ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى نقد النصرانية > ملتقى النصرانيات العام
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

المسيحية بعد المسيح

ملتقى النصرانيات العام


المسيحية بعد المسيح

ملتقى النصرانيات العام


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 03:41 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي المسيحية بعد المسيح

المسيحية بعد المسيح
ما نزل بالمسيحيين من اضطهاد
أثر الاضطهادات في الديانة
الفلسفة الرومانية والمسيحية
الأفلاطونية الحديثة وأثرها في النصرانية
التثليث ليس من المسيحية بل من الفلسفة الإغريقية
ما نزل بالمسيحيين من اضطهاد
19- هذا هو المسيح كما جاء في كتبهم وتعاليمهم ، ولا نريد أن نخوض في بيان خلافاتهم حوله ، ولا بيان اختلافهم في تفسير هذه العقيدة ، ولا في تفصيل مجملها قبل أن نبين ما نزل بالمسيحيين بعد المسيح ، ولكنا سارعنا إلى بيان اعتقادهم الذي استقروا عليه في المسيح ليوازن القارئ بين ما جاء في القرآن الكريم ، وما جاء في أناجيلهم وتعاليمهم .
ونعود بعد ذلك إلى ما يوجبه البحث العلمي ، وهو تتبع العقيدة في نموها ، وفي استقامتها أو انحرافها بعد صاحبها ، وتمهيداًً لذلك نبين ما نزل بالمسيحيين بعده ، لكي يستبين القارئ مقدار السند بين الديانة . وصاحبها مع هذه الأحداث ، وليعرف الفلسفة التي عاصرت المسيحية ومقدار اتصالهما
اتفقت المصادر شرقية وغربية ، دينية وغير دينية : على أن المسيحيين نزل بهم بعد المسيح بلايا وكوارث ، جعلتهم يستخفون بديانتهم ، ويفرون بها أحياناً ويصمدون للمضطهدين مستشهدين أحياناً أخرى ، وهم في كلتا الحالتين لا شوكة لهم ، ولا قوة تحميهم ، وتحمي ديانتهم وكتبهم ، وإنهم في وسط هذه الاضطهادات يذكرون إنه دونت أناجيلهم الأربعة التي يؤمنون بها ، ودونت رسائلهم !!
وأول اضطهاد نزل بالمسيحيين كان في عهد المسيح ، وانتهى بالخاتمة التي بيناها ، ولقد نزلت من بعده الشدائد بالمسيحيين بما يتفق مع هذا الابتداء . فلقد جاء قيصران بعد طيباروس الذي عاصر المسيح ، كانا شديدين على تلاميذه ، وقتلا منهم قتلا ذريعاً ، وفي زمن ثانيهما دون متى إنجيله بالعبرية ، وترجمه يوحنا صاحب الإنجيل إلى اليونانية ، على رواية ابن البطريق كما سنتبين ، ولم يكن الاضطهاد في عهد هذين القيصرين من الرومان فقط ، بل كان من اليهود أيضاً ، وإذا هم أمكن : وتنقيبهم عن العقيدة أدخل . لأنهم من الشعب ومخالطوهم ومعاشروهم ، فهم بداخلهم أعرف .
وأشد ما نزل من أذى كان في عهد شيرون (سنة 64م) وتراجان سنة 106م وديسيون (249 - 251م) ودقلديانوس (سنة 280م) ، فنيرون هاج الشر عليهم ، وأنزل البلاء والعذاب بهم . واتهمهم بأنهم الذين أحرقوا روما ، فأخذهم بجريرتها . وكانت السنوات الأربع الأخيرة عذاباً أليماً لهم . فقد تفنن هو وأشياعه في هذا العذاب ، حتى لقد كانوا يضعون بعضهم في جلود الحيوانات ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم ، وصلبوا بعضهم ، وألبسوا بعضهم ثياباً مطلية بالقار ، وجعلوها مشاعل يستضاء بها ، وكان هو نفسه يسير في ضوء تلك المشاعل الإنسانية .
وفي عصر نيرون هذا دون إنجيل مرقس سنة 61 على رواية ، وكان بمصر وقد كتبه عنه بطرس وهو برومة وكتب أيضاً لوقا إنجيله في عهد هذا القيصر ، وفي ابتداء هذا الإنجيل ينص على إنه يراسل به تاوفيلس ، ليؤكد له صحة الكلام ، وتاوفيلس هذا رجل من عظماء الروم وأشرافهم ، وفي عصر هذا القيصر أو بعده دون يوحنا إنجيله .
وفي عهد تراجان نزلت بهم آلام ، لأنهم قد جرت عادتهم بالصلاة في الخفاء وهربا من الاضطهاد ، وقد أمر تراجان بمنع الاجتماعات السرية ، فأنزل بهم الذل والعذاب لذلك ، ولأنهم مسيحيون لا يدينون بدين القيصر .
جاء في كتاب تاريخ الحضارة " لقد كتب بلين - وكان والياً في آسيا - إلى الإمبراطور تراجان كتاباً يدل على الطريقة التي كان بها المسيحيون ، قال" جريت مع من اتهموا بأنهم نصارى على الطريقة الآتية وهو إني اسألهم إذا كانوا مسيحيين فإذا أقروا أعيد عليهم السؤال ثانية وثالثاً مهدداً بالقتل ، فإن أصروا أنفذت عقوبة الإعدام فيهم ، مقتنعاً بأن غلطهم الشنيع ، وعنادهم الشديد ، يستحقان هذه العقوبة ، وقد وجهت التهمة إلى كثيرين بكتب لم تذيل بأسماء أصحابها ، فأنكروا إنهم نصارى ، وكرروا الصلاة على الأرباب الذين ذكرت أسماءهم أمامهم ، وقدموا الخمور والبخور لتمثال أتيت به عمداً مع تماثيل الأرباب ، بل إنهم شتموا المسيح ، ويقال إن من الصعب إكراه النصارى الحقيقيين ، ومنهم من اعترفوا بأنهم نصارى ، ولكنهم كانوا يثبتون بأن جريمتهم في إنهم اجتمعوا في بعض الأيام قبل طلوع الشمس على عبادة المسيح على إنه رب ، وعلى إنشاد الأناشيد إكراماً له ، وتعاهدوا بينهم لا على ارتكاب جرم ، بل على ألا يسرقوا ، ولا يقتلوا ، ولا يزنوا ، وأن يوفوا بعهدهم ، ورأيت من الضروري لمعرفة الحقيقة أن أعذب امرأتين ذكروا إنهما خادمتا الكنيسة ، بيد إني لم أقف على شيء سوى خرافة سخيفة مبالغ فيها" .
وهذا الكتاب كاشف كل الكشف عما كان يحدث للنصارى في عهد ذلك القيصر من اضطهاد وتعذيب ، وتنقيب عن القلب وخبيئة النفس .
ولم ينقطع الاضطهاد بعد موت تراجان ، بل استمر ، وإن أخذت الرأفة بعض القياصرة ، خلف من بعده خلف ينزلون عذاباً مرا يزيل أثر كل رحمة سابقة كانت نسبية حتى جاء ديسيوس فأنزل بهم من البلاء ما تقشعر من هوله الأبدان ، ولنترك القلم لبطريرك الإسكندرية ، يصف بعض ما عاين من ديسيوس بعد أن ذاق بعض الرحمة من سابقه ، فهو يقول : "لم نكد نتنفس الصعداء ، حتى حلق بنا الخوف ، وحفنا الخطر ، عندما بدل ذلك الملك الذي كان أرق جانباً ، وأقل شراً من غيره ، وجاء مكانه ملك آخر ، ربما لا يجلس على كرسي المملكة حتى يوجه أنظاره نحونا فيعمل على اضطهادنا . وقد تحقق حدسنا ، عندما أصدر أمراً شديدا ، فعم الخوف الجميع ، وفر بعضهم وقد أبعد كل مسيحي من خدمة الدولة ، مهما يكن ذكاؤه ، وكل مسيحي يرشد عنه يؤتى به على عجل ويقدم إلى هيكل الأوثان ، ويطلب منه تقديم ذبيحة للصنم ، وعقاب من يرفض تقديم الذبيحة أن يكون هو الذبيحة, بعد أن يجتهدوا في حمله بالترهيب . . . . ومن ضعاف الإيمان من أنكر مسيحيته, واقتدى به البعض ، ومنهم تمسك بأذيال الفرار ، أو من زج به في غيابات السجون" .
وهكذا يقص ذلك القسيس ما نزل بهم مما انتهى به الأمر إلى فراره هو ، وقد كتب يعتذر عن ذلك إلى بعض من أبلوا بلاء حسناً ، ولم يلوذوا بالفرار .
ولم يكن البلاء مقصوراً على مصر ، بل كان يتتبع المسيحيين في الدولة الرومانية حيثما ثقفوا ، وأينما كانوا .
ولي بعد ديسيوس من أوقع البلاء وأنزله بالمسيحيين ، ولكن كان أشد هؤلاء وأبلغهم أذى وأنكأهم بطشاً - دقلديانوس الذي جاء إليهم ، بعد أن خف العذاب عنهم قليلاً ، وقد رجوا فيه خيراً ، وأملوا منه أن يكون عوناً ، لأن مدير خاصته مسيحي ، ولكنه كان أشد من غيره على المسيحيين ، وخصوصاً المصريين ، وذلك لأن المصريين رأوا أمماً تحللت من حكم الرومان ، ودكوا أغلاله ، فاقتدوا بهم ، ونزعوا إلى السير في طريق الحرية والاستقلال ، وساروا فيه ، وعقدوا الإمرة لواحد منهم ، فجاء دقلديانوس إلى مصر ، وأنزل بها البلاء ، وأزال استقلالها ، وأعاد فتحها ، وكانت كثرتها في ذلك الإبان مسيحية ، وقد أمر بهدم الكنائس ، وإحراق الكتب ، وأصدر أمراً بالقبض على الأساقفة والرعاة ، وزجهم في غيابات السجن ، وقهر المسيحيين وحملهم على إنكار دينهم ، وقد استشهد في هذا الوقت عدد كبير من الأقباط تجاوزت عدتهم أربعين ومائة ألف ، وعدهم بعض المؤرخين ثلاثمائة ألف ، ولكثرة ما استشهد من شهداء وما نزل من بلاء كانت ولاية دقلديانوس حادثاً ذا خطر في شأن مصر فجعلوه مبدأ تقويمهم ، وذلك في سنة 284 ميلادية .
وقد استمر البلاء ينزل من قياصرة الروم حتى جاء عهد قسطنطين . يمنا وبركة على المسيحيين ، لا على المسيحية كما سنبين .
أثر الاضطهادات في الديانة
20- هذه هي الاضطهادات التي قارنت المسيحية في نشأتها وفي تكوينها وليداً وفي تدرجها ، وفي عصر تدوينها ورواية كتبها ، وهي مع أسباب أخرى جعلت بعض العلماء يبحثون عن قيمة هذه الكتب ، وجعلت بعض علماء المسيحيين أنفسهم يعتذرون عن بعض الاضطراب في الأناجيل بأنها دونت في عصور اضطهاد المسيحية الأولى ، بل أن مناظريهم يقررون بأن تلك الاضطهادات كانت سبباً في فقد سندها المتصل بصاحب الشريعة . يقول الشيخ - رحمه الله - الهندي في كتابه إظهار الحق : "طلبنا مراراً من علمائهم التحول إلى السند المتصل فما قدروا عليه ، وأعتذر بعض القسيسين في محفل المناظرة التي كانت بيني وبينهم ، فقال : أن سبب فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على المسيحيين إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة ، وتفحصنا كتب الإسناد لهم ، فما رأينا فيها شيئاً غير الظن ، يقولون بالظن ، ويتمسكون ببعض القرائن . وقد قلت أن الظن في هذا الباب لا يغني شيئاً ، فما داموا لم يأتوا بدليل شاف ، وسند متصل فمجرد المنع يكفينا , وإيراد الدليل في ذمتهم لا في ذمتنا " . وفي الحق أن تلك الاضطهادات جعلت كل عمل يقومون به في شئونهم الدينية - وخاصة ما كان متصلاً ببيان الشريعة يقومون به سراً لا جهراً ، وفي خفية من العيون المتربصة ، والأعداء المترقبين ، والسرية يحدث في ظلمتها ما يجعل العقل غير مطمئن إلى ما يحكى عما يحدث فيها ، فيتظنن في كل ما يروى عنها ، ولا مانع من أن يدس على اجتماعاتها ما لم يجر فيها ، وينقل عن أشخاصهم ما لم يقولوه ، ويتسامع الجمهور أموراً ما حدثت في تلك الاجتماعات ، ولا قالها حاضروها ، فإذا جرى الشك والريب فيما دون من كتب المسيحية التي فقدت سندها بسبب هذا الاضطهاد ، والتي كتبت في ظلمة السرية ، يكون قد وقع حيث وجدت دواعيه ، وقامت شواهده .
الفلسفة الرومانية والمسيحية
21- ولقد كان من المسيحيين من يفرون بدينهم ، ومنهم من يظهر الوثنية ويبطن المسيحية ، ومنهم من دخل النصرانية وفي رأسه تعاليم الوثنية لم تخلع منه ولم تزايله ، وإن زايلها بعقله المدرك فعقله الباطن ما زال مستقراً لها ومكمناً تكمن فيه ، وهؤلاء لا شك أثر تفكيرهم في المسيحية التي لم يكن لها قوة تحميها ولا شكيمة تعقل النفوس إلى حظيرتها .
وإن التاريخ يروى لنا إنه في القرن الثاني ، والثالث ، والرابع الميلادي قد دخل الرومان والمصريون أفواجاً أفواجاً في المسيحية . فمن حق العلم أن نحكي ما كان يسيطر على هذه الأمم من أفكار ، وما كان يسود تفكيرها من منازع عقلية ودينية ، ولا نعتمد في ذلك إلا على ما أثبته تاريخ العلم والفلسفة ، وما أجمع عليه المؤرخون .
يحكى التاريخ أن مدينة الرومان لم تكن متناسقة تناسقاً اجتماعياً ، فلم يكن توزيع الثروة فيها توزيعاً يتحقق معه العدل الاجتماعي ، فبينما ترى ترفا ورخاء لمن أفاءت عليهم الدولة بالفئ والغنائم والأسلاب من الفتوح الرومانية ، ترى ألوف الألوف من الناس قد حرموا ما يتبلغون به في حياتهم ، فاستولى عليهم الإحساس بالظلم ، والسخط على الحياة ، والتململ بها ، والناس لا يشقون لآلامهم وحرمانهم بمقدار ما يشقون لسعادة غيرهم التي امتنعت عليهم ، وكذلك كانت آلام سواد الرومان ، ولولا الإيمان بحياة مستقبلية ، يستمتعون فيها بما حرموا منه في هذه الحياة ، لضاقت الصدور بما يجلجل في القلوب ، ولانفجرت في ثورة اجتماعية ، لكن توجت هذه النفوس إلى الإيمان بعالم علوي ، واعترف الإنسان بعجزه التام عن معرفة نفسه وإسعادها ، إذا اعتمد على تفكيره فقط ، لذلك رجعوا إلى الدين .
وفي هذا الوقت أراد الفلاسفة أن يحلوا فلسفتهم محل الأديان ، إذ أخذت التماثيل والأوثان تفقد قوة تأثيرها ، ولم يعد لها سلطان في تصريف سلوك الإنسان ، وفقدت معابدها ما كان لها من روعة وقوة ، فاعتور النفس الرومانية حينئذ عاملان ، كلاهما فيه قوة وبأس ، فشعورهم بالبأساء والآلام يجعلهم في حاجة إلى عزاء من الدين ، وسلوى باليوم الآخر ، وملاذ إلى حياة روحية ، والفلسفة - بما لها من سلطان العقل - لما وجدت الأوثان تسقط قيمتها أرادت أن تحل محلها ، حينئذ التحمت الفلسفة بالشعور الديني ، أو التقت الفلسفة والدين ، ولم يكن التقاؤهما عداوة وخصاماً ، بل كان محبة وسلاماً ، فكانت تلك الحال داعية اتصال بينهما ، لا داعية افتراق .
قال غندليند في ذلك : "أن الفلسفة استخدمت نظريات علوم اليونان لتهذيب الآراء الدينية ، وترتيبها ولتقدم الشعور الديني اللجوج فكرة في العالم تقنعه . فأوجدت نظماً دينية من قبيل ما وراء المادة تتفق مع الأديان المتضادة اتفاقاً يختلف قلة وكثرة" .
هذه كلمة ذلك الفيلسوف نقلها عنه صاحب كتاب المبادئ الفلسفية ، فما هذه الأديان المتضادة التي ألفت بينها الفلسفة ، وجعلت من نغماتها المختلفة نغمة واحدة مؤتلفة ؟
إن التاريخ يقص علينا أن الأديان التي كانت في بلاد الرومان ناشئة : الوثنية الرومانية ، واليهودية ، والمسيحية الناشئة ، فهل عملت الفلسفة على إيجاد ديانة تجمع بين المسيحية واليهودية ، وفيها وثنية ؟ وهل المسيحية التي تؤمن بالتوراة التي عند اليهود على اختلاف هين ، ويؤمن بالتثليث وألوهية المسيح وتقديس الصليب ، هي النظام الديني الجامع بين الأديان الثلاثة !! لنترك ذلك الآن . وقد وضعنا أمام القارئ المصباح الذي يرى به الطريق .
الأفلاطونية الحديثة وأثرها في النصرانية
22- ولنتجاوز رومة الرومان ولنعبر للبحر الأبيض ، ولنيمم شواطئه الجنوبية ، فهناك تجد مدينة الإسكندرية ومدرستها ، وفلسفتها التي كانت تشع على العالم كله بنور العلم ، وقد آوى إليها فلاسفة اليونان ، وتابعوا الفلسفة اليونانية ، والتي تراها تتجه اتجاهاً واضحاً إلى النواحي الدينية ، والبحث في منشئ الكون .
كان شيخ هذه المدرسة امنيوس المتوفى سنة 242 ، اعتنق في صدر حياته الديانة المسيحية . ثم ارتد عنها إلى وثنية اليونان الأقدمين ، وجاء من بعده تلميذه أفلوطين المتوفى سنة 270 وقد تعلم في مدرسة الإسكندرية أولاً ، ثم رحل إلى فارس والهند ، وهناك استقى ينابيع الصوفية الهندية, وأطلع على تعاليم بوذا وديانته ، وبراهمة الهند وديانتهم . وعرف آراء البوذيين في بوذا ، والبراهمة في كرشنة ، وقد عاد بعد ذلك إلى الإسكندرية ، وأخذ يلقي بآرائه على تلاميذه ، وجلها يتجه إلى تعرف ما وراء الطبيعة ، ومنشئ الكون .
ويلخص اعتقاده في منشئ الكون في ثلاث أمور :
(أولها) أن الكون قد صدر عن منشئ أزلي دائم لا تدركه الأبصار ، ولا تحده الأفكار ، ولا تصل إلى معرفة كنهه الإفهام .
(ثانيها) أن جميع الأرواح شعب لروح واحد وتتصل بالمنشئ الأول بواسطة العقل .
(ثالثها) أن العالم في تدبيره وتكوينه خاضع لهذه الثلاثة ، وهو تحت سلطانها ، فإنه منشئ الأشياء وهو مصدر كل شيء ، وإليه معاده لا ينصف بوصف من أوصاف الحوادث . فليس بجوهر ولا عرض ، وليس فكراً كفكرنا . . . ولا إرادة كإرادتنا ولا وصف له ، إلا أنه واجب الوجود ، يتصف بكل كمال يليق به ، يفيض على كل الأشياء بنعمة الوجود ، ولا يحتاج هو إلى موجود ، وأول شيء صدر عن هذا المنشئ في نظر أفلوطين هو العقل المصدر عنه كأنه يتولد منه ، ولهذا العقل قوة الإنتاج ، ولكن ليس مكن تولد عنه ، ومن العقل تنبثق الروح التي هي وحدة الأرواح ، وعن هذا الثالوث يصدر كل شيء ومنه يتولد كل شيء .
23- هذه هي فلسفة المعاصرين لنشأة الديانة المسيحية عندما أريد تحويلها ، وترى أن فلسفة الرومان ترمي إلى إيجاد ألفة بين الوثنية واليهودية ومسيحية المسيح عليه السلام ، كما ترى أن فلسفة الإسكندرية ترجع العالم في تكوينه وتدبيره إلى ثلاثة عناصر أو إلى ثالوث مقدس هو المنشئ الأول ، والعقل الذي تولد منه كما يتولد الولد من أبيه ، والروح الذي يتصل بكل حي ومنه الحياة . فإذا عبرنا عن المنشئ الأول بالأب ، وعن العقل المتولد عنه بالابن ، وعن الروح بروح القدس ، كما هو ثالوث النصارى الذي أخذ ببعضه مجمع نيقية ، وبكل المجامع التي جاءت من بعده ، لما خرجنا في التسمية عن الصواب ، وما كان فيها أي تسامح ، فذلك الثالوث في معناه هو ثالوث النصارى ، وإذا لم يختلف المسمى ، فلماذا يختلف الاسم ؟ .
وهنا يرد على النفس سؤال : أيهما أستقر ، وأيهما كان الينبوع ؟ هل أخذت الأفلاطونية الحديثة من النصرانية ، أم النصرانية الحاضرة هي التي أخذت عن الفلسفة ؟ إن الجواب عن هذا يقتضي تعرف السابق منهما ، فالسابق بلا ريب أستاذ اللاحق ، والزمن هو الذي يحكم ويفصل ، وسنجد فيما يلي من البحث أن مجمع نيقية هو الذي سار في تقرير هذا الثالوث ، ووضع الأساس لمن بعده ، أو بعبارة أدق قرر ألوهية الابن ، وأن جوهره هو جوهر الأب ، وقد جاء في قراره " أن الجامعة المقدسة ، والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجوداً فيه ، وإنه لم يوجد قبل أن يولد ، وإنه وجد من لا شيء ، أو من يقول أن الابن وجد من مادة أو جوهر غير جوهر الأب ، وكل من يؤمن إنه خلق ، أو من يقول إنه قابل للتغير " (1) .
------------
(1) اطلع زميلنا المرحوم الأستاذ الدكتور / محمد يوسف موسى الأستاذ بكلية أصول الدين سابقا على هذا الاستنباط التاريخي فقال : إنه يوافق ما استنبطه بعض المستشرقين ، ثم ترجمه ، وتفضل فأرسل إلينا نصَّ الترجمة وهاهي ذي ، ننشرها مع بحثنا شاكرين له - رحمه الله - فضل تعاونه :
التثليث ليس من المسيحية بل من الفلسفة الإغريقية
1- كانت المشكلة الفلسفية التي واجهت أولاً الإغريق هي : "ما مبدأ كل شيء ؟" "وباجتهاد الفلسفة في الإجابة عن هذا السؤال إجابة محدودة ومقنعة شيئاً فشيئاً كان لنا تلك المذاهب الفلسفية التي تتابعت في تاريخ الفلسفة الإغريقية . هذه فلسفة بدأت طبيعية مع الفلاسفة الأيونيين ، ثم أخذت فكرة التوحيد في الظهور على أيدي سقراط ، وأفلاطون ، وأرسطو ، بحيث رأى هؤلاء أن المبدأ الذي صدر عنه العالم هو الله الواحد الذي لم يتغير ، على غموض في تعيين هذه الصفات ونحوها مما يصح أن يتصف بها .
ولكن بمقدار تبين هذه المعارف والمعلومات عن الله كانت تكبر الصعوبة الأساسية التي اصطدمت بها المذاهب التي سبق سقراط : كيف تصدر الأشياء عن مبدئها ؟ كيف يمكن أن يخرج الكثير - أي العلم - من الواحد ، والمتغير من الذي لا يتغير ؟ وإنه كلما قرب المبدأ الأول من الوحدة الحق بصيرورته روحياً ، ومن عدم التغير الحق بصيرورته كاملاً ، تتسع الهوة التي تفصله عن العالم وكثرته وتصير أكبر عمقاً ، كما يصبح عسيراً فهم كيف يبرز الله العالم للوجود ويحركه .
2- إذا كان الله واحداً وحدة مطلقة كيف يمكن أن يخلق الكثرة المختلفة دون أن يقبل في ذاته كثرة بأي وجه من الوجوه ؟
وإذا كان كماله المطلق يقتضي عدم التغير ، كيف تفهم إنه في وقت ما أوجد العالم دون أن يلحقه تغير ، مع إنه أنتقل من حالة عدم العمل إلى حالة العمل ؟ هنا تظهر عبقرية العقل الآري! الواحد البريء من التغير لا يمكن أن يصدر عنه العالم المتكثر المتغير مباشرة ، يجب إذن أن تتوسط بينهما وسائط أزلية متدرجة حسب نظام ميتافيزيقي .
3- كان أفلاطون أول من أدرك تلك المشكلة وأول من أدرك هذا الحل الذي وجب على العقل الإغريقي فيما بعد - بعد إنضاجه طويلاً - أن يجتمع نهائياً عليه ، أعني عقيدة ثلاثة أقانيم أو عقيدة التثليث - ص 70 - 71 .
4- هذا المذهب أو هذه العقيدة التي تمثلها عقل أفلاطون ، وأن أدركها إدراكاً فيه نوع غموض ، ليس إلا عقيدة التثليث المشهورة =
وهذا المجمع كان في سنة 325 بعد الميلاد ، والمسيحيون قبله كانوا على اختلاف كبير جداً ، ويكفي للدلالة على هذا الاختلاف أن الذين حضروا المجمع نيف وأربعون بعد الألفين ، وهم على آراء مختلفة ، ولم يجمع أعضاء هذا المجمع على نحلة واحدة ، أما عقيدتهم في الابن وقولهم إنه تولد عن المنشئ من غير زمن بينهما كما يقول الفلاسفة ، وإنه من جوهر أبيه ، كما يقولون لم تسد إلا بعد ذلك المجمع ، وسيأتي لذلك فضل بيان إن شاء الله تعالى ، وعلى ذلك يكون تثليث المسيحية كحقيقة مقررة متأخرا عن أفلوطين لأن أفلوطين توفى سنة 270 بعد الميلاد كما علمت ، والتثليث
------------
= ومن السهل إدراك الغرض منها : الاحتفاظ لله بالكمال المطلق والبراءة من التغير ، جعله يضع بينه وبين العالم وسيطين يعتبران دونه خارجين عنه ، وعلى نحو ما داخلين فيه ، أي تتضمنهما ذاته - صادرين عنه ، دون في الكمال ، ويجعلانه ممكناً أن يصدر عن الله العالم الكبير المتغير ، أو هذين الوسيطين العقل ، وثانيهما الروح الإلهية - ص 73 - 74 .
5- وهكذا كان التزاوج بين العقيدة اليهودية والفلسفة الإغريقية لم ينتج فلسفة فقط ، بل أنتج معها ديناً أيضاًَ ، أعني المسيحية التي تشربت كثيراً من الآراء والأفكار الفلسفية عن اليونان . ذلك أن اللاهوت المسيحي مقتبس من نفس المعين الذي كانت فيه الأفلاطونية الحديثة (يريد فلسفة أفلاطون التي كانت المعين الأصلي للفلسفة الأفلاطونية الحديثة) ولذا نجد بينهما (أي اللاهوت المسيحي والأفلاطونية الحديثة) . مشابهات كبيرة ، وإن افترقا أحياناً في بعض التفاصيل ، فإنهما يرتكزان على عقيدة التثليث ، والثلاثة الأقانيم واحدة فيهما - ص 93 .
6- أول هذه الأقانيم هو مصدر كل كمال ، والذي يحوي في وحدته كل الكمالات ، وهو الذي دعاه المسيحيون الأب . والثاني أو الابن هو الكلمة . والثالث هو دائماً الروح القدس - ص 92 - 94 .
وعلى إنه يجب أن يلاحظ (وهذا بعض ما يفرق اللاهوت المسيحي عن الأفلاطونية الحديثة) أن الأقانيم الثلاثة ليست في نظر هذا المذهب متساوية في الجوهر والرتبة . بينما هي متساوية عند المسيحية . فالابن الذي يتولد من الأب لا يمكن أن يكون أدنى منه كمالاً . وإلا صار من طبيعة الكامل أن يصدر اضطراب منه غير الكامل . وهذا حط من رتبته . وكذلك الروح القدس مساو للأب والابن - ص 49 .
كل هذه النقول من كتاب : "مقدمة (أو المدخل لدراسة) الفلسفة الإسلامية" تأليف المستشرق المعروف ليون جوتيه طبع باريس عام 1923 .
لم يتكامل إلا في آخر القرن الرابع ، والمتقدم أستاذ المتأخر كما يرجح العقل وكما يوجبه الظن الذي لا يعد من الإثم .
ولقد ترى ذلك الظن عند بعض علماء أوربا ، حتى شك بعضهم في حياة المسيح وقالوا إنه شخص خرافي لم يوجد ، أراد بعض فلاسفة الأفلاطونية الحديثة أن يفرضوه ، ليجعلوا من آرائهم ديانة يعتنقها العامة ، وتسود الكافة ، وقد تم لهم ما أرادوا ، ولكنا نحن المسلمين لا تقر ذلك كله ، لما فيه من إنكار وجود المسيح الذي نؤمن به ، ونزل بخبره الوحي الأمين وإن كنا نصدق لبه .


من مواضيعي
0 أخطار تهدد البيوت
0 بر-الوالدين
0 كن نبيهاً ذكياً
0 هدايا رمضانية سخية
0 انفوجرافيك اتجاهات اللغة العربية ومدى توسعها و انتشارها بين مستخدمي الشبكات الإجتماع
0 شبهة : التكرار فى القصص القرآنى
0 كلمة فى الانتصار لرسول الله ضد قُوَى الكفر والسفالة وقلة الأدب
0 عزيزي الإنسان - فكر في هذا

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المسيح, المسيحية

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:05 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009