهل مكة، فافترقوا لأن حمزة كان في 30، فخاف لقاء أبي جهل وفزع منه، فلم يكن بينهم قتال".
فأما ادعاء المشاغب الضلالى بأن الرسول كان يريد الرياسة وأنه لم يتبعه على مراده هذا إلا القليلون فمن الواضح أن ذلك الرجل (إن صح تسمية أمثاله: "رجالا") كان عريان السوأة وهو غارق فى الأحلام والأوهام! ترى متى كان ذلك؟ ومن أولئك الذين اتبعوه على غرضه ذاك؟ كذلك يزعم أن تطلعه إلى الرئاسة كان عقب زواجه بخديجة، مع أنه تزوجها وهو ابن خمس وعشرين، ولم يعلن أنه نبى إلا بعد بلوغه الأربعين، فمتى كان تطلعه إلى الزعامة طوال الخمس والعشرين سنة الفاصلة بين زواجه بها ودعوته الناس إلى الإيمان به؟ ومتى كانت دعوته العرب إلى الدين سهلة ميسورة، وهو الذى قضى فيها السنين الطوال حتى استطاع بعبقريته التى لم يُؤْتَها أحد سواه أن يطوّعهم وأن يخلق منهم رجالا وأبطالا فتحوا العالم ونشروا فى المعمور راية التوحيد بعد أن كانت الدنيا كلها تغط فى ليل الوثنية البغيض؟ إن الأحمق يريد أن يوهم القراء أن الرسول ما إن قال للعرب إنه نبى حتى خروا رُكّعًا سُجّدًا طائعين خاضعين دون فهم ودون تفكير. والحق أنه لا يقول هذا الكلام إلا رقيع مأفون كالكندى! ثم إن المشركين، على العكس، هم الذين عرضوا عليه الرياسة والمال فى مقابل سكوته عن أصنامهم وأوثانهم، وذلك كله معروف للناس جميعا، لكنه عليه الصلاة والسلام رفض كل عروضهم فى إباء وشمم يليقان بمن بَوَّأَه الله زعامة الأنبياء، على عكس اللعين بولس، الذى برجل ميزان النصرانية وقلب كل شىء فيها رأسا على عقب كى توائم عادات الوثنيين وتقاليدهم وعقائدهم، وهذا هو السر فى انتشارها بعد أن رفضها بنو إسرائيل. ثم يأتى هذا النغل بعد ذلك كله يريد أن يقلب الحقائق قَلْبًا! وهذا هو ديدنهم دائما أبدا لا يحيدون عنه ولو طلعت الشمس من مغربها أو أطلّ الليل من دبر القمص المنكوح، مع الاعتذار هذه المرة للسيد كوتوموتو، الذى لا أريد أن أغضبه أبدا، لكن القافية حبكت يا سيد كوتو (من غير "موتو")!
إن صاحبنا الأبله يزعم كذبا أن العرب كانوا قوما مغفلين ضحك عليهم الرسول فسقاهم "حاجة أصفرة" وأقنعهم بنبوّته! والجواب على هذه الرقاعة حاضر على الفور، وهو أن الله جلّت قدرته سبق أن بعث فى العرب عددا من الأنبياء منهم هود وصالح وشعيب، فهم إذن لم يكونوا بعيدين عن النبوة والأنبياء كما يزعم هذا الحمار الحَسَاوِىّ. كذلك فإنهم، فى جدالهم للنبى وتعنتهم عليه، كانوا يستشهدون بغيره من الرسل ويحاجّونه بهم، إذ كان فى الجزيرة العربية أهل كتاب يسمع العرب منهم ويعرفون ما لديهم. كما كانوا يلجأون إلى اليهود فى يثرب طالبين منهم المساعدة فى حربهم له صلى الله عليه وسلم. بل كان من المسلمين المبكرين نصارى أو دارسون للنصرانية كورقة بن نوفل وعداس ويسار وجبر، وبالمثل آمن به فى المدينة بعض كبار اليهود كعبد الله بن سلام. وكانت أم المؤمنين صفية رضى الله عنها بنت أحد زعمائهم وسمعت حوارا دار بين أبيها وعمها فهمت منه أنهما يصدقان بنبوته صلى الله عليه وسلم لكن حقدهما وعصبيتهما اليهودية يمنعانهما من إعلان ذلك الإيمان ويدفعانهما إلى التشبث الغبى بدين قومهما، فكان هذا أحد العوامل التى نبهتها إلى صدق الرسول وجعلتها تؤمن به وتعتنق دينه وتنسى يهوديتها. وهذه هى قصتها رضى الله عنها حصبما وردت فى "سيرة ابن هشام": "عن صفية بنت حُيَيّ بن أخطب أنها قالت: كنت أَحَبَّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قَطُّ مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قُبَاء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حُيَيّ بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مُغَلِّسَيْن، قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. قالت: فأتيا كالَّيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهُوَيْنَى، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع. فوالله ما التفتَ إليَّ واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حُيَيّ بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله. قال: أتعرفه وتُثْبِته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقِيتُ".
وحتى لو كان ما يقوله البغل النغل صحيحا فإنه يطعن فى عيسى، إذ رفضه اليهود، الذين كانوا على دراية بالنبوة والأنبياء، ومن ثم فرفضهم له دليل، حسب كلام صاحبنا، على أنه عليه السلام ليس نبيا حقيقيا. كذلك فالعرب الوثنيون لم يقبلوا الرسول على الفور، بل جادلوه وتعنتوا معه ولم يؤمن به منهم فى البداية إلا أحسنُهم وأقدرُهم على التحمل والتضحية وأفهمُهم لما أتاهم به من قيم عظيمة، حتى ترك مكة إلى يثرب، التى قبلته لأنها كانت على اتصال باليهود العارفين وعرفت أنه هو النبى الموعود، فسهّل ذلك مهمته لديهم، على عكس ما يريد الكذاب الكندى أن يوهمنا. ثم ما قوله فى أن عشرات الملايين من النصارى قد تركوا دينهم وأسلموا فى العقود الأولى من تاريخ الإسلام على ما هو معروف، ولا تزال العجلة دائرة حتى الآن، إذ يدخل فى دينه صلى الله عليه وسلم من أوربا وأمريكا المفكرون والعلماء والفنانون ولاعبو الكرة ورجال الدين والدبلوماسيون حتى أضحى عدد الغربيين المسلمين كبيرا يثير الفزع فى قلوب السياسيين والقساوسة ويخيفهم من المستقبل، وذلك رغم هوان المسلمين بوجه عام وضعفهم الشديد فى هذ الدورة السيئة من دوارت تاريخهم، ودعنا من بقية بلاد العالم. فما قول الكاتب فى ذلك؟ ألا يقلب هذا كلامه رأسا على عقب؟ أم تراه يقول إن هؤلاء جميعهم مغفلون ساذجون؟ والله ما مغفلٌ وحمارٌ إلا أنت يا بعيد!
أما حكاية التربص بِعِير قريش التجارية فقد حدثت مرة واحدة، وكان ذلك بعد ثلاثة عشر عاما قضاها الرسول والمسلمون فى مكة يرزحون تحت العنت والتعذيب والاضطهاد الوحشى والحصار الاجتماعى والاقتصادى والشتم والضرب، بالإضافة إلى القتل. ومعنى هذا أن التربص المشار إليه وقع بعد انتقال النبى وأتباعه إلى المدينة وبعد أن ذاقوا الأمرّين من قريش وتعرضوا لألوان رهيبة من الاضطهاد والتعذيب كما قلنا. وكان هذا كفيلا بأن يقضى على الدعوة وأتباعها لولا الرجولة الشاهقة التى كانوا يتمتعون بها على نحوٍ قَلَّ أن يتحقق بين البشر. فهذا الوغد كاذب كالعادة حين يحاول إيهام القارئ النصرانى الذى لا يعرف سيرة الرسول وأصحابه أن أول شىء فعلوه فى بداية الإسلام هو قيامهم دون إِحِمْ أو دستور بالهجوم على قريش وتجارتها رغم أنهم لم يَرَوْا منها شرا ولا أذى، بل حُبًّا منهم للعدوان والإجرام! وحقيقة الأمر أن القرشيين بعد هذه الأعوام الثلاثة عشر قد أخرجوا المسلمين من ديارهم واستولَوْا على أموالهم وبيوتهم وشرّدوهم فى الآفاق ونكّلوا بمن طالته أيديهم من المهاجرين عند مغادرتهم مكة. أى أنهم لم يكونوا يريدون أن يرحموا ولا أن يتركوا رحمة ربنا تنزل عليهم. أما القسوة والفظاظة والحقد والعنصرية فأمور يعرفها أنبياء بنى إسرائيل حسبما كتب مؤلفو العهد القديم، وكانوا قساةً حَقَدَةً لا يعرفون إلا سياسة الاستئصال. والطريف فى أمر هذا البكاش أنه، رغم كل ما قاله عن العرب، الذين اتهمهم بالغفلة والسذاجة والمسارعة إلى الإيمان بمحمد دون تفكير لتجردهم من الخبرة بالنبوة والأنبياء، يعود فيقول إنه عليه السلام قد "لقي كل أذى من أهل مكة لأنهم كانوا به عارفين". أى أنهم لم يكونوا من السذاجة بحيث يصدقون النبى عليه الصلاة والسلام لأول وهلة، كما أنهم قد أنزلوا به من ضروب الأذى ما دفع الوغد الكندى للإقرار به رغم اتهامه له صلى الله عليه وسلم بأنه هو الذى بدأ قريشا بالعدوان والإغارة على قوافلها التجارية. وعجبى!
أما ادعاؤه بأن اليهود الموجودين فى يثرب آنذاك كانوا قوما ضعفاء لا حَرَاك بهم فهو ككل ما يقوله النذل كذب وتحريف لوقائع التاريخ وحقائقه، فقد كان اليهود أصحاب أموال وسلاح وزراعات وبساتين وذهب وحصون وكِبْر وغرام بالعناد والجدال، وكانوا كثيرى الشغب والتسافه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظوا له اليد النبيلة التى مدها لهم بالعدل والمساواة والأمن والأمان والحرية والكرامة والتعاون المتبادل رغم اختلاف الدين والجنس، ورغم أنهم لم يكونوا من أهل البلاد بل طارئين عليها من الشمال. كما كانوا دائمى الشقاق والنفاق، يمطرونه بألوان الجدال، فيجيب على أسئلتهم، لكنهم كانوا صلاب الرقبة كافرين. وكثيرا ما ألبوا عليه الكفار واتخذوا جانبهم وسخروا منه ومن دينه وجدّفوا فى حق ربه سبحانه وتعالى وهددوه بأنه إذا لاقاهم فى حرب فلسوف يعلم ساعتئذ إنهم لهم الرجال. نعم لقد كان فيهم الصاغة وأصحاب البساتين والزراعات والحصون، ومعهم أكداس السلاح، وكانوا يقرأون ويكتبون ويتكبرون على من حولهم، وكانوا يجادلونه بالباطل ويثيرون المشاكل ويكذبون وينكرون ما فى كتبهم، فكان يفضحهم ويفحمهم فيزدادون له كراهية وعليه وعلى دينه وأتباعه تآمرا، لكنهم أثبتوا فى كل مرة أنهم أغبياء وجبناء فى الواقع رغم كل الجعجعات. ومن أكاذيب الكندى الدنسة مثله قوله يتهكم على سيده وتاج رأسه ورأس الذين نفضوا بذرته إن أول ما افتتح به أمره فى المدينة من العدل وإظهار نصفة النبوة وعلامتها أنه أخذ المربد الذي للغلامين اليتيمين من بني النجار وجعله مسجدًا. إن الكذاب الناقص يقول هذا بعيون بجحة وقحة لا تستحى، مع أن الرسول قد عوّض اليتيمين عن مربدهما ورفض أخذه دون مقابل. ثم إنه لم يأخذه بعد ذلك كله لنفسه بل أخذه للمسلمين ليقيم عليه مسجدا. ولا بد أن نعرف فوق هذا أنهما كانا بنى النجار، وهم أخوال النبى عليه السلام، فلم يكونا غريبين إذن، ومن هنا لم يكن أولياء أمرهما يريدون أن يأخذوا شيئا ثمنًا للمربد، بيد أنه صلى الله عليه وسلم شكرهم ورفض مع ذلك أخذه دون مقابل. ودعنا من حكاية الأتان التى أمر المسيح بعض أتباعه حسب افتراءاتكم أن يذهبوا إلى إحدى الحظائر ويأتوه بها حتى يدخل أورشليم (طبقا للنبوءة التى يزعمون) على أتان مسروقة، وكذلك سطوه عليه السلام هو ورفاقه على الحقول التى تقابلهم فى غياب أصحابها، ولعنه التينة المسكينة التى لم يجد فيها تينا لأنه لم يكن موسم تين، فضلا عن معجزة تموين المدعوين فى أحد الأفراح بالخمر، وكأننا إزاء خمار فى حانة لا رسول كريم لا يمكن أن يسكر أو يوفّر أم الخبائث للسكارى المخمورين! وطبعا نحن لا نصدق بهذا ولا ذاك ولا ذلك، لكننا نحاج الكذاب المدلّس بما يعتقده ويدافع عنه، ولا نريد أن نتدخل فى اعتقاده، بل كل ما هنالك أننا نرد على ما يزعمه من المزاعم المتداعية المتهافتة، وإلا فنحن نجلّ المسيح إجلالا لا يخطر له على بال ونؤمن أنه نبى عظيم، وإن كنا نؤمن فى ذات الوقت أن محمدا هو عميد الأنبياء جميعا!
6- ولا يكتفى كِنْدِيّنا الرقيع بتفاهاته السابقة، بل يضيف إليها تفاهات أتفه منها. من ذلك مثلا أنه يشترط لكى يصدق بنبوة الرسول الكريم أن يكون بمقدور الواحد من أصحابه هزيمة ألف من الأعداء، وأن يكون بمقدور الاثنين هزيمة ربوة (أى عشرة آلاف) كاملة، على نفس الشاكلة التى تكفل الله بها فى التوراة لموسى بالنسبة لبنى إسرائيل وتحقق على يد يشوع بن نون كما يقولون. وهذا شرط تافه رقيع كصاحبه لو صح كلامه، وهو ليس صحيحا كما سوف نرى بعد قليل. ثم إن بنى إسرائيل معروفون منذ الأزل بجبنهم وانخلاع قلوبهم، وإلا فلماذا لم نر ذلك منهم فى حروبهم مع محمد، الذى يتهمه هذا الرقيع بأنه نبى كذاب؟ لقد رأيناهم يجبنون أمام المسلمين رغم تفوقهم الهائل بكثرة السلاح ومناعة الحصون التى كانت تحت أيديهم ورغم طنطناتهم بأنه متى لقيهم محمد فى حرب فلسوف يُرُونه أنهم هم الرجال، بيد أنهم ساعة الجِدّ لم يكونوا رجالا ولا نساء ولا حتى أطفالا. والحق أن كلام الرقيع يذكرنى بالنكتة التى تقول إن الرئيس الأمريكى جونسون والزعيم السوفيتى كاسيجن تجادلا يوما أىّ الدولتين هى الدولة الديمقراطية الحقيقية: روسيا أم أمريكا؟ فقال جونسون إن أى مواطن أمريكى يستطيع أن يقف فى أكبر ميدان عام فى أمريكا ويقول بملء فمه: "يسقط جونسون" دون أن يمسه أى سوء. فما كان من كاسيجن إلا أن قال بدوره: وما المشكلة فى ذلك؟ إن أى مواطن سوفيتى يستطيع أن يقف فى أكبر ميدان عام عندنا فى الاتحاد السوفييتى ويهتف بأعلى حسه: "يسقط جونسون" فلا يصيبه أى أذى. ووجه التفاهة والرقاعة فى كلام التافه الرقيع هو أن كل جماعة لها ظروفها وخصوصياتها، وليس المهم أن يحدث لكل منها ما يحدث للأخرى، بل المهم أن ينجح النبى فى بلوغ الغايات العظيمة التى جاء لتحقيقها وأن يستطيع قيادة جماعته لذلك، وهو ما نجح فيه محمد، على حين أن موسى مات دون أن يستطيع دخول الأرض المقدسة لأن الإسرائيليين الجبناء انخلعت قلوبهم ورفضوا أن يرافقوه إلى هناك وقالوا له بكل كفر ووقاحة: "اذهب أنت وربك فقاتلا، إننا ها هنا قاعدون". فهذا هو المحك الحقيقى لا الذى يهرف به ذلك التافه الرقيع. ثم هَلاّ قال لنفسه ذلك الكلام؟ إننا بهذا المقياس يمكننا أن نسد فمه تماما بسؤاله: وماذا عن عيسى عليه السلام؟ ولماذا لم يكن الواحد من أتباعه مؤهَّلاً لهَزْم ألف نفر من أعدائه أو مائة أو عشرة، أو حتى واحد فقط؟ ولماذا يا ترى فرّوا عند أول تجربة، وكأنهم فَصّ ملح وذاب؟ إن محمدا عليه الصلاة والسلام لهو النبى الوحيد صاحب الرسالة العالمية، وهو النبى الوحيد الذى لم تقتصر رسالته على النواحى العقيدية والأخلاقية بل امتدت لتشمل كل أوضاع الحياة، وهو النبى الوحيد الذى نجح فى وضع دعوته ومبادئها وقيمها موضع التطبيق، ولهذا السبب اختاره مايكل هارت الأمريكى أعظم عظماء العالم المائة. وهذا ما نقوله دائما، إلا أن المتخلفين أمثال الكندى لا يفقهون ولا يفهمون. لكن ماذا علينا إذا لم تفهم البقر؟
قلت إن الشرط الذى اشترطه الكذاب المدلس شرط تافه رقيع مثله لو كان صحيحا. والواقع أنه غير صحيح، فإن شيئا من ذلك لم يحدث على عهد يشوع قط، بل استعان يشوع وبنو إسرائيل فى دخول الأرض المقدسة بزانية من الزانيات تدعى: "رِحَاب" وبجاسوسين أخفتهما تلك الزانية فى بيتها مما يعرفه كل من قرأ سفر "يشوع"، فضلا عن أن أعداء بنى إسرائيل قد أوقعوا بهم فى البداية هزيمة مروعة. كما أثبت هؤلاء أن الطبع غلاب، إذ سرق بعضهم بعض ما غنمه المحاربون من بلاد أعدائهم فأمر الله برجمهم أحياء! والإشارة إلى هذا موجودة فى الإصحاح السادس والعشرين من سِفْر "اللاويين" منسوبة إلى الله: "3إِذَا سَلَكْتُمْ فِي فَرَائِضِي وَحَفِظْتُمْ وَصَايَايَ وَعَمِلْتُمْ بِهَا، 4أُعْطِي مَطَرَكُمْ فِي حِينِهِ، وَتُعْطِي الأَرْضُ غَلَّتَهَا، وَتُعْطِي أَشْجَارُ الْحَقْلِ أَثْمَارَهَا، 5وَيَلْحَقُ دِرَاسُكُمْ بِالْقِطَافِ، وَيَلْحَقُ الْقِطَافُ بِالزَّرْعِ، فَتَأْكُلُونَ خُبْزَكُمْ لِلشِّبَعِ وَتَسْكُنُونَ فِي أَرْضِكُمْ آمِنِينَ. 6وَأَجْعَلُ سَلاَمًا فِي الأَرْضِ، فَتَنَامُونَ وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُكُمْ. وَأُبِيدُ الْوُحُوشَ الرَّدِيئَةَ مِنَ الأَرْضِ، وَلاَ يَعْبُرُ سَيْفٌ فِي أَرْضِكُمْ. 7وَتَطْرُدُونَ أَعْدَاءَكُمْ فَيَسْقُطُونَ أَمَامَكُمْ بِالسَّيْفِ. 8يَطْرُدُ خَمْسَةٌ مِنْكُمْ مِئَةً، وَمِئَةٌ مِنْكُمْ يَطْرُدُونَ رَبْوَةً، وَيَسْقُطُ أَعْدَاؤُكُمْ أَمَامَكُمْ بِالسَّيْفِ". ومع هذا فإن مدينة أريحا، وهى أول مدينة تسقط فى يد الإسرائيليين طبقا لما قاله مؤلفو السفر المذكور، لم تسقط بالسيف بل بالنفخ فى الأبواق حتى سقط سورها ودخلوها. فهذه واحدة، ثم إن هذا النص لا يتفق مع ما قاله الكندى كما يرى القراء لأن الإسرائيليين هنا إنما وُعِدوا أن يهزم الواحد منهم خمسةً (لا ألفًا) كما قال الكذاب، وأن تهزم المائة (لا اثنان) ربوة، أما ما ذكره المدلس فلم يكن وعدا من الله لبنى إسرائيل إذا صدقنا الكلام أصلا، بل كان استنكارا منه سبحانه أن يعتقد هؤلاء الجبناء الخونة العديمو العقل والضمير أنه سبحانه سيجعل الواحد منهم يهزم ألفا، أو الاثنان ربوة، إذ كانوا قد أغضبوه عز وجل وأثاروا غيظه كعادتهم فانصبّ عليهم بصواعق تهديداته وشتائمه وعرّفهم أنه مبدّدهم ومسلط الأمم الأخرى عليهم تذلهم وتفعل بهم الأفاعيل مما يخطر ولا يخطر لهم على بال. وذلك كله موجود فى الإصحاح الثانى والثلاثين وما قبله وبعده من سفر "التثنية". وهذا هو النص المذكور حتى يتيقن القارئ من كذب المدلس الكذاب وتدليسه: "28إِنَّهُمْ أُمَّةٌ عَدِيمَةُ الرَّأْيِ وَلاَ بَصِيرَةَ فِيهِمْ. 29لَوْ عَقَلُوا لَفَطِنُوا بِهذِهِ وَتَأَمَّلُوا آخِرَتَهُمْ. 30كَيْفَ يَطْرُدُ وَاحِدٌ أَلْفًا، وَيَهْزِمُ اثْنَانِ رَبْوَةً، لَوْلاَ أَنَّ صَخْرَهُمْ بَاعَهُمْ وَالرَّبَّ سَلَّمَهُمْ؟ 31لأَنَّهُ لَيْسَ كَصَخْرِنَا صَخْرُهُمْ، وَلَوْ كَانَ أَعْدَاؤُنَا الْقُضَاةَ. 32لأَنَّ مِنْ جَفْنَةِ سَدُومَ جَفْنَتَهُمْ، وَمِنْ كُرُومِ عَمُورَةَ. عِنَبُهُمْ عِنَبُ سَمٍّ، وَلَهُمْ عَنَاقِيدُ مَرَارَةٍ. 33خَمْرُهُمْ حُمَةُ الثَّعَابِينِ وَسَمُّ الأَصْلاَلِ الْقَاتِلُ". وهنا أود أن ألفت نظر القراء الكرام إلى ما قاله الكذاب المدلس بلسانه الذى يستأهل القطع من أن يشوع بن نون حين انتصر على أهل أريحا قد استأصلهم استئصالا: "كان يشوع وقتها يحاصر أريحا، فلما أتى على ذلك سبعة أيام فتحها على غير عقد ولا عهد، فقتل كل من كان فيها من ذكر وأنثى". فهل سمع أحد أن الصحابة قد اعتمدوا يومًا سياسة الاستئصال حين انتصروا على أعدائهم، ودائما ما كانوا ينتصرون على أعدائهم إلا فيما ندر؟ وأرجو ألا ينسى القارئ ما قلته له قبل قليل من أن بنى إسرائيل لم ينتصروا هنا بشجاعتهم، بل ببركة الزانية رحاب والجاسوسين اللذين خبأتهما فى بيتها، وكذلك بالنفخ فى الأبواق حتى انهدم السور. أما حكاية هزيمة الواحد ألفا أو حتى عشرين فأرجوك أن تنساها ولا تشغل نفسك بها، فمعروف أن كلام الليل المدهون بزبدة ما إن يطلع عليه النهار حتى يسيح. وهذا كله لو صدقنا ما كتبه مؤلفو السِّفْر.
وأخيرا لا ينبغى أن يفوتنى أن العدد سبعة يتكرر كثيرا فى حدوتة أريحا هذه. والحمد لله أن لم يجئ ذكر العدد ثلاثة ولو مرة واحدة يتيمة، وإلا ما رحمنا ساعتها البكاش النتاش ولصدَّع رؤوسنا بالكلام عن سر التثليث، وما أدراك؟ وإلى القارئ ما قاله مؤلف السفر فى ذلك الموضوع، وهو متاح لمن يريده فى الإصحاح السادس منه: "1وَكَانَتْ أَرِيحَا مُغَلَّقَةً مُقَفَّلَةً بِسَبَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. لاَ أَحَدٌ يَخْرُجُ وَلاَ أَحَدٌ يَدْخُلُ. 2فَقَالَ الرَّبُّ لِيَشُوعَ: «انْظُرْ. قَدْ دَفَعْتُ بِيَدِكَ أَرِيحَا وَمَلِكَهَا، جَبَابِرَةَ الْبَأْسِ. 3تَدُورُونَ دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ، جَمِيعُ رِجَالِ الْحَرْبِ. حَوْلَ الْمَدِينَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً. هكَذَا تَفْعَلُونَ سِتَّةَ أَيَّامٍ. 4وَسَبْعَةُ كَهَنَةٍ يَحْمِلُونَ أَبْوَاقَ الْهُتَافِ السَّبْعَةَ أَمَامَ التَّابُوتِ. وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ تَدُورُونَ دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَالْكَهَنَةُ يَضْرِبُونَ بِالأَبْوَاقِ. 5وَيَكُونُ عِنْدَ امْتِدَادِ صَوْتِ قَرْنِ الْهُتَافِ، عِنْدَ اسْتِمَاعِكُمْ صَوْتَ الْبُوقِ، أَنَّ جَمِيعَ الشَّعْبِ يَهْتِفُ هُتَافًا عَظِيمًا، فَيَسْقُطُ سُورُ الْمَدِينَةِ فِي مَكَانِهِ، وَيَصْعَدُ الشَّعْبُ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ». 6فَدَعَا يَشُوعُ بْنُ نُونٍ الْكَهَنَةَ وَقَالَ لَهُمُ: «احْمِلُوا تَابُوتَ الْعَهْدِ. وَلْيَحْمِلْ سَبْعَةُ كَهَنَةٍ سَبْعَةَ أَبْوَاقِ هُتَافٍ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ». 7وَقَالُوا لِلشَّعْبِ: «اجْتَازُوا وَدُورُوا دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ، وَلْيَجْتَزِ الْمُتَجَرِّدُ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ». 8وَكَانَ كَمَا قَالَ يَشُوعُ لِلشَّعْبِ. اجْتَازَ السَّبْعَةُ الْكَهَنَةُ حَامِلِينَ أَبْوَاقَ الْهُتَافِ السَّبْعَةَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَضَرَبُوا بِالأَبْوَاقِ. وَتَابُوتُ عَهْدِ الرَّبِّ سَائِرٌ وَرَاءَهُمْ، 9وَكُلُّ مُتَجَرِّدٍ سَائِرٌ أَمَامَ الْكَهَنَةِ الضَّارِبِينَ بِالأَبْوَاقِ. وَالسَّاقَةُ سَائِرَةٌ وَرَاءَ التَّابُوتِ. كَانُوا يَسِيرُونَ وَيَضْرِبُونَ بِالأَبْوَاقِ. 10وَأَمَرَ يَشُوعُ الشَّعْبَ قَائِلاً: «لاَ تَهْتِفُوا وَلاَ تُسَمِّعُوا صَوْتَكُمْ، وَلاَ تَخْرُجْ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ كَلِمَةٌ حَتَّى يَوْمَ أَقُولُ لَكُمُ: اهْتِفُوا. فَتَهْتِفُونَ». 11فَدَارَ تَابُوتُ الرَّبِّ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً. ثُمَّ دَخَلُوا الْمَحَلَّةَ وَبَاتُوا فِي الْمَحَلَّةِ. 12فَبَكَّرَ يَشُوعُ فِي الْغَدِ، وَحَمَلَ الْكَهَنَةُ تَابُوتَ الرَّبِّ، 13وَالسَّبْعَةُ الْكَهَنَةُ الْحَامِلُونَ أَبْوَاقَ الْهُتَافِ السَّبْعَةَ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ سَائِرُونَ سَيْرًا وَضَارِبُونَ بِالأَبْوَاقِ، وَالْمُتَجَرِّدُونَ سَائِرُونَ أَمَامَهُمْ، وَالْسَّاقَةُ سَائِرَةٌ وَرَاءَ تَابُوتِ الرَّبِّ. كَانُوا يَسِيرُونَ وَيَضْرِبُونَ بِالأَبْوَاقِ. 14وَدَارُوا بِالْمَدِينَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَحَلَّةِ. هكَذَا فَعَلُوا سِتَّةَ أَيَّامٍ. 15وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّهُمْ بَكَّرُوا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَدَارُوا دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ عَلَى هذَا الْمِنْوَالِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ فَقَطْ دَارُوا دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. 16وَكَانَ فِي الْمَرَّةِ السَّابِعَةِ عِنْدَمَا ضَرَبَ الْكَهَنَةُ بِالأَبْوَاقِ أَنَّ يَشُوعَ قَالَ لِلشَّعْبِ: «اهْتِفُوا، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَعْطَاكُمُ الْمَدِينَةَ. 17فَتَكُونُ الْمَدِينَةُ وَكُلُّ مَا فِيهَا مُحَرَّمًا لِلرَّبِّ. رَاحَابُ الزَّانِيَةُ فَقَطْ تَحْيَا هِيَ وَكُلُّ مَنْ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهَا قَدْ خَبَّأَتِ الْمُرْسَلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرْسَلْنَاهُمَا. 18وَأَمَّا أَنْتُمْ فَاحْتَرِزُوا مِنَ الْحَرَامِ لِئَلاَّ تُحَرَّمُوا، وَتَأْخُذُوا مِنَ الْحَرَامِ وَتَجْعَلُوا مَحَلَّةَ إِسْرَائِيلَ مُحَرَّمَةً وَتُكَدِّرُوهَا. 19وَكُلُّ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَآنِيَةِ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ تَكُونُ قُدْسًا لِلرَّبِّ وَتَدْخُلُ فِي خِزَانَةِ الرَّبِّ». 20فَهَتَفَ الشَّعْبُ وَضَرَبُوا بِالأَبْوَاقِ. وَكَانَ حِينَ سَمِعَ الشَّعْبُ صَوْتَ الْبُوقِ أَنَّ الشَّعْبَ هَتَفَ هُتَافًا عَظِيمًا، فَسَقَطَ السُّورُ فِي مَكَانِهِ، وَصَعِدَ الشَّعْبُ إِلَى الْمَدِينَةِ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ، وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ. 21وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ. 22وَقَالَ يَشُوعُ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَجَسَّسَا الأَرْضَ: «ادْخُلاَ بَيْتَ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ وَأَخْرِجَا مِنْ هُنَاكَ الْمَرْأَةَ وَكُلَّ مَا لَهَا كَمَا حَلَفْتُمَا لَهَا». 23فَدَخَلَ الْغُلاَمَانِ الْجَاسُوسَانِ وَأَخْرَجَا رَاحَابَ وَأَبَاهَا وَأُمَّهَا وَإِخْوَتَهَا وَكُلَّ مَا لَهَا، وَأَخْرَجَا كُلَّ عَشَائِرِهَا وَتَرَكَاهُمْ خَارِجَ مَحَلَّةِ إِسْرَائِيلَ. 24وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ مَعَ كُلِّ مَا بِهَا، إِنَّمَا الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ وَآنِيَةُ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ جَعَلُوهَا فِي خِزَانَةِ بَيْتِ الرَّبِّ. 25وَاسْتَحْيَا يَشُوعُ رَاحَابَ الزَّانِيَةَ وَبَيْتَ أَبِيهَا وَكُلَّ مَا لَهَا، وَسَكَنَتْ فِي وَسَطِ إِسْرَائِيلَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، لأَنَّهَا خَبَّأَتِ الْمُرْسَلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرْسَلَهُمَا يَشُوعُ لِكَيْ يَتَجَسَّسَا أَرِيحَا. 26وَحَلَفَ يَشُوعُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَائِلاً: «مَلْعُونٌ قُدَّامَ الرَّبِّ الرَّجُلُ الَّذِي يَقُومُ وَيَبْنِي هذِهِ الْمَدِينَةَ أَرِيحَا. بِبِكْرِهِ يُؤَسِّسُهَا وَبِصَغِيرِهِ يَنْصِبُ أَبْوَابَهَا». 27وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يَشُوعَ، وَكَانَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ الأَرْضِ". فهذه إحدى علامات النبوة كما يقول الكندى المزعوم، وقد فرغنا من إثبات أن ما قاله كذب وتدليس لا حقيقة له.
7- وثمة علامة أخرى للنبوة ذكرها عقب ذلك مباشرة، ألا وهى معرفة الغيب. وقد استشهد عليها من الكتاب المقدس قائلا إن "قيسًا أبا شاول ضاعت له أُتُنٌ، فوجَّه ابنه شاول في طلبها، فذهب شاول إلى صموئيل النبي يسأله، فقال له صموئيل قبل أن يخبره شاول خبر ما جاء لأجله: أما الأُتُُن فرجعت إلى بيت أبيك، وأما أبوك فقد شغله الاهتمام بغيبتك عن الأتن. فهكذا تكون شروط النبوة التي هي علم الغيب الماضي وعلم الغيب المستقبل، فتخبر الأنبياءُ عنه وتذكره قبل وقوعه وتعلم حدوثه قبل مجيئه بما يُظْهِر لهم الروح القدس معطي علم الغيب الذي هو نهاية الدلالات على النبوات". هذا ما قاله، والآن إلى التعقيب على ما قال: فأولا من الواضح أن الحس المنطقى عنده مفقود، وهذا جَلِىٌّ من عدم تفرقته بين معرفة الغيب الماضى ومعرفة الغيب المستقبلى، إذ يقول عن الغيبين كليهما إن "الأنبياء تخبر عنه وتذكره قبل وقوعه وتعلم حدوثه قبل مجيئه بما يُظهر لهم الروحُ القدسُ معطي علم الغيب الذي هو نهاية الدلالات على النبوات"، مع أن هذا الكلام لا ينطبق إلا على غيب المستقبل، أما الغيب الماضى فإنه قد وقع وانتهى الأمر، ومن ثم لا يصح أن يقال إن الأنبياء تعلم حدوثه قبل مجيئه. لكن متى كان كنديّنا يفقه شيئا فى "المنطق"؟ وثانيا فإن هذا الكائن قد نزل بالنبوة والأنبياء إلى مرتبة الكهان وضاربى الودع، فكلما ضاعت بقرة أو سُرِقَتْ قطعة حُلِىٍّ ذهب صاحبها إليه يستعين به على معرفة السارق. إن وظيفة النبى قد اتخذت مسارا مختلفا مع مجىء زعيم الأنبياء والمرسلين، إذ يكرر القرآن أن محمدا لا يعلم الغيب رغم أنه كثيرا ما أخبر أصحابه بما سيقع فى المستقبل وما وقع فى الماضى مما لم يكن هو ولا هم يعلمون شيئا عنه. ذلك أنه كان مع ذلك حريصا على أن يُفْهِم الدنيا كلها أنه، وإن ساق إليهم كثيرا من النبوءات، لا يعرف شيئا منها من تلقاء نفسه، بل من الله سبحانه. أما وظيفته الأصلية فهى هداية الضمير وتصويب ما انحرف من العقائد والأخلاق والقيم، وبعث الهمم الراكدة وتنشيط الأرواح الخامدة وهدم الحواجز التى كانت تفصل بين الله والإنسان من كهانة ووساطات، وتيسير الدين بدلا من تعسيره وتَعْنِيتِه كما كان الحال من قبل، وتوسيع نطاقه بحيث يشمل أمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والعلم والثقافة والحرب والسلم ولا يقتصر على العقيدة والأخلاق فحسب، وخلق أمة من العدم ووضع المبادئ والقيم التى أتى بها موضع التطبيق بحيث لا تبقى هذه المبادئ والقيم مجرد حبر على ورق أو كلاما جميلا شاعريا لا يصلح إلا للتشدق به فى المجالس والأندية دون إمكان تنفيذه لأنه يخرج عن نطاق الطبيعة البشرية. ولقد قام محمد بذلك كله خير قيام كما لم يحدث من قبل ولا من بعد على يَدَىْ أىّ نبىٍّ أو مصلحٍ، وتغيَّر مسار الحضارة الإنسانية بفضله أيما تغيير. هذا هو محك النبوة الحقيقى، أما معرفة مصير جاموسة شردت أو بقرة سُرِقَتْ أو أَتَانٍ ولدت فليست هذه مهمة الأنبياء، بل وظيفة قارئى الفنجان وضاربى الودع.
وإذا كان الكندى قد ذكر تنبؤ صمويل بمصير الأتان الشاردة مما يدخل فى مهمة العرافين وقارئى الطالع وما أشبه، فإن محمدا عليه الصلاة والسلام قد أخبر بكثير من أمور الغيب، لكن ليس من ذلك النوع التافه، بل من أمور الأمم والتاريخ ومصائر الحضارات. ألم يقل القرآن للمسلمين إن دينهم سوف ينتصر على الدين كله؟ ألم يقل للمشركين إنهم سوف ينفقون أموالهم فى محاربة دين الله ثم تكون هذه الأموال عليهم حسرة ثم يُغْلَبون؟ ألم يقل إن الروم، وإن انهزمت الآن من فارس، سوف تعود فتغلب فارس فى بضع سنين؟ ألم يقل القرآن: "سيُهْزَم الجَمْعُ ويُوَلُّون الدُّبُر"؟ ألم يقل عليه السلام لأصحابه عند خروجهم معه إلى غزوة الحديبية إنهم سوف يدخلون المسجد الحرام؟ ألم يقل الرسول إن المسلمين سوف يفتحون قسطنطينية؟ ألم يقل إنهم سوف يأتى عليهم زمان تتكالب الأمم عليهم فيه تكالب الأكلة على قصعتها؟ ألم يتحقق كل هذا بالشعرة؟ ألم يقل القرآن له عليه السلام: "ورفعنا لك ذكرك"؟ فها هو ذا فى كل لحظة من ليل أو نهار ينادَى باسمه من فوق المآذن فى أركان الدنيا الأربعة ويصلِّى عليه كل مسلم كلما ذكره فى كلامه أو ذكره أحد أمامه؟ ألم يلقن اليهودُ مشركى مكة عددا من الأسئلة لإحراج الرسول لم يكن يعرف أحد جوابها إلا هم، فإذا به يجيب عليها جوابا لا يخرّ منه الماء؟ ثم ألم يقل الكتاب المقدس مثلا إن عيسى سوف يسمَّى: "عمانوئيل"، فلم يحدث قط أن ناداه أحد بذلك الاسم؟ ألم يطلب عيسى التين فى غير إبانه؟ فكيف لم يعرف ذلك قبل أن يتطلبه فى التينة؟ والعجيب أنه، بدلا من الإقرار بأنه أخطأ طلب التين فى غير موسمه، يلعن التينة المظلومة فتيبس فى الحال، وكأنها هى المسؤولة عن عدم وجود التين لا سُنَن الكون التى من المفروض أنه هو خالقها أو ابن خالقها!
8- ثم يتكلم الكندى الوغد عن الصراع بين المسلمين واليهود فى المدينة ويُظْهِر الدهشة لأن النبى قد عاقبهم على مؤامراتهم وخياناتهم مبديا مشاعر الأسف والعطف عليهم رغم استحقاقهم ما نزل بهم ورغم أن ما عاقبهم به النبى عليه السلام هو أقل كثيرا مما كانوا يستأهلونه بناء على تشريعات العهد القديم نفسه. فانظر أيها القارئ إلى أى مدى يبلغ نفاق ذلك الرجل! لقد كان يريد أن يقضى اليهود على محمد ودينه ودولته وأتباعه. أما، وقد عجزوا عن ذلك، فإنه يولول ويصرخ كالنسوان متظاهرا بانتصاره للعدل والرحمة، مع أننا رأيناه يدافع بشراسة عما صنعه يوشع بالمدن التى دخلها من استئصال وتحريق وتدمير لا يغارد شيئا إلا محاه من الوجود محوا، بيوتا كان أو بشرا أو حيوانات. ولننظر الآن ما يقوله الإصحاح الرابع والثلاثون من سفر "التكوين" عن التقتيل الذى أوقعه أبناء يعقوب لا بمن اعتدَوْا على عرض أختهم وحدهم بل بكل سكان المدينة، والسَّبْى الذى أخذوه منها والغنائم التى استولَوْا عليها، وما لجأوا إليه فى سبيل ذلك من أساليب الغدر والخيانة: "وَخَرَجَتْ دِينَةُ ابْنَةُ لَيْئَةَ الَّتِي وَلَدَتْهَا لِيَعْقُوبَ لِتَنْظُرَ بَنَاتِ الأَرْضِ، 2فَرَآهَا شَكِيمُ ابْنُ حَمُورَ الْحِوِّيِّ رَئِيسِ الأَرْضِ، وَأَخَذَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَأَذَلَّهَا. 3وَتَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِدِينَةَ ابْنَةِ يَعْقُوبَ، وَأَحَبَّ الْفَتَاةَ وَلاَطَفَ الْفَتاةَ. 4فَكَلَّمَ شَكِيمُ حَمُورَ أَبِاهُ قَائِلاً: «خُذْ لِي هذِهِ الصَّبِيَّةَ زَوْجَةً». 5وَسَمِعَ يَعْقُوبُ أَنَّهُ نَجَّسَ دِينَةَ ابْنَتَهُ. وَأَمَّا بَنُوهُ فَكَانُوا مَعَ مَوَاشِيهِ فِي الْحَقْلِ، فَسَكَتَ يَعْقُوبُ حَتَّى جَاءُوا. 6فَخَرَجَ حَمُورُ أَبُو شَكِيمَ إِلَى يَعْقُوبَ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ. 7وَأَتَى بَنُو يَعْقُوبَ مِنَ الْحَقْلِ حِينَ سَمِعُوا. وَغَضِبَ الرِّجَالُ وَاغْتَاظُوا جِدًّا لأَنَّهُ صَنَعَ قَبَاحَةً فِي إِسْرَائِيلَ بِمُضَاجَعَةِ ابْنَةِ يَعْقُوبَ، وَهكَذَا لاَ يُصْنَعُ. 8وَتَكَلَّمَ حَمُورُ مَعَهُمَ قَائِلاً: «شَكِيمُ ابْنِي قَدْ تَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِابْنَتِكُمْ. أَعْطُوهُ إِيَّاهَا زَوْجَةً 9وَصَاهِرُونَا. تُعْطُونَنَا بَنَاتِكُمْ، وَتَأْخُذُونَ لَكُمْ بَنَاتِنَا. 10وَتَسْكُنُونَ مَعَنَا، وَتَكُونُ الأَرْضُ قُدَّامَكُمُ. اسْكُنُوا وَاتَّجِرُوا فِيهَا وَتَمَلَّكُوا بِهَا». 11ثُمَّ قَالَ شَكِيمُ لأَبِيهَا وَلإِخْوَتِهَا: «دَعُونِي أَجِدْ نِعْمَةً فِي أَعْيُنِكُمْ. فَالَّذِي تَقُولُونَ لِي أُعْطِي. 12كَثِّرُوا عَلَيَّ جِدًّا مَهْرًا وَعَطِيَّةً، فَأُعْطِيَ كَمَا تَقُولُونَ لِي. وَأَعْطُونِي الْفَتَاةَ زَوْجَةً».13فَأَجَابَ بَنُو يَعْقُوبَ شَكِيمَ وَحَمُورَ أَبَاهُ بِمَكْرٍ وَتَكَلَّمُوا. لأَنَّهُ كَانَ قَدْ نَجَّسَ دِينَةَ أُخْتَهُمْ، 14فَقَالُوُا لَهُمَا: «لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ هذَا الأَمْرَ أَنْ نُعْطِيَ أُخْتَنَا لِرَجُل أَغْلَفَ، لأَنَّهُ عَارٌ لَنَا. 15غَيْرَ أَنَّنَا بِهذَا نُواتِيكُمْ: إِنْ صِرْتُمْ مِثْلَنَا بِخَتْنِكُمْ كُلَّ ذَكَرٍ. 16نُعْطِيكُمْ بَنَاتِنَا وَنَأْخُذُ لَنَا بَنَاتِكُمْ، وَنَسْكُنُ مَعَكُمْ وَنَصِيرُ شَعْبًا وَاحِدًا. 17وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوا لَنَا، أَنْ تَخْتَتِنُوا، نَأْخُذُ ابْنَتَنَا وَنَمْضِي».18فَحَسُنَ كَلاَمُهُمْ فِي عَيْنَيْ حَمُورَ وَفِي عَيْنَيْ شَكِيمَ بْنِ حَمُورَ. 19وَلَمْ يَتَأَخَّرِ الْغُلاَمُ أَنْ يَفْعَلَ الأَمْرَ، لأَنَّهُ كَانَ مَسْرُورًا بِابْنَةِ يَعْقُوبَ. وَكَانَ أَكْرَمَ جَمِيعِ بَيْتِ أَبِيهِ. 20فَأَتَى حَمُورُ وَشَكِيمُ ابْنُهُ إِلَى بَابِ مَدِينَتِهُِمَا، وَكَلَّمَا أَهْلَ مَدِينَتِهُِمَا قَائِلِينَ: 21«هؤُلاَءِ الْقَوْمُ مُسَالِمُونَ لَنَا. فَلْيَسْكُنُوا فِي الأَرْضِ وَيَتَّجِرُوا فِيهَا. وَهُوَذَا الأَرْضُ وَاسِعَةُ الطَّرَفَيْنِ أَمَامَهُمْ. نَأْخُذُ لَنَا بَنَاتِهِمْ زَوْجَاتٍ وَنُعْطِيهِمْ بَنَاتِنَا. 22غَيْرَ أَنَّهُ بِهذَا فَقَطْ يُواتِينَا الْقَوْمُ عَلَى السَّكَنِ مَعَنَا لِنَصِيرَ شَعْبًا وَاحِدًا: بِخَتْنِنَا كُلَّ ذَكَرٍ كَمَا هُمْ مَخْتُونُونَ. 23أَلاَ تَكُونُ مَوَاشِيهِمْ وَمُقْتَنَاهُمْ وَكُلُّ بَهَائِمِهِمْ لَنَا؟ نُواتِيهِمْ فَقَطْ فَيَسْكُنُونَ مَعَنَا». 24فَسَمِعَ لِحَمُورَ وَشَكِيمَ ابْنِهِ جَمِيعُ الْخَارِجِينَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ، وَاخْتَتَنَ كُلُّ ذَكَرٍ. كُلُّ الْخَارِجِينَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ25فَحَدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إِذْ كَانُوا مُتَوَجِّعِينَ أَنَّ ابْنَيْ يَعْقُوبَ، شِمْعُونَ وَلاَوِيَ أَخَوَيْ دِينَةَ، أَخَذَا كُلُّ وَاحِدٍ سَيْفَهُ وَأَتَيَا عَلَى الْمَدِينَةِ بِأَمْنٍ وَقَتَلاَ كُلَّ ذَكَرٍ. 26وَقَتَلاَ حَمُورَ وَشَكِيمَ ابْنَهُ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَخَذَا دِينَةَ مِنْ بَيْتِ شَكِيمَ وَخَرَجَا. 27ثُمَّ أَتَى بَنُو يَعْقُوبَ عَلَى الْقَتْلَى وَنَهَبُوا الْمَدِينَةَ، لأَنَّهُمْ نَجَّسُوا أُخْتَهُمْ. 28غَنَمَهُمْ وَبَقَرَهُمْ وَحَمِيرَهُمْ وَكُلَُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ وَمَا فِي الْحَقْلِ أَخَذُوهُ. 29وَسَبَوْا وَنَهَبُوا كُلَّ ثَرْوَتِهِمْ وَكُلَّ أَطْفَالِهِمْ، وَنِسَاءَهُمْ وَكُلَّ مَا فِي الْبُيُوتِ. 30فَقَالَ يَعْقُوبُ لِشَمْعُونَ وَلاَوِي: «كَدَّرْتُمَانِي بِتَكْرِيهِكُمَا إِيَّايَ عِنْدَ سُكَّانِ الأَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِيِّينَ، وَأَنَا نَفَرٌ قَلِيلٌ. فَيَجْتَمِعُونَ عَلَيَّ وَيَضْرِبُونَنِي، فَأَبِيدُ أَنَا وَبَيْتِي». 31فَقَالاَ: «أَنَظِيرَ زَانِيَةٍ يَفْعَلُ بِأُخْتِنَا؟»".
ولننظر كذلك العقوبات التى أمر الله موسى أن يوقعها بنو إسرائيل بالمديانيين لا لشىء إلا لأن بعض نساء المديانيين قد زَنَيْنَ مع بعض الإسرائيليين، وهذه العقوبات موجودة فى الإصحاحين الخامس والعشرين والحادى والثلاثين على الترتيب من سفر "العدد": "1وَأَقَامَ إِسْرَائِيلُ فِي شِطِّيمَ، وَابْتَدَأَ الشَّعْبُ يَزْنُونَ مَعَ بَنَاتِ مُوآبَ. 2فَدَعَوْنَ الشَّعْبَ إِلَى ذَبَائِحِ آلِهَتِهِنَّ، فَأَكَلَ الشَّعْبُ وَسَجَدُوا لآلِهَتِهِنَّ. 3وَتَعَلَّقَ إِسْرَائِيلُ بِبَعْلِ فَغُورَ. فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ. 4فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «خُذْ جَمِيعَ رُؤُوسِ الشَّعْبِ وَعَلِّقْهُمْ لِلرَّبِّ مُقَابِلَ الشَّمْسِ، فَيَرْتَدَّ حُمُوُّ غَضَبِ الرَّبِّ عَنْ إِسْرَائِيلَ». 5فَقَالَ مُوسَى لِقُضَاةِ إِسْرَائِيلَ: «اقْتُلُوا كُلُّ وَاحِدٍ قَوْمَهُ الْمُتَعَلِّقِينَ بِبَعْلِ فَغُورَ».6وَإِذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَ وَقَدَّمَ إِلَى إِخْوَتِهِ الْمِدْيَانِيَّةَ، أَمَامَ عَيْنَيْ مُوسَى وَأَعْيُنِ كُلِّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ بَاكُونَ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 7فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ فِينْحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ بْنِ هَارُونَ الْكَاهِنُِ، قَامَ مِنْ وَسَطِ الْجَمَاعَةِ وَأَخَذَ رُمْحًا بِيَدِهِ، 8وَدَخَلَ وَرَاءَ الرَّجُلِ الإِسْرَائِيلِيِّ إِلَى الْقُبَّةِ وَطَعَنَ كِلَيْهِمَا، الرَّجُلَ الإِسْرَائِيلِيَّ وَالْمَرْأَةَ فِي بَطْنِهَا. فَامْتَنَعَ الْوَبَأُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. 9وَكَانَ الَّذِينَ مَاتُوا بِالْوَبَإِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا. 10فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 11«فِينْحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ بْنِ هَارُونَ الْكَاهِنُِ قَدْ رَدَّ سَخَطِي عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِكَوْنِهِ غَارَ غَيْرَتِي فِي وَسَطِهِمْ حَتَّى لَمْ أُفْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِغَيْرَتِي. 12لِذلِكَ قُلْ: هأَنَذَا أُعْطِيهِ مِيثَاقِي مِيثَاقَ السَّلاَمِ، 13فَيَكُونُ لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِيثَاقَ كَهَنُوتٍ أَبَدِيٍّ، لأَجْلِ أَنَّهُ غَارَ ِللهِ وَكَفَّرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ». 14وَكَانَ اسْمُ الرَّجُلِ الإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي قُتِلَ مَعَ الْمِدْيَانِيَّةِ، زِمْرِيَ بْنَ سَالُو، رَئِيسَ بَيْتِ أَبٍ مِنَ الشِّمْعُونِيِّينَ. 15وَاسْمُ الْمَرْأَةِ الْمِدْيَانِيَّةِ الْمَقْتُولَةِ كُزْبِيَ بِنْتَ صُورٍ، هُوَ رَئِيسُ قَبَائِلِ بَيْتِ أَبٍ فِي مِدْيَانَ. 16ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 17«ضَايِقُوا الْمِدْيَانِيِّينَ وَاضْرِبُوهُمْ، 18لأَنَّهُمْ ضَايَقُوكُمْ بِمَكَايِدِهِمِ الَّتِي كَادُوكُمْ بِهَا فِي أَمْرِ فَغُورَ وَأَمْرِ كُزْبِي أُخْتِهِمْ بِنْتِ رَئِيسٍ لِمِدْيَانَ، الَّتِي قُتِلَتْ يَوْمَ الْوَبَإِ بِسَبَبِ فَغُورَ»"، " وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 2«اِنْتَقِمْ نَقْمَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْمِدْيَانِيِّينَ، ثُمَّ تُضَمُّ إِلَى قَوْمِكَ». 3فَكَلَّمَ مُوسَى الشَّعْبِ قَائِلاً: «جَرِّدُوا مِنْكُمْ رِجَالاً لِلْجُنْدِ، فَيَكُونُوا عَلَى مِدْيَانَ لِيَجْعَلُوا نَقْمَةَ الرَّبِّ عَلَى مِدْيَانَ. 4أَلْفًا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ تُرْسِلُونَ لِلْحَرْبِ». 5فَاخْتِيرَ مِنْ أُلُوفِ إِسْرَائِيلَ أَلْفٌ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ. اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مُجَرَّدُونَ لِلْحَرْبِ. 6فَأَرْسَلَهُمْ مُوسَى أَلْفًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ إِلَى الْحَرْبِ، هُمْ وَفِينْحَاسَ بْنَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ إِلَى الْحَرْبِ، وَأَمْتِعَةُ الْقُدْسِ وَأَبْوَاقُ الْهُتَافِ فِي يَدِهِ. 7فَتَجَنَّدُوا عَلَى مِدْيَانَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ وَقَتَلُوا كُلَّ ذَكَرٍ. 8وَمُلُوكُ مِدْيَانَ قَتَلُوهُمْ فَوْقَ قَتْلاَهُمْ: أَوِيَ وَرَاقِمَ وَصُورَ وَحُورَ وَرَابعَ. خَمْسَةَ مُلُوكِ مِدْيَانَ. وَبَلْعَامَ بْنَ بَعُورَ قَتَلُوهُ بِالسَّيْفِ. 9وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالَهُمْ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ، وَجَمِيعَ مَوَاشِيهِمْ وَكُلَّ أَمْلاَكِهِمْ. 10وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ. 11وَأَخَذُوا كُلَّ الْغَنِيمَةِ وَكُلَّ النَّهْبِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ، 12وَأَتَوْا إِلَى مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَإِلَى جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ وَالْغَنِيمَةِ إِلَى الْمَحَلَّةِ إِلَى عَرَبَاتِ مُوآبَ الَّتِي عَلَى أُرْدُنِّ أَرِيحَا. 13فَخَرَجَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ وَكُلُّ رُؤَسَاءِ الْجَمَاعَةِ لاسْتِقْبَالِهِمْ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ. 14فَسَخَطَ مُوسَى عَلَى وُكَلاَءِ الْجَيْشِ، رُؤَسَاءِ الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءِ الْمِئَاتِ الْقَادِمِينَ مِنْ جُنْدِ الْحَرْبِ. 15وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: «هَلْ أَبْقَيْتُمْ كُلَّ أُنْثَى حَيَّةً؟ 16إِنَّ هؤُلاَءِ كُنَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، حَسَبَ كَلاَمِ بَلْعَامَ، سَبَبَ خِيَانَةٍ لِلرَّبِّ فِي أَمْرِ فَغُورَ، فَكَانَ الْوَبَأُ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. 17فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلاً بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا. 18لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّاتٍ. 19وَأَمَّا أَنْتُمْ فَانْزِلُوا خَارِجَ الْمَحَلَّةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَتَطَهَّرُوا كُلُّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا، وَكُلُّ مَنْ مَسَّ قَتِيلاً، فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَفِي السَّابعِ، أَنْتُمْ وَسَبْيُكُمْ. 20وَكُلُّ ثَوْبٍ، وَكُلُّ مَتَاعٍ مِنْ جِلْدٍ، وَكُلُّ مَصْنُوعٍ مِنْ شَعْرِ مَعْزٍ، وَكُلُّ مَتَاعٍ مِنْ خَشَبٍ، تُطَهِّرُونَهُ».21وَقَالَ أَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ لِرِجَالِ الْجُنْدِ الَّذِينَ ذَهَبُوا لِلْحَرْبِ: «هذِهِ فَرِيضَةُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّبُّ مُوسَى: 22اَلذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالنُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ وَالْقَصْدِيرُ وَالرَّصَاصُ، 23كُلُّ مَا يَدْخُلُ النَّارَ، تُجِيزُونَهُ فِي النَّارِ فَيَكُونُ طَاهِرًا، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَطَهَّرُ بِمَاءِ النَّجَاسَةِ. وَأَمَّا كُلُّ مَا لاَ يَدْخُلُ النَّارَ فَتُجِيزُونَهُ فِي الْمَاءِ. 24وَتَغْسِلُونَ ثِيَابَكُمْ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ فَتَكُونُونَ طَاهِرِينَ، وَبَعْدَ ذلِكَ تَدْخُلُونَ الْمَحَلَّةَ». 25وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 26«أَحْصِ النَّهْبَ الْمَسْبِيَّ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ، أَنْتَ وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ وَرُؤُوسُ آبَاءِ الْجَمَاعَةِ. 27وَنَصِّفِ النَّهْبَ بَيْنَ الَّذِينَ بَاشَرُوا الْقِتَالَ الْخَارِجِينَ إِلَى الْحَرْبِ، وَبَيْنَ كُلِّ الْجَمَاعَةِ. 28وَارْفَعْ زَكَاةً لِلرَّبِّ. مِنْ رِجَالِ الْحَرْبِ الْخَارِجِينَ إِلَى الْقِتَالِ وَاحِدَةً. نَفْسًا مِنْ كُلِّ خَمْسِ مِئَةٍ مِنَ النَّاسِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ وَالْغَنَمِ. 29مِنْ نِصْفِهِمْ تَأْخُذُونَهَا وَتُعْطُونَهَا لأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ رَفِيعَةً لِلرَّبِّ. 30وَمِنْ نِصْفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَأْخُذُ وَاحِدَةً مَأْخُوذَةً مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ مِنَ النَّاسِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ وَالْغَنَمِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ، وَتُعْطِيهَا لِلاَّوِيِّينَ الْحَافِظِينَ شَعَائِرَ مَسْكَنِ الرَّبِّ».31فَفَعَلَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى. 32وَكَانَ النَّهْبُ فَضْلَةُ الْغَنِيمَةِ الَّتِي اغْتَنَمَهَا رِجَالُ الْجُنْدِ: مِنَ الْغَنَمِ سِتَّ مِئَةٍ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ أَلْفًا، 33وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ أَلْفًا، 34وَمِنَ الْحَمِيرِ وَاحِدًا وَسِتِّينَ أَلْفًا، 35وَمِنْ نُفُوسِ النَّاسِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ، جَمِيعِ النُّفُوسِ اثْنَيْنِ وَثَلاَثِينَ أَلْفًا. 36وَكَانَ النِّصْفُ نَصِيبُ الْخَارِجِينَ إِلَى الْحَرْبِ: عَدَدُ الْغَنَمِ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَسَبْعَةً وَثَلاَثِينَ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ. 37وَكَانَتِ الزَّكَاةُ لِلرَّبِّ مِنَ الْغَنَمِ سِتَّ مِئَةٍ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ، 38وَالْبَقَرُ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ أَلْفًا، وَزَكَاتُهَا لِلرَّبِّ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، 39وَالْحَمِيرُ ثَلاَثِينَ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ، وَزَكَاتُهَا لِلرَّبِّ وَاحِدًا وَسِتِّينَ، 40وَنُفُوسُ النَّاسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَزَكَاتُهَا لِلرَّبِّ اثْنَيْنِ وَثَلاَثِينَ نَفْسًا. 41فَأَعْطَى مُوسَى الزَّكَاةَ رَفِيعَةَ الرَّبِّ لأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى. 42وَأَمَّا نِصْفُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي قَسَمَهُ مُوسَى مِنَ الرِّجَالِ الْمُتَجَنِّدِينَ: 43فَكَانَ نِصْفُ الْجَمَاعَةِ مِنَ الْغَنَمِ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَسَبْعَةً وَثَلاَثِينَ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ، 44وَمِنَ الْبَقَرِ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ أَلْفًا، 45وَمِنَ الْحَمِيرِ ثَلاَثِينَ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ، 46وَمِنْ نُفُوسِ النَّاسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا. 47فَأَخَذَ مُوسَى مِنْ نِصْفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمَأْخُوذِ وَاحِدًا مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ، وَأَعْطَاهَا لِلاَّوِيِّينَ الْحَافِظِينَ شَعَائِرَ مَسْكَنِ الرَّبِّ، كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى. 48ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مُوسَى الْوُكَلاَءُ الَّذِينَ عَلَى أُلُوفِ الْجُنْدِ، رُؤَسَاءُ الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءُ الْمِئَاتِ، 49وَقَالُوا لِمُوسَى: «عَبِيدُكَ قَدْ أَخَذُوا عَدَدَ رِجَالِ الْحَرْبِ الَّذِينَ فِي أَيْدِينَا فَلَمْ يُفْقَدْ مِنَّا إِنْسَانٌ. 50فَقَدْ قَدَّمْنَا قُرْبَانَ الرَّبِّ، كُلُّ وَاحِدٍ مَا وَجَدَهُ، أَمْتِعَةَ ذَهَبٍ: حُجُولاً وَأَسَاوِرَ وَخَوَاتِمَ وَأَقْرَاطًا وَقَلاَئِدَ، لِلتَّكْفِيرِ عَنْ أَنْفُسِنَا أَمَامَ الرَّبِّ». 51فَأَخَذَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ الذَّهَبَ مِنْهُمْ، كُلَّ أَمْتِعَةٍ مَصْنُوعَةٍ. 52وَكَانَ كُلُّ ذَهَبِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي رَفَعُوهَا لِلرَّبِّ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا وَسَبْعَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ شَاقِلاً مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءِ الْمِئَاتِ. 53أَمَّا رِجَالُ الْجُنْدِ فَاغْتَنَمُوا كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ. 54فَأَخَذَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ الذَّهَبَ مِنْ رُؤَسَاءِ الأُلُوفِ وَالْمِئَاتِ وَأَتَيَا بِهِ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ تَذْكَارًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَمَامَ الرَّبِّ".
وفى الإصحاح الأول من سفر "صموئيل الأول" نقرأ مثالا آخر من سلوك بنى إسرائيل مع الآخرين فى أمور الحرب والعقاب: "1وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكًا عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. 2هكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. 3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا». 4فَاسْتَحْضَرَ شَاوُلُ الشَّعْبَ وَعَدَّهُ فِي طَلاَيِمَ، مِئَتَيْ أَلْفِ رَاجِل، وَعَشَرَةَ آلاَفِ رَجُل مِنْ يَهُوذَا. 5ثُمَّ جَاءَ شَاوُلُ إِلَى مَدِينَةِ عَمَالِيقَ وَكَمَنَ فِي الْوَادِي. 6وَقَالَ شَاوُلُ لِلْقَيْنِيِّينَ: «اذْهَبُوا حِيدُوا انْزِلُوا مِنْ وَسَطِ الْعَمَالِقَةِ لِئَلاَّ أُهْلِكَكُمْ مَعَهُمْ، وَأَنْتُمْ قَدْ فَعَلْتُمْ مَعْرُوفًا مَعَ جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ صُعُودِهِمْ مِنْ مِصْرَ». فَحَادَ الْقَيْنِيُّ مِنْ وَسَطِ عَمَالِيقَ. 7وَضَرَبَ شَاوُلُ عَمَالِيقَ مِنْ حَوِيلَةَ حَتَّى مَجِيئِكَ إِلَى شُورَ الَّتِي مُقَابَِلَ مِصْرَ. 8وَأَمْسَكَ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ حَيًّا، وَحَرَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِحَدِّ السَّيْفِ. 9وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَا. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا. 10وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى صَمُوئِيلَ قَائِلاً: 11«نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي». فَاغْتَاظَ صَمُوئِيلُ وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ اللَّيْلَ كُلَّهُ. 12فَبَكَّرَ صَمُوئِيلُ لِلِقَاءِ شَاوُلَ صَبَاحًا. فَأُخْبِرَ صَمُوئِيلُ وَقِيلَ لَهُ: «قَدْ جَاءَ شَاوُلُ إِلَى الْكَرْمَلِ، وَهُوَذَا قَدْ نَصَبَ لِنَفْسِهِ نَصَبًا وَدَارَ وَعَبَرَ وَنَزَلَ إِلَى الْجِلْجَالِ». 13وَلَمَّا جَاءَ صَمُوئِيلُ إِلَى شَاوُلَ قَالَ لَهُ شَاوُلُ: «مُبَارَكٌ أَنْتَ لِلرَّبِّ. قَدْ أَقَمْتُ كَلاَمَ الرَّبِّ». 14فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «وَمَا هُوَ صَوْتُ الْغَنَمِ هذَا فِي أُذُنَيَّ، وَصَوْتُ الْبَقَرِ الَّذِي أَنَا سَامِعٌ؟» 15فَقَالَ شَاوُلُ: «مِنَ الْعَمَالِقَةِ، قَدْ أَتَوْا بِهَا، لأَنَّ الشَّعْبَ قَدْ عَفَا عَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. وَأَمَّا الْبَاقِي فَقَدْ حَرَّمْنَاهُ». 16فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «كُفَّ فَأُخْبِرَكَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ إِلَيَّ هذِهِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ لَهُ: «تَكَلَّمْ». 17فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «أَلَيْسَ إِذْ كُنْتَ صَغِيرًا فِي عَيْنَيْكَ صِرْتَ رَأْسَ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ وَمَسَحَكَ الرَّبُّ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، 18وَأَرْسَلَكَ الرَّبُّ فِي طَرِيق وَقَالَ: اذْهَبْ وَحَرِّمِ الْخُطَاةَ عَمَالِيقَ وَحَارِبْهُمْ حَتَّى يَفْنَوْا؟ 19فَلِمَاذَا لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ، بَلْ ثُرْتَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَعَمِلْتَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ؟». 20فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: «إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ لِصَوْتِ الرَّبِّ وَذَهَبْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَرْسَلَنِي فِيهَا الرَّبُّ وَأَتَيْتُ بِأَجَاجَ مَلِكِ عَمَالِيقَ وَحَرَّمْتُ عَمَالِيقَ. 21فَأَخَذَ الشَّعْبُ مِنَ الْغَنِيمَةِ غَنَمًا وَبَقَرًا، أَوَائِلَ الْحَرَامِ لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ فِي الْجِلْجَالِ». 22فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ. 23لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ رَفَضَكَ مِنَ الْمُلْكِ».24فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: «أَخْطَأْتُ لأَنِّي تَعَدَّيْتُ قَوْلَ الرَّبِّ وَكَلاَمَكَ، لأَنِّي خِفْتُ مِنَ الشَّعْبِ وَسَمِعْتُ لِصَوْتِهِمْ. 25وَالآنَ فَاغْفِرْ خَطِيَّتِي وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ لِلرَّبِّ». 26فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «لاَ أَرْجعُ مَعَكَ لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ، فَرَفَضَكَ الرَّبُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ». 27وَدَارَ صَمُوئِيلُ لِيَمْضِيَ، فَأَمْسَكَ بِذَيْلِ جُبَّتِهِ فَانْمَزَقَ. 28فَقَالَ لَهُ صَمُوئِيلُ: «يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. 29وَأَيْضًا نَصِيحُ إِسْرَائِيلَ لاَ يَكْذِبُ وَلاَ يَنْدَمُ، لأَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانًا لِيَنْدَمَ». 30فَقَالَ: «قَدْ أَخْطَأْتُ. وَالآنَ فَأَكْرِمْنِي أَمَامَ شُيُوخِ شَعْبِي وَأَمَامَ إِسْرَائِيلَ، وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ لِلرَّبِّ إِلهِكَ». 31فَرَجَعَ صَمُوئِيلُ وَرَاءَ شَاوُلَ، وَسَجَدَ شَاوُلُ لِلرَّبِّ. 32وَقَالَ صَمُوئِيلُ: «قَدِّمُوا إِلَيَّ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ». فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَجَاجُ فَرِحًا. وَقَالَ أَجَاجُ: «حَقًّا قَدْ زَالَتْ مَرَارَةُ الْمَوْتِ». 33فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «كَمَا أَثْكَلَ سَيْفُكَ النِّسَاءَ، كَذلِكَ تُثْكَلُ أُمُّكَ بَيْنَ النِّسَاءِ». فَقَطَعَ صَمُوئِيلُ أَجَاجَ أَمَامَ الرَّبِّ فِي الْجِلْجَالِ. 34وَذَهَبَ صَمُوئِيلُ إِلَى الرَّامَةِ، وَأَمَّا شَاوُلُ فَصَعِدَ إِلَى بَيْتِهِ فِي جِبْعَةِ شَاوُلَ. 35وَلَمْ يَعُدْ صَمُوئِيلُ لِرُؤْيَةِ شَاوُلَ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ، لأَنَّ صَمُوئِيلَ نَاحَ عَلَى شَاوُلَ. وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ".
والآن فلنقارن ما صنعه الرسول الكريم مع اليهود بما تأمرهم به شريعتهم أن يصنعوه مع الأمم الأخرى فى أمور أهون مما فعلوه مع المسلمين بمراحل ومراحل بحيث لا يوجد فى الواقع أى وجه للمقارنة لا بين الجُرْمَيْن ولا بين العقابين. ومع هذا يتباكى الأفاق كالنساء نفاقا وتظاهرا بالرقة والشفقة، وإنما هو الكيد لمحمد عليه الصلاة والسلام ولدينه! ولقد يقال إن عيسى عليه السلام لم يكن يعاقب أحدا، بل كان يدعو للتسامح. لكن ينبغى ألا ننسى أنه عليه السلام لم يكن فى يده أية سلطة حتى يقال إنه كان يتبع سياسة العفو، إذ العفو لا يكون إلا عن قدرة، وهو لم يكن يملك أية سلطة تخوّله معاقبة الجناة والمعتدين، لأنه لم يكن حاكما ولا حتى قاضيا، بل كان مجرد داعية. ومع هذا فقد قال بصريح اللفظ إنه إنما أُرْسِل بالسيف والنار وإثارة البيت الواحد بعضه على بعض. كل ما فى الأمر أنه لم يكن قد مر وقت كاف لتحوله وأتباعه من تلقى الأذى إلى الرد عليه بمثله كما تقضى الطبيعة البشرية وأوضاع العمران وقوانينه فى كل مكان وزمان، وإلا فسدت الأرض وطغى فيها المجرمون وتكبروا وبَغَوْا وقتلوا الأبرياء وسرقوهم واغتصبوا أموالهم وممتلكاتهم واعتدَوْا على نسائهم وأخرجوهم من بلادهم وبيوتهم كما يحلو لهم. ولقد صبر النبى محمد وأتباعه فى مكة على مدى ثلاثة عشر عاما لا ثلاثة فقط كما هو الوضع فى حالة عيسى، عليهما جميعا الصلاة والسلام، كما أن النبى العربى لم يكن ينتقم لنفسه قط، فهو أكبر من ذلك تماما، بل كان يعمل على حماية الدولة الناشئة والأمة البازغة التى تنوشها الرياح وتتعاروها السيوف والسهام والرماح من كل جانب، وبخاصة من قِبَل الخونة الغدارين من يهود، أولئك الذين عاملهم أعظم معاملة وسوى بينهم وبين المسلمين وأمّنهم على أنفسهم وأموالهم ودينهم ومعابدهم واحترم إنسانيتهم وحريتهم، إلا أنهم أثبتوا أنهم لا يتعلمون الدرس أبدا، فأخذوا منذ اللحظة الأولى يتآمرون عليه ويحرّضون المشركين على حربه ويسخرون منه ومن دينه، وهو يغضى عنهم، وإذا اضْطُرّ لمعاقبتهم اكتفى، فى حالة الجريمة الفردية، بالتخلص من المجرم وحده فى هدوء كيلا يثير فتنة أكبر، وينتهى كل شىء فى السر كما كان المجرم يرتكب خيانته فى السر، أما فى حالة الجريمة الجماعية فكان يكتفى بإخراجهم من بين أَظْهُر المسلمين إلى مكان آخر وحرمانهم من بعض أموالهم... إلى أن وقعت الواقعة فى غزوة الأحزاب واقترفوا جريمة الخيانة العظمى السافرة وخططوا مع الأحزاب للقضاء عليه وعلى الدين الذى جاء به والدولة التى بناها بشِقّ الأََنْفُُس، فلما سقطوا حوكموا. وبالمناسبة فهم الذين اختاروا قاضيهم بأنفسهم، وهو سعد بن معاذ، فكان أن حكم عليهم بقتل حَمَلة السلاح منهم، أى المتآمرين الذين كانوا يعملون على تدمير الدولة والأمة الناشئة، أما الأولاد والنساء فيُسْبَوْن. وهو، كما ترى، حكم أخف كثيرا جدا مما تأمرهم به شريعتهم فى معاقبة الأمم الأخرى على أشياء لا تساوى شيئا بجانب ما اجترحوه من جرائم شنيعة! ولو كان الرسول قد عاملهم بشريعتهم لكان قد استأصلهم منذ البداية بمجرد اجتراح أى واحد منهم جريمة فى حق المسلمين، لكنه عليه السلام صبر عليهم طويلا وسامحهم كثيرا وعاقبهم فى البداية عقوبات هينة أقرب إلى التدليل منها إلى ما كانوا يؤمنون به ويمارسونه فى دينهم من عقاب. فلم التباكى الكاذب إذن والتظاهر الثعلبى الخبيث بالشفقة على المجرم واتهام صاحب الحق بالقسوة؟ ألا إن هذا لَقَلْبٌ للوضع برُمّته رأسا على عقب، ووضعٌ للهزل فى موضع لا يصلح فيه الهزل فى قليل أو كثير، إذ نحن أمام مصير دولة وأمة، وفى حروبٍ عَوَانٍ ومؤامرات بشعة خسيسة تريد أن تقضى على الأخضر واليابس، لا فى مباراة للتسلية!
9- ويتناول الكندى بعد ذلك ما أصاب الرسول الكريم فى غزوة أُحُدٍ من جروح، ويعدّها دليلا على أنه ليس نبيا، وإلا لكلّف الله ملائكته بوقايته من الأذى الذى أصابه. وهو كلام آخر مضحك، إذ إن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يدّع يوما أنه محصَّن من الأوجاع والآلام والجروح. كما أن نبى الله يحيى قد قُتِل وقُطِعت رأسه وقُدِّمَتْ رخيصة على صحنٍ إرضاء لراقصة عاهرة فى مشهد مأساوى مرعب كما نعلم جميعا، فلماذا لم يسأل الكندىُّ الأجربُ العقلِ والضميرِ نفسَه عن السبب الذى منع الملائكة من التدخل لحماية يحيى من هذا المصير البشع؟ ولماذا، ما دامت الملائكة لم تتدخل من أجله، لم ينف هو نبوته كما نفى نبوة محمد لمجرد إصابته بجروح فى أُحُد؟ على أنْ ليس يحيى هو وحده من بين الأنبياء الذى قُتِل، بل قُتِل أيضا زكريا بن برخيَّا بين الهيكل والمذبح. ومرة أخرى ليس زكريا ويحيى هما وحدهما من بين الأنبياء اللذين قُتِلا، بل قُتِل كذلك عيسى عليه السلام حسبما ورد فى الكتاب المقدس، وإن كنا نحن المسلمين لا نؤمن بذلك ونكفّر من يقول به. فلماذا لم يتساءل عن السبب فى أن الله لم يكلف ملائكته منع جريمة قتله صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا، وقد وقعت الجريمة ولم يحم الله عيسى، لم ينف عنه فطّاسُنا السخيفُ النبوةَ (والألوهية أيضا) مثلما أنكر على الرسول العظيم أن يكون نبيا لمجرد إصابته ببعض الجروح فى معركة حربية لا تُعَدّ الجروح التى أصابته أثناءها شيئا ذا بال على الإطلاق؟ نعم بعض الجروح التى ليست بشىء فى مقابل الصلب والقتل والشتم والبصق والضرب بالحربة فى الجنب والسخرية المرة فى حالة عيسى عليه الصلاة والسلام، ومن ثم صياحه الرهيب الذى يقطع نياط القلوب. ومرة أخرى ليس عيسى ويحيى وزكريا هم وحدهم من بين الأنبياء الذين قُتِلوا، بل قُتِل أنبياءُ آخرون غيرهم طبقا لكلام المسيح الذى سبَّ فيه بنى إسرائيل وهددهم بمصير أسود من قرن الخروب كما جاء فى الكلام المنسوب إليه صلى الله عليه وسلم: ""9وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ الصِّدِّيقِينَ، 30وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ الأَنْبِيَاءِ. 31فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ. 32فَامْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ. 33أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟ 34لِذلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ، 35لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ. 36اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا كُلَّهُ يَأْتِي عَلَى هذَا الْجِيلِ! 37«يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! 38هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا. 39لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَني مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!»" (متى/ 24)! وهو ما قاله أيضا القرآن الكريم حين تحدث، فى أكثر من موضع منه، عن قتل اليهود للنبيين بغير حق. أما محمد فقد تكفل الله بعصمته من الناس كما ورد فى الآية السابعة والستين من سورة "المائدة"، فلم يستطع أحد أن يَخْلُص إليه رغم كثرة الحروب التى خاضها، ورغم كثرة المتآمرين عليه من منافقين ويهود ومشركين كراهيةً منهم للنور الباهر الذى أتى به، ورغم أنه لم يكن يتحصن وراء الأسوار ولا كان يتخذ الجلاوزة ليصدوا عنه الناس.
يقول الدكتور نظمى لوقا، بشىء من التصرف، فى كتابه: "وامحمداه" (دار الحمامى للطباعة/ القاهرة/ 1960م/ 37- 38)، الذى خصصه للدفاع عن سيد الأنبياء والمرسلين ضد أمثال الكندى المنافق الكذاب إن "منطق المفترين على الرسول العربى هو بعينه منطق الأكذوبة: اكذب ثم اكذب. لا تحصر همك فى مستوى واحد من الافتراء. لا تقتصد فى المزاعم. هل يسخطك أن يؤمن ناس بصدق محمد؟ لا تكن غشيما يا صاح! لا تكتف بتجريح رسالته، ولا تقف عند القول بأنه ليس برسول، يل ليكن مرماك أبعد من هذا. ليكن مرماك تشويه سمعته باعتباره إنسانا من البشر، فمن ليس كفئا للاحترام من حيث هو رجل من آحاد الناس لن يكون كفئا لحمل أمانة الرسالة والنهوض بشرف الهداية. قل فى شخص محمد وأَعِدْ، ولا تتحرج ولا تقتصد، ولا تتقيد بدليل، ولا تأبه بتفنيد، واسْتَغِلَّ غفلة الغافلين وجهالة الجاهلين وتحيز المغرضين، فلا مأرب لك فى نصرة إلا نصرتهم. لن يسألوك على الباطل برهانا، وحسبك ما تشقى به سخائمهم إفكا وبهتانا"!
10- ومن بين تلك الأكاذيب التى يرددها الأفاقون أعداء محمد عليه الصلاة والسلام ويتشبث بها صاحبنا الكندى كما يتشبث الكلب الأجرب بعظمة بين أسنانه لا يتركها أبدا، زواجه صلى الله عليه وسلم من ابنة عمته السيدة زينب بنت جحش أم المؤمنين. يقول المجرم الأفاق: "فأما ما كان بينه وبين زينب بنت جحش امرأة زيد فإني أكره ذكر شيء منها إجلالاً لقدر كتابي هذا عن ذكرها، غير أني آتي بشيء مما حكاه في كتابه الذي يقول إنه نزل عليه من السماء إذ يقول: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَّوَجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهُ مَفْعُولاً مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (سورة الأحزاب/ 37- 38)". ظريفٌ والله هذا الأفاق! لقد بلغ من حيائه أنه لا يريد أن يتكلم فى هذا الموضوع، وكأنه يتجنب مسألة مفحشة لا يصح تناولها على الملإ، وليس زواجا طبيعيا شرعيا ليس فيه شىء البتة مما يُسْتَحَى منه، اللهم إلا عند الشواذ: شواذ العقل والضمير والجسد، إذ ماذا فى زواجه عليه الصلاة والسلام من زينب؟ وماذا فى الآية القرآنية التى ساقها هنا؟ لا شىء. نعم لا شىء بالمرة، وإلا لما تورع أن يبدئ فى الأمر ويعيد، من الصباح للمساء، ومن المساء للصباح! وأكمل أنا الأمر فأقول: إنهم يكذبون فيقولون أولا: كيف يقدم محمد على التزوج من امرأة ابنه؟ رغم أن زينب لم تكن زوجة ابنه، لسبب بسيط جدا، وهو أنه لم يكن له آنذاك ابن أصلا ولا كان له فى أى يوم من الأيام ابن بلغ مبلغ الأزواج، لأن أولاده الذكور ماتوا كلهم وهم أطفال صغار. إلا أن الأفاقين المنافقين الذين سيشويهم الله شيًّا فى نار الجحيم يتابعون الجاهليين على فهمهم وظنهم أن وضع الابن بالتبنى هو نفسه وضع الابن الحقيقى. وحتى لو كان الأمر كذلك لقد نزل القرآن قبل تلك الحادثة بما يمحو ذلك الفهم الجاهلى ويبين للمسلمين أنه لا يحق للمسلم أن يستلحق به ولدا ليس من صلبه، بل لا بد أن ينسب ذلك الولد إلى أبيه. فإذا سددنا هذه الثغرة ولم يجدوا بابا يَلِجُون منه إلى الزراية على عميد النبيين عادوا فقالوا: ولكنه كان يشتهيها، ولذلك أخذها من زيد. وهذا أيضا كذب مبين وتدليس شنيع، فإنه عليه السلام لم يأخذها من زيد، بل حين سمع من زيد أنه ينوى طلاقها قال له: "أمسك عليك زوجك، واتق الله". لكن زيدا مضى فطلقها لأن العشرة بينهما أصبحت مستحيلة، إذ لم تكن زوجته تحبه وتجد غضاضة فى أن يكون زوجها عبدا سابقا ومن قبيلةٍ أقلَّ شرفا من قبيلتها. سيقولون إن محمدا رآها ذات يوم فى مباذلها، وقد ذهب يسأل عن زيد فوقعت فى نفسه موقعا. ونحن نقول: فليكن ما تقولونه صحيحا، ولكن ماذا كان رد فعله صلى الله عليه وسلم عندما رآها فى مباذلها؟ هل دخل وراءها البيت فى غياب الزوج ليتمتع ولو بالحديث معها على انفراد؟ والجواب: أبدا، فهذا لم يحدث. إذن ماذا فعل؟ يقولون إنه انصرف وهو يردد بينه وبين نفسه: سبحان مقلب القلوب! ونسأل نحن بدورنا: وماذا فى هذا؟ أليس ذلك دليلا على إيمانه بربه حتى إنه ليذكره فى ذلك الموقف الذى لا تَرَوْن فيه من دليل إلا أنه رجل شهوانى؟ وهكذا يظلون يثيرون الاتهامات ويفترعون الأقاويل، ونحن وراءهم نسألهم عن دلالة كل شىء ينسبونه إليه صلى الله عليه وسلم إلى أن يتضح للقارئ أن الأمر لا يعدو أن يكون زوبعة فى فنجان. ونحن نزيدهم من الشعر بيتا بل أبياتا ونقول: وحتى لو كانت قد وقعت من نفسه موقعا، فماذا فى ذلك؟ ماذا فى أن يرى الرجل منا امرأة جميلة فتقع من نفسه موقعا؟ أوكان يتجسس عليها أو يعمل على اللقاء بها وهى تتمنع عليه؟ أوكان يراودها عن نفسها؟ أوشرع يخطط عقب ذلك لينال منها فى الحرام ما يبغيه الرجل من المرأة؟ أأرسل إليها يستقدمها إلى بيته وزنى بها؟ أتآمر على رجلها وقتله بدم بارد وضمها إلى حريمه غير شاعر بأية خالجة ندم كأى بلطجى حقير؟ أبدا أبدا. إذن ما الذى فى تصرف النبى عليه السلام فى ذلك الموضوع مما يمكن تناوله بلسان المنتقد؟ لا شىء، لا شىء بالمرة! أما قوله تعالى: "وتخشى الناس، والله أحق أن تخشاه"، فهو خوفه صلى الله عليه وسلم من كلام العرب حديثى العهد بالجاهلية أن يقولوا إنه تزوج امرأة ابنه، لكن كان للسماء موقف آخر، إذ لا بد أن يبدأ أحد الأشخاص بكسر هذا الحظر الذى أكسبه الزمن رسوخا لا يقبل المراء، فشاءت السماء أن يكونه محمد، فنفذّه عليه السلام على مرارته. وفى "فتح البارى" لابن حجر: "عن السدي بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يزوِّجها زيدَ بن حارثة مولاه فكرهت ذلك. ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوّجها إياه، ثم أعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بعد أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: "تزوج امرأة ابنه"، وكان قد تبنى زيدا".
أما الذى لابد من محاسبته وفضحه ولَوْك سيرته فى العالمين فهو مَنْ كتب مؤلفو العهد القديم عنه ما يلى: "1وَكَانَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ، فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْمُلُوكِ، أَنَّ دَاوُدَ أَرْسَلَ يُوآبَ وَعَبِيدَهُ مَعَهُ وَجَمِيعَ إِسْرَائِيلَ، فَأَخْرَبُوا بَنِي عَمُّونَ وَحَاصَرُوا رِبَّةَ. وَأَمَّا دَاوُدُ فَأَقَامَ فِي أُورُشَلِيمَ. 2وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدًّا. 3فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: «أَلَيْسَتْ هذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟». 4فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلاً وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. 5وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: «إِنِّي حُبْلَى». 6فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى يُوآبَ يَقُولُ: «أَرْسِلْ إِلَيَّ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ». فَأَرْسَلَ يُوآبُ أُورِيَّا إِلَى دَاوُدَ. 7فَأَتَى أُورِيَّا إِلَيْهِ، فَسَأَلَ دَاوُدُ عَنْ سَلاَمَةِ يُوآبَ وَسَلاَمَةِ الشَّعْبِ وَنَجَاحِ الْحَرْبِ. 8وَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «انْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ وَاغْسِلْ رِجْلَيْكَ». فَخَرَجَ أُورِيَّا مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَخَرَجَتْ وَرَاءَهُ حِصَّةٌ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ. 9وَنَامَ أُورِيَّا عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَلِكِ مَعَ جَمِيعِ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى بَيْتِهِ. 10فأَخْبَرُوا دَاوُدَ قَائِلِينَ: «لَمْ يَنْزِلْ أُورِيَّا إِلَى بَيْتِهِ». فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «أَمَا جِئْتَ مِنَ السَّفَرِ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تَنْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ؟» 11فَقَالَ أُورِيَّا لِدَاوُدَ: «إِنَّ التَّابُوتَ وَإِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا سَاكِنُونَ فِي الْخِيَامِ، وَسَيِّدِي يُوآبُ وَعَبِيدُ سَيِّدِي نَازِلُونَ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ، وَأَنَا آتِي إِلَى بَيْتِي لآكُلَ وَأَشْرَبَ وَأَضْطَجعَ مَعَ امْرَأَتِي؟ وَحَيَاتِكَ وَحَيَاةِ نَفْسِكَ، لاَ أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ». 12فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «أَقِمْ هُنَا الْيَوْمَ أَيْضًا، وَغَدًا أُطْلِقُكَ». فَأَقَامَ أُورِيَّا فِي أُورُشَلِيمَ ذلِكَ الْيَوْمَ وَغَدَهُ. 13وَدَعَاهُ دَاوُدُ فَأَكَلَ أَمَامَهُ وَشَرِبَ وَأَسْكَرَهُ. وَخَرَجَ عِنْدَ الْمَسَاءِ لِيَضْطَجِعَ فِي مَضْجَعِهِ مَعَ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَإِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَنْزِلْ. 14وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ مَكْتُوبًا إِلَى يُوآبَ وَأَرْسَلَهُ بِيَدِ أُورِيَّا. 15وَكَتَبَ فِي الْمَكْتُوبِ يَقُولُ: «اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ». 16وَكَانَ فِي مُحَاصَرَةِ يُوآبَ الْمَدِينَةَ أَنَّهُ جَعَلَ أُورِيَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ رِجَالَ الْبَأْسِ فِيهِ. 17فَخَرَجَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ وَحَارَبُوا يُوآبَ، فَسَقَطَ بَعْضُ الشَّعْبِ مِنْ عَبِيدِ دَاوُدَ، وَمَاتَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا. 18فَأَرْسَلَ يُوآبُ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِجَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ. 19وَأَوْصَى الرَّسُولَ قَائِلاً: «عِنْدَمَا تَفْرَغُ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ الْمَلِكِ عَنْ جَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ، 20فَإِنِ اشْتَعَلَ غَضَبُ الْمَلِكِ، وَقَالَ لَكَ: لِمَاذَا دَنَوْتُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ لِلْقِتَالِ؟ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ مِنْ عَلَى السُّورِ؟ 21مَنْ قَتَلَ أَبِيمَالِكَ بْنَ يَرُبُّوشَثَ؟ أَلَمْ تَرْمِهِ امْرَأَةٌ بِقِطْعَةِ رَحًى مِنْ عَلَى السُّورِ فَمَاتَ فِي تَابَاصَ؟ لِمَاذَا دَنَوْتُمْ مِنَ السُّورِ؟ فَقُلْ: قَدْ مَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا».22فَذَهَبَ الرَّسُولُ وَدَخَلَ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِكُلِّ مَا أَرْسَلَهُ فِيهِ يُوآبُ. 23وَقَالَ الرَّسُولُ لِدَاوُدَ: «قَدْ تَجَبَّرَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ وَخَرَجُوا إِلَيْنَا إِلَى الْحَقْلِ فَكُنَّا عَلَيْهِمْ إِلَى مَدْخَلِ الْبَابِ. 24فَرَمَى الرُّمَاةُ عَبِيدَكَ مِنْ عَلَى السُّورِ، فَمَاتَ الْبَعْضُ مِنْ عَبِيدِ الْمَلِكِ، وَمَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا». 25فَقَالَ دَاوُدُ لِلرَّسُولِ: « هكَذَا تَقُولُ لِيُوآبَ: لاَ يَسُؤْ فِي عَيْنَيْكَ هذَا الأَمْرُ، لأَنَّ السَّيْفَ يَأْكُلُ هذَا وَذَاكَ. شَدِّدْ قِتَالَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْرِبْهَا. وَشَدِّدْهُ».26فَلَمَّا سَمِعَتِ امْرَأَةُ أُورِيَّا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ أُورِيَّا رَجُلُهَا، نَدَبَتْ بَعْلَهَا. 27وَلَمَّا مَضَتِ الْمَنَاحَةُ أَرْسَلَ دَاوُدُ وَضَمَّهَا إِلَى بَيْتِهِ، وَصَارَتْ لَهُ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا. وَأَمَّا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ فَقَبُحَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ". ومع ذلك فإن الأفاقين الكذابين لا يجدون فى سلوك داود هنا ما يمكن أن يؤاخَذ عليه، ويجدون فى السلوك الطاهر النقى الذى صدر عن محمد العيب كل العيب! أليس الله قد غفر لداود وأصبح قريبا منه سبحانه كما يقولون ويبررون؟ لكن لماذا لم يغفر الله لمحمد هو أيضا هذا الــ... هذا الماذا؟ والله لا أدرى، فإنه لم يرتكب شيئا يمكن أن يؤاخَذ عليه أيا ما تكن الزاوية التى ننظر منها إليه! أم ترى الإله الذى تؤمنون به أيها الأوغاد إلها مخلول العقل، فهو يغفر للمجرم القرارى مستبيح الأعراض الوالغ فى الدماء البريئة الوفية، ولا يتسامح مع الرجل الذى يتزوج بامرأة على سنة الله ورسوله ويخشاه ولا ينسى ذكره أبدا فى أى موقف من المواقف؟ يا حرام! فانظر أيها القارئ إلى أولئك المجرمين الوقحين وكيف تلتوى ضمائرهم التواء لا يمكن إصلاحه أبدا! وأخيرا فلست أظننى فى حاجة إلى أن أقول إن المسلمين لا يثقون بما يقوله مخترعو العهد القديم فى حق نبى الله داود، بل يَرَوْنه شُنْعًا لا يُقْبَل أبدا بل كفرًا بَوَاحًا، بَيْدَ أننى أردت أن آخذ الكذابين المنافقين بما فى كتابهم مما لا يمكنهم المجادلة فيه! هذا، ولا أتكلم عن يهوذا وامرأة ابنه الحقيقى وزناه بها وليس زواجه منها، ولا عن مضاجعة لوط لابنتيه بعد أن سقتاه خمرا ونامتا معه الواحدة بعد الأخرى وحبلهما منه، ولا عن نشيد الأناشيد الذى نظمه فى زعمهم القذر مثلهم سليمان بن داود (ومن شابه أباه فما ظلم!) مما يعجز تماما أبو نواس ونزار قبانى أن يكتبا شعرا مثله فى العهر والفحش والإغراء بالفجور، ولا ولا ولا، فالله حليم ستار.
11- ومن زينب إلى عائشة الصِّدّيقة بنت الصِّدّيق رضى الله عن الجميع رضى واسعا وذأم عن رحمته كل كِنْدىّ أو مدّعٍ للكندية لئيم خبيث نبيث، ونقرأ ما قاله النجس الدنس عما سماه بــ "هنات (الرسول الكريم) مع عائشة وما كان من أمرها مع صفوان بن المعطل السلمي في رجوعهم من غزوة المصطلق، بتخلُّفها عن العسكر معه وقدومه بها من الغد نحو الظهيرة راكبة على راحلته يقودها، وما قذفها به عبد الله بن أُبَيّ بن سلول وحسان بن ثابت ومسْطَح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر وزيد بن رفاعة وحمنة بنت جحش أخت زينب، وتبليغ علي بن أبي طالب إليه كلام المتكلمين وعيب العائبين، قائلاً: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثيرة. فلم يلتفت صاحبك إلى ذلك كله لشدة إعجابه بها، لأنه لم يكن في مَنْ نكح مِن نسائه بِكْرٌ غيرها ولا أحدث سنًّا منها، فكان لها من قلبه مكان. فرضي بما كان من ذلك الأمر كله، وهذا كان سبب انعقاد تلك العداوة بين عائشة وبين علي إلى آخر حياتهما. ثم قال صاحبك بنزول براءتها في سورة النور من قوله: إن الذين جاءوا بالإفك عُصْبة منكم". ونتساءل: وماذا فى أن تأتى عائشة متخلفة عن القافلة بعد مضىّ الرَّكْب، وفى ظنهم أنها فى هودجها، وكانت قد ذهبت لقضاء حاجتها بعيدا عن المعسكر ولم يتنبه القائمون على جملها إلى أنها لم تعد بعد، فساقوا أمامهم الجمل ومَضَوْا مع بقية المعسكر، فلما رجعت عائشة ولم تجد أحدا بقيت مكانها وغلبها النوم ولم تشعر إلا ورجلٌ ينبهها فقامت من رقدتها، وكان هذا الرجل هو صفوان بن المعطَّل السلمى، الذى كان يشتغل ساقةً للقافلة، ولما عرف أنها أم المؤمنين تراجع بعيدا حتى ركبت راحلته وأخذ الاثنان طريقهما إلى المدينة؟ أترى الكندى الكلب كان يريد من عائشة أن ترفض العودة مع صفوان وتبقى وحدها فى الصحراء إلى أن تطلع الشمس عليها وتموت من شدة الحر إلى أن يصل إلى النبى فيخبره الخبر فيترك النبى أصحابه ويذهب بنفسه لإحضارها حتى لا تُتَّهم مرة أخرى بمن يرسله لإحضارها؟ أم كان هذا الوغد الذى سبق أن قال إنه لا بد من شاهدين أو ثلاثة شهود عدول فى الأمور التى تحتاج إلى الشهادة يريد من الرسول أن يعاقب عائشة دون دليل؟ وهل كل من أتت مع واحد كانت زانية؟ أكانت عائشة تبقى مؤمنة بالنبى لو كانت زنت وأبرأها القرآن؟ لقد اقترح الرسول على زوجاته أن يسرّحهن لما طلبن منه أن يوسّع عليهن فى النفقة مثل سائر زوجات المسلمين، لكنهن جميعا، وأولهن عائشة، رفضن أن يتركنه رغم جشب عيشهن معه. جاء فى "وفيات الأعيان" لابن خلكان: "قالت عائشة رضي الله عنها: لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخيّر نساءه قال لي: أتختارين الله ورسوله والدار الآخرة أو الحياة الدنيا وزينتها؟ قلت: اللهُ ورسولُه أحب إليّ والدارُ الآخرة. ثم قلت له: أخبرت أحدًا قبلي؟ قال: لا. قلت: لا تخبرهن. فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثني نذيرا، ولم يبعثني مُعْنِتًا ولا متعنتًا". وكانت عائشة رضى الله عنها تغار عليه أعنف الغيرة من شدة حبها له، فكيف يمكن أن تكون قد خانته؟ أمن الممكن أنّ مَنْ تحب زوجها كل هذا الحب الذى تشى به غيرتها فى القصتين التاليتين تطاوعها نفسه أن تخونه؟ جاء فى صحيح النسائى روايةً عن عائشة: "فقدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتجسسته، فإذا هو راكع، أو ساجد، يقول: سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت. فقلت: بأبي وأمي! إنك لفي شأن، وإني لفي شأن آخر". وفى "صحيح مسلم" روايةً عنها أيضا: "لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع. فلم يلبث إلا ريثما ظن أنْ قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا. فجعلتُ درعي في رأسي واختمرتُ وتقنعتُ إزاري. ثم انطلقتُ على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفتُ، فأسرع فأسرعتُ، فهرول فهرولتُ، فأحضر فأحضرتُ، فسبقتُه فدخلتُ. فليس إلا أن اضطجعتُ فدخل فقال: ما لك يا عائش؟ حَشْيَا رابِيَةً! (يشير إلى نهجها وتسارع أنفاسها من شدة الهرولة والإحضار حتى تسبقه إلى البيت، فكأنها تعانى ربوا). قالت: قلت: لا شيء. قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير. قالت: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! فأخبرته. قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم. فلهدني في صدري لهدة أوجعتني. ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم. قال: فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني، فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك. ولم يكن يدخل عليك وقد وضعتِ ثيابك. وظننتُ أن قد رقدتِ، فكرهت أن أوقظك، وخشِيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون"، وفى "صحيح النسائى" مثله. وفى "التذكرة الحمدونية" لابن حمدون: "رُوِيَ عن عائشة رضي عنها أنها قالت: كنت نائمة مع النبي صلّى الله عليه وسلم ليلة النصف من شعبان ثم انتبهت، فإذا النبي صلّى الله عليه وسلم ليس عندي، فأدركني ما يدرك النساءَ من الغيرة فلففت مِرْطي. أما ولله ما كان خزًّا ولا قزًّا ولا قطنًا ولا كتانًا. قيل: فما كان يا أم المؤمنين؟ قالت: كان سَدَاته من شعر، ولُحْمَته من أوبار الأبل، قالت: فحبوتُ إليه أطلبه، فألفيته كالثوب الساقط على وجهه من الأرض وهو يقول: سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي، وهذه يدي وما جنيت بها على نفسي. أنت عظيم ترجى لكل عظيم، فاغفر الذنب العظيم. فقلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، إنك لفي شأن، وإني لفي شأن. فرفع رأسه ثم عاد ساجدا فقال: أعوذ بوجهك الذي أضاءت له السموات السبع والأرضون السبع من فجاءة نقمتك، وتحويل عافيتك، ومن شر كتاب قد سبق، وأعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك. لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. فلما انصرف من صلاته تقدمت أمامه حتى دخلت البيت ولي نَفَسٌ عال. فقال: مالك يا عائشة؟ فأخبرته الخبر، فقال: ويح هاتين الركبتين! ماذا لَقِيَتا هذه الليلة؟ ومسح عليهما". وفى "العقد الفريد" لابن عبد ربه مثل ذلك. وفى "صحيح البخارى" عن عائشة: "ما غِرْتُ على امرأةٍ ما غِرْتُ على خديجة من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها. قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه عز وجل، أو جبريل عليه السلام، أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب". وفى "صحيح مسلم" عنها أيضا رضى الله عنها: "ما غِرْتُ على امرأة ما غرت على خديجة، ولقد هلكتْ قبل أن يتزوجني بثلاث سنين، لما كنت أسمعه يذكرها. ولقد أمره ربه عز وجل أن يبشرها ببيت من قصب في الجنة. وإن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها". وفى "نهاية الأرب فى فنون الأدب" للنويرى تفصيل أكثر: "عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ما غِرْتُ على امرأة ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكن ذلك لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، وإن كان ليذبح الشاة فيتتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهن. وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن عليها الثناء، فذكرها يوما من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها؟ فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: "لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنتْ بي إذ كفر الناس، وصدّقتْني إذ كذّبني الناس، وواستْني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء". قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بسيئة أبدا". ثم كيف كان من الممكن رضاها بالبقاء بعده دون زواج عشرات السنين، ودون أن يكون لها ولد منه يشغلها عن الزواج والرجال، لو كانت قد زنت وبرّأها، بما يدل على أنه لم يكن يُوحَى إليه بل كان يؤلف القرآن كذبا وزورا؟ بل قبل ذلك كله كيف تم الاتفاق بين عائشة وصفوان على الميعاد زمانا ومكانا، وهما لم يكونا يتراءيان؟ وكيف ضمنا ألا يقع شىء من شأنه أن يضلّ هو عن مكانها فى الصحراء فتبقى وحيدة هناك طوال الليل ثم حتى يبزغ الصباح وتشتد حرارة الشمس، وما أدراك ما اشتداد حرارة الشمس فى البادية حيث لا شجرة أو جدار يستظل الإنسان به! أم كيف ضمنا ألا يفاجئهما أحد فى ذلك الوضع المخزى؟ وقبل ذلك كله هل يمكن أن تقدم على هذه المعرة فتاة حرة كريمة كعائشة تربت فى بيت أبى بكر الطاهر العفيف الذى لم تنله ريبة قط ولا حتى فى الجاهلية، ودعنا من أنها انتقلت إلى بيت النبوة حيث يتنزل الوحى على زوجها الذى تؤمن به وتحبه وتتفانى فى مرضاته؟ تبا لكم أيها الأنذال! إن مشكلتكم أنكم تقيسون الشريفات النبيلات على ما تعرفون من سلوككم وسلوك النجسات من نسائكم.
أليس من الأفضل للأوغاد أن يشغلوا أنفسهم بدلا من ذلك بقبلات بولس التى كان يرسلها إلى أفواه الأخوات النصرانيات؟ ثم ماذا عن نسبة مؤلفى الأناجيل عيسى عليه السلام إلى يوسف النجار وتأكيد أمه أنه ابن يوسف فعلا ومناداة الناس جميعا له بأنه ابن يوسف كما رأينا من النصوص التى مرت آنفا؟ أوليس الإقرار سيد الأدلة كما يقولون فى القانون؟ ودعنا من اتهام اليهود الصريح لمريم بالزنا والقول بأن عيسى ابن سِفَاح، أستغفر الله! وإنما حملنى على هذا القول رغم أننا لا نؤمن بشىء من هذا السفه المنحط قلة أدب الكلب المتخفى وراء اسم الكندى وتطاوله على عرض عائشة، وهو يعرف أن من كانت حجته من البَيْض فلا ينبغى أن يقذف الجبال الشُمّ الرواسخ بالبَيْض. وكانت العلامة فى حالة مريم متوفرة، ألا وهى وجود الحمل والولادة، بخلاف عائشة، التى لم يكن هناك علامة فى حالتها بالمرة، بل كانت مجرد شائعات مسمومة لأن أحدا لم يأخذ عليها شيئا. وأختم بما رواه ابن عساكر فى "تبيين كذب المفترى" بشأن ابن الباقلانى عندما أرسله عضد الدولة سفيرا إلى قيصر ليناظر المطارنة بناءً على طلب قيصر. قال ابن عساكر: "وقيل إنه دخل يوما فرأى عنده بعض مطارنته ورهبانيته، فقال له مستهزئا: كيف أنت؟ وكيف الأهل والأولاد؟ فقال له الملك، وقد عجب من قوله: ذَكَر من أرسلك في كتاب الرسالة أنك لسان الأمة ومتقدم على علماء الأمة! أما علمت أننا ننـزّه هؤلاء عن الأهل والولد؟ فقال الباقلاني: أنتم لا تنـزهون الله سبحانه وتعالى عن الأهل والأولاد وتنـزهونهم؟ فكأن هؤلاء عندكم أقدس وأجلّ وأعلى من الله سبحانه وتعالى؟! فوقعت الهيبة في نفس الرومي. وقال: بلغني أن طاغية الروم قال له، وقصد توبيخه: أَخْبِرْني عن قصة عائشة زوج نبيكم وما قيل فيها. فقال له القاضي أبو بكر: هما اثنتان قيل فيهما ما قيل: زوج نبينا، ومريم ابنة عمران. فأما زوج نبينا فلم تلد، وأما مريم فجاءت بولد تحمله على كتفها. وكلٌّ قد برّأها الله مما رُمِيَتْ به. فانقطع الطاغية ولم يُحِرْ جوابا". إننا، بطبيعة الحال، لا نقول ما قاله كتبة الأناجيل ونسبوه إلى مريم والناس جميعا من حولها، كل ما هنالك أننا نبين للأغبياء أن بيوتهم هائرة تتراقص وتتخلع بحيث إن نفخة واحدة من الهواء تسقطها على الأرض، فإذا هى تراب منثور. فلينشغلوا بأنفسهم إذن بدلا من الكفر والتطاول على أشرف خلق الله وزوجته!
وفى "صحيح البخارى" روايةً عن عائشة رضى الله عنها:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أَقْرَع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجتُ معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أُحْمَل في هودج وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقَفَلَ ودَنَوْنا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنُوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرَّحْل فلمست صدري، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يَغْشَهُنّ اللحهم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم، حين رفعوه، ثقل الهودج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن. فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عِقْدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني. وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته فوطئ يدها فركبتُها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرِّسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا، والناس يُفِيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تِيكُمْ؟ لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت. فخرجت أنا وأم مِسْطَح قِبَل المناصع، مُتبَرَّزِنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف قريبا من بيوتنا، وأَمْرُنا أَمْرُ العرب الأول في البرية أو في التنزه. فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرتْ في مِرْطها فقالت: تَعِس مِسْطَح! فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبّين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: يا هَنَتَاه، ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم فقال : كيف تِيكُمْ؟ فقلت: ائذن لي إلى أبويّ. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قِبَلهما. فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت أبويّ، فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بُنَيّة، هوِّني على نفسك الشأن، فوالله لَقَلّما كانت امرأةٌ قَطّ وضيئةٌ عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرْن عليها. فقلت: سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا؟ قالت: فبتُّ الليلة حتى أصبحتُ لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة ابن زيد حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله: فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسَلِ الجارية تَصْدُقْك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إنْ رأيتُ منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الدواجن فتأكله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أُبَيّ بن سَلُول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا. وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه: إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمَرْتَنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة، فقال: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أُسَيْد بن الحضير فقال: كذبتَ لَعَمْرُ الله، والله لنقتلنّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان: الأوس والخزرج حتى همّوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت. وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. فأصبح عندي أبواي قد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي. فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يُوحَى إليه في شأني شيء. قالت: فتشهّد ثم قال: يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتِ ألممتِ بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قَلَص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدّقتم به. ولئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقنّ. والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : "فصبرٌ جميلٌ، والله المستعان على ما تصفون". ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله. فوالله ما رام مجلسَه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنْزِل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجُمَان من العرق في يومٍ شاتٍ. فلما سُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة، احمدي الله، فقد برّأك الله. فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى: "إن الذين جاؤوا بالإفك عُصْبَةٌ منكم... الآيات". فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مِسْطَح بن أثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة. فأنزل الله تعالى: "ولا يَأْتَلِ أولو الفضل منكم والسَّعَة... إلى قوله: ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم". فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري. والله ما علمت عليها إلا خيرا. قالت: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع".
وهنا كلمة لا بد من قولها، ألا وهى أنه لو كان محمد نبيا كذابا يخترع القرآن اختراعا ويزعم أنه يوحَى إليه من السماء وبرّأ عائشة كذبا كما يزعم الخنزير المستتر تحت اسم الكندى فلا بد أن يكون له من بين أتباعه من يعرفون حقيقته ويتفاهمون معه ويتعاونون على أساس من هذه المكاشفة، إذ لا يعقل أن يقوم وحده بهذه الكذبة الكبيرة دون أن يكون معه من يساعدونه أو دون أن يكتشف حقيقة أمره أحد من أولئك الأتباع الذين كانوا يُعَدّون فى آخر حياته بعشرات الألوف! ومن ثم لقد كان التصرف المنتظر من مثل هذا النبى الكذاب أن يكلف واحدا من هؤلاء أن يقتل ابن المعطل انتقاما مما لوث به شرفه. بيد أنه عليه السلام لم يفعل، فما معنى ذلك؟ كذلك لو كان ابن المعطل قد ارتكب ما اتهمه به المنافقون الأوساخ ثم برّأه القرآن، أفكان يظل على إسلامه وتصديقه بمحمد؟ أو كان يستمر بعد ذلك فى الغزو وتعريض نفسه للقتل فى سبيل ذلك الرجل الذى يعرف أنه كذاب، إذ برأه هو وعائشة مع أنهما قد ارتكبا الفاحشة التى برأهما منها؟ لكننا ننظر فنجد عجبا عجيبا، إذ قد ظل ابن المعطل يشترك فى الغزوات مجاهدا فى سبيل الله تصديقا بمحمد وحبا لدينه وتحمسا لنشره فى العالمين، وبقى كذلك حتى كتب الله له الشهادة فى فتح الجزيرة سنة سبع عشرة أو تسع عشرة كما جاء فى "تاريخ الرسل والملوك" للطبرى وفى "تاريخ الإسلام" للذهبى وغيرهما، أو إلى أن تُوُفِّىَ سنة ستين كما قرأت فى "كتاب معرفة الصحابة": "حدثنا أبو عبد الله الأصبهاني ثنا الحسن بن الجهم ثنا الحسين بن الفرج ثنا محمد بن عمر قال وكان صفوان بن المعطل يكنى أبا عمرو، وأسلم قبل غزوة المريسيع، وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها الخندق والمشاهد كلها، وكان مع كرز بن جابر الفهري في طلب العُرَنِيّين الذين أغاروا على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الجدر. ومات صفوان بن المعطل بشمشاط سنة ستين". وفى "الاستيعاب فى معرفة الأصحاب" لابن عبد البر: "يقال: إنه أسلم قبل المريسيع وشهد المريسيع. قال الواقدي: شهد صفوان بن المعطل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق والمشاهد كلها بعدها، وكان مع كرز بن جابر الفهري في طلب العُرَنِيّين الذين أغاروا على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر: كان يكون على ساقة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف بَعْدُ عن غزوةٍ غزاها. وقال سلمة عن ابن إسحاق: قُتِل صفوان بن المعطل في غزوة أرمينية شهيدًا، وأميرهم يومئذ عثمان بن أبي العاص سنة تسع عشرة في خلافة عمر. وقيل إنه مات بالجزيرة في ناحية شمشاط ودفن هناك، والله أعلم. ويقال إنه غزا الروم في خلافة معاويه فاندقت ساقه ولم يزل يطاعن حتى مات، وذلك سنة ثمان وخمسين، وهو ابن بضع وستين. وقيل: مات سنة تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية". فماذا يقول الخنزير الكندى والذين يفرحون بالكتاب المنسوب له فى الهجوم على رسول الله وتكذيبه؟ لن يقولوا شيئا لأن أمثالهم من الخنازير الأدناس لا يبحثون عن الحق، بل كل همهم هو تلويث الشرفاء الذين يفضحون خرافاتهم وأساطيرهم ووثنياتهم! أما عائشة أفكانت تظل على تصديقها بزوجها، الذى انكشف أمره حين برّأها، وهى تعرف أنها ليست بالبريئة؟ أفكانت تسارع إلى الإعلان عن تمسكها به عندما خيّرها هى وبقية زوجاته بالبقاء فى عصمته على خشونة العيش أو تسريحهن سراحا جميلا ليتمتعن بالدنيا وزينتها بعيدا عنه؟ ألم تكن تلك فرصة العمر لتتخلص عائشة من رجلها البغيض الذى لا يملأ عينيها وتقترن بآخر يشبع عواطفها؟ افكانت تظل على وفائها له وتقبل أن تبقى طول عمرها الذى امتد لعشرات السنين دون زواج كما يأمرها القرآن الذى كانت تعرف أنه قرآن مزوَّر فلا تهرب وتلحق بالروم أو فارس مثلا وتمارس حياتها الطبيعية هناك كما فعل جبلة بن الأيهم حين لم تعجبه مبادئ الإسلام فى المساواة فلحق بالروم فى عهد الفاروق؟ رُدَّ أيها الخنزير! أما والله إنك لست برجل، لا أنت ولا من يبتهجون بولوغك فى أعراض النبلاء الكرام فى كتابك النجس مثلك! أستغفر الله أنْ نزلتُ إلى هذا الدرك الأسفل كى أناقش مثل هذا الحلوف ذى الخطم الوسخ الذى لا يعرف إلا تشمم أكوام القمامة! هذا، ولن أذكر أن صفوان بن المعطل كان رجلا حصورا كيحيى بن زكريا عليه السلام، أى ليس له أرب فى النساء! ثم أكان رسول الله يُبْقِى لحظة على رأس الضلال والنفاق ابن سلول، الذى تولى كِبْر الإفك عليه لعنات الله، ولا ينتهز فرصة عَرْض ابنه المسلم المخلص عليه أن يقتل أباه ويخلّص المسلمين من شره؟ لكننا ننظر فنجده عليه السلام يرد هذا الاقتراح ويخبر الابن الكريم أنه سيحسن صحبة أبيه. ومرة أخرى لا يقف نبل رسول الله عند هذا الحد، إذ نعرف أنه عندما مات ذلك الوغد تقدم رسول الله ليصلى عليه (بعد أن أرسل له عباءته ليكفَّن فيها بناء على طلبه وهو يُحْتَضَر) لولا أن القرآن نزل حاسما ينهاه عليه الصلاة والسلام أن يصلى على مثل ذلك المجرم. أفلو كان الرسول نبيا كذابا وزوجا مغموزا فى عِرْضه، أكان يتصرف هذا التصرف العجيب فى نبله وتسامحه وشموخه تجاه من فضحه بين الناس وسبب له القلق الفظيع لمدة شهر حتى نزلت آيات سورة "النور" التى تبرئ عائشة، أو فلنقل: حتى فكر فى أن يذيع بين الناس الآيات التى زوّرها فى تبرئة عائشة؟ وأخيرا فإنه ما من أحد ممن سئلوا فى هذه الفتنة قال فى حق الصديقة بنت الصديق شيئا ينال منها، بل كلهم شهدوا لها بالخير والنقاء كما رأينا، وأقصى ما قاله على بن أبى طالب، كى يريح النبى من قلقه، أن النساء كثيرات، وأن من الممكن سؤال الجارية التى كانت تخدم عائشة، وهذا كل ما هنالك. ثم هل رأى أحد من الذين أثاروا الفتنة وطيروا الشائعات شيئا مما أفاضوا فيه؟ أهكذا تهون أعراض الناس، فضلا عن أن تكون الأعراض المنتهكة هى أعراض صفوة الكرام الطيبين؟ خِزْى الله عليكم أيها الكلاب!
12- وهنا يتكلم الكذاب المدلِّس عن تعدد زوجات النبى، وسوف نتريث من هذا الموضوع أمام نقطتين: الأولى زعمه أشياء يظن أنها تسىء إلى النبى عليه السلام لم تحدث أصلا، والثانية قوله إنه ما من نبى قبل محمد قد عدد زوجاته. فأما الأولى فمنها قوله إن أم سلمة، عندما عرض عليها الرسول الزواج، قد تحججت بأن أهلها لن يَرْضَوْا به زوجا. وهو افتراء رخيص يؤكد مع غيره من الافتراءات التى لا تنتهى من جانبهم عليه صلى الله عله وسلم أن القوم كَذَبَةٌ جامدو الوجه غليظو الجلد لا يستحون ولا يحسّون على دمهم. ذلك أن شيئا من هذا لم يحدث على الإطلاق. ثم مَنْ مِنَ المسلمين فى ذلك الوقت لم يكن يشعر بأن إصهاره إلى النبى عيه السلام هو الشرف كل الشرف؟ أويظن عاقل أنه كان هناك مسلم وقتذاك يمكن أن يرى نفسه أفضل من رسول الله؟ لقد أتى أبو سفيان ابنته أم حبيبة أم المؤمنين فى بيتها بالمدينة يحاول أن يخرج من المأزق الذى وجد نفسه فيه بعد كسر قريش لعهد الحديبية، فما كان منها إلا أن طوت عنه فراش رسول الله، ثم جبهته بالسبب الذى حداها أن تصنع هذا، إذ تظاهر بأنها قد تكون فعلت ذلك لأنها تَرْبَأ به أن يمسّه فراش الرسول، بيد أنها صكته فى وجهه قائلة إنها بالعكس تربأ بفراش رسول الله أن يمسه هو. وهذا مجرد مثال. وقد رأينا كيف أن أمهات المؤمين، حين عرض عليهن رسول الله أن يخترن الله ورسوله والدار الآخرة أو يخترن الدنيا والتوسعة فى النفقة ويسرّحهن سراحا جميلا، كان اختيارهن جميعا دون تلجلج أو إبطاء هو الله وسوله والدار الآخرة. الوحيدة التى أساءت فى ردها على رسول الله حين عرض عليها الزواج طبقا لإحدى الروايات هى أسماء بنت النعمان الجونية، التى ندمت وبقيت طول عمرها نادمة على هذا الموقف الأحمق الذى اتخذته، وكانت شؤما على قومها الذين آسفهم ذلك التصرف منها. ومع هذا فإن رسول الله لم يمسها بأى سوء ولا حقن فى قلبها بسبب ذلك الموقف منها شيئا، بل متّعها وسرّحها بإحسان وردّها إلى أهلها معززة مكرمة. ولو كان طالب دنيا أو قليل الشخصية لنكّل بها وبقومها وأنزل بهم من التعذيب ما يجعل منهم عبرة للناس جميعا. وهذه إحدى روايتى الحديث الخاص بزواجه بها، وهى عن أبى أُسَيْد، وتجرى هكذا: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بنت النعمان الجونية فأرسلني فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة: اخضبيها أنت، وأنا أمشطها، ففعلتا. ثم قالت لها إحداهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك. فقال بكمّه على وجهه فاستتر به، وقال: عُذْتِ بمعاذ، ثم خرج عليَّ فقال: يا أبا أسيد، ألحقها بأهلها ومتِّعْها برازقيين. فكانت تقول: ادعوني الشقية". أما الرواية التى قالت له فيها: "وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟" والتى لم يورد الكندى سواها فيُفْهَم منها بكل وضوح أنه عليه السلام كان قد تزوجها، فكيف يقول لها رغم ذلك كما جاء فى تلك الرواية: هبينى نفسك؟ أيطلب منها أن تهبه نفسها، وقد كانت زوجته فعلا؟ وكيف يقول لها: هبينى نفسك، وقد كان بمستطاعه تدبير مهر لها، إذ كانت المهور آنذاك، وبخاصة مهور النبى، قليلة لا تكلف صاحبها عنتا؟ ثم هل كان الرسول عليه السلام من السُّوقة؟ وهل كانت الجونية ملكة؟ فملكةً على من؟ الحق أنه لم يكن هناك ملكات عربيات آنذاك أصلا، فكيف تكون هى ملكة؟ بل هل كان أبوها ملكا؟ كلا، إذن فكيف تقول له إنها ملكة، ثم لا تقف عند هذه الدعوى، بل تضيف إليها أنه سوقة؟ بل كيف يمكن أن تخطئ فى حقه عليه السلام، وقد كان العرب، أو جزء كبير منهم، يطيعونه حاكما عليهم؟ وهل بلغ بها الجهل أو الحماقة أن تغفل عن هذا كله وتقول إنه سُوقَة، اللهم إلا إذا كانت جلافة البداوة قد استولت عليها استيلاء؟ لكن هل هذا ممكن، وبخاصة أن أحدا من العرب، رجلا كان أو امرأة، لم يقل فى حقه عليه السلام شيئا من ذلك؟ ولكن من هى فى نهاية المطاف حتى تشعر تجاه رسول الله بما لم يشعر به أبو بكر ولا أبو سفيان ولا عمر أو بناتهن؟ خلاصة الكلام أن فى النفس من هذه الرواية أشياء لا يسهل الرد عليها بحال، وبخاصة أنها تناقض الأولى التى تقول إن بعض أمهات المؤمنين قمن على تهيئتها للرسول، أما هنا فإنه عليه السلام يراها فى أحد البساتين بعيدا عن نسائه. أى أن الأمر لم يكن قد وصل إلى درجة تهيئتها له صلى الله عليه وسلم. كما أن صاحب "فتح البارى" يورد رواية لابن سعد بأنه عليه السلام "اتفق مع أبيها على مقدار صداقها وأن أباها قال له: إنها رَغِبَتْ فيك وخُطِبَتْ إليك". وقد وجدتُ فى "البداية والنهاية" لابن كثير أنه عليه الصلاة والسلام "فارق أخت بني الجون الكندية من أجل بياض (أى بهاق) كان بها". ‏وبالمناسبة فهناك اختلافات حول اسمها، وحول بعض التفاصيل الخاصة بقصتها، وقال ابن الأثير فى حوادث السنة الستين للهجرة فى كتابه: "الكامل": "وفيها توفيت الكلابية التي استعاذت من النبي صلى الله عليه وسلم، حين تزوجها ففارقها، وكانت قد أصابها جنون". وهذا كله لا يساعد على الاطمئنان إلى ما تشبث به الكندى الكلب فى شأنها من رواية هى مجرد رواية واحدة بين رواياتٍ أُخَر كما نرى.
أما الظروف التى أحاطت بزواجه من أم سَلَمة فإليكها أيها القارئ، ومنها يتبين أن الكندى كذابٌ أَشِرٌ. يقول ابن الجوزى فى "زاد الميعاد": "ثم تزوج أمَّ سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية، واسم أبي أمية حذيفة بن المغيرة، وهي آخر نسائه موتا. وقيل: آخرهن موتا صفية. واختُلِف فيمن وَلِيَ تزويجها منه: فقال ابن سعد في "الطبقات": وَلِيَ تزويجَها منه سلمةُ بن أبي سلمة دون غيره من أهل بيتها. ولما زوج النبيُّ صلى الله عليه وسلم سلمةَ بن أبي سلمة أمامةَ بنت حمزة، التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد، قال: هل جزيتُ سلمة؟ يقول ذلك لأن سلمة هو الذي تولى تزويجه دون غيره من أهلها. ذكر هذا في ترجمة سلمة، ثم ذكر في ترجمة أم سلمة عن الواقدي: حدثني مجمع بن يعقوب عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن أبي سلمة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم سلمة إلى ابنها عمر بن أبي سلمة فزوّجها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ غلام صغير. وقال الإمام أحمد في "المسند": حدثنا عفان حدثنا حماد بن أبي سلمة حدثنا ثابت قال: حدثني ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أم سلمة أنها لما انقضت عِدّتها من أبي سلمة بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: مرحبا برسول الله صلى الله عليه وسلم. إني امرأةٌ غَيْرَى، وإني مُصْبِيَة، وليس أحد من أوليائي حاضرا... الحديث. وفيه: فقالت لابنها عمر: قم فزوِّجْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فزوَّجه. وفي هذا نظر، فإن عمر هذا كان سنّه لما تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين. ذكره ابن سعد، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة أربع، فيكون له من العمر حينئذ ثلاث سنين، ومثل هذا لا يزوِّج. قال ذلك ابن سعد وغيره. ولما قيل ذلك للإمام أحمد: قال من يقول إن عمر كان صغيرا؟ قال أبو الفرج بن الجوزي: ولعل أحمد قال هذا قبل أن يقف على مقدار سنه. وقد ذكر مقدارَ سنّه جماعةٌ من المؤرخين: ابن سعد وغيره. وقد قيل: إن الذي زوجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنُ عمها عمر بن الخطاب. والحديث: قم يا عمر فزوِّجْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونَسَبُ عمر ونَسَبُ أم سلمة يلتقيان في كعب، فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، فوافق اسمُ ابنِها عمر اسْمَه، فقالت: قم يا عمر فزوِّج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فظن بعض الرواة أنه ابنها فرواه بالمعنى وقال: "فقالت لابنها"، وذهل عن تعذر ذلك عليه لصغر سنه. ونظيرُ هذا وَهْمُ بعض الفقهاء في هذا الحديث وروايتهم له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا غلام فزوج أمك. قال أبو الفرج ابن الجوزي: وما عرفنا هذا في هذا الحديث. قال: وإن ثبت فيحتمل أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير، إذ كان له من العمر يومئذ ثلاث سنين، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها في سنة أربع، ومات ولعمر تسع سنين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتقر نكاحه إلى وَلِيّ". وفى "الإصابة" لابن حجر: "عن أم سلمة قالت: لما انقضت عِدّة أم سلمة خطبها أبو بكر فلم تتزوجه فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطبها عليه، فقالت: أَخْبِرْ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم أني امرأة غَيْرَى وأني امرأة مُصْبِية، وليس أحد من أوليائي شاهد. فقال: قل لها: أما قولك: "غَيْرَى" فسأدعو الله فتذهب غيرتك، وأما قولك: "إني امرأة مُصْبِيَة" فستُكْفَيْنَ صبيانك، وأما قولك: "ليس أحد من أوليائي شاهد" فليس أحد من أوليائك، شاهد أو غائب، يكره ذلك. فقالت لابنها عمر: قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فزوَّجَه". وفى "نصب الراية" للزيلعى: "قالت أم سلمة: لما انقضت عِدّتي من أبي سلمة أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمني بينه وبيني حجاب فخطب إليّ نفسي، فقلت: يا رسول الله، إني امرأة أدبر مني سني، وإني أم أيتام، وإني امرأة شديدة الغيرة. فقال عليه السلام: أمّا ما ذَكَرْتِ من غيرتك فسيدفعها الله، وأما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله. قالت: فأذنتُ له في نفسي فتزوجني". هذا ما جاء فى زواجه صلى الله عليه وسلم بأم سلمة، فأين تعللها بأن أهلها لا يوافقون على أن يكون عليه السلام لها زوجا؟ وكيف تقول له صلى الله عليه وسلم ذلك، وهى التى كانت تتوق أن تكون من أهل البيت كما روت بنفسها؟ ففى "شرح السنة" للبغوى مثلا: "عن أم سلمة قالت: في بيتي أُنْزِلَتْ "إنما يريد الله ليُذْهِب عنكم الرِّجْسَ أَهْلَ البيت". قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة وعليّ والحسن والحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي. قالت: فقلت: يا رسول الله، أمَا أنا من أهل البيت؟ قال: بلى إن شاء الله". وفى "صحيح الترمذى" عن عمر بن أبي سلمة: "لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما يريد الله ليُذْهِب عنكم الرِّجْسَ أهلَ البيت ويطهِّركم تطهيرا" في بيت أم سلمة فدعا فاطمة وحسنا وحسينا فجلّلهم بكساء، وعليٌّ خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال: اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأَذْهِبْ عنهم الرجس وطهِّرْهم تطهيرا. قالت أم سلمة :وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنتِ على مكانك، وأنتِ على خير".
وبالنسبة لزينب بنت جحش فقد زعم الكندى الكلب أن رسول الله "بعث إليها نصيبها من اللحم ثلاث مرات، فردَّته في وجهه فهجرها وهجر نساءه بسببها". ولا ندرى من أين له بهذا الكلام، فإنه لم يحدث بتاتًا، والملعون إنما يجرى على سنة قومه فى التزوير والتزييف. كما ذكر أن هذه الحادثة كانت سببا فى أن رسول الله قد حلف ألا يدخل على زوجاته شهرًا، "فلم يصبر فدخل لتسعة وعشرين يومًا"، متعمدا هذا الكلب تجاهل أن الشهر كان فعلا تسعة وعشرين يوما، فالشهور القمرية تتراوح بين تسعة وعشرين وثلاثين يوما كما هو معروف، لكن الكلب الكذاب يتجاهل ذلك لغرض فى نفسه خبيث. وعلى أية حال فلا داعى أيها الكذاب أن تكون حنبليا إلى هذا الحد، فذمتك تبلع الجمل، فلماذا تتظاهر كذبا بالغيرة على اسم الله وتتهم رسول الله بالحنث فى قسمه؟ وهَبْه حنث فى قسمه، إن له فى الكفّارة لمخرجا. وها هى ذى بعض الأحاديث التى تلقى الضوء على زينب رضى الله عنها ومدى تعلقها برسول الله واستمساكها بالدين الذى جاء به والقِيَم التى دعا إليها، أما ما يتقايؤه هذا الخنزير فمكانه مواسير المجارى. جاء فى "تخريج الكشاف" للزيلعى "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخِيَرة..."، فقالا: رضينا برسول الله. فأنكحها إياه وساق إليها مهرها ستين درهما وحمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مُدًّا من طعام وثلاثين صاعا من تمر". وفى "صحيح البخارى" عن أنس رضى الله عنه: "نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذ خبزا ولحما، وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تقول: إن الله أنكحني في السماء". وفى "صحيح الترمذى": "نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش: "فلما قضى زيد منها وطَرًا زوَّجناكها". قال: فكانت تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوّجكن أهلوكن، وزوّجني الله من فوق سبع سماوات". وفى"البحر الزَّخّار" للبزار "أن عُمَر كبَّر على زينب بنت جحش أربعًا، ثم أرسل إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يُدْخِل هذه قبرها؟ فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها. ثم قال عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أسرعكن بي لحوقا أطولكن يدا. فكن يتطاولن بأيديهن، وإنما كان ذلك لأنها كانت صَنَاعًا تعين بما تصنع في سبيل الله". وفى "فتح البارى": "عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا. قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى تُوُفِّيَتْ زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة. وكانت زينب امرأة صناعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله". وفى "الترغيب والترهيب" للمنذرى عن أبى هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه عام حِجّة الوداع: هذه (أى هذه الحِجّة) ثم ظهور الحُصُر. قال: وكن كلهن يحججن إلا زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة رضي الله عنهن، وكانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد إذ سمعنا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم". وفى "صحيح الترمذى": "وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا (تقصد أنها لم تقل أثناء فتنة الإفك إلا خيرا، ولم تسمح لمنافسة الضرائر أن تتغلب على دينها وصدقها)".
ولكى يعرف القراء مدى عراقة الكندى الخنزير فى الكذب والبهتان وأنه لم يكن هناك لحم ولا دجاج فى هجر الرسول لأمهات المؤمنين، ولا خصوصية لزينب فى الأمر كما زعم الأفّاك الأفّاق، أسوق لهم ما رواه البخارى فى تلك الواقعة، فعن ابن عباس قال: "لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، اللتين قال الله تعالى : "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" حتى حجَّ وحججتُ معه، وعدل وعدلت معه بإداوة فتبرز ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما؟ قال: واعجبا لك يا ابن عباس! هما عائشة وحفصة. ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وأنزل أنا، فإذا نزلتُ جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من وحيٍ أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخِبْتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرتُ أن تراجعني. قالت: ولـِمَ تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. فأفزعني ذلك وقلت لها: قد خاب من فعل ذلك منهن. ثم جمعتُ عليَّ ثيابي، فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها: أيْ حفصة، أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم. فقلت: قد خِبْتِ وخَسِرْتِ! أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكي؟ لا تستكثري النبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك، ولا يَغُرّنّكِ أنْ كانت جارتك أوضأ منك وأَحَبَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يريد عائشة. قال عمر: كنا قد تحدثنا أن غَسّان تنعل الخيل لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فرجع إلينا عِشَاءً فضرب بابي ضربا شديدا، وقال :أثَمَّ هو؟ ففزعتُ فخرجتُ إليه، فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم. قلت: ما هو؟ أجاء غَسّان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأَهْوَل. طلّق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه. فقلت: خابت حفصة وخسرت. قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون. فجمعتُ عليَّ ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مشربة له واعتزل فيها، ودخلتُ على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟ أطلَّقكن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري. هاهو ذا معتزل في المشربة. فخرجت فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط بيكي بعضهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر. فدخل الغلام فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال: كلمت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرتُك له فصَمَتَ. فانصرفتُ حتى جلستُ مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت فقلت للغلام: استأذن لعمر. فدخل ثم رجع فقال: قد ذكرتك له فصَمَتَ. فرجعتُ فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم رجع إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت. فلما ولّيْتُ منصرفا إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم. فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثّر الرمال بجنبه، متكئا على وسادة من أدمٍ حَشْوها ليف. فسلمتُ عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله، أطَلّقْتَ نساءك؟ فرفع إليّ بصره فقال: لا. فقلت: الله أكبر! ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله، لو رأيتَني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قلت : يا رسول الله، لو رأيتَني ودخلتُ على حفصة فقلتُ لها: ولا يَغُرَّنّكِ أنْ كانت جارتك أوضأ منك وأَحَبّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يريد عائشة. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسُّمةً أخرى، فجلست حين رأيتة تبسَّم، فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت في بيته شيئا يردّ البصر غير أُهُبٍ ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، ادع الله فلْيوسِّع على أمتك، فإن فارس والروم قد وُسِّع عليهم وأُعْطُوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وكان متكئا فقال: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قوم عجّلوا طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: يا رسول الله، استغفر لي. فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: ما أنا بداخلٍ عليهن شهرا، من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله. فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: يا رسول الله، إنك قد أقسمت ألا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أَعُدّها عَدًّا. فقال: الشهر تسع وعشرون. فكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة. قالت عائشة: ثم أنزل الله تعالى آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترتُه، ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة".
ومما يتعلق بتعدد زوجات النبى صلى الله عليه وسلم قول الخنزير يتساءل على سبيل الإنكار والاستنكار: "إذا كان صعبًا على الرجل أن يخدم امرأة واحدة ويرضيها ولا يُسخِط خالقه، فكيف يكون حال من يريد أن يصرف عنايته إلى رضى خمس عشرة امرأة وأَمَتين، مع ما أنت عارف من شغله من تدبير الحروب وتوجيه الطلائع لشنّ الغارات؟ فمتى يتفرغ للصوم والصلاة والعبادة وجمع الفكر وصرفه إلى أمور الآخرة، وما شاكل ذلك من أعمال الأنبياء؟". ثم يضيف قائلا: "ولست أشك في أنه لا نبي قبله ابتدع مثل هذا!". وهذا وذاك كذب مفضوح وسخف ورقاعة، لماذا؟ أولا لأن تساؤله لا معنى له إلا أن النبى لم يكن عنده وقت للصلاة والصيام والجهاد وما إلى ذلك، مع أن حياته كلها ذكر لربه وصلاة ومناجاة وصيام وجهاد واشتغال بأمور المسلمين. وله فى هذا الباب عجائب مدهشة، إلا أن الرقيع الكندى يريد أن يتجاهل حقائق التاريخ التى لا تقبل المماراة. ثم من قال إن المرأة عدوة بطبيعتها لله وللدين بحيث إنه لا يمكن المتزوج أن يرضى ربه؟ ومن قال إن الرجال لا يستطيعون إلا أن يخضعوا لنسائهم ولا يمكنهم أن يستقلوا بشخصياتهم؟ أهذه نظرة رجل طبيعى للمرأة؟ إن المرأة لكالرجل فى أنها يمكن أن تكون مؤمنة متدينة أو لا. كذلك فمن الممكن أن تكون مطيعة لزوجها بارة به أو عاصية له ناشزة عليه. أما فى النقطة الثانية فليس له عندنا إلا أن نقول: يا كذاب يا قرارى، لقد كان لكل من إبراهيم ويعقوب وداود مثلا أكثر من زوجة، وسليمان كانت له عشرات النساء. وأنت بكل تأكيد تعلم ذلك كما تعرف نفسَك الخبيثة النجسة، فكيف تزعم أنك لا تظن أن ثمة نبيا قبله كان يصنع هذا؟ ألا إنك لكذابٌ وقح! ثم لقد كان محمد، كما قلنا، صوّاما قوّاما رحيما كريما وصّالا للرحم لا ينسى أبدا من كانت له به علاقة ذات يوم، مثل مرضعته ثويبة وابنها ومرضعته حليمة السعدية وابنتها وصواحب خديجة، كما كان دائم الجهاد والنَّصَب فى سبيل الله. وفوق ذلك كان يقوم بواجباتٍ ألزم بها نفسه لا تُصَدَّق لنبلها السامق الشاهق. ومن هذه الواجبات أنه، وهو الحاكم الأعلى والرسول الأعظم، كان ينزل القبر ليدفن بيده الكريمة الفقراء من موتى المسلمين. لقد كان صلى الله عليه وسلم المثال الأعلى لأصحابه والمسلمين من بعدهم فى ميدان الخُلُق والسلوك والتقوى والمشاعر الكريمة المرهفة. وهنا يتحجج الخنزير الكندى بالرهبانية الكاذبة التى كان من أثرها أن انتشر الزنا والفجور بين الرهبان والراهبات، وكذلك لواط القساوسة بالغلمان فى الأديرة والكنائس حسبما نسمع ونقرأ عن تلك الفضائح التى انفجرت فى السنين الأخيرة فى أوربا وغير أوربا. ثم متى كان الزواج مذمة إلا إذا كان الشخص شاذا؟ وإلا فلم خلق الله النساء؟ ألكى نضعهن فى أصص الورد ونشمهن؟ فالزواج هو هذا الشم لهن والاستمتاع بهن. فدعك من رهبانيتك الكاذبة الخاطئة التى دفعت بابوات روما إلى الخنا حتى بأخواتهن، لعنة الله على كل عُتُلٍّ زنيم!
13- ويعود خنزيرنا مرة أخرى لإثارة موضوع العلامات التى على أساسها تتميز النبوة الصادقة من النبوة الزائفة، حاصرًا تلك المهمة العظيمة فى الإنباء بالغيب، وبذلك يقلب المائدة على سطحها ويرفع أرجلها إلى الأعلى متصورا بحماقته وجهله وحقده وضيق عطنه أنه يعدل المائل. ولقد سبق أن بينا أن النبى، أىَّ نبى، ليس ضارب ودع أو قارئ فنجان، بل هو مُرَبٍّ ومصلحٌ وقائدٌ وهادٍ، وهذا ما نفهمه من سيرة نبينا والتاريخ الجليل الخطير الذى تركه خلفه، أما إذا كان هناك نبوة من نوع آخر، نوع لا فرق بينه ولا بين الكهانة والعرافة وفتح المندل و"نبيّن زين" فهذا أمر لا صلة له بما نحن فيه، وليبحث ذلك الخنزير عن ناس آخرين يحدثهم بحديثه ذاك المتخلف مثله! ومع هذا فإن نبينا الكريم، وإنْ تكرر فى القرآن تأكيده بأنه لا يعلم الغيب، قد أخبر أصحابه وأمته فى القرآن والحديث كليهما بكثير من الغيوب التى وقعت كما قال، لكنها غيوب تاريخية ذات شأن خطير فى مسيرة الأمم والحضارات، وليست مسائل تافهة كضياع حمار أو سرقة بقرة. ألم يقل إن الروم سوف ينتصرون على الفرس فى بضع سنين؟ ألم يقل إن المسلمين سيفتحون القسطنطينية؟ ألم يقل إن دينه سوف ينتصر على الأديان كلها وإنه سيُزْوَى له ما بين المشرق والمغرب وإن راعى الغنم فى بلاد العرب سوف يسير بها فى البادية لا يخشى عليها إلا الله والذئب، وإن المسلمين سوف يدخلون المسجد الحرام رغم كل ما كان بينهم وبين قريش حامية حمى الوثنية ومانعتهم من الحج والعمرة؟ ألم يقل حين رأى فى إحدى غزواته شبح إنسان من بعيد: كن أبا ذر...إلخ فكان ذلك الشخص هو أبا ذر فعلا؟ ألم يقل إنه سيأتى على أمته يوم يكونون فيه غُثَاءً كغثاء السيل وإن الأمم سوف تتداعى عليهم كأنهم قصعة طعام؟ ولقد قال ذلك، والإسلام فى عنفوان مده وقوته مما لم يكن يخطر معه على بال أحد أنه بعد أن يصبح أتباعه سادة أقوياء يسيطرون على العالم سوف يحورون ضعفاء يسربلهم الخزى والهوان كما هو حادث منذ بضعة قرون؟ ألم يذكر ما فى عسل النحل من شفاء وعلاج؟ ألم يتكلم عن تاريخ الكعبة والبيت الحرام بما لم يأت فى الكتب الأخرى كتابية أو غير كتابية؟ ألم يحك كيف أن إبراهيم وإسماعيل قد جددا الكعبة ورفعا قواعدها بما لم يأت فى العهد القديم؟ ألم يقل إنه ابن الذبيحين بما يدل على أن إسماعيل وليس إسحاق هو الذبيح، وهو ما يناقض كذب مؤلفى العهد القديم الذين لم يستطيعوا مع ذلك أن يصنفروا كذبهم فقالوا إن إسحاق هو ابنه وحيده، مع أن إسحاق لم يكن وحيد أبيه يوما بل إسماعيل؟ ومع ذلك لم تكن هذه هى المهمة التى اصطفى الله محمدا من بين البشر جميعا للنهوض بعبئها. نعم لقد فعل محمد هذا، لكنه زاد فنقّى ما فى الكتاب المقدس من خرافات وأساطير ووثنيات وتناقضات يعرفها كل من قارن بين القرآن وبين ذلك الكتاب. ثم زاد محمد مرة أخرى فأصبحت النبوة على يديه، بفضل الله، إصلاحا اجتماعيا وفكريا واقتصاديا وعسكريا وأخلاقيا وعقيديا. ثم زاد مرة ثالثة فطبق مبادئه ونجح فى هذا التطبيق وانتشر دينه فى الآفاق فى حياته ولم يتطرق الفساد إلى الكتاب الذى أتى به لدغدغة مشاعر الجمهور وتملق ميوله ونزواته كما حدث للكتب الأخرى. أولو كان محمد نبيا كاذبا، أكان دينه ينتشر هذا الانتشار الرهيب فى كل أرجاء العالم حتى ليدخل فيه الآن، وأتباعه فى عز ضعفهم وهوانهم، كل هذه الأعداد الرهيبة من مختلف المهن والميول والأمم، وبخاصة من بين رجال الدين الكتابيين وغير الكتابيين والعلماء والفنانين والسياسيين؟ وانظر إلى دين موسى كيف وقف نموه فلم يتزحزح إلا بطلوع الروح حتى إنه لا يزيد فى العالم كله عن بضعة عشر مليونا رغم مرور كل هاتيك القرون، أما دين عيسى فلم ينتشر إلا بعد أن حوره وشوهه بولس حتى يتلاءم مع رغبات الجمهور الوثنى الذى لا يريد الالتزام بالشريعة الموسوية، فأصبح دينا سائبا لا قوام له، مع بعض التشنجات التى لا تؤكّل عيشا ولا يلتزم بها أحد، اللهم إلا فى الثرثرة ليس إلا. وللحق ما كنا نريد أن نتطرق إلى هذا الكلام لولا أن صاحبنا الأحمق قد تعدى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلم يدع لنا فرصة للاختيار إلا أن نرد بما نؤمن به، ولم نكن نريد أن نتحدث فيه لمعرفتنا أن كل صاحب دين لا يحب أن يتناوله أحد بانتقاد.
14- والمضحك أن الخنزير الكندى يسوق البَلَه على الشيطنة فيقول إن المسيح أكبر من أن يكون نبيا، لأنه هو باعث الأنبياء. طبعا، والدليل على هذا التنطع هو أنه ما من نبى قبله إلا وصرح بأجلى بيان بأنه مرسل من لدن عيسى بن مريم، مما يعج به أسفار العهد القديم وكل كتب الأديان الأخرى. ولا أظن القارئ إلا متنبها إلى أننى إنما أسخر هنا من هذا العلج الأحمق الذى يحسب أن الناس جميعا قد سُلِبوا عقولهم وأَضْحَوْا يستعملون بدلا منها أقدامهم وأحذيتهم. ألم يقرأ ما قاله السيد المسيح عن الله إنه إلهه، وإنه لا يمكن أن يسجد إلا له؟ هل الله يسجد لنفسه؟ فلماذا لم يقل إنه لن يسجد لأحد غير ذاته بدلا من هذه اللخبطة التى لا يمكن أن يقدم عليها سوى شخص مخمور أو معتوه؟ حاشا لله، وأستغفر الله!
15- ويستمر الخنزير فى المداورة الضالة فيتساءل: "هل أجرى محمد معجزات باهرات؟"، ثم يجيب قائلا إننا "نسمعه يقول: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالإيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَلُونَ (سورة الإسراء 17:59). أي لولا أن يكذبوا بآياتك كما كذبوا بالآيات التي جاءهم بها الأولون من قبلك، لأعطيناك الآيات! وأنت تعلم أن هذا جواب مرفوض، لا يقنع أحدًا"! ولا أدرى كيف يكون مثل هذا الجواب مرفوضا، وهذا هو الكتاب المقدس يتحدث عن معجزات لموسى وعيسى أمام الجماهير، فماذا كانت النتيجة؟ ألم يشغب بنو إسرائيل على موسى عليه السلام ويتمردوا على ما جاءهم به ويرتكسوا فى أوحال الوثنية كلما تاحت الفرصة؟ ألم يختف، عندما جدّ الجِدّ وقبض الرومان على السيد المسيح لصلبه كما يزعم مؤلفو الأناجيل، كل أولئك الذين شفاهم المسيح والذين شاهدوه يشفيهم، وكذلك الذين أشبعهم من الطعام فى العراء مع أنه لم يكن فى يده إلا خمس سمكات ليس إلا، وكأنهم فص ملح وذاب؟ هل نفعت تلك المعجزات قضية الإيمان؟ كلا ثم كلا، وهذا ما قاله القرآن، فما وجه الخطإ إذن؟ وبالمناسبة فقد قال ذلك للمشركين الذين كانوا يقترحون المعجزات على سبيل التحدى لا لكى يؤمنوا به، وإلا فقد صنع الرسول عددا من المعجزات للمسلمين دون أن يطلبوها منه أو يتعنتوا بها عليه ذكرتْها كتب السيرة والأحاديث. وهذا أيضا ما قاله السيد المسيح عليه الصلاة والسلام حين تحداه بنو إسرائيل بأن يعمل لهم آية، إذ قال لهم بنفس النبرة: "جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تُعْطَى له آية إلا آية يونان النبى" (متى/ 12/ 39، 46، و16/ 4، ولوقا/ 11/ 29)! أما بالنسبة لمحمد فانظر كيف آمن به عليه السلام كل تلك الملايين المُمَلْيَنَة من النصارى واليهود بدءا من عصره حتى الآن، ومن مختلف قطاعات الشعوب، ومنهم الأحبار والقساوسة والملوك والرؤساء والعلماء وكبار رجال القوم حتى من أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا فى العصر الحديث، وهو ما لم يحدث فى الجهة المعاكسة مثله! فهذا ما يقوله العقل والمنطق والفهم السليم المستقيم لا الذى يهرف به كل سخيف أقرع العقل والقلب والضمير! ثم ماذا تعنى المعجزة لمن لم يشاهدها، وهم الناس جميعا ما عدا القلة القليلة التى كانت حاضرة ساعة وقوعها؟ الحق أنها لا تعنى شيئا، إذ من السهل القول بأن الأمر لم يتم كما قال الرواة، وأن شيئا غير عادى لم يقع، وأن المسألة لا تعدو أن تكون تخرصات كذابين. كذلك فإن رسالة سيدنا محمد كانت تدشينا لعصر جديد من عصور الحضارة البشرية، ألا وهو عصر العلم والتثبت العقلى دون الاعتماد فى الأساس على المعجزات، وهو العصر الذى نعيش فيه الآن وسوف تظل البشرية تعيش فيه بمشيئة الله، وهذا ما يميز رسالة النبى محمد عليه الصلاة والسلام، إذ يمتلئ القرآن من أوله إلى آخره بالحث على استخدام العقل واطراح التعصب والابتعاد عن صوت العواطف المضللة وإقامة الإيمان على التفكير المجرد المستقيم والتأمل فى سنن الله وعجائبه التى تبدو لأصحاب العقول الصغيرة أمورا معتادة لا تستحق عناء الوقوف إزاءها ولا التبصر فى دلالتها على القدرة الإلهية المعجزة. وفى هذا يقول الدكتور نظمى لوقا فى الصفحة التاسعة والستين بعد المائة من الطبعة الأولى من كتابه: "محمد- الرسالة والرسول"، وكأنه يرد على الكندى الرقيع: "لا دعوى ولا ادعاء، ولا مظاهرة من الخوارق والبوارق، وإنما الهداية إلى ما تطمئن به النفس ويستريح إليه العقل"، وصدق ابن لوقا!
14- ولا يشاء المنكوس الفطرة إلا أن يضيف كذبة أخرى إلى أكاذيبه التى لا تنتهى والتى يتنفسها من فمه الأبخر المنتن، فهو يدعى أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول للمسلمين في حياته ويوصيهم إذا مات ألاّ يدفنوه لأنه سيُرْفَع إلى السماء كما ارتفع المسيح، إذ هو أكرم على الله أن يتركه على الأرض أكثر من ثلاثة أيام! لكن متى قال الرسول الكريم ذلك، وهو الذى كان حريصا دائما على التشديد على بشريته وأنه ميت مثلما الناس جميعا ميتون وأن الشمس التى كسفت يوم موت ابنه إبراهيم لم تكسف مشاركة له فى الحزن على الغلام الميت، بل جريا على نواميس الله الأزلية؟ وها هو ذا القرآن، وها هى تلك الأحاديث بين أيدينا، فليدلنا الكذاب على أى نص فيهما يقول هذا الذى يزعم! إن ذلك الوغد يكذب بكل برود ووقاحة جريا على سنة قومه فى الكذب والتزييف! وفى موت الصحابى الذى أكل من الشاة المسمومة فى خيبر يتساءل الكندى: "لماذا لم يَدْعُ محمد ربه فيجيبه كعهدنا بالأنبياء المشفعين في إحياء الموتى؟ فإن إيليا النبي قد أحيا ابن الأرملة بصرفة (1ملوك 17)، وهكذا أليشع تلميذ إيليا أقام ابن الشونمية من الموت (2ملوك 4)". ونجيبه بأن عيسى إذن ليس أفضل من هذين النبيين، ومن ثم لا معنى للقول بأنه إله لأنه أحيا الموتى، وإلا فهما أيضا إلهان مثله. وثانيا لماذا لم يصنع عيسى ذلك أيضا عندما مات يحيى بن زكريا؟ كذلك فمن بين النصارى الملاحدة من يتهمون عيسى بأنه قد دبر مع من يقال إنه أعادهم إلى الحياة أن يتماوتوا فيتظاهر هو بأنه يحيى الموتى. أى أن معجزاته عليه السلام لم تحسم الأمر. وأخيرا ما الحكمة الخطيرة التى تعود بالنفع على البشرية فى أن نحيى ميتا دون سائر الموتى؟ وهل أدت تلك المعجزة إلى أية نتيجة كما قلنا؟ والإجابة هى: كلا، فها هو ذا المسيح عندما صُلِب حسب اعتقاد القوم قد انفض عنه، أوّلَ ما انفضّ، تلاميذه والموتى الذين أحياهم والبُرْص والعُمْى والممسوسون الذين شفاهم، لم ينفعه من ذلك شىء. ثم لماذا لم يحي نفسه؟ بل لماذا لم يُعْمِ عيون أعدائه عنه كما أعمى الله عيون أعداء نبيه محمد عند الهجرة وعند قيامهم عند فوّهة غار ثور؟
15- ونأتى الآن إلى كلام الخنزير عن الجانب التشريعى الذى يتخذه تعلةً لتكذيب النبى محمد عليه الصلاة والسلام، إذ يقول لخصمه المسلم الموهوم: "دعني أناقشك في ما جاء به صاحبك من الشرائع والأحكام، فنقول إن الشرائع والأحكام لن تخرج عن ثلاثة أوجه: وذلك إما أن يكون الحكم حكمًا إلهيًّا، وهو حكم التفضُّل الذي هو فوق العقل والطبيعة ويليق بالله جل اسمه لا بغيره، ولا يشبهه سواه. وإما أن يكون حكمًا طبيعيًّا قائمًا في العقل مولودًا في الفكر يقبله التمييز ولا ينكره، وهو حكم العدل. وإما أن يكون حكمًا شيطانيًّا، أعني حكم الجور، وهو ضد الحكم الإلهي وخلاف الحكم الطبيعي. فأما الحكم الإلهي الذي هو فوق الطبيعة فهو التفضُّل الذي جاء به المسيح مخلص العالم سيد البشر الذي شهد له صاحبك إذ يقول: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (سورة المائدة/ 46). وذلك أن المسيح قال في إنجيله الطاهر: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الإشْرَارِ والصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الإبْرَارِ والظَّالِمِينَ (متى 5:44 ، 45). فهذا هو الحكم الإلهي، وشرائعه فوق الطبيعة وأعلى من العقل الإنساني، وهو حكم التفضّل والرحمة والعفو والتشبُّه بفعل الله الرؤوف الرحيم. والنحو الثاني هو الحكم الطبيعي والشريعة القائمة في العقل الجاري مع الغريزة، وهو ما جاء به موسى النبي بقوله في حكمه ما معناه العين بالعين، والسن بالسن، والنفس بالنفس، والضربة بالضربة، والجراح قصاص. فهذا حكم الطبيعة الداخل في قانون العقل، وهو حكم العدل والنصفة: أن تأتي الناس بمثل ما أَتَوْا به إليك، وتفعل بهم كما فعلوا بك: إنْ خيرًا وإنْ شرًّا. وليس ذلك مضاهيًا للحكم الإلهي. والنحو الثالث هو الحكم الشيطاني الذي هو الجور والشر بعينه. فأي هذه الأحكام الثلاثة وأي شريعة جاء بها صاحبك؟ فإن قلت إنه جاء بالأحكام الإلهية قلنا لك قد سبقه المسيح إليها بستمائة سنة. وإن قلت إنه جاء بالأحكام الطبيعية وشرائع العقل وسنن العدل قلنا قد سبقه إلى ذلك موسى النبي. فهذان حكمان قد عرفنا أصحابهما وأقررنا بهما. بقي الحكم الثالث الذي هو حكم الشيطان وشريعة الجور. فهل تقول إنه جاء بالحكمين معًا (يعني حكم المسيح وحكم موسى) وشرحهما في كتابه قائلاً: النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن... إلخ كما قال موسى ثم أَتْبعه بقول المسيح: وإن غفرتم فإنه أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (سورة المائدة/ 8)؟ فأنت تعلم أن هذا كلام متناقض، كقول القائل: "قائم قاعد"، و"أعمى بصير"، و"صحيح سقيم" في حال واحدة. وإن أقررت كل واحد من هذين الحكمين وادَّعيته فلا يدعك أصحابهما لأنهم ورثوه فصار في أيديهم حقًّا مسلَّمًا لهم، ويقولون لك إنك متعدٍّ ظالم تروم أخذ إرثنا من أيدينا، مع إقرارك أنت أنه لنا. فإن حاولت أخْذه فأنت غاصبٌ لا حقَّ لك، بل آتِنا أنت بما في يدك وعندك مما ليس في أيدينا ولا عندنا لنعلم أنك صادق في ادّعائك. ولا أظنك ترضى لصاحبك أن يكون تابعًا للمسيح وموسى، وأنت تزعم فيه وتدَّعي من الحظوة والقدر والمنزلة عند رب العالمين، وتجترئ على الله وتقول: لولا صاحبك ما خُلِق آدم ولا كانت الدنيا"!
هذا ما قاله الخنزير السفيه: فأما عن النوع الأول من التشريع فتعليقنا عليه هو: أين كان ذلك الحكم طوال عمر البشرية قبل إتيان عيسى؟ أكان الله ناسيه ثم تذكره؟ أم كان الله لا يبالى بالبشر وشرائعهم إلى أن جاء عيسى؟ أم ماذا؟ ثم كيف يمكن تطبيق ذلك الكلام الذى لا يزيد عن أن يكون "طَقّ حَنَك"؟ إنه غير قابل للتنفيذ، ولم يطبَّق يوما قَطّ. ومن أقرب الأدلة على ذلك هذا الهجوم السفيه على الرسول. فلنفترض أنه عدو للنصارى، فكيف يشتمونه ويتطاولون عليه؟ ولماذا لا يحبونه ويباركونه ويُولُونه الخد الأيسر كما تقضى شريعتهم؟ الحق أننا لم نسمع يوما بأن نصرانيا قد صنع ما تأمره به هذه الأحكام، فما داعيها إذن؟ إنها، لو نُفِّذت، لكفيلة بتدمير المجتمعات البشرية والإملاء للمجرمين فى إجرامهم وغَيّهم. إنها تشجيع لهم كى يبغوا فى الأرض بغير الحق ويذلوا الأخيار ويقتلوهم ويسرقوهم وينكّلوا بهم ويعتدوا على أعراضهم ويغتصبوا حقوقهم. وأما تعليقنا على النوع الثانى من التشريع حسب تصنيفه فهو أنه لا معنى له إلا أن موسى قد أتى بالحكم المذكور من عند نفسه وأن شريعة الله لا تدخل العقل وليس فيها حكمة ولا يمكن تطبيقها، وهو كلام فى منتهى الخطورة والكذب. ومعنى هذا أيضا أن الله ترك موسى يشرّع من عند نفسه تشريعات لم يُرِدْها ولا يرضاها ثم تركه ينادى بها ويدعو إلى تنفيذها ويطبقها أتباعه قرونا قبل أن يأتى بتشريعاته هو التى لا يمكن تطبيقها ولا تؤدى إلا إلى الضرر. ثم إن عيسى نفسه لم يستطع تطبيقها، فقد كان يلعن ليل نهار بنى إسرائيل، بل كان يشتم حوارييه ويتهمهم فى إيمانهم. كما أن التلاميذ والمرضى والموتى الذين شفاهم قد انصرفوا وتركوه، عندما جد الجِدّ، لمصيره الشنيع دون أن يستجيبوا لا هم ولا السماء لصياحه وآلامه وهو فوق الصليب يتعذب حسب روايات القوم.
أما الشريعة الذى أتى بها محمد فهى شريعة الله سبحانه وتعالى التى تقدم مثلا عفو أولياء القتيل عن القاتل فى مقابل الدية أو أجر الآخرة إذا أرادوا، وتُؤْثِر الستر على الزانى والزانية إلا إذا استعلنا بفاحشتهما ولم يباليا، فعندئذ لا يبالى بهما المجتمع ويطبق عليهما العقوبة... وهكذا. ولسوف نزيد المسألة بعض التفصيل فنقول إن ذلك الخنزير فى آخر كلامه السابق عند حديثه عن النوع الثالث من الشريعة يسأل الهاشمى الموهوم متعنتا متهكما: "فهل تقول إنه (أى الرسول الكريم) جاء بالحكمين معًا (يعني حكم المسيح وحكم موسى) وشرحهما في كتابه قائلاً: النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن... إلخ كما قال موسى ثم أَتْبعه بقول المسيح: وإن غفرتم فإنه أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (سورة المائدة/ 8)؟ فأنت تعلم أن هذا كلام متناقض كقول القائل: "قائم قاعد"، و"أعمى بصير"، و"صحيح سقيم" في حال واحدة. وإن أقررت كل واحد من هذين الحكمين وادَّعيته فلا يدعك أصحابهما لأنهم ورثوه فصار في أيديهم حقًّا مسلَّمًا لهم، ويقولون لك إنك متعدٍّ ظالم تروم أخذ إرثنا من أيدينا، مع إقرارك أنت أنه لنا. فإن حاولت أخْذه فأنت غاصبٌ لا حقَّ لك، بل آتِنا أنت بما في يدك وعندك مما ليس في أيدينا ولا عندنا لنعلم أنك صادق في ادّعائك". وواضح أن كلامه كلام نظرى لا علاقة له بالواقع، فأولا نحن نعرف أن السيد المسيح لم يأت بتشريع يتعلق بجريمة القتل، فلا مجال للقول إذن بأن الرسول عليه السلام قد خلط بين تشريعه وتشريع موسى من قبله كما يزعم الكندى. ومع هذا فإنه عليه السلام لم يأت بتشريع موسى القاضى بقتل القاتل ضربة لازب، بل قسم القتل إلى قتل عمد، وفيه اختيارات ثلاثة: إما القصاص، وإما الدية، وإما العفو الكامل، وكثيرا ما يأخذ أولياء القتيل بالدية أو يعفون عفوا كاملا عن القاتل ولا يصرون على القصاص منه، وهذا أمر جديد لم يكن فى تشريع موسى كما هو معروف. وفوق هذا فقد شدد الإسلام فى مسألة القتل العمد وبين أنها عند الله كبيرة من الكبائر مصير مرتكبها جهنم، وبئس المصير، وهذا أيضا شىء جديد ليس فى الشريعة اليهودية، إذ لا كلام فيها عن الآخرة وثوابها وعقابها. وأما فى مسألة الزنا فلنلاحظ أن السيد المسيح لم ينسخ الرجم، بل كل ما قاله فى الحادثة الوحيدة اليتيمة التى عُرِضَتْ عليه، وهو يشير إلى الزانية التى أحضروها أمامه: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر. ومعنى هذا أنه لم يقل بالعفو عن الزانية، بل اشترط ألا يكون المقيمون للحد عليها قد ارتكبوا نفس الخطيئة. ومن الواضح أن أولئك المرائين القساة القلوب كانوا جميعا يمارسون تلك الفاحشة فنزل رد عيسى عليهم نزول الصاعقة فألجمهم وأشعرهم بالخزى جَرّاءَ مباغتته لهم فتركوها وانصرفوا. ولو أن واحدا أو اثنين أو أكثر ردوا على عيسى عليه السلام قائلين إنهم سوف يرجمونها لأنهم لم يجترحوا تلك الخطيئة، فماذا تراه قائلا آنذاك؟ لا أظن إلا أنه كان سيخلّى بينهم وبين تطبيق العقوبة الواردة فى التوراة، وإلا لآخذوه بكلامه، وهو أن من كان منهم بلا خطيئة فليرجمها. والعجيب أن نفرا من أمثال أولئك المرائين الأنجاس قد أَتَوُا النبى محمدا عليه الصلاة والسلام بزانيين يهوديين يريدون أن يجدوا عنده حلا آخر سوى الرجم (أى على عكس ما كانوا يريدون من عيسى!)، فسألهما عن حكم الزنا فى التوراة، فظنوا أنهم يستطيعون أن يخفوا عنه ما تقوله شريعتهم لأنهما كانا من أشرافهما ولم يكونا كالمرأة المسكنية التى أَتَوْا بها عيسى عليه السلام، بَيْدَ أن النبى أصر على أن تنفَّذ فيهما العقوبة التى تنص عليها الشريعة عندهم. جاء فى "صحيح مسلم" أن "رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا: نسوّد وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما. قال: فَأْتُوا بالتوراة إن كنتم صادقين. فجاءوا بها فقرأوها، حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها. فقال له عبدالله بن سلام، وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: مُرْه فليرفع يده. فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجِما". وفى حديث آخر أنه "مُرّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمَّمًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم، فقال: أَنْشُدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتَني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم، ولكنه كَثُرَ في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالَوْا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. فجعلنا التحميم والجَلْد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم، إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فرُجِم، فأنزل الله عز وجل: "يا أيها الرسول لا يَحْزُنْك الذين يسارعون في الكفر... إلى قوله: إن أُوتِيتُم هذا فخذوه" (المائدة/ 41) يقول: ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (المائدة/ 44)، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" (المائدة/ 45)، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (المائدة/ 47) في الكفار كلها".
والآن إلى ما يقوله التشريع الإسلامى فى تلك القضية بالتفصيل: لنقرأ أولاً الآيات التالية من سورة "النور": "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)"، ومن الواضح أن الآيات الكريمة تتناول موضوعا جديدا لم يتطرق له موسى ولا عيسى عليهما السلام، وهو سد الذرائع التى قد يكون من شأنها تميهد السبيل لارتكاب الزنا، وكذلك الإعلان عن الغفران الإلهى للفتيات المكرهات على ممارسة البغاء دون أن يكون لهن القدرة على الرفض. كذلك فإن الإسلام يؤثر الستر فى هذه المسألة، ففى "الموطإ" أن رجلا من أسلم اسمه هزال أتى إلى رسول الله يُنْهِى إليه خبر ارتكاب فلان فاحشة الزنا، وربما ظن أنه بهذه الشهادة قد أتى عملا عظيما، فما كان من النبى الكريم الرحيم إلا أن قال له: "يا هزال لو سترته بردائك لكان خيرا لك". وكان الرسول، حين يأتيه الرجل معترفا بأنه واقع الفاحشة، يعمل بكل سبيل على التثبت من ارتكابه الزنا فِعْلاً لا توهُّمًا، فيقول له مثلا: لعلك قبَّلْتَ! لعلك فاخَذْتَ! هل أنت سكران؟ هل أنت مجنون؟ أملا منه عليه السلام فى أن يرجع فيتوب إلى الله وينتهى الأمر عند هذا الحد، لكن عندما يجده مصرا على أقواله ويَثْبُت لديه أنه فعلا قد مارس الحرام لا يجد مناصا فى هذه الحالة من تطبيق العقاب عليه، وإلا تميعت الأمور وفسد المجتمع. من ذلك الحديث التالى فى "صحيح مسلم": "جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله، طَهِّرْني. فقال: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه. قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طَهِّرْني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه. قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيم أطهّرك؟ فقال: من الزنى. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبه جنون؟ فأُخْبِر أنه ليس بمجنون. فقال: أشرب خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أزنيت؟ فقال: نعم. فأمر به فرُجِم. فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك! لقد أحاطت به خطيئته! وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز: أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده ثم قال: اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة. ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس، فسلم ثم جلس فقال: استغفروا لماعز بن مالك. قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تاب توبة لو قُسِّمَتْ بين أمة لَوَسِعَتْهم. قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله! طَهِّرْني. فقال: ويحك! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنى. فقال: آنت؟ قالت: نعم. فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك. قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: إذا لا نرجمها وندع لها ولدها صغيرا ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها". ليس ذلك فحسب، إذ لا شك أن ما جاءت به الآيتان التاليتان من سورة "النور" هو أيضا شىء جديد لم تعرفه شريعة موسى حسبما وصلتنا فى العهد القديم ولا عرض لها عيسى، عليهما السلام: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)".
أيمكن أن يصف آدمى عاقل قد خلا قلبه من الحقد والضلال شريعة محمد بأنها شريعة الشيطان؟ إنها شريعة الله بكل يقين، نعم شريعة الله التى لا تفرق بين مسلم وغير مسلم، وتنهى عن البدء بالعدوان والظلم حتى مع الأعداء، وتحبب الفضل والكرم وتنازُل صاحب الحق عن حقه، وتحرم الخمر والربا مع الجميع، وتدعو الناس إلى تعمير الأرض وتعلى من شأن العلم، وتحرّم عليهم ترك أعمالهم وسطْوهم على حقول الآخرين وحظائرهم، ولا ترضى بلعْنهم شجر الفاكهة لعدم إثماره فى غير موسم الثمر فى مناهضة للعقل وقوانين الطبيعة. إن الإسلام دين يقوم على احترام المنطق والعقل وسنن الكون. ومن هنا رأينا أمم النصرانية لا تتقدم ولا تقوى إلا بطرح الشرائع الإنجيلية من أولها إلى آخرها لأنها شرائع تناقض الحضارة مناقضة حادة. أما شريعة محمد فقد أوصت بالجار والقريب والفقير والمسكين والمَدِين واليتيم وقنّنت ذلك كله فى بنودٍ محدَّدة، ولم تتركه كلاما ساذجا متشنجا لا يمكن تطبيقه، بل طبقته وأقامت دولا انتعش فيها العلم والتراحم الاجتماعىوالنظافة والنشاطات الاقتصادية... إلخ. وما زال الناس حتى من الدول الغربية الكبرى فى عصرنا يدخلون فى دين محمد إعجابا بمبادئه وتشريعاته وقِيَمه رغم هوان أهله وضعفهم أمام تلك القوى نفسها. فإذا ظل الكندى الموهوم على رأيه من أن شريعة محمد شريعة شيطانية، وشريعة عيسى التى تناقضها شريعة إلهية، كان معنى هذا أن شريعة الشيطان أفضل من شريعة الله، أستغفر الله. ثم إن الآية الكريمة، كما استشهد بها الوغد، خاطئة، وصوابها هو: "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)". وبالمثل نراه يهزل حين يدعى أن الرسول محمدا قد اعترف بأن المسيح سيد العالم (أى اعترف به إلها!)، إذ ليس فى القرآن ولا فى الآية التى استشهد بها الوغد ولا فى أى حديث من أحاديثه صلى اله عليه وسلم ما يمكن أن يُفْهَم منه ذلك بتاتا، وأخزى الله كل مدلس فشّار، فالقرآن واضح فى هذا الأمر وضوحا لا يمكن تطرق اللبس إليه بحال. ومعروف أن موقف القرآن من عيسى عليه السلام وقوله بأنه ليس إلا عبدا رسولا هو ما يهيج النصارى ضد محمد ودينه، إلا أن الرجل يكذب حتى فيما لا يقبل الكذب، فما العمل؟ العمل هو ما نقوله دائما من أن أمثال الكندى المزعوم قد مَرَدُوا على الكذب، فهم لا يستطيعون التخلّى عنه او التبرّى منه. كما أن تعليقه على ما ظنه توليفا من النبى بين الشريعة التوراتية والشريعة الإنجيلية هو تعليق مضحك، إذ إن التشريع الإسلامى لا يقول فى القتل بالعقوبة والعفو فى ذات الوقت، بل يقول بالعفو إن قبل صاحب الحق هذا العفو، وإلا فمن حقه تماما تطبيق العقاب. وكثيرا ما قبل صاحب الحق وما زال حتى الآن يقبل العفو رحمةً منه وكرمًا وابتغاءً لوجه الله. وأخيرا فإن كلام المسكين يوهم أن اليهود والنصارى لم يقبلوا التشريع الإسلامى ولم يدخلوا الإسلام ولم يصدقوا محمدا. فمن أين أتت الملايين المُمَلْيَنَة التى دخلت وما زالت تدخل الإسلام؟ أليس معظمهم يهودا ونصارى؟ وكيف أصبح كاتب هذه السطور مثلا مسلما؟ أليس لأن أجداده اليهود أو النصارى قد قبلوا دين محمد؟ إن كلام الكندى لا يعنى إلا أن أحدا من غير العرب الوثنيين لم يقبل الإسلام، وأن الدنيا كلها ترفضه. صح النوم يا خم النوم! وانظر حولك لترى أن العرب جميعا قد قبلوا الإسلام عند مجيئه: نصاراهم ويهودهم ووثنيوهم، وأن عشرات الملايين من غير العرب قد قبلته مثلهم، وإلا فمن أين للإسلام بمئات الملايين الحالية إذن؟ أوقد نزلوا من السماء؟ إذن فهى معجزة، وأى معجزة! وأين ذهب الملايين من النصارى واليهود الذين كانوا موجودين عند مجىء الإسلام، وكذلك الذين كانوا موجودين منذ ذلك الحين حتى الآن ولم يعودوا موجودين، مما كان من نتيجته نقصان غير المسلمين بمقدار زيادة المسلمين؟ أنزلت نار آكلة أتت عليهم؟ إذن فهى معجزة أخرى، وأى معجزة! إن الرجل يعيش فى الأوهام ويطنطن بالاعتراضات النظرية التى لا تسمن ولا تشبع من جوع.
16- والآن إلى ما يزعمه الخنزير من أن القرآن، الذى كان ينزل به جبريل على النبى الكريم غُدُوًّا وعَشِيًّا، إنما أخذه عن راهب يقال له: سرجيوس، فما هى حكاية سرجيوس هذا؟ لنسمع أولا تلك الكذبة السخيفة التى يحكيها الوغد، إذ يقول للهاشمى: "ينبغي لك أن تعلم أولاً كيف كان السبب في هذا الكتاب. ذلك أن رجلاً من رهبان النصارى اسمه سرجيوس أحدث حَدَثًا أنكره عليه أصحابه، فحرموه من الدخول إلى الكنيسة وامتنعوا عن كلامه ومخاطبته على ما جرت به العادة منهم في مثل هذا الموقف. فندم على ما كان منه، فأراد أن يفعل فعلاً يكون له حجة عند أصحابه النصارى، فذهب إلى تهامة فجالها حتى بلغ مكة، فنظر البلد غالبًا فيها صنفان من الديانة: دين اليهود، وعبادة الأصنام. فلم يزل يتلطف ويحتال بصاحبك حتى استماله وتسمَّى عنده: نسطوريوس، وذلك أنه أراد بتغيير اسمه إثبات رأي نسطوريوس الذي كان يعتقده ويتديَّن به. فلم يزل يخلو به ويكثر مجالسته ومحادثته إلى أن أزاله عن عبادة الأصنام ثم صيَّره داعيًا وتلميذًا له يدعو إلى دين نسطوريوس. فلما أحست اليهود بذلك ناصبته العداوة، فطالبته بالسبب القديم الذي بينهم وبين النصارى. فلم يزل يتزايد به الأمر إلى أن بلغ به ما بلغ. فهذا سبب ما في كتابه من ذكر المسيح والنصرانية والدفاع عنها وتزكية أهلها والشهادة لهم أنهم أقرب مودّة، وأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون (المائدة/ 82). فلما تُوُفِّيَ وارتدّ القوم وانتهى الأمر إلى أبي بكر قعد علي بن أبي طالب عن تسليم الأمر لأبي بكر، فعلم عبد الله بن سلام وكعب الأحبار اليهوديان أنهما ظفرا بما كانا يطلبان ويريدان في نفسيهما، فاندسَّا إلى علي بن أبي طالب فقالا له: ألا تدَّعي أنت النبوّة ونحن نوافقك على مثل ما كان يؤدب به صاحبَك نسطوريوسُ النصرانيُّ، فلستَ بأقلَّ منه؟ ولكن أبا بكر عرف بما كان من أمرهما مع علي، فبعث إلى علي. فلما صار إليه ذكّره الحرمة. ونظر علي إلى أبي بكر وإلى قوته، فرجع عما كان عليه ووقع بقلبه. وكان عبد الله بن سلام وكعب الأحبار قد عمدا إلى ما في يد علي بن أبي طالب من الكتاب الذي دفعه إليه صاحبه على معنى الإنجيل، فأدخلا فيه أخبار التوراة، وشيئًا من جل أحكامها، وأخبارًا من عندهما بدلها، وشنَّعا فيه وزادا ونقصا ودسّا تلك الشناعات كقولهما: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَا للَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفوُنَ (سورة البقرة 2:113)، ومثل الأعاجيب والتناقض الذي يجعل الناظر فيه يرى المتكلمين به قومًا شتى مختلفين، كلٌّ منهم ينقض قول صاحبه، ومثل سورة "النحل" و"النمل" و"العنكبوت" وشبهه. إلا أن عليًا حين يئس من الأمر أن يصير إليه، صار إلى أبي بكر بعد أربعين يومًا (وقال قومٌ: بعد ستة أشهر) فبايعه ووضع يده في يده. وسأله أبو بكر: ما حبسك عنا وعن متابعتنا يا أبا الحسن؟ فقال: كنت مشغولاً بجمع كتاب الله، لأن النبي كان أوصاني بذلك. فما معنى شغله بجمع كتاب الله، وأنت تعلم أن الحجاج بن يوسف أيضًا جمع المصاحف وأسقط منها أشياء كثيرة؟ وأنت تعلم أيضًا أنهم رَوَوْا أن النسخة الأولى هي التي كانت بين القرشيين، فأمر علي بن أبي طالب بأخذها لما اشتد عليه الأمر لئلا يقع فيها الزيادة والنقصان، وهي النسخة التي كانت متفقة مع الإنجيل الذي دفعه إلى نسطوريوس، وكان يسميه عند أصحابه: "جبريل" مرة، و"الروح الأمين" مرة".
لاحظ، أيها القارئ، كيف أن ما ذكرته بعض كتب السيرة من القصة التى تقول إن النبى، فى سفره إلى الشام رفقة عمه أبى طالب، قد قابل راهبا اسمه بحيرا حذَّر العم من كيد يهود إذا رَأَوُا الصبى الذى سيكون نبيا فى مُقْبِل أيامه، قد تحولت إلى هذا الفلم السينمائى العجيب، إذ نرى بحيرا قد أصبح نسطورس، وبدلا من أن يلقاه محمد الصغير فى مشارف الشام إذ بنسطورس هذا يأتى إلى مكة. فى أية مهمة؟ فى مهمة مضحكة، إذ أراد أن يثبت لأصحابه الذين انقضوا عليه لآرائه المنحرفة عما يقولون به أنه قادر على... على ماذا؟ على أن يحول محمدا عن دين آبائه إلى مذهب نسطورس! ولماذا محمد دون سائر عباد الله فى الشرق والغرب، وبخاصةٍ النصارى الذين يرى هذا الراهب أنهم على ضلال ووقف منه رهبانهم وقسيسوهم موقف التخطئة والتشنيع؟ ولماذا مكة دون سائر المدن والقرى فى العالم؟ واضح أن الرجل فى أعماقه يعرف أن الكتاب المقدس قد تنبأ بأن هناك نبيا سوف يظهر من بلاد العرب اسمه محمد، فهو يجرى على هَدْىٍ من هذه الفكرة التى يحاول بكل جهده أن يخنقها فى ضميره، لكنها تأبى إلا أن تشق طريقها إلى السطح، وإلا فلماذا محمد من دون العباد، ومكة من دون البلاد؟ لقد كان يستطيع أن يستمر فى طريقه إلى أن يصل إلى اليمن حيث أكبر كنيسة فى بلاد العرب، تلك الكنيسة التى بناها أبرهة وقضى أحد الأعراب فيها حاجته فكانت حرب الفيل التى ارتد فيها القائد الحبشى عن بيت الله ممزَّق الجيش والجسد جميعا، لكن خيال السينارست السقيم أبى إلا أن يأخذه إلى مكة، مكة محضن الوثنية حيث كان يقوم فى كعبتها مئات الأوثان قبل أن يحطمها الرسول الكريم إلى الأبد. ليس هذا فحسب، بل إنه بدلا من توجيه همته إلى هداية الوثنيين المكيين يركز على محمد، ومحمد وحده. لكن أين كان نسطورس يجتمع بمحمد؟ وكيف لم يلتفت إليه أهل مكة ويهتموا بهذا الراهب الغريب الذى لا يتكلم لغتهم ولا يلبس ملابسهم ويلازم محمدا لزوم الظل ولا يكف عن مناقشته؟ ثم بأية لغة يا ترى كانا يتفاهمان أثناء تلك المناقشات العميقة؟ للأسف لم تكن لغة الإسبرانتو قد اخْتُرِعَتْ بعد، وإلا قلت إنها هى. كما أن محمدا لم يكن قد درس فى معهد اللغات الشرقية، وإلا قلت إنه كان يعرف السريانية أو الآرامية أو ما شئت من لغة تحب أن ننسبها إلى نسطورسك هذا! كذلك فى أى بيت كان نسطورس ينزل فى مكة؟ لم تكن فى مكة فنادق أو لوكاندات، وإلا قلت إنه كان ينزل فى فندق الحرمين التابع للمطوِّف الفلانى أو العلانى. وهل كان هناك يهود فى مكة اشتبكوا مع محمد فى خصام ومجادلات كما يقول البكاش التافه؟ إنما كان اليهود فى المدينة لا فى مكة. ولو كان الأمر كما يقول المدلس لما نجا محمد عليه السلام من ألسنة اليهود. ثم من الذى نقل له أخبار كل تلك الوقائع؟ أتراها العصفورة؟ لكن هل تنقل العصافير أخبارا كهذه؟ فى حدود علمى وفهمى الذى على قَدّى: لا أظن! أما آيات سورة "المائدة" التى أشار إليها الكندى فهى، كما قلنا ونقول، ليست فى مدح أحد من النصارى، بل فى فريق أسلم منهم، أى ترك نصرانيته بجميع مذاهبها ودخل فى دين محمد، دين التوحيد. وهذا واضح من قوله تعالى عن أفراد هذا الفريق: "وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)"، فضلا عن أسباب نزول هذه الآيات التى تقول إنهم وفد من النصارى فيهم القساوسة والرهبان أَتَوْا لمقابلة النبى محمد عليه السلام، فقرأ عليهم شيئا من آيات القرآن لمس أفئدتهم وحرك ضمائرهم فدمعت عيونهم وأعلنوا إيمانهم به. أهذا مفهوم أم على قلوبٍ أقفالها؟ شىء آخر: أن هذه الآيات، بل السورة كلها مدنية، وليست مكية كما يظن الكلب الكندى الحقود! ثم أين أخبار نسطورس يا ترى عند العرب أو عند النصارى على حد سواء؟ لا شىء من أخباره هنا أو هناك، اللهم إلا تلك الإشارة السريعة فى بعض كتب السيرة عن لقائه بالرسول وهو صبى صغير وتحذيره لعمه من المضىّ بابن أخيه أبعد من ذلك حتى لا تؤذيه يهود. ولماذا لم يظهر نسطورس ويتحدَّ محمدا عند ادعائه النبوة ويقل له: يا رجل، لقد دفنّاه معا، فعلى مَنْ هذا الكلام الغريب الذى تزعمه؟ عَلَى بابا؟ وإذا كانت هذه قد عَدَّت على نسطورس وقتها ولم يتنبه لها، فلماذا لم ينطّ له كعفريت العلبة عند اجترائه على هرقل وإرساله خطابا له يدعوه إلى الإسلام، ويقول له: كيف تصل الأمور إلى هذا الحد يا تلميذى العزيز فتجرؤ على دعوة إمبراطورنا إلى الدين الذى أخذته عنى؟ لم يكن هذا عشمى فيك! يخونك العيش والملح والمناقشات الطويلة العريضة التى علّمْتُك فيها الآب والابن والروح القدس، فتأتى أنت وتكفّر من يقول بها، ثم لا تكتفى بهذا، بل تدعو أكبر أهل دينى إلى بدعتك! لا لا، أنا زعلان منك. ثم ينخرط فى نوبة من البكاء والشهيق والزفير والمخاط، لعل قلب محمد "يحنّ" ويتراجع عما ينتويه من أعمال متهورة، أو يطلب منهم فى برنامج "ما يطلبه المستمعون" أن يُهْدُوه أغنية موسيقار الأجيال: "حِنّ، حِنّ"، فلعلها تحنن قلبه! والمضحك أن يعزو المعتوه وجود آيات فى القرآن تهاجم اليهود والنصارى إلى عمل كعب الأحبار وعبد الله بن سلام اليهوديين! طيب فهمنا أن يكتب هذان اليهوديان السابقان ما يسىء إلى النصارى، ولكن كيف يمكن أن نصدق أنهما يضيفان إلى القرآن كلاما يحقر اليهود ويكفرهم ويجعل مثواهم جهنم، وبئس المصير؟
وفى الموقع المتخلف لعزت أندراوس، وعند حديثه عن نسطور، نقرأ ما يلى: "كتب صموئيل بولس فى مقالة بعنوان: نهاية أم بداية ؟: "كانت البداية عقب انتهاء مجمع أفسس، حيث أعلن أرباب النسطورية من أساقفة المشرق تحزبهم لنسطور والانشقاق عن كنيستهم السريانية الأرثوذكسية، وذهبوا إلى المناطق الخاضعة لنفوذ الفرس في المشرق، وأسسوا لأنفسهم كنيسة خاصة بهم أطلقوا عليها اسم "كنيسة الفرس النسطورية". وذهب تلميذهم النجيب الأسقف النسطوري برصوما النصيبيني المضطهِد والسفاح إلى العراق، وقطع لسان جاثليق المشرق "باباي" لرفضه قبول تعاليم نسطور ثم قتله. وقتل رهبان دير مار متى، كما قتل سبعة آلاف نفس من المسيحيين العراقيين، واستطاع بدعم من ملك الفرس الوثني تحويل جُلّ المسيحيين العراقيين الى النسطورية، وتوغلت الهرطقة النسطورية إلى كل مكان في المشرق، فتعاظم نفوذهم في منطقة ما بين النهرين. ولم تمضي سوى عدة عقود قليلة حتى أصبح لهم مركزا هاما في مملكة الحيرة، ومنها انطلقوا إلى الأراضي الحجازية نفسها، فاختلطوا بالعرب "الأحناف"، وجذبوا الكثيرين منهم لهرطقتهم، وصارت لهم مراكز هامة في الخليج، وخصوصا البحرين. ثم أوجدوا لهم مركزا خطيرا داخل مكة نفسها، وكان يترأسه أحد أقارب مؤسس الإسلام، وهو القس ورقة ابن نوفل ابن أسد، والذي رافقه منذ صباه، بجانب من رافقوه من الرهبان النساطرة الذين تعربوا أمثال: بحيرا، وعيصا، وعداس. وللأخير هذا مسجدا يحمل اسمه بمدينة الطائف بالقرب من مكة تقديرا وعرفانا من المسلمين لدوره الكبير في نصرة الإسلام! وتمدنا المصادر النسطورية نفسها بالكثير من المعلومات التي تتناول علاقة بطاركة النساطرة بمؤسس الإسلام واتصالاتهم السرية معه منذ بداية المجاهرة بدعوته: كان الفطرك "البطريرك" ايشوعياب الثاني يكاتب صاحب الشريعة الإسلام ويهدي له ويسأله الوصية برعيته في نواحيه، فأجابه محمد إلى ذلك، وكتب إلى أصحابه كتبا بليغة مؤكدة، وبرَّه صاحب الشريعة عليه السلام ببرٍّ كان فيه عدّة من الإبل وثياب عدنية. وتأدَّى وبلغ ذلك إلى ملك الفرس فأنكر على الفطرك فعله ومكاتبته، وخاصة عند ورود هداياه، فداراه ايشوعياب حتى سلم منه. وعاش ايشوعياب إلى أيام عمر ابن الخطاب عليه السلام (!) فكتب له كتابا مؤكدا بالحفظ والحيطة وأن لا يؤخذ من إخوانه وخدمه الجزية وأشياعه "النساطرة" أيضا. وهذا الكتاب محتفظ به لهذه الغاية" (انظر: ماري في المجدل، أخبار بطاركة المشرق، روما 1899 ص 62). ويقول صاحب "تاريخ السعردي": "كان ايشوعياب قد أنفد هدايا إلى النبي عليه السلام! وفي جملتها ألف أستار فضة، مع جبريل أسقف ميشان، وكان فاضلاً عالمًا، وكاتبه وسأله الإحسان إلى النصارى. ووصل الأسقف إلى يثرب، وقد توفي محمد، فأوصل ما كان معه إلى أبي بكر، وعرّفه ما الناس عليه من ملك الفرس، وأنهم يخالفون الروم. فسمع قوله وقبل ما كان معه، وضمن له ما يحبه، وعاد إلى الجاثليق ايشوعياب مسرورا" (التاريخ السعردي ج 2 ، ص 618- 619). ويقول صليبا بن يوحنان الموصلي: "وفي أيامه (أي أيام أيشوعياب) بدأ يظهر أمر العرب بني إسماعيل. ولما كشف الله لهذا الأب (!) ما يؤول إليه هذا الظهور من السلطان والملك والقوة وفتح البلاد جمع رأيه وسابق بعقله وحكمته إلى مكاتبة صاحب شريعتهم، وهو بعد غير متمكن، وأنذره بما يصير إليه أمره من القوة، وقدم له هدايا جميلة. فلما قوي أمره وتمكن عاد فكاتبه واخذ منه العهد والزمام لجميع النصارى النساطرة في كافة البلدان التي يملك عليها هو وأصحابه من بعده، وأن يكونوا في حمايته آمنين على جاري عادتهم في إقامة الصلوات والبِيَع والأديرة". (أنظر: صليبا في المجدل، ص 54- 55 ). ويذكر السعردي أيضا إن بطريرك النساطرة أيشوعياب الثاني قد التقي وجها لوجه مع عمر ابن الخطاب، فيقول: "وتوفى أبو بكر ووَلِىَ الأمر بعده عمر ابن الخطاب.. ولقيه ايشوعياب وخاطبه بسبب النصارى النساطرة، فكتب له عهدا" (أنظر: التاريخ السعردي ج 2 ، ص 620 وماري في المجدل ص 62). ويذكر عن هذا البطريرك النسطوري أيضا أنه قدم دفاعا حارا عن أترابه المسلمين قائلاً عنهم: "إن المسلمين ليس فقط لا يهاجمون الديانة المسيحية (!!!) بل انهم يوصون بإيماننا خيرا (!!!)، ويكرمون الكهنة وقديسي الرب، ويحسنون إلى الكنائس والأديرة (!!)" (أنظر الأب ألبير أبونا: تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية. ج 2 ص 67). وهذا الكلام لا يمكن أن يكون قد خرج إلا من است من كتبه مع ما يخرج منها، وله ذات الصفات التى لهذا الذى يخرج منها، وإلا فأين تمت كل تلك اللقاءات بين الرسول أو عمر من جهة وبين مبعوثى النساطرة من جهة أخرى؟ هل كانا يتقابلان فى سرداب يوصل ما بين البلدين؟ أم هل كانا يلبسان طاقية الاستخفاء؟ وكيف سكت كتاب السِّيَر والمغازى والتاريخ عن هذا كله؟ وهل يوجد بين النسطورية والإسلام أى نقاط التقاء؟ ومن قال إن ورقة كان نصرانيا أصلا، فضلا عن القول بأنه نسطورى؟ لقد أسلم الرجل ونبه النبىَّ إلى أن قومه سوف يعادونه وسوف يلقى منهم عنتا شيدا وعناء. وكذلك الأمر فى عداس، إذ كل ما ذكرته كُتُب السيرة والتاريخ أنه التقى بالنبى فى بستان ابنى ربيعة بالطائف اللذين كان يشتغل لديهما خادما، فلم يكن إذن راهبا من الرهبان كما يكذب الكاتب المدلس، بل كان مجرد خادم، وأنه أكب على قدميه ويديه ورأسه صلى الله عليه وسلم يقبلها تبجيلا وإجلالا. ومن الواضح أنه آمن بالنبى عليه الصلاة والسلام. أى أن الكلب الذى اتهم النبى عليه السلام بما اتهمه به قد نكس الدنيا رأسا على عقب وسَقْلَب حالها، فبدلا من أن يذكر إسلام ورقة وعداس يحاول أن يقنع القراء بأنهما قد علّما النبى محمدا الدين الذى أتى به، جاعلاً التلميذ بذلك أستاذا، والأستاذ تلميذا. هذا، وقد سبق الكلام عن بحيرا بما يغنى عن إعادته هنا، أما عيصا فلا أدرى من أى اسْتٍ أخرى كريهة الرائحة خرج، إلا أن تكون است زيكو، لعنة الله على زيكو وعلى الذين خلّفوا زيكو! كما أنه لم تكن هناك علاقة أيا كانت بين ورقة وعداس وبحيرا، ودعونا من عيصا إلى أن نعرف من أى اسْتٍ أخرى منتنة جاء كما قلنا آنفا. فورقة من أشراف مكة، أما عداس فغلام أجنبى من أهل نينوى كان يخدم ابنى ربيعة فى الطائف، وبحيرا كان ينزل أرض الشام، وهو غير عربى، فضلا عن قول الزهرى (وهو من أقدم كتاب السيرة) إنه "حبر من يهود تميم" كان يسكن تيماء (المغازى النبوية" لابن شهاب الزهرى/ تحقيق د. سهيل زكار/ دار الفكر بدمشق/ 1401هــ- 1981م/ 40، وهو ما نقله عنه النويرى فى "نهاية الأرب فى فنون الأدب"). وعلى هذا لم يكن بحيرا نصرانيا بل يهوديا. ثم إن النبى قد لقيه فى حضرة عمه أبى طالب، وكان ذلك بطلبٍ من بحيرا نفسه، وكان محمد قد ناهز الحُلُم حسب قول الزهرى، وإن كان النويرى قد حدد سنّه باثنتى عشرة سنة. وكل ما جرى هو أن بحيرا أبدى خوفه على النبى المنتظر من أذى يهود لو علموا أنه هو الذى بشرت به الكتب، وحذر عمه من المضى به أبعد من ذلك، فما كان منه إلا أن عاد به حفاظا على سلامته. ثم أليس من اللافت للنظر أن يفكر نساطرة فارس فى التودد إلى محمد، الذى لم يكن له سلطان إلا على العرب وحدهم، خارجين بذلك على إرادة عاهلهم كسرى دون أن يكون فى الأفق ما ينبئ بأن محمدا سيفتح فارس وتكون له السيادة فى الأرض وأن كسرى سيكون فى خبر "كان"؟ اللهم إلا إذا قلنا إنه كان يعرف من بشارات الكتب أنه هو النبى المنتظَر وأن الدنيا ستدين له!
بقيت كلمة مهمة، وهى أن السعردى من أهل القرن الثانى عشر الميلادى، أى أنه أتى بعد الهجرة بقرون عدة، أما صليبا بن يوحنان الموصلي فيزيد عليه بقرنين، إذ هو من أهل القرن الرابع عشر، فأين كانت هذه الحواديت والحكايات اللذيذة المسلية طوال تلك القرون؟ وقد يعطى القارئ فكرة عن قيمة مثل هذين الكتابين ما وجدته فى موقع "http://www.alitijahalakhar.com: كل الاتجاهات" لرشيد الخيون تحت عنوان "المذاهب والأديان في العراق: المسيحية والإسلام"، إذ أشار إلى رأى بعض المؤرخين فى هذين الكتابين وقيمتهما العلمية: "أما "تاريخ السعردى" (القرن الثاني عشر الميلادي) فيذكر أن رسول الجاثليق قد التقى أبا بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخذ من الأخير العهد لأهل دينه. ويذكر مؤرخ آخر يدعى صليبا بن يوحنان الموصلي (القرن الرابع عشر الميلادي)، في سياق تعرضه لسيرة الجاثليق ايشوعياب: "وفي أيامه... كان قد بدأ يظهر أمر العرب بني إسماعيل سنة خمس وثلاثين وتسعمائة للاسكندر، ولما كشف الله لهذا الأب ما يؤول إليه هذا الظهور من السلطان والملك والقوة وفتح البلاد جمع رأيه وسابق بعقله وحكمته إلى مكاتبة صاحب شريعتهم، وهو بعد غير متمكن، وانذره بما يصير إليه أمره من القوة، وسيّر ذلك له مع هدايا جميلة. فلما قوي أمره وتمكن عاد كاتبه وأخذ منه العهد والزمام لجميع النصارى في كافة البلدان التي يملك عليها هو وأصحابه من بعده، وأن يكونوا في حمايته آمنين على جاري عادتهم في إقامة الصلاة والبِيَع". يذهب الرأي، في حالة اختلاق هذه الروايات، إلى أن المؤرخين المسيحيين قد عمدوا إلى كتابة ذلك محاولة منهم للتخفيف من وطأة الجزية (ضريبة الرأس) والضغوط الأخرى عليهم، ومنها ما شرعه عمر بن الخطاب ونُسِب إلى عمر بن عبد العزيز أو بالعكس في شأن لباسهم وكنائسهم ومعاملتهم. فحسْب الأب أبونا تفسَّر كثرة العهود المحفوظة في الكنائس الشرقية بتذرع المسيحيون بعهود خيالية يستنبطونها للذود عن كيانهم والحفاظ على دينهم وتقاليدهم". هذا، ولا ينبغى أن ننسى أن القوم الذين يسخّمون الأوراق بهذا الكلام هم فى الواقع إما معاتيه وإما كذابون مدلسون. لقد طنطن أندراوس فى مقال آخر له بأن ألفرد بتلر المستشرق الإنجليزى وسميكة باشا مدير مصلحة الآثار بمصر فى ثلاثينات القرن الماضى قد شهدا بصحة طيران جبل المقطم، مع أن كل ما قاله بتلر فى كتابه عن الكنائس القبطية القديمة فى مصر: " The Ancient Coptic Churches of Egypt" هو أنها مجرد شائعات ترددها الأجيال دون تمحيص، كما وصفها هو نفسه مرارا بأنها أسطورة، وهو ما حرفه مترجم الكتاب الأمين المحترم واصفا إياها بأنها "قصة" بدلا من "أسطورة"، مع تجاهله لكلمة "شائعات"، وبالمثل أقر سميكة بأن القصة كلها ليست إلا خرافة من الخرافات وأنه لا يصدّق منها شيئا على الإطلاق، وكتب هذا فى "الأهرام" بتاريخ العشرين من أغسطس سنة 1931م.
ثم ماذا فى القرآن من عقائد نسطورس هذا، ربنا يحميه لأمه؟ إلى القارئ ما قالته "دائرة المعارف الكتابية" عن عقيدة نسطورس، الذى يدعى الكندى أن سرجيوس كان على مذهبه: "بدعة نسطوريوس بطريرك القسطنيطينة بين عامي 428- 431، في الصلة القائمة بين اللاهوت والناسوت في يسوع المسيح، فبدل أن يَنْسُب إلى أقنوم الكلمة المتجسّد الواحد الطبيعةَ الإلهيةَ والطبيعةَ البشريّةَ، وبالتالي خواصّ هاتين الطبيعتين وأعمالهما، قال بأنّ المسيح مكوّن من شخصين: شخص إلهيّ هو الكلمة، وشخص بشريّ هو يسوع. لم يكن هناك في نظره اتّحاد بين طبيعة بشريّة وأقنوم إلهيّ، بل مجرّد صلة بين شخص بشريّ واللاهوت. فكان يرفض كلّ مشاركة في الخواصّ ويأبى أن يطلق على مريم لقب "والدة الإله". ذلك بأنه حسب اعتقادهِ قد وَلَدَتِ الإنسان فقط. شجب مجمع أفسس في 431 مذهب النسطوريّة وثبّت في الوقت نفسه لقب "والدة الإله"، كما نفى نسطوريوسَ وأعلن هراطقةً جميعَ أتباعهِ. انتشرت البدعة النسطورية في بلاد فارس، الهند، الصين ومنغوليا، وذلك بتأسيس الكنيسة النسطوريّة". ثم إلى القارئ أيضا هذين المقالين الآخرين عن الرجل ونحلته أنقلهما من "الثيوبيديا: Theopedia ": "Nestorius (c.386 – c.451) was Patriarch of Constantinople from 10 April 428 to 22 June 431. He received his clerical training as a pupil of Theodore of Mopsuestia in Antioch and gained a reputation for his sermons that led to his enthronement by Theodosius II as Patriarch following the death of Sisinius I in 428 A.D. Nestorius is considered to be the originator of the Christological heresy known as Nestorianism, which emerged when he began preaching against the new title Theotokos or Mother of God, beginning to be used of the Virgin Mary. His immediate antagonist was Cyril, bishop of Alexandria. Although Nestorius did deny theVirgin birth of Jesus, he did not in fact maintain the heresy which bears his name. "
"Nestorianism is basically the doctrine that Jesusexisted as two persons, the man Jesus and the divine Son of God, rather than as a unified person. This doctrine is identified withNestorius (c.386-451), Patriarch of Constantinople, although he himself denied holding this belief. This view of Christ was condemned at theCouncil of Ephesusin 431, and the conflict over this view led to the Nestorian schism, separating the Assyrian Church of the East from the Byzantine Church. The motivation for this view was an aversion to the idea that "God" suffered and died on the cross, be it the divinity itself, the Trinity, or one of the persons of the Trinity. Thus, they would say, Jesus the perfect man suffered and died, not the divine second person of the Trinity, for such is an impossible thought—hence the inference that two "persons" essentially inhabited the one body of Jesus. Nestorius himself argued against calling Mary the "Mother of God" (Theotokos) as the church was beginning to do. He held that Mary was the mother of Christ only in respect to His humanity. The council at Ephesus (431) accused Nestorius of the heresy of teaching "two persons" in Christ and insisted that Theotokos was an appropriate title for Mary. The problem with Nestorianism is that it threatens the atonement. If Jesus is two persons, then which one died on the cross? If it was the "human person" then the atonement is not of divine quality and thereby insufficient to cleanse us of our sins."
فهذه عقيدة نسطورس، وهى نفسها ما يقول به النصارى المثلثون، اللهم إلا فيما يتعلق بالصلة بين الناسوت واللاهوت فى المسيح: هل هما متحدان أو منفصلان؟ أما فيما عدا هذا فكلامه فى التثليث والخطيئة والصلب هو تقريبا ما يقوله سائر النصارى المثلثين، والقرآن (كما هو معروف) حملة مدمدمة على عقائد التثليث والخطيئة والموت على الصليب، والرهبانية فوق البيعة من أجل خاطر راهبنا سرجيوس، فكيف يقال إن محمدا قد تأثر خُطَا سرجيوس النسطورى؟ قد يقول الكندى إن القرآن فى البداية كان يتبع عقيدة سرجيوس أو نسطوريوس، ثم غُيِّر وبُدِّل. إلا أن هذا كلام من تعودوا على تحريف كتبهم، فهم يظنون أن المسلمين يسيرون على ذات الوتيرة. أيًّا ما يكن الحال، فأين القرآن القديم؟ أثمة نسخة ورقية منه يمكنكم أن تُرُوها لنا؟ أثمة قرص إليكترونى مصوَّر عليه ذلك القرآن؟ أتحت أيديكم شريط صوتى استطعتم أن تلتقطوه من الأثير يثبت أن القرآن الأول كان قرآنا نسطوريا يؤله المسيح ويقول بأنه صُلِب ومات على الصليب؟ أهناك رواية عن مسلم أو نصرانى أو يهودى أو وثنى أو عابد بقر أو حجر أو فرج أو ذكر تذكر شيئا من آيات ذلك الكتاب الأول؟ أم تراكم تظنون أن افتراءاتكم يمكن أن تقنع أىّ ذى عقل؟ لكن العلم، والحمد لله، لا يقبل مثل ذلك الأسلوب! أما ما يقوله عن التلاعب فى القرآن وعبث أبى بكر وعمر وعلى والحجاج فيه فهو كلام شخص بلغت به البلاهة أن يحسب الناس جميعا بُلْهًا مثله، فهو يخبص ويخبط ولا يبالى بشىء، وهذا صنيع من فقد عقله وحياءه معا! ترى أين القرآن الأصلى؟ لو كان الأمر كما يقول هذا الأحمق لاحتفظ كل حزب بما يدين الآخر. فهَبْ أن أبا بكر وعمر وعثمان قد تلاعبوا بالقرآن لمصلحتهم وللإساءة إلى حق على بن أبى طالب، فلماذا لم يُعِدْ علىٌّ الأمور إلى نصابها الأول؟ وإذا كان الأمويون قد تلاعبوا بالقرآن لمصلحتهم وللإساءة إلى العلويين، فهل كان هوى المسلمين جميعا مع الأمويين؟ يقينًا لقد كان هناك مَنْ هواهم مع خصومهم، فلماذا لم يأتونا بالنسخة الأصلية التى تخلو من التلاعب حذفًا وزيادة؟ ثم أين فى القرآن يا ترى تلك النصوص التى تحابى الأمويين إذا كانوا قد عبثوا بالقرآن؟ بل أين ذلك فى السيرة النبوية نفسها، وهى (كما نعرف) ليس لها شىء من القداسة التى للقرآن؟ ولقد جاء العباسيون بعد الأمويين، فلماذا لم يفضحوا ما صنعه الأمويون بالقرآن؟ وحتى لو قام الفريق المتلاعب بكتاب الله بالتخلص من النسخ المخالفة التى تحت يده، فكيف يتخيل متخيل أن من الممكن لأى شخص بالغة ما بلغت سطوته أن يتتبع جميع النسخ المخالفة لما يريد فيدمرها كلها فى أرجاء العالم الإسلامى نسخةً نسخةً، ويمحو فوق هذا ما كان محفوظا فى صدور الأفراد فردًا فردًا؟ لكننا ننظر فلا نجد إلا سورة يتيمة هى سورة "النورين" (أو "الولاية" فى رواية أخرى)، حاول فيها مدلسها فى عصر متأخر جدا أن يقلد القرآن الكريم. لكن على من؟ لقد وضعتُ هذه السورة المزيفة على محك التحليل الأسلوبى والمضمونى، فإذا ببصمات السورة تصرخ بملء فمها أنها ليست من القرآن فى شىء، وأن القرآن ليس منها فى شىء ولا حتى فى جملة واحدة. وبالمناسبة فعلماء الشيعة ينكرون أن يكون القرآن قد زِيدَ فيه أو نُقِصَ منه. وحتى لو اتهمهم متّهِمٌ بأنهم يمارسون التقية، فهذه حجة للقرآن لا عليه، لأن الشخص الصادق لا يلجأ إلى هذا السلاح الذى لا يليق إلا بالمتآمرين لا بأصحاب القضايا المستقيمة الواضحة، وبخاصة أن الشيعة اليوم فى أقصى درجات اطمئنانهم وثقتهم بأنفسهم، ولا داعى من ثم لاتخاذهم هذا الموقف المريب. وعلى كل فمن يُرِدْ أن يرى ما كتبناه فى هذا الموضوع يمكنه الرجوع إلى كتابى: "سورة النورين التى يزعم فريق من الشيعة أنها من القرآن- دراسة أسلوبية تحليلية" فى موقعى: "http://awad.phpnet.us". وحتى أزيد كلامى وضوحا أنبه إلى أن التاريخ قد احتفظ لنا بعدد غير قليل من الأناجيل المعتمَدة وغير المعتمَدة رغم كل الحظر الذى مارسته الكنائس على الأناجيل التى لا تعترف بها. بل إن بين الأناجيل الرسمية المقبولة عند الكنيسة كثيرا من الاختلافات. فكيف لم يحدث مثل هذا أو ذاك بالنسبة للقرآن الكريم ويصل إلينا قرآنات مختلفة بنفس الطريقة؟
وبمناسبة ما قاله الكلب الكندى عن التأثير النسطورى على رسول الإسلام أود أن أشير هنا إلى ما كان كتبه الكاتب الأمريكى واشنطن إرفنج فى كتابه: "Mahomet and His Successors" (طبعة:The University of Wisconsin Press, 1970, PP. 100- 101) من أن النجاشى لم يرجع المسلمين إلى قريش بل بسط عليهم ظل حمايته لأنه كان نسطوريا فلم يجد فيما قاله القرآن عن السيد المسيح ما يخالف عقيدته. وهو كلام لا معنى له كما بينت فى كتابى: "مصدر القرآن- دراسة فى شبهات المستشرقين والمبشرين حول الوحى المحمدى" (مكتبة زهراء الشرق/ 1417هـ- 1997م/ 28- 29 بالهامش)، وإلا فإذا كان ما يقوله إرفنج صحيحا فلم هاج القساوسة الأحباش فى المجلس الذى عقده ذلك العاهل الكريم للاستماع إلى عقيدة المسلمين اللاجئين إلى بلاده عندما أمّن على ما تَلَوْه عليه من قرآن؟ كما أن النساطرة، حسبما جاء فى معجم "Hook's Church Dictionary" يعتقدون أن المسيح شخصان أحدهما إلهى هو ابن الله، فأين هذا مما تلاه جعفر بن أبى طالب على النجاشى فى ذلك المجلس من آيات سورة "مريم" التى تنص على أنه "ابن مريم" وأنه "عبد الله" وأن الله قد جعله "نبيًّا"... إلخ؟ أما التفسير الصحيح فهو أن النجاشى قد أسلم، إذ وجد أن ما يقوله القرآن فى المسيح عليه السلام هو ما يتفق مع المنطق والعقل وما يجب لله سبحانه من توحيد وتنزيه عن الشريك والتجسيد. وقد أقر بإسلام النجاشى كل المستشرقين الذين كتبوا فى السيرة المحمدية، ومنهم على سبيل المثال الكاتبان الفرنسيان Dezobry & Bachelet، صاحبا معجم "Dictionnaire de Biographie, d'Histoire, des Antiquités et des Institutions"، فى المادة التى خصصاها لرسول الله صلى الله عليه وسلم (Librairie Ch. Delagrave, Paris, 1883, T. 2, P. 1683). بيد أن إرفنج لا يحب أن يذكر هذه الحقيقة، فلذلك يلجأ إلى هذا السلاح المفلول الذى يستعين به المبشرون الضيقو العَطَن والذين يسمحون لتعصبهم الأعمى أن يطغى على عقولهم وعلى ضمائرهم فيَكْذبون ويتهمون سيد الأنبياء بما يعلمون هم قبل غيرهم أنه عليه الصلاة والسلام منه براء! كذلك لو كان النساطرة قد وقفوا إلى جانب النبى فلم كل هذا الهجوم والسفالة من جانب هذا النسطورى الخنزير صاحب الرسالة التى بين أيدينا؟ ولم وقف النساطرة إلى جانب التتار وحرّضوهم على غزو العالم الإسلامى مستغلين نفوذهم فى البلاط التتارى فى هذا التحريض الذى كان من نتيجته أن اتجه الغزو المغولى إلى العالم العربى والإسلامى بدلا من اتجاهه إلى أوربا كما كان مخططا له أوّلاً حسبما هو معروف لدارسى التاريخ؟ (انظر محمد على الغتيت/ الغرب والشرق من الحروب الصليبية إلى حرب السويس/ مج 76/ 71- 74). ولقد وضعوا أيديهم فى أيدى النصارى الكاثوليك فى أوربا من أجل تحقيق هذا الهدف، وهو ما يدل على صدق ما قلناه قبلا من أنه لا فرق ذا بال بين النساطرة وسائر النصارى المثلثين، وأن كل ما زعمه هذا الخنزير هو كذب رخيص لا قيمة له فى دنيا العلم والتحقيق.
17- ونصل إلى دعوى ذلك الوغد بأن القرآن هو كلام الرسول، وهنا نذكر أن لى كتابا كبيرا من ستمائة صفحة بينتُ فيه بالدراسة الأسلوبية الإحصائية أن القرآن شىء، وأحاديث الرسول شىء آخر، وهذا الكتاب موجود بذات الموقع الذى أشرت إليه من قبل، وهو: "http://awad.phpnet.us". وهناك أيضا كتابى: "مصدر القرآن- دراسة المستشرقين والمبشرين حول الوحى المحمدى"، الذى ناقشت فيه كل النظريات التى يطرحها هذان الفريقان تفسيرا للوحى القرآنى من أنه عليه السلام كاذب مخادع، أو واهم مخدوع فى حقيقة أمره، أو مريض بمرض عصبى كالصرع والهلاوس والهستيريا. وتتبعت فوق ذلك كل الأشخاص الذين زعم المستشرقون والمبشرون المفترون الكذابون أنهم هم الذين علموا محمدا، فوجدت أنهم إما آمنوا به، أو إذا كانوا قد ماتوا قبل نزول الوحى على سيدنا رسول الله فقد آمن به أولادهم وأقاربهم. وحتى فى حالة أمية بن أبى الصلت وأبى عامر الراهب نجد أنه قد آمن بالرسول الكريم أخت أمية وأولاده وكل أفراد قبيلته، وحنظلة ابن أبى عامر، الذى عادى أباه أشد معاداة، واسْتُشْهِد فى معركة أحد، فى الوقت الذى وقف أبوه فيها إلى جانب المشركين وحفر الحُفَر لإيقاع خيول المسلمين أثناء القتال. ليس ذلك فقط، بل إن أحدا من هؤلاء الذين اتُّهِم محمد بأنه أخذ قرآنه منهم أو تعلم على أيديهم لم تُؤْثَر عنه أية كلمة يمكن أن يُفْهَم منها شىء من هذا. فكيف تواتى ذلك المخبولَ نفسُه للكلام بلسان من لم ينيبوه عنهم فى اتهام محمد بأنه أخذ القرآن منهم؟ هل أنابه نسطورس مثلا؟ طبعا لا، فما معنى ذلك إذن؟ كذلك حلّلتُ فى الكتاب المذكور المضمون القرآنى فوجدت أن الروح التى تسود القرآن لا يمكن أن تكون روحا بشرية، وقدّمت البراهين على ذلك. ثم إن النبوءات التى يتضمنها كتاب الله قد تحققت كلها، فضلا عن أن الإشارات العلمية التى تعرّض لها تنسجم مع المقطوع به من حقائق العلم بعد أن تقدم فى عصرنا هذا خطوات هائلة، وأن العقائد والأخلاق والتشريعات التى يدعو إليها تختلف مع ما فى الأديان الأخرى بما لا يمكن اتهامه معه بأنه أخذ دينه منها. وهذا الكتاب يقع فى نحو ثلاثمائة وخمسين صفحة، وهو متاح أيضا فى ذات الموقع السابق: "http://awad.phpnet.us". ثم إن المسألة لا تحتاج إلى كتابى هذا أو ذاك، فأى شخص يتمتع بشىء من الفهم والتمييز يستطيع فى التو واللحظة أن يقول بكل يقين إن القرآن وكلام الرسول شيئان مختلفان تمام الاختلاف فى الأسلوب والروح رغم اتفاقهما فى المضمون العقيدى والأخلاقى والتشريعى بطبيعة الحال. أما فى الروح والأسلوب فها هنا إله يتحدث، أما هناك فرسول يتكلم، ولا يمكن الخلط بين الكلامين إلا لمن فى قلبه مرض، ومثل هذا الشخص المريض القلب لا يقاس عليه ولا يؤخذ ما يقول مأخذ الجِدّ. يقول الكلب الكندى إن محمدا (الذى يصفه ذلك الكلب بــ"صاحبك الأعرابي الجِلْف") قد ضحك على البدو المتخلفين بأسجاعه التى سماها: "قرآنا". ونحن بدورنا نسأل: وكيف ضحك، يا كلب يا ابن الكلب، على الفُرْس الذين لم يكونوا بدوا متخلفين؟ أو على أهل الشام؟ أو المصريين؟ أو الترك؟ أو الهنود؟ أو الصينيين؟ أو الأندونيسيين؟ أو الأوربيين والأمريكان الذين يدخلون كل يوم فى عصرنا هذا فى دينه ويؤمنون بقرآنه؟ أو القساوسة والرهبان والأحبار الذين تركوا كتابهم المقدس كله إلى دينه وتوحيده على مدى كل تلك العصور؟ وهذا لو أن البدو قد آمنوا بسهولة كما يزعم الكلب! ذلك أن الذين آمنوا به فى أول الأمر إنما هم أهل مكة ثم أهل يثرب، وهؤلاء وأولئك حضريون لا بداة. فما رأى ذلك الكلب؟ ثم لو كان أتباع محمد عليه السلام بهذه السذاجة وذلك التغفيل على النحو الذى يزعمه ذلك المغفل الغبى أفكانوا يستطيعون فتح البلاد بامتداد الكرة الأرضية ويقيمون فى غضون بضعة عقود من السنين إمبراطورية عظيمة الشأن تشع بالعلم والأدب والإبداع الفكرى والأخوّة الإنسانية والتضامن الاجتماعى والنشاط الاقتصادى، وتحترم الأديان الأخرى وحرية معتنقيها، ولا تعرف ذلك النوع من التعصب الدينى المقيت الذى لا يطيق التعايش مع الآخر بل يسعى إلى القضاء عليه مما كان منتشرا بين النصارى أنفسهم آنذاك؟
18- ومن تنطع ذلك الكلب زعمه أنه اطلع على مصحف لمسيلمة الكذاب يضارع القرآن بل يتفوق عليه، وهذا كلامه بنصه: "وأشهد أني قرأت مصحفًا لمسيلمة لو ظهر لأصحابك لردَّ أكثرهم، إلا أنه لم يتهيأ لهؤلاء أنصارٌ مثلما تهيّأ لصاحبك". ولا أدرى عن أى مصحف يتحدث هذا الكذاب القرارى، أو كيف وصل إليه هو وحده ذلك المصحف دون خلق الله جميعا، ودون العرب بخاصة. أرأيت أيها القارئ الكريم كيف يلجأ هؤلاء الأوغاد إلى سلاح الكذب والافتراء؟ وهل ما بلغنا من كلام مسيلمة يسمى مصحفا؟ وهل حقٌّ أن ذلك الكلام لو كان وصل إلى أصحاب النبى لحوّلهم عن الإسلام؟ فقد وصلهم إذن هذا الكلام أيها الكذاب وعلق عليه أبو بكر متعجبا من سخفه بقوله لوفد أهل اليمامة إليه بعد إيقاع خالد بالمتنبئ الكذاب وقضائه عليه: ما كان يقول صاحبكم؟ قالوا: أَعْفِنا يا خليفة رسول الله؛. قال: لا بد أن تقولوا. قالوا: كان يقول: يا ضفدع، كم تنقين! لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدرين. لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكنْ قريش قوم لا يعدلون. فقال لهم أبو بكر: وحيكم! ما خرج هذا من إلٍّ ولا بِرّ، فأين ذُهِب بكم؟"، كما تهكم به الأحنف بن قيس قائلا إنه "ليس بنبى صادق ولا متنبئ حاذق"، وقال فيه ثمامة بن النعمان:
دعانا إلى ترك الديانة والهدى* مسيلمة الكذاب إذ جاء يسجعُ
فيا عجبا من معشرٍ قد تتابعوا* له في سبيل الغَيّ، والغي أشنعُ
وهذه مجرد أمثلة قليلة، وإلا فهناك غيرها كثيرٌ جِدُّ كثيرٍ، وهو ما يشى باحتقار المسلمين لمسيلمة و"مصحفه" احتقارا هائلا. ثم من يا ترى الذين قتلوا مسيلمة؟ أليسوا مسلمين سمعوا ما فى "مصحفه" فكفّروه وقتلوه، ولم يتأثروا به كما زعم الكندى الكذاب أنهم فاعلون لو سمعوه؟ ثم أليس ينبغى أن يكون قتله برهانا كافيا عند الكذاب النجس على أنه مدلس مثله كذاب وأنه من ثم من طينة غير الطينة التى منها محمد عليه السلام؟ أليس هذا هو المقياس الذى يقيس به الكلبُ النجسُ صدقَ الأنبياء أو كذبَهم؟ وأرجو ألا يضحك القراء من تسميتى هذا الكلام الخارج من دبر مسيلمة: "مصحفا"، فإنى إنما أجارى الوغد المداور وآخذه على قدر عقله التافه الصغير! ولقد كذّب مسيلمة نفسه وكذّب أيضا هذا الكذابَ الحقيرَ حين عرض على النبى أن يقتسما الأرض بينهما، بما يدل على أنه يعترف بنبوة النبى، وأن كل ما كان يريده هو اعتراف النبى به بدوره، وهو ما حَرَمه منه النبىُّ، لأنه نبى صادق، وليس مثل مسيلمة الكذاب يريد أن يكون نبيا والسلام! كما أن شريكته فى هذا الهراء، وهى النبية الكاذبة سجاح، قد تخلت عنه ورجعت إلى الإسلام، فكذّبت بذلك نفسها وشريكها الأحمق الذى أورد نفسه موارد التلف والهلاك فى الدنيا وموارد الجحيم فى الدار الآخرة! أوبعد ذلك كله ما زال الكندى الكذاب يقول إن عنده مصحفا لمسيلمة لو اطلع عليه أصحاب محمد لبدلهم تبديلا؟ ومع هذا فعندى شىء يمكن أن يستعمل فيه هذا الوغد مصحف مسيلمة ما دام لا يستطيع أن يضحك به على أحد من المسلمين، ألا وهو أن يمسح فيه دبره بعد قضائه الحاجة بدلا من أن يترك الفضلات على حوافه كعادة أشباهه الأنتان، ثم يمسحه فى فمه القذر بعد ذلك حتى يزداد استمتاعا وابتهاجا، شأن أى خنزير قذر دنس يأكل الفضلات ويلعق العذرة!
وعلى أى حال لا بأس أن نرفه عن أنفسنا وعن القراء بإيراد قصة مسيلمة وسجاح، التى تنبأت كما تنبأ، ثم رجعت إلى رشدها وفاءت إلى الإسلام. قال أبو هلال العسكرى فى كتابه: "الأوائل": "أول امرأة نُبِّئَتْ سجاح بنت سويد بن خالد: أخبرنا أبو أحمد عن رجل نسيت اسمه قال: قال عمر بن بكير عن هشام بن الكلبي عن عوانة أو غيره قال: كان من حديث سجاح بنت سويد بن خالد بن أسامة بن العنبر بن يربوع التميمية، وتُكْنَى: أمّ صادر، وأخوها عتبان، وكانوا من بني تغلب، فلما قُبِض النبي صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، وكانت الردة، نبئت سجاح وخرجت من بني تغلب، فتبعها أناس كثيرون من النمر بن قاسط وإياد، ومن بني تغلب الهذيل بن عمران، فخرجت تسير بهم إلى بلاد بني تميم، فلقيها بنو حنظلة فقالت: أنا امرأة منكم، والملك ملككم، وقد بُعِثْتُ نبية. قالوا: مُرِينا. قالت: إن رب السماء والتراب، يأمركم أن توجهوا الركاب، وتستعدوا للنهاب، ثم تغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب. فسارت بنو حنظلة إلى بني ضبة، وهم من الرباب، وسارت سجاح ومن معها من بني تغلب والنمر بن قاسط إلى حفر التيم، وعليه من الرباب بنو عدي وثور. فأما بنو حنظلة فلَقُوا بنى ضبة فهزمتهم، ولقيت سجاح ومن معها تيما وعديا وثورا فقاتلوهم قتالاً شديدًا. وجاءتهم وفود بني تغلب والنمر وإياد، وأرسلت بنو ضبة يطلبون إلى حنظلة أن يُودُوا قتلاهم ويصالحوهم، فقالت: لا تعجلوا على الرباب، فإنهم يحثّون نحوكم الصعاب. ثم قالت: عليكم باليمامة، فإنها دار إقامة، نلقى أبا ثمامة، فإن كان نبيا ففي النبي علامة، وإن كان كذوبا فله ولقومه الندامة، ولا يلحقكم بَعْدُ ملامة. فخرجوا نحوها، ومعها عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد وعمرو بن أهثم والأقرع بن حابس وشبيب بن ربعي، وهو مؤذنها، فساروا حتى نزلوا الصمان. فبلغ ذلك مسيلمة الكذاب، وكان قد تنبأ، فتجسس أهل اليمامة لها، فقال مسيلمة: دعوني ورأيي. فأهدى لها وكتب إليها أن موعدنا يوم كذا نلتقي فيه ونتدارس. فإن كان الحق بيدك بايعناك، وإن كان في أيدينا بايعتنا. فخرجت في أربعين، فلما جلسوا أحصاهم ثم قال: ليقم من ها هنا عشرة، ومن ها هنا عشرة، ومن ها هنا عشرة، ومن ها هنا عشرة، حتى ننظر من صاحب الأمر. فقاموا، فقال مسيلمة لغلامه: عَثِّنْ لها لتذكر الباه (والعثان الدخان)، أي بَخِّرْ لها بشيء من الطيب. فقال مسيلمة: لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشا لا يعدلون. رحم الله من سمع، ومازال أمره في كل ما شاء مجتمع، وأطمع في الخير فطمع. أراكم الله محياكم، ومن رجزٍ خلاكم، ويوم القيامة نجّاكم. علينا صلوات من معشر أبرار، لا أشقياء ولا نجار، يصلون بالليل ويصومون بالنهار، ولربهم الكبار، رب النور والأمطار، ولما رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت، وأيديهم انبسطت، النساءَ يأتون، والخمرَ يشربون. أنتم معشر الأبرار، سبحان ربي كيف يَحْيَوْن، وإلى رب السماء يَرقَوْن، لو أنها حبة من خردلة في جندلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، أكثر الناس يومئذ المبثور. قالت: أشهد أنك نبي. وآمنتْ به، فقال: إنكن معشر النساء خُلِقْتُنّ لنا أفراجا، وخُلِقْنا لكم أزواجا، فإذا ملكناكن أرتجن لنا إرتاجا، فنولجه فيكن إيلاجا، فتخرجن أولادا إنتاجا. قالت: صدقت. ثم قال:
ألا قومي إلى البيت* فقد هُيِّي لك المضجعْ
فإن شئتِ بثلثيه* وإن شئتِ به أجمع
وإن شئتِ سلقناك* وإن شئتِ على أربع
قالت: بذلك أُوحِيَ إليّ. قال: هل لك أن تزوجيني نفسك، فيكون الملك بيننا، ونخفف من عشيرتنا؟ قالت: نعم. فتزوجها وانطلق إلى اليمامة، وتركت الجمع الذي كان معها بالصمان، ورفع مسيلمة عن بني تميم صلاة الغداة والظهر والعشاء، وقال: إن بني تميم لقاح لا أتاوة عليهم (يعني الخراج). فعامة بني تميم لا يصلون هذه الصلوات إلى اليوم، فلم تزل عند مسيلمة إلى أن قُتِل، فهربت فلم توجد، ثم أسلمت فتزوجها رجل من قومها، فولدت له ثلاثة وماتت بالبصرة. قالوا: ولما وقع عليها مسيلمة خرجت إلى قومها وهي تَنْطُف عرقا. قالوا: ما عندك؟ قالت: وجدتُه أحق بالأمر مني فبايعته وزوجته نفسي. قالوا: ومثلك لا يتزوج بغير مهر؟ فقال مسيلمة: جعلت مهرها أن رفعتُ عنكم صلاة الغداة والعتمة، فقد أُوحِيَ إليّ بذلك. قالوا: وما هو؟ قال: ضفدع بنت ضفدعين رأسك في الماء ورجلك في الطين، لا ماء تكدرين، ولا شارب تنفضين، سجاح بنت الأكرمين، قومي ادخلي التيطون، فقد وضعنا عن قومك صلاة المعتمين، فرَضُوا. فلما عرف قومها حالها قال عطارد بن حاجب بن زرارة:
أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها* وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
فلعنة الله رب الناس كلهم* على سجاح ومن بالإفك أغوانا
أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت* أصداؤه غيث مزن حيثما كانا"
18- ومما يتعرض له الكندى الأحمق مسألة إعجاز القرآن، الذى يسخر من قوله تعالى بشأنه: "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء/ 88)، والذى يروح فى مناقشته مناقشة نظرية ساذجة كتلك التى راح فيها عند كلامه عن ألوان الشرائع كما رأينا قبل قليل، إذ يقول: "فأخبِرْني، أصلحك الله، عن قول صاحبك: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (سورة الإسراء/ 88). أفتقول: أفصح ألفاظًا منه؟ فجوابنا لك في هذا: نعم. أفصح منه كلام اليونانية عند الروم، والزوبة عند أهل فارس، والسريانية عند أهل الرها والسريانيين، وعبرانية بيت المقدس عند العبرانيين، فإن كل لسان له كلام فصيح عند أهله من سائر الألسن، ولهم ألفاظ فصيحة يتخاطبون بها، وهي عندك كلها أعجمية. كما أن لسانك العربي الفصيح أعجمي عندهم. هذا إذا أطلقنا قولك إن كتابك أفصح ألفاظًا بالعربية، فصاحب فصاحة الألفاظ هو الذي لا يحتاج إلى استعارة ألفاظ غيره، ولا يستعين بها في خُطَبه وكلامه، بل يكون مستغنيًا بمعرفته وفصاحته عن لسان غيره. ونحن نرى صاحبك قد افتقر في كتابه إلى استعمال كلمات غيره، وهو القائل: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا، ولكنه استعان من الفارسيّة بــ"الإستبرق وسندس وأباريق ونمارق"، ومن الحبشيّة "المشكاة" وهي الكُوّة، ومثل هذا كثير قد استعمله في كتابه، فنقول إن العربية ضاقت عليه فلم يكن فيها من الاتساع ما ألجأه إلى لسان غيره في هذه الأشياء، سيما وأنت ترى أنها مُنزَّلة من عند رب العالمين على يد جبريل الملك الأمين. فأنت تُوقِع النقص بالمرسِل أو بالرسول. فإن كان من عند صاحبك فوقع النقص به لأنه لم يكن يعرف هذه الأسماء بالعربية، فلذلك أعجزته. فهذه ألفاظ امرئ القيس وغيره من الشعراء والفصحاء المتقدمين والمتأخرين الذين لا يُحْصَى عددهم، وكلام الخطباء والبلغاء الذين كانوا قبل مجيء صاحبك أفصح ألفاظًا منه وأرقّ وأدقّ معان بإقراره لأهلها حيث حاجّوه فقطعوه فقال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (سورة الزخرف/ 58) لأنهم خصموه فكانوا خصمًا بأصحّ حجة، وكانوا أبلغ في الخطابة منه، وهو القائل إن من البيان لسحرًا. فلا يخلو إذًا أمر هذا الكتاب مما وُضِع فيه من الألفاظ الأعجمية من أن يكون قد ضاق على صاحبك اللسان العربي، مع علمنا أن لساننا العربي أوسع الألسن كلها. أو أن يكون قد أُدْخِلَتْ فيه الزيادة من قوم آخرين، كما ذكرنا لك في أصل خبره، وأن الأيادي الكثيرة قد تداولته. فأخبرني أيّ القولين أحببت، فإنه لا محيص لك من أن تقول بأحدهما، وأنت عارف بنتيجة ذلك إذا قلتَه. فإن قلتَ إنهم لا يقدرون أن يأتوا بمثل تنضيده وترصيعه، قلنا لك إن تنضيد الشعراء لشعرهم ووزنهم له الوزن الصحيح الذي هو أصعب وأدق معنى، واختيار الألفاظ النقية الصافية العربية الخالصة مع اتساق المعنى الحسن أكمل في الأحكام وأصح في الصنعة، لأن كتابك كله سجعٌ منكسر وكلام مختلف وتكبير معانٍ لا معنى لها. فإن قلتَ: بل هو أصح معاني، سألناك: أي معنى جديد ظفرت به فيه نتعلمه منك؟ وأي معنى صحيح وجدته فيه، فأوقفنا عليه! وأي خبرٍ لم نسمعه على غاية التمام والكمال من الشرح والصحة في الكتب المتقدمة، أَفِدْنا منه".
وردنا على ذلك كله يتلخص فى كلمة واحدة هى أن القرآن لا مثيل له فعلا فى تحريك الهمم الخامدة وإحيائه النفوس الميتة، فها هم أولاء العرب بعد أن جاءهم القرآن وآمنوا به قد تغيروا من حال إلى حال أخرى غير التى كانوا عليها، فأَضْحَوْا سادة وأصحاب إمبراطورية فى غضون عدة عقود من السنين قلائل بعد أن كانوا أمة متخلفة فى كل مناحى الحياة، وهو ما لم يحدث من قبل ولا من بعد. وهم حين فعلوا ذلك لم يفعلوه فى مواجهة أمم متخلفة مثلهم بَلْهَ أقلَّ منهم، بل مع أمم ذات حضارة وتاريخ وعلوم ونظام إدراى وعسكرى وسياسى ليس لهم منه قليل ولا كثير، وأكثر عددًا وأقوى عُدّةً منهم بما لا يقاس. وما زال دينهم قائما فى نفوس أهل تلك البلاد حتى الآن، وكذلك لغتهم وتاريخهم. بل إن من أهل تلك البلاد من تفوق على العرب الأصلاء فى معرفة العربية والإبداع بها، وفى دراسة الإسلام والتعمق فيه. فهذا ما لم يستطعه كتاب آخر قبل القرآن ولا بعد القرآن، وهذا هو إعجازه أولا وقبل كل شىء. أما قوله إن العرب قد خَصَموا النبى، أى انتصروا عليه، فلا أدرى كيف تواتى هذا الكذابَ نفسُه لقول ذلك، والعرب جميعا قد انتهى أمرهم معه عليه الصلاة والسلام بالخضوع التام له بعقولهم وقلوبهم وضمائرهم، وفى عاداتهم وتقاليدهم وسلوكهم وأذواقهم، بما يعنى أنه هو الذى انتصر عليهم كلهم. أما كلام صاحبنا فلا معنى له إلا أن الرسول عندما مات قد مات معه دينه لفشله فى أن يقنع قومه بنبوته، وهذا لا يقول به إلا رقيع سخيف العقل! والعجيب أنه قال قبل هذا إنه عليه السلام قد ضحك على العرب وأقنعهم بنبوته لأنهم قوم سذَّج، فلماذا عاد فقال إنهم قد خصموه، أى حاجوه وهزموه ولم يقتنعوا بدينه؟ إنه هنا يذكرنى بطه حسين، الذى رفض الشعر الجاهلى وأنكر صحته لأنه لا يعكس الرقى العقلى الذى يشير إليه القرآن حسب زعمه حين وصفهم بأنهم قوم خَصِمون، ثم حين أراد أن ينكر الخطابة الجاهلية أيضا لجأ إلى حجة مضادة قائلا إنهم كانوا من التخلف الفكرى بحيث لا يمكنهم الخطابة. فهذا من هذا، وهو ما يدل على أن أعداء محمد ينزعون عن قوس واحدة! ثم إن الخَصِم لا يعنى من ينتصر عليك بالحجة والفصاحة، بل من يظل يجادلك ولا يقبل التسليم برأى غير الذى يراه مهما تتابعت البراهين على سخف ما يرى وحماقة ما يقول. كما أن كلمة "قومٌ خَصِمون" إنما يراد بها هنا سفلة العرب ومتعصبتهم غلف القلوب، وإلا فلدينا علىٌّ وزيدٌ وأُبَىٌّ وسعدُ بن أبى وقاص وسعدُ بن معاذ وأبو موسى الأشعرى وحمزةُ وسعيدُ بن زيد وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ وخالدٌ وعمرُو بن العاص وخديجةُ وعائشةُ وحفصةُ وزينبُ وأم رومان... إلخ إن كان لهذا من آخر! ثم إن وصفه تعالى لهؤلاء الكفار المتصلبى شرايين الذهن والقلب بأنهم "قوم خصمون" هو نفسه ما تكرر مرارا فى الكتاب المقدس منسوبا إلى الله عز وجل من أن بنى إسرائيل "شعبٌ صُلْبُ الرقبة". فهل نقول كما قال الغبى المتخلف إن بنى إسرائيل أفصح منه سبحانه وأبرع فى الحجة وأصدق؟ أم ماذا؟ أَجِبْ يا عقل العصفور، أَجِبْ! كذلك ينبغى، بناء على هذا، أن نقول إن اليهود قد أحرزوا انتصارًا ساحقًا مستحَقًّا على المسيح عند محاكمته وصلبه، ومن ثم فهو يستأهل ما جرى له لأن حجتهم هى التى انتصرت واكتسحت! أليس كذلك أيها الخنزير النجس؟ ألم تسمع بذلك القول الحكيم: "حاججتُ عاملا فغلبته، وحاججتُ جاهلا فغلبنى"؟
وأما أن فى القرآن ألفاظا أجنبية رغم قول القرآن عن نفسه إنه نزل بلسان عربى مبين، فهو كلام يدل على جهل لا يليق بصاحبه أن يتصدى لمثل تلك القضايا. ذلك أنه ما من لغة فى الدنيا إلا وفيها ألفاظ من لغات شتى، فلماذا تشذ العربية عن ذلك؟ وهذه الألفاظ التى أخذتها كل لغة عن غيرها لا تنفى عنها صبغتها القومية، وإلا ما صح أن نقول: لغة إنجليزية، أو فرنسية، أو عبرية، أو فارسية... إلخ لأن فى كل من الإنجليزية والفرنسية والفارسية والعبرية ألفاظا من لغات كثيرة منها العربية. والدليل على ما نقول فيما يخص القرآن هو أن تلك الكلمات موجودة فى العربية قبل ذلك، ومع هذا كان اسمها "اللغة العربية"، فبأى سبب يريد هذا الحمار أن ينفى عنها العروبية بعد مجىء الإسلام؟ والواقع أن تحديد هوية العربية لا يعتمد على الألفاظ وحدها، بل يعتمد قبل هذا على الاتساع الهائل فى معجمها اللفظى وكثرة مترادفاتها وخضوع صيغ كلماتها لقوانين دقيقة والمرونة العجيبة فى تركيب جملها وعبقرية نظامها الإعرابى وحلاوة أسجاعها وجناساتها وتورياتها وموازناتها وسهولة استحداث كلماتها الجديدة اشتقاقا أو نحتا أو ترجمة أو تعريبا وحرصها على سلاسة ألفاظها بحيث لا يتجاور حرفان متنافران أو تبدأ الكلمة بساكن أو يتتابع ساكنان مثلا، فضلا عن كثرة اللغات الأجنبية التى استعارت من ألفاظها الكثير الكثير كالفارسية والتركية والأوردية والسواحلية والإسبانية والمالطية وقلة الألفاظ الأجنبية التى تتضمنها نظرا لميل أهلها إلى ترجمة المستعار الأجنبى، أو على الأقل تعريبه، أى إعطائه شكلا عربيا كـــ"تلفاز" بدلا من "تليفزيون" مثلا. أما الاستعانة بألفاظ أعجمية فهو أمر طبيعى حين يدل هذا اللفظ على حيوان أو نبات أو فاكهة لا تعرفها البيئة العربية كحيوان "الرَّنّة" مثلا أو فاكهة "الباباظ" أو ثمرة "الأفوكادو"، أو اختراع سُبِق العرب إليه كــ"الأوتوموبيل"، الذى سرعان ما زال وأخلى مكانه لـ"السيارة"، و"الموتور"، الذى نسميه الآن: "المحرك"، و"الوابور"، الذى نقول عنه منذ وقت جد بعيد: "القطار"... وهكذا. والآن ألا يرى القارئ مدى العناد والغباء لدى هذا المسكين؟ ثم إن العرب لم يستعجم عليهم شىء فى القرآن، وإلا فكيف تجاوبوا معه وآمنوا به وجاهدوا فى سبيله وحفظوه وصانوه فى بؤبؤ عيونهم وشغاف قلوبهم؟ أما ادعاؤه بأن الشعر أفصح من القرآن فلا رد عليه أنجع من أن نقول إن الشعراء جميعا قد آمنوا بمحمد، ولم يؤمن محمد بالشعراء، وكانوا كلهم فى خدمته ينافحون عن دعوته ويجلّونه ويبجلونه ويهجمون على أعدائه يمزقونهم بألسنتهم تمزيقا. وليس هناك كتاب فى الدنيا قد أثار العقول وأنارها كما صنع القرآن، ووُضِعَت حوله الدراسات كما وُضِعت الدراسات حول القرآن، وكان سببا فى ظهور علوم كثيرة كما كان القرآن. فما قول الغبى الأحمق فى هذا؟ ثم إننا نقرأ شعر الشعراء ونثر الناثرين، ونقرأ القرآن فنشعر أن هذا القرآن هو من عند الله، ولا نحس بشىء من ذلك فى قراءتنا للشعر. ثم كيف يسوّى ذلك الكائن الحقير بين القرآن فى جلاله ونبل مبادئه وسمو معانيه وعظمة تشريعاته وبين غزل المتعزلين وعهر العاهرين وهجاء الهجائين وفحش السكيرين وفخر الفاخرين ووصف البقر والجمل والحصان والأطلال عند الوصّافين؟ ويبقى قوله إن القرآن قد زيد فيه ونُقِص، ولن أتعب قلبى فى تفنيد هذا الغثاء بأزيد من التنبيه إلى حقيقة تفقأ عين كل مكابر وتشرم دبر كل منحط جاهل، وهى أن القرآن من أوله إلى آخره ماء واحد ليس بين بعضه وبعض أى تفاوت سواء من ناحية فخامة الأسلوب وجلاله أو من ناحية ألفاظه وتراكيبه وعباراته وصُوَره وإيقاعه أو من ناحية الروح الذى يرفرف عليه أو من ناحية موضوعاته ومضامينه. وأخيرا يقول الوغد الزنيم إنه لو كان قد قُدِّر لمسيلمة وطلحة وسائر الأنبياء الكذابين أصحاب كالذين أتيحوا لمحمد لكانوا قد نجحوا مثله. والسؤال: ولماذا لم يتح لهم ما أتيح لرسولنا الكريم؟ السبب ببساطة هو أنه نبى عبقرى، أما هم فأشباه رجال حقراء مثلك! أفهمت أيها الكافر اللئيم؟ والواقع أن كل ذلك العناد الكافر مبعثه أن محمدا عليه الصلاة والسلام قد أراد للبشر أن يفكروا بعقولهم وأن يخلعوا عن عقائدهم بشاعة الوثنية وأن يُخْلِصوا إيمانهم لله وحده فلا يشركوا معه واحدا من عباده المتبولين الخارئين؟ أرجو أن يرى القارئ مدى تهافت المنطق عند ذلك الكائن الرذيل! ألا لعنة الله على كل كفار زنيم!
19- وهنا نراه وقد ركبته الجلالة واندمج فى الدور فأخذ يعطينا دروسا فى التوحيد، وهو الوثنى المرتكس، فقال: "وأما قولك إنه مكتوب على العرش: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فلقد كثُر تعجُّبي منك. كيف أمكن أن تتصور مثل هذا أنه صحيح حتى ترويه وتكتب به إلى مثلي من أهل اليقين وصحة الانتقاد، لأنك في حكمتك لم تترك شيئًا لليهود الذين يحدّون الله ربَّهم أنه جالس على عرشٍ محدود، فلم ترض أن أجلسته على عرش محدود حتى تكتب على العرش اسمه واسم آخِرِ من خَلْقه". وقبل أن أذكر رأى أهل الحديث فى ذلك الحديث أود أن أقف بالقارئ قليلا أمام الحُمَّى التى أصابت صاحبنا عند ذكر تجسُّد الله، وكأنه من أهل التوحيد والتجريد، وليس يعبد عبدا يأكل ويشرب ويبول ويخرأ ويمرض ويقلق وينفعل ويشتم ويتفوه بألفاظ مسيئة، ثم يقول عنه إنه الله متجسدا. وعجيب أن يسخر من اليهود، وهو أشد منهم إغراقا فى التجسيد! ثم إن هذا الحديث ليس بالحديث الصحيح، بل حدد العلماء درجته بأنه "كذب موضوع". ومن ثم فلا داعى لكل تلك الضجة التى لو صح الحديث مع ذلك لما كان ثمة داع لإحداثها، لأن ما فى دين الوغد من التجسيد يربو ملايين المرات على ما فى ذلك الحديث، إن كان فيه تجسيد حقا، ولم يكن الكلام فيه رمزيا استعاريا كما هو الحال فى كثير من العبارات المشابهة كما يعرف كل من له أدنى مُسْكة من عقل!
20- ثم ينتقل بكلامه إلى موضوعات أخرى منها غسل الأيدى من أجل الصلاة الذى يسخر به ويتهكم مؤكدا أنه لا قيمة له، إذ العبرة بطهارة القلب كما فى النص الإنجيلى الذى استشهد به، وهو ما يذكرنا بكلام العوام عندنا من أن "ربك رب قلوب"، يعنون أنه لا تهمّ الصلاة ولا الصيام ولا الحج، بل المهم أن يكون الإنسان مؤمنا بالله، مع أن الصلاة والصيام والحج هى بعض من أدلة ذلك الإيمان، وإلا فكيف يكون إيمان بالله فى الوقت الذى لا يريد مُدَّعُو ذلك الإيمان أن يؤدوا الصلاة أو الصيام أو الحج له سبحانه طبقا لما أمرنا به عز وجل؟ ثم ما حكاية أن الذى ينجّس حقا ليس ما يدخل الفم والبطن، بل ما يخرج منه؟ مرة أخرى هذا الكلام هو بكلام العوام وأفكارهم أشبه، لأن الشخص الذى لا يغسل يديه قبل الطعام يكون عرضة للإصابة بالمرض تبعا لطبيعة الجرثومة أو المكروب أو الفيروس الذى يلوثهما. وكنت أتوقع أن يشدد المسيح على هذا المعنى لتجنيب البشر أمراضا كثيرة، لكن ذلك الكلام المنسوب له صلى الله عليه وسلم قد خيب أملى وظنى تخييبا شديدا، ولا أظن أبدا أن الله سبحانه يمكن أن يكلف رسولا من رسله بإشاعة مثل هذا التوجه ولا ذلك الفهم بين العباد، وإلا كانت فضيحة أن يكون الإله عديم الوعى الصحى إلى هذا الحد المخزى! وقد قال المسيح ذلك طبقا لمؤلفى الأناجيل حين رأى اليهود يهتمون بغسل الأيدى قبل تناول الطعام ونبهوه إلى أنه ينبغى عليه حذو ما يفعلون. ولا يصح أن تحملنا كراهيتنا للنفاق اليهودى عند الفريسيين على العناد ورفض النظافة وغسل الأيدى من جذورها. ذلك أن نفاق الفريسيين شىء، والحرص على النظافة شىء آخر. وحتى لو كان اهتمامهم بالنظافة مبعثه التمسك الشكلى بالطقوس لقد كان أحجى بالمسيح أن يرفض نفاقهم، ولكن مع الحرص فى ذات الوقت على الاهتمام بالنظافة رغم ذلك، إذ ليس هناك أدنى تعارض بين الأمرين. كذلك يضحكنا فى الكلام المنسوب للمسيح صلى الله عليه وسلم قوله إن التبول والتبرز يطهر الإنسان من نجاسة اللحم الممنوع، إذ ما علاقة هذا بذاك؟ واضح أن من كتب هذا الكلام كان يتصور أن الأكل إنما يمر من الفم إلى البطن إلى الخارج دون أن يعرج فى طريقه على مكان آخر، وهى فكرة خاطئة تماما، إذ الطعام لا يخرج إلى الخلاء إلا بعد أن تكون عناصره الغذائية قد امْتُصَّتْ فى الدم وخالطته وأصبحت بعد هذا جزءا لا يتجزأ من الجسم. ثم إن معظم ما عدّه المسيح (طبقا لما نسبه له مؤلفو الأناجيل) "أفكارا" ليس من الأفكار فى شىء. ترى هل الزنا فكرة؟ هل السرقة فكرة؟ هل القتل فكرة؟ إن كل شىء من هذا إنما هو سلوك لا فكرة. كما أن الأفكار من قبيل الكبر والطمع والعهارة وما إلى ذلك، إن عددناها أفكارا، إنما تأتى من الخارج وتغزو الداخل. ذلك أن الشهوة مثلا إنما تثور فى النفس حين يرى الإنسان امرأةً فاتنةً مِغْنَاجًا، والكِبْر إنما يصيب القلب عندما يجد الشخص أمامه ناسا ضعفاء أذلاء جبناء يغرونه بالتجبر بمنصبه أو ماله عليهم. لهذا ولذاك فإننا لا نوافق على ما يقوله النص التالى: "لَمَّا دَخَلَ مِنْ عِنْدِ الْجَمْعِ إِلَى الْبَيْتِ، سَأَلَهُ تَلامِيذُهُ عَنِ الْمَثَلِ. فَقَالَ لَهُمْ: أَفَأَنْتُمْ أَيْضًا هكَذَا غَيْرُ فَاهِمِينَ؟ أَمَا تَفْهَمُونَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الإنْسَانَ مِنْ خَارِجٍ لا يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ، لأنَّهُ لا يَدْخُلُ إِلَى قَلْبِهِ بَلْ إِلَى الْجَوْفِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْخَلاءِ، وَذلِكَ يُطَهِّرُ كُلَّ الأَطْعِمَةِ . ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسَانِ ذلِكَ يُنَجِّسُ الإنْسَانَ. لأنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإنْسَانَ". أما وصف الوقح صلاة الإسلام بأنها مظاهر مبهرجة، فأين ذلك، وصلاة المسلمين هى أبسط الصلوات، فلا موسيقى ولا طقوس غريبة ولا أسرار ولا وثنيات ولا عبادة للبشر ولا ضرورة لأن يقودها رجل دين أصلا؟ إنه لم يجد فى الورد عيبا فقال له: يا أحمر الخدّين!
21- وفى هذا السياق يؤكد صاحبنا أن "السبب في تحريم الخنزير والجمل وغيرهما على بني إسرائيل... أنهم عندما كانوا مقيمين بمصر كان المصريون يعبدون الأصنام التي تشبه الثيران والبقر والكِبَاش وسائر الغنم. ألا ترى كيف قال موسى لفرعون: لا يجوز أن نقرّب لله قرابين تُجَاه المصريين، لأننا نريد أن نقرِّب القرابين التي يعبدونها، فإذا فعلنا ذلك أمامهم يرجموننا إذا قربنا آلهتهم وذبحناها؟ ودليل آخر: أن موسى لما أقام في طُور سيناء طلب بنو إسرائيل من هارون أخيه أن يصنع لهم عِجْلاً يعبدونه لأن موسى أبطأ عليهم، فصنع لهم صنمًا على صورة العجل على منهاج ما كانوا يَرَوْنَ من عبادة أهل مصر". هذا ما ذكره شبيه الرجال، ولكن من قال إن سبب تحريم الخنزير والجمل على بنى إسرائيل هو أنه، أثناء إقامتهم بمصر، "كان المصريون يعبدون الأصنام التي تشبه الثيران والبقر والكباش وسائر الغنم"؟ أرجو أن يأتينا ذلك البكاش (أو من ينشرون تدليساته هذه فى المواقع المشباكية) من العهد القديم بهذا التفسير المضحك الذى لو كان هو التفسير الصحيح لحرّم الله لحوم جميع الحيوانات التى يعبدها المصريون ولقال إنها إنما حُرِّمت لهذا السبب. بل إنه سبحانه، رغم صنع هارون العجل وعبادة بنى إسرائيل له، لم يحرم أكله، فى الوقت الذى حرم الخنزير والجمل رغم عدم عبادة المصريين ولا بنى إسرائيل له، وهو ما يدل على أن الكندى يكذب ويدلّس ويقول أى كلام، والسلام.
وهذا هو ما جاء فى سفر "الخروج" خاصا بذلك الموضوع بدءا من الإصحاح الثامن: "25فَدَعَا فِرْعَوْنُ مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالَ: «اذْهَبُوا اذْبَحُوا لإِلهِكُمْ فِي هذِهِ الأَرْضِ». 26فَقَالَ مُوسَى: «لاَ يَصْلَحُ أَنْ نَفْعَلَ هكَذَا، لأَنَّنَا إِنَّمَا نَذْبَحُ رِجْسَ الْمِصْرِيِّينَ لِلرَّبِّ إِلهِنَا. إِنْ ذَبَحْنَا رِجْسَ الْمِصْرِيِّينَ أَمَامَ عُيُونِهِمْ أَفَلاَ يَرْجُمُونَنَا؟ 27نَذْهَبُ سَفَرَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْبَرِّيَّةِ وَنَذْبَحُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا كَمَا يَقُولُ لَنَا». 28فَقَالَ فِرْعَوْنُ: «أَنَا أُطْلِقُكُمْ لِتَذْبَحُوا لِلرَّبِّ إِلهِكُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَلكِنْ لاَ تَذْهَبُوا بَعِيدًا. صَلِّيَا لأَجْلِي». 29فَقَالَ مُوسَى: «هَا أَنَا أَخْرُجُ مِنْ لَدُنْكَ وَأُصَلِّي إِلَى الرَّبِّ، فَتَرْتَفِعُ الذُّبَّانُ عَنْ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ وَشَعْبِهِ غَدًا. وَلكِنْ لاَ يَعُدْ فِرْعَوْنُ يُخَاتِلُ حَتَّى لاَ يُطْلِقَ الشَّعْبَ لِيَذْبَحَ لِلرَّبِّ».30فَخَرَجَ مُوسَى مِنْ لَدُنْ فِرْعَوْنَ وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ. 31فَفَعَلَ الرَّبُّ كَقَوْلِ مُوسَى، فَارْتَفَعَ الذُّبَّانُ عَنْ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ وَشَعْبِهِ. لَمْ تَبْقَ وَاحِدَةٌ. 32وَلكِنْ أَغْلَظَ فِرْعَوْنُ قَلْبَهُ هذِهِ الْمَرَّةَ أَيْضًا فَلَمْ يُطْلِقِ الشَّعْبَ..."، فأين كلام مؤلفى سفر "الخروج" عن عبادة المصريين للخنزير والجمل؟ إن الكلام إنما هو عن العجل، فهذا هو رجس المصريين. وحتى لو افترضنا أن ما قاله الكندى الكذاب صحيح، لقد كان المنطقى أن يأمر الله بنى إسرائيل أمرا صارما (على الأقل بعد أن تركوا مصر ولم يعودوا يتعرضون لأذى المصريين بسبب ذلك) أن يذبحوا هذه الحيوانات وأن يأكلوها كى يقر فى أذهانهم وقلوبهم وضمائرهم أنها ليست آلهة، بل مجرد حيوانات تُذْبَح وتُؤْكَل. ثم لو افترضنا مرة أخرى أن تحريم الخنزير والجمل راجع لعبادة المصريين لهذين الحيوانين، لقد كان المنتظر والمنطقى أن يمتد التحريم لسائر الحيوانات المعبودة لديهم حسبما قلنا. لكن شيئا من هذا لم يحدث، كما أن الخنزير والجمل لم يكونا من تلك الحيوانات المعبودة فى مصر كما سلف القول. وفوق ذلك لقد كان المنطقى، طبقا لذلك التفكير السخيف المتهافت، أن يتم تحريم الخنزير والجمل فى مصر خوفا أن يثير ذبحهما ثائرة المصريين رغم سماح الفرعون لبنى إسرائيل بذبح رجس المصريين، بيد أننا نفاجأ بأنه إنما تم فى شبه جزيرة سيناء بعد أن ترك بنو إسرائيل مصر ونجاهم الله من أيدى فرعون مصر. ليس ذلك فقط، بل لا بد أن نضيف أن خوف الإسرائيليين من ذبح رجس المصريين (الذى لم يكن من بينه الخنزير والجمل كما قلنا) إنما كان مقتصرا على ذبحه قربانا لله لا لأكله. ثم لو كان تحريم الخنزير يرجع للسبب المضحك الذى ذكره الكندى، فلماذا يا ترى لم يُحِلّ المسيحُ لَحْمَه؟ إن الذى أحلّه إنما هو بولس نزولا على ذوق الوثنيين وشهواتهم كيلا يخسرهم، فأباحه حتى يغريهم بالدخول فى النصرانية، التى كانت تقدم التنازل تلو التنازل على يديه مما أبعدها عن الدعوة التى دعا بها عيسى عليه السلام.
وعلى أية حال هذا هو النص الخاص بتحريم لحم الإبل والخنزير وغيرهما من الحيوانات فى شريعة موسى، ومنه يتبين أنه لا علاقة لتحريمه بديانة المصريين البتة خلافا لما يزعم الكندى المدلِّس، وبخاصة أنهما إنما حُرِّما بعد خروج موسى وقومه من مصر حسبما أشرنا آنفا: "1وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلاً لَهُمَا: 2«كَلِّمَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: هذِهِ هِيَ الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: 3كُلُّ مَا شَقَّ ظِلْفًا وَقَسَمَهُ ظِلْفَيْنِ، وَيَجْتَرُّ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَإِيَّاهُ تَأْكُلُونَ. 4إِلاَّ هذِهِ فَلاَ تَأْكُلُوهَا مِمَّا يَجْتَرُّ وَمِمَّا يَشُقُّ الظِّلْفَ: الْجَمَلَ، لأَنَّهُ يَجْتَرُّ لكِنَّهُ لاَ يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 5وَالْوَبْرَ، لأَنَّهُ يَجْتَرُّ لكِنَّهُ لاَ يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 6وَالأَرْنَبَ، لأَنَّهُ يَجْتَرُّ لكِنَّهُ لاَ يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 7وَالْخِنْزِيرَ، لأَنَّهُ يَشُقُّ ظِلْفًا وَيَقْسِمُهُ ظِلْفَيْنِ، لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 8مِنْ لَحْمِهَا لاَ تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لاَ تَلْمِسُوا. إِنَّهَا نَجِسَةٌ لَكُمْ" (لاويين/ 12)، وهو نفسه ما جاء فى الإصحاح الرابع عشر من سفر "التثنية": "3لاَ تَأْكُلْ رِجْسًا مَّا. 4هذِهِ هِيَ الْبَهَائِمُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا: الْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَالْمَعْزُ 5وَالإِيَّلُ وَالظَّبْيُ وَالْيَحْمُورُ وَالْوَعْلُ وَالرِّئْمُ وَالثَّيْتَلُ وَالْمَهَاةُ. 6وَكُلُّ بَهِيمَةٍ مِنَ الْبَهَائِمِ تَشُقُّ ظِلْفًا وَتَقْسِمُهُ ظِلْفَيْنِ وَتَجْتَرُّ فَإِيَّاهَا تَأْكُلُونَ. 7إِلاَّ هذِهِ فَلاَ تَأْكُلُوهَا، مِمَّا يَجْتَرُّ وَمِمَّا يَشُقُّ الظِّلْفَ الْمُنْقَسِمَ: الْجَمَلُ وَالأَرْنَبُ وَالْوَبْرُ، لأَنَّهَا تَجْتَرُّ لكِنَّهَا لاَ تَشُقُّ ظِلْفًا، فَهِيَ نَجِسَةٌ لَكُمْ. 8وَالْخِنْزِيرُ لأَنَّهُ يَشُقُّ الظِّلْفَ لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. فَمِنْ لَحْمِهَا لاَ تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لاَ تَلْمِسُوا". وعبثا نبحث فى هذين النصين عن شىء يربط بين تحريم الإبل والخنزير وبين عبادات المصريين، إذ لا يوجد فيهما ولا فى غيرهما من نصوص العهد القديم أو الجديد ما يُفْهَم منه ولو بالتأويل المتعسف أن ذلك التحريم يرجع إلى تلك العلة!
وفى مادة "خنزير" من "دائرة المعارف الكتابية" نقرأ الفقرة التالية التى تُعَدّ أبلغ رد على الوقح الكذاب المتستر باسم الكندى فيما ذهب إليه من أن الخنزير حلال، وأنه إذا كان قد حُرِّم وقتا ما فما ذلك إلا فى حياة موسى من أجل أن المصريين كانوا يعبدونه، وهو عَتَهٌ ما بعده عَتَهٌ، وإن كنا لا نوافق أيضا على قول كاتب المادة من أن تحريمه قديما إنما كان بسبب العجز عن طهى لحمه طيها كافيا، وكأن النار كانت تنقص البشر آنذاك أو أنه سبحانه كان يُعْجِزه أن يأمر عِبَاده بإحسان طهيه تجنبا لما فيه من أذى. تقول "دائرة المعارف الكتابية": "وكثيرا ما كان يعجب البعض لتحريم الشريعة أكل لحم الخنزير، ولكن الاكتشافات العلمية الحديثة أثبتت أن الخنزير يحمل في جسمه عدوى بعض الأمراض التي ينقلها للإنسان، ولعل أهمه "الدودة الشريطية" التي تتحوصل، في أحد أطوارها، في عضلات الخنزير. فإذا أكلها إنسان أو حيوان آخر تتحول في جسمه إلى دودة بالغة تسبب أذى بليغا لعائلها، بل قد تودي بحياته. ولأنه لم يكن في الإمكان قديما طهيها طهيا يقضي على هذه الحويصلات أصبح تحريمها كليّةً هو أسلم طريق للوقاية مما تنقله من أمراض، علاوة على أن الخنزير يقتات بكل ما يجده من فضلات حيوانية أو نباتية، وكذلك بالقمامة التي لا تخلو من ميكروبات يمكن أن تنقلها إلى الإنسان، وبخاصة أنها تعيش بين المساكن المأهولة". وهذا نص آخر فى منتهى الأهمية يبين السبب فى استنجاس الخنزير وغيره من الحيوانات التى لا تُعَدّ طاهرة فى العهد القديم، إذ يشير بكل وضوح إلى أن هذا الاستنجاس لم ينتظر إلى عهد موسى، بل كان معتمَدًا قبل ذلك بوقت طويل. وهذا النص متاح فى "دائرة المعارف الكتابية" تحت عنوان "طهارة": "يرجع التمييز بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة إلى أقدم العصور، فقد قال الله لنوح: "من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعةً ذكراً وأنثى" (تك 7: 2). ويرى البعض أن التمييز بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة كانت تعتبر مقدسة عند بعض الشعوب الوثنية مثلما كان يعتبر الخنزير مثلاً في كريت وبابل. ويبنون هذا الظن على القول: "ولا تسلكون في رسوم الشعوب الذين أنا طاردهم من أمامكم لأنهم قد فعلوا كل هذه فكرهتهم" (لا 20: 23). ولكن يبدو أن التمييز بين الحيوانات الطاهرة التي كانت الشريعة تسمح بأكلها والحيوانات غير الطاهرة المـَنْهِيّ عن أكلها كان مبنيا على الأسباب الآتية:- (1) أسباب صحية: كانت الحيوانات التي تتغذي على القمامة تعتبر غير طاهرة لأنها تعيش على القاذورات والجيف المنتنة. وكذلك كانت الأسماك التي لا قشور لها ولا زعانف والتي هي أشبه بالحيات. وكثيرا ما تكون الصدفيات والقشريات سببا في حدوث تسمم غذائي. (2) الحيوانات المفترسة والطيور الجارحة: لأنها تأكل لحوم ودم فرائسها. وكان أكل الدم محرما تحريما قاطعا لأن نفس كل جسد هي دمه (تك 9: 4، لا 3: 17، 17: 10- 14، تث 12: 16 و 23- 25، 15: 23). (3) الحيوانات التي كان يستخدمها الوثنيون في عبادتهم أو في سحرهم اعتبرت نجسة مثل الخنازير والكلاب والفئران والثعابين والحشرات مثل الخنافس وغيرها. (4) الحيوانات التي تثير الاشمئزاز، والتي توصف بالقول: " كل دبيب يدب على الأرض فهو مكروه للأكل. كل ما يمشي على بطنه، وكل ما يمشي على أربع مع كل ما كثرت أرجله" (لا 11: 41 و42)". وجلىٌّ أنه لا يوجد شىء يقول إن تحريم لحوم تلك الحيوانات تحريم مؤقت، وهو ما يهمنا فى هذا كله.
ولأن الرجل يتنفس الكذب تنفسا نراه يزعم أن تحريم لحم الخنزير وتحليل لحم الجمل إنما أخذه الرسول من وهب بن منبه وعبد الله بن سلام اليهوديين، اللذين ضحكا عليه وخدعاه فانصاع لما قالاه دون تفكير. ومن هنا نراه يصطنع نبرة العدل والعقل فيعزو العيب فى هذا إلى الرجلين لا إلى رسول الله. لا والله فيك الخير والبركة أيها المدلس الكذاب! وبادئ ذى بدء نقول إنه لو كان هذان اليهوديان هما المسؤولَيْن عن ذلك الحكم فى شريعة الإسلام لرأيناهما يحرّمان الجمل أيضا ولا يقتصران فى تحريمهما على الخنزير. وثانيا فإن تحريم الخنزير فى القرآن يرجع إلى الفترة المكية، أى قبل هجرته عليه السلام إلى يثرب والتقائه باليهود هناك، ومنهم عبد الله بن سلام. وهذان هما النصان اللذان يشتملان على تحريمه، وهما مأخوذان من سورة "الأنعام" و"النحل" على الترتيب، وهما مكيتان: "قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)"، "وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)". وثالثا ما رأى قرائى الأعزاء إذا ما قلت لهم إن الرسول لم ير وهب بن منبه البتة ولا كانت له به أية صلة، بل إن وهبًا لم يكن له وجود أصلا أيام النبى عليه السلام، لسبب بسيط هو أنه لم يولد إلا عام 34 من الهجرة فى صنعاء باليمن على عهد عثمان، أى بعد وفاة النبى بزمن طويل، فهو إذن من التابعين؟ كما أنه فارسى الأصل لا عربى. لكن هل تظن أيها القارئ العزيز أن الكندى كان يخجل لو سمع ذلك؟ لا إخال أبدا، فأمثاله إنما هم قوم كاذبون جامدو الوجه ثخينو الجلد كأن أبشارهم قُدَّتْ من نعال الصُّرَم القديمة! ثم مَنْ عبد الله بن سلام أو وهب بن منبه بجانب القامة السامقة المهيبة الجليلة للنبى عليه الصلاة والسلام؟ لقد تركا دينهما من أجله، لكن الأقرع الأجرب يتهرأ قلبه حقدا لهذا السبب فتراه يقلب الحقائق رأسا على عقب للتنفيس عن ذلك الحقد. يا كندى، هل جرى لعقلك شىء خَبَّله؟ أين ذُهِب بعقلك النجس النتن؟ لقد دانت الدنيا كلها بدين محمد، فماذا يمثل أىٌّ مِنْ ذَيْنِك الرجلين بالنسبة لهذا الدين العظيم؟ إن قصة إسلام ابن سلام لهى حكاية تُرْوَى وتُرْوَى وتُرْوَى، وإنها لتفضح اليهود واليهودية، فكيف لا تخجل من نفسك بدلا من أن تروح فتزيف القصص والأكاذيب الخرافية؟ ألا لعنة الله على سحنتك الكاذبة الخاطئة!
وهذه قصة إسلام عبد الله بن سلام رضى الله عنه كما وردت فى "سيرة ابن هشام"، وكان اسمه قبل أن يسلم هو "الحصين بن سلام": "قال بن إسحاق: وكان من حديث عبد الله بن سلام كما حدثني بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم، وكانحبرًا عالمًا، قال: لما سمعتُ برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفتُ صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له فكنت مسرًّا لذلك صامتًا عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. فلما نزل بقُبَاء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة ابنة الحارث تحتي جالسة. فلما سمعتُ الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّرْتُ، فقالت لي عمتي حين سمعتْ تكبيري: خيّبك الله! والله لو كنتَ سمعتَ بموسى بن عمران قادما ما زِدْتَ. قال: فقلت لها: أيْ عمة، هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بُعِث بما بُعِث به. فقالت: أَيِ بن أخي، أهو النبي الذي كنا نُخْبَر أنه يُبْعَث مع نفس الساعة؟ قال: فقلت لها: نعم. قال: فقالت: فذاك إذًا. قال: ثم خرجتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا. قال: وكتمت إسلامي من يهود، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله، إن يهود قوم بُهُتٌ، وإني أحب أن تُدْخِلني في بعض بيوتك وتغيّبني عنهم ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي. فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني. قال: فأدخلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض بيوته ودخلوا عليه فكلموه وساءلوه، ثم قال لهم: أيّ رجلٍ الحصين بن سلام فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. قال: فلما فرغوا من قولهم خرجتُ عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأومن به وأصدقه وأعرفه. فقالوا: كذبتَ. ثم واقعوا بي. قال: فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قومٌ بُهُتٌ أهل غدر وكذب وفجور؟ قال: فأظهرتُ إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمتْ عمتي خالدة بنت الحارث فحَسُنَ إسلامها".
21- ومما تناوله أيضا شبيه الرجال بالتخطئة والتهكم من دين محمد عليه الصلاة والسلام شعيرة الحج، إذ قال للهاشمى المتوهَّم: "أما دعوتك لي إلى حج بيت الله الذي بمكة ورمي الجمار والتلبية وتقبيل الركن والمقام، فسبحان الله! كأنك تكلم صبيًّا أو تخاطب غبيًّا! أليس هو الموضع الذي عرفناه جميعًا حق معرفته، ووقفنا على أصول أسبابه، وكيف كانت القصة في ثباته، وكيف جرى أمره إلى هذه الغاية؟ أَوَلاَ تعلم أن هذا فعل الشمسية والبراهمة الذي يسمّونه: "النُّسْك" لأصنامهم بالهند؟ فإنهم يفعلون في بلدهم ما يفعله المسلمون اليوم من الحَلْق والتعري الذي يسمونه الإحرام والطواف ببيوت أصنامهم إلى هذا الوقت على هذه الحالة، فلم تزد عليه أنت شيئًا ولا نَقَصْتَ منه ذرة، فإنك أخذته بذلك الفعل الذي سمَّيْتَه: "النُّسك"، إلا أنك تفعله في السنة مرة واحدة في وقت مختلف، وأولئك يفعلونه في السنة مرتين: عند دخول الشمس أول دقيقة من الحمل (وهو الربيع)، وفي دخولها أول دقيقة من الميزان (وهو الخريف). ففي الأول لدخول الصيف، وفي الثاني لدخول الشتاء. فهم يضحّون كما تضحّي أنت، ويَنْسِكون كنُسُكك. وأنت وأصحابك تعلمون أن العرب كانت تنسك هذه المناسك وتفعل هذه الأفعال منذ بَنَتْ هذا البيت. فلما جاء صاحبك بالإسلام لم نره زاد في هذه الأفعال ولا أنقص منها شيئًا، غير أنه لبُعد المشقة وطول المسافة وتخفيف المؤونة جعله حجة واحدة في السنة، وأسقط من التلبية ما كان فيه شناعة. وإني أستصوب قولاً لعمر بن الخطاب وقد وقف على الركن والمقام فقال: والله لأعلم أنكما حجران لا تنفعان ولا تضرّان، ولكني رأيت رسول الله يقبّلكما، فأنا أقبّلكما كذلك. فإن كان الرواة الصادقون الذين رَوَوْا هذه الرواية عنه كذبوا عليه أوْ لم يكذبوا، فقد صدقوا في ما حَكَوْه عن هذين الحجرين، وإن كانوا صدقوا عنه أنه قال ذلك، فلقد قال قولاً حقًّا".
هذا ما قاله شبيه الرجال، وهو عجيبٌ جِدُّ عجيبٍ! ذلك أن كل ما يؤمن به هو وأهل ملته تقريبا أو يفعلونه فى دينهم لا معنى له، إذ يقولون إنها أسرار، والأسرار لا تُفْهَم ولا تقبل الفهم، فكيف يعيب شيئا كهذا علينا، وما هو إلا قول عمر، وعمر ليس بالنبى؟ والمهم أنه لا عمر ولا غير عمر يتجه فى شعائر حجه إلى حجر أو خشب أو بشر، بل إلى المولى عز وجل. أما بالنسبة إلى الأضاحى، أليس عند اليهود هم أيضا أضاحٍ، ثم جاء المثلثة من النصارى فزعموا أن المسيح قدم نفسه أضحية تغنى عن كل الأضاحى، فلم يعد هناك معنى للتضحية بعده، بما يدل على أنهم مخلصون لشعيرة التضحية، لكن على أشنع صورة وأبشعها، فضلا عن قولهم عنه: "الخروف"؟ إذن فالتضحية شعيرة سماوية، وإن كانت فى اليهودية تُحْرَق ولا ينتفع بها أحد من البشر، على اعتبار أن الله يَسُرّه شَمُّ قُتَارِها، وكأنه بشر يتلذذ بالروائح! ويا ليته قد أحب رائحة طيبة بدلا من الدخان الذى يلوث كل شىء حوله! ولكن ما العجب فى هذا، وفى العهد القديم أنه سبحانه يأكل كما رأينا قبل قليل فى هذه الدراسة؟ فلا غرابة إذن أن يحب رائحة الشواء، إذ معروف أن الشرهين يَغْرَمون برائحة الشواء، الذى يُسِيل لعابهم ويثير عصافير بطونهم فيُقْبِلون من ثَمّ على الطعام وكلهم تشوق وتلذذ واشتهاء! أما البراهمة فإذا صح ما قاله الكندى عنهم يكونون قد أخذوا الأضحية من إحدى الديانات السماوية، أو كانت ديانتهم فى الأصل سماوية ثم دخل عليها التحريف والإفساد كما حصل فى اليهودية والنصرانية حسبما يوضح القرآن. وعلى أية حال فالعبرة بالنية والغاية، إذ قد يكون هناك عملان متشابهان أو متطابقان، لكن أحدهما من أعمال الوثنية، والآخر من أعمال التوحيد. لنأخذ الصلاة مثلا: فالمسلمون يتوجهون فيها لله سبحانه، والنصارى للمسيح يعبدونه ويؤلهونه. وذلك توحيد خالص، على حين أن هذا شرك ووثنية. وقد يخرج إنسانان الزكاة: أحدهما يتوخى بها رضا الله، والآخر السمعة والرياء، فتُقْبَل من الأول، وتُرَدّ على الثانى ويُقْذَف بها فى وجهه، وقد يَصْلَى بسببها نار الجحيم... ومن هنا فحتى لو كانت بعض مناسك الحج تتشابه مع بعض مناسك البراهمة، فالعبرة أن المسلمين لا يعبدون أصناما ولا أوثانا، بخلاف ديانة البرهمية وما تقوم عليه من وثنية وشرك وعبادة أصنام كما ذكر هو، على حين أنه لا موضع فى الإسلام بأى حال لصنم أو وثن أو تأليه بشر، إذ الإسلام يتشدد فى هذا إلى أبعد آماد التشدد! ثم إن الكاتب يتناقض فى كلامه عن مصدر الإسلام تناقضا بشعا يدل على أنه يتخبط ويكذب ويحاول التعلق بقشة كيلا يجرفه البحر الهادر العميق، وهيهات. أفلم يقل إن الرسول تعلم على يد النساطرة؟ فأين النساطرة من البراهمة؟ وكيف يا ترى عرف البرهمية؟ أكانت عنده مكتبة فى الأديان والمذاهب والشعائر؟ أم سيقولون إنه كان بين صحابته هنود برهميون هم الذين علّموه هذا؟ ألا لعنة الله على الكاذبين! كذلك فقوله إن العرب هى التى بنت البيت تخريف من التخريف، إذ بانيه هو إبراهيم وابنه إسماعيل. وإذا كانت هناك مَشَابِهُ فى شعائر الحج قبل الإسلام وبعده فهو أمر طبيعى، وكل ما هنالك أن العرب قد غيروا فى تلك الشعائر بعض التغييرات، فجاء النبى وأعاد الأمور إلى نصابها كما كانت فى دين الخليل صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى قول الوغد إن النبى قد حذف من الحج ما كان فيه من شناعات. فكيف يجرؤ الكذاب الرذيل بعد هذا كله على اتهام الإسلام بدائهم هم؟ واضح أن ذلك الرجل، إن صح تسميته رجلا، قد فقد عقله وحياءه تمام الفقدان!
22- وفى كلامه التالى عن الطلاق برهانٌ على حقده وقلة أدبه، إذ قال: "وأقبح من هذا كله ما جاء في ذكر الطلاق ونكاح المرأة رجلاً آخر يسمى الاستحلال، وأن يذوق من عُسَيْلَتها وتذوق من عُسَيْلَته، ثم مراجعة الرجل الأول بعد ذلك. هذا، وقد يكون لها أولاد رجال نبلاء، وبنات كبار ذوات بيوت، والزوج الذي له الشرف النفيس والحسب الخطير، وتكون هي المرأة النبيلة في قومها. فهل تدعوني إلى مثل هذا الذي تستشنعه البهائم وتستقبح فعله؟". ومن الواضح التام الوضوح ما فى الكلام من خلط وتدليس مستشنَع، إذ كلنا نعرف أنه لا يوجد فى الإسلام محلِّل أبدا، وإنما المقصود هو أن الزواج مؤسسة لها احترامها وتوقيرها، وإن لم يمنع هذا من حصول التنافر الذى قد يكون من الصعب التغلب عليه، والذى حاول الإسلام أن يعالجه بوسائل شتى آخرها الطلاق الرجعى لعل الطرفين يتنبهان إلى قيمة ما بينهما من رباط فى فترة الانفصال، فيتراجعا مرة أخرى. فإن تكرر الطلاق ثلاثا فعنئذ يكون من الجلىّ أن هناك خللا شديدا فى العلاقة التى بينهما، وهو ما يعنى أنهما قد فشلا ولا يمكنهما الاستمرار فى تلك العلاقة، وعندئذ يجب أن ينفصلا انفصالا لا رجعة فيه، اللهم إلا إذا تزوجت المرأة من رجل آخر زواجًا عاديًّا لا نية فيه للعودة إلى زوجها الأول ثم طلّقها الزوج الجديد بعد ذلك لسبب من الأسباب التى تلجئ الزوجين فى الأحوال المعتادة إلى الطلاق، فحينذاك يحق لزوجها الأول أن يراجعها إن أحب. ومن ثم لا معنى للتهكم الذى يتهكمه غبينا الكندى. أما "المحلِّل" الذى يلمح إليه فهو مذموم فى الإسلام ذمًّا مستبشَعًا حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد سماه بـــ"التيس المستعار" ولعنه وبشّره بمصير حقير، إذ أُثِر عنه صلى الله عليه وسلم قوله: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلِّل. لعن الله المحلِّل والمحلَّل له". فما المشكلة إذن؟ الحق أنه لا مشكلة ولا يحزنون إلا فى عقل صاحبنا التافه الذى يتظاهر بعدم الفهم. أما كلامه صلى الله عليه وسلم عن تذوق العُسَيْلة فمقصوده تنفير الزوجين من كثرة الخلاف وتكرر الطلاق حتى لا يجدا نفسيهما فى ذلك الموقف الذى لا يحبه أحد من خلق الله الكرام. أما التمحك فى أن الزوجة قد تكون سيدة نبيلة، ولها أولاد ذوو حيثية فى المجتمع، فهذا ذنبها هى، إذ كيف تكون نبيلة حقا، وهى لا تستطيع أن ترتقى فى مستوى سلوكها وتصرفاتها مع زوجها بحيث تنال احترامه وتقديره ولا يفكر فى تطليقها؟ وعلى أية حال فالتشريعات لا تعرف هذه الاعتبارات المنافقة، بل تعمل على معالجة المشكلة دون رياء أو تفيهقات! وعجيب أن يبدى ذلك المرائى امتعاضه من جواز الطلاق فى الإسلام، وهو الذى يعلم أفضل من سواه ما يؤدى إليه التضييق على الأزواج والزوجات فى هذه المسألة من انتشار الزنا وتعايش الزوجين تعايش الاضطرار والقهر على أساس الغش والدَّخَل والخداع وخيانة كل من الطرفين لصاحبه بمعرفته ورضاه، بل كثيرا ما يترك أحد الزوجين أو كلاهما النصرانية كى يستطيعا الاستمتاع بحياتهما بعيدا عن ذلك الإعنات المشقى لهما، فضلا عن الفضائح المجلجلة التى تنقضّ على رأس الأسرة كلها إذا ما وقع الطلاق فى النصرانية طبقا للنصوص التى ينسبونها إلى السيد المسيح، إذ إن قَصْر الطلاق لديهم على علة الزنا لن يكون له معنى عند الناس إلا أن الطرف الآخر زانٍ، وهو ما رأيناه غير بعيد حين عمدت إحدى نجمات المجتمع، صدقا أو كذبا، إلى اتهام نفسها بالزنى كى تفكّ نفسها من هذه اللزقة الأمريكانى التى لا تطلع ولا بالطبل البلدى، اللهم إلا إذا أخذت معها من الجلد حتة.
23- هذا، ومن الطريف عند تشنيعه على بركة البيت الحرام ومسجد رسول الله أنه لم يجد من يستشهد به إلا داود فى مزمورين من مزاميره تدليلا على أن تلك المواضع لا يمكن أن تكون مواضع مباركة، بخلاف المواضع النصرانية التى يُعْبَد الله فيها حق عبادته كما يقول والتى تظهر بركتها فى شفاء المصابين من أمراضهم وبَرَصهم وعماهم ومس الشيطان لهم حسبما يزعم، وكأن داود كان نصرانيا، أو كأنه عندهم رجلٌ تقىٌّ بارٌّ، وليس ذلك الـــ"داود" الزانى المجرم القرارى الذى لم يجد مؤلفو الكتاب المقدس ما يكتبونه عنه إلا ما يلى، وأستغفر الله من نقل هذا الكفر: "1وَكَانَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ، فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْمُلُوكِ، أَنَّ دَاوُدَ أَرْسَلَ يُوآبَ وَعَبِيدَهُ مَعَهُ وَجَمِيعَ إِسْرَائِيلَ، فَأَخْرَبُوا بَنِي عَمُّونَ وَحَاصَرُوا رِبَّةَ. وَأَمَّا دَاوُدُ فَأَقَامَ فِي أُورُشَلِيمَ. 2وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدًّا. 3فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: «أَلَيْسَتْ هذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟». 4فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلاً وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. 5وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: «إِنِّي حُبْلَى». 6فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى يُوآبَ يَقُولُ: «أَرْسِلْ إِلَيَّ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ». فَأَرْسَلَ يُوآبُ أُورِيَّا إِلَى دَاوُدَ. 7فَأَتَى أُورِيَّا إِلَيْهِ، فَسَأَلَ دَاوُدُ عَنْ سَلاَمَةِ يُوآبَ وَسَلاَمَةِ الشَّعْبِ وَنَجَاحِ الْحَرْبِ. 8وَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «انْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ وَاغْسِلْ رِجْلَيْكَ». فَخَرَجَ أُورِيَّا مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَخَرَجَتْ وَرَاءَهُ حِصَّةٌ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ. 9وَنَامَ أُورِيَّا عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَلِكِ مَعَ جَمِيعِ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى بَيْتِهِ. 10فأَخْبَرُوا دَاوُدَ قَائِلِينَ: «لَمْ يَنْزِلْ أُورِيَّا إِلَى بَيْتِهِ». فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «أَمَا جِئْتَ مِنَ السَّفَرِ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تَنْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ؟» 11فَقَالَ أُورِيَّا لِدَاوُدَ: «إِنَّ التَّابُوتَ وَإِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا سَاكِنُونَ فِي الْخِيَامِ، وَسَيِّدِي يُوآبُ وَعَبِيدُ سَيِّدِي نَازِلُونَ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ، وَأَنَا آتِي إِلَى بَيْتِي لآكُلَ وَأَشْرَبَ وَأَضْطَجعَ مَعَ امْرَأَتِي؟ وَحَيَاتِكَ وَحَيَاةِ نَفْسِكَ، لاَ أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ». 12فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «أَقِمْ هُنَا الْيَوْمَ أَيْضًا، وَغَدًا أُطْلِقُكَ». فَأَقَامَ أُورِيَّا فِي أُورُشَلِيمَ ذلِكَ الْيَوْمَ وَغَدَهُ. 13وَدَعَاهُ دَاوُدُ فَأَكَلَ أَمَامَهُ وَشَرِبَ وَأَسْكَرَهُ. وَخَرَجَ عِنْدَ الْمَسَاءِ لِيَضْطَجِعَ فِي مَضْجَعِهِ مَعَ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَإِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَنْزِلْ. 14وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ مَكْتُوبًا إِلَى يُوآبَ وَأَرْسَلَهُ بِيَدِ أُورِيَّا. 15وَكَتَبَ فِي الْمَكْتُوبِ يَقُولُ: «اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ». 16وَكَانَ فِي مُحَاصَرَةِ يُوآبَ الْمَدِينَةَ أَنَّهُ جَعَلَ أُورِيَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ رِجَالَ الْبَأْسِ فِيهِ. 17فَخَرَجَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ وَحَارَبُوا يُوآبَ، فَسَقَطَ بَعْضُ الشَّعْبِ مِنْ عَبِيدِ دَاوُدَ، وَمَاتَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا. 18فَأَرْسَلَ يُوآبُ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِجَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ. 19وَأَوْصَى الرَّسُولَ قَائِلاً: «عِنْدَمَا تَفْرَغُ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ الْمَلِكِ عَنْ جَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ، 20فَإِنِ اشْتَعَلَ غَضَبُ الْمَلِكِ، وَقَالَ لَكَ: لِمَاذَا دَنَوْتُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ لِلْقِتَالِ؟ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ مِنْ عَلَى السُّورِ؟ 21مَنْ قَتَلَ أَبِيمَالِكَ بْنَ يَرُبُّوشَثَ؟ أَلَمْ تَرْمِهِ امْرَأَةٌ بِقِطْعَةِ رَحًى مِنْ عَلَى السُّورِ فَمَاتَ فِي تَابَاصَ؟ لِمَاذَا دَنَوْتُمْ مِنَ السُّورِ؟ فَقُلْ: قَدْ مَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا».22فَذَهَبَ الرَّسُولُ وَدَخَلَ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِكُلِّ مَا أَرْسَلَهُ فِيهِ يُوآبُ. 23وَقَالَ الرَّسُولُ لِدَاوُدَ: «قَدْ تَجَبَّرَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ وَخَرَجُوا إِلَيْنَا إِلَى الْحَقْلِ فَكُنَّا عَلَيْهِمْ إِلَى مَدْخَلِ الْبَابِ. 24فَرَمَى الرُّمَاةُ عَبِيدَكَ مِنْ عَلَى السُّورِ، فَمَاتَ الْبَعْضُ مِنْ عَبِيدِ الْمَلِكِ، وَمَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا». 25فَقَالَ دَاوُدُ لِلرَّسُولِ: « هكَذَا تَقُولُ لِيُوآبَ: لاَ يَسُؤْ فِي عَيْنَيْكَ هذَا الأَمْرُ، لأَنَّ السَّيْفَ يَأْكُلُ هذَا وَذَاكَ. شَدِّدْ قِتَالَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْرِبْهَا. وَشَدِّدْهُ».26فَلَمَّا سَمِعَتِ امْرَأَةُ أُورِيَّا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ أُورِيَّا رَجُلُهَا، نَدَبَتْ بَعْلَهَا. 27وَلَمَّا مَضَتِ الْمَنَاحَةُ أَرْسَلَ دَاوُدُ وَضَمَّهَا إِلَى بَيْتِهِ، وَصَارَتْ لَهُ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا. وَأَمَّا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ فَقَبُحَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ" (صموئيل الثانى/ 11)، "1وَشَاخَ الْمَلِكُ دَاوُدُ. تَقَدَّمَ فِي الأَيَّامِ. وَكَانُوا يُدَثِّرُونَهُ بِالثِّيَابِ فَلَمْ يَدْفَأْ. 2فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: «لِيُفَتِّشُوا لِسَيِّدِنَا الْمَلِكِ عَلَى فَتَاةٍ عَذْرَاءَ، فَلْتَقِفْ أَمَامَ الْمَلِكِ وَلْتَكُنْ لَهُ حَاضِنَةً وَلْتَضْطَجعْ فِي حِضْنِكَ فَيَدْفَأَ سَيِّدُنَا الْمَلِكُ». 3فَفَتَّشُوا عَلَى فَتَاةٍ جَمِيلَةٍ فِي جَمِيعِ تُخُومِ إِسْرَائِيلَ، فَوَجَدُوا أَبِيشَجَ الشُّونَمِيَّةَ، فَجَاءُوا بِهَا إِلَى الْمَلِكِ. 4وَكَانَتِ الْفَتَاةُ جَمِيلَةً جِدًّا، فَكَانَتْ حَاضِنَةَ الْمَلِكِ. وَكَانَتْ تَخْدِمُهُ، وَلكِنَّ الْمَلِكَ لَمْ يَعْرِفْهَا" (ملوك الأول/ 1). والآن إلى ما استشهد به صاحبنا من كلام داود: "عَيْنَا الرَّبِّ نَحْوَ الصِّدِّيقِينَ وَأُذُنَاهُ إِلَى صُرَاخِهِمْ" (مزمور 34:15). و"الرَّبُّ قَرِيبٌ لِكُلِّ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ، الَّذِينَ يَدْعُونَهُ بِالْحَقِّ" (مزمور 145:18). والله فيك الخير يا داود! وكلامك كله حكم ومواعظ! وهنيئا للكندى، الذى لا يعرف شيئا اسمه الحياء ولا الخجل! وإلا أفكان يردد ما يقوله العوام البلهاء من مثل "ليس من مكروب ولا ملهوف ولا محزون ولا مريض ولا مستغيث يسأله بإيمان صحيح ونية صادقة وقلب سليم من أولياء المسيح باسم المسيح المقدس الطاهر، إلا فرّج عنه همه وغمه وكربه. فهذه الديارات العامرة بالبِيَع، وجميع المواضع التي يُذْكَر فيها اسم المسيح مخلِّص العالم ويأوي فيها الرهبان ممتلئة من هذه البركات تفيض على جميع من صار إليها وقصدها بإخلاص نيته، لا يطلب من أحد ثمنًا ولا مكافأة، ولا ينال على ذلك جزاءً ولا شكرًا، لأن المسيح مخلص العالم قال في إنجيله الطاهر: مَجَّانًا أَخَذْتُمْ مَجَّانًا أَعْطُوا. لا تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلا فِضَّةً" (متى10: 8- 9)؟ وهل هذا إلا ما يعتقده العوام البُلْه عندنا من مقدرة ضريح الشيخ الفلانى والولى الترتانى على تحبيل العاقر وإغناء المفلس، وهلم جرا؟ وبطبيعة الحال فإنه لا يوجد نصرانى يعرف المرضُ ولا الشقاءُ له "طريق جُرّة"، فكلهم والحمد لله لا يتعبون ولا يفتقرون ولا يقلقون، بل يلقَوْننا جميعا وكلهم صحة وعزم ونشاط، والفلوس تشخلل فى جيوبهم وأكياسهم ولا يستطيعون لها عَدًّا، والواحد منهم لا يحمل أى هَمٍّ للغد، إذ هم لا يحتاجون شيئا إلا قصدوا أقرب دير أو كنيسة وتمسحوا بالأركان، فإذا المال ينهمر عليهم انهمارا، وإذا الصحة بُمْب، والأشيا معدن. فماذا يريد الإنسان أكثر من ذلك؟ الحق أننى ما كنت أحسب أن الأمور بهذه البساطة والبركة والبحبحة فى النصرانية! صدق من قال: من يَعِشْ يا ما يشوف، ومن يقرأ المواقع التبشيرية والكتب الساذجة المتخلفة التى تنشرها يَشُفْ أكثر!
24- ثم يتحول صاحبنا الحمار إلى الجهاد فى الإسلام فيزعم أن فى القرآن تناقضا فى هذه القضية مضيفا قوله: "هل قرأتَ في شيء من الكتب المنزلة أن أحدًا من الدعاة استجلب الناس إلى مقالته ودعاهم إلى الإقرار بما جاء به قهرًا وكرهًا أو ضربًا بالسيف وتهديدًا بالسلب والسبي غير صاحبك؟ فقد عرفتَ قصة موسى وما أتى به من المعجزات، وقرأت قصص الأنبياء بعده وما فعلوا، وكان ذلك شاهدًا أن ما جاءوا به هو من عند الله. فهل تجد أحدًا من الدُّعاة الذين دَعَوْا إلى حقٍ أو باطلٍ إلا وقد جاء بحجَّة أو دليل صحيح؟ فحينئذ يتبيَّن عند العيان صحَّته من خُبثه. وكذلك فعل كل ذي دعوة بأهل دعوته، غير صاحبك، فإنّا لم نره دعا الناس إلا بالسيف والسلب والسبي والإخراج من الديار، ولم نسمع برجل غيره جاء فقال: من لم يقرّ بنبوَّتي وأني رسول رب العالمين ضربتُه بالسيف وسلبتُ بيته وسبيتُ ذريته من غير حجة ولا برهان. فأما المسيح سيد البشر ومحيي العالم فيتعالى ذكره ويجل قدره أن تُذْكَر دعوته في مثل هذا الموضع. وأنا أتلو كلام سيدي يسوع المسيح ليلي ونهاري، وهو شعاري ودثاري، وأسمعه يقول: تفضلوا على الناس جميعًا، وكونوا رحماء كي تشبهوا أباكم الذي في السماء، فإنه يشرق شمسه على الأبرار والفجّار ويمطر على الأخيار والأشرار (قارن متى 5/ 43- 48). فكيف يُظَنّ بمثلي، والمسيح يخاطبني بمثل هذه المخاطبة، أن يقسو قلبي حتى أصير في صورة إبليس العدو القاتل، فأضرب وأقتل أبناء جنسي وذرية آدم المجبول بيد الله وعلى صورته تعالى، والله جلَّت قدرته هو القائل: "لست أحب موت الخاطئ، لأنه اليوم في خطاياه، وغدًا يتوب، فأَقْبَله كالأب الرحوم"، سيَّما وقد شرَّف الله سبحانه النوع الإنساني بأن كلمته الخالقة تجسَّدت منه واتَّحدت به وأعطته ما لها من الربوبية والألوهية والسلطان والقدرة، فصارت الملائكة تسجد له وتقدّس اسمه وتسبّح ذكره كما يسبّح اسم الله وذكره، ولا تفرِّق في ذلك بينهما. ثم زيد نعمة إلى النعمة المتقدمة بأن أُعْطِيَ الجلوس عن يمين ذي العزة تشريفًا لذلك الجسد المأخوذ منا الذي هو من ذرية أبينا آدم، فهو مثلنا وأخونا في الطبيعة، وخالقنا وإلهنا باتحاد الكلمة الخالقة به بالحقيقة، ثم دفع إليه جميع السلطان في السموات والأرض، وخوَّله تدبير الخلائق وصيَّر البعث والنشور والدِّين إليه، وأن يحكم حكمًا نافذًا جائزًا على الملائكة والإنس والشياطين. أفتريد أن أضادّ أمر الله وأضربهم بالسيف وأسلبهم وأسبيهم؟ إن هذا لجورٌ على الله عز وجل، وعناد لأمره، وظلم لنعمته، وكفران لإحسانه. وأعوذ بالله من خذلان الله وغضبه".
والواقع أن أمر هذا الرجل كله كذب وتدجيل وافتراء، فلم يحدث أن قال الرسول عليه الصلاة والسلام يوما من الأيام: "من لم يقرّ بنبوَّتي وأني رسول رب العالمين ضربته بالسيف وسلبت بيته وسبيت ذريته من غير حجة ولا برهان" ولا طبّق ذلك الكلام قَطّ، بل استمر عليه السلام ثلاث عشرة سنة فى مكة يدعو الناس إلى التأمل فى الكون والتفكير فيما يقوله لهم ويقرؤه عليهم من آيات القرآن الكريم، لم يرفع فى وجههم سيفا ولا رمحا ولم يفوِّق فى نحورهم سهما ولا شتمهم ولا هددهم، بل عرض عليهم مبادئ دينه وعمل على تفتيح عيونهم وقلوبهم وعقولهم لما تحتويه من كنوز ودُرَر، وكانوا هم الذين يؤذونه هو وأصحابه ويضربونهم ويحاصرونهم ويقاطعونهم ويشنعون عليهم ويتآمرون ضدهم، وقتلوا بعضا منهم وخططوا لقتله هو أيضا، وذلك بعدما أعيتهم الحيل فى أن يسكتوه بوسائل الإغراء المختلفة من رياسة ومال وما إلى ذلك. فأين إذن التهديد والأذى الذى يقول حمارنا المدلس إنه عليه الصلاة والسلام كان يجرى عليه فى دعوته؟ فإذا ذكر هذا المفترى أن المسيح صبر ثلاثة أعوام لقد صبر الرسول الأكرم ثلاثة عشر عاما لا ثلاثة فحسب. كما أن المسيح لم يكفّ خلال ذلك عن لعن اليهود وسبهم، وكذلك اتهام حوارييه بضعف الإيمان ووسْم بطرس نفسه بالنفاق، وهو أكبرهم وأقربهم إليه، وتهديد بنى إسرائيل بالسيف وإثارة أفراد كل أسرة بعضهم على بعض، بالإضافة إلى ما أبداه من احتقار هائل للأمميين ناعتا إياهم بأنهم كلاب لا يحق لها أن تأكل مع أهل البيت، فما كان من المرأة الكنعانية إلا أن قالت له: إن للكلاب أيضا نصيبا فى الفتات. وهو ما أعجبه، وكأنه كان يتلذذ بإهانة الآخرين ويجد سعادةً مَرَضِيّةً فى رؤيتهم أذلاء أمامه لا حول لهم ولا طول. وطبعا نحن المسلمين لا نصدق بأن المسيح عليه السلام يمكن أن يجترح هذه الأعمال ولا أن يتفوّه بتلك الأقوال، فهو نبى مكرم اختاره الله على عينه ورقَّى أخلاقة ترقية عظيمة، بيد أننى إنما أجادل حمارنا بمنطقه وبنصوص كتابه! أما قوله إنه لا يريد أن يضادّ أمر الله ويضرب الأعداء بالسيف ويقتلهم ويسلبهم فليس لى من تعقيب عليه إلا أن أقول له: أمعقول أنك تجهل العهد القديم وما فيه من أمر باستئصال الآخرين وحرق بيوتهم وإبادة أولادهم ونسائهم وحيواناتهم؟ أم تقول إن هذا ليس كلام الله؟ إذن ففيم إيمانك به؟ أم تراك تقول إن الأنبياء الذين أَتَوْا بهذا الكلام قد أَتَوْا به من لَدُنْ أنفسهم؟ ولكن إذا كانوا قد أَتَوْا به من لَدُنْ أنفسهم، فلماذا ترك الله هذا الكلام فى كتابه؟ أم تراه لم يَرْضَه؟ فلماذا لم يأمرهم بحذفه ويعاقبهم على هذه المبادرة غير المطلوبة ولا الحميدة؟ أم ماذا؟ وعلى كل فإن عمر المسيح فى عالم الدعوة لم يتجاوز، كما قلنا، ثلاثة أعوام. ولا يستطيع أحد أن يزعم بأنه كان سيستمر على السكوت أمام أذى الأعداء لو أن عمره امتد وزاد أتباعه وأصبح مسؤولا عن هؤلاء الأتباع وعن نظام حياتهم وعن توفير الأمن والأمان والغذاء والكساء لهم، وإلا كان مقصّرا غاية التقصير فى ذات حقهم، وبخاصة أنه أعلن أنه ما جاء إلا بالسيف وبإثارة البيت الواحد بعضه على بعض!
وهذا كله لو كان القرآن كما يقول عنه الأخرق الأحمق! أمّا، وكتاب الله الكريم يقول شيئا مغايرا تماما لما يدعى ذلك المنافق، فمعنى هذا أنه يردد أكاذيب ومفتريات لا صلة بينها وبين الواقع الذى يفقأ عينه ودبره المنتن. وإلى القراء الأعزاء البيان بحكم القرآن فى قضية الجهاد: ونبدأ بالنظر فى معنى كلمة "الجهاد"، ففى "لسان العرب" مثلا أن "الجَهْد والجُهْد: الطاقة. تقول: اجْهَدْ جَهْدَك. وقيل: الجَهْد المشقة، والجُهْد الطاقة. الليث: الجَهْدُ ما جَهَد الإِنسان من مرض أَو أَمر شاق. الأَزهري: الجَهْد بلوغك غاية الأَمر الذي لا تأْلو على الجهد فيه. تقول: جَهَدْت جَهْدي واجْتَهَدتُ رأْيي ونفسي حتى بلغت مَجهودي. قال: وجَهَدْت فلانا إِذا بلغت مشقته وأَجهدته على أَن يفعل كذا وكذا. ابن السكيت: الجَهْد الغاية. قال الفراء: بلغت به الجَهْد أَي الغاية، وجَهَدَ الرجل في كذا، أَي جَدَّ فيه وبالغ. والاجْتِهاد والتجَاهُد: بذل الوسع والمجهود، وهو افتعال من الجهد. والجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أَو اللسان أَو ما أَطاق من شيء". وواضح أن الجهد هو المشقة، وأن الجهاد هو أن يشق الإنسان على نفسه ويبذل كل ما فى طاقته لا يدخر وسعا. هذا هو المعنى اللغوى، وهو لا ينحصر فى شىء بعينه كما ترى، بل يعم كل ما يؤديه البشر من أعمال، فهل فى القرآن أو فى أحاديث النبى محمد ما يدل على أن الجهاد فى الإسلام ينحصر فى القتال وأن الغاية منه هى إكراه الآخرين بقوة السيف على الدخول فيه رغم أنوفهم وعكس اقتناعهم؟
لننظر أولا فى القرآن المجيد، فماذا نجد؟ لقد ورد "الجهاد" فى عدد من السياقات والمعانى المختلفة: فمنها مثلا قوله تعالى فى سورتى "العنكبوت" و"لقمان" على التوالى يوصى المسلم بأبويه خيرا ويشدد عليه فى الإحسان لهما حتى لو حاولا بكل ما عندهما من جهد أن يصداه عن دينه ويعيداه إلى الشرك الذى لا يقبله عقله ولا يرتاح إليه ضميره: "وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)"، "وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)". ولا أظن أن هناك عاقلا يقول إن "الجهاد" هنا هو قتال غير المسلم لإكراهه على ترك دينه والتحول عنه إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام، أو إنه قتال الوالدين لابنهما بالسيف كى يترك الإسلام ويرتد إلى الكفر والعياذ بالله، بل المعنى فى الآيتين هو بذل الوالدين كل ما عندهما من جهد فى التأثير على ابنهما وصَدِّه عن دين الله. وصيغة "فاعَلَ" هنا تعنى أن كلا الطرفين يبذل جهده فى مواجهة الآخر: المشرك لفتنة المسلم عن دينه، والمسلم للاستمساك بدينه والحفاظ عليه وعدم الضعف أمام ضغط والديه، مع إحسان صحبتهما رغم ذلك كله. والآيات السابقة على آية سورة "العنكبوت" مباشرة تشير إلى مدى النَّصَب والمعاناة اللذين كان المسلمون يتعرضون لهما آنذاك: "الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)". والمعنى أن للإيمان ضريبته المكلفة، وأن الأمر ليس مجرد شقشقة باللسان، بل هناك الفتن الفادحة. والمؤمن الحقيقى هو الذى يصبر ويجاهد ويتمسك بإيمانه لا يفرّط فيه مهما تكن شدة تلك الفتن.
وفى سورة "العنكبوت" أيضا نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)". وهذه السورة، كما هو معلوم، سورة مكية. أى نزلت قبل أن يكون هناك قتال بين المسلمين والكفار، ومن ثم فالجهاد هنا لا يعنى إلا صبر المسلم على ما كان يلقاه على أيدى المشركين من أذى وضر، والاستمساك بدينه فى وجه هذا البلاء وعدم التفريط فيه تحت أى ظرف من الظروف. وكثيرا ما كان الصحابة يشكون للنبى ما ينزل بهم من جهد، يريدون أن يردّوا على الإساءة بمثلها، لكنه صلى الله عليه وسلم كان ينصحهم بالصبر والتحمل إلى أن يجعل الله لهم من ذلك العناء فرجا ومخرجا. ومن نفس الوادى الآية الثانية والخمسون من سورة "الفرقان": "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (32) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً (34)... وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ... وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)".
وواضح هنا أيضا أن الجهاد لا يعنى القتال، إذ "الفرقان" هى إحدى سور القرآن المكى، ولم يكن المسلمون قد سُمِح لهم بَعْدُ أن يردّوا العدوان بمثله، بل كان الشعار آنذاك هو الصبر والإغضاء على الأذى كما تَقَدَّم بيانه. لكن لما زاد الأمر عن حده ولم يعد هناك مفر من المواجهة بعد أن قدّموا كل ما يمكنهم تقديمه من التسامح والعفو ولم يأت شىء من ذلك بثمرة، كان لا بد لهم من قتالِ مَنْ قاتلهم وضَرْبِ من يضربهم، فالعين بالعين، والسن بالسن، والبادئ أظلم. وهذه هى الحياة، وإلا أكل القوىُّ الوقحُ الحيىَّ المسالم. لكن ليس فى القرآن أى كلام عن إجبار الآخرين على اعتناقه، فالإسلام لم يعرف ما عرفته الكنيسة من التسلط على العقول وترويع الآخرين والتفتيش فى ضمائرهم وتعذيبهم وتحريقهم حتى يدخلوا فى دينها، وذلك رغم ما تتشدق به الكنيسة من كلام جميل عن التسامح المطلق الذى يوجب على صاحبه أن يدير خده الأيسر لمن يصفعه على خده الأيمن... إلى آخر هذا الكلام الذى لا يصلح لدنيا البشر إلا لوقت معلوم وفى ظروف خاصة، ويقتصر على خلافات الأفراد داخل المجتمع الواحد، وإلا كانت كارثة. وفى القرآن آيات متعددة توصى بالصبر وعدم الرد على السيئة بمثلها، وآيات أخرى تخير المسلم بين الرد والعفو، مع تحبيب الأخير له. وهو ما يدل على أنه لا فرق بين الإسلام والنصرانية فى تحبيب العفو إلى البشر، ولكن إلى حين. ومرة أخرى ينبغى ألا ننسى أن المسيح عليه السلام لم يمكث بعد أن جاءه الوحى أكثر من ثلاث سنوات، على حين أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد مكث فى مكة يصبّر أتباعه لا ثلاث سنوات وحسب، بل ثلاثَ سنواتٍ وفوقها عَشْر. كما أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يكن حاكما على دولة ولا تحت يده أمة هو مسؤول عنها وعن مصيرها مثلما حدث مع النبى بعد الهجرة إلى المدينة، وإلا أفيستطيع أحد أن يزعم أنه كان سيجرى على هذه السنّة إلى أبد الآبدين؟ فمن الذى قال إذن: ما جئت لأُلْقِىَ سلاما بل سيفا؟ إنه المسيح نفسه وليس أحدا آخر سواه.
وعلى هذا فإن قوله عز شأنه فى آخر سورة "الحج": "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)" لا يمكن أن يكون معناه شيئا آخر غير بذل الوسع لإرضاء الله فى كل أمر يستطيعه الإنسان. والأمور التى يستطيعها الإنسان ويرضى ربه بها لا تنتهى، لأنها تشمل كل أمور الحياة من زراعة وتجارة وصناعة وتعليم ودراسة وقراءة وكتابة وسياسة وسفارة وطِبَابة ونجارة وسباكة وخراطة وحدادة، وكذلك قتال العدو المغير بطبيعة الحال كأمريكا وبريطانيا ودول الغرب التى تعاونهما الآن. فعلى المسلم أن يجاهد فى ترقية حياته وحياة أمته وحياة الإنسانية كلها. ولا شك أن كسل المسلم الآن وعدم تنبهه إلى قيمة الجهاد هو الذى أدى به إلى هذا المأزق العسير المؤلم الذى يئنّ منه فى هذه الأيام النَّحِسات، وهو يستحقه إلى حد كبير لأنه أضاع الفرصة تلو الفرصة على مدى قرون كاملة حتى انتهى به الأمر إلى وضعه البائس الحالى الذى جَرّأ عليه أعداءه تلك الجرأةَ المهينةَ التى نبلوها ونذوق كأسها المرة كاملة كل يوم والتى سيكون حساب الأمة عنها فى غاية العسر يوم القيامة، ولاتَ ساعةَ مَنْدَم.
فإذا تحولنا بوجوهنا إلى أحاديث سيد المرسلين ألفينا النصوص الشريفة التالية: ففى صحيح البخارى نقرأ هذا الحديث الذى يجيب فيه الرسول الكريم على سؤال لعائشة يتعلق بحكم اشتراك النساء فى القتال مع الرجال: "قلت: يا رسول الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور. فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم". فها هنا نراه صلى الله عليه وسلم يعد الحج من الجهاد، بل أحسن الجهاد وأجمله. وفى صحيح البخارى أيضا: "قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجاهد؟ قال: لك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهِدْ". وهنا كذلك يعدّ النبى عليه السلام قيام الابن بحاجة والديه جهادا فى سبيل الله. وفى مسند أبى دواود: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"، وهو ما يدل على أن جهاد الأعداء لا يكون بالقتال فقط، بل بالمال وبالكلمة أيضا كالذى كان يفعله حسان بن ثابت، فإنه كان يجاهد بشعره وفنه. وفى ابن عساكر: "قيل لابن عباس: قد قَدِم حسّان اللعين. قال ابن عباس: ما هو بلعين! قد جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ولسانه". أى أن ما يفعله واحد مثلى الآن بقلمه (أو بالأحرى: بــ"كاتوبه"، إذ لم أعد أكتب بالقلم بل بالكاتوب مباشرة)، يدخل فى باب الجهاد، وإن كان الأجر متوقفا على أن أكون مخلصا فى علمى لا أبتغى فيه السمعة ورئاء الناس وأن أكون قد بذلت أقصى جهدى حتى تبين لى أن هذا الأسلوب هو الأسلوب السليم وليس مجرد حماسة هوجاء لا عقل لها ولا هدف واضح أمامها، وهذا أمر لا يبت فيه إلا الله سبحانه. وفى صحيح الترمذى: "المجاهد من جاهد نفسه"، أى كف عن الشهوات وقام بواجب الطاعة لله سبحانه وبذل وسعه فى عمله وشمر عن ساعد الجِدّ فى ساح العمل والإنتاج، ولم يركن إلى الكسل أو الغش أو الاحتكار أو أسلوب سلق البيض، بل صبر على تكاليف الإتقان والتدقيق والإبداع والسعى فى طلب العلم، فإن كل هذه مشقات تكرهها النفس عادة ولا تريد أن تتجشم فيها شيئا من التعب لو أمكن، فبيّن النبى عليه السلام أن الجهاد الحقيقى هو جهاد النفس بصَبْرها على تأدية الواجب، ومَنْعها من مقارفة المعصية، وما أكثر الواجبات، وما أكثر المعاصى! ومما رواه ابن تيمية من الأحاديث الشريفة قوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر السيئات، والمجاهد من جاهد نفسه لله". فقد جعل النبى الجهاد هو جهاد النفس، وهذا هو ما قلناه ونقوله، وهو لا يلغى الجهاد الذى هو قتال العدو بالسيوف والبنادق والمدافع والصواريخ والدبابات وما أشبه، بل يشمله فيما يشمل، إذ هو لون من مجاهدات النفس قد يكون أفضلها فى بعض الأحيان، وقد يكون غيره أفضل منه، وقد تكون ألوان الجهاد كلها متساوية، وكل ذلك حسبما تقتضيه الظروف، إلا أنه ليس اللون الوحيد على أية حال. ومثله ما رواه الحافظ العراقى من قوله عليه السلام: "المهاجر من هجر السوء، والمجاهد من جاهد هواه". وفى الصحيح الجامع للألبانى: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنّته ويتقيدون بأمره. ثم إنها تَخْلُفُ من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". وفى صحيح الترمذى: "إن من أعظم الجهاد كلمةَ عدلٍ عند سلطانٍ جائر"، وهو مما ينقص أمة الإسلام اليوم إلى حد كبير، إذ كلنا (إلا من رحم الله، وقليل ما هم) نخشى السلطان الجائر، وكثير منا ينافقونه ويُورِدونه ويُورِدون أنفسَهم والأمةَ كلها معهم موارد الهلكة كالذى نحن فيه الآن.
إذن فالجهاد ليس هو القتال ضربة لازب، كما أنه لا يعنى قتال الآخرين بغية إكراههم على اعتناق الإسلام، والدليل على هذا هو قوله سبحانه وتعالى من سورة "البقرة": "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)". فمن البيّن الذى لا يمكن الجدال فيه أن الإسلام لا يقرّ العدوان من جانب المسلمين أبدا، بل يقيم تعامله مع المشركين على أساس من مواقفهم: فإن قاتلوا المسلمين فعلى المسلمين مقاتلتهم، وإن كفوا أيديهم عنهم سكت المسلمون كذلك... وهكذا. وفى قوله جل جلاله من سورة "الأنفال": "إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)" نبصر بكل وضوح واطمئنان أن المشركين إذا غدروا بالمسلمين ولم يوفوا بما عقدوه معهم من عهد كان للمسلمين أن يقاتلوهم ويقتلوهم، فإذا جنحوا للسلم وجب على المسلمين الجنوح إليها والتوكل على الله، وإذا شعروا أن هناك نية غدر فأقصى ما يستطيعونه أن يعالنوهم بأنه لا معاهدة بينهم منذ اليوم: هكذا بكل وضوح، ودون مبادلةٍ لغَدْرهم بغَدْرٍ مثله.
وبنفس العين ينبغى أن نقرأ قوله عز شأنه فى مفتتح سورة "التوبة": "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاَّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)". فالكلام هنا أيضا عن المشركين الذين كانت بينهم وبين المسلمين عهود فنقضوها ولم يَرْعَوْا فيها ولا فيهم إلاًّ ولا ذمةً، فكان على المسلمين أن يعاملوهم بذات اللغة التى لا يفهمون سواها، وذلك بعدما جرب المسلمون معهم ألوان التسامح حتى باخت المسألة ولم يعد لها من معنى. ورغم ذلك ينبغى ألا يفوتنا الأمر القرآنى فى هذه الآيات بإجارة المشرك الذى يستجير فى هذه الظروف المتوترة بالمسلمين وحمايته إلى أن يسمع كلام الله فى جو هادئ فلا تكون له أية حجة فى غدره بما بينه وبينهم من معاهدات بعد هذا، ثم عليهم فوق ذلك أن يوصّلوه إلى مضارب قبيلته آمنا مطمئنا. فما الذى يراد من المسلمين بعد ذلك كله؟ أيجب عليهم أن يضربوا للخائن الغادر تعظيم سلام ويقيموا له تمثالا ويجعلوا من غدره مثالا أعلى وذكرى ينبغى أن تُحْتَرَم؟
كذلك فشريعة الكتاب المقدس لا تعرف فى تلك الحالة إلا الاستئصال التام لكل ذى روح، بشرا كان أو حيوانا، لا دفع الجزية والإبقاء على حياة الأعداء واحترام عقائدهم. يقول الإصحاح العشرون من سفر التثنية: "16وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، 17بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، 18لِكَيْ لاَ يُعَلِّمُوكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا حَسَبَ جَمِيعِ أَرْجَاسِهِمِ الَّتِي عَمِلُوا لآلِهَتِهِمْ، فَتُخْطِئُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِكُمْ"، والمقصود بالتحريم هنا هو الاستئصال. وفى الإصحاح الخامس عشر من سفر صموئيل الأول: "1وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكًا عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. 2هكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. 3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا»". وبالمناسبة فمصر هذه الأيام تغلى، أقصد أن شرفاءها (شرفاءها فقط) يغلون بل تحترق قلوبهم على الجنود والضباط والمدنيين المصريين الذين قتلوا فى سيناء عقب هزيمة 1967م المخزية وبعد استسلام الجيش المصرى فى عهد البطل خالد الذكر (!) جمال عبد الناصر، الذى يتصور بعض السُّذَّج أنه لو كان حيًّا الآن لكان لقَّن إسرائيل والولايات المتحدة درسا لا تنسيانه. وهذا التصرف من جانب اليهود لا يمكن فهمه على وجهه السليم إلا فى ضوء نصوص العهد القديم الإجرامية المتوحشة. جاء فى مقال منشور فى 12/ 3/ 2007م بجريدة "المصريون" بعنوان "رحبت بتصريحات أبو الغيط واعتبرتها إيجابية- إسرائيل تدرس دفع تعويضات لذوي ضحايا مجزرة الأسرى في حرب 67" عن المجزرة التى تم فيها قتل 250 جنديا مصريا فى سيناء رغم استسلامهم بعد هزيمة 1967م أن "الكثيرين من الجنود (الإسرائيليين) المتورطين في المجزرة التي عرضتها القناة الأولى بالتلفزيون الإسرائيلي في 26 فبراير الماضي اعترفوا بأنهم قتلوا الجنود المصريين مدفوعين بشهوة الانتقام، وتطبيقا لتعليمات عسكرية من قادتهم. وقالوا إن بن أليعاز شارك بنفسه في عمليات مطاردة الجنود المصريين المنسحبين وقتلهم بدم بارد حيث كان يرغمهم على النوم على الأرض على وجوههم بعد تقييد أيديهم من الخلف ثم يطلق عليهم الرصاص من خلف الرأس. وأشاروا إلى أن الأوامر الصادرة إليهم من بن أليعازر كانت تقضي بإطلاق الرصاص على الجنود المصريين العُزْل حتى بعد أن كانوا يرفعون إيديهم مستسلمين". ويزيد الأستاذ جمال أسعد القبطى الأمر تفصيلا فيقول فى نفس الجريدة فى اليوم التالى تحت عنوان "دم الأسرى في رقابنا جميعا": "هل اكتشفنا مؤخرا أن إسرائيل دولة عنصرية استعمارية تخالف القانون الدولي، ليس في سلوكها فحسب، ولكن في نشأتها ذاتها كدولة تخالف قرارات مجلس الأمن؟ وهل هناك جديد في قضية قتل وسحق إسرائيل للأسرى المصريين في حربي 56، 67 بعد إذاعة الفيلم الإسرائيلي في القناة الأولى للتليفزيون الإسرائيلي باسم روح شاكيد "الصفوة"؟ نقول لكل من ينسى أو يتناسى أن قضية الأسرى المصريين في إسرائيل لم تكن هذه المرة الأولى التي أثيرت فيها بمناسبة ذلك الفيلم، ولن تكون الأخيرة. فقد أثيرت تلك القضية عام 1996 وعام 2000 عند الانتفاضة الفلسطينية الثانية من خلال منظمات شعبية وسياسية. كما أن تلك القضية الهامة والحساسة والتي تمس شرف العسكرية المصرية وكيان المواطن المصري نتيجة لتلك الممارسات الإسرائيلية الحقيرة في حق أسرانا قد تم رصدها وتسجيلها. كما توجد وثائق وسجلات لدى القوات المسلحة المصرية ولدى منظمات العمل الأهلي وحقوق الإنسان، وذلك من خلال رصد ومقابلة وشهادات واعترافات الأسرى المصريين العائدين والناجين من المجازر الإسرائيلية. وذلك بما لا يدع مجالا لأي شك في تلك الممارسات اللاإنسانية في حق أسرانا. فلا فيلم روح شاكيد ولا اعترافات بن إليعزر أضافت جديدا في هذا الموضوع، غير أن هذا الفيلم يعتبر نوعا من الاعتراف المباشر على اقتراف تلك المجازر والتي من الواجب استعمالها واستغلالها أحسن استغلال في فضح وكشف تلك الجرائم. فالقضية أكبر من إعدام 250 أسير لا يحملون سلاحا بل لا يرتدون ملابس عسكرية. فالممارسات الإسرائيلية في حق أسرانا تجاوزت كل الحدود وانتهكت كل الأعراف وأسقطت كل القوانين، فقد تم قتل الأسرى بالمئات في مذابح بشرية ودفنهم أحياء ودهسهم تحت جنازير الدبابات وإعدام كل من يطلب قطرة ماء بالرصاص وضربهم بالنابالم في وجوههم. بل وصل الأمر بأنه كان يُطْلَب من الأسير أن يحفر قبره بنفسه، ثم يتم إطلاق النار عليه وهو في القبر، ثم يتم دفنه قبل أن تفارق روحه الحياة. والغريب في الأمر أن تلك الممارسات الفظيعة ليست نتاج اعترافات أسرى مصريين أو من خلال مصادر مصرية فقط، ولكن الأهم أن تلك الممارسات قد تم الاعتراف بها من قِبَل فاعليها من العسكريين الإسرائيليين مثل شارون زيف، الذي اعترف بأنه قد قذف قنبلة في شاحنة ممتلئة بالمصريين، وعاموس فئمان، الذي قال: طاردنا المصريين وقتلناهم بلا أي قواعد. ناهيك عن التجارة بأعضاء الأسرى المصريين في أوروبا وإسرائيل. فهل يوجد سلوكيات أحقر من هذا في حق المقاتل المصري الأسير الذي من المفترض أن يحميه القانون الدولي واتفاقات جنيف الأربعة عام 1949 والتي تعتبر أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم؟ مع العلم أن نظرة سريعة على تلك الاتفاقات تجد أن إسرائيل قد اقترفت من الجرائم ما لا يحصى مثل القتل العمد، التعذيب، المعاملة غير الإنسانية، إجراء تجارب بيولوجية على أشخاص غير مسلحين، الحرمان من الحق في محاكمة منصفة وعادلة، وانتهاك الكرامة الإنسانية وغيرها غيرها من اتهامات. فماذا بعد؟ وما هي الأسباب الواضحة والخفية في وجود هذا التقاعس لإثارة تلك القضية وإحياؤها مصريا ودوليا؟ وهل هناك علاقة فعلا بين عدم الجدية في الحصول على حقوقنا من إسرائيل تجاه تلك القضية وبين ما يسمى بمعاهدة السلام؟ وهذا واضح بدليل أنه حتى هذه اللحظة فالذي يثير تلك القضية في أوقات متفرقة هي المنظمات الشعبية والأهلية، ولا نرى موقفا جادا من الخارجية أو الحكومة غير الإستدعاءات والاستفسارات. وهل منعت معاهدة السلام إسرائيل من أن تمارس تلك الممارسات اللاإنسانية والغير قانونية؟ والغريب أن وزيرة خارجية إسرائيل تقول أننا الآن في سلام مع مصر فلا يجب أن ننظر إلى قضايا قديمة مضى عهدها. وبالرغم من عدم تقادم تلك القضايا فإننا نسأل السيدة الوزيرة: هل أسرانا هم أقل رتبة من أسراكم؟ أم أنتم شعب الله المختار؟ وإذا كان ما فات مات فلماذا طالبتم وما زلتم تطالبون وتستغلون ما يسمى بالهولوكوست ضد ألمانيا وأوروبا؟ ولماذا قد حصلتم على نحو 800 مليار دولار تحت بند ما يسمى بالتعويض المادي؟ وهذا غير المكاسب السياسية التي لا تقدَّر مثل حصولكم على وثيقة ما يسمى بتبرئة اليهود من دم المسيح من الكنيسة الكاثوليكية، وكذلك تهديدكم سياسيا للعالم كله بتلك المحرقة حتى أصبح الآن هناك قوانين تخدم ما يسمى بالإساءة للسامية، وكأن اليهود هم وحدهم الساميون. ولماذا نذهب بعيدا، ونسأل أيضا: ماذا تفعل إسرائيل حيال أسراها؟ ولماذا قامت بشن الحرب السادسة الإسرائيلية ضد لبنان بحجة استرداد أسيرين قام حزب الله بأسرهما؟ وماذا كانت نتيجة تلك الحرب؟ وما هي الخسارة اللبنانية في مقابل أسيرين ما زالا أحياء؟ وكم دفع الفلسطينيون دما وأرواحا ومنازلا مقابل أسير واحد لم يمس بأذى؟ فلا شك أن اتفاقيات السلام لا تعني شيئا بالنسبة لإسرائيل، فهي لا يعنيها ولا يهمها سوى أن تكون نموذجا للدولة العنصرية، عميلة لأي قوى كبرى في المنطقة. فهل السلام المصري الإسرائيلي منع تلك الدول من التجسس على مصر؟ فلماذا التحجج بهذا السلام البارد والذي هو يعني الحكومات وليس الشعوب؟ ولماذا لا نتعامل مع إسرائيل بمثل ما تعاملنا؟ وهنا نقول: ماذا فعلت إسرائيل حينما قام بعض الجنود المصريون بضرب بعض الإسرائيليين؟ قامت الدنيا ولم تقعد وحصلت إسرائيل على تعويضات واعتذارات. وماذا حصلنا نحن عندما قام جنود إسرائيليون بقتل جنود مصريين؟ وهنا لا تقول أنها صدفة وبدون قصد. فهل نعلم ماذا تدرس إسرائيل لطلابها، وفي ضوء السلام هذا؟ وماذا تدّعي من أكاذيب وافتراءات على مصر وتاريخ مصر؟ وهل نعلم أن عقيدة هؤلاء تعتبر أن قتل الأسرى المصريين واجبا مقدسا لأنهم أبناء عاهرات مثلما جاء في جريدة "الفجر"؟ وهنا فما حدث في حق أسرانا قد فاق كل الحدود وتجاوز كل الآفاق، ومصر لن تخضع لأي أحد تحت أي معاهدة. وكرامة المصري هي أهم ما يملك. ودَوْر الحكومة، أيّ حكومة، هو الحفاظ على المواطن وكرامته. فهل يمكن البدء فورا في اتخاذ قرارات تحفظ حقوقنا وتعيدها إلينا؟ هل من حملة منظمة للعالم كله ضد تلك الممارسات؟ أين حقوق الإنسان؟ وأين المنظمات الدولية والقوانين الدولية؟ أم أن تلك المنظمات وهذه القوانين لا تتحرك ولا تفعل إلا للإسرائيلي أو الأمريكي أو الأوروبي، ولا تحل للعربي أو الشرقي؟ فلماذا لا يتم سحب السفير المصري من إسرائيل؟ وكيف كانت تلك الدعوة للقاتل السفاح بن إليعزر، والأجهزة تعلم فعلته الخسيسة؟ لمصر حقها. لا ولن يضيع طالما هناك شعب يعتز بكرامته، ولن يضيع حق وراءه مطالب. ولن يحفظ كرامتنا إلا نحن. وقضية الأسرى لن تموت مهما تم التغطية عليها أو التعتيم حولها".
وهنا يحسن أن ننقل للقارئ ما كتبه يورى أفنيرى الكاتب والسياسى الإسرائيلى فى مناقشة الدعوى التى تقول إن الإسلام دين عدوانى وإنه قد انتشر بالسيف والإكراه، وذلك فى مقاله الذى رد به على خطبة بابا الفاتيكان منذ عدة شهور، والترجمة لكرم محمد، الذى كان قد أرسلها لى مشكورا فى رسالة فورية يطلب رأيى فيها فوجدت أسلوب الترجمة سلسا إلى حد معقول، ورأيت أن أستشهد ببعض ما جاء فيها مع شىء من التصرف. يقول أفنيرى: "يؤكد البابا، في سبيله لإثبات غياب العقل عن الإسلام، أن النبي محمدًا أمر أتباعه أن ينشروا دينهم بالسيف. وهذا يتناقض، وفقًًا للبابا، مع العقل لأن الإيمان ينبع من الروح، وليس من الجسد، فأنَّى للسيف أن يؤثر على الروح؟ والبابا، في سبيله لتدعيم رأيه، يقتبس من دون الناس جميعًا من إمبراطورٍ بيزنطي ينتمي إلى الكنيسة الشرقية المنافسة. ففي نهاية القرن الرابع عشر حكى الإمبراطور عمانوئيل الثاني بالايالوجس عن مناظرة له، أو هكذا قال (فحدوثها موضع شك)، مع عالمٍ فارسيٍّ مسلمٍ مجهولٍ، وفي فورة هذا النقاش طرح على خصمه هذه العبارات التالية (حاكيا عن نفسه): "أرني فقط ما الجديد الذي جاء به محمد، وحينها لن تجد إلا أشياء شريرة وغير إنسانية، مثل أمره بنشر الدين الذي كان يبشر به بالسيف". هذه الكلمات تُظهر ثلاثة أسئلة: (أ) لماذا قالها الإمبراطور؟ (ب) هل هذه العبارة صحيحة؟ (ج) لماذا استشهد بها البابا الحالي؟ كان عمانوئيل الثاني، حينما كتب دراسته هذه، زعيما لإمبراطورية تموت، فقد تقلد السلطة في 1391م في وقت بقي فقط في يده القليل من المقاطعات مما كان يشكل يومًا إمبراطورية عظيمة. هذه المقاطعات بدورها كانت تحت التهديد التركي، وفي هذه القترة كان العثمانيون الأتراك قد بلغوا ضفاف نهر الدانوب، وقاموا بغزو بلغاريا وشمال اليونان، وهزموا للمرة الثانية الجيوش التي أرسلتها أوروبا لإنقاذ الإمبراطورية الشرقية. وفي 29مايو 1453، وبعد سنوات قليلة من موت عمانوئيل، سقطت عاصمته القسطنطينية (إسطانبول حاليا) في أيدي الأتراك واضعةً نهاية للإمبراطورية التي استمرت لما يزيد عن ألف عام. وكان عمانوئيل يقوم، أثناء فترة حكمه، بجولات زار خلالها عواصم أوروبا في محاولة لحشد الدعم حيث وعد بالانضمام مرة أخرى إلى الكنيسة. وليس هناك أدنى شك في أنه كتب أبحاثه الدينية بغية تحريض الدول المسيحية ضد الأتراك وليقنعهم بتدشين حملة صليبية جديدة. وقد كان هدفه هذا براجماتيا، فالعقيدة كانت تخدم السياسة. وفي هذا السياق نجد أن الاقتباس يخدم تماما متطلبات الإمبراطور الحالي جورج بوش الابن، فهو أيضا يريد توحيد العالم المسيحي ضد "محور الشر"، الذي هو إسلامي في الغالب. بالإضافة إلى ذلك يطرق الأتراك مرة أخرى أبواب أوروبا، بشكل سلمي هذه المرة، ومن المعروف جيدًا أن البابا يدعم القُوَى التي تعارض دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن هل كانت مزاعم عمانوئيل بها شئ من الصحة؟ البابا نفسه قدم كلمة تحذيرية، فهو كعالم لاهوتي جاد وشهير لا يمكنه أن يقدم على تزييف النصوص المكتوبة. لذلك اعترف بأن القرآن على وجه الخصوص يحرّم نشر الإيمان بالقوة، واقتبس من السورة الثانية في القرآن الآية 256 (أخطأ البابا في اقتباسه بشكل غريب، فقد كان يقصد الآية 257) التي تقول: "لا إكراه في الدين". كيف يمكن أن يتجاهل إنسان مثل هذه التصريح الواضح الذي لا لبس فيه؟ ببساطة يزعم البابا أن هذه الوصية أعلنها الرسول عندما كان في بداية دعوته في وقت كان لا يزال فيه ضعيفًا عاجزًا، لكنه بعد ذلك أمَرَ باستخدام السيف في خدمة الدين. أمرٌ كهذا ليس موجودًا في القرآن. نعم، دعا محمد إلى استخدام السيف في حربه ضد القبائل المسيحية واليهودية وغيرها ممن كانت تعيش في الجزيرة العربية، لكن هذا كان أمرًا سياسيًّا، وليس دينيًّا. أي أنه بشكل أساسي كان بهدف توسيع الدولة وليس نشر الدين. يقول المسيح: "من ثمارهم تعرفونهم". إن معاملة الإسلام للأديان الأخرى يجب أن يُحْكَم عليه وفقا لاختبار بسيط: كيف كان سلوك الحكام المسلمين خلال ما يربو على الألف عام عندما كان في استطاعتهم استخدام ما لديهم من قوة لنشر الدين بالسيف؟ حسنا، أبدا لم يفعلوا. لقرون عديدة حكم المسلمون بلاد اليونان: هل أصبح اليونانيون مسلمين؟ هل حاول أحد حتى أن يكرههم على أن يسلموا؟ العكس هو الصحيح، إذ تقلد المسيحيون اليونانيون أرفع المناصب في الإدارة العثمانية. كذلك فالبلغار والصرب وأهل رومانيا، وكذلك المجريون والأمم الأوروبية الأخرى، عاشوا في فترة أو في أخرى في الماضي تحت الحكم العثماني وتمسكوا بإيمانهم المسيحي، ولم يكرههم أحد على أن يصبحوا مسلمين، وجميعهم ظلوا مخلصين للمسيحية. نعم، اعتنق الألبان الإسلام، وكذلك فعل البوسنويون. لكن لا أحد زعم أنهم فعلوا ذلك تحت الإكراه. لقد اعتنقوا الإسلام لكي يصبحوا مفضلين لدى الحكومة ولكي يستمتعوا بالمكاسب. في عام 1099 غزا الصليبيون مدينة بيت المقدس وارتكبوا المذابح في حق سكانها من المسلمين واليهود من غير تمييز، وارتُكَِبتْ هذه الجرائم باسم المحترم يسوع. في هذا الوقت، بعد 400 عام من احتلال المسلمين لفلسطين، كان المسيحيون مايزالون يمثلون أغلبية سكان الدولة. ولم يحدث خلال هذه الفترة الطويلة أن بُذِل أي جهد لفرض الإسلام عليهم. لكن فقط بعد طرد الصليبيين من الدولة بدأ أغلبية السكان في تبني اللغة العربية و اعتناق الدين الإسلامي، وهؤلاء هم أجداد غالبية فلسطينيي اليوم. وليس هناك أي دليل على الإطلاق على أن ثمة محاولات بُذِلَتْ لفرض الإسلام على اليهود. فكما هو معروف تمتع اليهود تحت الحكم الإسلامي في أسبانيا بازدهار لم يتمتع اليهود بمثله في أي مكان آخر تقريبًا حتى عصرنا الحالي. فشاعرٌ مثلُ يهودا هاليفي كتب شعره بالعربية، وكذلك فعل ابن ميمون العظيم. في أسبانيا المسلمة كان اليهود وزراء وشعراء وعلماء. في طليطلة المسلمة عمل العلماء اليهود والمسيحيون والمسلمون سويا وقاموا بترجمة النصوص العلمية والفلسفية الخاصة باليونانين القدماء. لقد كان هذا العصر بحق هو العصر الذهبي. كيف لمثل هذا أن يحدث إذا كان النبي قد أمر بـ"نشر الدين بالسيف"؟ ماحدث بعد ذلك هو أمر جدير بالاعتبار، فعندما قام الكاثوليك بالاستيلاء مرة أخرى على أسبانيا من أيدي المسلمين أقاموا حكم الإرهاب الديني. لقد وُضِعَ اليهودُ والمسلمون أمام خيار قاسٍ،: إما أن يصبحوا مسيحيين، أو أن يتعرضوا للمذابح، أو يرحلوا. ولكن إلى أين يهرب مئات الآلاف من اليهود الذين رفضوا التخلي عن إيمانهم؟ كلهم تقريبا استُقْبِلوا في البلاد الإسلامية بترحاب عظيم. اليهود السفرديم (الأسبان) استقروا في مختلف أنحاء العالم الإسلامي: من المغرب في الغرب إلى بغداد في الشرق، ومن بلغاريا في الشمال (كانت ما تزال تحت الحكم العثماني) إلى السودان في الجنوب. لم يحدث أن اضطُهِدوا في أي من هذه الأماكن، ولم يقع لهم مثل الذي ابْتُلُُوا به في كل البلاد المسيحية تقريبا من تعذيب محاكم التفتيش ولهيب المحارق والذبح والطرد الجماعي وصولا إلى الهولوكوست. لماذا؟ لأن الإسلام حرم بشكل واضح أيّ اضطهاد "لأهل الكتاب". وفي المجتمع الإسلامي حظي اليهود والمسيحيون بمكانة خاصة. لم يحصلوا على المساواة الكاملة في الحقوق، لكنهم حصلوا على معظمها. لقد كان يتوجب عليهم دفع ضريبة خاصة، لكنهم أُعْفُوا من الخدمة العسكرية، وهو امتياز كان موضع ترحيب عظيم من قِبَل الكثيرين من اليهود. لقد قيل إن الحكام المسلمين كانوا يسيئهم أي محاولة لإقناع اليهود بدخول الإسلام حتى ولو كان طريق الاقتناع سلميا لأن ذلك يستلزم نقص الضرائب. إن كل يهودي يتسم بالأمانة ويعرف تاريخ شعبه لا يمكنه إلا أن يشعر بعميق الشعور بالجميل للإسلام، الذي حمى اليهود لمدة خمسة أجيال، في حين كان العالم المسيحي يضطهد اليهود ويحاول لمرات كثيرة أن يكرههم على التخلي عن إيمانهم. إن قصة "نشر الدين بالسيف" هي أسطورة شريرة، وخرافة من الخرافات التي نمت في أوروبا أثناء الحروب الكبرى ضد المسلمين، مثل حروب استرداد المسيحيين لأسبانيا، والحروب الصليبية، وحروب الدفاع ضد الأتراك، الذين غَزَوْا فيينا تقريبًا. بل إني لتساورني الشكوك في أن يكون البابا الألماني الأصل أيضا يؤمن فعلا بهذه الخرافات. هذا يعني أن زعيم العالم الكاثوليكي، الذي هو عالم في اللاهوت المسيحي أيضا، لم يبذل أي جهد لدراسة تاريخ الديانات الأخرى. ولكن لماذا يا ترى تفوّه قداسته بهذه الكلمات علنًا؟ ولماذا الآن تحديدًا؟ لا مفر من النظر إلى هذه الكلمات على خلفية الحملة الصليبية الجديدة التي يقودها بوش وأنصاره من الإنجيليين بشعاراته عن "الفاشية الإسلامية" و"الحرب الكونية ضد الإرهاب" في وقت صار فيه الإرهاب مرادفًا للإسلام. وبالنسبة لمعارضي بوش فهذه محاولة مضحكة لتبرير السيطرة على مصادر البترول العالمية. وهذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها رداء الدين لتغطية عُرْي المصالح الاقتصادية، وليست هذه هي المرة الأولى التي يتحول فيها تنافس اللصوص إلى حملة صليبية. إن خطاب البابا هذا يصب في هذا الاتجاه، فمن يا ترى يستطيع أن يتنبأ بنتائجه الكارثية؟".
ومع ذلك كله يبكتنا الكندى ونسله النجس فى المواقع المشباكية بأن الإسلام دين عدوان وتقتيل. وبالمناسبة فآية "لا إكراه فى الدين" ليست آية مكية كما يقول أعداء الإسلام، بل هى آية مدنية نزلت بعد السماح للمسلمين بقتال من يقاتلهم. أى أن الرد على العدوان شىء، وإكراه الآخرين على الدخول فى الإسلام شىء آخر تماما لا يعرفه الإسلام. والآن يمكنك، أيها القارئ، أن تحكم بنفسك على هذا المتنطّس المتنطّع الذى يقيم من نفسه واعظا علينا يعلمنا الرحمة والإنسانية فى تعاملنا معه هو وقومه، بعدما رأيت بنفسك الفرق الرهيب بين تشريعاتنا وتشريعاتهم فى هذا الشأن. أما تخويفه من شريعة الجهاد فى الإسلام فإنه خبث مفضوح، إذ لا يكره دفاعَ أية أمة عن نفسها إلا مجرمٌ أثيمٌ يريد تخدير فريسته حتى لا تكون يقظة له ولألاعيبه الإبليسية فيأخذها على غرة وهى نائمة على صماخ أذنيها كما وقع وما زال يقع لنا على يد الاستعمار الغربى، فيكون انتصاره علينا واحتلاله أرضينا عبارة عن نزهة خلوية. ويا حبذا لو خرجت له نساؤنا يرقصن للترفيه عنه كما منّت أمريكا جنودها حين استجلبتهم لغزو العراق! ولو كان الإسلام يشرع الحرب الإكراهية كما يزعم هذ الكذاب، فلم قال سبحانه وتعالى فى سورة "الممتحنة": "عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)"؟ من الواضح أن القرآن لا يأخذ العاطل مع الباطل، بل يفرق بينهما تفرقة دقيقة وحكيمة. كذلك لو كانت الحرب العدوانية شريعة إسلامية لما قال رسوله الكريم: "يا أيها الناس، لا تتمنَّوْا لقاء العدو، وسَلُوا الله تعالى العافية. فإذا لَقِيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف... اللهم مُنْزِلَ الكتاب ومُجْرِيَ السحاب وهازمَ الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم"، ولما رضى عليه السلام بشروط الحديبية المجحفة مبديًا استعداده للعمل بكل سبيل إلى حقن الدماء! من هنا فاتهام المؤلف الكذاب للإسلام بأنه ليس دين سلام هو قولٌ مجافٍ للحقيقة، تلك الحقيقة التى تتمثل فى أن دين سيد الأنبياء والمرسلين هو دين سلام إذا كان الطرف الآخر يبغى سلاما، ودين حرب إذا فُرِضَت عليه الحرب فرضا ولم يكن هناك أى مجال لتجنبها، وإن كان مع هذا يؤثر السلام ويدعو إليه ويريد أن يعيش مع الآخرين فى ظلاله الوارفة ما أمكن وما وجد استجابة لدعوته الكريمة. هذه هى الحقيقة بكل بساطة وصدق، ولا إخال أن هناك من يعترض على ذلك، فضلا عن أن يكذب وينافق متظاهرا بالتسامح كأى ثعلب مارد خبيث يلبس مُسُوح المتقين، وهو مجرم لئيم!
25- وكان الهاشمى قد دعا عبد المسيح الكندى فى رسالته إليه أن يمارس حياته الطبيعية كما يمارسها أى آدمىٍّ سَوِىٍّ مُشْبِعًا رغباته فى الحلال، فكان جوابه هو: "أما ما دعوتَني إليه فقد عددتُه من الأمور الزائلة الفانية التي هي كأحلام النائم، والبرق الذي يضيء قليلاً ويذهب سريعًا ويبقى راجيه في الظلام مقيمًا. ولو كانت هذه أشياء دائمة باقية غير فانية لما كان يجب على ذي عقلٍ أن يرغب فيها ولا يميل إليها، فكيف وهي مشاركة البهائم التي همّها الأكل والشرب والنوم؟ وإنما يميل إلى مثل هذه الأوضاع من قد غلب عليه الشَّرَه في أخلاقه وطباعه، ولا أظنك عرفتني بالراغب في هذا وشبهه! فكيف أردت أن تصيدني بمثل هذه المصائد الدنية الخسيسة التي إنما يميل إليها ويغترّ بخدعتها من كان طبعه يشاكل طبع البهائم. فأما المميّزون الذين قد نظروا في الأمور فإنهم أبرياء من مثل ما ذكرتَه وعدَّدْتَه، بل هم مجتهدون في أن يدفعوا آفات أبدانهم التي لا قِوام لهم إلا بها. ولو تهيّأ لهم دَفْعها في الطبائع، أو كان ممكنًا لهم ذلك، لدفعوها. وما لهذا خلق الله الخَلْق، ولا لمثله يبعثهم من الموت يوم القيامة. فأنت تقول في كتابك: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (سورة الذاريات/ 56)، فأراك مناقضًا لقولك، لأنك قلت إنك خُلِقْتَ للعبادة، ثم تنقض وتهدم بناءك وتقول: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ (ومن الإماء) فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (سورة النساء/ 3) وأن نأكل ونشرب مثل البهائم. أما باب الطلاق والاستحلال والمراجعة الذي أحلّه صاحبك فلولا كراهية التطويل لتلوْتُ عليك مما قرَّع الله به أهله على لسان إرميا النبي. لكنك تعلم ما في هذا الأمر من العيب والشناعة عند جميع الأمم وسائر أهل الملل، وكيف استقباحهم له وإنكارهم إياه. وإني لأَنْهَى نفسي عن سفه المخاطبة فيه، وأرفع قدر كتابي عن إدخال شيء من ذكره".وواضحٌ زرايةُ الكندى على أسلوب حياة المسلمين واتهامه إياهم بأنهم على شاكلة البهائم. فهل يمكن أن يصدق عاقل أن هذا الكلب، مهما طمأنه الهاشمى وأعطاه الحرية فى التعبير عما بنفسه دون خشية، يجرؤ على أن يرميه هو والمسلمين جميعا بما فيهم رسول الله وأمير المؤمنين بأنهم "بهائم" مع ما نعرفه من حرصه على مراعاة مقام الخليفة وعدم جرأته على وصفه إلا بـــ"سيدى أمير المؤمنين" فى ذلة وخنوع ونفاق صفيق؟ فهذا مما يريبنى فى الرسالة ولا يجعلنى أصدق أن صاحبها هو الكندى، بل شخص أقدم على تسويدها فى الظلام ثم وضعها فى طريق الناس مطمئنا إلى أن أحدا لن يعرف حقيقته، ومن ثم فهو آمن من العقاب. وبالنسبة إلى الطلاق فمعروف لكل أحد أن أبغض الحلال فى الإسلام إلى الله الطلاق، فهو إذن ضرورة من الضرورات لا يلجأ إليها المسلم إلا فى حدودها. وكأى ضرورة كان الطلاق فى كثير من الأحيان أمرا لا بد منه، وإلا استحالت الحياة الأسرية جحيما وكان ذلك سببا فى الزنا، وربما القتل، للتخلص من الطرف الآخر الذى لا يستطاع التخلص منه بالحسنى كما هو مشاهد بين من يُعْنِتون أنفسهم دون داع ويكلفون طبيعتهم البشرية مستحيلا من الأمر، مما تناولناه قبل قليل فى هذه الدراسة. ثم إن قوله تعالى فى سورة "الذاريات": "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ" لا يتناقض مع قوله عز شأنه فى سورة "النساء": "فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" فى شىء قَلَّ أو كَثُرَ. ذلك أن العبادة فى الإسلام ليست مقصورة على الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإن كان هذا هو المعنى الاصطلاحى الفقهى للعبادة، بل تشمل هذا كله وتتجاوز هذا كله إلى ألوان أخرى لا تنتهى من العبادات يمكن اختصارها ببساطة فى قولنا إن كل ما رقَّى الحياة البشرية وأسعد الناس وجلب لهم المنافع ودفع بالحضارة الإنسانية إلى الأمام وعمله المسلم مرضاة لربه سبحانه هو لون من ألوان العبادة يؤجر عليه الإنسان أجرا عظيما. ومن هنا نقرأ فى سورة "المُلْك": "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)". وقد عد الرسول معاشرة الرجل لزوجته فى السرير عملا طيبا يحوز من الله أجرا عليه، وكان رده على من استغرب ذلك من صحابته الكرام أن الزوج لو كان قد عاشر امرأة أخرى غير زوجته لكان الله قد عاقبه، فبالمثل يجزيه سبحانه وتعالى الجزاءَ الحَسَن على إشباعه رغبته فى الحلال. كذلك عد الرسول السعى على المعاش لونا من ألوان العبادة، وقال فى رجل كان من عادته البقاء فى المسجد بعد انتهائه من الصلاة، على حين يخرج أخوه فيجرى على معاشهما، إن الأخ الساعى على المعاش أعبد من الملازم للمسجد. وهناك الحديث الشريف الذى يقول فيه صلى الله عليه وسلم إن فضل العالم على العابد كفضل البدر على سائر الكواكب، وكذلك الذى يقول فيه: "فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الوَرَع"، وهذا الذى يقول فيه: "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل وإنه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل درجة في جهنم"... وهكذا. ثم إن المعاجم اللغوية تفسر "العبادة" على النحو التالى كما نقرأ فى "تاج العروس" مثلا: "العُبُودِيّةُ والعُبُودَةُ بضَمِّهِما والعِبَادَةُ بالكسر: الطاعةُ. وقال بعضُ أئمة الاشتقاقِ: أَصلُ العُبُودِيّةِ: الذُّلُّ والخُضُوعُ. وقال آخَرُونَ: العُبُودَةُ: الرِّضا بما يَفْعَلُ الرَّبُّ، والعِبَادَةُ: فِعْلُ ما يَرْضَى به الرَّبُّ. والأَوّلُ أَقوى وأَشَقُّ". ويقول بطرس البستانى فى "محيط المحيط": "عَبَد اللَّهَ تعالى يعبُدهُ عُبُودةً وعُبُوديَّةً وعِبَادةً:طاع لهُ وخضع وذلَّ وخدمهُ والتزم شرائِع دينهِ ووحَّدهُ". ولم يحرم الله على عباده فى دين سيد الأنبياء الاستمتاع بآلائه ولا قال لهم إن مطالب أجسادهم ولا إشباعها شىء مقيت، إذ هو خالق تلك الأجساد وخالق حاجاتها، والمهم ألا يتجاوز الشخص فى إشباعها حدود الحلال والاعتدال. وعلى هذا فنحن حين نستمتع بآلاء الله لا نعصيه سبحانه، بل نطيعه لأنه عز وجل امتنّ علينا بتلك الآلاء وأخبرنا أنه خلقها لنا: "وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام/ 99)، "وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ* وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ" (الأنعام/ 141- 142)، "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ* وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ" (إبراهيم/ 32- 34)"، "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم/ 21). كما أثّم الإسلام، قرآنا وحديثا، الرهبانية التى أدخل النصارى عليها من البدع ما لا يرضاه الله سبحانه: "ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" (الحديد/ 27).
ومن هنا فلا معنى لاعتراض صاحبنا أبدا، ولا مكان عندنا لما يزعم حُسْنَه من تلك الرهبانية، لكن المنافقين قوم لا يفهمون، إذ هم حريصون على السمعة الكاذبة والرياء الحقير أكثر مما هم حريصون على العيش فى نور الحقيقة. والمضحك أن الكندى يصف التمتع النظيف بالحياة بأنه كــ"أحلام النائم". وعلى هذا فإن معاشرة الرهبان للراهبات هو حلم من "أحلام النائم"، واغتصاب القساوسة للغلمان الصغار وزناهن بالنساء فى ظلام الكنيسة عند تقديم الاعتراف إلى الذئب المتوحش حلم من "أحلام النائم"، وكذلك ترسيم المآبين أساقفة حلم من "أحلام النائم"، وجولات الباباوات فى العصور الوسطى فى ربوع أوربا فى صحبة عشيقاتهم حلم من "أحلام النائم". وعلى رأس كل ذلك فإن العلاقات الآثمة بين بعض الباباوات وأخواتهن كانت حلما من "أحلام النائم". ويا لها من أحلام لذيذة: لذيذة فى نظر المنافقين الدنسين، "Lazeeza" كما يسمِّى الشواذُّ موقعَهم على المشباك، لكنها دنيئة وقميئة وملوثة وتُرْدِى بأصحابها فى النار عند رب العالمين! وهنا يقول الكندى إن الله هو الذى خلق له نفسه وجسده، فنقول نحن له: ما دام الله هو خالق جسدك، فهل يمكن أن يخلق سبحانه الجسد ثم يحرّم عليه الشهوات مطلقا حتى الحلال منها بحجة أنها بالحيوان أليق؟ أليس جسد الإنسان، مثل جسد الحيوان، يحتاج إلى إشباع تلك الشهوات، وإلا اضطربت نفس الإنسان واستحالت حياته جحيما لا يمكن إطاقته؟ ألم يكن المسيح يأكل؟ ألم يلعن التينة من جوعه حين لم يجد فيها ثمرا رغم أن التينة لا ذنب لها ورغم أن المشكلة كانت عنده هو، إذ لم يتنبه إلى أن الأوان ليس أوان التين؟ ولماذا قام بمعجزة توفير الطعام للآلاف إذا كان الطعام، وهو شهوة البطن، شيئا مذموما، أو على الأقل شيئا لا يُحْرَص عليه؟ بل لماذا كانت أولى معجزاته هى توفير الخمر للمدعوين فى عرس كانت الخمر قد نفدت منه، فطلبت مريم من ابنها أن يتولى هذا الأمر، فكان أنْ حوّل الماء الموجود إلى خمر معتقة أعجبت الشاربين إعجابا شديدا فأثنوا عليها أعظم الثناء؟ وإذا كان الزواج يتنافى مع العبادة، فهل نفهم من هذا أن كل الأنبياء الذين تزوجوا، وهم يمثلون كل الأنبياء ما عدا من له ظروف خاصة منهم كيحيى وعيسى عليهما السلام، لم يكونوا فاضين لعبادة الله، وبخاصة إذا ما كان للواحد منهم أكثر من زوجة كإبراهيم، ودَعْنا من أن يكون تحته عشرات النساء كسليمان؟ أم ماذا؟ خيبة الله على المنافقين الملاعين إلى يوم الدين! ثم ما وجه التعارض بين عبادة الله وبين الاستمتاع بنعم الله؟ أوقد خلق الله دنياه لكى ننفر ونفرّ منها؟ فلماذا ولمن خلقها إذن؟ وهل، لو تركْنا نِعَمَ الله فلم نستمتع بها، سنقضى عندها كل أوقاتنا فى الصلاة والصيام والزكاة والحج؟ لكن هل هذا ممكن؟ بل هل من الأدب مع خالق النِّعَم أن نردّها له رافضين منحته وكرمه؟ إنه سبحانه وتعالى هو الذى أمرنا بعبادته، وهو هو نفسه الذى أمرنا أن نمشى فى جوانب الأرض نأكل من رزقه، وهو هو الذى امتن علينا بما خلقه من أجلنا من شمس وقمر وسماء وأرض ونور وظلام وظلال وطعام وماء ونساء، فكيف يظن هذا السفيه أن فى الأمر تناقضا؟ بل هل يمكن أصلا أن يعبد الإنسان ربه وهو حارم نفسه من متع الدنيا فلا يتزوج، ولا يأكل إلا الجشب من الطعام، ولا يسكن إلا فى الأكواح الحقيرة أو فوق أغصان الشجر، ولا يلبس إلا الخيش مثلا؟ وهل استطاع الوغد أو غيره أن يفعل ذلك؟ وما الفائدة التى ستعود على الله من حرماننا لأنفسنا من طيباته؟ إن الإنسان الكريم ليسرّه أن يقبل الناس هداياه وعطاياه ويستمتعوا بها، فما بالنا بالكريم المتعال؟ وهذا كله لو كان معنى العبادة فى الإسلام هو ذلك المعنى الضيق الذى لا يفهم الحمار الغبى سواه. إن المهم الذى ينبغى أن نضعه نصب أعيننا طوال الوقت هو ألا نشرك بالله شيئا من الحجر أو الحيوان أو البشر، والإسلام هو الدين الوحيد الذى يتحقق فيه التوحيد ويصل إلى أقصى آماده، وليس كالديانات التى تؤله العباد تحت هذه الذريعة أو تلك ثم تعبدهم ثم تأنس فى نفسها الجرأة لانتقاد دين التوحيد الكامل!
26- وفى تحريف الإنجيل يكتب صاحبنا: "ولقد ذكرتَ التحريف واحتججتَ علينا بأننا حرَّفنا الكلم عن مواضعه وبدَّلنا الكتاب، وكأن هذا القول جعلته كهفًا تستتر به. وإني لأخبرك خبرًا حقًّا، فاسمعه مني واقبله، فإن قولي ليس قول باغٍ ولا حاسدٍ ولا متعنتٍ معاند. أنت تعلم أننا نحن واليهود الذين ينكرون مجيء المسيح نور العالم وضياء الدنيا قد اجتمعنا عن غير تواطؤ على صحة هذا الكتاب، وأنه منزَل من عند الله، لا تحريف فيه ولا تبديل، ولم تلحقه زيادة ولا نقصان. وإلا فنحن ندعوك أنت أيها المدّعي علينا التحريف والتبديل (إن كنت صادقًا) بكتابٍ غير محرَّف ولا مبدَّل، يشهد لك على صحة الآيات العجيبة كما شهدت الأعاجيب للأنبياء والرسل حيث جاءونا بصحة هذا الكتاب، فقبلنا ذلك منهم، وهو في أيدينا وأيدي اليهود بلا زيادة ولا نقصان. وإني أعلم أنك لا تقدر على ذلك أبدًا. وكتابك يشهد بصحة ما في أيدينا شهادة قاطعة، إذ يقول: فَإِنْ كُنْتَ في شَكٍّ ممّا أَنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْأَلِ الذين يَقْرَأُون الْكِتَابَ من قَبْلِك لَقَدْ جَاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّك فَلاَ تَكْونَنّ من الْمُمْتَرين (يونس/ 94)، ثم فسر هذا القول وأكَّده، معترفًا لنا بالفضيلة التي أُوتِيناها قائلاً: الَّذِينَ آتيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (البقرة/ 121). شهد لنا كتابك بحق التلاوة في موضع تكون فيه تلاوتنا، وقد أمر أن نُسْأَل ويُقْبَل منا كل ما نقوله، فكيف تقول إنه قد وقع منا التبديل والتحريف للكلم عن مواضعه؟ فهذان حكمان متناقضان. فما بالك تشنّع علينا وتقول إننا حرّفنا الكتاب وبدّلنا تنزيل الله وغيَّرنا كلامه، ونحن نتلوه حق تلاوته كما شهد لنا صاحبك؟". وفى هذا النص أشياء أراد الكندى المزعوم أن يمررها من تحت أنوفنا دون أن تلتقطها أعيننا، ولكن بعيدة عن شاربه! كيف؟ يقول إن النصارى واليهود متفقون على أن هذا الكتاب (أى كتاب؟ للأسف لم يحدد، بل ترك المسألة عائمة!) منزل من عند الله وأنه ليس فيه تحريف. وهذا كلام المكّارين، إذ اليهود لا يعترفون أصلا بنبوة المسيح، بل لا يعترفون أنه عليه السلام قد أتى حتى الآن، ولهذا تراهم ما زالوا ينتظرون مجيئه، أما عيسى بن مريم الذى نعرفه فهو عندهم ساحر كذاب وابن زنا، فكيف يؤمنون أن العهد الجديد منزل من عند الله؟ بل كيف يؤمنون بما لا يؤمن به النصارى أنفسهم الذين لا يرون فى الأناجيل نفسها وحيا إلهيا نزل على عيسى، بل مؤلفات من وضع ناس كتبوها من الذاكرة دون تمحيص بعد ترك المسيح الأرض بعشرات السنين؟ وإن كانوا يقولون إنها بإلهام من الروح القدس، مع اعترافهم بامتلائها بالأخطاء فى ذات الوقت على أساس أن الوسطاء الذين تَلَقَّوُا الإلهام من الروح القدس بشرٌ يخطئون. فهذا الذى يقوله القرآن عن الإنجيل يقوله كتبة الأناجيل أنفسهم! والحمد لله أنهم لم يتنبهوا لذلك، وإلا ما سمحت أنفسهم أبدا بتسجيله، لكنه أشبه بفلتات اللسان التى يتحدث عنها علماء النفس: ففى الإصحاح السادس والعشرين من متى نقرأ قول المسيح بشأن المرأة التى عطرته بقارورة طيب فلم يعجب ذلك حوارييه: "13اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا"، وهو ما نجده أيضا فى الإصحاح الرابع عشر من مرقس: "9اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا". وفى الإصحاح الأول من مرقس نقرأ: "وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ"15وَيَقُولُ:«قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ»". وفى الإصحاح الثامن من مرقس أيضا نقرأ: "34وَدَعَا الْجَمْعَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ:«مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. 35فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا". وفى الإصحاح العاشر من مرقس كذلك نقرأ: "29فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ:لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً، لأَجْلِي وَلأَجْلِ الإِنْجِيلِ، 30إِلاَّ وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ فِي هذَا الزَّمَانِ، بُيُوتًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ وَأُمَّهَاتٍ وَأَوْلاَدًا وَحُقُولاً، مَعَ اضْطِهَادَاتٍ، وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. 31وَلكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ، وَالآخِرُونَ أَوَّلِينَ»". وفى الإصحاح الثالث عشر من مرقس مرة رابعة نقرأ: "10وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَزَ أَوَّلاً بِالإِنْجِيلِ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ"، وهو ما تكرر مرة أخرى فى الإصحاح السادس عشر من مرقس: "14أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ، وَوَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا الَّذِينَ نَظَرُوهُ قَدْ قَامَ. 15وَقَالَ لَهُمُ:«اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا". ولنلاحظ أن الكلام فى هذه النصوص عن إنجيل موجود فى يد المسيح يدعو أمته إلى ما فيه، ويشير إليه صلى الله عليه وسلم بكلمة "هذا" صراحة، ومن ثم فلا مكان فى هذه النصوص للمماراة والجدل الساذج الذى لا يؤكّل عيشا. فما رأى كنديّنا الكذاب فى هذا؟ ليس ذلك فحسب، بل إن قول المسيح ما قال عن المرأة صاحبة قارورة العطر هو دليل قاطع على أن هناك عبثا فى الأناجيل. ألم يقل: "13اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا"؟ لكننا ننظر فى إنجيل يوحنا فلا نجد خبرا عما صنعته تلك المرأة ولا أثرا لتلك العبارة العيسوية التى تثنى عليها، وهو ما يُعَدّ تكذيبا له عليه السلام، لكن الأنبياء لا يمكن أن يكذبوا، فما العمل؟ العمل هو القول بأن الإنجيل الذى يقصده المسيح قد اختفى، وإن كانت بعض الأناجيل البشرية التى ألفها المؤلفون بعد تركه الدنيا قد سجلت تلك الواقعة، وبعضها فاته ذلك. أما فى الإصحاح السابع من لوقا فتوجد حكاية المرأة، لكن لا توجد عبارة السيد المسيح بشأنها.
ثم لا يكتفى الرجل (أقصد شبيه الرجال) بهذا، بل يزعم أن القرآن الكريم يشهد لكتابهم بالصحة شهادة قاطعة، إذ يقول مخاطبا الرسول عليه السلام: "فإن كنتَ في شكٍّ مما أنزلْنا إليك، فاسأل الذين يقرأون الكتابَ من قَبْلِك. لقد جاءك الحقُّ من ربِّك فلا تكوننّ من الـمُمْتَرِين"، ثم فسَّر هذا القول وأكَّده، معترفًا لهم بالفضيلة حسبما قال، وذلك فى الآية التالية: "الَّذِينَ آتيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ". ولا ريب أن شبيه الرجال يعبث هنا عبثا لا يليق بالرجال، الذين لا ينتمى إليهم، إذ القرآن واضح تمام الوضوح فى التأكيد بأن كتابهم قد لعبت به الأيدى كما قال سبحانه وتعالى عنهم فى سورة "المائدة": "وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)". والواقع أن هذه نتيجة منطقية، إذ القرآن يتحدث دائما عن إنجيلٍ أنزله الله على عيسى بن مريم: "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ" (آل عمران/ 48)، "وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ" (المائدة/ 46)، "ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" (الحديد/ 27)، على حين أن الأناجيل التى بين أيدينا الآن ليست هى ذلك الإنجيل، بل مؤلفات كتبها ناس من الذاكرة بعد انتقاله عليه السلام عن الدنيا بعشرات السنين بوصفها تاريخا له لا بوصفها الوحى الذى نزل عليه. فهى بهذه الصفة أقرب ما تكون إلى السيرة النبوية لدينا نحن المسلمين، وإن كان ينقصها تمحيص الروايات كما فى سيرة المصطفى، إذ لم يعتمد كتابها إلا على ذاكرتهم حسبما هو معلوم. كذلك فإن هذه الأناجيل تختلف فيما بينها اختلافات كثيرة وشنيعة، مما يبرهن على أنها ليست أهلا للثقة. وفوق هذا هناك أناجيل أخرى غير تلك الأربعة بينها وبين تلك الأربعة اختلافات أكثر وأشنع. وهذه الاختلافات تتخذ أشكالا عدة: فقد يتناول إنجيل من الأناجيل ما لا يتناوله إنجيل آخر، وقد يختلف معه فى رواية الحدث أو الحديث الواحد، وقد يصل هذا الاختلاف حد التناقض الذى لا يمكن التوفيق فيه بينهما. كذلك قد يسوق كاتب الإنجيل أشياء تنافر المنطق أو التاريخ أو الجغرافيا أو العهد القديم أو ما ينبغى لله من تنزيهٍ وللرسل الكرام من احترامٍ، فضلا عن تناقض الإنجيل الواحد مع نفسه. ثم لماذا اختيرت تلك الأربعة بالذات وأُهْمِل ما عداها؟ ليس هناك من سببٍ علمىٍّ ولا مُقْنِعٍ لهذا، إنما هى نزوة استبدت بمن اختاروها وتركوا ما سواها، وإلا فكلها عمل بشرى نبت فى عقول أصحابها فنفذوه بعُجَره وبُجَره. وهم الآن يعترفون بأن فى الكتاب المقدس، بما فيها الأناجيل، أخطاءً علميةً وتاريخيةً وحسابيةً ولغويةً، ويُرْجِعون ذلك صراحة إلى تأثير الوسيط البشرى، أى الكتبة الذين ألفوها. وهم يسمون هذا بـــ"Colouring by the medium" حسبما ذكر المستشرق البريطانى ديفيد صمويل مرجليوث فى كتابه: "Mohammedanism" (Williams & Norgate, London, 1921, P.63). ومعناه أن الوحى إنما ينزل كفكرة عامة، ثم يقوم النبى الذى نزل عليه الوحى بصياغتها بعقله وأسلوبه هو. ومن ثم فالأخطاء التى توجد فى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ترجع إلى هذا الوسيط لا إلى السماء! يا فرحة قلبى! حاجة تطمئن فعلا! وعلى أية حال فإن تحريف الكتاب المقدس، والأناجيل بالذات، أصبح أمرا مقررا لا يمارى فيه أحد ولا حتى من رجال اللاهوت أنفسهم. وآخر ما عثرنا به على المشباك فى الكلام عن تحريف الأناجيل هو كتاب "Misqoting Jesus- The Story behind Who Changed the Bible and Why" لبارت إيرمان (Bart D. Ehrman)، فأرجو من صاحبنا الكندى أن يقوم من موته ويقرأه ثم يعود إلى موته ونتانته من جديد.
وإلى القارئ نَصًّا (نَصًّا واحدًا فقط من نصوص كثيرة يصعب حصرها) من الأناجيل محشُوًّا بالأخطاء شاهدا على ما نقول، وليكن أول شىء فى أول إصحاح من أول إنجيل، وهو سلسلة نسب المسيح عليه السلام المذكورة فى إنجيل متى، فماذا نجد فيها؟ ها هى ذى أولا السلسلة المذكورة: "1كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ: 2إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. 3وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ. 4وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ. 5وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى. 6وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ. وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا. 7وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَامَ. وَرَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا. 8وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا. 9وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حِزْقِيَّا. 10وَحِزْقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. 11وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ. 12وَبَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ. 13وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. 14وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. 15وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. 16وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ. 17فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً". والآن هل يتصور القارئ الكريم أن من الممكن وجود أخطاء فى نسب الربّ عند أصحاب الأناجيل؟ لن أتكلم أنا، بل سأورد سلسلة نسب المسيح مرة أخرى كما أوردها لوقا، وأرجو من القارئ أن يقوم بالمقارنة بين النسبين من حيث عدد الأشخاص الذين تشتمل عليهم كل سلسلة وترتيبهم، مع ملاحظة أن إحدى السلسلتين تنتهى عند إبراهيم، على حين تظل الأخرى ماضية فى طريقها إلى الله ذاته، الذى تقول إنه هو الذى "وَلَدَ" ("وَلَدَ" لا "خَلَقَ") آدم، وسوف يرى القارئ فى هذه المقارنة عجبا: سواء فى اختلاف العدد أو فى اختلاف الترتيب أو فى اختلاف أسماء الأشخاص أو فى اختلاف نسبهم. وها هو ذا ما قاله لوقا فى الإنجيل المنسوب له، وكلامه موجود لمن يطلبه فى الإصحاح الثالث: "23وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ، بْنِ هَالِي، 24بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، بْنِ مَلْكِي، بْنِ يَنَّا، بْنِ يُوسُفَ، 25بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ عَامُوصَ، بْنِ نَاحُومَ، بْنِ حَسْلِي، بْنِ نَجَّايِ، 26بْنِ مَآثَ، بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ شِمْعِي، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يَهُوذَا، 27بْنِ يُوحَنَّا، بْنِ رِيسَا، بْنِ زَرُبَّابِلَ، بْنِ شَأَلْتِيئِيلَ، بْنِ نِيرِي، 28بْنِ مَلْكِي، بْنِ أَدِّي، بْنِ قُصَمَ، بْنِ أَلْمُودَامَ، بْنِ عِيرِ، 29بْنِ يُوسِي، بْنِ أَلِيعَازَرَ، بْنِ يُورِيمَ، بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، 30بْنِ شِمْعُونَ، بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يُونَانَ، بْنِ أَلِيَاقِيمَ، 31بْنِ مَلَيَا، بْنِ مَيْنَانَ، بْنِ مَتَّاثَا، بْنِ نَاثَانَ، بْنِ دَاوُدَ، 32بْنِ يَسَّى، بْنِ عُوبِيدَ، بْنِ بُوعَزَ، بْنِ سَلْمُونَ، بْنِ نَحْشُونَ، 33بْنِ عَمِّينَادَابَ، بْنِ أَرَامَ، بْنِ حَصْرُونَ، بْنِ فَارِصَ، بْنِ يَهُوذَا، 34بْنِ يَعْقُوبَ، بْنِ إِسْحَاقَ، بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، 35بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، 36بْنِ قِينَانَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ، بْنِ لاَمَكَ، 37بْنِ مَتُوشَالَحَ، بْنِ أَخْنُوخَ، بْنِ يَارِدَ، بْنِ مَهْلَلْئِيلَ، بْنِ قِينَانَ، 38بْنِ أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ اللهِ".
كذلك أرجو أن يلاحظ القارئ أن السلسلتين جميعا تنسبان عيسى عليه السلام إلى يوسف النجار، وهذه فضيحة بكل المقاييس، إذ إنهم بهذه الطريقة يرددون ما يقوله من يتهمون مريم بالزنا، ويَسِمون عيسى عليه السلام بأنه ابن حرام، أستغفر الله العظيم. ولا يقولنّ أحد إن وجود اسم يوسف هنا يمكن أن يفسَّر بأنه أبوه بالتبنى، فالتبنى إنما يحدث إذا كان الأب الحقيقى متوفًّى أو مجهولا أو عاجزا عن تربية ابنه أو غير راغب فيه أو إذا كان الولد نفسه يستعرّ من أبيه أو لا يرتاح إليه... إلى آخر الأسباب التى يمكن أن يتم من أجلها التبنى. ولا أظن عاقلا أو مجنونا يستطيع الزعم بأن هناك سببا واحدا يدعو إلى أن يتبنى يوسف النجار الطفل عيسى، فالله لا يمكن أن يموت، ولا يمكن أن يستعرّ من الانتساب إليه طفله الصغير، ولا يمكن أن يكون عاجزا عن تربيته، ولا يمكن القول بأنه مجهول لا يعرفه أحد، ولا يمكن القول بأن يوسف قد اغتصب منه ابنه عَنْوَةً واقتدارًا على غير رضًا منه أو أنه أغراه بالشيكولاتة والمصّاص والبونبون والشيبسى والبيبسى وغير ذلك مما يغرم به الأطفال من أطعمة ومشاريب ولا يحب بعض الآباء لأولادهم أن يتعلقوا به، فهناك والحمد لله محاكم وقانون يمكن أن يلجأ إليها الأب لاستعادة ابنه المغتصَب أو المضحوك عليه فى هذه الحالة، والحكاية ليست سيبة. أليس كذلك؟ كما أن الوحى ذاته قد حسم المسألة تماما وقال إنه ابن يوسف، وإن بنوته لداود إنما تتحقق عبر يوسف، وإلا لذكر بنوته لمريم لا ليوسف، وهذا واضح تمام الوضوح من سلسلتَىِ النسب فى متَّى ولوقا، فلا مجال للمماحكة فى هذا الموضوع بأى حال. ومعنى ذلك أن يوسف فى نظر مؤلّفَىِ الإنجيلين هو أبوه الحقيقى لا أبوه بالتبنى، ولو كان يريد أن يقول إنه ابن الله لذكر هذا بدلا من ذكره لآدم. فإذا عرفنا أن من بين آباء عيسى داودَ ويهوذا ولوطًا، وأن العهد القديم يتهم داود بالزنا بامرأة جاره وقائده المخلص أوريّا الحثى، وأنه ينسب داود إلى لوط ثم إلى يهوذا بن يعقوب عن طريق زنى الأول بابنته (تصوَّرْ!) وزنى الثانى بتامار امرأة ابنه (يا داهية دُقِّى!)، لم نملك إلا أن نقول: يا له من نسب يليق بالإله، إذ فيه ثلاثة زناة قراريين: أحدهما خان العيش والملح ولم يراع حقوق الجيرة والعشرة والإخلاص، والآخران اقترفا زنا المحارم، وما خفى من سيرة الباقين فالله حليم ستار! كذلك فإن أيا من السلسلتين لا تذكر أبدا أن عيسى ابن الله، بل تجعل سلسلةُ لوقا ذلك الشرفَ من حق آدم لا من حق عيسى كما قلنا. ثم بعد ذلك يتحدانا عبد المسيح بن إسحاق الكندى (خيّبه الله وفضحه فى العالمين أكثر مما هو مفضوح) قائلا إن الأناجيل لم تحرَّف. لا يا عبده يا خُويَا، لقد حُرِّفَتْ وحُرِّفَتْ وحُرِّفَتْ على رغم أنفك وفمك ويدك وذهنك أيضا، وأكبر ما فى خيلك اركبه وأرنى شطارتك، فالعلم ليس فيه مجاملات!
وما كنا نحب أن نؤلم أحدا بكلامنا هذا، ولكنهم ينشرون رسالة الكندى وأمثالها فى المواقع المختلفة ويتحدَّوْننا بها: فإذا لم نردّ قالوا لنا: إنكم عاجزون عن الرد، وهذا دليل على ضعف دينكم، وإذا رددنا انبرى بعض آخر وقال: إنكم تتعرضون لديننا بما يسوؤنا. وهى حيلة مضحكة لا تجوز فى عقل أحد، فمن حقنا أن نردّ بما يبين الحقيقة مهما كانت مؤلمة. ونحن من جهتنا لا نقول لأحد: "اسكت، ولا تنتقد ديننا"، بل كل ما نفعله هو الرد على ما يقول بكلام مثل كلامه، ثم نضع الكلامين بين يدى القارئ، والقارئ عقله فى راسه يعرف خلاصه. وهى، كما ترى، معادلة عادلة لا غبن فيها لأحد، فأرجو أن يكون ذلك مفهوما. كما أننا لا نصرح للقارئ بكل ما يقوله الأوغاد فينا وفى رسولنا حفاظا منا على الهدوء والسكينة ما أمكن، ولكن ليس معنى هذا أن نترك السفهاء يبرطعون كما يحلو لهم ويتيهون علينا ويتباذؤون فى حقنا وحق نبينا، الذى لا يتركون كذبة سفيهة سافلة ولا اتهاما حقيرا وضيعا مثلهم إلا وافتروْهما عليه صلى الله عليه وسلم، فى الوقت الذى لا نذكر نحن فيه السيد المسيح إلا مشفوعا بالصلاة والسلام عليه وتبرئته مما يتقولونه هم عليه بجهل وغشم، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا! هذا، ولا أريد أن أمضى فى كشف الثغرات الفظيعة فى الأناجيل، بل أحيل القارئ إلى ما كتبتُه فى المشباك تحت عنوان "قراءة فى إنجيل متى" و"مقتطفات ممتعة من الكتاب المقدس"، وكذلك كتبى الورقية التى تتعرض لمثل هذه الموضوعات مثل "مع الجاحظ فى رسالة الرد على النصارى" و"سورة طه" و"سورة يوسف" و"دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية- أضاليل وأباطيل" و"مصدر القرآن". ونحن حين نقول ذلك نعرف أن الله خلق البشر مختلفين، وأن كل أمة تعتز بما تؤمن به ولا تحب أن يتعرض لها أحد فى عقائدها ورموزها، ولكن على السفهاء أن يعرفوا أننا نحن أيضا نحب ديننا ونفتدى رسولنا بكل غال وثمين، ونراه نبيا عبقريا ليس هناك نبى فى عبقريته وإنجازاته المذهلة رغم احترامنا لكل الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فإذا أرادوا ألايتعرض أحد لما يعتزون به فليكفوا عن قلة الأدب والسفالة التى يظنون أنها مُبْلِغتهم ما يريدون، وهيهات، بل هم الخاسرون على المدى البعيد والقريب أيضا، إذ الإسلام هو دين الحقائق والعلم والمنطق، ولا يضيره أبدا بحث أى موضوع مهما تكن حساسيته، فنرجو ألا يضيق صدر الطرف الآخر مثلما لا يضيق صدرنا بالنقاش. أما أهل الكتاب المذكورون فى قوله تعالى لرسوله: "فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ"، وقوله سبحانه: "الَّذِينَ آتيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ"، فليسوا هم النصارى المثلثين، بل النصارى الموحدين الذين لا يخفون من الإنجيل شيئا، ومن هنا وصفهم القرآن بأنهم "يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ"، أى يتلون الإنجيل بفهم ودون تحريف أو تأليه للمسيح أو اعتقاد فى قتله وصلبه عليه السلام. وهؤلاء، كما جاء فى الآية، يؤمنون من ثم بالقرآن الكريم. ثم إن كان فى نفس الرسول خوف ألا يكون ما ينزل عليه وحيا من السماء (وهذا، كما ترى أيها القارئ الكريم، منتهى الموضوعية من الرسول والقرآن على السواء، وإلا فإن الكذابين لا يقولون هذا عن أنفسهم)، فليسأل، إن أحب، هؤلاء القوم المخلصين الذين يعلمون من كتابهم أنه رسول من عند رب العالمين. وبالمناسبة فهذه الآية من أوائل ما نزل من القرآن. وبالمناسبة أيضا فإنه، عليه السلام، حين نزل عليه قوله تعالى: "فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ" أجاب قائلاً: "لا أشك ولا أسأل"، إذ كان إنما يريد مزيدا من الطمأنة من الله، وقد نالها والحمد لله، فلا داعى من ثم للاطمئنان من العباد. وأرجو أن يتنبه القراء الكرام إلى أن القرآن متى مدح أحدا من أهل الكتاب المعاصرين لسيدنا رسول الله فهم الذين أسلموا منهم كجبر ويسار وعبد الله بين سلام والقساوسة والرهبان الذين قُدِّر لهم أن يستمعوا إلى القرآن ففاضت أعينهم من الدمع إيمانًا وإخباتًا وسارعوا إلى إعلان إسلامهم ودَعَوُا الله أن يقبلهم فى زمرة المصدّقين الشاهدين. ولا يمكن أبدا أن يثنى القرآن على نصرانى يثلّث ويقول بالصلب لأن مثل ذلك النصرانى كافر بمحمد وبالدين الذى جاء به. وليس فى هذا افتئات على أحد، بل كل إنسان حر فيما يعتقد، وكل ما هنالك أن هذه هى عقيدة المسلم، وإلا ما كان مسلما.
27- وفى الكلام عن المعجزات التى أجراها الله على يد المسيح عليه السلام مما لا يمارى فيه المسلم، وإنما يمارى فى القفز من الاعتراف بتلك المعجزات إلى القول بأنها دليل على ألوهية المسيح، وهو ما لا تلازم بينه وبين تلك المعجزات على الإطلاق، إذ ليس السيد المسيح هنا إلا واسطة أظهر الله على يديه عجائبه وقدرته سبحانه، يقول صاحبنا المجرم الزنيم المتخفى وراء اسم "الكندى": "إنه ظهر الكوكب للمجوس في بلاد فارس ليدلهم على ميلاد الملك العظيم الذي لا زوال لملكه، وكان علماؤهم قد سبقوا فأخبروهم بخبره في الكتب وعرّفوهم وقت ظهوره وأَعْطَوْهم الدليل على ذلك، والعلامة ظهور كوكب يتقدمهم في المسير إليه وقضاء بعض حق عبادته بالسجود له والخضوع لطاعته. فلم يزل المجوس ينتظرون ذلك ويتوقعونه راجين ومؤمّلين حتى جاء الوقت وظهر الكوكب الذي هو الدليل على ميلاد السيد العظيم (متى 2:1- 12)، فجاءوا من بلاد فارس إلى بيت المقدس الذي هو أرض اليهودية بهداية الكوكب، حتى وقف ببيت لحم، فقَضَوُا الغرض وأدَّوْا حق الطاعة، ورَأَوْا ما كانوا يؤملونه وانصرفوا مؤمنين غير شاكين ولا مرتابين، بل فرحين مسرورين. ثم ظهر ملاك عند ولادته لقوم من الرعاة كانوا يَرْعَوْن أغنامهم (لوقا 2:8-20) فقال لهم: هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ (يعني لأولاد آدم جميعًا) هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلامَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ . فلم يفرغ من كلامه حتى ظهرت لهم أجناد الملائكة مع ذلك الملاك وهي تطير ما بين السماء والأرض بتهليل وترتيل، وتهتف جميعًا بصوت عال وتسبّح وتقول: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة. ثم أقبل الرعاة إلى ذلك الموضع مسرعين فوجدوا المولود في مِذْوَدٍ كما أخبرهم الملاك، فصدّقوا وآمنوا وأخبروا بخبرهم وما عاينوه من أجناد الملائكة وما سمعوه من التسبيح العجيب، وقصّوا قصة مجيئهم، فتعجب من ذلك كل من سمع. فهذه قصة البشارة والميلاد على غاية الاقتصار من القول". هذا ما قاله الكندى المزعوم، وأما نحن فنقول: أولا: هذه الحدوتة اللطيفة التى تعجب العيال الصغار وتسرّهم لم ترد إلا فى الإنجيل المنسوب إلى متى، أما الأناجيل الأخرى المقبولة عند الكنيسة وغير المقبولة عندها فلا تعرفها. وثانيا: إذا كان الرعاة، رغم كل شىء، قد عاينوا ذلك وقصوه على الناس وآمن هؤلاء بما قالوه لهم، فلماذا يا ترى كان الناس جميعا بعد ذلك ينادون عيسى عليه السلام بــ"ابن يوسف"؟ إن هذا لا يعنى إلا واحدا من أمرين: إما أن تكون الحكاية لا أصل لها، ولْيَبُلّها الكندى إذن ويشرب ماءها (قبل الأكل، أو بعد الأكل، أو أثناء الأكل: فهذا أمر متروك له)، وإما أن المعجزة قد وقعت، لكن لم يكن لها أى أثر، فكأنك يا أبا زيد لا رحت ولا جئت! وأنا أرجح الأولى، وإلا فلم الرعاة وحدهم؟ اللهم إلا إذا قيل إن المسيح إنما بُعِث إلى الرعاة ليس إلا، وهذا ما لا يقول به أحد. ثم أين الرعاة فى الأناجيل بعد ذلك؟ الحق أنهم لا وجود لهم، بل لا وجود إلا للصيادين والعشّارين والكهنة والجنود الرومانيين، فضلا عن الممسوسين والعُمْيَان والبُرْصَان، أما الرعاة فكلا ثم كلا ثم كلا! ويبقى المجوس، وما أدراك ما المجوس؟ إن صاحبنا يقول بوجود البشارة به صلى الله عليه وسلم فى كتبهم، فأين هى يا ترى؟ وما الفائدة من مجىء المجوس لرؤية عيسى عليه السلام؟ أوقد آمنوا به؟ فما أسماؤهم إذن إن كان لهؤلاء الوفد وجود تاريخى؟ ام هى مجرد حواديت ظريفة، والسلام؟ لكننا لسنا فى مجال الحواديت! بل أين أثر تلك الزيارة فى أمة الفرس؟ المعروف أن الفرس لم يتحولوا هم بالذات إلى النصرانية، فالزيارة إذن زيارة من النوع الفِشِنْك. وهذا إن صَحّتْ، ولا أظنها تصحّ. ومَنِ الذين نقلوا خبر تلك الزيارة يا ترى لمؤلف إنجيل لوقا، وهو المؤلف الوحيد الذى ذكرها دون سائر مؤلفى الأناجيل، أو بالأَحْرَى: ملفّقيها؟ فأما المسيح فلا يمكن أن يكون هو الناقل لأنه كان رضيعا آنذاك لا يدرى من أمر نفسه ولا أمر الدنيا من حوله شيئا. وكذلك لا يمكن أن يكون الناقل مريم أو يوسف، وإلا لنسب كتبة الأناجيل ذلك إليهما، وهو ما لم يحدث. كما أن هناك سؤالا مهما لو عصرنا على عقولنا ليمونة وابتلعنا تلك الحدوتة، وهو: كيف يا ترى استطاع الطرفان: المجوس من جهة، ومريم ويوسف من جهة أخرى، أن يتفاهما، ولم تكن بينهما لغة مشتركة؟ اللهم إلا إذا قيل إن الأمم المتحدة كانت قد كلفت بعض تراجمتها الفوريين بحضور هذا اللقاء والترجمة بين الطرفين! ولكن هل يعقل أن يتم لقاء مثل هذا وينتهى فلا يلفت الأنظار؟ ألم يتساءل سكان المكان عن سر مجىء هؤلاء الفرس الذين يرطنون بلسان عجيب ويلبسون ملابس أعجب؟ وكيف عرفوا موضع المذود الذى كان فيه الرضيع المبارك عليه السلام؟ أترى النجم يقف فى السماء دون حركة إلى أن يتعرفوا، ولا أدرى كيف، إلى الموضع المذكور؟ أم تراه نزل من عليائه فوق الحظيرة التى فيها المذود فطربقها وسهدمها، وبذلك عرف المجوس أن المكان الـمُسَهْدَم هو المكان الذى يبحثون عنه؟ لكن هذا لم يحدث، وإلا لكان مؤلف إنجيل لوقا وكل المؤلفين لكل الكتب الأخرى قد ذكروه. بل ترى هل من الممكن أن يبطئ النجم من سيره، على طريقة "تاتا تاتا خط العتبة"، أو على طريقة "حابا حابا مين يجينى؟" أو على طريقة "عم أيوووووب": "أنا كاىّ أَهُهْ" (فى مسرحية محمد صبحى الشهيرة)، كى يستطيع الفريق المجوسى مسايرته لمدة ما لا أدرى كم من الشهور منذ تركوا بلاد فارس إلى أن بلغوا مدينة الناصرة مشيا على القدم أو على أكثر تقدير: ركوبا على الحمار (يعطينى الله وإياكم أيها القراء طول العمر حتى يصلوا بالسلامة)، فضلا عن أن يقف فى مكانه فلا يتحرك كلما توقفوا للنوم أو للاستراحة أو للأكل أو لقضاء الحاجة، ويأخذ هو بدوره غفوته أو يتناول وجبته أو يقضى حاجته (غثاثة منه طبعا بحجة أن له نَفْسًا هو الآخر، ومن حقه أن يستريح ويقضى الحاجات، والمحتاجات أيضا)؟ اللهم إلا إذا قيل إنه كان بطيئا فعلا لدرجة أنه كان يسقط من مداره كل ثانية فيمد المجوس أيديهم ويعيدونه إلى موضعه، فيعود هو ويسقط، ليعودوا هم ويرجعوه... وهلم جرا، والجمهور سعيد بهذه الحركات والبركات، إلى أنْ "توتة توتة، فرغت الحدوتة"، وبدلا من أن يقوم النجم بإرشاد المجوس قاموا هم بالحفاظ عليه وإرشاده كل لحظة إلى مداره! يعنى على رأى المثل: "جئتك يا عبد المعين تعيننى"! ثم إن ما يفرسنى بعد ذلك كله هو بجاحة الكندى وتصوره أنه جاء بالذئب من ذيله!
28- ولأن الكذاب يرد على شخص موهوم لا وجود له، نراه ينطلق فيفترى عليه الافتراءات التى يحسب أن أحدا لا يمكنه الرد عليها، فنراه يزعم أن الهاشمى كان يستعيذ بالصليب فى الملمات فكان الصليب يعيذه ويحميه، إلا أنه يا للأسف قد تنكر للصليب وأفضاله. شف ازاى! وهذا ما قاله نَصًّا فى الرد على اتهام الهاشمى له ولأهل ملته بتبجيل الصليب وعبادته: "فنحن على هذه السنّة أيضا في تعظيم الصليب، ونجري فيها على ما جرى عليه الأنبياء الأبرار. فلِمَ غلب عليك النسيان في هذا الموضع، وكأنك نسيتَ ما جرَّبْتَ من القوة الحالّة في الصليب حين استعذت به عند سقوطك عن الدابة، وحين هربت ممن هربت منه، وحين لقيت الذي لقيت في طريقك وأنت ماضٍ إلى عمر الكرخ، وحين تلقاك الأسد وقاربت ساباط المدائن؟ فإن كنت أنت نسيتها فنحن ذاكرون لها، فلِمَ تكفر بالنعمة وتكافي بالشر وتنكر المعروف؟ أي ضررٍ نالك عند تعوُّذك بالصليب وأنت تعلم أننا معشر النصارى لا نعبد الصليب، وإنما نُجِلُّ القوة الحالّة في الصليب، والتأييد الذي أيَّدنا به، والخلاص الذي أُوتيناه بسببه؟". لكن لو كان الهاشمى يستعيذ بالصليب كما يزعم هذا الكذاب، أكان يكفِّر الكندى وقومه جميعا لاعتقادهم فيه؟ وكيف سكت عنه الكندى طوال تلك المدة منذ سمعه ورآه يستعين ويستعيذ بالصليب فلم ينتهزها فرصة ويَدْعُه إلى النصرانية؟ كذلك هل من المعقول أن يستعين بالصليب ويَكْفُر من ثَمّ رجل كهذا قوى الإسلام صليب الاعتقاد فيه والافتخار به حتى إنه لا يكتفى بأن يكون مسلما، بل يريد للنصرانى أن يسلم هو أيضا ويكفّره لاعتقاده فى الصليب؟ وهذا لو أن الصليب له بركة أصلا، وإلا فلماذا لم يستعن به الكندى ومئات الملايين مثل الكندى على مدى أربعة عشر قرنا لتدمير المسلمين وشطب الإسلام من خريطة الدنيا؟ الحق أن الكندى، أو بالأحرى: من تسمى باسم الكندى، هو كائن عريق فى الكذب والتدجيل، ولكنه كذب وتدجيل من الدرجة المنحطة العاشرة. أهذا كلام تقوله يا كندى؟ إن مخرج كلامك هذا لهو نفسه مخرج نُفَايات القمّص النُّفَاية الذى يقول فى رسائله لى عبارة من مثل: "أصلّى لك ليشرق قلبك بنور المسيح"، أو "أنا متأكد أن المسيح يعمل عمله الآن فى قلبك"، وهو ما يستحق أن يكون الرد عليه هو: "وأنا متيقن أن ما لا أدرى مَنْ يعمل عمله الآن فى دبرك".
29- وبعد فقد تنبهت منذ القراءة الأولى إلى أن الأسلوب فى الرسالتين ماؤه واحد حتى لكأنه خارج من ذات القلم، فانقدح فى خاطرى أنه لا بد من تحقيق هذه النقطة، فكانت الفقرات التالية التى أقمتها على المقارنة بين الرسالتين من تلك الناحية: فمما يلاحظه الناظر فى كلام الهاشمى ورد الكندى عليه تكرر كلمة "المحبة" فى الرسالتين بدلا من "الحب"، وهى كلمة تشيع بين النصارى أكثر من شيوعها بين المسلمين كما هو معروف. وبالمثل تكرر استعمال كلمة "الديانة" فى موضع "الدين" عدة مرات هنا وهناك. يضاف إلى هذا أن كلا من الكاتبين تكلم عن الخلود فى الجنة على أنها "الحياة": يقول الهاشمى: "يأخذون كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ولهم فيها الكرامة والحياة والجلوس على الأسرَّة، متكئين على الأرائك"، وهو ما نجده عند الكندى فى قوله: "معناه موت الخطيئة الذي هو عبادة الأصنام وانقطاع الرجاء من موعد الحياة الدائمة التي بشر بها المسيح مخلصنا أنه يعطينا إياها يوم القيامة"، وهذه شنشنة نصرانية. ومما يلفت النظر أيضا فى الرسالتين تكرر لجوء الكاتبين إلى صيغ جمعية غريبة، كــ"المناكح" و"الصيامات" فى رسالة الهاشمى، و"الأشفية، والعوافى، والتماجيد، والمآثم، والملاحمات، والمِرَار" لدى الكندى. وينضاف إلى هذا توارد كل من الكاتبين على القول بــ"ارتفاع المسيح إلى السماء" بهذا النص تعبيرا عن مفارقته الدنيا، وكذلك إشارة كل منهما إلى أن هناك من يمكن أن يقرأ رسالته إلى الآخر مع أن المفروض أنها رسالة شخصية حساسة، فنجد الهاشمى يقول: "ليعلم من وقع في يده كتابي هذا أني عالم بالقضية"، وعلى نفس الوتيرة يقول الكندى: "وأرجو أن يكون هذا الجواب مقنعا لك وللناظر في كتابنا هذا"، "أما أنا فقد بلغتُ جهد طاقتي في النصيحة لك ولكل من نظر في كتابي". ويمكن أن نلحق بذلك استعمال كل منهما صيغة الطلب من الفعل "وَدَع "، فعند الهاشمى: "فدَعْ ما أنت عليه من الكفر والضلال والشقاوة والبلاء"، "فدَعْ ما أنت فيه من تلك الضلالة وتلك الحمية الشديدة الطويلة المتعبة، وجهد ذلك الصوم الصعب والشقاء الدائم الذي أنت منغمس فيه"، وعند الكندى: "ولكن فلْنَدَعْ الآن ذكر هذا ونأخذ في ذكر أعلام النبوة".
وهناك أيضا عدة عبارات وردت فى كل من الرسالتين منها الدعاء الاعتراضى بــ"عافاك الله" أو "أصلحك الله": ففى رسالة الهاشمى نجد "فهل سمعت، عافاك الله، يا هذا بوصف أحسن وأعجب من هذا...؟"، "فاحتجَّ، عافاك، الله بما شئت"، وعند الكندى يقابلنا "فأخبرني، أصلحك الله، عن قول صاحبك". ومن هذا الباب مجىء عبارة "أتى على فلان كذا من السنين" عوضا عن "مَضَى عليه": مثال ذلك قول الهاشمى: "وأنت تعلم أني رجل أتت عليَّ سنون كثيرة"، وقول الكندى: "أتت عليه تسعون سنة"، "فلما أتى على ذلك سبعة أيام فتحها على غير عقد ولا عهد"، "وأمر الـمُقْعَد الذي أتت عليه ثمانٍ وثلاثون سنة أن يحمل سريره ويمشي". كذلك تكرر عند الكاتبين إتيان كلمة "النبى" بعد اسم موسى وداود ودانيال وغيرهم من الأنبياء مما لا يجرى عليه المسلمون عادة، مثل "موسى النبى، وإشعياء النبى، وداود النبى". ومن هذا أيضا استعمال الفعل "صار" فى معنى "ذهب" أو "اتجه" أو "وصل" أو "حدث" كما فى الأمثلة التالية التى اقتبسنا أول مثال فيها من رسالة الهاشمى، وباقيها من رسالة خصمه: "وأكد أمرهم عندما صاروا إليه حين أفضى الأمر إليه واستوثق له"- "فاغتاظ علي بن أبي طالب غاية الغيظ لأنه لم يكن يشك أن الأمر صائرٌ إليه، فانتُزع من يده"، "إلا أن عليًّا، حين يئس من الأمر أن يصير إليه، صار إلى أبي بكر بعد أربعين يوماً (وقال قومٌ بعد ستة أشهر) فبايعه ووضع يده في يده"، "فهذه الديارات العامرة بالبِيَع... تفيض على جميع من صار إليها وقصدها بإخلاص نيته".
كذلك يشد نظرنا تشابه الرسالتين فى تكرر استعمال كل منهما لعدد بعينه من التراكيب: منها لجوء كل منهما إلى الاسم الموصول: "الذى" فى موضع المبتدأ أو اسم "كان" بدلا من "ما"، كما فى قول الهاشمى: "والذي حملني إليك وحثَّني على ذلك محبتي لك"، ورَدِّ الكندى: "وكان الذي حملك على ذلك فرط المحبة". وكذلك تكرر اللجوء فى كلتيهما إلى "ما" الموصولة عوضا عن المصدر: ففى رسالة الهاشمى نقرأ: "فكتبتُ طاعةً له، ولِما أوجبه لك عندنا حق خدمتك لنا ونُصحك إيانا، وما أنت عليه من محبتنا، وما أرى أيضًا من إكرام سيدي وابن عمي أمير المؤمنين لك وتقريبه إياك وثقته بك وحسن قوله فيك"، "وكان الرهبان وأصحاب الأديرة يكرمونه ويجلّونه طوعًا ويخبرون أصحابهم بما يريد الله أن يرفع من أمره ويعلن من ذكره". وفى رسالة الكندى: "لكني أكره التطويل، فاقتصرت على ما كتبتُ، ولما ذكرتَه من أنك درستَ كتبَ الله المنزلة"، "لأن الحجة عليك أوجب منها على غيرك، لما قد فضَّلك الله به من العقل والتمييز، ولما عرفته ودرسته من الكتب". ومن هذه التراكيب أيضا الوصف بالاسم الموصول على سبيل التعريف بالشخص أو الشىء، مثل قول الهاشمى: "وناظرت فيها تيموثاوس الجاثليق، الذي له فيكم فضل الرئاسة والعلم والعقل"، "وصلاة الثالثة، التي هي صلاة السَحَر"، "وأيام الاعتكاف، التي يسمونها أيام البواعيث"، "كمناظرة الرعاع والجهال والسفهاء من أهل ديانتنا، الذين لا أصل لهم ينتهون إليه، ولا عقل فيهم يعوِّلون عليه"، "وأدعوك إلى صوم شهر رمضان، الذي فرضه الديّان ونزل فيه الفرقان"، "شهر يشهد فيه الله أن فيه ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر"، "أدعوك إلى الحج إلى بيت الله الحرام، الذي بمكة"، وقول الكندى: "فورَّث إبراهيم ذلك التوحيد إسحق، الذي هو ابن الموعد"، "قد علمتُ أنك قرأتَ كتب الله المنزلة، التي هي الكتب العتيقة والحديثة. ومكتوب في التوراة، التي أنزلها الله تعالى على موسى النبي..."، "فلا أظنك تدعوني إلى مثل حال إبراهيم في عبادة الأصنام، التي هي الحنيفية"، "وأما الصفات المنزلة، التي هي الطبيعية الذاتية، التي لم يزل جل وعز متَّصفًا بها فهي الحياة والعلم"، "وليس دعائي إياك إلا إلى الله الواحد، الذي هو ثلاثة أقانيم"، "كان هذا الرجل يتيما في حِجْر عمه عبد مناف المعروف بأبي طالب، الذي كفله عند موت أبيه"، "فهكذا تكون شروط النبوة، التي هي علم الغيب الماضي وعلم الغيب المستقبل"، "وادَّعَوُا الربوبية، التي لم يجعلها الله لهم"، "الحكم الإلهي، الذي هو فوق الطبيعة"، "أَوَلا تعلم أن هذا فعل الشمسية والبراهمة، الذي يسمّونه النُّسك لأصنامهم بالهند؟"، "لا نشك أن سيدنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي شهد له كتابك أنه وجيه في الدنيا والآخرة ولا وجيه سواه ديّان الخلائق يوم القيامة، لابد أن يكافئ كل واحد على عمله"، "ببعث ابنه الحبيب، الذي هو كلمته الخالقة"، "وصارت يد الروم، التي هي يده على قفا من عاداه من بني إسرائيل، الذين جحدوا ربوبيته وكفروا به فقتلتهم الروم"، "لا معنى للأنبياء بعد ظهور الإله المسيح، الذي هو بالحقيقة ملك"، "وجعلهم أبناء ملكوت السماء، الذي هو موعد الله، تبارك اسمه". ومنها استعمال كلمة "خاصة" (للتخصيص بعد التعميم) عارية عن "الباء" كما فى قول الهاشمى: "خاصةً في ليالي الآحاد وليالي الجُمَع وليالي الأعياد"، وقول الكندى: "فقد كان في تأديب هذا الشيخ على ذنبه شيء دون القتل، وخاصةً ليلاً وهو نائم مطمئن آمن على فراشه"، "وهي على المرء لنفسه خاصةً حق". وهناك تركيب آخر يسقط فيه أيضا حرف "الباء" أو "مِنْ" بعد فعل الشهادة أو الوصف أو النقل أو الادعاء وما أشبه كما فى قول الهاشمى: "والشهادة له أنه رسول الله رب العالمين" (بدلا من قوله: "والشهادة له بأنه...")، وقول الكندى: "استوجب أن يوصف أنَّ له خليقةً حيث خلق"، "أو يكون هذا خلاف ما تدّعيه أنت أنه نبيّ مرسَل وأن الملائكة تؤيده وتقاتل دونه"، "فادَّعى معرفة ما قال في عوائه إنه وافد السباع"، "وإني أعلم أن قصتهم كقصة ما يُضرب من مثل العامة أن اليهودي إنما تصحّ يهوديته ويحفظ شرائع توراته إذا أظهر الإسلام"، "وأنت تعلم أن صاحبك لم يختتن على ما نقلت الرُّواة عنه أنه لم يكن مختونًا بتَّةً".
ومن تلك التراكيب الوصف باسم إشارة يليه اسم موصول فى موضع "البدلية" أو "الوصفية" كما فى الشواهد التالية عند الهاشمى: "كاشفًا عما نحن عليه من ديانتنا هذه التي ارتضاها الله لنا ولجميع خلقه"، "وناظرتُ فيها من أهل فِرقَكم هذه الثلاث التي هي ظاهرة"، "وحضرت صلواتهم تلك الطوال السبع التي يسمّونها صلوات الأوقات"، ومثلها عند الكندى: "... وشرحتَه من أمر ديانتك هذه التي أنت عليها"، "ولنفحص عن أول قصة صاحبك هذا الذي تدعونا إلى الإقرار له بالنبوة"، "فإن كان صاحبك هذا الذي دعوتنا إلى اتِّباعه يقتلهم بسيفه ويضربهم بسوطه ويسبي ذراريهم ويجليهم عن ديارهم، يريد بذلك لهم الخير لينقلهم مما هم عليه إلى ما هو خير منه، فقد تفضَّل وأحسن وتشبَّه بفعل الله تبارك وتعالى اسمه"، "فهل تقدر أن تجحدنا حقنا هذا الذي في أيدينا...؟"، "ناظرتُ فيها من أهل فِرقَكم هذه الثلاث التي هي ظاهرة". ومنها كذلك استعمال اسم الإشارة بعد تمام الجملة لربطها بجملة تالية على سبيل التعليل أو التوضيح. مثال ذلك قول الهاشمى: "فقلت: أكشف له عما منَّ الله به علينا، وأعرّفه ما نحن عليه، بأَلْيَن القول وأحسنه، متَّبعاً في ذلك ما أذنني الله به إذ يأمرني: وَلاَ تَجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (سورة العنكبوت 29:46)، وذلك أن الرهبان كانوا يبشرونه ويخبرونه قبل نزول الوحي عليه بما مكن الله له وصار إليه"، ومثله قول الكندى: "ولا أشك في أنك تعرف القصة، فقد قلت إنك عارف بالكتب المنزلة دارس لها حق دراستها، وذلك أن قيسا أبا شاول ضاعت له أتن، فوجَّه ابنه شاول في طلبها"، "فمضى وهم معه فبعثه حيًّا، ودفعه إلى أختيه مريم ومرثا، وذلك بعد أربعة أيام من موته"، "... وذلك أن المسيح قال في إنجيله الطاهر: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ"، "فنقول إنه ينبغي لك أن تعلم أولاً كيف كان السبب في هذا الكتاب، ذلك أن رجلاً من رهبان النصارى اسمه سرجيوس أحدث حَدَثاً أنكره عليه أصحابه"، "فلم يزل يتلطف ويحتال بصاحبك حتى استماله وتسمَّى عنده نسطوريوس، وذلك أنه أراد بتغيير اسمه إثبات رأي نسطوريوس الذي كان يعتقده ويتديَّن به"، "وكانت لهم صحف وأدراج على منهاج أدراج اليهود، وذلك من حيلة اليهود"، "وحقق قوله بعمله الأعاجيب والدلائل الواضحة التي لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، وذلك بغاية الرفق والتواضع". ومنها الاستعانة مع الفعل المتعدى التالى لــ"ما" بحرف "مِنْ" كما فى الشواهد التالية من رسالة الهاشمى: "ويخبرون أصحابهم بما يريد الله أن يرفع من أمره ويعلن من ذكره، وكانت النصارى تميل إليه وتخبره بمكيدة اليهود ومشركي قريش وما يبتغونه له من الشرّ"، "وجعل لهم من الذمة في رقبته ورقاب أصحابه، ووصَّى بهم تلك الوصية عندما أطلعه الله على ما أطلعه عليه من أمرهم وبراءة ساحتهم"، "وأقر الأنام كلهم طائعين مذعنين لما عرفوا من الحق والصدق من قوله وصحة أمره وما جاء به من البرهان الصريح والدليل الواضح"، "لم تقبل ما بذلناه لك من نصيحتنا"، "فاكتب بما عندك من أمر دينك"، وكذلك من رسالة الكندى: "وشكرتُ ما ظهر لي من فضلك، وما كشفتَه من لطيف محبتك، فقد كان العهد قبلاً عندي على هذا قديما، وقد زاده تأكيدا ما تبيَّن لي من شفقتك".
ومما يلاحظ أيضا من التراكيب التى تكررت فى الرسالتين استخدام الفعل: "أعنى" للتوضيح كما فى قول الهاشمى: "وناظرتُ فيها من أهل فِرقَكم هذه الثلاث التي هي ظاهرة. أعني الملكية القابلين مركيانوس الملك على عهد الشقاق الواقع بين نسطوريوس وكيرلس، وهم الروم..."، "وصلاة نصف النهار. أعني صلاة الظهر"، "ورأيت أيضا ما يتدبر به الرهبان في قلاليهم أيام صياماتهم الستة. أعني الأربعة الكبار والاثنين الصغيرين"، وقول الكندى: "وإما أن يكون حكما شيطانيا، أعني حكم الجور". ولنلاحظ كذلك كيف تلجأ الرسالتان جميعا إلى الترادف وحسن التقسيم فى كثير من الأحيان كما فى الشواهد التالية من الهاشمى: "فكتبتُ طاعةً له، ولِما أوجبه لك عندنا حق خدمتك لنا ونُصحك إيانا، وما أنت عليه من محبتنا، وما أرى أيضا من إكرام سيدي وابن عمي أمير المؤمنين لك وتقريبه إياك وثقته بك وحسن قوله فيك"، "فرغبت لك ما رغبت فيه لنفسي، وأشفقت عليك لما ظهر لي من كثرة أدبك وبارع علمك وتقدّمك على الكثير من أهل ملّتك أن تكون مقيما على ما أنت عليه من ديانتك هذه. فقلت: أكشف له عما منَّ الله به علينا، وأعرّفه ما نحن عليه، بأَلْيَن القول وأحسنه، متَّبعاً في ذلك ما أذنني الله به إذ يأمرني: وَلاَ تَجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (سورة العنكبوت 29:46)، وذلك أن الرهبان كانوا يبشرونه ويخبرونه قبل نزول الوحي عليه بما مكن الله له وصار إليه"، وقول الكندى: "وفهمتُ ما اقتصَصْتَه في كتابك وتعمَّقت فيه من الدعوة وشرحتَه من أمر ديانتك هذه التي أنت عليها، وما دعوتني إلى الدخول إليه ورغَّبتني فيه منها"، "فأما ما دعوتني إليه من أمر دينك، وأنك على ملة أبينا إبراهيم، وما قلت فيه إنه كان حنيفا مسلما، فنحن نسأل المسيح سيدنا مخلِّص العالمين، الذين وعدنا الوعد الصادق وضمن لنا الضمان الصحيح في إنجيله المقدس..."، "ولقد فهمتُ ما دعوتَني إليه من الشهادة لصاحبك والإقرار بنبوَّته ورسالته، وما عظَّمتَ من أمره"، "فإذا أنبأتنا بذلك علمنا أنك صادق فيما ادَّعيت من عبادة هذا الواحد"، "فكل من ينتحل هذا الاسم فهو بريء من هذه المقالة، جاحد لها كافر بها"، "فأما غزوة أُحُد وما أُصيب فيها من كسر رباعيته السفلى اليمنى وشقّ شفته وثلم وجنته وجبهته، الذي ناله من عتبة بن أبي وقاص، وما علاه به ابن قميئة الليثي بالسيف على شقه الأيمن حتى وقاه طلحة بن عبيد الله التيمي بيده فقطعت أصبعه، فهذا خلاف الفعل الذي فعله الرب مخلص العالم"، "وكان الذي حملك على ذلك فرط المحبة. وفهمتُ ما اقتصَصْتَه في كتابك وتعمَّقت فيه من الدعوة وشرحتَه من أمر ديانتك هذه التي أنت عليها، وما دعوتني إلى الدخول إليه ورغَّبتني فيه منها. وقد علمتُ أن الذي دعاك إلى ذلك ما يوجبه لنا تفضلك من حق حرمتنا بك". وهذا التشابه فى الأسلوب يدفعنى إلى ترجيح أن الرسالتين من صنع قلم واحد، قلم نصرانى أراد أن يفتعل سانحة ليصب جام حقده على الإسلام ورسوله بحجة أن أحد المسلمين قد استفزه إلى الدفاع عن دينه ضد ما شنه عليه من هجوم، وبحيث تكون حجج ذلك المسلم واهنة ضعيفة، وبخاصة أن الكلمة الختامية ستكون له هو فلا تكون ثم فرصة أمام المسلم للرد على رقاعات النصرانى وسماجاته. وقد يقال: كيف يمكن أن يكتب نصرانى رسالة مثل رسالة الكندى الإسلامية فى مضامينها ولغتها؟ والجواب سهل جدا، وهو أن الناظر فى الرد النصرانى نفسه يجد تعبيرات إسلامية وقرآنية كثيرة تدل على أن لدى كاتبها القدرة على تقمص شخصية أحد المسلمين.
30- ويذهب أحد الدارسين خطوة أخرى فيحدد كاتب الرسالتين بأنه يحيى بن عدى، وهذا الدارس هو د. علي بن محمد عودة، الذى خصص لدراسة هذه النقطة بضع فقرات من مقال مهم له على المشباك بعنوان "العدوان الفكري الغربي على الإسلام وعلى نبيه محمد عليه الصلاة والسلام" أعطاها المؤلف عنوانا جانبيا هو: "رسالة النصراني الشرقي". وها هى ذى الفقرات المذكورة، والكلام فيها عن الرسالة المنسوبة إلى عبد المسيح بن إسحاق الكندى: "وهي الأخيرة في المجموعة الطليطلية، وتُعْرَف باسم "الرسالة الإسلامية والجواب المسيحي"، وهي التي أحدثت المشروع الكلوني برمته. وهي عبارة عن رسالة وجواب على الرسالة. الرسالة مرسلة من رجل مسلم يُدْعَى: عبد الله بن إسماعيل الهاشمي إلى صديق له نصراني يدعى: عبد المسيح بن إسحاق الكندي، وقد صيغت رسالة الهاشمي المزعومة بحيث يبدو قريبًا للخليفة المأمون، بينما صيغ الجواب وكأن الكندي المزعوم يعمل في بلاط الخليفة نفسه. ومن الواضح أن كلا الاسمين مستعاران وأن كاتب النصين عالم عربي نصراني عاش في العراق في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، والراجح أنه الطبيب والفيلسوف النصراني يحيى بن عدي المتوفى سنة 364هـ/ 975م. ولا نجد لهذه المصنفة ذكرًا في المصادر الإسلامية إلا عند البيروني المتوفَّى سنة 440هـ/ 1048م الذي اقتبس منها نصًا في حديثه عن الصابئة. وقد كلّف بطرس المكرم اثنين من المترجمين بترجمة هذا النص هما بطرس الطليطلي، وبطرس أوف بواتييه. وقد صاغ يحيى بن عدي رسالة الهاشمي المزعوم في نحو عشرين صفحة، بحيث بدأ بالسلام والرحمة على صديقه النصراني، زاعمًا أن ذلك سنة النبي في مخاطبته للناس بما فيهم النصارى. ثم يبدي الهاشمي المزعوم تعبيرات مختلفة من الاحترام لصديقه والإشارة إلى النسب الأصيل للكندي، والإشادة بتقواه وثقافته ومعرفته، ويدعوه إلى اعتناق الإسلام الذي هو دين الحنيفية، دين أبيهما الأول إبراهيم عليه السلام، وهو التوحيد الخالص لله تعالى، ثم يعرض أركان الإسلام الخمسة والجهاد، ويسهب في ذكر نعيم الجنة لإغراء صديقه النصراني باعتناق الإسلام، وأنه إذا اعتنق الإسلام يمكنه الزواج بأربع زوجات ويطلق متى يشاء ويملك من الجواري ما يشاء، ويحصل على ترقية في بلاط الخليفة. وفي النهاية يعرض على صديقه أن يجيبه بكل صراحة على عرضه وأن يقول ما يحلو له في الدفاع عن دينه، ويحثه على التخلي عن عبادة الثالوث.
وقد أجاب يحيى بن عدي على رسالته التي جعلها على لسان الهاشمي، بجوابه الذي جعله على لسان الكندي في 140 صفحة، أي أكبر بسبع مرات من رسالة الهاشمي، بحيث يترك جوابه الانطباع لدى القارئ النصراني أنه نال الغلبة والقهر بالحجة والبرهان. ومن الواضح أن يحيى بن عدي كتب هذا الكتاب حين ازداد دخول النصارى في الإسلام في القرن الرابع الهجري، وكان هدفه منه تحصين أهل الذمة من النصارى لمنعهم من اعتناق الإسلام وإقناعهم بأن دينهم هو الدين الصحيح. ويبدأ يحيى بن عدي جوابه على لسان الكندي المزعوم بالعرفان بالجميل لصديقه الهاشمي والدعاء للخليفة المأمون. ثم يدافع عن عقيدة الثالوث، ويزعم أن عقيدة الحنيفية التي يدعو إليها الهاشمي التي كان عليها إبراهيم عليه السلام إنما هي عبادة الأصنام، حيث يزعم أن إبراهيم ظل يعبدها لمدة سبعين سنة في حرّان مع آبائه. ويحاول بأسلوب فلسفي تفنيد عقيدة التوحيد، ثم يوجه هجومه على النبي، ويتهمه بأنه تطلّع إلى المُلْك، ولما كان يعرف أن نفوس قريش تأبى أن يصبح ملكًا عليها ادّعى النبوة للوصول إلى هدفه. ولا يتحدث جواب الكندي المزعوم عن دعوة النبي في مكة، وإنما ينتقل فجأة إلى المدينة حيث يزعم أن النبي اغتصب مربد غلامين يتيمين وبنى عليه مسجده، وأنه اصطحب قومًا فُرّاغًا لا عمل لهم وبدأ في شن الغارات وممارسة النهب والسلب وقطع الطريق وإخافة السبيل، ويتهم النبي أنه أمر باغتيال بعض الآمنين في بيوتهم. ثم يشير إلى جروح النبي يوم أحد، ويرى أنه لو كان رسولاً لمنعه الله من الضرر. ثم يزعم أن النبي لم يكن له هَمٌّ إلا امرأة جميلة يتزوجها، ويتهمه بالاستخفاف بالله في محاباة زوجاته، ويكرر حديث الإفك عن عائشة رضي الله عنها. وبعد ذلك يثير جواب الكندي المزعوم موضوع النبوة وعلاماتها ويزعم أن شروط النبوة لا تتوافر في محمد. ويزعم أن أهم علامات النبوة هي المعجزات، وأن النبي لم يأت بشيء منها، وأنه أنكر أنه يستطيع أن يأتى بآية كما جاء في القرآن، وأنه لا دليل لدى محمد على رسالة إلهية. ويزعم أن الإسلام انتشر بحد السيف، وأن نجاح الفتوح الإسلامية ليس دليلاً على إعجاز إلهي لأنها يمكن أن تكون وسيلة من الله لمعاقبة الناس المذنبين، ويزعم أن النصرانية انتشرت بالتبشير واستشهاد الحواريين بينما الإسلام انتشر بالقهر والسيف، ويزعم أن لغة القرآن ليست معجزة، ويعتبر لغة الشاعر امرئ القيس أقوى من لغة القرآن. ويزعم جوابُ الكندي أن الأغراء المادي والوعد بالملذات الحسية في جنة شهوانية هو الذي أغرى العرب المحرومين أن ينضموا إلى الإسلام وجيوشه، وأن جيوش المسلمين كانت مليئة بالمنافقين الذين انضموا إليها طلبًا للغنائم. ثم يهاجم شعائر الإسلام، ويعتبر الحج عملاً من أعمال الوثنية، ويرى أن الجهاد في سبيل الله إنما هو عمل الشيطان. ويزعم أن محمدا لم يكن يهدف مثلما هدف المسيح عليه السلام إلى أن يخلّص ويهذّب الإنسان، وإنما هَدَفَ إلى ما هدف إليه الفاتحون الآخرون، وهو أن يوسع مملكته. ويزعم أن النصرانية هي الصراط المستقيم المذكور في سورة الفاتحة. ويزعم أن الشرائع ثلاث: شريعة الكمال الإلهي، وهي التي جاء بها المسيح عليه السلام، وشريعة العدل، وهي التي جاء بها موسى عليه السلام، وشريعة الشيطان، وهي التي جاء بها، بزعمه الكاذب، محمد. ويزعم أن النبي كان يتلقى من راهب طُرِد من الكنيسة وذهب إلى تهامة، واسمه سرجيوس، وتسمى عند محمد باسم "نسطوريوس" وأنه هو الذي كان يسميه النبي: جبريل أو الروح القدس.
وقال هذا النصراني في جوابه عن النبي ما نصه: "فإنا لم نره دعا الناس إلا بالسيف وبالسلب والسبي والإخراج من الديار، ولم نسمع برجل غيره جاء فقال: من لم يقرّ بنبوتي وأني رسول رب العالمين ضربته بالسيف وسلبت بيته وسبيت ذريته من غير حجة ولا برهان". وزعم زورًا وبهتانًا أن النبي أجبر الناس على قبول القرآن: "وقال: من لا يقبل كتابي هذا ويقول إنه مُنزَّل من عند الله وأني نبي مرسل قتلته وسلبته ماله وسبيت ذريته واستبحت حريمه". وزعم النصراني أن عبد الله بن سلاّم وكعب الأحبار عمدا إلى ما في يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه من القرآن بعد وفاة النبي وأدخلا فيه أخبار التوراة وأحكامها وزادا وأنقصا منه، وسخر من عملية جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وزعم أنه وقع فيه التحريف والتبديل، وأن الحجاج بن يوسف الثقفي جمع المصاحف وأسقط منها أشياء كثيرة عن بني أمية، وذكر كلامًا كثيرًا ملفقًا في هذا الموضوع، وختم جوابه بدعوة الهاشمي المزعوم لاعتناق النصرانية. هذه الترجمة الرئيسة في المشروع الكلوني نالت في الغرب شعبية هائلة وأصبحت بمثابة إنجيل المنصِّرين والمستشرقين منذ ترجمتها وإلى اليوم حيث اعتبروها أفضل دفاع عن النصرانية وأقوى هجوم على الإسلام". هذا ما قاله الدكتور عودة، وهو كلامٌ جِدُّ مهمٍّ، لكنه للأسف لم يحاول أن يبين لنا الأسباب التى حملته على أن ينسب كتابة الرسالتين ليحيى بن عدى. وأقترح أن يلتقط بعض الكتاب الخيط منى ومن الدكتور عودة ويبحث عن كتب يحيى بن عدى ويحاول المقارنة بين أسلوبها وأسلوب هاتين الرسالتين اللتين نحن بصددهما، ومن يدرى؟ فقد ينجح فى إثبات أنهما فعلا من تأليف ذلك الكاتب النصرانى. أما أن رسالة الكندى قد أصبحت منذ عثور المبشرين والمستشرقين عليها هى إنجيلهم فأعتقد دون غرور أن الدراسة التى فى يد القارئ قد بينت أنها، كسائر الأناجيل التى تقرها الكنيسة، إنجيلٌ مضروبٌ لا يساوى مليما أحمر
www.cef.fr/catho"،


من مواضيعي
0 مدعي للالوهية يتحدى العالم ذاكر نايك ويقول له انا الله
0 الرد على : الرسول يحني شعره الطويل الذي يبلغ كتفيه‏
0 آباء الكنيسة
0 أهل الفردوس الأعلى
0 حل مشكله عدم تحميل بعض الامتدادات بـ idm
0 فوائد تفسير ابن سعدي
0 اسئلة واجوبة فى النسائية والتوليد
0 سلامة القرآن من التحريف

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الحِمَار, الستار, الكندىّ, رسالة, عُوَار

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:54 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009