ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

عصمة رسول الله فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية

ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة


عصمة رسول الله فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية

ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-15-2017, 03:47 PM   #1
سيف الدين
Administrator
 
الصورة الرمزية سيف الدين
 

افتراضي عصمة رسول الله فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية


عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عقله وبدنه كما يصورها
القرآن الكريم والسنة النبوية


ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة0
المبحث الثانى : دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة0
تمهـيــد
عصمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فى عقيدتنا أصل من أصول الإيمان والإسلام، وهى عقيدة لا تنفك عن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. والطعن فى هذه العصمة طعن فى هذه الشهادة، ولم لا وهى دليلنا على حجية الوحى الإلهى (قرآناً وسنةً) وهى دليلنا على الاقتداء الشامل برسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سبق تفصيله()0

ومرادى فى هذا الفصل، بيان عصمته صلى الله عليه وسلم فى بدنه من القتل، وفى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، مع بيان كمال عقله، وخلقه صلى الله عليه وسلم ، وأنه كما قال فيه ربه عز وجل : }والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى إن هو إلى وحى يوحى{() وقال سبحانه : }ما كذب الفؤاد ما رأى{() وقال عز وجل : }ما زاغ البصر وما طغى{()0

إن كمال العقل وعصمته من الكفر والشرك والشك، ومن تسلط الشيطان عليه؛ صفة أساسية فى رسل الله عز وجل، وشرط ضرورى من شروط رسالة جميع الرسل؛ وهى جزء من الكمال البشرى الذى كملهم الله عز وجل به، وهو عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة ربهم إلى أقوامهم0

وإذا كان الكمال العقلى صفة أساسية فى رسل الله عز وجل، فإمامهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . والقارئ لسيرته صلى الله عليه وسلم لا يشك فى أنه صلى الله عليه وسلم كان أعقل الناس وأذكاهم()0

ولم لا وقد كانت نشأته صلى الله عليه وسلم ، منذ ولدته أمه إلى أن بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، أكمل نشأة، تولاه الله تعالى فأدبه ورباه فكمله، ورعاه فحفظه مما كان يشين حياة قومه من وثنية، وعادات مسترذلة، حتى غدا أكمل إنسان فى بشريته، لم يستطع أحد أن يريبه فى حياته، أو يزن شبابه بغميزه أو ريبة على كثرة الخصوم، والأعداء المتربصين، فضلاً من الله ونعمة، والله ذو الفضل العظيم()0

وبذلك الفضل العظيم تحدث المصطفى صلى الله عليه وسلم بنعمة ربه عز وجل قائلاً "أدبنى ربى فأحسن تأديبى"()0
وقد أجمعت الأمة على هذا الأدب الربانى، وأن حياة نبيها صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وبعدها أمثل حياة وأكرمها وأشرفها، فلم تعرف له فيها هفوة، ولم تحص عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وحسن الأحدوثة بين الناس، ثم نبأه الله وبعثه، فنمت فيه هذه الفضائل وترعرعت حتى أضحت حياته فريدة فى تاريخ هذه الحياة الدنيا0

فمن أين له هذا؟ وهو اليتيم الذى تعرض منذ طفولته لمحنة اليتم، والفقر! وهو الأمى الذى لم يجلس طيلة حياته إلى معلم يثقف عقله! وهو الذى نشأ فى بيئة سيطرت عليها الجاهلية، سيطرة كاملة فى مجال العقيدة والفكر، وفى مجال الأخلاق والسلوك، وطبعت الناس بطابعها البغيض حتى لا تكاد تجد إنساناً يسلم من وراثة البيئة، وعدوى التقاليد الجاهلية الموروثة عن الآباء والأجداد0
فكيف نجا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك المؤثرات القوية؟

إن الإنسان العادى قد يستطيع أن تعاف نفسه شيئاً يكرهه ولا يستسيغه بحكم الفطرة السليمة لكن من المحال عقلاً أن يعيش فى عزلة روحية كاملة، وهجرة نفسية تامة لقومه، فيسلم له عقلة من الخرافات، وتسلم روحه من الجهالات، ويسلم وجدانه من التلون بشئ يغضب الله عزوجل0

نعم لقد كان فى المجتمع العربى حنيفيون وحدوا الله ودعوا إلى توحيده، وكان هناك كرماء، وكان هناك أوفياء، وكان هناك أناس عرفوا بالعفة والتنزه عن الفواحش، ولكن كان عزيزاً جداً أن تجد فى هذه البيئة إنساناً جمع الله فيه كل هذه الصفات وغيرها مثل ما جمع الله ذلك فى النبى محمد صلى الله عليه وسلم 0

إنك لا تستطيع أن تدرك سر كمال عقله وعقيدته وأخلاقه، وبراءته من كل نقائص ومثالب بيئته التى نشأ فيها إلا أن تقول : إنه الإعداد الإلهى للنبوة و}الله أعلم حيث يجعل رسالته{()0
إنها العصمة الربانية‍‍! تلك التى حفظته صلى الله عليه وسلم ، من بيئة الجاهلية أربعين عاماً، لم يصبه أذى من غبارها، فشب أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً، ودلائل تلك العصمة الإلهية متوافرة فى كتاب الله عزوجل، وسيرته العطرة، فإلى بيانها فى المبحث التالى :

المبحث الأول
دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى عقله من خلال القرآن الكريم
والسنة النبوية


تجلت رعاية الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم فى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وهو فى عالم الذر، وتحدث الوحى الإلهى (قرآناً وسنةً) بذلك بياناً لمنَّة الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم قال تعالى : }وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً{()0
ووجه الاستدلال بالآية أنه إذا عهد إلى الأنبياء جميعاً وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه، وتوحيده. دل ذلك على عصمتهم فى عقولهم وعقيدتهم، فلا يصدر عنهم ما يخالف ذلك لا قبل النبوة ولا بعدها، ولا يقول بغير ذلك إلا من يرد على الله عز وجل كلامه باصطفائهم وعصمتهم!0
وقال تعالى : }وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين{()0
وهذا غاية التكريم من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بأخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به، وينصروه إن ظهر فى زمانهم، وفى ذلك إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم نبى الأنبياء() وفى السنة المطهرة ما يؤكد الآية الكريمة، فعن ميسرة الفجر رضى الله عنه() قال : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم متى كنت نبياً؟ قال : "وآدم بين الروح والجسد"()0
وعن العرباض بن سارية رضى الله عنه() قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إنى عبد الله وخاتم النبين، وأبى منجدل فى طينته، وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمى آمنة التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين، وأن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته له نوراً أضاءت لها قصور الشام، ثم تلا : }يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً{()0

والشاهد مما سبق أن الله عز وجل اصطفى أنبياءه ورسله وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه وتوحيده، وفضل بعض النبيين على بعض، فجعل سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم إمامهم، وأخذ منهم الميثاق فى عالم الأزل بالإيمان بنبوته ونصرته0

وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور، ويجوز عليه ما يناقض عصمته فى عقله وعقيدته من الشرك، أو الشك، أو غيره من الذنوب صغائر كانت أم كبائر فهذا مالا يجوزه إلا ملحد()0

وعليه فلا معنى لإثارة الخلاف حول عصمة الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – قبل نبوتهم من المعاصى كبائرها وصغائرها من حيث الوقوع أو عدمه، أو من حيث امتناعه سمعاً أوعقلاً!0
فعصمة الرسل والأنبياء مبنية على إرادة إلهية ، وهى اصطفاء الله عز وجل لهم، وعصمتهم من كل ما يخل بهذا الاصطفاء، قبل نبوتهم وبعدها، وهم فى عالم الغيب لم يخلقوا بعد!
وإليك نماذج من دلائل عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أ- عصمته صلى الله عليه وسلم من كيد إبليس وجنوده :
حفظ الله عز وجل عباده المخلصين من كيد إبليس وجنوده فلا سبيل له عليهم كما قال عزوجل : }إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا{() واعترف إبليس بعجزه عن الكيد لهم فحكى عنه رب العزة قوله : }قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين{()0

ولا شك أن أنبياء الله عز وجل ورسله، وعلى رأسهم خاتمهم صلى الله عليه وسلم على قمة عباد الله المخلصين الذين عصمهم رب العزة من كيد إبليس وجنوده0

والمراد بعصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيطان قال فيها القاضى عياض : "واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبى صلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته منه، لا فى جسمه بأنواع الأذى – كالجنون والإغماء – ولا على خاطره بالوساوس"()0

ولا عبرة بمن خرج عن المفهوم السابق لعصمة رسول صلى الله عليه وسلم من أعداء الإسلام وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة0

وقد دل على المفهوم السابق القرآن الكريم والسنة المطهرة0

أما القرآن الكريم : فقد ورد فيه تعرض الشيطان لبعض الأنبياء فى أجسامهم ببعض الأذى، وعلى خاطرهم بالوسوسة، مع عصمة الله عز وجل لهم بعدم تمكن الشيطان من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين. قال تعالى : }واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب{() وقال سبحانه : }فأذلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه{() وقال عز وجل : }قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين{() وقال جل جلاله : }وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم{()0

وليس فى هذه الآيات الكريمات ونحوها ما يتعارض مع قوله تعالى : }إن عبادى ليس لك عليهم سلطان{()0
أما السنة المطهرة : فقد ورد فيها ما يؤكد ما ورد فى القرآن الكريم من تعرض الشياطين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى غير موطن رغبة فى إطفاء نوره، وإماتة نفسه، وإدخال شغل عليه، ولكن كانت عصمة الله عز وجل له حائلة دون تمكن الشياطين من إغواءه، أو إلحاق ضرر به. ومن هذه الأحاديث التى تدل على ما سبق، وأنكرها أعداء السيرة العطرة() ما يلى :
عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه() قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا : وإياك يا رسول الله؟ قال : "وإياى. إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم. فلا يأمرنى إلا بخير"()0

وقوله : "فأسلم" برفع الميم وفتحها، روايتان مشهورتان، فمن رفع قال : معناه : أَسْلَم أنا من شره وفتنته. ومن فتح قال : إن القرين أسلم من الإسلام، وصار مؤمناً لا يأمرنى إلا بخير0
وصحح الخطابى وغيره رواية الرفع، ورجح عياض والنووى والزرقانى الفتح، لأنه ظاهر الحديث فى قوله صلى الله عليه وسلم : "فلا يأمرنى إلا بخير" ولقوله صلى الله عليه وسلم : "فضلت على الأنبياء بخصلتين. كان شيطانى كافراً فأعاننى الله عليه حتى أسلم، قال أبو هريرة راوى الحديث، ونسيت الخصلة الأخرى"()0
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن عفريتاً من الجن جعل يفتك() علىَّ البارحة ليقطع على الصلاة. وإن الله أمكننى منه فذعته(). فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سوارى المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون، أو كلكم، ثم ذكرت قول أخى سليمان: رب اغفر لى وهب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى. فرده الله خاسئاً"()0
وعن أبى الدرداء رضى الله عنه() قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم . فسمعناه يقول : "أعوذ بالله منك" ثم قال : "ألعنك بلعنة الله" ثلاثاً. وبسط يده كأنه يتناول شيئاً. فلما فرغ من الصلاة قلنا : يا رسول الله! قد سمعناك تقول فى الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك. قال : "إن عدو الله، إبليس، جاء بشهاب من نار، ليجعله فى وجهى، فقلت : أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت : ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه، والله! لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة"()0
وعن عبد الرحمن بن خنبش رضى الله عنه() لما سئل كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كادته الشياطين. قال : تحدرت عليه الشياطين من الجبال والأودية، يريدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وفيهم شيطان وبيده شعلة من نار، يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فزع منهم، فجاء جبريل عليه السلام فقال : يا محمد قل، فقال : ما أقول؟ قال : قل : "أعوذ بكلمات الله التامات، التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن" قال : فقالهن، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله عز وجل"()0
بالتأمل فى الروايات السابقة تجد أن الله عز وجل عصم رسوله صلى الله عليه وسلم من قرينه الجنى بإسلامه، فلا يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخير0
وكذلك عصمه الله عز وجل من سائر شياطين الجن عندما تعرضوا له فى غير موطن. منها فى الصلاة عندما تعرض له عفريت من الجن، وفى رواية إبليس، وأراد إدخال شغل عليه فى الصلاة، فتمكن منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخنقه، وهمَّ بربطة فى ساريه من سوارى المسجد، حتى يراه أهل المدينة إلا أنه صلى الله عليه وسلم تركه، ودفعه دفعاً شديداً، وترك ما هَّم به عندما تذكر دعوة سيدنا سليمان }رب هب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى{() والنتيجة كما جاء فى روايات الحديث : عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا العاتى المارد من الجن أو إبليس كما جاء فى رواية أبى الدرداء، ورده الله خاسئاً0
وكذلك تبين رواية عبد الرحمن بن خنبش عصمة رب العزة لرسوله صلى الله عليه وسلم من الشياطين لما تحدرت عليه من الجبال والأودية، يريدون حرقه وقتله، حيث نزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه كلمات إذا قالهن نجا من كيدهم، فقالهن صلى الله عليه وسلم ، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله عز وجل0
وهكذا كانت عصمة المولى عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم من الشياطين حتى مرض وفاته الذى لده فيه() بعض الحاضرين عنده بغير إذنه، ولما سألهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالوا : خشينا أن يكون بك ذات الجنب() فبين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذات الجنب من الشيطان وهو معصوم منه.قائلاً : "إنها
من الشيطان، ولم يكن الله عز وجل ليسلطه علىَّ"()0

ب- عصمته صلى الله عليه وسلم من الجهالات :
شب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يحفظه الله عز وجل، ويعصمه من أقذار الجاهلية ومعائبها، ويتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مظاهر عصمة الله عز وجل له فى صغره، وقبل النبوة قائلاً :
1- "ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون بها إلا مرتين الدهر، كلتاهما يعصمنى الله عز وجل منها، قلت ليلة لفتى من قريش بأعلى مكة فى أغنام لأهلنا نرعاها : انظر غنمى حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال : نعم فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وضرب دفوف وزمراً، فقلت : ما هذا؟ قالوا : فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء، وبذلك الصوت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبى فقال : ما فعلت؟ فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لى مثل ما قيل لى، فلهوت بما سمعت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبى، فقال لى! ما فعلت؟ فقلت : ما فعلت شيئاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمنى الله عز وجل بنبوته"()0
وفيما قصه النبى صلى الله عليه وسلم عن نفسه من خبر حفظ الله إياه من كل سوء منذ صغره وصدر شبابه، ما يوضح لنا حقيقتين كل منهما على جانب كبير من الأهمية :
الأولى : أن النبى صلى الله عليه وسلم كان متمتعاً بخصائص البشرية كلها، وكان يجد فى نفسه ما يجده كل شاب من مختلف الميولات الفطرية التى اقتضت حكمة الله أن يجبل الناس عليها. فكان يحس بمعنى السمر واللهو، ويشعر بما فى ذلك من متعة، وتحدثه نفسه لو تمتع بشئ من ذلك كما يتمتع الآخرون0
الثانية : أن الله عز وجل قد عصمه مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف، وعن كل مالا يتفق مع مقتضيات الدعوة التى هيأه الله لها، فهو حتى عندما لا يجد لديه الوحى أو الشريعة التى تعصمه من الاستجابة لكثير من رغائب النفس، يجد عاصماً آخر خفياً يحول بينه وبين ما قد تتطلع إليه نفسه مما لا يليق بمن هيأته الأقدار لتتميم مكارم الأخلاق، وإرساء شريعة الإسلام()0

جـ- عصمته صلى الله عليه وسلم من التعرى ودفع ما يتوهم عكس ذلك :
عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : "لما بنيت الكعبة ذهب النبى صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان حجارة، فقال العباس للنبى صلى الله عليه وسلم : اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال : "إزارى إزارى" فشد عليه إزاره، وفى رواية : فما رؤى بعد ذلك اليوم عرياناً"()0
وهذه القصة وما فيها من حفظه صلى الله عليه وسلم من التعرى قبل النبوة، وردت فى غير الصحيح عن ابن إسحاق عن أبيه عمن حدثه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "لقد رأيتنى فى غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال : شد عليك إزارك قال : فأخذته وشددته علىَّ ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتى وإزارى علىَّ من بين أصحابى"()0

قال الحافظ ابن كثير : "هذه القصة شبيهة بما فى الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقل هو وعمه العباس، فإن لم تكن فهى متقدمة عليها كالتوطئة"()0

وقال الإمام السهيلى : "وهذه القصة إنما وردت فى الحديث الصحيح فى حين بنيان الكعبة، فإن صح أنه كان فى صغره، إذ كان يلعب مع الغلمان : فمحمله على أن هذا الأمر كان مرتين : مره فى صغره، ومره فى أول اكتهاله عند بنيان الكعبة"()0

قلت : هذه القصة فى حالة صغره لم تصح سنداً، وإنما هى نفس قصة بنيان الكعبة، وإلى هذا مال الحافظ فى الفتح، فبعد أن ذكر روايات بنيان الكعبة، وهو صلى الله عليه وسلم فى حالة كبره، والمؤيدة لما فى الصحيحين ذكر رواية الحاكم عن ابن عباس رضى الله عنهما() وهو صلى الله عليه وسلم فى حالة صغره، وقال فيها : "النضر أبو عمر الخزاز" ضعيف، وقد خبط فى إسناده، وفى متنه، فإنه جعل القصة فى معالجة زمزم بأمر أبى طالب وهو غلام، وكذا روى ابن إسحاق – إشارة إلى الرواية السابق ذكرها – ثم قال الحافظ : فكأن هذه قصة أخرى، واغتر بذلك الأزرقى فحكى قولاً : أن النبى صلى الله عليه وسلم لما بنيت الكعبة كان غلاماً"0

ثم أكد الحافظ أن القصة واحدة فى موضع آخر إذ يقول معقباً على كلام السهيلى السابق على رواية ابن إسحاق قائلاً : "قلت : وقد يطلق على الكبير غلام إذا فعل فعل العلماء، فلا يستحيل اتحاد القصة اعتماداً على التصريح بالأولية فى حديث أبى الطفيل رضى الله عنه قال : "فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة معهم إذ انكشفت عورته، فنودى يا محمد غط عورتك، فذلك فى أول ما نودى، فما رؤيت له عورة قبل ولا بعد"()0

فرية على عصمته صلى الله عليه وسلم من التعرى والرد عليها :
رغم ما فى هذه القصة الصحيحة من عناية الله عز وجل بحفظ رسوله صلى الله عليه وسلم من التعرى؛ إلا أننا نجد بعض أعداء السيرة العطرة الواردة فى السنة المطهرة من يرى فى إثبات هذا الأمر فى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم : "خرافة، وأكذوبة مفضوحة، وشناعة، ليس الهدف منها إلا الحط من كرامة النبى صلى الله عليه وسلم والإساءة لمقامه الأقدس"()0

ولست أدرى أى خرافة، أو كذب، أو شناعة أو…الخ فى عصمة الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم من التعرى عند بناء الكعبة المشرفة؟

إن الشناعة فى نظر الرافضى هى فى تعرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! دون التفات منه لكيفية تعرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعصمة الله عز وجل منه! إنه يتكلم عن تعرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الرواية، وكأنه صلى الله عليه وسلم تعمد ذلك أمام الناس0

إذ يقول بعد أن ذكر بعض النصوص فى حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان مصوناً من رؤية عورته، حتى بالنسبة لأزواجه، وأن المشركين كانوا يستقبحون التعرى أمام الناس0

يقول متسائلاً : "فكيف إذن يكشف النبى الأعظم عورته أمام الناس يا تُرى؟"() وأقول له : من أين لك من روايات عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التعرى عند بناء الكعبة، أنه صلى الله عليه وسلم تعمد التعرى أمام الناس (وحاشاه من ذلك) من أين لك هذا التعمد حتى ولو فى رواية ضعيفة؟!! وأنى لك هذا، وفى الصحيح ما يبطل افتراءك0
فعن أبى الطفيل رضى الله عنه قال : فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل حجارة من أَجْياد()، وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فيرى عورته من صغر النمرة، فنودى يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك"()0

فواضح من هذه الرواية، وما فيها معناها من الروايات التى فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يحمل الحجارة كان يستر عورته بنمرة، ولكنه وهو يحاول أن يتقى أذى الحجارة على عاتقه، حاول أن يضع طرفاً من النمرة على عاتقه، سواء من قبل نفسه أو بنصح عمه العباس له كما جاء فى الصحيح، لا تعارض. إذ النتيجة واحدة وهى : لصغر النمرة، بدت عورته، فسقط مغشياً عليه، وفى الصحيح أيضاً فخر إلى الأرض، وكلها بمعنى واحد، ولا تعارض ولا تناقض كما زعم الرافضى مستدلاً بذلك على وضع الحديث()0

وفى هذا الغشيان أو السقوط على الأرض، عصمة من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم إذ الجلوس أستر للعورة، ومعه أى هذا (السقوط) تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من شد إزاره على عورته التى انكشفت بلا تعمد منه، ومع كل ذلك كانت عناية وعصمة ربه عز وجل له إذ نودى : "يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك" وكل الروايات فى الصحيح وغيره على هذا المعنى!0
فأين إذن ما يزعمه الرافضى بأن فى روايات عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من التعرى حط من كرامته صلى الله عليه وسلم ، وإساءة لمقامه الأقدس؟ وأين ما يزعمه بأن هذه الروايات تظهره بتعمد كشف عورته أمام الناس؟ وأين أيضاً ما يزعمه بأن محاولة علماء أهل السنة للجمع بين هذه الروايات محاولة فاشلة، تأتى على حساب القرآن الذى لا نقدسه – على حد كذبه – ونزعم أن فيه تحريف، ونسخ لتلاوته، أما البخارى فنقدسه ونجله عن ذلك؟!() أهـ0
د- عصمته من أكل ما ذبح على النصب، ودفع ما يتوهم عكس ذلك :
1- عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أن النبى صلى الله عليه وسلم ، لقى زيد بن عمرو بن نفيل() بأسفل بلدح() قبل أن ينزل عليه صلى الله عليه وسلم الوحى، فقدمت إلى النبى صلى الله عليه وسلم سفرة() فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد : إنى لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه"()، ففى الحديث تصريح بعدم أكله صلى الله عليه وسلم ، مما ذبح على النصب0
- أما ما جاء فى حديث سعيد بن زيد بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزيد بن حارثة() مر بهما زيد بن عمرو، فدعوه إلى سفرة لهما، فقال : يا ابن أخى إنى لا آكل مما ذبح على النصب، فما رؤى النبى صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب"()0
- وفى حديث زيد بن حارثة رضى الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مردفى إلى نصب من الأنصاب، فذبحنا له شاة، ووضعناها فى التنور() حتى إذا نضجت، استخرجناها فجعلناها فى سفرتنا، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير، وهو مردفى فى أيام الحر، من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادى لقى فيه زيد بن عمرو – فذكر الحديث مطولاً – وفيه : ثم قدّمنا إليه يعنى زيد بن عمرو – السفرة التى كان فيها الشواء، فقال : ما هذه؟ فقلنا : هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال : إنى لا آكل ما ذبح لغير الله"()0
وفى رواية قال : "ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه"() فليس فى الروايتين ما يتعارض مع رواية البخارى السابقة من عصمته صلى الله عليه وسلم من أكل ما ذبح للأصنام، لأن قول زيد : "هذه شاة ذبحناها لنُصب كذا وكذا" تعنى الحجر الذى ذبحت عليه الشاة، وليس هذا الحجر بصنم ولا معبود، وإنما هو من آلات الجزار التى يذبح عليها، لأن النُصب فى الأصل حجر كبير. فمنها ما يكون عندهم من جملة الأصنام، فيذبحون له وعلى اسمه! ومنها مالا يعبد، بل يكون من آلات الذبح، فيذبح الذابح عليه لا للصنم!0

وهذا أكثر ما تحمله العبارة السابقة : أن يكون زيد بن حارثة ذبح شاة، واتفق ذلك الذبح عند صنم، كانت قريش تذبح عنده، لا أنه ذبحها للصنم!0

فظن زيد بن عمرو أن ذلك اللحم مما ذبح لصنم، فامتنع لذلك حسماً للمادة، ولم يكن الأمر كما ظن زيد()0

ويكون امتناع النبى صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن أكل شئ ذبح على النصب أى الحجر مثل امتناع زيد بن عمرو حسماً للمادة0

هذا ولا يعنى قول زيد بن حارثة : "فما رؤى النبى صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب" أنه صلى الله عليه وسلم قبل ذلك كان يأكل مما ذبح لصنم! كلا‍‍! وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك، ويؤكده ما جاء فى نفس الرواية السابقة من حديث زيد بن حارثة قال : "وكان صنماً من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تمسه" قال زيد : فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه حتى أنظر ما يقول، فمسحته! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ألم تنه؟"()0

فكيف يعقل إذن أن ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استلام الأصنام ثم يذبح لها؟!()0

أما ما يستشكل من قول زيد بن عمرو : "إنى لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه" وهو ما يعنى أنه علم أن الشاة المذبوحة، إنما ذبحت على النصب الذى هو من آلات الذبح، ولم تذبح لصنم، ولكنه مع ذلك امتنع عن الأكل منها، لأنها لم يذكر عليها اسم الله عز وجل، وهو ما يعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولى بهذه الفضيلة من زيد بن عمرو0

فالجواب : أنه ليس فى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أكل منها، وعلى تقدير أن يكون أكل، فزيد إنما كان يفعل ذلك برأى يراه، لا بشرع بلغه، ولاسيما وزيد يصرح عن نفسه بأنه لم يتبع أحداً من أهل الكتابين()0

وهو وإن كان على دين سيدنا إبراهيم، فشرعه على تحريم الميتة، لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، واستمر ذلك حتى جاء الإسلام()0

أما قول بعض خصوم السيرة العطرة : "بأن هذا جواب بارد، لأن فيه إدراك زيد لهذا الأمر الذى وافق فيه نظر الشرع"()0

فأقول له : وأين نظر الشرع هنا فى إدراكه، وقد جاء النهى عن أكل ما ذبح إلى غير اسم الله عز وجل، بعد المبعث بمدة طويلة، ولم ينقل أن أحداً بعد المبعث كف عن الذبائح حتى نـزل قوله تعالى : }ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق{()0


أما زعمه بان إدراك زيد لذلك دونه صلى الله عليه وسلم مما لا يمكن قبوله، أو الالتزام به، لأنه يعنى أن زيداً كان أعقل من النبى صلى الله عليه وسلم وأعرف به()0

فالجواب : أنه ليس فى إسناد فضيلة لزيد بن عمرو أو لغيره، ما يعود بالنقض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولا ما يثبت تفضيله عليه. إذ من المسلم أنه قد يكون فى المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل، ولا يؤثر هذا فى أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية. وهذا بديهى. وإلا فليخبرنا الرافضى، هل الفضائل والمناقب الصحيحة، بل وحتى الضعيفة والموضوعة التى تنسب لسيدنا على بن أبى طالب، أو غيره من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين تعنى أنه أو أنهم أعقل من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرف منه، وأفضل منه؟!! أهـ0

هـ عصمته من الحلف بأسماء الأصنام التى كان يعبدها قومه، ويحلفون بها تعظيماً لها:
جاء فى قصة بحيرا الراهب أنه استحلف النبى صلى الله عليه وسلم باللات والعزى حينما لقيه بالشام فى سفرته مع عمه أبى طالب وهو صبى، لما رأى فيه علامات النبوة، فقال بحيرا للنبى صلى الله عليه وسلم يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتنى عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : "لا تسألنى باللات والعزى شيئاً، فوالله ما أبغضت بغضها شيئاً قط"()0

وعن عروة بن الزبير رضى الله عنه قال : حدثنى جار لخديجة بنت خويلد رضى الله عنها قال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول لخديجة : أى خديجة والله لا أعبد اللات أبداً، والله لا أعبد العزى أبداً، قال : فتقول خديجة خل العزى، قال : كانت صنمهم الذى يعبدون، ثم يضطجعون"()0

و- عصمته من استلام الأصنام، وبيان مراد ما يفيد ظاهره عكس ذلك :

عن زيد بن حارثة رضى الله عنه قال : "وكان صنماً من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تمسه" قال زيد : فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه؛ حتى أنظر ما يقول! فمسحته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ألم تنه؟" قال زيد : فوالذى أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلمت صنماً حتى أكرمه الله بالذى أكرمه، وأنزل عليه الكتاب…الحديث"()0

أما ما روى ما يفيد ظاهره من استلامه صلى الله عليه وسلم الأصنام، فليس ظاهره مراداً على فرض صحة الرواية، كيف والرواية فى ذلك لم تصح0

فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : "كان النبى صلى الله عليه وسلم يشهد مع المشركين مشاهدهم، قال : فسمع مَلَكين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه : اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ قال : فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم"() أى لم يعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد مع المشركين مشاهدهم التى فيها شئ من الوثنية، وإلا فقد كان يشهد مشاهد الحلف ونحوه، لا مشاهد استلام الأصنام0

قال الحافظ ابن حجر فى المطالب العالية : "هذا الحديث أنكره الناس على عثمان ابن أبى شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الَملَك "عهده باستلام الأصنام" فإن ظاهره أنه باشر الاستلام، وليس ذلك مراداً، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم"()0

وهذا الرأى ذهب إليه الأئمة : السيوطى فى الخصائص الكبرى() وابن كثير فى البداية

والنهاية() والبيهقى فى دلائل النبوة() والهيثمى فى مجمع الزوائد() قائلاً : "رواه أبو يعلى وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، ولا يحتمل هذا من مثله، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشهد تلك المشاهد قبل النبوة للإنكار وهذا يتجه، ويفسره ويؤكده رواية زيد بن حارثة السابقة" أهـ بتصرف0

قلت : وأنا مع الأئمة فيما ذهبوا إليه من إنكارهم للحديث، وتفسيرهم لظاهر استلامه صلى الله عليه وسلم للأصنام بأن المراد به شهوده صلى الله عليه وسلم مشاهد المشركين واستلامهم لأصنامهم، ويؤكد هذا التفسير سيرته العطرة قبل النبوة والتى عصمه ربه عز وجل فيها مما كان عليه المشركون، من أكل ما ذبح على النصب، أو الحلف بأسماء الأصنام، وكذلك عصمته من مظاهر لهو الجاهلية، ولو كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ من ذلك لاحتجوا به فى رد دعوته بعد البعثة، ولكن ذلك لم يرد، فدل على عصمته صلى الله عليه وسلم منه0

"وأياً كان الأمر فإن حديث جابر منكر، أنكره أحمد بن حنبل جداً، وقال هو موضوع، أو شبيه بالموضوع، وقال الدارقطنى : يقال إن عثمان بن أبى شيبة وَهِمَ فى إسناده وقال القاضى عياض : والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه"() ورغم حكم أئمة السنة على رواية جابر بالنكارة، إلا أنك تجد بعض الشيعة يحاول أن يوهم قارئه أن علماء السنة يصححونها()0

أما ما زعمه "در منغم" من تقربه صلى الله عليه وسلم إلى العزى بشاة بيضاء() وما ذكره الدكتور هيكل تبعاً له، من أنه صلى الله عليه وسلم تمسح بالصفراء() فكلاهما ادعاء باطل؛ واختلاق من نسج خيال مريض، حيث لم يرد لم زعموا ذكر البتة، فى أى من كتب السنة أو السير أو التاريخ أو غيرها. وأنى لهما أن يثبتا ذلك؟‍! ولماذا اختيار الشاة البيضاء؟ أو صنم الصفراء بأعيانهما؟ وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يصون لسانه عن مجرد ذكر الأصنام؛ فكيف يقرب القرابين إليها ويتعبدها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم0

ز- من مظاهر عصمته شق صدره الشريف :
قال تعالى : }ألم نشرح لك صدرك{() فى هذه الآية الكريمة يبين رب العزة منته على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بشرح صدره الشريف لإعداده للقيام بعبء الدعوة، وحمل الرسالة، وعصمته من الشيطان الرجيم()0

والاستفهام فى الآية (ألم) للتقرير : أى قد شرحنا لك صدرك والشرح هنا فى حقه صلى الله عليه وسلم ، شرح معنوى وحسى معاً0

أما الشرح المعنوى : فهو بالنور الإلهى كما فى قوله تعالى : }فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد فى السماء{() وقوله سبحانه : }أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه{()0

أما الشرح الحسى : فقد حدث له صلى الله عليه وسلم أربع مرات() وبه قال كثير من الأئمة :

وكانت المرة الأولى : عندما كان ابن أربع سنين من عمره المبارك، وكان القصد منها كما جاء فى الرواية – نزع العلقة السوداء من قلبه، كرامة له من عند ربه عز وجل، تلك العلقة التى ولد بها تكملة للخلق الإنسانى، لأنها حظ الشيطان من كل البشر، وقد تم بنزعها من قلبه صلى الله عليه وسلم ، أن نشأ مبرءاً من كل عيب، فنشأ على أكمل أحوال البشر من العصمة من الشيطان، والاتصاف بالمحامد العليا منذ نعومة أظفاره، والتى لا يفوقه فيها غيره()0

وقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه هذه المرة الأولى لشق صدره الشريف مجملة عن أنس بن مالك رضى الله عنه() أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال : هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعنى ظئره() فقالوا : إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس : وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره"() فالحديث نص صريح على الشق الحسى لصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ()، وإخراج جبريل لحظ الشيطان منه، وتطهير لقلبه، فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه، وهذا دليل على عصمته من كل ما يمس قلبه، وعقيدته، وخلقه، منذ صغره صلى الله عليه وسلم 0

وقد تكرر شق صدره الشريف للمرة الثانية، وهو ابن عشر سنين وأشهر من عمره الطيب المبارك، وهو سن بداية الكمال، وذلك لقربه من سن التكليف، من أجل أن لا يلتبس بشئ مما يعاب على الرجال، وحتى لا يكون فى قلبه شئ إلا التوحيد، كما كان أيضاً شق صدره الشريف هذه المرة توطئة لما بعده عند البعثة الشريفة()0

فقد أخرج عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند عن أبى بن كعب رضى الله عنه() أن أبا هريرة رضى الله عنه كان جريئاً على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال : يا رسول الله ما أول ما رأيت فى أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً. وقال : لقد سألت أبا هريرة إنى لفى صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسى، وإذا رجل يقول لرجل : أهو هو؟ قال : نعم، فاستقبلانى بوجوه لم أراها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلىَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهم بعضدى، لا أجد لأحدهما مساً، فقال أحدهما لصاحبه : أضجعه؛ فأضجعانى بلا قصر ولا حصر، وقال أحدهما لصاحبه : أفلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدرى، ففلقها فيما أرى بلا دم، ولا وجع، فقال له : أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له : أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذى أخرج يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلى اليمنى، فقال : اغد وأسلم، فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير"()0

وكان المرة الثالثة لشق صدره الشريف عند المبعث، وذلك لإعداد قلبه لتحمل عبء الوحى والرسالة، بقلب قوى فى أكمل الأحوال من التطهير() فعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نذر أن يعتكف شهراً هو وخديجة بحراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج النبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فسمع : السلام عليك، فقال : فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعاً حتى دخلت على خديجة، فسجتنى ثوباً، وقالت : ما شأنك يا ابن عبد الله؟ فقلت سمعت : السلام عليك، فظننتها فجأة الجن، فقالت : أبشر يا ابن عبد الله، فإن السلام خير، قال : ثم خرجت مرة فإذا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، قال فهلت() منه، فجئت مسرعاً، فإذا هو بينى وبين الباب، فكلمنى حتى أنست به، ثم وعدنى موعداً، فجئت له فأبطأ علىَّ، فأردت أن أرجع، فإذا أنا به وميكائيل قد سدا الأفق، فهبط جبريل وبقى ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذنى جبريل، فاستلقانى لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبى، فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم أكفأنى كما يكفأ الأديم، ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مس الخاتم فى قلبى، ثم قال : اقرأ، ولم أك قرأت كتاباً قط، فلم أجد ما أقرأ، ثم قال : اقرأ، قلت ما أقرأ قال }اقرأ باسم ربك الذى خلق{() حتى انتهى إلى خمس آيات منها، فما نسيت شيئاً بعد، ثم وزننى برجل، فوزنته، ثم وزننى بآخر فوزنته، حتى وزننى بمائة رجل، فقال ميكائيل : تبعته أمته ورب الكعبة، فجعلت لا يلقانى حجر ولا شجر إلا قال : السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة قالت : السلام عليك يا رسول الله"()0

أما المرة الرابعة التى شق فيها صدر النبى صلى الله عليه وسلم فكانت ليلة الإسراء والمعراج وذلك تأهباً لمناجاة ربه عز وجل، والمثول بين يديه، واستعداداً لما يلقى إليه من سائر أنواع الفيوضات الإلهية، وما يراه من عظيم الآيات الربانية()0

فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كان أبو ذر رضى الله عنه() يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "فرج عن سقف بيتى وأنا بمكة، فنزل جبريل عليه السلام، ففرج صدرى، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً. فأفرغها فى صدرى، ثم أطبقه. ثم أخذ بيدى، فعرج بى إلى السماء … الحديث()0

والحكمة هنا فى شق صدره الشريف، مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيماناً وحكمة بغير شق؛ الزيادة فى قوة اليقين، لأنه أعطى برؤية شق بطنه، وعدم تأثره بذلك، ما أمن معه من جميع المخاوف العادية المهلكة، فكمل له صلى الله عليه وسلم بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله عز وجل وعدم الخوف مما سواه، فلذلك كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، وأعلاهم حالاً ومقالاً، ولذلك وصف بقوله تعالى : }ما كذب الفؤاد ما رأى{() وقوله سبحانه : }ما زاغ البصر ما طغى{()0

والشاهد فى الروايات السابقة على عصمته صلى الله عليه وسلم ، أنه قد أُفرغ فى صدره الشريف طست ممتلئ حكمة وإيماناً؛ وتجسيد المعنويات فى قدرة الله عز وجل هين… وهذا يوضح عصمته، إنه الذى نزعت عقله من صدره، هى حظ الشيطان منه، وأفرغ فى صدره طست الإيمان والحكمة، فكيف يكون عقل هذا شأنه؟ إنه يكون عقله أسمى من كل عقل، وأزكى من كل فهم، ولم لا : وقد نزع منه حظ الشيطان، وملئ قلبه بالحكمة والإيمان والحكمة جامعة لعموم العلوم والمعارف، والإيمان كلمة جامعة لكل ما يرضى الله تبارك وتعالى()0

ح- من مظاهر عصمته تكافؤ أخلاقه :
وهكذا نشأ المصطفى صلى الله عليه وسلم ، محفوظاً ومعصوماً قبل النبوة وبعدها من الشيطان الرجيم، ومعصوماً من كل ما يمس عقيدته بسوء، بل ومن كل ما يمس خلقه، حتى كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً حتى سماه قومه "الأمين"()0

وهذا الاسم العظيم "الأمين" يمثل أصدق تمثيل مدح رب العزة له بقوله سبحانه : }وإنك لعلى خلق عظيم{()0

وهو اسم يمثل التكافؤ الخلقى فى شخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أصدق تمثيل؛ وأعنى بالتكافؤ الخلقى : أن أخلاقه صلى الله عليه وسلم كلها قبل النبوة وبعدها تنبع من عصمة المولى عز وجل له، فهو الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، ومن هنا كانت أخلاقه كلها نِسَبِها متفقة، فصهره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه… وهكذا لا تجد له خلقاً فى موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خلق آخر فى موضعه منها، وهذا التكافؤ الخلقى فى وجوده الواقعى فى شخصيته صلى الله عليه وسلم معجزة فى الحياة، لأن الإنسان معترك الغرائز، والتكافؤ الخلقى فى الشباب ضرب من المحالات فى متعارف الحياة، فإذا حققه الوجود الواقعى فى شباب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان وجوده معجزة، ودليل على عصمة رب العزة له، وعنايته به وحفظه من مظاهر الجاهلية، على ما سبق تفصيله0

وكذلك التكافؤ الخلقى فى شخصيته صلى الله عليه وسلم بعد النبوة يعد معجزة ودليل على عصمته. لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشرية من كان هذا التكافؤ الخلقى خليقته العامة سوى المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ، وإذا ذكر التاريخ غيره من النماذج العليا ذكره عنواناً لتبرير جزئى فى بعض الفضائل والأخلاق. فهذا مثل مضروب فى الصبر، وذاك فى الحلم، وثالث فى الكرم، ورابع فى الشجاعة. وهكذا تتفرق النهايات فى الأخلاق والفضائل فى نماذج متعددة، ولكنها تجتمع متكافئة فى شخصيته صلى الله عليه وسلم ، وهذا من الإعجاز والعصمة0

وإذا أردت مثلاً على هذا التكافؤ الخلقى فى شخصيته صلى الله عليه وسلم فتأمل حاله قبل زواجه من خديجة رضى الله عنها من شظف العيش، وقلة ذات يده، وتأمل حاله بعد زواجه منها، حيث أصبح صلى الله عليه وسلم بين عشية وضحاها من أغنياء قريش، وذوى ثرواتها، حيث أصبح عُرفاً مالها ماله، وثراؤها ثراءه. فهل غير ذلك تكافؤه الخلقى؟!0

كلا! إن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ظل بعد هذا الثراء الغامر، كما كان من ولد ونهد وشب، يعيش فى شظف عيشه؛ لا من قلة المال فى يده، بل لأن خصيصة التكافؤ الخلقى عنده طبعته على الزهادة فى الحياة المادية المترهلة التى كانت تحياها قريش، وطبعته على التسامى بنفسه عن مطامع الماديين، إذا هبط عليهم الثراء من غير كد ولا تعب0

فحياته صلى الله عليه وسلم قبل زواجه من خديجة كانت تقلل من الدنيا، وكذلك كانت حياته بعد زواج خديجة، حياة تقلل من الدنيا وهى ملء يده وهكذا كان آخر حياة شبابه، صورة من أولها()0

ولا غرو فى أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المثابة من التكافؤ الخلقى، فقد عصمه ربه عز وجل، واصطنعه لنفسه، وأراد منه أن يكون خاتم أنبيائه ورسله إلى الخلق كافة، ولا يقوم بذلك إلا أمين صاحب خلق عظيم، ينال ثقة الناس فيستجيبون له ويؤمنون به0

ط- من مظاهر عصمته كمال عقله :
إن كمال العقل وفطنته من أبرز صفات الرسل الذاتية التى منحهم الله تعالى إياها، وهى من لوازم الرسالة الإلهية، والاصطفاء الربانى لها، كما أنها عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة الرسل إلى أقوامهم، ومعالجتهم بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة وفق طبائعهم وأخلاقهم. قال تعالى : }ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن{() وواضح من هذه الآية الكريمة التى تبين سبيل الدعوة أنها تعتمد على رجاحة العقل وفطنته0

فلابد أن يكون الرسول أكمل الناس عقلاً وفطنة حتى يقيم الحجة على قومه على خير وجه، بحيث تكون ملزمة للخصم كل الإلزام، فإن آمن، وإلا جادله فاستعمل معه أسلوب المعارضة، والمناقضة، وهو فى كل ذلك يسلك مسالك الكرام لا يسئ ولا يغضب() وقد قص الله عز وجل لنا من أحوال فطنة الرسل مالا ينقض منه العجب، من سرعة البديهة، وإقامة الحجة الصادقة، وذلك كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، ويونس، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين0

وإذا ذهبنا لذكر نماذج من فطن الأنبياء فى القرآن الكريم، فإن ذلك يفضى بنا إلى الإطالة، ولكن بحسبنا أن نأتى ببعض النماذج من واقع حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، لتكون كافية للدلالة على باقى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق نبى يجوز فى حق غيره من الأنبياء0
قال القاضى عياض : بعد أن قرر أنه لا مرية فى أنه صلى الله عليه وسلم أعقل الناس وأذكاهم وفى ذروة الذرى فى الفطنة، ورجاحة العقل قال : "ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب فيه، لم يمتر فى رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهة"()0

وإليك بعض الأمثلة على كمال عقله وفطنته من سيرته العطرة :
أ- سرعة حله للمشاكل المستعصية التى تحار فى حلها العقول الكبيرة الشهيرة وصور ذلك كثيرة منها :
حله لمشكلة قريش فى وضع الحجر الأسود الذى تنافست فيه قبائلها، وأرادت كل قبيلة أن تحوز شرف وضعه، وتستأثر به على غيرها، حتى وصل بها الحال إلى شفا الحرب، حيث قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت، وأدخلوا أديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا وتناصفوا، وأشار عليهم أبو أمية بن المغيرة، وكان يومئذ أسن قريش كلها على أن يجعلوا بينهم فيما يختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد – يعنى باب بنى شيبة – فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين رضينا، هذا محمد! فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال صلى الله عليه وسلم : "هلم إلى ثوباً، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً. ففعلوه حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم ثم بنى عليه"()0

وبذلك رفع ما بينهم من ذلك الخلاف الذى كاد يؤدى برجالهم، والذى حارت فيه عقولهم، وفيهم المشهورون بالعقل والحنكة والتجربة والسؤود، ومع ذلك بارت فى هذه المشكلة العويصة، حتى خلصهم منها ذو الفطنة النبوية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ فى سن الخامسة والثلاثين من عمره صلى الله عليه وسلم () على الرغم من وجود الكبار والكبار جداً، وعلى الرغم من وجود العقلاء والنبلاء جداً، إلا أنه صلى الله عليه وسلم هو الذى حل المشكلة، إنه صلى الله عليه وسلم الذى ارتضاه الجميع لمكانته، فلما حكم ارتضوا حكمه لعدالته. لم يعترض أحد على شخصه، ولم يعترض أحد على فكره، حتى قال من لا يعرفه! يا عجبا لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سناً، وأقلهم مالاً، فرأسوه فى مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم له!! ()0
ومثل هذا الحل السريع الحاسم حله صلى الله عليه وسلم لمشكلة المهاجرين }الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله{() فوفدوا إلى المدينة لا يملكون شيئاً، فكانوا بذلك فى خطر المجاعة والغربة، مما اقتضى إيجاد حل سريع لهذه المشكلة، وكان رجلها وواحدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث آخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة والحق، والتوارث، واستمروا على ذلك الحال إلى أن أنزل الله تعالى : }وأولوا الرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله{() فنسخت حكم التوارث بين المهاجرين والأنصار() وبذلك حل النبى صلى الله عليه وسلم مشكلة من أكبر المشاكل استعصاءً فى الحل0
كما حل فى نفس الوقت مشكلة أخرى هى بمثابة المشكلة الأولى فى الأهمية، وهى مشكلة التعايش فى المدينة بين طوائف مختلفة : الأوس والخزرج الذى كان بينهما من العداء بسبب ما كان يجرى بينهما من الحروب مالا يكاد ينسى والمهاجرين الذين تركوا أوطانهم وأموالهم، وأتوا لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجموع يهود التى كانت تسيطر على الحركة الاقتصادية فى المدينة باحتكارها التجارة فيها، وتشكيلهم خطراً عظيماً على الدولة الإسلامية الفتية، وهم أيضاً منقسمون على أنفسهم، فبعضهم يوالى الأوس، والبعض الآخر يوالى الخزرج. فكان لابد من إيجاد ثقة كاملة، بين هذه الأطراف المختلفة للتعايش السلمى، والدفاع العام عن عدو مشترك يقدم عليهم من الخارج، يريد المساس بأحد من هذه الطوائف، فكان ذلك بما أجراه النبى صلى الله عليه وسلم من عهد موادعة بين هذه الطوائف يرضى جميعها0

وبهذا العهد() قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النعرات الجاهلية، والدسائس اليهودية، وأوجب للجميع الود والإخاء، والتراحم، وإقامة العدل، وما كان لذلك أن يتم لولا هذا العلاج الناجح، من ذى الفطنة العظيمة، والسياسة الحكيمة – صلوات الله وسلامه عليه0

وكم كانت فطنته الكاملة تحل من مشاكل عديدة فى أسرع وقت وأقصره، فيتحقق بذلك له ولأمته ما يصبون إليه من نصر وسعادة وعز وسيادة، وليس أدل على ذلك من صلح الحديبية! الذى كان آية من الآيات العظيمة، فبه فتح الله عليه مكة دون حرب أو قتل… ومن كان يتصور فتح مكة بهذا السلام العظيم؟!! والأمثلة غير ذلك ينوء عنها الحصر فى مثل هذا المقام المقتضى للإيجاز، والإتيان من كل بحر قطرة كالأنموذج لغيره، والدليل على ما سواه0
ب- ومن مظاهر كمال عقله صلى الله عليه وسلم وفطنته، سرعة إقامة الحجة على المعارضين وقطع شغبهم وجدالهم بالباطل، فلا يستطيعون مجاراته أو مكابرته، بل لا يسعهم إلا الإذعان والتسليم، أو النكوص على أعقابهم خاسئين خاسرين، وصور ذلك كثيرة منها :
1- ما جاء عن سعيد بن أبى راشد() – رحمه الله – قال : رأيت التنوخى رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (بحمص) وكان جاراً لى شيخاً كبيراً، قد بلغ الفناء أو قرب، فقلت : ألا تخبرنى عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل؟ قال : بلى… وذكر الحديث وفيه : "فانطلقت بكتابه (أى كتاب هرقل) حتى جئت "بتبوك" فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء، فقلت : أين صاحبكم؟، قيل : ها هو ذا، قال : فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابى فوضعه فى حجره، إلى أن قال : ثم إنه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره، فقلت : من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ فقالوا : معاوية. فإذا فى كتاب صاحبى : يدعونى إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين! فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟!…"()0

2- وجاءت قريش إلى حصين بن عبيد() وهو من عظماء قريش، فقالوا له : كلم لنا هذا الرجل، يقصدون : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال : أوسعوا للشيخ، وعمران() وأصحابه متوافرون0

فقال حصين : ما هذا الذى بلغنا عنك، إنك تشتم آلهتنا، وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيراً؟ فقال صلى الله عليه وسلم : يا حصين، إن أبى وأباك فى النار. يا حصين! كم تعبد من إله؟ قال : سبعاً فى الأرض، وواحداً فى السماء. قال : فإذا أصابك الضر من تدعوا؟ قال : الذى فى السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعوا؟ قال : الذى فى السماء. قال : فيستجيب لك وحده، وتشركهم معه؟! أرضيته فى الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟ قال : لا واحدة من هاتين. قال : "وعلمت أنى لم أكلم مثله" قال : يا حصين! أسلم تسلم. قال : إن لى قوماً وعشيرة فماذا أقول؟ قال : قل : اللهم إنى أستهديك لأرشد أمرى، وزدنى علماً ينفعنى. فقالها حصين، فلم يقم حتى أسلم. فقام إليه عمران فقبل رأسه، ويديه، ورجليه، فلما رأى ذلك النبى صلى الله عليه وسلم بكى، وقال : بكيت من صنيع عمران، دخل حصين، وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلم أسلم قضى حقه، فدخلنى من ذلك الرقة، فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه : قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا : صبأ() وتفرقوا عنه()0

فنتأمل كلمة "حصين" الذى تعظمه قريش : "وعلمت أنى لم أكلم مثله" إن هذه الكلمة من هذا الرجل تبين مدى كمال عقله صلى الله عليه وسلم ، وأنه يفوق عقل المعظمين من البشر، إنه عقل نبى مصطفى معصوم!()0

3- وعن أبى أمامة رضى الله عنه() قال : إن فتى شاباً أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، ائذن لى بالزنا!! فأقبل القوم عليه، فزجروه، وقالوا : مهٍ مهٍ() فقال صلى الله عليه وسلم : أدنه، فدنا منه قريباً. قال : فجلس فقال صلى الله عليه وسلم : أتحبه لأمك؟ قال : لا! والله، جعلنى الله فداك فقال صلى الله عليه وسلم : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. ثم قال صلى الله عليه وسلم : أفتحبه لابنتك؟ قال : لا!، والله يا رسول الله، جعلنى الله فداك. قال صلى الله عليه وسلم ولا الناس يحبونه لبناتهم. ثم قال صلى الله عليه وسلم : أفتحبه لأختك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال صلى الله عليه وسلم : ولا الناس يحبونه لأخواتهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم : أفتحبه لعمتك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال صلى الله عليه وسلم ولا الناس يحبونه لعماتهم. ثم قال صلى الله عليه وسلم : أفتحبه لخالتك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال صلى الله عليه وسلم : ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال : فوضع يده عليه، وقال : اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شئ"()0
انتهى الفتى عن هذه الفاحشة، وأصبح لا يلتفت إليها، فقد أقنعه صلى الله عليه وسلم إقناعاً تاماً، وردد، وكرر، حتى قبح هذا الفعل فى نظر الرجل، فأبغضه وابتعد عنه، وهو صلى الله عليه وسلم بدعائه له زاد الأمر حسناً فلم يقف عند حد الإقناع، وإنما دعا له – وهو مستجاب الدعوة – فاقتناع الرجل، وهداه الله، وهكذا النبوة()0

والشاهد مما سبق أنه صلى الله عليه وسلم لم يغضب، ولم يثر، وإنما كلمه كلاماً سهلاً غاية السهولة، أقنعه كل الإقناع. وهذا من كمال العقل وفطنته0

4- وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن أعرابياً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله! إن امرأتى ولدت غلاماً أسود، وإنى أنكرته() فقال له النبى صلى الله عليه وسلم هل لك من إبل؟ قال : نعم. قال صلى الله عليه وسلم ما ألوانها؟ قال : حمر. قال صلى الله عليه وسلم : فهل فيها من أورق() قال : نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنى هو؟() قال : لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق له() فقال له النبى صلى الله عليه وسلم وهذا لعله يكون نزعه عرق له()0

إنه صلى الله عليه وسلم فى هذا الموقف جعل السائل ينطق بالجواب، وضرب له صلى الله عليه وسلم مثلاً من بيئته، وأقنعه أيما إقناع، ولقد كان الرجل منصفاً، فما أن ضرب له صلى الله عليه وسلم المثل إلا اقتنع. لقد سلم الرجل واعترف أن العرق نزاع، وعليه فلعل عرقاً نزع ابنه هذا، كما أن إبله التى فيها جمل يختلف لونه عن بقية الإبل لعله نزعه عرق()0

جـ- ومن مظاهر كمال عقله وفطنته صلى الله عليه وسلم براهينه الساطعة القاطعة التى كان يقيمها على مجادليه ومناظريه من مشركين، وأهل كتاب وغيرهم، وصور ذلك كثيرة أكتفى منها بما يلى :
مجادلته لكفار قريش، وهو ما كان من ابن الزبعرى() الذى سمع بقول الله تعالى }إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون. لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون{() فقال : أما والله لو وجدت محمداً لخصمته، فسلوا محمداً! أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة! واليهود تعبد عزيزاً! والنصارى تعبد عيسى ابن مريم! فعجب الحاضرون مما قاله ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد خصم رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلبه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : "إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته" فأنزل الله تعالى تصديقاً لنبيه صلى الله عليه وسلم : }إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم فى ما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم توعدون{()0

فانظر إلى هذا الجواب المفحم الذى لم يترك للمجادل مجالاً للتمادى بالباطل، حيث أعلمه أن من ذكر لم يأمروهم بعبادتهم، وأنهم إنما يعبدون الشياطين، وأنهم لو أمروهم بذلك أو حبذوا ذلك منهم لكان الحكم عاماً فيهم0

على هذا النحو كانت مجادلة النبى صلى الله عليه وسلم للمشركين فى مكة، وأهل الكتاب فى المدينة() والوفود الواردة من كل نواحى الجزيرة، يجادلوه فيأيده الله، ويقيم الحجة عليهم، وأذكر من ذلك مثالاً ما يلى :

وفد بنى تميم : فلقد قدم عليه أشرافهم، منهم الأقرع بن حابس، وهو من سادات العرب وحكامها() والزبرقان بن بدر التميمى– أحد بنى سعد – وعمرو بن الأهتم. وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، وتمت المفاخرة، وفى نهايتها قال الأقرع بن حابس : إن هذا الرجل لموتى له() لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا()0

لقد اعترف الرجل بكمال عقله وفطنته صلى الله عليه وسلم ، وأنه اختار من أتباعه خطيباً يناسب هذه القبيلة من العرب، ففاق خطيبهم، واختار شاعراً فاق شاعرهم، وما ذلك إلا لكمال عقله وفطنته، وفهمه الدقيق للوافدين عليه، وفهمه الدقيق لأتباعه0

لقد أسلم الوفد()، وهكذا كل من ورد عليه، يعترف بنبوته، وعصمة المولى عز وجل له، وتأييده فى كل أموره()0

وبعد : فقد اتضح لك فيما سبق من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب، ونحو ذلك من مظاهر الكفر والشرك والضلال، والغفلة، والشك، وكذا عصمته من تسلط الشيطان عليه، وعصمته من كل ما يمس أخلاقه بسوء حتى استحقت أن توصف بالعظمة قال تعالى : }وإنك لعلى خلق عظيم{() وبلغ من عظمة أخلاقه تكافؤها بنسب متفقة، فحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مروءته، الخ، وهو فى كل ذلك فى أول شبابه كآخر حياته. وكذلك اتضح عصمته صلى الله عليه وسلم من كل ما يمس عقله بسوء، حتى كان قبل النبوة وبعدها أكمل الناس عقلاً وفطنة، كما كان صلى الله عليه وسلم أكمل الناس إيماناً وخلقاً0

وكذا عصم رب العزة رسوله صلى الله عليه وسلم وخصه دون سائر الأنبياء بعصمة بدنه الشريف من القتل، وقد دل على ذلك الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، فإلى تفصيل ذلك فى المبحث التالى0
المبحث الثانى
دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى بدنه من خلال القرآن الكريم
والسنة النبوية

المراد بعصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه هنا، عصمته من القتل، أما الأمراض والآفات الغير منفرة فلا. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والرسل، من البشر. وهم بحسب ظواهرهم يطرأ عليها ما يطرأ على سائر البشر من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام0
وهذا كله ليس بنقيصه فيهم لأن الشئ إنما يسمى ناقصاً بالإضافة إلى ما هو أتم منه، وأكمل من نوعه، وقد كتب الله عز وجل على أهل هذه الدار كلها، بأنهم فيها يحيون، وفيها يموتون، ومنها يخرجون. فالمرض والشكوى منه والتداوى، والإحساس بالحر والبرد، وإدراك الجوع والعطش، والغضب والضجر، والتعب والضعف والموت. كل ذلك سمات البشر كلها، والتى لا محيص عنها، وقد جرى على خير خلق الله عز وجل من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام السمات السابقة، كما ابتلاهم الله عز وجل بضروب من المحن، وذلك من تمام حكمته عزوجل لحكم منها ما يلى :
ليتحقق بامتحانهم بشريتهم، ويرتفع الالتباس من أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم، ضلال النصارى بعيسى ابن مريم، وضلال اليهود بعزيز0
ليظهر شرفهم، ورفعة درجاتهم، كما قال عز وجل: }ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم{()0
تسلية لأممهم، وتذكرة لهم ليتأسوا بهم فى البلاء، ويستخرجوا حالات الصبر، والرضى، والشكر، والتسليم، والتوكل ونحو ذلك مما وقع منهم0
فى امتحانهم محو لهنات فرطت منهم أو غفلات سلفت لهم – إن صح التعبير – ليلقوا الله عزوجل طيبين مهذبين، وليكون أجرهم أكمل، وثوابهم أوفر وأجزل()0
وكل ذلك تحقيقاً لما أجمله القرآن الكريم }ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين{() وقوله سبحانه }ليبلوكم أيكم أحسن عملاً{() وهذا ما فصله وبينه النبى صلى الله عليه وسلم فى أحاديث عدة منها ما يلى :
1- عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه() قال : قلت : يا رسول الله! أى الناس أشد بلاءً قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبلتى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان فى دينه رقة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة"()0
وقوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : "إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك"()0
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة فى نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة"()0
وعن أبى سعيد الخدرى وعن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم – حتى الشوكة يشاكها – إلا كفر الله بها من خطاياه"()0
ومن أجل كل ما سبق كانت شدة المرض والوجع بالنبى صلى الله عليه وسلم بدليل :
عن عائشة رضى الله عنها قال : ما رأيت أحداً أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم "()0
وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت : يا رسول الله، إنك توعك وعكاً شديداً. قال : "أجل إنى أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت : ذلك بأن لك أجرين. قال : أجل، ذلك كذلك"()0
وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك، عليه قطيفة، ووضعت يدى عليها، فوجدت حرارتها فوق القطيفة، فقلت : ما أشد حر حماك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : "إنا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر" قال أبو سعيد : يا رسول الله، من أشد الناس بلاء؟ قال : الأنبياء قال : ثم من؟ قال : العلماء، قال : ثم من؟ قال : "ثم الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى تقتله، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء"()0

خصوصية عصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه من القتل :
إذا كانت الأحاديث النبوية السابقة تؤكد على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرى عليه ما جرى على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من سمات البشر التى لا ميحص عنها، وابتلى كما ابتلى غيره من الأنبياء بضروب المحن، إلا أنه صلى الله عليه وسلم اختص بعصمة بدنه الشريف من القتل بدليل قوله تعالى :
}وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين{()0
وقال سبحانه : }الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين{()0
فتأمل قوله تعالى : }قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل{ وقوله سبحانه : }قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم{ إن الخطاب فى هاتين الآيتين موجه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أمره ربه عز وجل إلى قتلة الأنبياء والمرسلين من بنى إسرائيل، وتحدى لهم بأوضح بيان، بأنهم وإن وقع منهم قتل الأنبياء من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن الله تعالى، فهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما حاولوا قتله، فلم ولن يفلحوا، لأن الله عز وجل عصم بدنه الشريف من القتل، كما عصم قلبه وعقله وَخُلُقَه من كل ما يمسهم بسوء، وخصوصية عصمة بدنه الشريف من القتل مستفادة من الآيتين السابقتين فى تكرار قوله : "من قبل" و"من قبلى" فتأمل0

وقال عز وجل : }يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس{()0

روى عن عائشة رضى الله عنها قالت : "كان النبى صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية : }والله يعصمك من الناس{ فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، فقال لهم : "يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنى ربى عز وجل"() وهذه الآية الكريمة، وإن كانت مدنية النزول على قول الأكثرين من المفسرين، إلا أنها لا تعنى أن خصوصية عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بدنه من القتل لم تكن إلا بعد الهجرة النبوية، كلا! لما يلى :
أولاً : لاحتمال تكرار نزول الآية مرة بمكة، وبمرة بالمدينة :
ومن تمسك برواية أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها السابقة، فلا حجة له فيها لاحتمال أن السيدة عائشة لم تخبر عن أمر شهدته، وإنما حدثـت عن من شهـد الحادثة، وقـت نزول الآية فى مكة من الصحابة رضى الله عنهم ويؤيد هذا الاحتمـال، الاختـلاف فى رفع الحديـث ووقفه كما قال الحافظ ابن حجر() وأيضاً : اختلاف ألفـاظ روايـات حديـث عائشـة تشير إلى أنها حدثت أولاً عن أمر سمعته من غيرها، كما فى حديث الترمذى – وهذا هو ما ذكرت فيه نزول الآية، وهو محتمل احتمالاً قوياً أن يكون فى مكة، فلا حجة فيه لمن يتمسك بمدنية الآية لأنه كما "لا يخفى ليس بنص فى المقصود" كما قال الإمام الألوسى فى تفسيره()0

وهى رضى الله عنها تحدثت مرة أخرى عما رأته وشاهدته، وكانت فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بدليل رواية الإمام أحمد "وهى إلى جنبه"()0

ثانياً : يحتمل أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق فى حديث عائشة – على فرض أن هذا القول كان بالمدينة، إخبار عن حال ثابتة له صلى الله عليه وسلم منذ كان بمكة، ولما رأى حرص أصحابه على حمايته، وانتدابهم لحراسته فى بلد نزل فيه مهاجراً قبل أن يستقر؛ ذكرهم بأنه لا حاجة له بحراستهم فى المدينة أيضاً، لأن الله تعالى قد عصمه منذ كان فى شدة الأزمات والشدائد بمكة()0

ويؤيد ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كان النبى صلى الله عليه وسلم يحرس، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالاً من بنى هاشم حتى نزلت هذه الآية : }يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس{() فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال : يا عم إن الله قد عصمنى من الجن والإنس"() وللحديث شاهد من رواية جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت : }والله يعصمك من الناس{ فذهب ليبعث معه فقال : "يا عم إن الله قد عصمنى لا حاجة لى إلى من تبعث"()0
وللحديث شاهد ثانى من رواية أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال : "كان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الآية : }يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك{… الآية، ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس"() فهذه الروايات السابقة مع معنى الآية الواردة فيها يقتضى أنها نزلت بمكة أيام الشدائد والأزمات التى كانت تعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو قومه، فقوله تعالى : }والله يعصمك من الناس{ أى بلغ أنت رسالتى، وأنا حافظك وناصرك، ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك() والعباس فى حراسته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء فى رواية أبى سعيد الخدرى، هو بلا شك أحد فتيان بنى هاشم الذين كان يبعثهم أبو طالب كل يوم لحراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم 0

وذهاب الحافظ ابن حجر فى الفتح() إلى أن ملازمة العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانت بعد فتح مكة عدول منه – رحمه الله تعالى – عما تلهمه الآية، ويقتضيه حال الدعوة فى مستهلها من حاجة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العصمة من الناس ليتمكن من إبلاغهم ما أمره الله بتبليغهم إياه، واستدلاله على ما ذهب إليه بما ورد فى الأخبار من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرس فى بدر، وفى أحد، وفى الخندق، وفى رجوعه من خيبر، وفى وادى القرى، وفى عمرة القضاء، وفى حنين، وهذا يقتضى عنده نزول الآية متراخية عن وقعة حنين() غير مسلم به من وجهين :
الوجه الأول : أن ملازمة العباس للرسول صلى الله عليه وسلم ومداومته عليها كانت معلومة للناس بمكة قبل الهجرة، فقد كان من لا يعرف شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب، ولم يسبق له أن رآه، ويعرف عمه العباس، فإنه يدل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه الرجل الذى يجلس مع العباس بن عبد المطلب() ومما يؤكد ملازمة العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة أيضاً – وهى بلا ريب ذات هدف سام أهم ما فيها حراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أعدائه – أن العباس لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فى بيعة العقبة الكبرى التى تمت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين الأنصار، وكان أول متكلم فى تلك الليلة، وفيما قاله دليل على أنه كان يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعه من أذى قومه قال : "يا معشر الخزرج… إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو فى عز من قومه، ومنعة فى بلده… فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه فإنه فى عز ومنعة من قومه وبلده"()0
فحراسات رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من قبل أهله وعشيرته، كانت لأسباب عامة، الغرض منها حماية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو منهم فى الذروة لرد اعتداء قريش عنه، ومنع طغيانها عليه0

الوجه الثانى : أن حراسته صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة كانت جميعها لأسباب خاصة. وباستقصاء الأسباب الخاصة لحراسة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة، تراها :
إما فى أول مقدمة المدينة كما فى حديث عائشة رضى الله عنها عند البخارى أنها قالت : "كان النبى صلى الله عليه وسلم سهر، فلما قدم المدينة قال : ليت رجلاً من أصحابى صالحاً يحرسنى الليلة، إذ سمعنا صوت سلاح، فقال : من هذا؟ فقال : أنا سعد بن أبى وقاص جئت لأحرسك، فنام النبى صلى الله عليه وسلم "()0
أو أن تكون أسباب حراسته صلى الله عليه وسلم أموراً داخلية خاصة به، كما فى حراسة أبى أيوب رضى الله عنه() لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بنائة صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حى بن أخطب رضى الله عنها()وهو عائد من خيبر، فقد بين أبو أيوب سبب حراسته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله عن حراسته له صلى الله عليه وسلم فقال أبو أيوب : "خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها، وزوجها، وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى"()0
أو أن تكون وقائع حربية كما فى حراسته صلى الله عليه وسلم فى بدر وأحد والخندق وحنين() وغيرها من المشاهد الحربية0

وهذه جميعها أمور يجب أن يحرس فيها الإمام والقائد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم قطعاً فى هذه الحراسات الخاصة أنه معصوم، ولكنه طلبها أو أقرها تشريعاً لأمته لتقتدى به فى ذلك، ولتتعلم الأخذ بالحذر، والاحتراس من العدو، وحراسة السلطان أو القائد خشية القتل،وفى هذا يقول الحافظ ابن حجر : "وإنما عانى النبى صلى الله عليه وسلم ذلك مع قوة توكله، للاستنان به فى ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل. وأيضاً فالتوكل لا ينافى تعاطى الأسباب، لأن التوكل عمل القلب، وهى عمل البدن، وقد قال صلى الله عليه وسلم : "اعقلها وتوكل"()0

وقال القرطبى : "ليس فى الآية – يعنى }والله يعصمك من الناس{ ما ينافى الحراسة، كما أنه ليس فى أعلام الله نصر دينه وأظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد"()0
وبهذين الاحتمالين السابقين تبقى مكية الآية قائمة، ومما يؤكد القول بمكيتها ما قاله صلى الله عليه وسلم لابنته زينب رضى الله عنها() لما قامت تغسل عنه التراب الذى نثره أحد سفهاء قريش، وهى تبكى؛ خاطبها صلى الله عليه وسلم : بقوله : "لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع أباك"() فهذا يدل بما لا مجال للريب فيه أنه صلى الله عليه وسلم كان على يقين من عصمة الله عز وجل له من جميع ما يكيدون ويدبرون0

وأيضاً فإن القول بمدنية هذه الآية مع ما فى أسلوبها من شدة الأمر بالتبليغ، والتحريض عليه، والتوعد على التقصير فيه، يتنافى مع ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة من عزة ومنعة، مكنته من التبليغ ونشر الدعوة بقوة، ونقلها إلى خارج المدينة التى هو فيها سيد الموقف وبيده المبادأة متى أرادها0

بل كيف يتأتى القول أن تنزل عليه آية العصمة من الناس فى المدينة، وهو للعصمة أحوج فى مطلع الرسالة منه عليها فى آخرها؛ وسورة المائدة من آخر القرآن تنزيلاً"()0

هذا فى الوقت الذى تأييده صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين ظاهر فى قوله تعالى : }هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين{() فلا معنى لأخباره على القول بمدنية آية العصمة – بعصمته من الناس – وقد عَرَفَه قبلاً أنه مؤيد بنصره تعالى، وبالمؤمنين0

وتعليل ابن كثير نكارة حديث جابر بن عبد الله فى بعث أبى طالب حُراساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن "هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضى أنها مكية"() غير مسلم به لأن دعواه مدنية هذه الآية لم يقم عليها دليلاً سوى ما يظهر من أنها موجودة فى نظم التلاوة فى سورة مدنية. ووجود الآية فى سورة مدنية، لا يستلزم كونها مدنية، لأن كثيراً من الآيات المكية، وضعت توقيفاً منه صلى الله عليه وسلم فى سورة مدنية، وكثيراً من الآيات المدنية وضعت توقيفاً فى سورة مكية0

وبهذا أيضاً يُردَّ على الإمام القرطبى فيما ذهب إليه، من أن حديث ابن عباس – الذى سبق أن سقناه – يقتضى مكية هذه الآية، والسورة مدنية بإجماع(). فمدنية السورة لا يمنع من وجود آية أو آيات مكيات فيها0

ودعوى أبى حيان فى البحر : "أن مكية هذه الآية يجعلها أجنبية بالنسبة لما قبلها وما بعدها لأنها فى قصة اليهود والنصارى"() غير مسلمة أيضاً لأن وجود آية بين آيات منسجمة معها فى المعنى منسقة فى الربط والتناسب، لا يلزمه اتحاد زمن نزول هذه الآيات، إذ كثيراً ما تكون الآية مكية، لكنها مناسبة لمعانى آيات مدنية اقتضت وضعها بينها توقيفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ()0
"لأن المدار فى سمو نظم القرآن الكريم لم يقم على أساس التوافق الزمنى أو المكانى فى نزول الآيات، وإنما المدار فيه على انسجام المعنى، واتساقه فى نظم التلاوة، ولو تباعد زمن النزول واختلف مكانه، وهذا هو سر التوقيف فى ترتيب الآيات ونظمها فى وضع التلاوة. فلا بدع أن تكون آية أو آيات نزلت فى مطلع الرسالة وشدائدها، ثم وضعت توقيفاً بين آيات نزلت فى أواخر ما نزل من القرآن مادام المعنى فى الآيات منسجماً متسقاً، يأخذ بعضه بحجز بعض، وهذا كثير فى القرآن الحكيم، وهو من دلائل الإعجاز"()0

قلت : ويؤكد مكية الآية، أو تكرار نزولها، وبالتالى خصوصية عصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه الشريف من القتل، ما ورد فى القرآن الكريم من آيات كلها مكية تخاطبه صلى الله عليه وسلم بأنه محفوظ بعناية الله عز وجل، وسيكفيه المستهزئين من قومه، ومن هذه الكفاية عصمة بدنه الشريف من القتل. قال تعالى : }واصبر لحكم ربك فإنك بأعيينا{() وقال سبحانه : }أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه{() وقال تعالى : }وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين{() وهذه الآيات الكريمات السابقة كلها مكية، وهى واضحة الدلالة على بيان اختصاص النبى صلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل0

ولم لا! ورب العزة يخاطبه فى شدة المحن والابتلاء فى مكة المكرمة بقوله تعالى : }فاصبر لحكم ربك{ أى اصبر على أذاهم، ولا تبالهم }فإنك بأعيينا{ أى بمرأى منا، وتحت كلاءتنا. وما تلك العناية الإلهية إلا خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ، بأنه معصوم من ربه عز وجل من الناس"() وجاء التأكيد لعصمته صلى الله عليه وسلم من الناس، بالأمر الربانى بالمضى فى دعوتة، وعدم المبالاة بأعداءه من المشركين، حيث سيكفيهم إياه سبحانه القائل }فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزءين{() وهذه الآية المكية نظير الآية المدنية على ما ذهب إليه بعض المفسرين : }يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس{()0

ففى الآيتين }والله يعصمك من الناس{ و}إنا كفيناك المستهزءين{ خطاب من رب العزة لنبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم بالعصمة من الناس. فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال فى قوله تعالى : }إنا كفيناك المستهزءين{ قال : "المستهزءين : الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بنى أسد بنى عبد العزى، والحارث بن غيطل السهمى، والعاص بن وائل السهمى. فأتاه جبريل – عليه السلام فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأراه أبا عمرو الوليد بن المغيرة، فأومأ جبريل إلى أبجله() فقال : ما صنعت شيئاً، فقال : كفيتكه، ثم أراه الحارث بن غيطل السهمى، فأومأ إلى بطنه، فقال : ما صنعت شيئاً، فقال : كفيتكه، ثم أراه العاص بن وائل السهمى، فأومأ إلى أخمصه()، فقال : ما صنعت شيئاً، فقال : كفيتكه، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة، وهو يرش نبلاً له() فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فعمى، فمنهم من يقول : عمى كذا، ومنهم من يقول : نزل تحت شجرة، فجعل يقول : يا بنى لا تدفعون عنى، قد هلكت أطعن بشوك فى عينى، فجعلوا يقولون : ما نرى شيئاً، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه، وأما الأسود بن عبد يغوث، فخرج فى رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث بن غيطل، فأخذه الماء الأصفر فى بطنه حتى خرج خرؤه() مِنْ فِيه، فمات منها، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوماً حتى دخل فى رجله شبرقه() حتى امتلأت منها فمات"()0

وللحديث شاهد عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : مر النبى صلى الله عليه وسلم على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون فى قفاه، ويقولون : هذا الذى يزعم أنه نبى، ومعه جبريل، فَغَمَزَ جبريل بإصبعه، فوقع مثل الظفر فى أجسادهم، فصارت قروحاً، حتى نَتُنُوا، فلم يستطيع أحدٌ أن يدنو منهم، فأنزل الله : }إنا كفيناك المستهزءين{()0

وصدق رب العزة : }أليس الله بكاف عبده{() بلى كاف عبده!! وقال صلى الله عليه وسلم : "إن الله أمرنى أن أُحَرِّقَ قريشاً، فقلت رب إذاً يَثْلَغُوا() رأسى! فَيَدعُوهُ خُبْزَةً، قال : استخـرجهـم كمـا
استجرجوك واغزهم نغزك()، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله…"()0

وسياق هذا الحديث فى صحيح مسلم يشعر على طوله بأن التحديث به كان بعد الهجرة النبوية، وقد تنبه الإمام القرطبى إلى ذلك، فنزع هذه الجملة من سياق مسلم، ووضعها فى موضعها عند كلامه على آية : }يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس{() باعتبارها مكية() وهذا هو الصواب عندى، وعند غيرى() والله أعلم0


وتأكيداً لخصوصية عصمته صلى الله عليه وسلم من القتل فى مكة، حتى على فرض مدنية آية }والله يعصمك من الناس{ إليك هذه النماذج :

1- ما نزل فى قوله تعالى : }أرأيت الذى ينهى عبداً إلى صلى. أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى. أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم بأن الله يرى. كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية. ناصية كاذبة خاطئة. فليدع ناديه. سندع الزبانية. كلا لا تطعه واسجد واقترب{() فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال أبو جهل : هل يعفر() محمد وجهه بين أظهركم؟ قال : فقيل نعم. فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه فى التراب، قال : فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى، زعم ليطأ على رقبته، قال : فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، قال : فقيل له : مالك؟ فقال: إن بينى وبينه لخندقاً من نار وهولا، وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لو دنا لاختطفته الملائكة عضواً عضواً" قال : فأنزل الله عز وجل – لا ندرى فى حديث أبى هريرة أو شئ بلغه - }كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى{… الآيات()0

2- وفى رواية عن أبى عباس رضى الله عنهما قال فى قوله تعالى : }سندع الزبانية{ قال : قال : أبو جهل : لئن رأيت محمداً يصلى، لأطأن عنقه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم "لو فعل لأخذته الملائكة عياناً"() لقد ظن أبو جهل فرعون هذه الأمة أنه يستطيع أن ينال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل ظن أنه يستطيع أن يقتله، لكنه ما إن اقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله عليه ما أخافه كل الخوف، وأفزعه كل الفزع، مما جعله يعود خاسئاً، يجرى إلى الخلف صاغراً، وهكذا يعصم الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويهين أعداءه()0

قال الحافظ ابن حجر : "وإنما شدد الأمر فى أبى جهل، ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبى معيط، حيث طرح سلى الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو يصلى"() لأنهما وإن اشتركا فى مطلق الأذية حالة صلاته، لكن زاد أبو جهل بالتهديد، وبإرادة وطء العنق الشريف، وفى ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك، ولأن سلى الجزور لم يتحقق نجاستها، وقد عوقب عقبه بدعائه صلى الله عليه وسلم عليه وعلى من شاركه فى فعله فقتلوا يوم بدر"()0

3- ما نزل فى قوله تعالى : }تبت يدا أبى لهب وتب{() فعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال : لما نزلت : }تبت يدا أبى لهب{ جاءت امرأة أبى لهب() ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر : لو تنحيت لا تؤذيك بشئ() فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنه سيحال بينى وبينها" فأقبلت حتى وقفت على أبى بكر، فقالت : يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر : لا، ورب هذه البنية ما نطق بالشعر، ولا يتفوه به، فقالت : إنك لمصدق، فلما ولت، قال أبو بكر رضى الله عنه : ما رأتك؟ قال : "لا، مازال ملك يسترنى حتى ولت"()0

وروى عنه أيضاً قال : "إن الملأ من قريش اجتمعوا فى الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمداً لقمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة() تبكى، حتى دخلت على النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : هؤلاء الملأ من قومك قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من ديتك، فقال : يا بنيه ائتنى بوضوئى، فتوضأ، ثم دخل المسجد، فلما رأوه قالوا : هاهو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم فى صدورهم، وعقروا فى مجالسهم، ولم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤوسهم، فأخذ حفنة من تراب، فقال : شاهت الوجوه، ثم حصبهم، فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر"()0

وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : فى قوله تعالى : }وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين{() قال : "تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فاثبتوه بالوثاق – يريدون النبى صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم : بل اقتلوه. وقال بعضهم : بل اخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات على بن أبى طالب رضى الله عنه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليَّاً يحسبونه النبى صلى الله عليه وسلم : فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياًّ رد الله تعالى مكرهم، فقالوا : أين صاحبك هذا؟ قال : لا أدرى. فاقتفوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا فى الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا : لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال"()0

فتأمل ما فى الروايات السابقة من عصمة المولى عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم من محاولات قتله التى همَّ بها كفار قريش، فرادى تارة، وجماعات تارة أخرى، والتى كان آخرها جماعة فى مكة، ليلة هجرته إلى المدينة المنورة، حيث رد كيدهم إلى نحورهم، وعادوا إلى ديارهم، كحالهم فى كل مرة يجرون أذيال خزى الله عز وجل لهم0

هذا ولم تكن عصمة المولى عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم فى ليلة الهجرة قاصرة على نجاته من بين أيدى صناديد الكفر فى مكة، وإنما امتدت عنايته عز وجل ورعايته لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو فى طريقه إلى المدينة، وفى غار ثور، كما جاء فى الحديث السابق، من نسج العنكبوت على باب الغار، فكان قولهم : "لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه"0

ولم تكن عصمة الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم فى غار ثور، قاصرة على العنكبوت، وإنما امتدت إلى الشجرة التى أنبتها الله عز وجل على فهم الغار، تستر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصاحبه رضى الله عنه، وإلى حمامتين وحشيتين وقفتا على فم الغار0
فعن أبى مصعب المكى() قال : أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، رضى الله عنهم، فسمعتهم يحدثون : أن النبى صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله سبحانه، شجرة فنبتت على وجه الغار فسترته، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل، بعصيَّهم وحرْباتهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبى صلى الله عليه وسلم ، قدر أربعين ذراعاً جعل بعضهم ينظر فى الغار، فقال : رأيت حمامتين بفم الغار، فعرفت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبى صلى الله عليه وسلم ما قال؛ فعرف أن الله عز وجل قد درأ بهما، فدعا لهن وسمَتَ() عليهن، وفرض جزاءَهن، ونزلن بالحرم"()0
وهذا الحديث على غرابة سنده، فلا غرابة فى متنه، وما فيه قليل فى كرامته صلى الله عليه وسلم ، وجائز فى العقل، مؤيد بمطلق قوله تعالى : }إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم{() فتأمل ما فى الآية الكريمة من نسبة نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل، وتأييده صلى الله عليه وسلم بجنود لا يراها أحد، تجد أنه لا يوجد ما يمنع أن يكون ما ورد فى الحديث الغريب السند من الحمامتين الوحشيتين، والشجرة، والعنكبوت من جنود الله تعالى!!

وامتدت عصمة الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم فى غار ثور إلى أمره عز وجل ملائكته أن تستر نبيه وصاحبه عن أعين المشركين، فكان صلى الله عليه وسلم وصحابه يريان المشركين، والمشركون لا يرونهما0
فعن أبى بكر رضى الله عنه قال : "كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى الغار، فرأيت آثار المشركين، قلت يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال صلى الله عليه وسلم : "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"() "لا تحزن إن الله معنا"() وهذا اليقين من النبى صلى الله عليه وسلم بعصمة الله عز وجل له، تجلى فى ملائكة الله عز وجل التى سترتهم وهم فى الغار0

فعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها() : "وطافوا فى جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : يا رسول الله إن هذا الرجل يرانا – وكان مواجهة– فقال : كلا! إن ملائكة تسترنا بأجنحتها، فجلس ذلك الرجل يبول مواجهة الغار، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : "لو كان يرانا ما فعل هذا"()0
وتمتد عناية الله عز وجل وعصمته لنبيه صلى الله عليه وسلم من محاولة سراقة بن مالك()النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالقتل أو الأسر للحصول على الدية التى رصدها كفار قريش (مائة ناقة لمن يأتى برسول الله صلى الله عليه وسلم " قتيلاً أو أسيراً وكما جاء على لسان سراقة بعد أن تتبع أثرهم قال : "حتى إذا دنوت منهم، (أى اقترب من رَكْبِه صلى الله عليه وسلم ) فعثرت بى فرسى، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدى إلى كنانتى فاستخرجت منها الأزلام() فاستقسمت بها : أضرهم أم لا؟ فخرج الذى أكره، فركبت فرسى – وعصيت الأزلام – تقربِّ بى، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم () وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان() ساطع فى السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذى أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبت فرسى حتى جئتهم، ووقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية. وأخبرتهم أخباراً ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآنى() ولم يسألانى إلا أن قال : أخف عنا. فسألته أن يكتب لى كتاب أمن()، فأمر عامر بن فهيرة رضى الله عنه() فكتب فى رقعة من آدم() ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم "()0
فتأمل كيف عصم رب العزة رسوله صلى الله عليه وسلم من محاولة سراقة قتله أو أسره، ليفوز بالدية التى رصدت من كفار قريش، إذ ما اقترب من ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عثرت به فرسه، مرة تلو الأخرى بعد إصراره على تتبع ركبه صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا ما سمع دعاءه صلى الله عليه وسلم بأن يصرعه، أو يكفيه إياه بما شاء، إلا وتتعثر به فرسه للمرة الثالثة، حتى أن يدا فرسه فى هذه المرة غاصت فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، وبعد محاولات منه لاستنهاضها، إذ به يرى على يديها أثر دخان من غير نار ساطع فى السماء،وهنا أيقن سراقة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم محفوظ، ومعصوم منه، كما أيقن فى نفس الوقت، أنه نبى الله حقاً، وأن دينه سيظهر، فما كان منه إلا أن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاب أمان، فأعطاه إياه، ولم يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى أن يقف فى مكانه، ولا يترك أحداً يلحق برَكْبِهِ صلى الله عليه وسلم ، ففعل سراقة، وهنا تتجلى إرادة المولى عز وجل ومشيئته فى عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغير حال سراقة "إذ كان فى أول النهار جاهداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان آخر النهار مسلحة له"() أى حارساً له بسلاحه، بل وبلسانه أيضاً كما جاء فى رواية ابن سعد : "أنه لما رجع، قال لقريش : قد عرفتم بصرى بالطريق وبالأثر، وقد استبرأت لكم، فلم أر شيئاً، فرجعوا"() وقال أيضاً رضى الله عنه رداً على أبى جهل لما بلغه موقفه هذا، ولامه فى تركهم أنشده :

أبا حكم والله لو كنت شاهـداً *** لأمـر جوادى إذ تسيخ قوائمه
عجبت ولم تشكك بأن محمداً *** نبـى وبرهان فمن ذا يقاومه؟‍!
عليك بكف الناس عنه فإننى *** أرى أمره يوماً ستبدو معالمه()0

وبعد : فهل فى كل ما سبق من دلائل حفظ الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم من محاولات كفار قريش قتله، شك فى عصمته صلى الله عليه وسلم من القتل فى فترة مكة، حتى على فرض مدنية الآية الكريمة : }يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس{()؟!!0
إن خصوصية عصمة النبى صلى الله عليه وسلم فى بدنه الشريف من القتل، دلت عليها نصوص القرآن الكريم والسنة فى مكة على ما سبق، وفى المدينة أيضاً0
وإليك نماذج من كفاية الله عز وجل وعصمته لرسوله صلى الله عليه وسلم من مؤامرات أعدائه لقتله أو النيل منه، فى المدينة المنورة :

1- ما حدث بعد غزوة بدر الكبرى من محاولة عمير بن وهب() قتل النبى صلى الله عليه وسلم ، وكتمه ذلك سراً بينه وبين صفوان بن أمية() على أن يؤدى عنه صفوان دينه، ويعوله فى أهله وعياله، ولا ينقسهم شيئاً ما بقوا، فلما قدم عمير المدينة، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ابنه "وهب" وقع أسيراً يوم بدر، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه فى عنقه قال : أرسله يا عمر، أدن يا عمير، فدنا، ثم قال : انعموا صباحاً – وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة" فقال : أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد، قال : "فما جاء بك يا عمير؟ قال : جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم فأحسنوا فيه، قال : "فما بال السيف فى عنقك" قال : قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً؟ قال : "أصدقنى ما الذى جئت له؟" قال : ما جئت إلا لذلك، قال: "بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت : لولا دين على، وعيال عندى، لخرجت حتى أقتل محمداً : فتحمل لك صفوان بن أمية، بدينك، وعيالك، على أن تقتلنى له، والله حائل بينك وبين ذلك" قال عمير : أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحى، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إنى لأعلم أن ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فقهوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره" ففعلوا"()0

فتدبر ما فى القصة السابقة، من يقين رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، بعد أن أخبر عمير بما كان بينه وبين صفران من اتفاق على قتله صلى الله عليه وسلم ، وإعلامه بأن الله عز وجل حائل بينه، وبين ما جاء من أجله0

2- وعن جابر بن عبدالله رضى الله عنه أن رجلاً من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: اقتل لكم محمداً، فقالوا: كيف تقتله؟ قال: أفتك به، فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيفه فى حجره، فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا، قال: نعم، فأخذه واستله وجعل يهزه ويهم، فيكبته الله، فقال: يا محمد أما تخافنى؟ قال: لا، وما أخاف منك؟ قال: أما تخافنى، وفى يدى السيف؟ قال: لا، يمنعنى الله منك، ثم أغمد السيف، ورده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل }يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم{()0
3- وقيل فى سبب نزول هذه الآية، ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: إن عمرو بن أمية الضمرى() حين انصرف من بئر معونة() لقى رجلين كلابيين معهما أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتلهما ولم يعلم أن معهما أماناً من النبى صلى الله عليه وسلم ، ففداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى إلى بنى النضير، ومعه أبو بكر وعمر وعلى، فتلقوه بنو النضير فقالوا: مرحباً يا أبا القاسم؛ ماذا جئت له؟ قال: رجل من أصحابى قتل رجلين من كلاب معهما أمان منى، طلب منى ديتهما، فأريد أن تعينونى، قالوا: نعم والحب لك والكرامة يا أبا القاسم، اقعد حتى نجمع لك، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الحصن، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلى بين يديه، وقد توامر بنو النضير أن يطرحوا عليه حجراً()، وقال بعض أهل العلم: بل ألقوه، فأخذه جبرئيل عليه السلام، وأخبر النبى بما توامر الفسقة، وما هموا به، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه أبو بكر وعمر وعلى رضى الله عنهم، فأنزل الله تعالى: }يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم{()، وفى رواية عن عروة بن الزبير زاد: "وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجلائهم، لما أرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أخذهم بأمر الله وأمرهم أن يخرجوا من ديارهم، فيسيروا حيث شاؤوا، قالوا: أين تخرجنا، قال صلى الله عليه وسلم : إلى الحشر"()0

فتأمل ما فى حديث جابر من عصمة المولى عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم من الإعراب حيث أغمد السيف ورده هو بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أخذ يراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قتله، فما الذى أحوجه إلى مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه بقتله؟!

إن مراجعة الأعرابى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى الكلام، دليل على أن الله عز وجل منعه، بدليل ما ورد فى الحديث من تلويحه بالسيف، فيكبته الله0
وفى جوابه صلى الله عليه وسلم "يمنعنى الله منك" إشارة إلى ذلك، ولذلك لما أعاد الأعرابى كلامه، لم يزده صلى الله عليه وسلم على ذلك الجواب، وفى ذلك غاية التهكم، وعدم المبالاة به، وفى ذلك دليل على قوة صبره وشجاعته، ويقينه بعصمة المولى عز وجل له0
وفى حديث ابن عباس بيان لعصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من محاولة يهود بنو النضير قتله صلى الله عليه وسلم ، كما فعل أسلافهم مع أنبيائهم سابقاً، ولكن عصمة رب العزة، سواء بتلقى جبريل الحجر قبل أن يقع عليه صلى الله عليه وسلم ، أو بإخباره بمؤامرتهم، وبما هموا به، وقيامه صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقوا الحجر0 ففى تلك القصة تأكيد لخصوصية عصمته صلى الله عليه وسلم فى بدنه الشريف من القتل، كما قال عز وجل: }وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين{() فقوله "من قبل" بيان لخصوصية عصمته فى بدنه من القتل لأن اليهود وإن وقع منهم قبله صلى الله عليه وسلم قتل أنبياءهم بإذن الله تعالى، إلا أنهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم ولن يفلحوا فى قتله مهما حاولوا، بدليل الآية الكريمة، وهو ما أكدته السنة المطهرة كما فى هذه القصة، وكما فى الحديث التالى0
4- عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن امرأة يهودية() أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاه مسمومة، فأكل منها0 فجئ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك0 قال: "ما كان الله عزوجل ليسلطك على ذاك" قال: أو قال صلى الله عليه وسلم : "علىَّ" قال قالوا ألا نقتلها؟ قال: لا()، قال: فما زلت أعرفها فى لهوات() رسول الله صلى الله عليه وسلم ()0

ففى قوله صلى الله عليه وسلم "ما كان الله ليسلطك على ذاك أو قال: علىَّ" فيه بيان عصمته صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، كما قال الله تعالى: }والله يعصمك من الناس{() وهى معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى سلامته من السم المهلك لغيره، وفى إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام الشاة له، فقد جاء فى غير مسلم، أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة"()0
5- وعن سلمة بن الأكوع رضى الله عنه() أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بفرس له يقودها عقوق() ومعها مهرة لها يتبعها فقال: من أنت؟ فقال: "أنا نبى" قال: ما نبى؟ قال "رسول الله" قال: متى تقوم الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله" قال: أرنى سيفك، فأعطاه النبى صلى الله عليه وسلم سيفه، فهزه الرجل ثم رده عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما أنك لم تكن تستطيع الذى أردت"() زاد الطبرانى فى روايته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن هذا أقبل، فقال آتية فاسأله، ثم أخذ السيف، فأقتله، ثم أغمد السيف"()0

فتأمل يقين رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصمته من القتل، إذ أخبره ربه عز وجل بحال الرجل القادم عليه، وأنه سيسأل رؤية سيفه صلى الله عليه وسلم ليقتله به، ومع ذلك عندما يأتى الرجل يعطيه النبى صلى الله عليه وسلم السيف عندما سأله، ويهز الرجل السيف محاولاً قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن يكبته الله ويمنعه، فلا يملك إلا رد السيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبره بما كان فى نفسه من نية قتله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لم يكن يستطيع ذلك، لعصمة الله له صلى الله عليه وسلم 0
6- وعن جعدة بن خالد بن الصَّمة رضى الله عنه() قال: شهدت النبى صلى الله عليه وسلم وأتى برجل، فقيل يا رسول الله، هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : لم تراع، لم تراع() لو أردت ذلك لم يسلطك الله على قتلى"()0
7- وعن فضالة بن عمير الليثى رضى الله عنه() قال: أردت قتل النبى صلى الله عليه وسلم ، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنوت منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفضالة"؟ قلت: نعم! فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قلت: لا شئ، كنت أذكر الله عز وجل، فضحك النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: "استغفر الله" ثم وضع يده على صدرى، فسكن قلبى، فوالله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شئ أحب إلىَّ منه"() نعم: هكذا النبوة يقين بعصمة الله تعالى وحفظه، وعلم بالغيب، ورحمة وسكن، وهداية للعصاة0
8- وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه() قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار() يسوقه، أو أنا أسوقه، وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة()، فإذا أنا باثنى عشر راكباً، قد اعترضوه فيها، قال : فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل عرفتم القوم؟ قلنا : لا، يا رسول الله، كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ قلنا : لا، قال : أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى العقبة، فليقوه منها. قلنا : يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال : لا، أكره أن تحدث العرب بينها : أن محمداً قاتل بقوم، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال : اللهم ارمهم بالدبيلة(). قلنا : يا رسول الله! وما الدبيلة؟ قال : شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك"()0
وللحديث شاهد صحيح أخرجه أحمد فى مسنده عن أبى الطفيل رضى الله عنه()0
وأصل هذه القصة أخرجها الإمام مسلم فى صحيحه مختصرة عن حذيفة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "فى أمتى اثنا عشر منافقاً، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل فى سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة. سراج من النار يظهر فى أكتافهم حتى ينجم من صدورهم"() وكان حذيفة رضى الله عنه على علم بأسمائهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الصحابة()، ولما سئل رضى الله عنه : "كيف عرفت المنافقين، ولم يعرفهم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ولا عمر؟ قال : إنى كنت أسير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنام على راحلته، فسمعت ناساً منهم يقولون : لو طرحناه عن راحلته، فاندقت عنقه فاسترحنا منه، فسرت بينه وبينهم، وجعلت أقرأ وأرفع صوتى، فانتبه النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال : من هذا؟ فقلت حذيفة، قال : من هؤلاء خلفك؟ قلت : فلان وفلان حتى عددت أسماءهم، قال : وسمعت ما قالوا؟ قلت : نعم، ولذلك سرت بينك وبينهم، فقال : إن هؤلاء فلاناً وفلاناً، حتى عدد أسماءهم، منافقون، لا تخبرن أحداً"()، وفيهم أنزل قوله تعالى : }يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا{()0

إن فى تلك الآية الكريمة يمتن رب العزة على نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم بعصمته من مؤامرة نفراً من المنافقين هموا بقتله صلى الله عليه وسلم ، وهو عائد من تبوك فى طريقه إلى المدينة، بطرحه من فوق عقبة فى الطريق، وقد جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم اثنا عشر منافقاً، وأخبرهم بقولهم، وبما هموا به من قتله، ولكنهم حلفوا بالله ما قالوا، وتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجاوز عنهم، حتى لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه، بعد أن أظهره الله عز وجل على أعداءه، ولكن مع ذلك لحقتهم لعنة الله فى الدنيا، وموتهم شر ميتة بالدبيلة، وفى الآخرة لهم عذاب جهنم، جزاء نفاقهم وما همو به من قتله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينالوا ذلك لعصمة رب العزة له صلى الله عليه وسلم 0

وبعد : فما ذكر من هذه النماذج الصحيحة فى عصمته صلى الله عليه وسلم من القتل، غنىٌ عن غيره مما لم يذكر من الصحيح، أو ورد ضعيفاً0


من مواضيعي
0 العلم يدعو للإيمان
0 طب وصحة
0 معنا عضو جديد وهو - itsme
0 شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحى الإلهى والرد عليها
0 أسئلة بلا جواب...
0 الموضة القبيحة الأظـافـــر الطـويــــلة
0 مرحبا بك معنا يا elcasuara
0 معنا عضو جديد وهو - sudad64

التوقيع:


سيف الدين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الله, النبوية, الكريم, القرآن, يصورها, رسول, عصمة, عقله, والصلب, وتحلل

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:15 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009