ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحى الإلهى والرد عليها

ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة


شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحى الإلهى والرد عليها

ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-15-2017, 04:12 PM   #1
سيف الدين
Administrator
 
الصورة الرمزية سيف الدين
 

افتراضي شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحى الإلهى والرد عليها


شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحى الإلهى والرد عليها
تمهيـد :
إذا كان أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة يتظاهرون بإسلامهم وإيمانهم بكتاب الله عز وجل، فإنك تجدهم يعلنون فى صراحة الكفر بالشطر الثانى من الوحى الإلهى المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو سنته المطهرة، وسيرته العطرة الواردة فيها0

وهذا يبدوا واضحاً حين رسموا من خيالهم المريض صورة مزيفة لدور رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رسالته؛ وهى صورة إجمالية لا تخرج عن دور "ساعى البريد" إن صح التعبير فى جناب مقامه صلى الله عليه وسلم الجليل0
إنهم يرون أن مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رسالته، قاصرة على بلاغ القرآن فقط، ومن هنا أنكروا سنته المطهرة، وسيرته العطرة الواردة فيها. وزعموا أن طاعته صلى الله عليه وسلم ، محصورة فى كتاب الله عز وجل فقط!0

ولأنهم يتمسحون بظاهر الآيات القرآنية وجدوا أنفسهم فى مأزق من خلال عشرات الآيات التى تحض على طاعته صلى الله عليه وسلم ، وتجعل طاعته من طاعة الله تعالى؛ فلم يعدموا لها تأويلاً، بزعمهم أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى القرآن تعنى الطاعة لكتاب الله عز وجل، ولم يكتفوا بهذا إذ زعموا أن القول بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم شرك وتأليه له، ومن يقول بها فقد كفر وأشرك بربه0

وهم فى كل ما يأفكون يتسترون بعباءة القرآن الكريم حتى يقبل المسلمون كلامهم، ولكن أنى لهم هذا! وهم يفسرون آيات الله عز وجل، تفسيراً يخرجها عن معناها تماماً، وهو نتيجة طبيعية لعدم التزامهم بقواعد التفسير، وأصول الفكر الإسلامى0

فإلى تفصيل شبهاتهم والرد عليها فى المطالب التالية0
المطلب الأول
شبهة أن مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصرة على بلاغ القرآن فقط
والرد عليها

طعن أعداء السنة المطهرة، فى دور رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبليغ الوحى، وحصروا بلاغه فى الرسالة، على تبليغ القرآن الكريم فقط، وقالوا هى مهمته الوحيدة، وعدوا القول بخلاف قولهم اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأنه فرط فى تبليغ الوحى0

وجاءت أقوالهم فيما يفترون صريحة، وإليك نماذج منها :
قال رشاد خليفة() : "إن مهمة الرسول الوحيدة : هى تبليغ القرآن بدون أى تغيير، أو إضافة، أو اختزال، أو شرح"(). وقال فى موضع آخر : "أمر محمد بتبليغ القرآن فقط بدون أى تغيير، وألا يختلق أى شئ آخر" ويقول : "محمد ممنوع من التفوه بأى تعاليم دينية سوى القرآن"()0
ويقول محمد نجيب() : "نسبة أى شئ للرسول غير القرآن طعن فى أمانة الرسول صلى الله عليه وسلم "()0
ويقول أحمد صبحى منصور : "إن إسناد قول ما للنبى وجعله حقيقة دينية هو اتهام للنبى بأنه فرط فى تبليغ الرسالة… بإيجاز كانت مهمة النبى مقتصرة على التبليغ دون الإفتاء والتشريع"()0
ويقول إسماعيل منصور() : "إنه ليس لجبريل عليه السلام فى القرآن الكريم دور إلا النقل الأمين فحسب، كما أنه ليس لمحمد فيه دور كذلك إلا البلاغ الصادق وحده. قال تعالى : }إن عليك إلا البلاغ{() وقال سبحانه : }وما على الرسول إلا البلاغ المبين{()0
ويقول جمال البنا() : "ونصوص القرآن الكريم واضحة، وصريحة، ومتعددة، وهى تحصر دور الرسول فى البلاغ، وكثيراً ما تأتى الإشارة إلى البلاغ بصيغة الحصر، ولكنها فى حالات أخرى تضيف إلى البلاغ صفة "المبين" قال تعالى : }وإن تولوا فإنما عليك البلاغ{() وقال سبحانه : }فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين{()0
ويجاب عن هذه الشبهة بما يلى :
أولاً : لكل مسلم أن يعجب من جراءة هؤلاء الأدعياء الذين يتسترون بعباءة القرآن الكريم، فى جرأتهم وتطاولهم على الذات العليا من حيث يشعرون أو لا يشعرون0

إذ بعثة الرسول أو النبى، وتحديد دوره فى رسالته أمر لا يملك منه أحد شئ سوى الخالق عز وجل؛ وتلك بديهة لا يخالفها عاقل0

فإذا جاء أعداء السنة المطهرة، وزعموا أن مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصرة على بلاغ القرآن فقط، وأن نسبة أى شئ إليه سوى القرآن يعنى الطعن فى أمانته، وأنه فرط فى تبليغ الرسالة، فقد تجرءوا وتطاولوا على ربهم. حاسبهم سبحانه بما يستحقون0
ثانياً : إذا كان أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة اتخذوا لأنفسهم شعار "القرآنيون" يستدلون به وحده على ما يزعمون؛ فهم يحرصون دائماً على الإيمان ببعض القرآن، والكفر ببعضه الآخر؛ حيث أنهم هنا فى افتراءاتهم يستدلون بظاهر وعموم بعض الآيات القرآنية التى تحث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على البلاغ، وتركوا باقى نصوص القرآن الكريم التى تفصل حقيقة هذا البلاغ، وتفصل أيضاً باقى أدوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى رسالته0

وإليك شواهد من الآيات القرآنية ترد على افتراءاتهم، وتبين فى وضوح وجلاء أن دور رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رسالته ليس قاصراً على بلاغ القرآن الكريم فقط، وإنما بيان هذا الكتاب الكريم، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتزكيتهم، والحكم بينهم فى كل شأن من شئون حياتهم، وما كل ذلك إلا بالسنة المطهرة، والسيرة العطرة التى ينكرونها0

قال تعالى : }يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك{() والبلاغ الذى أمر المولى عز وجل به رسوله، هو الوظيفة الأولى له صلى الله عليه وسلم وهو بلاغ عام وشامل لكل ما تحتاج إليه البشرية فى عاجلها وآجلها، ودنياها وأخراها، وقد وصل إلينا هذا البلاغ فى وحيين :
أحدهما : متلو وهو القرآن الكريم0
وثانيهما : غير متلو وهو السنة المطهرة0

ويدل على عموم البلاغ، عموم الاسم الموصول "ما" فى الآية الكريمة، كما عمم من أراد تبليغهم، حيث حذف المفعول الأول لـ "بلغ" ليعم الخلق المرسل إليهم؛ والتقدير : بلغ جميع ما أنزل إليك من كتاب وسنة، من يحتاج إلى معرفته من أمر الدين الموحى به إليك()0

أما كون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما نص القرآن، ما عليه إلا البلاغ، والاستدلال بظاهر ذلك على حصر مهمته فى بلاغ القرآن فقط، فإن ذلك فهم غير مراد؛ لأن قوله تعالى : }ما على الرسول إلا البلاغ{() معناه نفى الإكراه على الاعتقاد والإيمان، نحو قوله تعالى : }قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل{() وقال سبحانه : }فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ{() والمعنى : نفى الإكراه على الاعتقاد والإيمان، ففى العقيدة والتصديق القلبى، لا إكراه، أى ليس هناك إلا البلاغ، أما فى شريعة الدولة والسياسة والاجتماع والمعاملات، فهناك السلطان والثواب والعقاب، وليس هناك أدنى تناقض بين وقوف سلطان الرسول صلى الله عليه وسلم ، فى العقيدة عند البلاغ؛ }لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى{() وبين وجود ووجوب الطاعة المتميزة له، فى إطار بيان وتطبيق الوحى الإلهى… بل إن القرآن الكريم يجمع بين الأمرين فى الآية الواحدة. وتأمل قوله تعالى : }قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين{() فالرسول الله صلى الله عليه وسلم ، طاعة متميزة وسلطان وتشريع لإقامة الدين، والإقامة تطبيق وتجسيد، يزيد على مجرد البلاغ والتبليغ بدليل ما يلى :

قوله تعالى : }وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون{() و"التبيين" هنا غير "التبليغ" الذى هو الوظيفة الأولى للنبى صلى الله عليه وسلم ، }يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك{()0

و"التبيين" و"التبليغ" وظيفتان موضوعهما واحد هو "القرآن الكريم" عبر عنه فى آية "التبليغ" بهذا اللفظ : }ما أنزل إليك{ وعبر عنه فى آية التبيين بلفظ مختلف : }ما نزل إليهم{ وبينهما فروق لها دلالتها. مردها إلى الفرق بين الوظيفتين0

"فالتبليغ" : تأدية النص، تأدية "ما أنزل" كما "أنزل" دون تغيير ما على الإطلاق، لا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير0

و"التبيين" : إيضاح، وتفسير، وكشف لمراد الله من خطابه لعباده، كى يتسنى لهم إدراكه، وتطبيقه، والعمل به على وجه صحيح0
"والتبليغ" : مسئولية "المبلغ" وهو المؤتمن عليها، وهذا سر التعبير : }وأنزلنا إليك{ حيث عدى الفعل "أنزل" بـ "إلى" إلى ضمير النبى صلى الله عليه وسلم المخاطب0

و"التبيين" : مهمة، فرضتها حاجة الناس لفهم ما خوطبوا به وبلغوه، وإدراك دلالته الصحيحة، ليطبقوه تطبيقاً صحيحاً. ومن هنا كانت المخالفة فى العبارة … "نزل إليهم" حيث عدى الفعل "نزل" بـ "إلى" مضافاً إلى الضمير "هم" أى الناس، وعدى الفعل : "لتبين" إلى الناس بـ "اللام" أن كانت حاجتهم إلى "التبيين" هى السبب والحكمة من ورائه، وهى توحى بقوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس بحاجة إلى ما احتاج إليه الناس من هذا التبيين، ولعمرى إنه لكذلك، فقد أوحى إليه بيانه وألهمه، فالتقى فى نفسه "البيان" و"المبين" معاً وأصبح مؤهلاً لأن يقوم بالوظيفتين : وظيفة البلاغ، ووظيفة التبيين على سواء!0

وكما أن محالاً أن يكتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شيئاً مما أمر بتبليغه، فمحال أن يترك شيئاً مما أمر بتبليغه دون أن يبينه، فكلا الأمرين : التبليغ والتبيين من صميم رسالته : }بلغ ما أنزل إليك{… }لتبين للناس ما نزل إليهم{0

واختلاف الناس فى فهم القرآن ما بين مصيب ومخطئ… واختلافهم فى درجات الإصابة، ودرجات الخطأ… برهان بين على حاجتهم إلى "تبيين" لكتاب ربهم، ينهض به إمام الموقعين عن رب العالمين … رسول الله الذى أنزل عليه هذا الكتاب0
هنا يقع قول الله تعالى : }وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{() موقعاً يسد كل ثغرة، يحاول النفاذ منها من يرفض "سنة رسول الله" أو يهون من شأنها، أو يسعى للتشكيك فيها، وإسقاط حجيتها وإلزامها0
ويقع نفس الموقع قول النبى صلى الله عليه وسلم : "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول : لا أدرى؟ ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه"()0
وهنا لى أن أقرر : أن إنكار مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، البيانية، أو رفضها أو التشكيك فيها ينطوى على رفض وتكذيب للقرآن نفسه؟ }كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً{()0
كما ينطوى على الطعن فى عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى بلاغ وحى الله تعالى، إليه، لأن ترك تبيين كلمة واحدة فى القرآن الكريم، تحتاج إلى تبيين دون أن يبينها تقصير، ككتمان حرف واحد مما أمر بتبليغه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مبرأ من أن يخون فى التبليغ، أو يقصر فى التبيين0
فمن المتهم إذن : باتهام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأنه فرط فى تبليغ رسالته؟ من يؤمن بأن من مهمته فى رسالته البيان أم من ينكر ذلك؟!0
إن إنكار أعداء السنة المطهرة، لهذه المهمة، بحجة أن المولى عز وجل تكفل بهذا البيان والتفصيل فى قوله : }ثم إن علينا بيانه{() وقوله سبحانه : }وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلاً{() وقوله : }ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ{() لا حجة لهم فى ذلك لما يلى :
أ- أن مجئ لفظ البيان فى جانب الله تعالى : }ثم إن علينا بيانه{، ومجئ لفظ "التبيين" فى جانب رسول الله، }لتبين للناس ما نزل إليهم{ لا يفسر بأنه تنويع فى اللفظ، أو تفنن فى العبارة، وإنما هو قصد مقصود، وراءه دلالات يبحث عنها وهى : أن "بيان" الله للقرآن إنما هو لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ومصدره هو الله تعالى، ومستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطريقه : الوحى فى صورة ما من صورة. أما "التبيين" فهو من رسول الله للناس، ومصدره رسول الله، ومستقبله المخاطبون بهذا القرآن، وطريقه إنما هو "اللغة" وليس "الوحى"0
والخلاصة : رسول الله يتلقى بيان القرآن عن ربه "وحياً" والناس يتلقون تبيينه عن رسول الله "لغة وكلاماً"، إذن : هناك اختلاف بين "البيان" و"التبيين" من ثلاث جهات : من جهة المصدر، ومن جهة المستقبل، ومن جهة الطريق أو الأداة، أو الوسيلة، التى يعبر خلالها "البيان" أو "التبيين" إلى مستقبله هل يكفى هذا لبيان السبب فى اختصاص كل لفظ بموضعه؟0

وهل يزعم زاعم بعد هذا أن بالإمكان التعبير عن كلا "البيانين" "بيان الله" و"تبيين رسوله" للقرآن بلفظ واحد0

إن الفرق من السعة والوضوح والعمق، بحيث يفرض اختلاف التعبير فى هذين المقامين المختلفين()0
ب- إن المراد بتفصيل وتبيان الكتاب لكل شئ يعنى : تفصيل وتبيان القرآن لكل شئ من أحكام هذا الدين كقواعد كلية مجمله. أما تفاصيل تلك القواعد، وما أشكل منها، فالبيان فيها راجع إلى تبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم 0

ويدل على ذلك قول ابن مسعود فى قوله تعالى : }تبياناً لكل شئ{ قال : قد بين لنا فى هذا القرآن، كل علم، وكل شئ. وقال مجاهد : كل حلال وحرام، وقول ابن مسعود أعم وأشمل؛ فإن القرآن اشتمل على كل نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتى، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون فى أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم. وقال الأوزاعى "تبياناً لكل شئ" أى بالسنة()0
ولا تعارض بين القولين – ابن مسعود والأوزاعى – فابن مسعود يقصد العلم الإجمالى الشامل، والأوزاعى يقصد تفصيل وبيان السنة لهذا العلم الإجمالى. ومن هنا؛ فالقول بأن القرآن الكريم تبيان لكل شئ قول صحيح فى ذاته بالمعنى الإجمالى السابق، ولكن الفساد فيما بنوه عليه من قصر مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على بلاغ القرآن فقط، وإنكار مهمته البيانية (السنة المطهرة) والاكتفاء بالقرآن ليؤولوه حسب أهوائهم، وإلا فرب العزة هو القائل فى نفس سورة النحل، وقبل هذه الآية قال : }ليبين لهم الذى اختلفوا فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين{() وقال سبحانه : }وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون{() وقال عز وجل : }وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه{() فتلك ثلاث آيات كريمات فى نفس سورة النحل، وسابقة لآية }ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ{ والثلاث آيات تسند صراحة مهمة التبيين إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ، فهل يعقل بعد ذلك أن يسلب الله عز وجل هذه المهمة – التبيين – التى هى من مهام الرسل جميعاً كما قال: }وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم{()ويوقع التناقض بقوله: }ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ{ وقوله : }وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلاً{ ؟!0
إن كل الرافضين لمهمة رسول الله البيانية، لابد أن يلتزموا بهذه النتيجة التى تعود بالنقض على الإيمان بالكتاب، وبمن أنزل الكتاب جل جلاله، سواء أقروا بلسانهم بهذا النقض أم لا، وتنبهوا إلى ذلك أم لا؟!!0

ويجدر بى هنا أن أشير إلى ما قاله الحافظ ابن حجر مبيناً المراد من الأحاديث والآثار المؤذنة بالاقتصار على كتاب الله عز وجل. نحو قوله صلى الله عليه وسلم : "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله"() وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : "هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده" فقال عمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله"() وأشباه هذا مما روى مرفوعاً وموقوفاً، بالاقتصار على القرآن فقط0

يقول الحافظ : "الاقتصار على الوصية بكتاب الله؛ لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شئ، إما بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب، عملوا بكل ما أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم ، به لقوله تعالى : }وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{() وهذا الذى قاله الحافظ رحمه الله، يؤكد ما سبق ذكره0

ومما هو جدير بالذكر هنا. أن الكلام السابق للحافظ، نقله مبتوراً جمال البنا حيث قال : "التمسك بالقرآن والعمل بمقتضاه، إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله" وترك جمال البنا، بيان أن العمل بالقرآن الكريم يقتضى العمل بالسنة كما صرح ابن حجر()0
وهذا ما فعله أيضاً أحمد صبحى منصور. حيث نقل كلام الحافظ ابن حجر الذى نقلته، وبتر منه لفظه (النبى صلى الله عليه وسلم ) فصارت العبارة : "فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به"() وإذا تقرر لك هناك أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى رسالته مهمة غير التبليغ وهى تبيين القرآن الكريم، الملازم للمهمة الأولى وهى تبليغه. فاعلم أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حكم فى رسالته، جعله ربه من مهام رسالته0

3- قال تعالى : }إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله{() فبين ربنا سبحانه أنه أنزل الكتاب إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ليحكم بين الناس بما ألهمه الله وأرشده، وإذا كان الحكم بالقانون، غير سن القانون فإن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بما جاء فى القرآن من تشريعات، فضلاً عن تبيينه بالسنة، هو أمر زائد على مجرد البلاغ لهذه التشريعات0
وتحكيمه صلى الله عليه وسلم فى كل شئون حياتنا، والرضى بحكمه، والتسليم به، جعله رب العزة علامة الإيمان كما قال : }فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسيلما{() وما ذلك إلا لأن حكمه صلى الله عليه وسلم ، وحى من الله واجب الاتباع لقوله }بما أراك الله{ وعلى هذا الفهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن بعدهم، يدل على ذلك قول عمر رضى الله عنه وهو على المنبر : "يا أيها الناس إن الرأى إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مصيباً لأن الله عز وجل كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف"() لقد قال عمر ذلك على المنبر، ولم يعترض عليه أحد من الحاضرين، لا من الصحابة، ولا من التابعين، مما يدل على أنهم جميعاً يعلمون أن لرسول الله حكم فى رسالته هو من ربه، وهو أمر زائد على مجرد البلاغ!0
وقال تعالى : }لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين{() إن الله عز وجل فى هذه الآية الكريمة، يمتن على هذه الأمة، ببعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أنفسهم، وأنه جاء ليس لمجرد بلاغ وتلاوة القرآن الكريم فقط – كما يزعم أعداء الإسلام؛ وإنما جاء مع بلاغ القرآن وتلاوته؛ جاء بتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة0

وهذه التزكية والتعليم من مهامه صلى الله عليه وسلم فى دعوته، مع بلاغه للقرآن وبيانه لما فيه، وحكمه به. وبهذه المهمة (التزكية والتعليم) تكون هداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور0
5- قال تعالى : }كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور{() أى من ظلمات الكفر والجهل والضلالة، إلى نور الإيمان والعلم والهداية() وقال سبحانه : }وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم{() فأسند الهداية إليه صلى الله عليه وسلم ، مما يدل على أنه عليه الصلاة والسلام بكل ما جاء به من عند الله عز وجل، يهدى إلى صراط مسقيم0
وتأمل قوله "لتخرج" وقوله "تهدى" إنه سبحانه اسند الفعلين إليه صلى الله عليه وسلم وفى ذلك دلالة على أن ذلك من مهام رسالته التى كلفه بها، مع بلاغه للقرآن وتبيينه لما فيه، وحكمه بين الناس وتزكيته وتعليمه لأمته؛ وكل ذلك ينكره أعداء هذه الأمة0
إن زعم أعداء السيرة العطرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مهمته الوحيدة، تبليغ القرآن فقط، وإنكارهم مهمته البيانية للقرآن الكريم، يعد هذا الزعم منهم طعناً فى عصمته صلى الله عليه وسلم فيما بلغه من وحى السنة المطهرة، وطعناً منهم أيضاً فى عصمته فى رجاحة عقله وكماله، لأنهم فى كتاباتهم المفتراه، يقدمون رؤيتهم القرآنية بياناً، وتفسيراً، ومفهوماً لآيات القرآن الكريم0

فكيف ينكرون أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيانه، وتفسيره وشرحه لآيات القرآن الكريم؟ وهو أعلم الناس به؛ حيث عليه أنزل0
ومن هنا لما قال رجل لمطرف بن عبد الله() : لا تحدثونا إلا بما فى القرآن قال مطرف: إن والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا"()0

ويقول جابر بن عبد الله يصف حج النبى صلى الله عليه وسلم ، : "فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى المسجد ثم ركب القصواء() حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصرى بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شئ عملنا به.." الحديث()0

فتأمل قول الصحابى : "ورسول الله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله" إنه صلى الله عليه وسلم ، هو الذى علمه الله القرآن، وكل ما من شأنه أن ييسر العمل به، فعلمه تأويله، وأراه ما به يتم الدين0
إن مقتضى إيمانهم برسالته صلى الله عليه وسلم ، أن يسألوه ويحكموه عن كل ما بدا لهم؛ إنهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يأتيه الوحى فى أى وقت بالقرآن وتأويله، وبكل ما يتصل ببيان الدين، ومن هنا سألوا واستفسروا وأجابهم صلى الله عليه وسلم ، بما به بين، ووضح، وأفاد وأجاد() حتى قال صلى الله عليه وسلم : "قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيع عنها بعدى إلا هالك"()0
إن تأويل وتفسير، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، للقرآن الكريم، هو فريضة قرآنية، وتكليف إلهى للنبى صلى الله عليه وسلم - زائد على مجرد بلاغه – وليس فضولاً ولا تزايداً، ولا إضافة يمكن الاستغناء عنها لقوله تعالى : }وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون{() فكيف ينكرون هذا التبيان النبوى للبلاغ القرآنى، بينما يمارسون هم شرح وتفسير آيات القرآن؟‍ أهذا معقول؟ فضلاً عن أن يكون مقبولاً؟‍‍‍!!0

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بنص الآيات الكريمات السابق ذكرها، مبلغ، ومبين، وحاكم، ومزكى، ومعلم، وهادى إلى صراط مستقيم، وليس مجرد ساعى بريد؟!0

وبعد : إذا تقرر أن من مهام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى رسالته بيان القرآن الكريم، والمسلمون جميعاً يعلمون ذلك، ويسلمون به، يبقى توضيح أن البيان النبوى هو الحكمة،وهى السنة المطهرة التى ينكرها أعداء الإسلام، ويزعمون أن سنته الحقيقية هى القرآن فقط0

فإلى بيان شبهتهم فى المطلب التالى والرد عليها
المطلب الثانى
شبهة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست له سنة نبوية
والرد عليها

زعم أعداء السنة النبوية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليست له سنة، وأن سنته الحقيقية هى القرآن الكريم فقط، وزعموا أن القول بأن له سنة نبوية، تشويه لسيرته، وتجعله مشرعاً0
يقول إسماعيل منصور : "إن السنة الحقة، هى سنة واحدة، سنة الله عز وجل، وليست هناك سنة أخرى غيرها، وإنما للرسول، بيان نبوى للقرآن، نرفعه على العين والرأس، متى ثبت تحقيقاً، لا يخالف بأى حال أحكام ومدلولات القرآن الكريم، فنقبله كبيان فحسب، وليس تشريعاً مستقلاً"()0
ويقول أحمد صبحى منصور : "إن تلك الأحاديث المذكورة فى كتب التراث ليست من الوحى، الذى نزل على النبى، وليس هناك فى الإسلام حديث إلا حديث الله تعالى فى القرآن، أما تلك الأحاديث التراثية، وأسفارها، فلا أول لها ولا آخر، وهى تتناقض حتى فى الكتاب الواحد، وربما فى الصفحة الواحدة وتخالف القرآن مثل الرجم وحد الردة"()0
ويقول صالح الوردانى : "وإذا ما تبين لنا أن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، هى تبليغ ما يوحى إليه من ربه، فلا يجوز للرسول أن يضيف أحكاماً فوق أحكام القرآن، فمهمته تنحصر فى تبليغ القرآن وتبيينه للناس، وتنتهى هذه المهمة بوفاته"() ويقول أيضاً : "الروايات المنسوبة للرسول، والتى تضيف على لسانه أحكاماً جديدة، وتخترع أحكاماً لا وجود لها فى القرآن تضع الرسول فى دائرة المشرع"()0
ويجاب عن ما سبق بما يلى :
أولاً : سبق فى المطلب السابق تفصيل أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى رسالته مهمة ووظيفة، زائدة على مجرد البلاغ، وهى مهمة تبيان القرآن الكريم، وهذه المهمة تضاربت فيها أقوال من يسمون أنفسهم "القرآنيون". فبينما تجد بعضهم فيما سبق يجحد هذه المهمة من أصلها، ترى هنا بعضهم يؤمن بها، وبمفهومه الخاص، القائم على إنكار أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى رسالته، وحى غير متلو – السنة المطهرة0
ثانياً : إذا تقرر لك بالدليل القاطع أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم تبياناً للقرآن الكريم، فاعلم أن لهذا التبيان صفة المبين، من حيث وجوب قبوله، ووجوب العمل به، وصلاحيته لكل زمان ومكان؛ ويستلزم هذا ضرورة أن هذا التبيان النبوى، هو الحكمة وهى السنة النبوية التى عبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه"()0
وبناء الفعل للمجهول "أوتيت" يدل على أن الله تعالى، أعطى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، القرآن ومثله معه، فما هو المماثل الذى تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه؟ يصرح القرآن الكريم بأن هذا المماثل هو "الحكمة" التى قرنها رب العزة فى كتابه مع القرآن الكريم فى آيات عدة منها :
قوله تعالى : }وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً{() فالآية والحديث يفيدان أن الله تعالى، أنزل عليه صلى الله عليه وسلم ، الكتاب والحكمة، مثل القرآن، وهى معه، آتاهما الله له صلى الله عليه وسلم ، بل إن إحدى روايات هذا الحديث تتواءم مع الآية أكثر من هذه الرواية، ونصها : "أتانى الله عز وجل القرآن، ومن الحكمة مثليه"()0
وقال تعالى : }واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة{() فعطف الحكمة على آيات الله، لتندرج تحت ما أضيف إليها وهو "التلاوة" وهذا يضفى على الحكمة – وهى السنة – أنها فى حجيتها، ووجوب تبليغها، كالقرآن سواء بسواء()0
وقال تعالى : }لقد من الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة{() قال الإمام الشافعى() : "فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة() سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وهذا يشبه ما قال، والله أعلم؛ لأن القرآن ذكر واتبعته الحكمة، وذكر الله منه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز – والله أعلم – أن يقال الحكمة ههنا إلا سنة رسول الله، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله"()0

وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : "الكتاب والحكمة" الكتاب والسنة() وعن قتادة قال: والحكمة أى السنة() ونفس القول قال به غيرهما() وعلى هذا الفهم سلفنا الصالح من أئمة المسلمين()0
ثالثاً : إذا تقرر أن تبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم هو الحكمة، وأن هذه الحكمة هى السنة النبوية، وأنها متماثلة للقرآن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا يعنى أنها مثل القرآن فى وجوب قبولها، والعمل بها، سواء بسواء؛ لأنها مثل القرآن وحى من عنده تعالى، وإليك تفصيل أدلة ذلك :
أ- الأدلة من القرآن الكريم على أن السنة وحى من الله تعالى :
قال تعالى : }وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى{() فأعلمنا ربنا سبحانه وتعالى، أن رسوله صلى الله عليه وسلم ، لا ينطق عن هوى وغرض، وإنما ينطق حسبما جاءه الوحى من الله تعالى0
فكلمة "ينطق" فى لسان العرب تشتمل كل ما يخرج من الشفتين من قول أو لفظ() أى ما يخرج نطقه صلى الله عليه وسلم عن رأيه، إنما هو بوحى من الله عز وجل()0

ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم،وهذا واضح فى إثبات أن كلامه صلى الله عليه وسلم ، محصور فى كونه وحياً لا يتكلم إلا به، وليس بغيره0
وقال سبحانه : }ثم إن علينا بيانه{() إنه وعد قاطع بأن بيان القرآن، سوف يتولاه الله تعالى، كما تولى }إن علينا جمعه وقرآنه{() على حد سواء، ولا معنى لهذا سوى أن يوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، هذا البيان، بصورة ما من صور الوحى0
وقال عز وجل : }وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما{()0
وقال تعالى : }واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به{() إن هاتين الآيتين تفيدان – أن الله تبارك وتعالى – أنزل على رسوله شيئين : الكتاب : وهو القرآن، والحكمة : وهى سنته صلى الله عليه وسلم 0
السنة المطهرة إذن "وحى من الله تعالى" أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما أنزل القرآن الكريم، سواء بسواء() بشهادة القرآن البينة، وهى أيضاً وحى بشهادة السنة نفسها، وإليك شواهد ذلك :
ب- الأدلة من السنة النبوية على أنها وحى من الله تعالى :
قوله صلى الله عليه وسلم : "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه" وقد سبق قريباً بيان دلالته على أن السنة وحى0
قوله صلى الله عليه وسلم : لما سئل فى عام جدب : سعر لنا يا رسول الله. قال : "لا يسألنى الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرنى بها، ولكن اسألوا الله من فضله"() إن فى الحديث دلالته الصريحة فى أنه صلى الله عليه وسلم ، لا يحدث أى سنة، وإنما يبلغ عن الله تعالى، ما أمره به عز وجل. مما يدل على أن السنة المطهرة، إنما تأتيه بوحى الله سبحانه0
وقوله صلى الله عليه وسلم : "رأيت ما تعمل أمتى بعدى فاخترت لهم الشفاعة يوم القيامة"()0
وقوله صلى الله عليه وسلم : "قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد() محبوسون، إلا أصحاب النار، فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء"()0
إن هذين الحديثين، وما فى معناهما، مما يفيد أن الله تعالى أرى نبيه صلى الله عليه وسلم ، كذا وكذا، يأتى تأكيداً لقوله تعالى : }إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله{()0

فتأمل قوله تعالى : }بما أراك الله{ وكل الأحاديث الصحيحة التى جاء فيها أن الله أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأراه ما أراه، تعلم أن السنة النبوية وحى من الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 0

حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى صلى الله عليه وسلم ، عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة، ففى نهايته قال صلى الله عليه وسلم : يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"()0
عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال : "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا : رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن جبريل عليه السلام أتانى فأخبرنى أن فيها قذراً" وقال : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى فى نعليه قذراً أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما"() وهكذا يراقبه الوحى، فإذا أصاب نعله شئ من النجاسة نبهه0

وبالجملة : فالأحاديث التى قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتحققت وفق ما أخبر، هذه يعترف العقل أنها لابد من وحى الله إليه صلى الله عليه وسلم () والأحاديث التى تحدث فيها عن أخبار السابقين، وهو الصادق المصدوق ناطقة بأنها من وحى الله إليه، فما الذى أعلمه أخبار الأمم السابقة، وأنبيائها، إلا الوحى من الله تعالى إليه؟()0
والأحاديث التى تحدث فيها عن سنن الله الكونية، وأسرار الخليقة، كتحدثة عن تكوين الجنين فى بطن أمه، وأنه كيف يشبه أخواله أو أعمامه، وتحدثه عن الكثير من أسباب الصحة، فيحذر من امتلاء البطن، ويحث على النظافة، هذه مما يسلم العقل أنها من وحى الله تعالى إليه صلى الله عليه وسلم ()0
ومن أقوى الأدلة على أن السنة من وحى الله الخالق سبحانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أن السنة على كثرة أحاديثها، وذيوعها وانتشارها، لا يجد فيها العقلاء إلا الحق الذى يسعد البشرية فى كل ناحية من نواحى الحياة، فى صحتها، فى اجتماعيتها، فى اقتصادها، فى نسلها، فى عقلها، فى كل شئون حياتها0
إن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منذ أن قالها إلى الآن تنهل البشرية من خيرها وصوابها، يعترف بذلك المسلون، والمنصفون من غير المسلمين وهذا دليل قوى على أنها وحى الله سبحانه وتعالى، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ()0

جـ- السلف يؤمنون بأن السنة وحى :
وإنى قد ذكرت الأدلة من كتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، على أن السنة وحى من الله إلى رسوله، فإنى أزيد ذلك توضيحاً ورسوخاً بإيراد أقوال بعض السلف، بما يفيد أن السنة النبوية وحى من الله عز وجل، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 0
فعن حسان بن عطية() قال : كان جبريل ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن() ونحو هذا القول روى عن الأوزعى()0
وعن عبد الله بن المبارك() قال : كان جبريل إذا نزل بالقرآن على النبى صلى الله عليه وسلم يأخذه كالغشوة، فيلقيه على قلبه، فيسرى عنه وقد حفظه فيقرؤه، وأما السنن فكان يعلمه جبريل ويشافهه بها()0
وعن عمر بن عبد العزيز() قال فى إحدى خطبه : "يا أيها الناس، إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبياً، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذى أنزله عليه كتاباً، فما أحل الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فهو حرام إلى يوم القيامة…"()0

وقال أيضاً : "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله عز وجل، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر فى شئ خالفها، من اهتدى بها فهو المهتد، ومن انتصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولاه، وأصلاه جهنم، وساءت مصيراً"()0

فتأمل ما قاله خامس الخلفاء الراشدين على ملأ من الحاضرين لخطبته : "فما أحل الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم… الخ، وقوله : "الأخذ بما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم … اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله…الخ. تأمل ذلك تعلم عن يقين إيمان السلف جميعاً، بأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحى من عند الله عز وجل، واجبة الاتباع إلى يوم الدين0
وهكذا توضح الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال السلف أن السنة النبوية وحى من الله تعالى، إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهى صالحة لكل زمان ومكان، وواجبه الاتباع كالقرآن سواء بسواء، وعلى ذلك إجماع الأمة() منذ عهد نبيها صلى الله عليه وسلم ، إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، دون اعتبار لقول من شذ، من المرجفين فى دين الله، العاملين على هدم كيان السنة المطهرة، والسيرة العطرة0
رابعاً : إذا تقرر لك أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، سنة، هى وحى من ربه عز وجل، واجب قبولها واتباعها، فقد حان الوقت لبيان حقيقة وهدف تمسح أعداء السنة، بإيمانهم ببيان نبوى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى رسالته0

إن من يتسترون بعباءة القرآن، ويستدلون بظاهره، على أن مهمة الرسول الوحيدة هى تبليغ القرآن فقط، وجدوا أنفسهم فى مأزق من القرآن الكريم، حيث يصرح بتبيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى رسالته زائد على مجرد البلاغ، فاعترف بعضهم بهذا التبيان، إلا أنهم لا يعترفون بأن هذا التبيان، المراد به الحكمة، والتى فسرت بأنها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنها بوحى من الله تعالى على ما سبق قريباً ومن هنا كان إيمانهم بهذا التبيان النبوى إيماناً كاذباً من وجهين :
الوجه الأول : أنهم يشترطون لهذا البيان النبوى أن يوافق القرآن الكريم بمفهومهم هم، القائم على إنكار السنة المطهرة؛ بدليل أنهم ينكرون جميع أنواع بيان السنة للقرآن؛ من تأكيد السنة لما جاء فى القرآن الكريم، وتفصيل لمجمله، وتقييد لمطلقه، وتخصيص لعامه، وتوضيح لمشكله، سواء كان هذا البيان فى العبادات من طهارة، وصلاة، وزكاة، وحج، أو فى المعاملات من بيع وشراء، ورهن، وسلم… الخ أو فى الحدود من قطع، ورجم،… الخ، أو فى الأحوال الشخصية من نكاح، وطلاق، ورضاع، وميراث. وغير ذلك()0

وبالجملة : ينكرون جميع أنواع بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما اشتمل عليه القرآن الكريم، من عقائد وأحكام فى الدين والدنيا()0

والوجه الثانى : أنهم حتى مع تظاهرهم بالإيمان بالبيان النبوى؛ فقيمة هذا الإيمان كعدمه. وتأمل كلام إسماعيل منصور بعد قوله السابق : "أن لرسول الله، بيان نبوى للقرآن، نرفعه على العين والرأس، متى ثبت تحقيقاً، لا يخالف بأى حال، أحكام ومدلولات القرآن الكريم…الخ() قال فى وصف قيمة هذه السنة البيانية : "إنها للاستئناس لا للاستدلال، وللبيان لا للإثبات، الأمر الذى يجعل الآخذين بها والرافضين لها، أمام الشرع على حد سواء. فلا إلزام لأى طرف منهما على قبول رأى الآخر، فالأخذ بها فعله مقبول، والرافض لها فعله مقبول كذلك"()0

قلت : فإذا كان هذا البيان لكتاب الله، الآخذ به والرافض له سواء! فأى قيمة لهذا البيان، حتى لو اعترفوا بأن هذا البيان هو السنة؟!0

وتأمل أيضاً ما قاله عبد العزيز الخولى : "وأما ما ورد فى السنة من أحكام ، فإن كان مخالفاً لظاهر القرآن، فالقرآن مقدم عليه، ويعتبر ذلك طعناً فى الحديث من جهة متنه ولفظه، وإن صح سنده، فإن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم سنده ومتنه من الطعن، ولذلك أجاز بعض المسلمين() نكاح المرأة على عمتها أو خالتها… إلى أن قال: "وإن كل ما فى السنة لا يخالف ظاهر القرآن، فهو اجتهاد من الرسول، يرجع إلى أصل قرآنى عرفه الرسول، وجهلناه نحن أو عرفناه"() فتأمل قوله فى البيان النبوى : "وجهلناه نحن أو عرفناه" إذ العبرة عنده فى أول الأمر وآخره، هى : ظاهر القرآن، سواء عرف السنة البيانية أم جهلها، فهى فى حالة معرفته بها، لم تضف جديداً،وفى هذه الحالة العبرة بالقرآن، وفى حالة استقلالها بتشريع أحكام جديدة، تكون السنة مخالفة لظاهر القرآن؛ فلا حجة فيها. هكذا حال لسانه! ولا أدرى من أين فهموا قيمة هذا البيان النبوى للقرآن الكريم؟ حيث أن آيات القرآن الكريم السابق ذكرها، والتى تسند مهمة البيان، تصرح بأن هذا البيان وحى من الله عز وجل : }ثم إن علينا بيانه{() }إن أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله{() وغير ذلك من الآيات()0

فهل فى الإسلام، وحى واجب الاتباع؛ ووحى الآخذ به، فعله مقبول والرافض له، فعله مقبول أيضاً؟!!0
وإذا كان هذا البيان النبوى يحل مشاكل الاختلاف التى يمكن أن تحدث بين العباد، فى فهم وتطبيق، المراد من مجمل القرآن، وعامة، ومطلقة، ومشكلة… الخ كما صرح بذلك القرآن الكريم فى قوله تعالى : }وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون{()0
فهل يعقل أو يقبل بعد ذلك أن يكون هذا البيان النبوى غير ملزم؛ ولا واجب الاتباع؟! وما فائدة تنويه القرآن إلى هذا البيان النبوى حينئذ؟! وما قيمة المبين (القرآن) مع عدم حجية البيان (السنة)؟ إن البيان النبوى (السنة المطهرة) متى صح تكون منزلته، ومنزلته القرآن، سواء بسواء فى حجيته، ووجوب العمل به؛ وعلى هذا انعقد إجماع من يعتد به من علماء الأمة قديماً وحديثاً()0

خامساً : زعم بعضهم أن ما استقلت به السنة المطهرة من أحكام، مرفوض بحجة مخالفته للقرآن الكريم، وفيه تشويه لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بجعله مشرعاً() ويضربون أمثلة بحد المحصن "الرجم" وحد الردة "القتل"0
وهذه المزاعم يجاب عنها بما يلى :
يتفق العلماء أجمع على وجود أحكام، لم ترد فى القرآن، لا نصاً ولا صراحة، ولكنهم يختلفون خلافاً لفظياً، حول تسمية تلك الأحكام الواردة فى السنة. فالجمهور من العلماء يقولون: إن هذا هو الاستقلال فى التشريع بعينه؛ لأنه إثبات لأحكام لم ترد فى القرآن، وأن هذه الأحكام واجبة الاتباع، عملاً بعشرات الآيات التى تأمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واتباعه، وتحذر من مخالفته، وهذه الآيات جميعها() تستلزم أن يكون هناك أمور من الدين تأتى بها السنة، وهى حجة، وإلا فلا معنى للأمر بطاعته صلى الله عليه وسلم 0

أما الإمام الشاطبى() ومن نحا نحوه : فإنهم مع إقرارهم بوجود أحكام لم ترد فى القرآن إلا أنهم يقولون : إنها ليست زيادة على شئ ليس فى القرآن، وإنما هى زيادة الشرح، المستنبط من المشروح بإلهام إلهى، ووحى ربانى وتأييد سماوى، وبعبارة أخرى : هى داخلة تحت أى نوع من أنواع السنة البيانية، أو داخلة تحت قاعدة من قواعد القرآن الكريم. وهم بذلك يرون أن تلك الأحكام لا تخالف القرآن الكريم0

وفى ذلك يقول الإمام الشاطبى رداً على دعوى مخالفة الرجم للقرآن الكريم يقول : "قولهم() هذا مخالف لكتاب الله عز وجل، لأنه قضى صلى الله عليه وسلم بالرجم والتغريب() وليس للرجم ولا للتغريب فى كتاب الله ذكر، فإن كان الحديث باطلاً فهو ما أردنا، وإن كان حقاً فقد ناقض كتاب الله بزيادة الرجم والتغريب. يقول الشاطبى : فهذا اتباع للمتشابه، لأن الكتاب فى كلام العرب، وفى الشرع يتصرف على وجوه منها : الحكم والفرض كقوله تعالى : }كتاب الله عليكم{() أى فرض الله عليكم وقوله : }كتب عليكم الصيام{() أى فرض عليكم، وكذا قوله }وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال{() فكان المعنى : "لأقضين بينكما بكتاب الله" أى بحكم الله وفرضه الذى شرع لنا، ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم فى القرآن، كما أن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم الكتاب بأحد المحامل من غير دليل اتباع لما تشابه من الأدلة"()0
ثم قال الإمام الشاطبى : "وقول من زعم() أن قوله تعالى فى الإماء : }فإن أتين بفاحشة
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب{() لا يعقل مع ما جاء فى الحديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم رجم، ورجمت الأئمة بعده()؛ لأنه يقتضى أن الرجم ينتصف، وهذا غير معقول، فكيف يكون نصفه على الإماء؟ هذا ذهاباً منهم إلى أن المحصنات هن ذوات الأزواج، وليس كذلك، بل المحصنات هنا المراد بهن الحرائر، بدليل قوله أول الآية : }ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات{() وليس المراد هنا إلا الحرائر؛ لأن ذوات الأزواج لا تنكح"()0
قلت : وكذلك حد الردة الذى يزعمون أنه يناقض القرآن الكريم تجد أصله فى كتاب الله عز وجل، وتأمل قوله تعالى : }إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا{() والمحاربة والإفساد يكون باليد وباللسان، بل إن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعى فى الأرض لفساد الدين باللسان أوكد، ومن هنا كان المرتد عن دين الإسلام، المحارب لله ورسوله، أولى باسم المحارب المفسد من قاطع الطريق. ويؤيد أن المحارب لله ورسوله باللسان قد يفسر بالمحارب قاطع الطريق، ما رواه أبو داود فى سننه مفسراً لقوله صلى الله عليه وسلم : "التارك لدينه المفارق للجماعة"() عن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصان، فإنه يرجم، ورجل خرج محارباً لله ورسوله، فإنه يقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفساً فيقتل بها"()0
ويؤيد أن المرتد عن دين الإسلام، المشكك والطاعن فى كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، محارب لله ورسوله، وتشمله الآية الكريمة ما روى عن أنس، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم. أن آية المحاربة نزلت فى قوم عرينة : سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله0

فعن ابن عمر : أن ناساً أغروا على إبل النبى صلى الله عليه وسلم ، فاستقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مؤمناً، فبعث فى آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَلَ أعينهم، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة()0

ويدل أيضاً على قتل المرتد قوله تعالى : }لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً{()0
قال الحسن البصرى() : أراد المنافقون أن يظهروا ما فى قلوبهم من النفاق، فأوعدهم الله فى هذه الآية، فكتموه وأسروه() وهذا يعنى : أن المنافق حين يظهر كفره، ويطعن فى دين الله عز وجل؛ يأخذ ويقتل عقاباً له0

والسؤال هنا : هل هناك شك فى أن المرتد عن دين الإسلام منافق؟ يسعى إلى تفريق جماعة المسلمين، وإفساد دينهم عليهم!0
إن المرتد، إن كانت ردته بينه وبين نفسه، دون أن ينشر ذلك بين الناس، ويثير الشكوك فى قلوبهم، فلا يستطيع أحد أن يتعرض له بسوء، فالله وحده هو المطلع على ما تخفى الصدور. أما إذا أظهر المرتد عن دين الإسلام ردته، وأثار الشكوك فى نفوس المسلمين بالنطق بكلمة الكفر، وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كان حاله حينئذ، حال المنافق الذى يظهر ما فى قلبه من الكفر والنفاق، و جهاده واجب عملاً بقوله تعالى : }يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير. يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً فى الدنيا والآخرة وما لهم فى الأرض من ولى ولا نصير{()0

ووجه الدليل فى الآيتين : أن الله عز وجل، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بجهاد المنافقين كما أمره بجهاد الكافرين، وأن جهادهم إنما يمكن إذا ظهر منهم، من القول أو الفعل ما يوجب العقوبة، فإنه ما لم يظهر منهم شئ ألبتة لم يكن لنا سبيل عليهم. فإذا ظهر منهم كلمة الكفر. كما قال عز وجل: }وكفروا بعد إسلامهم{ فجهادهم بالقتل؛ وهو العذاب الأليم الذى توعدهم به رب العزة فى الدنيا بقوله : }وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً فى الدنيا والآخرة{0

وهذه الآية نظير قوله تعالى : }قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا{() قال أهل التفسير : "أو بأيدينا" بالقتل؛ إن أظهرتم ما فى قلوبكم قتلناكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يبطنونه من النفاق بأيدينا لا يكون إلا بالقتل لكفرهم()0

فهل بعد كل هذه الآيات الكريمات شك فى أن المرتد عن الإسلام إذا أظهر كلمة الكفر مثل المنافق جزاؤه القتل بصريح القرآن الكريم؟! وهل بعد ذلك شك فى أن حد الردة الوارد فى السنة المطهرة لا يناقض القرآن الكريم؟!0
إن ما زعمه أدعياء العلم، من مخالفة حد الرجم، وحد الردة، لكتاب الله عز وجل، زعم باطل، فتلك الأحكام الجديدة التى جاءت بها السنة المطهرة، هى تبيان لكتاب الله عز وجل، ولا تخالفه على ما سبق، وهذا على رأى من لا يسمى الأحكام الزائدة أو الجديدة فى السنة استقلالاً. أما من يسميها استقلالاً، فيقر بها، ويرى أنها واجبة الاتباع، عملاً بنص القرآن على وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووجوب قبول كل ما أخبر به أو قضى به0

وأنت ترى هنا أن الخلاف بين العلماء فى الأحكام الجديدة الواردة فى السنة المطهرة، الخلاف بينهم لفظى، فالكل يعترف بوجود أحكام فى السنة المطهرة، لم تثبت فى القرآن الكريم، ولكن بعضهم لا يسمى ذلك استقلالاً، والبعض الآخر يسميه. والنتيجة واحدة؛ وهى حجية تلك الأحكام الزائدة،ووجوب العمل بها0

ب- ليس فى الأحكام الزائدة على كتاب الله عز وجل، ما يشوه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بجعله مشرعاً؛ كما يزعم أعداء السنة المطهرة! لأن الله تعالى قد جعل من جملة صفات رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن مهامه الكبار، أنه يحلل ويحرم، وهكذا جاء وصفه صلى الله عليه وسلم فى الكتب السماوية السابقة، وهو عليه الصلاة والسلام، لا يشرع من عند نفسه، إنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه، لأنه لا ينطق عن الهوى، وتأمل قوله تعالى : }الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون{()0

فقوله تعالى : "يحل، يحرم، يضع" هذه من خصائص المشرع الحقيقى، ولكنه صلى الله عليه وسلم ، لا يفعل من عند نفسه كما قلت، إنما يوحى الله تعالى إليه. فأطايب اللحم، كان محرماً على بنى إسرائيل : }إلا ما حرم إسرائيل على نفسه{() فقد أباحه النبى صلى الله عليه وسلم ، كلحم الإبل، وشحم البقر، والغنم، على التفصيل المذكور فى قوله تعالى : }وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون{()0

وقوله تعالى : }ويحرم عليهم الخبائث{ كالميتة، والخنزير، والخمر، والربا… الخ وقوله تعالى : }ويضع عنهم إصرهم{ أى ثقلهم }والأغلال{ أى القيود التى كانت عليهم، كوجوب قتل النفس فى التوبة، بينما فى ديننا هو الاستغفار والندم، وغسل النجاسة بالماء، بينما كانت تقرض بالمقراض، فهذا كله تخفيف من الله تعالى ورحمة، أوحى به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعلينا السمع والطاعة والامتثال0

وبالجملة : إذا قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، له حق التشريع، فمرد هذا التشريع عند من يقول بذلك إلى الله عز وجل. لأن ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبيانه لكتاب الله، لا يخلو عن أن يكون هذا البيان النبوى – حتى ولو كان بأحكام زائدة – أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعبر عنه رسول الله، بألفاظ من عنده، وهذا هو الأعم الأغلب فى السنة النبوية، فيجب قبوله، لما تقرر من عصمته صلى الله عليه وسلم فى بلاغه لوحى الله تعالى – قرآناً وسنة – وإما أن يقول رسول الله تبياناً أو حكماً باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله أو حكمه مراد الله عز وجل، فالأمر كما أخبر به عليه الصلاة والسلام. وإن كان الأمر يحتاج إلى صحيح أو توضيح؛ أوحى الله تعالى إلى نبيه بالتصحيح. وهذا هو الأقل النادر فى السنة النبوية0

وبهذا التصحيح تصبح السنة فى هذه الحالة؛ حكم الله فى النهاية، حجة على العباد إلى يوم الدين، وتجب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فى هذه السنة، بيانية كانت، أو زائدة على كتاب الله عزوجل. يدل على ذلك عشرات الآيات القرآنية التى تحض على طاعته صلى الله عليه وسلم وتحذر من مخالفته0

وإذا كان أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، ينكرون ذلك. ويزعمون أن طاعته صلى الله عليه وسلم تنحصر فى القرآن فقط0
فإلى بيان شبهتهم فى المطلب التالى والرد عليها

المطلب الثالث
شبهة أنه لا طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى القرآن فقط
والرد عليها

فى الوقت الذى يتمسح فيه من يسمون أنفسهم (القرآنيون) بظاهر القرآن ويستدلون به على أن مهمة الرسول الوحيدة فى رسالته هى تبليغ القرآن فقط؛ إذ بهم يجدون أنفسهم فى مأزق من كتاب الله عز وجل الذى يصرح بأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بياناً للقرآن الكريم، وهو بيان حجة، وواجب الاتباع، بنص عشرات الآيات القرآنية، التى تحض على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، طاعة مطلقة؛ فى كل ما يأمر به، وينهى عنه، وتحذر من مخالفته0

ولأن هذه الآيات تفضح إفكهم وتبطل شبهاتهم من جذورها، فقد تعسفوا فى تأويل تلك الآيات، بما يتفق وإنكارهم لأن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، سنة مطهرة، واجبة الاتباع. فزعموا : أن كلمة (الرسول) فى القرآن تعنى القرآن، وأن طاعة الرسول الواردة فى القرآن إنما تعنى : طاعة القرآن فقط، أو بعبارة أخرى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه من القرآن فقط0

يقول أحمد صبحى منصور : "كلمة الرسول فى بعض الآيات القرآنية تعنى القرآن بوضوح شديد كقوله تعالى : }ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله{()*0

يقول أحمد صبحى : فالآية تقرر حكماً عاماً مستمراً إلى قيام الساعة بعد وفاة محمد. فالهجرة فى سبيل الله وفى سبيل رسوله أى القرآن، قائمة ومستمرة بعد وفاة النبى محمد وبقاء القرآن أو الرسالة، وأحياناً – ولازال الكلام له – تعنى كلمة "الرسول" القرآن فقط، وبالتحديد دون معنى آخر كقوله تعالى : }لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً{()* فكلمة "ورسوله" هنا : تدل على كلام الله فقط، ولا تدل مطلقاً على معنى الرسول محمد. والدليل أن الضمير فى كلمة "ورسوله" جاء مفرداً، فقال تعالى : }وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً{ والضمير المفرد يعنى : أن الله ورسوله أو كلامه، ليسا اثنين، وإنما واحد، فلم يقل : "وتعزروهما وتوقروهما وتسبحوهما بكرة وأصيلا"، ويقول تعالى : }يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه{()* ولو كان الرسول فى الآية يعنى : شخص النبى محمد لقال تعالى : "أحق أن يرضوهما" ولكن الرسول هنا يعنى فقط كلام الله، لذا جاء التعبير بالمفرد، الذى يدل على الله تعالى وكلامه"()*0
ويقول فى موضع آخر : "أما أقوال الرسول، فهى القرآن دين الله، وقد أبلغه الرسول دون زيادة ولا نقصان، وفيه الكفاية، وفيه التفصيل، وفيه البيان، إن طاعة الرسول هى طاعة القرآن الذى أنزله الله على الرسول، ولا يزال الرسول أو القرآن بيننا"()*0

وقال قاسم أحمد()* : "يبدو جلياً أن طاعة الرسول تعنى طاعة الله، لأن الرسول ليس سلطة مستقلة، فهو كرسول له حق التبليغ، تبليغ الرسالة، وطاعته من طاعة الله، وكما ذكر فى القرآن فى مرات عديدة }ما على الرسول إلا البلاغ{()* يعنى : ملاحظة أن القرآن استخدم كلمة الرسول، ولم يقل "محمد" إذن فالطاعة للرسول أى الرسالة التى أرسل بها من قبل الله … فمثل هذه الآيات التى تتضمن أن طاعة الله مقترن بها طاعة الرسول، تفسرها آيات أخرى تتضمن أن الطاعة واجبة فقط لله"()*0
ويجاب عن ما سبق بما يلى :
أولاً : تعسف أعداء رسول الله، فى تأويل كلمة "الرسول" فى كتاب الله عز وجل بأنها القرآن الكريم، دون شخص النبى محمد صلى الله عليه وسلم ، أمر برفضه القرآن الكريم، وتأمل معى الآيات التالية:
1- قال تعالى : }وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل{()* فهل يصح من عاقل؛ أن يفسر كلمة الرسول فى الآية بأنها القرآن؟! ويكون المعنى : وما محمد إلا قرآن قد خلت من قبله القرآن أو الرسل؟!0
2- وقال عز وجل }ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً{()* فهل يصح من أعداء الإسلام تأويل "ورسوله" بمعنى "وقرآنه" وبالتالى ينكرون ما هو ثابت بالتواتر من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة؟! تلك الهجرة التى كانت واجبة قبل فتح مكة، حتى أن الله سبحانه وتعالى نهى عن اتخاذ من لم يهاجر ولياً حتى يهاجر، كما قال عز وجل : }إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا{()* فهل حديث القرآن عن الهجرة فى هذه الاية وغيرها، يعنى : الهجرة إلى القرآن؟!0
كيف وقوله تعالى : }ومن يخرج من بيته مهاجراً{ صريح فى أنها هجرة حقيقية، من مكان إلى مكان، وهو الثابت تاريخياً؛ من هجرة رسول الله من مكة إلى المدينة، وهجرة الصحابة بعد ذلك إليه صلى الله عليه وسلم وهو ما يؤكد أن قوله "ورسوله" تعنى شخص النبى محمد صلى الله عليه وسلم 0
3- وقال سبحانه : }يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل{()* فهل يصح أو يعقل أن يكون المراد بالآية : آمنوا بالله وكتابه – والكتاب الذى نزل على قرآنه؟!0
4- وقال تعالى : }الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون. قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعاً الذى له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون{()*0
إن هاتين الآيتين تفيدان مع سابقتهما، أن كلمة "الرسول" مراداً بها شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يصح بحال أن تفسر كلمة "الرسول، بأنها القرآن، كما يزعم الأدعياء. فتكون الآية هكذا : "الذين يتبعون القرآن النبى الأمى" و"قل يا أيها الناس إنى قرآن الله إليكم جميعاً" و"فآمنوا بالله وقرآنه النبى الأمى"()*0
إن الآيات السابقة كلها تصرح فى وضوح وجلاء لمن عنده عقل، أن كلمة "الرسول" إنما تعنى شخص النبى محمد صلى الله عليه وسلم ، وفى الآيات أيضاً الدلالة الواضحة على وجوب اتباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة فى كل ما يأمر به، وينهى عنه، حتى ولو كان خارجاً عن القرآن الكريم بدلالة (ويحل، ويحرم، ويضع) فى قوله : }ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم{ وتصرح الآيات بأن فى هذا الاتباع والطاعة له صلى الله عليه وسلم ، الفلاح والهداية إلى طريق مستقيم : }واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون{ }واتبعوه لعلكم تهتدون{0
كما تصرح الآيات بأن الإيمان بشخص النبى محمد صلى الله عليه وسلم وبرسالته، جزء لا يتجزأ من الإيمان بوجود الله تعالى، وبإفراده بالعبودية والألوهية }فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى{ وبدلالة هذا الإيمان كانت طاعته صلى الله عليه وسلم ، طاعة لله عز وجل }من يطع الرسول فقد أطاع الله{()* وتأمل إفراد الضمير فى قوله : "واتبعوه" بعد أن فرق وغاير بواو العطف بين الإيمان به تعالى، والإيمان به صلى الله عليه وسلم ، ليدل على أن اتباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم ، اتباع وطاعة له عز وجل. لأن المشكاة واحدة – فى القرآن والسنة – وهى : }وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى{()*0
وبالتالى : فإفراد الضمير فى قوله : "واتبعوه" لا يعنى كما يزعم أعداء عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأنه اتباع وطاعة للقرآن فقط. لأن زعمهم هذا بنوه على تفسير كلمة "الرسول" فى الآيات بمعنى القرآن، وقد تبين لك فساد وبطلان هذا التفسير0
ثانياً : زعم أدعياء العلم والفتنة؛ بأنه لا طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فى القرآن فقط، أمر يرفضه ويبطله القرآن الكريم الذى بين فى مواضع عدة أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أوامر ونواهى، وأحكام، خارج القرآن الكريم، وهى واجبة الاتباع مثل القرآن الكريم سواء بسواء، من ذلك ما يلى :
1- قوله تعالى : }سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم{()* فهذه الآية الكريمة تدلنا على أن التوجه إلى بيت المقدس، كان مشروعاً من قبل، وكان ذلك التوجه حقاً وصواباً واجباً عليهم قبل التحول إلى الكعبة. فأين ذلك كله فى القرآن الكريم؟ ألا يدلك ذلك على أن النبى صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه كانوا عاملين بحكم وأمر، لم ينزل بوحى القرآن، وأن عملهم هذا كان حقاً وواجباً عليهم الطاعة فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! ولا يصح أن يقال : إن عملهم هذا كان بمحض عقولهم واجتهادهم. إذ العقل لا يهتدى إلى وجوب التوجه إلى قبلة "ما" فى الصلاة، فضلاً عن التوجه إلى قبلة معينة، وفضلاً عن أن النبى صلى الله عليه وسلم ، كان أثناء صلاته إلى بيت المقدس راغباً كل الرغبة فى التوجه إلى الكعبة المشرفة : }قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام{()* إذن : كان التوجه إلى بيت المقدس بوحى غير القرآن وهو وحى السنة المطهرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مطاعاً فى ذلك الوحى. بل : }وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه{()* فتدبر0
2- وقال تعالى : }وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم{()* أفادت هذه الآية أن أمر النبى هو أمر الله، ولو كان خارج القرآن، لأن النبى صلى الله عليه وسلم ، رأى أن يزوج زينب لزيد، على ما رواه الطبرانى بسند صحيح عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم ، خطب زينب وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، واستنكفت، وقالت : أنا خير منه حسباً. فأنزل الله تعالى : }وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم{ فرضيت وسلمت"()*0

فتأمل : كيف أن المولى عز وجل، جعل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أمره تعالى وأتى بصيغة عامة تشمل جمع أوامره صلى الله عليه وسلم . فالآية تصفع أولئك المبتدعة الذين يقصرون طاعة النبى صلى الله عليه وسلم على ما كان فى القرآن، ومتعلقاً بالدين! وزواج زينب بزيد لم يأمر به القرآن، ولا علاقة له بالدين. فإن تمسكوا بقول النبى صلى الله عليه وسلم فى مسألة تأبير النخل! "أنتم أعلم بأمور دنياكم"()* فلا حجة لهم فيه؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمر بترك التأبير، وإنما قال : "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً" فأبدى رأياً مجرداً()* وليس كلامنا فيه، إنما كلامنا فيما أفادته الآية من وجوب اتباع أمره صلى الله عليه وسلم دينياً كان أو دنيوياً، مع تذييلها بقوله تعالى : }ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً{()*0
وقال تعالى : }ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم{()* أفادت هذه الآية أن أمر النبى صلى الله عليه وسلم ، هو أمر الله عز وجل، ولو كان خارج القرآن، لأن النبى صلى الله عليه وسلم يوم أحد، أخبر أصحابه بنصر الله لهم فى المعركة، وأمر الرماة يومئذ بألا يتحركوا من مكانهم بأى حال من الأحوال سواء هزموا أو انتصروا، وذلك فى قوله صلى الله عليه وسلم : "لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا"()* وفى رواية : "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا"()* ولكن الرماة ما إن رأوا هزيمة أهل الشرك وجمع المسلمين الغنائم إلا تركوا مكانهم وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباً للغنيمة، فكانت نتيجة مخالفة الأمر الهزيمة بعد النصر0
وتأمل قوله تعالى : }حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم{ يتبين لك أن عدم طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة، ومخالفته فى أوامره ونواهيه، عصيان، عاقبته الفشل فى الدنيا، والعذاب الأليم فى الآخرة0
وقال تعالى : }ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين{()* فالآية الكريمة تصرح بأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخيل بنى النضير وتحريقها، إنما هو بإذن الله تعالى. فأين هذا الإذن والأمر فى كتاب الله عز وجل؟!0
أليس فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! وأن تلك السنة يجب طاعته صلى الله عليه وسلم فيها، حيث وصفت بأنها بإذن الله تعالى؟ على ما روى فى سبب نزول هذه الآية عن ابن عمر رضى الله عنهما قال : "حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نخل بنى النضير وقطع، وهى : البويرة()* فنزلت : }ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله{()* فهل بقى للمتنطعين القاصرين طاعته صلى الله عليه وسلم على القرآن فقط من حجة؟!0
وقال عز وجل : }إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم{()* فتأمل كاف الخطاب المراد بها شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل يفسرها الأدعياء هنا بالقرآن؟ وتأمل كيف أن بيعة الرضوان، وكل ما حدث فيها من أوامر ونواهى، من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خارج القرآن،وطاعة الصحابة رضى الله عنهم لتلك الأوامر والنواهى! ()* وكيف وصفت تلك البيعة البيعة بأنها مبايعة لله تعالى، وأن يده فوق أيدى أصحاب البيعة! مما يفيد أن مبايعة رسول الله، مبايعة لله، وطاعته طاعته، وأن كل ما يصدر عن النبى صلى الله عليه وسلم ، خارج القرآن، هو بإذن الله؛ بوحى غير متلو فى السنة المطهرة، مما يجب الامتثال له، حيث يرضاه الله تعالى وتأمل : }لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة{()* فإنها تؤيد ما سبق، حيث أن رضاه عز وجل عم الأشخاص الذين أطاعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى البيعة، كما عم رضاه سبحانه مكان مبايعتهم0

وقال تعالى : }إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما آراك الله{()* فالآية صريحة فى توجيه الخطاب إلى شخص النبى محمد صلى الله عليه وسلم ، "إليك" "لتحكم" "أراك" فهل يزعم أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن الخطاب فى الآية للقرآن وليس لشخصه الكريم؟!0

ثم تأمل ما فى الآية من التصريح بأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حكماً بين الناس، والحكم أمر زائد على مجرد القانون الذى يحكم به! وهذا الحكم النبوى وصف بأنه وحى إلهى }بما أراك الله{ أليس فى الآية تصريح بأن لهذا النبى الكريم طاعة واجبة خارج القرآن، فيما يحكم به مما جاء فى سنته؟!0
وقال سبحانه : }والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم{()* فهذه الآية الكريمة تصرح فى وضوح وجلاء، بوجوب الإيمان بكل ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه شيئان (الكتاب والحكمة) كما صرح رب العزة بقوله : }واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به{()* وقال : }وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما{()* وقد سبق قريباً تفسير الكتاب والحكمة، وتفصيل الأدلة على أن الحكمة فى الآيتين وغيرهما بأنها السنة النبوية. إذن بصريح الآية الثانية من سورة محمد فإن له صلى الله عليه وسلم طاعة خارج القرآن، وذلك فيما أنزل عليه من السنة المطهرة0

وتأمل : ذكر اسمه (محمد) مجرداً وصريحاً ليكون أبلغ رد على المتنطعين المتأولين كلمة "الرسول" بمعنى القرآن!0

وقال تعالى : }ثم إن علينا بيانه{()* وقال : }وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون{()* فهاتان الآيتان تصرحان بأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، تبياناً لكتاب الله عز وجل، وهو تبيان إلهى بنص آية القيامة، وهذا البيان إنما جاء على لسانه صلى الله عليه وسلم فتجب طاعته فيه، لأنه أمر زائد على مجرد بلاغ المبين وهو القرآن الكريم على ما سبق تفصيله فى المطلب السابق0
وبعد : فإذا ثبت لك بصريح القرآن الكريم، أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أوامر ونواهى وأحكام، خارج كتاب الله عز وجل، وأن هذه الأوامر والنواهى والأحكام هى بيانه للقرآن، وهو بيان منزل من عند الله عز وجل دل ذلك على أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، طاعة واجبة لهذا البيان مع طاعته لكتاب الله تعالى0
كما دل ذلك على أن عشرات الآيات القرآنية التى تتحدث عن طاعته صلى الله عليه وسلم إنما تعنى إطاعة شخصه الكريم فيما يبلغ من وحى الله تعالى قرآناً وسنة؛ وليس كما يزعم أعداء عصمته صلى الله عليه وسلم ، طاعته فى القرآن فقط. وإليك نماذج من تلك الآيات0

ثالثاً : الأدلة من القرآن الكريم على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم :
اشتدت عناية القرآن الكريم بتلك المسألة، فوجه إليها آيات كثيرة، تنوعت بين آيات تأمر فى وضوح بوجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم ، وبين آيات أخرى تأمر بوجوب طاعته صلى الله عليه وسلم ، طاعة مطلقة، فيما يأمر به وينهى عنه، وبين آيات أخرى، تنهى عن مخالفته صلى الله عليه وسلم ، وتحذر من ذلك0

واستعراض تلك الآيات أمر يطول، ولذا سوف أكتفى ببعض هذه الآيات فقط، مع بيان دلالتها على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم 0
قال تعالى : }يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل{()*0
وقال سبحانه : }فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون{()*0

قال الإمام الشافعى : "فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذى ما سواه تبع له، الإيمان بالله ثم برسوله، فلو آمن عبد به تعالى ولم يؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم : لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً، حتى يؤمن برسوله معه()*، وبمقتضى هذا الإيمان وجبت طاعته صلى الله عليه وسلم ، فى كل ما يبلغه عن ربه، سواء ورد ذكره فى القرآن أم لا0

وتأمل كيف جاء الأمر باتباعه }واتبعوه لعلكم تهتدون{ عقب الأمر بالإيمان به صلى الله عليه وسلم ، تأكيداً على وجوب اتباعه. وإلا فإن الاتباع داخل فى الإيمان، ولكن أفرد بالذكر هنا : تنبيهاً على أهميته وعظم منزلته؛ وإذا كانت المتابعة بالإتيان بمثل فعل الغير، ثبت أن الانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل، طاعة له وانقياد لحكم الله تعالى()*0

ومن أهم الآيات دلالة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم ، قوله تعالى : }فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما{()* يقول ابن قيم الجوزية : "أقسم سبحانه بنفسه، وأكده بالنفى قبله على نفى الإيمان عن العباد، حتى يحكموا رسوله فى كل ما شجر بينهم، من الدقيق والجليل، ولم يكتف فى إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده، حتى ينتفى عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضاً بذلك حتى يسلموا تسليماً، وينقادوا انقياداً"()* ويقول أيضاً : "وفرض تحكيمه، لم يسقط بموته، بل ثابت بعد موته، كما كان ثابتاً فى حياته، وليس تحكيمه مختصاً بالعمليات دون العلميات كما يقوله أهل الزيغ والإلحاد"()*0
وقال سبحانه : }يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً{()* ودلالة الآية على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم من عدة وجوه :

الوجه الأول : النداء بوصف الإيمان فى مستهل الآية : }يا أيها الذين آمنوا{ ومعنى ذلك : أن المؤمنين لا يستحقون أن ينادوا بصفة الإيمان، إلا إذا نفذوا ما بعد النداء، وهو طاعة الله تعالى، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأولى الأمر0

الوجه الثانى : تكرار الفعل "أطيعوا" مع الله تعالى، ومع رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتكرار ذلك فى آيات كثيرة كقوله : }وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا{()* وقوله : }وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون{()*0

يقول الإمام الشاطبى : "تكراره الفعل "وأطيعوا" يدل على عموم الطاعة بما أتى به مما فى الكتاب، ومما ليس فيه مما هو من سنته"()* وقال العلامة الألوسى : "وأعاد الفعل : و"أطيعوا" وإن كان طاعة الرسول مقرونة بطاعة الله تعالى، واعتناء بشأنه صلى الله عليه وسلم ، وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس فى القرآن، وإيذاناً بأن له صلى الله عليه وسلم ، استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد فى قوله : }وأولى الأمر منكم{ إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم ()* بل طاعتنا لهم مرتبطة بطاعتهم هم لله ورسوله، فإن هم أطاعوا الله ورسوله فلهم علينا حق السمع والطاعة، وإلا فلا. لأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق"()*0
ومما هو جدير بالذكر هنا : أن فرض الله تعالى، طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليست له وحده، بل هى حق الأنبياء جميعاً. قال تعالى : }وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله{()* فرب العزة يقرر هنا قاعدة : أن كل رسول جاء من عنده تعالى يجب أن يطاع0

وقال سبحانه على لسان كثير من رسله أنهم طلبوا من أممهم أن يطيعوهم : فقال سبحانه على لسان نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وعيسى، أن كل واحد منهم قال لقومه : }فاتقوا الله وأطيعون{()* إنهم رسل الله إلى خلقه، كلفهم بالتبليغ وعصمهم فيه، فوجب على الخلق أن يطيعوهم؛ ولماذا لا يطاع هذا الرسول، الذى جاء بالمنهج الذى يصلح الخلل فى تلك البيئة التى أرسل إليها؟ إن عدم الطاعة حينئذ؛ هو نوع من العناد والجحود والتكبر0

كما أن فى عدم الطاعة اتهاماً للرسالة بالقصور، واتهاماً للرسول فى عصمته من الكذب فى كل ما يبلغه عن ربه من كتاب وسنة0

الوجه الثالث : فى آية النساء، دلالة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم ، قوله تعالى : }فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول{ فالرد إلى الله تعالى، هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، هو الرد إليه نفسه فى حياته، وإلى سنته بعد وفاته()* وعلى هذا المعنى إجماع الناس كما قال ابن قيم الجوزية()* وتعليق الرد إلى الله ورسوله على الإيمان }إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر{ يعنى : أن الذين يردون التنازع فى مسائل دينهم وحياتهم، دقها وجلها، جليها وخفيها؛ إلى كتاب الله عز وجل، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، هم فقط المؤمنون حقاً؛ كما وصفتهم بذلك الآية الكريمة، أما غيرهم فلا ينطبق هذا الوصف عليهم0
ثم يحدثنا الله تعالى بعد هذه الآية مباشرة، عن أناس يزعمون أنهم يؤمنون بالله ورسوله، ومقتضى هذا الإيمان أن يحكموا كتاب الله، وسنة رسوله فى كل شئون حياتهم، ولكنهم لا يفعلون ذلك، وإنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، مع أنهم قد أمورا أن يكفروا به0

قال تعالى : }وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا{()* ففى نهاية الأمر، حكم الله تعالى على من يعرض عن حكمه، وحكم رسوله، ويتحاكم إلى الطواغيت بأنهم منافقون()*0

قال تعالى : }من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً{()* فقد عبر بالمضارع "يطع" وهو الذى يقتضى الحال والمستقبل، وعبر بالماضى "أطاع" الذى يدل على الوقوع والتحقق. فمن أطاع رسوله صلى الله عليه وسلم حالاً، فقد وقعت طاعته قبل ذلك طاعة لله تعالى، لأن الله تعالى هو الذى أرسله، وأمر بطاعته، لذا فمن أطاعه صلى الله عليه وسلم ، كان فى الحقيقة مطيعاً لمرسله قبل أن يطيعه صلى الله عليه وسلم ، ومن عصاه صلى الله عليه وسلم ، كان فى الحقيقة عاصياً لمرسله قبل أن يعصيه صلى الله عليه وسلم ، لأنه عز وجل مرسله، وأوجب طاعته، وحرم معصيته()*0
وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم فى جميع الأوامر والنواهى، وفى كل ما يبلغه عن الله تعالى، لأنه لو أخطأ فى شئ منها لم تكن طاعته طاعة لله عز وجل()*0
وأختم المطاف من الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة فيما يأمر به، وينهى عنه، بقوله عز وجل : } وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{()* وهناك آيات كثيرة لم أتعرض لذكرها خشية الإطالة. فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الآيات التى تحذر من معصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتنهى عن مخالفته تجدها كثيرة، وأشير إلى بعضها فيما يلى:
قال سبحانه : }وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين{()* فهذا التحذير الشديد من رب العزة : "واحذروا" "فإن توليتم" يدل على خطورة الإعراض والمخالفة، وأن النبى صلى الله عليه وسلم ، لن يتضرر هو نفسه بإعراض من أعرض، لأنه صلى الله عليه وسلم ما عليه إلا البلاغ المبين، وقد أبلغ، وقد بين، وأشهدعلى ذلك، وإنما الذى يتضرر هو المعرض المخالف العاصى وإذا عرف العاقل المدرك، أن الذى يتوعد ويحذر هو ربه عز وجل، فكيف يكون تمسكه بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ؟!0
وقال سبحانه : }فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم{()* وفى تفسير هذه الآية يسوق ابن العربى بإسناده عن سفيان بن عيينة قال : سمعت مالك بن أنس – وأتاه رجل – فقال : يا أبا عبد الله، من أين أحرم؟ قال : من ذى الحليفة()* من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنى أريد أن أحرم من المسجد، فقال : لا تفعل. قال : إنى أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال : لا تفعل فإنى أخشى عليك الفتنة. قال : وأى فتنة فى هذا؟ إنما هى أميال أزيدها. قال : وأى فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ! إنى سمعت الله يقول : }فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم{()*0

هذا وفى الآية دلالتها الصريحة على وجود طاعة استقلالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سنه، مما لم يرد فى القرآن الكريم؛ لأنه لو كان الأمر قاصراً على ما جاء به من القرآن فقط، كما يزعم أعداء عصمته صلى الله عليه وسلم ، لما كان للتحذير من مخالفته فى أمره أى جديد!0
وقال تعالى : }ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين{()*0
وقال سبحانه : }فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا{()*0

وقال عز وجل : }إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم{()*0

وقال تعالى : }إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين{()*0
وقال سبحانه : }إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك فى الأذلين{()*0

إن الآيات السابقة تصرح بأن مخالفة كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعدم طاعته، والطعن والتشكيك فى تلك الطاعة، يدخل النار، ويورث الذل، والخزى، والفتنة، والكبت، ويحبط العمل. فليختر المرء لنفسه ما يشاء0

وبعد : فهذه نماذج من الآيات القرآنية التى تأمر فى وضوح وجلاء بوجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة، وتحذر من مخالفته وهناك آيات أخرى كثيرة تنوعت فى أسلوبها فى الحض على اتباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم ، لم أتعرض لها خشية الإطالة()* فما ذكر فيه الكفاية لكل عاقل أهـ0


رابعاً : الأدلة من السنة المطهرة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم :
حث النبى صلى الله عليه وسلم أمته على طاعته، وامتثال أمره، واتباع ما جاء به، والسير على سنته المطهرة، والاقتداء به فى كل ما جاء به عن ربه عز وجل0

وأحاديثه صلى الله عليه وسلم فى هذا المجال أعطت للأمة توجيهات عظيمة متى ساروا عليها وامتثلوا ما فيها، واستناروا بها، تحققت لهم سعادة الدارين وفازوا وأفلحوا بإذن الله تعالى0

وقد امتازت الأحاديث فى هذا الشأن بكثرتها وتنوع عبارتها، وتعدد أساليبها، واشتمال بعضها على الأمثلة التى ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته فى هذا الشأن، ومما لا شك فيه أن هذه المميزات زادت الأمر توكيداً وتوضيحاً وبياناً، بحيث أنها لم تدع مجالاً لمتأول يأولها، أو محرف يغير معناها بهواه، ورأيه الفاسد0

وهذه الأحاديث على تنوع عبارتها وتعدد أساليبها، اتحدت جميعها فى مضمون واحد : هو التأكيد على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم واتباع ما جاء به، والترغيب فى ذلك، إضافة إلى التحذير من مخالفته، وتحريم معصيته، وبيان الوعيد الشديد فى ذلك0

والخطاب فى تلك الأحاديث شامل لكل من كان فى عصره صلى الله عليه وسلم ، ومن سيأتى بعده إلى يوم القيامة0
وسأشير هنا إلى طرف من تلك الأحاديث مع بيان ما فيها من توجيهات وإرشادات تنير الطريق للسالكين الراغبين بالفوز برضى الله وجنات النعيم()*0
قوله صلى الله عليه وسلم : "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان، متكئ على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا كل ذى مخلب من الطير، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله ان يعقبهم بمثل قراه" وفى رواية : "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنى وهو متكئ على أريكته، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله"()*. فقوله : "يوشك رجل شبعان… الخ" يحذر بهذا القول من عدم طاعته صلى الله عليه وسلم ، مما جاء به وليس له فى القرآن ذكر، وهو مما يؤكد ما سبق ذكره من الآيات، من أن له صلى الله عليه وسلم ، طاعة استقلالية. وفى الحديث : معجزة ظاهرة للنبى صلى الله عليه وسلم ، فقد ظهرت فئة فى القديم والحديث، تدعوا إلى هذه الدعوة الخبيثة، وهى الاكتفاء بما جاء فى القرآن الكريم، دون ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة، وعدم طاعته فيه. وهدفهم من ذلك هدم نصف الدين، وإن شئت فقل هدم الدين كله. حاسبهم الله بما يستحقون0
وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أنه كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع نفر من أصحابه، فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : "يا هؤلاء ألستم تعلمون أنى رسول الله إليكم؟" قالوا : بلى، نشهد أنك رسول الله. قال : "ألستم تعلمون أن الله أنزل فى كتابه: من أطاعنى فقد أطاع الله؟" قالوا : بلى، نشهد أن من أطاعك فقد أطاع الله، وأن من طاعة الله طاعتك، قال : "فإن من طاعة الله أن تطيعونى، وإن من طاعتى أن تطيعوا أئمتكم، أطيعوا أئمتكم، فإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً"()*0
وعن أبى هريرة رضى الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وسلم ، قال : "من أطاعنى فقد أطاع الله، ومن عصانى فقد عصى الله، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى، ومن عصى أميرى فقد عصانى"()*0
وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : جاءت ملائكة إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فقال بعضهم : إنه نائم، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلاً، قال : فاضربوا له مثلاً. فقال : بعضهم : إنه نائم، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا : مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعى دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعى لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا : أولوها له يفقهها، فقال بعضهم : إنه نائم، وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا : فالدار الجنة، والداعى محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن أطاع محمد صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، ومن عصى محمد صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس"()*0
وعن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال : يا قوم إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أن النذير العريان، فالنجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا()* فانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعنى فاتبع ما جئت به، ومثل من عصانى وكذب بما جئت به من الحق"()*0
وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "والذى نفسى بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كشراد()* البعير" قال : يا رسول الله ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال : من أطاعنى دخل الجنة، ومن عصانى فقد أبى"()*0

إن هذه الأحاديث السابقة تؤكد وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وامتثال كل ما جاء به فى سنته المطهرة0

إنها تؤكد ما ورد فى كتاب الله عز وجل، من أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طاعة ربه عز وجل، وصرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ما جاء فى حديث ابن عمر وغيره، وأشهد على ذلك أصحابه الكرام فأقروا!0
كما تؤكد هذه الأحاديث أن هذه الطاعة هى مفتاح الجنة، وسبيل النجاة الوحيد التى متى سلكها الإنسان، فاز برضى الله، وجنته، ونجى من سخطه وعذابه. أما من أبى اتباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة فهو الذى شرد شرود الجمل على أهله، وهو الذى ضيع نفسه، وأوقعها فى جهنم؛ بل هو بعدم امتثاله لهدى النبى صلى الله عليه وسلم فى سنته كأنه يقتحم بنفسه نار جهنم، كما قال عليه الصلاة والسلام : "مثلى كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب التى تقع فى النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها" قال : "فذلكم مثلى ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبونى، تقحمون فيها"()*0
فعلى المسلم أن يسلك طريق طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة، وألا يحيد عنها يميناً أو شمالاً، فهذه الطاعة هى صراط الله المستقيم الذى أمر الله باتباعه لقوله تعالى : }وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون{()*0
وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون،ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"()* فهذا الحديث يؤكد قوله تعالى : }وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله{()* فطاعة رسل الله جميعاً واجبة على أقوامهم على مر الزمان والمكان0

وهذا الحديث يبين صفة اتباع الأنبياء؛ فهم يطيعون أنبيائهم، ويأخذون بسنتهم، ويأتمرون بأمرهم، ولا يحيدون عن ذلك ولا يخالفونه إلى ما سواه0

وأما المخالفون لهم : فهم الذين يتحدثون عن الطاعة والاتباع، ولكن بالقول دون العمل، فهم الذين يقولون مالا يفعلون، وهذا الوصف ينطبق تماماً على أهل البدع المحاربين لطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سنته المطهرة، ومن هنا فهم أكثر الناس بعداً عن هدى المصطفى وما جاء به عن ربه، ومع ذلك كله فهم كثيراً ما يتمسحون بظاهر القرآن، وكلامهم عنه لا يضبطونه ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لذا فكلامهم لا يتجاوز ألسنتهم، فهم أبعد الناس عن القرآن الكريم، فصدق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم : "يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يأمرون"0
وعن العرباض بن سارية قال : "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل : يا رسول! كأن هذه موعظة مودع. فماذا تعهد إلينا؟ فقال : "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"()* وواضح من هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ، يأمرنا بطاعته واتباع سنته، ويؤكد ويشدد على اتباعها، ويحذر من البعد عنها بالابتداع فى الدين، لما فى ذلك من الضلال والانحراف عن الطريق المستقيم الذى رسمه صلى الله عليه وسلم 0
وفى الحديث بيان واضح أن من واظب على سنته صلى الله عليه وسلم وقال بها، ولم يعرج على غيرها من الآراء هو من الفرقة الناجية يوم القيامة؛ جعلنا الله منهم بمنه()*0
وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "دعونى ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم"()*0
والشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : "فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم" لقد أضاف الأمر والنهى إلى نفسه صلى الله عليه وسلم : "نهيتكم" و"أمرتكم" وهو موافق لكتاب الله عز وجل فى قوله : }ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم{()* وقوله : }وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{()* وفى ذلك دليل على وجوب طاعته وامتثال أوامره ونواهيه فى سنته المطهرة؛ حتى ولو كانت أمراً زائداً على كتاب الله عز وجل، لأن ما يحله ويحرمه، ويأمر به وينهى عنه، هو بوحى الله عز وجل على ما سبق تفصيله0

وعن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ستة لعنتهم، ولعنهم الله، وكل نبى مجاب : المكذب بقدر الله، والزائد فى كتاب الله، والمتسلط بالجبروت يذل من أعز الله، ويعز من أذل الله، والمستحيل لحرم الله، والمستحيل من عترتى ما حرم الله، والتارك لسنتى"()* أنه صلى الله عليه وسلم ، يبين فى هذا الحديث أن التارك لطاعته فى سنته المطهرة المنكر لتلك الطاعة ملعون. أى : مطرود من رحمة الله تعالى، وفى ذلك من الزجر ما فيه0
إنه صلى الله عليه وسلم ، جعل تارك طاعته فى سنته، مع المكذب بالقدر، وهو كافر، ومع خصال هى فى الكفر موغلة، مما يرهب كل الترهيب؛ من ترك سنته صلى الله عليه وسلم ، والتحذير من عدم طاعته فيها0
وبعد : فهذه نماذج من الأحاديث النبوية، التى تأمر فى وضوح وجلاء بوجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى سنته المطهرة، وتحذر أشد التحذير من مخالفته، وهناك أحاديث أخرى كثيرة، تنوعت فى أسلوبها فى الحض على اتباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم ، لم أتعرض لها خشية الإطالة()* فما ذكر فيه الكفاية عند من له سمع يسمع وعقل يدرك0
وإذا كانت طاعته صلى الله عليه وسلم ، الاستقلالية، ثابتة له بنص كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإجماع الأمة()* فتلك الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هى عين الطاعة والتوحيد الخالص لله عز وجل، إلا أن أعداء عصمته صلى الله عليه وسلم يرون أن فى تلك الطاعة تأليه لرسول الله وشرك بربه0

فإلى بيان شبهتهم فى ذلك والرد عليها
المطلب الرابع
شبهة أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليه وشرك
والرد عليها

بلغت جراءة أعداء السنة النبوية على القرآن الكريم، وعلى نبى الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، بإفكهم أن الآيات والأحاديث التى تربط بين طاعة الله، وطاعة رسوله، هى صورة من صور تأليه الرسول، وهذا هو الكفر بعينه فى نظرهم0

يقول صالح الوردانى : "ومن أقوى الأدلة التى يستند عليها الفقهاء فى ربط الكتاب بالسنة، وربط السنة بالكتاب، قوله تعالى : }وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{()* وقوله : }من يطع الرسول فقد أطاع الله{()* وقوله : }ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيدا{()* ثم يقول معقباً : "إن مثل هذه النصوص وغيرها إن كانت تؤكد شراكة الرسول لله فى أمر الحكم والأمر والنهى، وهو ما يريد تأكيده الفقهاء، فهذا هو الكفر بعينه، إذ معنى هذا الكلام أن الرسول يشارك الله فى خاصية الألوهية. وهذا يعنى : أن الرسول قد منح صفة من صفات الله، وأخذ خاصية من خصائصه سبحانه، وهذا ما قالته اليهود فى عزير، والنصارى فى عيسى"()*0

ولم يقف إفكهم عند هذا الحد، إذ زعموا أن الإيمان بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى البداية لتأليهه0
يقول أحمد صبحى منصور : "أولى حقائق الإسلام، أنه ليس فيه إيمان بشخص وإنما الإيمان بالوحى الذى نزل على شخص النبى، وليس بشخص النبى البشرى يقول تعالى : }والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد{()* لم يقل آمنوا بمحمد، وإنما آمنوا بما نزل على محمد، أى : الإيمان بالوحى أى : بالقرآن الذى يكون فيه محمد نفسه أول المؤمنين به، أما الإيمان بشخص محمد فذلك يعنى البداية لتأليهه"()*0

ولأن أعداء النبوة ينكرون الإيمان بشخصه الكريم صلى الله عليه وسلم ، زعموا أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، يعد شركاً صارخاً على حد زعم رشاد خليفة فى قوله : "لقد أغوى الشيطان المسلمين بترديد بدعة "التشهد" حيث يمطرون محمداً وإبراهيم بالحمد والتمجيد. أليس هذا شركاً صارخاً"()* ويذهب محمد نجيب إلى أن فى تكرار الشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فيه تفريق بين رسل الله()* ولو قلنا بهذا على ما حدثنى بذلك بعضهم : لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله، وعيسى رسول الله… وهكذا وهو أمر يطول أهـ0

ويجاب عن ما سبق بما يلى :
إجمالاً أقول : زعمهم أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أوامره ونواهيه، وما يحله وما يحرمه فى سنته، تأليه له، بمنحه صفة من صفات الله عز وجل، وهى التشريع. هذا الزعم رد على رب العزة كلامه0
فالله عز وجل : }لا يسأل عما يفعل وهم يسألون{()* فإذا أمرنا ربنا فى كتابه بطاعة واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم ، وربط بين طاعته وطاعة نبيه تارة، وأفردها أخرى، وجعل طاعته صلى الله عليه وسلم من طاعته عز وجل، وإذا أقامه مقام نفسه المقدسة فى بيعة المسلمين وإذا أمرنا باتباعه فى كل ما آتانا به، ونهانا عنه، من حلال وحرام. فلا يصح من مخلوق أن يرد كلامه عز وجل، أو أن يقول: هذا إشراك لرسول الله مع ربه فى التشريع!
وكذلك إذا أمرنا المولى عز وجل بالإيمان بشخص نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره ونصرته، والإيمان بما أنزل عليه من وحى الله تعالى كتاباً وسنة. فلا يصح أن نرد على الله كلامه ونقول هذا شرك!
وهذا إجمال وإليك التفصيل :
أولاً : أمر رب العزة عباده بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة مستقلة، بمقتضى عصمته له، وربط تلك الطاعة بطاعته عز وجل تارة، وأفردها تارة أخرى، ليدل على أن طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة له سبحانه فقال : }يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول{()* وقال : }وإن تطيعوه تهتدوا{()* وقال : }من يطع الرسول فقد أطاع الله{()* وطاعته صلى الله عليه وسلم فى الآيات السابقة طاعة مطلقة فى سنته المطهرة، حتى ولو كانت السنة زائدة على ما فى كتاب الله عز وجل، لأنه عليه الصلاة والسلام له حق التشريع بدلالة الآيات السابقة، وبقوله تعالى : }الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم{()* فقوله: "يحل، ويحرم، ويضع" من خصائص المشرع الحقيقى الواجب طاعته؛ ولكن مرد هذا التشريع فى حقيقة الأمر إلى الله عز وجل0

فرسول الله لا يشرع من عند نفسه، وإنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه على ما سبق تفصيله فى نهاية المطلب الثانى()* فهل نسلم بكلام الله تعالى؛ أم نرده ونقول هذا شرك؟0
وإذا كانت طاعته صلى الله عليه وسلم مستقلة عن طاعة الله عز وجل، كما فى الآيات السابقة وغيرها من الآيات التى تكرر فيها الفعل "أطيعوا" مع الرسول فمن الذى أعطاه هذه المنزلة والمكانة؛ أليس ربه عز وجل؟ فهل نرد هذه المكانة والمنزلة ونقول هذا شرك؟0
وإذا قال ربنا عز وجل مراراً }أطيعوا الله وأطيعوا الرسول{ فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين طاعته عز وجل، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم تأليه له عليه الصلاة والسلام، فيرد على رب العزة كلامه؟!! وإذا قال ربنا عز وجل : }إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم{()* وإذا قال سبحانه : }قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم{()*0

فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين مبايعته عز وجل، ومبايعة رسوله صلى الله عليه وسلم شرك؟ أو أن الربط بين محبته سبحانه ومحبة نبيه ومصطفاه شرك؟!0

إن قائل الآيات السابقة فى وجوب محبته صلى الله عليه وسلم هو القائل : }ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله{()* فهل جعل محبة نبيه صلى الله عليه وسلم ومتابعته نداً؟ أم جعلها شرطاً لمحبة الله، وعلامة على صدق من يزعم محبته عز وجل؟0

قال الحسن البصرى وغيره من السلف : زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: }قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله{ فتأمل كيف أوقع طاعته ومتابعته صلى الله عليه وسلم بين قطرى محبة العباد، ومحبة الله للعباد، وجعل تلك المتابعة شرطاً لمحبة الله لهم، مما يستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم، بدون طاعتهم ومتابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فهذه الآية الكريمة : حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس على الطريقة النبوية، فإنه كاذب فى دعواه فى نفس الأمر، حتى يتبع شرع الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فى جميع أقواله وأفعاله وأحواله، ويعلم أن هذا الاتباع عين التوحيد الخالص لله عز وجل، كما دل على ذلك ما روى أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض الكفار : "إن محمداً يريد أن نتخذه حناناً()* كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله تعالى : }قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين{()* فقرن طاعته عز وجل بطاعته صلى الله عليه وسلم رغماً لهم()* والمعنى إلصاقاً لأنوفهم بالتراب جزاءاً لأنفتهم من متابعته صلى الله عليه وسلم ، وجزاءاً لإفكهم بأن طاعته صلى الله عليه وسلم شرك }كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً{()* وأقول لهم : الربط بين طاعة الله وطاعة رسوله هو عين التوحيد الخالص: }فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين{()*0

ثانياً : إنكار أعداء النبوة الإيمان بشخص النبى صلى الله عليه وسلم واستدلالهم على ذلك بقوله تعالى : }والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم{()* هذه الآية الكريمة حجة عليهم، وتفضحهم فى كل ما يأفكون. لأن مما أنزل على محمد وهو الحق من ربنا قوله : }وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم{()* وقوله سبحانه : }وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة{()* وقوله : }يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول{()*0
وهم بهذه الآيات يكفرون؛ إذ ينكرون على ما سبق أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم تبياناً للقرآن، وهو الحكمة، وهى السنة كما قال علماء الأمة، وينكرون أن يكون له صلى الله عليه وسلم طاعة فى هذه السنة0

وإذا كانوا هنا يزعمون بأنه لا يوجد فى الإسلام إيمان بشخص النبى محمد صلى الله عليه وسلم فالآية التى استدلوا بها على زعمهم ترد عليهم حيث أطلقت }وآمنوا بما نزل على محمد{ وما أنزل على محمد آيات كريمات تصرح بالإيمان بشخصه الكريم، منها ما يلى :
قوله تعالى : }يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله{()*0
وقوله سبحانه : }فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته{()*0
وقوله عز وجل : }ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا{()*0
ومعلوم أن الإيمان بالله عز وجل يعنى : الإيمان بذاته المقدسة، وبكتابه العزيز، وطاعته عز وجل فى كل ما أمرنا به فى كتابه. وكذلك الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم : يعنى : الإيمان بشخصه الكريم وبكل ما جاء به من عند ربه عز وجل من كتاب وسنة وطاعته فى ذلك0

ويؤيد أن الإيمان فى الآيات السابقة مراداً به شخصه صلى الله عليه وسلم ما جاء فى القرآن الكريم من الأمر بتعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وسلم نحو قوله تعالى : }فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه{()* وقوله سبحانه : }لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه{()* فقوله : "وتعزروه" أى : تعظموه وتجلوه()* والتعظيم والإجلال والتوقير والنصرة، تشمل فى المقدمة شخصه الكريم. بدليل ما جاء فى القرآن الكريم أيضاً من تعظيم رب العزة لنبيه بنداءه وخطابه باللقب المشعر بالتعظيم بالنبوة والرسالة دون غيره من الأنبياء()* وكذلك أمره عباده بالأدب مع رسوله بعدم التقديم بين يديه أو رفع صوتهم على صوته()* وتحذيرهم من الانصراف من مجلسه قبل استئذانه، أو ندائه باسمه (محمد) كما ينادى بعضهم بعضاً()* وتحريم إيذائه()*0

أليس فى كل هذه الآداب الربانية دليل على أن الإيمان بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعظيمه وتوقيره من حقائق الإسلام؟ أليس فى هذه الآداب الربانية ما يصفع المتنبئ الكذاب رشاد خليفة فى زعمه إن تعظيمه وتوقيره… صلى الله عليه وسلم شركاً صارخاً؟()*0
إن الإيمان بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وإجلاله، والتأدب معه بالآداب الربانية السابقة، كان عليه سلفنا الصالح، وقد شهد بذلك عروة بن مسعود الثقفى()* وهو يومئذ لم يسلم بعد، وكان مندوب قريش للتفاوض فى شأن دخول النبى صلى الله عليه وسلم مكة فى غزوة الحديبية، فرأى من تعظيم وتوقير للنبى صلى الله عليه وسلم فى قلوب الصحابة وجوارحهم ما أذهله، حتى عاد إلى قريش وقال لهم : "أى قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشى، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمداً، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له…"()*0
فهكذا صور هذا الرجل تعظيم الصحابة الكرام رضى الله عنهم لنبيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذه الألفاظ الجزلة النابعة من بالغ تأثره بذلك المظهر العظيم من مظاهر التعظيم والتبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم وقد برهن على مدلول هذا الخبر أيضاً، ما قاله عمرو بن العاص رضى الله عنه()* قال : "ما كان أحد أحب إلى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أجل فى عينى منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالاً له، ولو شئت أن أصفه ما أطقت؛ لأنى لم أكن أملأ عينى منه"()* وهكذا كان الصحابة الكرام رضى الله عنهم يعبرون عن تعظيمهم وإجلالهم وتوقيرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأعمالهم وأقوالهم0
ثالثاً : وأخيراً زعمهم أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، فيه تفريق بين رسل الله عز وجل، ولو قلنا بهذه الشهادة لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله… الخ وهو أمر يطول0
فهذا من جهلهم بكتاب الله عز وجل الذى يتسترون نفاقاً بعباءته. فالقرآن الكريم يصرح بأن الله عز وجل أخذ العهد والميثاق على الأنبياء السابقين بأن يؤمنوا بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا بنبوته وينصروه إن خرج وهم أحياء، فلما أقروا بذلك أشهدهم عليه، والله خير الشاهدين. قال تعالى : }وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين{()*0
قال على بن أبى طالب، وابن عمه عبد الله بن عباس رضى الله عنهما : "ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمداً وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته : لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه"()*0

وهذا يعنى أنه صلى الله عليه وسلم نبى الأنبياء، ولو قدر لواحد من هؤلاء الأنبياء جميعاً من لدن آدم إلى عيسى عليهم جميعاً الصلاة والسلام، الحياة، وبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم ، لما وسعه إلا اتباعه، يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أتى رسول الله بنسخة من التوراة، فقال يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة، فسكت فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير فقال : أبو بكر : ثكلتك الثواكل، ما ترى بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنظر عمر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أعوذ بالله، من غضب الله، ومن غضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "والذى نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتمونى لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتى لاتبعنى"()*0

ومن هنا كان سلام الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج، بقولهم: مرحباً بالنبى الصالح، والأخ الصالح()* وهو اعتراف منهم بنبوته صلى الله عليه وسلم ، ولذا كان إمامهم فى الصلاة ببيت المقدس كما قال صلى الله عليه وسلم : "ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لى الأنبياء عليهم السلام فقدمنى جبريل حتى أممتهم"()* وكل هذا يوضح أن إعلان وتكرار شهادة أن محمداً رسول الله بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، هو إيمان بكل الأنبياء، وأنه لو وجد واحد من الأنبياء السابقين لوجب عليه أن يشهد بتلك الشهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وذلك تنفيذا للعهد والميثاق الذى أخذه الله على سائر أنبياءه ورسله، وهذا يعنى أن ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم فى الشهادة هو ذكر لكل الأنبياء، وشهادة فى نفس الوقت بأنهم رسل الله تعالى،بما يغنى عن تكرار ذكرهم أهـ0

والله تعالى أعلى وأعلم

** *** **





من مواضيعي
0 لماذا يطمس الاقباط في استراليا حقيقة ما حصل في نجع حمادي
0 مجلة كشف الأقنعة (العدد الأول)
0 إبطال شبهات الملاحدة الماديين في إنكار الخالق العليم
0 الصيام في شهر الله المحرم
0 معنا عضو جديد وهو - WolFox
0 بين عقلية المؤمن وعقلية الملحد
0 اللؤلؤ والعسجد في تفعيل دور المسجد
0 شبهة حول ميعاد الساعة

التوقيع:


سيف الدين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أعداء, الإلهي, المطهرة, السنة, الوحي, شبهات, عليها, والرد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:26 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009