ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى نقد النصرانية > ملتقى النصرانيات العام
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

نظرة فاحصة في كتبهم

ملتقى النصرانيات العام


نظرة فاحصة في كتبهم

ملتقى النصرانيات العام


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 03:36 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي نظرة فاحصة في كتبهم

نظرة فاحصة في كتبهم
الآن نريد أن ننتقل من النظرة الحاكية المتغاضية إلى النظرة الفاحصة الكاشفة ، ولسنا نريد أن نحصى كل أوجه النقد التي وجهت ، فإن ذلك يحتاج بيانه إلى مجلدات ضخام لكثرتها ، وتعدد نواحيها ، وكثرة دواعيها ، ولكنا نكتفي بإيراد بعضها ، ونترك الباقي للإطلاع عليه في مصادرة المسيحية وغير المسيحية
ما يجب أن يكون في الكتاب الديني من صفات ليكون حجة
تطبيق هذه الشروط على كتب النصارى
مناقشة ادِّعاء الإلهام في سفر الأعمال
الرسل غير معروفين
لوقا صاحب سفر الأعمال لم يكن ملهماً
دعوى الإلهام ليست محل إجماع المسيحيين
دعوى الإلهام باطلة ممن يدعيها
التضارب بين كتب العهد الجديد
التناقض بينها مبطل لإدعاء الإلهام وبيان إنكارهم لبعضها ثم اعترافهم به
موازنة قس بين أحاديث الرسول وكتبهم من حيث الرواية
بيان ما في كلامه من زيف
نظرة في الوحي في الإسلام والوحي في المسيحية
معنى الوحي
ما يجب أن يكون في الكتاب الديني من صفات ليكون حجة
لأجل أن يكون الكتاب الديني حجة - يجب الأخذ به على إنه شريعة الله ودينه ، ومجموع أوامره ونواهيه ، ومصدر الاعتقاد ، وأساس الملة - يجب أن يتوافر في هذا الكتاب أمور :
أحدها : أن يكون الرسول الذي نسب إليه قد علم صدقه بلا ريب ولا شك ، وأن يكون قد دعم ذلك الصدق بمعجزة ، أي بأمر خارق للعادة قد تحدى به المنكرين المكذبين ، وأن يشتهر أمر ذلك التحدي وهذا الإعجاز ، ويتوارثه الناس خلفاً عن سلف ، ويتواتر بينهم تواتراًً لا يكون للإنسان مجال لتكذيبه.
ثانيها : إلا يكون ذلك الكتاب متناقضاً مضطرباً يهدم بعضه بعضاً فلا تتعارض تعليماته ، ولا تتناقض أخباره ، بل يكون كل جزء منه متمماً للآخر ومكملاً له ، لأن ما يكون عن الله لا يختلف ، ولا يفترق ، ولا يتناقض ، بل أن العقلاء ، في أقوالهم ، وفي كتبهم ، يتحرون إلا يتناقض قولهم ، ولا يختلف بتفكيرهم.
ثالثها : أن يدعى ذلك الرسول إنه أوحى إليه به ، ويدعم ذلك الإدعاء بالبينات الثابتة ، وهي المعجزات التي بعث بها الرسول ، ودعا إلى كتابه على أساسها ، ويثبت ذلك الإدعاء بالخبر التواتر ، أو يثبت بالكتاب نفسه.
رابعها : أن تكون نسبة الكتاب إلى الرسول الذي نسب إليه ثابتة بالطريق القطعي ، بأن يثبت نسبة الكتاب إلى الرسول ، بحيث يتلقاه الإخلاف عن الأسلاف ، جيلاً بعد جيل من غير أي مظنة للانتحال.
وأساس ذلك التواتر أن يروى جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب ، حتى تصل إلى الرسول بحيث يسمع كل فرد من الجمع الراوي عن الجمع الذي سبقه ، والذي سبقه كذلك ، حتى يصل إلى الرسول الذي أسند إليه الكتاب ، ونسب إليه ، ونزل به الوحي عليه.
تطبيق هذه الشروط على كتب النصارى
53- إن الكتب في الدين هي أساسه ، فإن لم تكن مستوفيه الشروط السابقة لم يكن الاطمئنان إلى صحتها كاملاً ، وتطرق إليها الريب والظن من كل جانب ، وبذلك يتهدم الدين من أساسه ، ويؤتى من قواعده ، ولا يكون شيئاً مذكوراً في الأديان ، بل يكون طائفة من أساطير الأولين اكتتبها طائفة من الناس ، وأدعوها ديناً ، ونسبوها لشخص معترف به ، لتروج عند العامة ، وتدخل في أوهامهم ، ويعتمدون على الزمان في تمكينها في نفوسهم وقلوبهم.
وهل الكتب المقدسة عند النصارى سواء أكانت من كتب العهد القديم أم العهد الجديد مستوفيه هذه الشروط ، فتكون ملزمة للكافة ؟.
لا يزعم النصارى أن هذه الكتب كتبها المسيح نفسه ، حتى ننظر في قوة نسبتها إليه ، ولكن يزعمون أن الذين كتبوها رسل من بعده مبعوثون بها ، يبشرون الناس بما فيها ، فنبحث ، هل هؤلاء رسل حقاً وصدقاً قد ثبتت رسالتهم بدليل لا مجال للريب فيه ؟.
لقد قلنا أن الطريق لذلك أن يدعوا هم هذه الرسالة ويثبتوها بمعجزة يجريها الله على أيديهم ، ويتحدوا الناس ليدفعوهم إلى الإذعان أو ليسجلوا عليهم الكفر بعد أن يقوم الدليل عليهم.
إننا نبحث في مراجعهم فلا نجد مرجعاً صحيحاً قرر أن هؤلاء أدعوا مثل هذه الرسالة ، ودعوا الناس إلى الإيمان بها ، ومعهم البرهان عليها ، والدليل القائم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
قد نجد في رسالة أعمال الرسل ذكراً لأخبار تلاميذ المسيح ، وإن روح القدس تجلى عليهم ، وإنهم كانوا يأتون بأمور خارقة للعادة ، وسماهم كاتب تلك الرسالة رسلاً ، ففيها يذكر أن عدد الأصحاب بعد المسيح أحد عشر ، وهو : بطرس ، ويعقوب ، ويوحنا ، وأندراوس ، وفيلبس ، وتوما ، وبرثولماس ، ومتى ، ويعقوب بن حلفى ، وسمعان الغيور ، ويهوذا أخو يعقوب ، وأن بطرس وقف وألقى في وسط التلاميذ - الذين بلغوا نحو عشرين ومائة - خطبة وأنهم امتلئوا جميعاً بروح القدس ، وتكلموا بألسنة غير ألسنتهم.
ثم يذكر أن بطرس شفى الأعرج من عرجه ، ومات من كذب عليه ، بعد أن كشف كذبه واختلاسه ، هو وامرأته.
ذكر سفر الأعمال هذه وذكر عجائب أتى بها بولس في زعمه في آخر ذلك السفر أيضاًَ.
وكذلك نجد في إنجيل لوقا إنه يذكر أن المسيح أرسل سبعين رجلاً ليبشروا باسمه ، وإنهم عادوا يقولون له : "حتى الشياطين تخضع لنا باسمك ، فقال لهم : رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء ، وهاأنذا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب ، وكل قوة العدو ، فلا يضركم شيء ، ولكن لا تفرحوا بهذا لأن الأرواح تخضع لكم ، بل افرحوا بالحري أن أسماءكم كتبت في السموات".
مناقشة ادِّعاء الإلهام في سفر الأعمال
54- ونريد أن نناقش سفر أعمال الرسل وإنجيل لوقا في هذا المقام لنعرف منه من هم هؤلاء الرسل ، لم يذكر سفر الأعمال أسماء العشرين والمائة الذي ملئوا من روح القدس ، نعم إنه ذكر أسماء الحواريين الأحد عشر ، وليس منهم من ينسب إليه كتب أو رسائل ، سوى متى وبطرس ، ويوحنا ويعقوب ويهوذا.
وقد علمت بعض ما نسبه إنجيل متى ويوحنا إليهما. وأما بطرس والباقون فلهم رسائل ، ولم يكن معترفاً بصحتها هي ورسائل يوحنا إلى سنة 364 حتى إن مجمع نيقية لم يعترف بصحة نسبتها إلى أصحابها. وقد كان سنة 325.
وإذا كان سفر الأعمال لم يذكر أسماء العشرين والمائة ، ولم يذكر كذلك إنجيل لوقا أسماء ، فكيف تؤمن برسالة لم تعرف أسماؤهم ؟ نعم كانت تذكر بعد ذلك أسماء أشخاص ، ويوصفون بأنهم رسل ، ولكن لم يذكر أهم من العشرين والمائة ، أم ليسوا منهم ، ومن المؤكد أن بولس لم يكن في العدد الذي ذكر في الأعمال ، ولا في العدد الذي ذكر في إنجيل لوقا.
إذن لا مقتنع فيما جاء في سفر الأعمال. ولا في إنجيل لوقا ، لأنه لم يذكر أسماء هؤلاء معينين بالاسم, ثم من هو مؤلف سفر الأعمال ؟ قالوا إنه لوقا صاحب الإنجيل. إذن فالمصدر هو لوقا في الاثنين ، ولوقا قد بينا إنه طبيب وقيل إنه مصور ، أو هو طبيب مصور ، فهل هو كان من تلاميذ المسيح أو كان من تلاميذ تلاميذه ؟ لم يثبت شيء من ذلك ، وكل ما ثبت من صلته برجال المسيحية إنه كان من أصحاب أو تلاميذ بولس ، وإذن فروايته عن هؤلاء وعن المسيح ليست رواية من شاهد وعاين ، وعلى ذلك يكون السند غير متصل بين لوقا والمسيح ، أو تلاميذ المسيح.
الرسل غير معروفين
55- لم تعرف إذن حقيقة هؤلاء الرسل ، ومن هم بسند صحيح ، فضلاً عن أن يكون السند قطعياً ، وإذا كنا لا نعرف من هم ، فكيف نؤمن لهم بمعجزات ؟ إن المصدر الذي ذكر المعجزات هو نفس المصدر الذي ذكر الرسل من غير أن يبين من هم ، وهو راو لم يعاين ولم يشاهد. وعلى ذلك يكون الكلام في الإلهام ، وإنهم رسل ملهمون لم يثبت بسند يصح الاعتماد عليه ، والاطمئنان إليه ، وبناء عقيد تشرق وتغرب على أساسه.
ولكن لا نكاد ننتهي إلى النتيجة حتى نجد من مجادلي القوم ، والمناظرين عنهم من يزعمون أن لوقا نفسه ، صاحب سفر الأعمال ، وصاحب الإنجيل كان من الرسل الملهمين فهو لا يحتاج إلى سند ، لأن كل كلامه من الروح القدس الذي ملأه كما ملأ إخوانه الرسل ، ولكن أين معجزته التي تثبت الهامة حتى نصدق كل ما جاء في كتابيه ، ويؤمن مؤمن (يحترم الإيمان) بكل ما اشتملا عليه ؟ لم يرد عندهم أي شيء يدل على إلهام لوقا ، وإنه كان من العشرين والمائة الذين ألقى فيهم بطرس خطبته ، وامتلئوا بروح القدس في زعمه ، ولم يكن من السبعين الذين أرسلهم المسيح (كما ذكر في إنجيله) واخضعوا الأرواح وأخبرهم أن أسماءهم كتبت في السماء.
ولسنا في ذلك إلا مطالبين بأن يثبتوا إلهام لوقا ، لنصدق بأخباره عن الرسل وأعمالهم وعن إلهامهم ، وامتلائهم بالروح القدس ، وأعجازهم. لا يوجد أمانا أي دليل يثبتون به إلهام لوقا فيما كتب ، حتى كنا نصدقه في كلامه عن الرسل الذين تجلى عليهم الروح القدس ، وامتلئوا به ، وإن كنا لا نعرف أشخاصهم ، ولا شيئاً عن أسمائهم وأعمالهم.
بل لقد وجدنا من كتاب القوم الباحثين من يصرح بأن لوقا لم يكن من الملهمين ، وأن إنجيله لم يكن إلهامياً ، وبالأولى رسالته لم تكن بإلهام ، فقد قال من المحدثين ، واطسن في المجلد الرابع من كتابه الإلهام ما ترجمته : " أن عدم كون تحرير لوقا إلهامياً يظهر مما كتب في ديباجة إنجيله ونصها : إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المستيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين ، وخداماً للكلمة ، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس ، لتعرف صحة الكلام الذي علمت به".
ويمثل هذا القول من أن ما كتب لوقا ليس بإلهامي قال العلماء الأقدمون من المسيحيين ، فيقول ارينوس : " أن الأشياء تعلمها من بلغها إلينا ".
لوقا صاحب سفر الأعمال لم يكن ملهماً
56- لم يكن إذن لوقا ملهماً ، أنه لا يوجد دليل يثبت إلهامه ، ولأن مقدمة إنجيله كمقدمة رسالته تدل على إنه لم يكن ملهماً ، ولأن الثقات من العلماء الأقدمين والمحدثين يقررون إنه لم يكن ملهماً فيما كتب ، بل كتب ما تعلم ، ولقن ، لا ما أوحى إليه به وإلهم .
وإذا كانت رسالة الأعمال هي المصدر المثبت لإلهام الرسل وامتلائهم بالروح القدس ، فيكون ذلك المصدر قد فقد صلاحيته للاعتماد عليه ، لأنه لم يكن متصل السند بين لوقا والتلاميذ والمسيح ، ولأن لوقا لم يكن ملهماً. وهذا كله على فرض صحة نسبة ما أسند إلى لوقا ، وفي تلك الصحة كلام سنثبته في موضعه من بحثنا إن شاء الله .
ليس عندنا إذن دليل نقلي عندهم يثبت رسالة من يسمونهم رسلاً ، ويثبت معهم إنهم كتبوا بالإلهام ، حتى يعتبر كلامهم وحياً أوحى به ، ويجب تصديقه وقبوله ، ولا نجد من الكتب ما يؤيد هذه الدعوى ويثبتها ، بل إن راجعنا هذه الكتابات لا نجد أن كتابها يدعون لأنفسهم إنهم رسل ، ولا من تلاميذه العشرين والمائة ، ولا من السبعين الذين ذكرهم لوقا.
وقد رأينا بطرس في رسالتيه يقدمهما بأنه رسول يسوع المسيح ، ولم يذكر لنفسه وصف الرسالة المطلقة من الله. ولا نجد في عباراتهم ما يدل على إنهم كتبوا ما كتبوا بالإلهام ، إلا رسائل بولس ، فهو الذي يذكر في رسالته أنه يتكلم عن الله ، وأحياناً يقول إنه يتكلم من نفسه.
وإذن فلنا أن نقول أن أصحاب هذه الكتب والرسائل لا يدعون لأنفسهم الرسالة والإلهام إلا بولس الذي كانت صلته بالمسيحية على ما علمتم ، وليس في كتبها ما يشهد له بالرسالة والإلهام ، بله الإيمان إلا سفر الأعمال ، وقد علمت قوة الاستدلال به ، والاعتماد عليه في الاحتجاج والإثبات.
دعوى الإلهام ليست محل إجماع المسيحيين
57- وفي الحق أن دعوى إلهام الرسل في كل ما كتبوا لم تكن محل إجماع من كتاب المسيحيين في القديم والحديث ، فطائفة من علماء إنجلترا قالوا في مؤلف كتبوه إن الذين قالوا أن كل قول مندرج في الكتب المقدسة إلهامي لا يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة ، ثم قالوا : "إن سألنا أحد على سبيل التحقيق أي جزء تعتبرون من العهد الجديد إلهامياً ، قلنا المسائل ، والأحكام ، والأخبار بالحوادث الآتية التي هي أصل الملة المسيحية - لا ينفك الإلهام عنها. وأما الحالات الأخرى فكان حفظ الحواريين كافياً لبيانها ".
وترى من هذا أن بعض العلماء لا يرون إن كل ما في كتب العهد الجديد إلهامي ، بل منه الإلهامي وغير الإلهامي.
ولكن هناك من يقول : إنه يشك في أصل الإلهام فيها ، فهذا عالم مسيحي يقال له ريس يقول ناقلاً حاكياً بعض أقوال المتقدمين : "أن الناس قد تكلموا في كون الكتب المقدسة إلهامية ، وقالوا إنه يوجد في أفعال مؤلفي هذه الكتب وأقوالهم أغلاط ، واختلافات ، فمثلاً إذا قوبلت الآيات 19 ، 20 من الإصحاح العاشر من متى و11 من الإصحاح الثالث عشر من إنجيل مرقس إذا قوبلت هذه الآيات بالآيات الست التي في سفر الأعمال في إصحاحه الثالث والعشرين يظهر ذلك الاختلاف جلياً. وقيل أيضاً أن الحواريين ما كان يرى بعضهم بعضا صاحب وحي ، كما يظهر هذه من مباحثهم في محفل أورشليم ، ومن إلزام بولس لبطرس ، وقيل أيضاً أن المسيحيين القدماء ما كانوا يعتقدونهم منزهين عن الخطأ ، لأنهم في بعض الأوقات تعرضوا له".
ولقد قطع بعض العلماء بأن بعض هذه الكتب ليس من الإلهام في شيء فإنجيل متى على قول القدماء من المسيحيين ، وقول جمهور المتأخرين الذين قالوا إنه كتب باللسان العبراني كما أسلفنا من القول ، قد قالوا أن أصله فقد ، وترجمته ليست بالإلهام.
ويقول استادلن وغيره أن إنجيل يوحنا ليس بإلهام ، وجميع رسائل يوحنا ليست بإلهام على رأي فرقة لوجين ، وكذلك الرسالة الثانية لبطرس ، ورسالة يهوذا ، ورسالة يعقوب ، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا ، ورؤياه النبوي - كل ذلك عند الأكثرين ليس بإلهام ، وكان كذلك إلى سنة 393 ميلادية".
دعوى الإلهام باطلة ممن يدعيها
58- ومهما يكن اختلافهم بالنسبة لكونها ملهمة كلها أو بعضها ، وطريق الإلهام ، فإدعاء الإلهام على فرض اتفاقهم عليه ليس له من البينات ما يثبته ، ولا من الأدلة ما يقيم ادعاءه ، ونحن نطالبهم بدليل.
وكان يصح لنا أن نقف موقف المانع منعاًً مجرداً ، نطالبهم بالدليل حتى يقيموه ، ولكن تتميماً للبحث وتعريفاً للحقائق نثبت أن دعوى الإلهام باطلة من أساسها ، ليس لعدم إقامة الدليل عليها ، بل لأن البينات قائمة ضدها ، ذلك لأنها لو كانت بإلهام من الله كما يقولون لكانت صادقة في كل ما أخبرت به ، وما وجد الباطل منفذاً ينفذ منه إليها ، ولم يكن ثمة محل لتكذيبها ، ولكانت متفقة غير مختلفة ، ولم تكن متضاربة بأي نوع من أنواع التضارب ، وذلك لوحدة من صدرت عنه ، لأنها جميعاً صادرة عن واحد ، وإن اختلف الناطقون بها ، ولكنا وجدنا بينها اختلافات من أوجه عدة ، ووجدنا فيها أخباراً تناقض ما علم في التاريخ وكان مشهوراً فيه ، ولنذكر بعض هذه الأمور على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر.
التضارب بين كتب العهد الجديد
(أ) أول ما يلقاك من أوجه اختلاف الأناجيل في الأمر الواحد الذي لا يقبل إلا حقيقة واحدة. اختلاف إنجيل متى عن إنجيل لوقا في نسب المسيح ، فإن من يقابل بين نسب يوسف النجار متبني المسيح في الأناجيل يجد الاختلاف في ستة أرجه ذكرها الشيخ - رحمه الله - الهندي في كتابه إظهار الحق فقال :
1- في متى أن يوسف بن يعقوب ، وفي لوقا أنه ابن هالى.
2- يعلم من متى أن عيسى من أولاد سليمان بن داود عليهم السلام ، ومن لوقا أنه من أولاد ناثان بن داود.
3- يعلم من متى أن جميع آباء المسيح من داود إلى جلاء بابل سلاطين مشهورون ، ومن لوقا إنهم ليسوا بسلاطين ولا مشهورين غير داود وناثان.
4- يعلم من متى أن سلتاثيل بن بكينا ، ومن لوقا أن سلتاثيل ابن نيرى.
5- يعلم من متى أن اسم ابن زربايل أبيهود ، ومن لوقا أن اسمه ربسا.
والعجب أن أسماء بني زربايل مكتوبة في الباب الثالث من السفر الأول من أخبار الأيام من كتب العهد القديم. وليس فيها أبيهود ولا ريسا فكل منهما غلط.
6- من داود إلى المسيح عليهما السلام ستة وعشرون جيلاً على ما بين متى ، وواحد وأربعون على ما ذكر لوقا.
هذه أوجه اختلاف ستة في نسب المسيح عليه السلام وهو نسب يوسف النجار ، الذي كان رجل مريم كما تذكر الأناجيل ، وهذا الاختلاف الذي يعترف به المسيحيون ، ولا يجدون مناصاً من الإقرار به يدل على أمرين :
أحدهما : أن أحد الإنجيلين لم يكن بإلهام بيقين ، إذا فرضنا أن أحدهما صادق والآخر كاذب ، فالكاذب لا شك لم يكن بإلهام ، وإلا كان الإله الذي أوحى به كاذباً ، وذلك لا يليق بحسب بداهة العقل ، ولما كان الصحيح منهما غير متعين فالشك يرد على الاثنين ، حتى يثبت الصحيح ، ويقوم الدليل على صدقه دون الآخر ، ومع هذا الشك لا يمكن الاعتقاد بأن ثمة إلهاماً ، لأن الشك أن أعترى الأصل زال الاعتقاد.
ثانيهما : أن إنجيل متى لم يكن معروفاً للوقا ، أي إنه لم يكن متدارسة معروفاً لدى العلماء في المسيحية. مع أن تدوين إنجيل متى يسبق تدوين إنجيل لوقا بأكثر من عشرين سنة على ما عليه جمهورهم ، ولو كان لوقا يعرفه لراجعه ، وما وقع في الخطأ الذي وقع فيه ، أو على الأقل ما خالفه ، وإذا لم يكن معروفاً لدى علماء المسيحية ، وحوارييها ورسلها ، فلابد إنه لم يكن معروفاً قط ، أو بعبارة أصرح ، ربما لم يكن موجوداً قط.
ولا مناص من هذا إلا أن يقول أن لوقا كان يعرفه ، وأطلع على حديث النسب فيه ، وخالفه على بينه منه ، لأنه لم يصدقه ، وعلى ذلك لا يكون لوقا معترفاً برسالة متى ، والإيحاء إليه ، وإن ما كتبه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وإلا ما خالف مع علمه.
وخلاصة القول في ذلك أن تلك المخالفة تنتج إحدى اثنتين : أما ألا يكون إنجيل متى معروفاً للرسول لوقا ، وذلك يقتضي إلا يكون موجوداً. وأما أن يكون موجوداً يعرفه لوقا ، ولكن لا يعترف به مصدراً صادق الرواية. وإحدى القضيتين لازمة حتماً ، ولكن لا يعترف المسيحيون بكلتيهما.
(ب) ونجد في الإصحاح الخامس عشر من إنجيل متى إنه بعد مناقشة الفريسيين تقدمت إليه امرأة ، ابنتها مريضة بالجنون تطلب شفاءها ، ونص الخبر كما جاء في ذلك الإصحاح : "ثم خرج يسوع من هناك ، وانصرف إلى نواحي صور صيداء. وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة : ارحمني يا سيدي يا ابن داود ، ابنتي مجنونة جداً ، فلم يجبها بكلمة ، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين : اصرفها ، لأنها تصيح وراءنا". تجئ هذه القصة في الإصحاح الثامن من إنجيل مرقص بالنص الآتي : "ثم قام من هناك ، ومضى إلى تخوم صور وصيداء ، ودخل بيتاً وهو يريد ألا يعلم به أحد ، فلم يقدر أن يختفي لأن امرأة كان بابنتها روح نجس سمعت به ، فأتت وخرت عند قدميه ، وكانت المرأة أممية وفي جنسيتها فينيقية سورية".
ففي هذا النص يبين جنس المرأة بأنها فينيقية سورية ، وإنها أممية ليست من اليهود ، وفي الأولى توصف بأنها كنعانية أي ليست فينيقية ، فأيها الأحرى بالقبول ؟ لاشك إنه لا يمكن أن تكون الروايتان صادقتين معاً ، بل لابد أن تكون أحداهما كاذبة وليست بإلهام من الله ، لأن الله لا يكذب ، وإذا كانت أحداهما ليست صادقة بيقين ، وكاذبة بيقين ، ولم يدر أيتهما الكذابة المفتراة ، فالشك إذن ملازم الاثنتين لا ينفصل عنهما ، حتى نتبين الصدق من الكذب ، ولا سبيل إلى ذلك ، ولا يمكن أن نثبت لأيهما إلهاماً مع هذا الشك الملازم الذي لا سبيل إلى إزالته.
(جـ) وقد اختلف خبر القبض على المسيح لمحاكمته في متى عن يوحنا ، ففي متى جاء في ذلك بالإصحاح السادس والعشرين ما نصه : وفيما هو يتكلم ، وإذا يهوذا واحد من الاثني عشر قد جاء ، ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب ، والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً : "الذي أقبله هو أمسكوه فالوقت تقدم إلى يسوع ؟ وقال السلام يا سيدي وقبله ، فقال يسوع يا صاحب لماذا جئت ؟ حينئذ تقدموا ، وألقوا الأيادي على يسوع وأمسكوه" هذا ما جاء متى ، وجاء في يوحنا في هذا المقام ما نصه : "فأخذ يهوذا الجند وخداماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح فخرج يسوع ، وهو عالم بكل ما يأتي ، وقال لهم : من تطلبون ؟ أجابوه : يسوع الناصري ، قال لهم : أني أنا هو ، وكان يهوذا مسلمه أيضاً واقفاً معهم ، فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض ، فسألهم أيضاً من تطلبون ؟ فقالوا يسوع الناصري ، أجاب يسوع قد قلت لكم : أني أنا هو ، فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون ليتم القول الذي قاله : إن الذين أعطيتني لم أهلك أحداً".
وترى هنا اختلافاً بينا بين الروايتين ، فمتى يقول : أن يهوذا هو الذي أعلمهم بالمسيح بالعلامة التي اتفق معهم عليها ، وهي تقبيله ، ويوحنا يقول : إن المسيح هو الذي قدم نفسه وكفى يهوذا مئونة التعريف ، ولا شك أن ذلك الاختلاف البين في رواية حادثة واحدة يجعل إحدى الروايتين كاذبة والثانية صادقة ، والكاذبة ليست بإلهام ، فإحداهما ليست بإلهام ، ولا سبيل إلى معرفتها فيثبت الشك في الروايتين.
وفي الحق أن من يراجع الأناجيل في خبرها عن القبض على المسيح وحبسه ، ثم محاكمته وصلبه في زعم النصارى ، ثم قيامته من قبره ، يجد الاختلاف في أخبارها اختلافاً بينا ، ولو كان بعض هذا الاختلاف في شهادة اثنين يشهدان في درهم ما ثبت بشهادتهما دعوى ، ولا انتصر بها حق.
ولتراجع الأناجيل في هذا المقام لتعرف مقدار الصحة في خبرها ، ولتعرف مقدار ما في دعوى الإلهام لكاتبيها عند كتابتها من حق ، فلا شك أن ذلك الاختلاف الذي لا يمكن التوفيق بين متناقضة يؤدي إلى أن تلك الأناجيل يأتيهما الشك من كل جانب ، يأتيها من بين يديها ، ومن خلفها ، فلا يمكن أن تكون إلهاماً من حكيم حميد.
وإن ذلك الاختلاف فيما أحاط بمسألة الصلب - فوق إنه يفقد الثقة بالأناجيل ، هو أيضاً يجعل خبر الصلب عند القارئ الخالي الذهن الذي لم يكن في ذهنه قبل القراءة ما ينفيه أو يثبته موضع الشك الذي يرجح فيه الرد على القبول ، والتكذيب على التصديق.
(د) وفي موت يهوذا الذي خان المسيح على زعمهم ، اختلف رواية متى عن رواية لوقا في سفر أعمال الرسل. فمتى يقول : إنه خنق نفسه ومات ، كما جاء في الإصحاح السابع والعشرين.
ولوقا يقول في سفر الأعمال : إنه خر على وجهه ، وانشق بطنه ، فانسكبت أحشاؤه كلها ومات.
ولا شك أن بين الروايتين اختلافاً ، لأن الموت بالخنق غير الموت بشق البطن ، ولابد أن تكون أحداهما على الأقل كاذبة. ولكنها غير معلومة ، فيتطرق الشك إلى الأخرى فيردان معاً ، ولا يمكن أن تكونا بإلهام أو لا يمكن مع ذلك الشك الإيمان بأن كلتيهما بإلهام.
(هـ) قد اشتمل بعض هذه الكتب على أخبار لو صحت لكانت معلومة مشهورة في التاريخ يعرفها الخاص والعام ، ولدونتها كتب التاريخ على إنها حوادث مفردة عجيبة في الدهر. ولكن لم يرد لها ذكر في التاريخ ، ولم يعرف الناس أمرها إلا من تلك الكتب.
هذا متى يقول عند صلب المسيح وقيامته : فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح ، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، والقبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ، وخرجوا من القبور بعد قيامته ، ودخلوا المدينة المقدسة ، وظهروا لكثيرين. وأما قائد المائة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة ، وما كان ، خافوا جداً ، وقالوا : حقاً كان هذا ابن الله".
وهذه حادثة عظيمة لو صحت لدونها التاريخ العلم الذي لم يشر إلى المسيح بكلمة ، ولو صحت أيضاً لآمن الرومان واليهود ، الصخور تتشقق ، والأرض تزلزل ، والأموات ينتشرون ، ويسيرون على الأرض ، ويراهم الكثيرون ، ويبقى بعد ذلك مساغ لإنكار ، ولكن لم ترد أخبار بإيمان أحد من اليهود على أثر تلك البينات الباهرات.
ولقد جزم العلامة المسيحي نورتن يكذب هذه الحكاية ، وقال في تكذيبها : "هذه الحكاية كاذبة والغالب أن أمثال هذه الحكاية كانت رائجة في اليهود بعد خراب أورشليم ، فلعل أحداً كتب هذه الحكاية في النسخة العبرانية ، وأدخلها الكتاب في المتن ، وهذا المتن في يد المترجم فترجمها كما وجدها".
ونقول : لعل كثيراً مما في المتن أصله في الحاشية ثم نقل خطأ في المتن ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يكون هذا الكتاب وأشباهه مصدراً لاعتقاد جازم ، وإيمان بدين ، وكيف يزعم زاعم أن هذا الكتاب بحواشيه الدخيلة غير المعلومة من متنه الأصيل ، هو بإلهام من الله العلي القدير ؟! ولكن في العالم عقول تقبل ذلك.
بيد إنه من الإنصاف لهذه العقول أن نقول : أنهم يقيمون غواشي تمنع نورها أن يكشف عن موضع الضعف فيها فهي لا تقبله على نور وبينة ، وسلطان مبين.
59- هذه بعض المتناقضات بين هذه الكتب بعضها مع بعض وبعض مناقضتها للعقل والمدون في التاريخ ، وإنَّا نحيل القارئ في هذا المقام إلى كتاب إظهار الحق للشيخ - رحمه الله - الهندي : فقد أتى بأكثر من مائة اختلاف بين هذه الكتب ، وجابه بها مناظريه ، فلم يحيروا جواباً ، ولم يستطيعوا خطاباً ، ولسنا نريد أن ننقلها برمتها منه فليرجع القارئ إليه ، فسيجد الغريب.
التناقض بينها مبطل لإدعاء الإلهام وبيان إنكارهم لبعضها ثم اعترافهم به
وإذا كانت هذه الكتب متناقضة متضاربة يلحق الكذب كلها في حملتها وأجزائها عند مناقشتها فهي إذن ليست بإلهام ، ويكفي هذا بطلانا لمدعاهم في الإلهام.
وإن نسبة هذه الكتب إلى من نسبت إليهم على ما فيها ، وعلى إنها في ذاتها ليست حجة ، هي موضع شك كثير ، فإنه ليس لهم سند متصل يصل هذه الكتب في أقدم العصور التي عرفت فيها - بالكاتبين لها ، فهي لم تعرف معرفة كاملة قبل مجمع نيقية الذي كان في سنة 325 ، ولم يجئ ذكر لها قبل ذلك إلا على لسان أرينيوس سنة 200 وكليمنس سنة 216.
بل إن مجمع نيقية لم يعترف بكثير منها ، فإن ذلك المجمع لم يعترف بما يأتي :
1- برسالة بولس إلى العبرانيين.
2- ورسالة بطرس الثانية.
3 ، 4- ورسالة يوحنا الثانية والثالثة.
5- ورسالة يعقوب.
6- ورسالة يهوذا.
7- ورؤيا يوحنا التي تسمى "الكتاب النبوي" ولم يحكم بصحة هذه الكتب إلا في مجمع لوديسيا سنة 364.

انقطاع السند في نسبتها لكاتبيها :
فقبل سنة 364 لم يعترف بصحة هذه الرسائل السبع ، وقبل سنة 325 لم تكن الكتب كلها معروفة أو مختصة بذلك التقديس. وآخر كتاب من هذه الكتب كتب في القرن الأول ، فبين آخر كتبهم تدويناً في زعمهم ، ومعرفته والاعتراف به أكثر من خمس وعشرين سنة ومائتين لا راوي يرويها ، وقد وقع بهم من الأحداث في هذه المدة ما يذهب باللب ويضيع الرشد ، وينسي المرء معه كل شيء ، وإن الكتب نفسها لم تسلم من الاضطهاد. فقد أصدر أحد أباطرة الروم سنة 303 أمراً بهدم الكنائس وإحراق الكتب ، وعدم اجتماع المسيحيين لأداء عباداتهم ، فنفذ الولاة الأمر ، فهدموا الكنائس ، وحرقوا الكتب ، وأتوا على كل ما للمسيحيين من بيوت عبادة وكتب ، هدماً وتحريقاً ، ومن سبق إلى ظنهم إنه أخفى كتاباً عذبوه عذاباً شديداً ، حتى يعلنه فيحرق.
ومن قبل ومن بعد أنزلوا البلاء بعلمائهم ، فما تركوا عالماً منهم بالديانة إلا قتلوه ، وكان الولاة يتفننون في طرق إبادة المسيحية من الوجود ، أبادوا العلماء حتى لا يوجد من يرشد إليها ، ويتوارث العلم بها ، وأبادوا الكتب حتى لا تحفظ تلك الديانة في الصدور أو السطور.
ولا شك أن ذلك الاضطهاد الذي دام إلى صدر القرن الرابع يجعل الكتب التي رويت قبل ذلك موضع شك في نسبتها إلى قائليها ، حتى يقوم دليل على صحة تلك النسبة ، ولم يقيموا أي دليل ، لأن السند منقطع بينها وبين من تنسب إليهم ، والحبل بينهم وبينها غير متصل بأوهى أنواع الاتصال ، لأن السند المتصل الذي يطمئن معه القارئ لكتاب ، فيغلب على ظنه إنه صادق النسبة إن نسب إليه ، هو أن يروى ثقة عن ثقة مثله حتى يصل السند إلى من لقي المؤلف فيقول : سمعته منه أو تلقيته عنه ، أو قرأته عليه كما ترى في أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ويكون كل راو من تلك السلسلة المتصلة حلقاتها عدلاً ثقة ، ضابطاً حافظاً ، وإذا كان السند غير متصل بين ذيوع هذه الكتب واشتهارها ، وبين قائليها ، فقد ذاعت بعد سنة 364 ، ومن نسبت إليهم كتابتها كانوا في وسط وآخر القرن الأول ، فالعقل يتشكك في هذه النسبة ، ولا يثبت مع الشك كتاب يكون حجة لديانة.
هذه كتبهم ، اعتقدوا إنها كتبت بإلهام من كتابها ، ولم يقيموا أي دليل على دعوى الإلهام ، وبدراستها يتبين التناقض بينها ، مما يثبت إنها ليست بإلهام من الله ، وبدراسة تاريخها يثبت إنها منقطعة السند عمن نسبت إليهم.
موازنة قس بين أحاديث الرسول وكتبهم من حيث الرواية
60- ولقد جرؤ قس اسمه إبراهيم سعيد في شرحه لإنجيل لوقا ، فعقد موازنة بين روايته ، ورواية أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : "إن الذي يطالع ديباجة بشارة لوقا يستعيد إلى ذاكرته ديباجة الأحاديث في الإسلام ، غير إنه إذا تشابهت الديباجتان في بعض الأوجه ، فإن أوجه الخلاف تفوق بكثير أوجه الشبه ، فمن أوجه الشبه :
(أ) أن بشارة لوقا والأحاديث كلاهما ترجمة حياة ، وأقوال مؤسس لدين واسع الانتشار.
(ب) إن الذين كتبوها أخذوها من أقوال مسلمة إليهم.
إلى هنا فقط تنتهي أوجه الشبه ، أو تبتدئ زاوية الانفراج تتسع إلى أن تختفي خطوطها مع رسوم الأبد.
(أ) فالأحاديث النبوية كتبها أناس أخذوها عن أناس آخرين ، وهؤلاء الآخرون أخذوها عن التابعين ، وهؤلاء أخذوها عن الصحابة ، والتبر متى تنقل بين الأيدي الكثيرة أمتزج بكثير من التراب ، أن لم يتحول تراباً ، ولكن لوقا أخذها عن شهود عيان ممن رأوا المسيح ، وخدموا إنجيله.
(ب) نقلت الأحاديث النبوية عن رواة ، وما آفه الأخبار إلا رواتها لكن سيرة المسيح سجلها مؤرخون محققون للأمور المتيقنة عندهم.
(جـ) كانت مهمة كتبة سيرة نبي الإسلام جمع الأحاديث وتكديسها ، لكي يظفروا بأكبر عدد ممكن ، وكانت مهمة لوقا التمحيص العلمي ، إذ كان هو طبيباً عملياً ، علمياً دقيقاً.
بيان ما في كلامه من زيف
61- هذا نص ما كتبه ذلك القس في الموازنة بين أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنجيل لوقا ، ونحن نقره في أن أوجه الاختلاف تنفرج زاويتها ، حتى لا يتلاقى المتشابهان بعدها ، وأن شئت الحق الخالص من كل تمويه ، والصدق الخالي من كل تزوير فقل إنه لا تشابه بينهما ، كخطين متوازيين لم يتلاقيا ، ولن يتلاقيا قط.
ولكن أذلك الاختلاف يعلى الأحاديث أم يعلى البشارة المنسوبة للوقا ؟ هنا نختلف مع القس. فهو يزعم أن ذلك الاختلاف يعلى بشارة لوقا ، وبفقد الثقة أحاديث الرسول ، وهو لكي يؤيد هذا الزعم يأتي بالمحاسن فيسميها مساوئ ، ويعرض لما يوجب الثقة ، فيزعمه دليل نقيضها ، وهو في هذا كمن يزعم قبح الشمس في نورها الرائع ، وضوئها الساطع ، وقبح القمر في صفائه ، وانبلاجه في ظلمة الليل البهيم ، ثم يستعين في تقبيح المحاسن إلى التشبيهات والأخيلة والرموز ، كشأن المموهين دائماً ، عندما يحاولون طمس المعقول ورد المقبول. ومعارضة ما تنتجه بدائه العقول ، والمنطق المستقيم.
يقول أن الأحاديث كتبها ناس عن ناس حتى يصلوا إلى التابعين ، فالصحابة ، وبشارة لوقا أخذها عن شهود عاينوا ، ويرى أن رواية بشارة لوقا هي المثلى ، ورواية الأحاديث ليست المثلى. ويستدل على ذلك بأن التبر متى تنقل بين الأيدي أمتزج بالتراب أو تحول إلى تراب ، فأي دليل هذا ؟ ومن أي أبواب الأقيسة المنطقية ، ومن أي أشكالها ؟ أن ذلك ليس من المنطق في شيء ، ولا يمت إليه بنسب ، بل لا نستطيع أن نقول أن ذلك قياس خطابي ، لأن الأقيسة الخطابية ، وإن كانت ظنية لا تناقض العقل ، ولا تكذب على البدائه ، ولكنا مع ذلك نناقش ذلك الاستدلال.
إن أحاديث الرسول رويت بسند متصل ، وذلك عيبها في زعم هذا الكاتب ، وبشارة لوقا لم ترو بسند متصل ، وذلك حسنها ، وإذا قال لك قائل : أين ما تثبت به إنه روى عن شهود عاينوا ، ومن هم هؤلاء الذين عاينوا وأخبروه ؟ ولماذا لم يتولوا هم التدوين ، وهم أولى بذلك ، وكلامهم أحرى بالتصديق ، فلا جواب عنده بلا ريب.
فأيتها العقول المستقيمة ، أي الخبرين أحرى بالقبول ، خبر من ذكر إنه روى عن فلان العدل المعروف بالصدق والتقوى ، وعينه ، وعدالته مشهورة ، وصدقه معروف ، أم خبر من ذكر لك إنه روى عمن عاين ولم يبين من هو ، ولم يخبر عنه ؟ فلم نعرف أهو ثقة مقبول الرواية أم هو غير ثقة كيهوذا الأسخريوطي ؟ إن أقصى ما يقال هو أن لوقا نقل عن بولس ، لأنه كان رفيقاً له في بعض أسفاره ، ولكن بولس نفسه لم يكن من تلاميذ المسيح الذين عاينوا وشاهدوا بل كان في صدر حياته حرباً عليهم وألباً ، أذاقهم البلاء اكؤساً ، والشر ألواناً ، فهو راو يحتاج إلى من يوثقه ، إن أدعى أن لوقا روى عنه ، وذلك ما لم يقله حضرة القس.
ولننتقل إلى مناقشة تشبيه الذي ذكره دليلاً : أن التبر إذا انتقل إلى أيد تستطيع صيانته وحياطته - تحفظه من التراب ، وتصونه من الاختلاط به وتميط عنه كل ما يخالط جوهره ، فيزداد بهذا الحفظ بريقاً وصفاء ، أن أحاديث الرسول نقلها ثقات صانوها وحفظوها ، ولكن يظهر أن القس يأبى في مناقشته إلا أن يخالف كل معقول ، حتى يكون كل كلامه متفقاً مع الباعث عليه والداعي إليه ، فيزعم أن التبر قد يتحول إلى تراب إذا تناقلته الأيدي.
فأيها الناس ، ويأيها العرب والعجم ، ويأيها الشرق ، ويأيها الغرب هل علمتم أن الذهب يتحول إلى تراب ، ولكن القس المرشد الرشيد يقول ذلك فصدقوه وكذبوا العقل والحس والمشاهدة.
ثم من الذي روى لنا تلك البشارة عن لوقا ؟ أن السند يجب أن يكون معروفاً حتى لوقا ، قبل أن نتعرف النسبة بين لوقا والمسيح ، أن بشارة لوقا كتبت كما يزعم النصارى في العشرة السابعة بعد المسيح من غير أن يعينوا الزمن تعييناً دقيقاً ، ولكن لم يرد في التاريخ ، ولا على ألسنة الرؤساء والقسيسين أي ذكر لها إلى سنة 200 ثم ذكرت الأناجيل الأربعة على لسان اثنين من العلماء فقط من سنة 200 إلى سنة 325 ، ولم نعرف هذه الأناجيل المدونة المسطورة الآن هي التي جاء ذكرها على لسان عالمين من علمائهم في فترة من التاريخ قدرها خمس وعشرون سنة وثلاثمائة ، وهي فترة طويلة.
ولكن مع كل هذا يستحسن القس إبراهيم سعيد تلك الحال ، فقد زينت له فرآها الأمر الحسن الجدير بالثقة. ورأى غيرها الأمر القبيح الجدير بالرد. وهل نطالب ذا رمد أن يفتح عينية في ضوء الشمس ، أو نطالب من فقد حاسة الشم أن يدرك أريج الزهر ، وعرف الطيب ، أو نطالب من تلفت منه المشاعر أن يكون صادق الحس دقيق الشعور.
62- ولننتقل إلى الفرق الثاني الذي ذكره معلياً لبشارته ، ومنزلاً بأحاديث نبيناً عليه الصلاة والسلام يقول : فقلت الأحاديث عن طريق رواة ، وما آفة الأخبار إلا رواتها ، أما سيرة المسيح فقد سجلها مؤرخون محققون للأمور المتيقنة عندهم.
هذا ما ذكره بنصه تقريباً ، وهو يبين أرجحية أخبار أناجيله عن سيرة المسيح بأنها رواها التاريخ ، أما عن السنة فراوية رواة ، وآفة الأخبار رواتها ، ولا نريد مناقشة تلك الكلمة العامية التافهة " آفة الأخبار رواتها " فإنها لا تصلح مقدمة لدليل علمي ، ولو أن طالباً ممن تلقوا العلم عليما قالها لعركنا أذنه وأسررنا إليه أن رواة الأخبار الذين هم آفاتها إنما هم الكاذبون ، وأما الصادقون العادلون ، فليسوا آفاتها بل حملتها ، وإلا ما صحت شهادة ، ولا قبل القضاء بينات ، ولا ثبتت حقوق ، ولا أدين منهم ، ولا برئ بريء.
ثم يقول إن أناجيله سجلها مؤرخون محققون ، فكيف نسميهم ؟ أرواة رووا عن غيرهم ؟ إن كانوا كذلك ، فقد سجل على سيرته ما عنده قبيحاً عند غيره ، وإن كانوا مؤرخين لم يتعرفوه بطريق الرواية ، بل بالنقش على الأحجار ، أو فيما استبطنته بطون الآثار ، فأي أثر هذا وجدوا تلك الأناجيل منقوشة عليه ، ومدونة فيه ، وأثبت التحقيق العلمي أنها ترجع إلى عصر المسيح ، وإنه هو الذي ألقاها ، أو أن تلاميذه دونوها عنه ؟.
إن أخبار التاريخ تثبت بأحد أمرين ، أما بالرواة يروون ، أو بالآثار ينقبون فيها ، ويتعرفونها منها ، لم تثبت الأناجيل بواحد من الأمرين ، فليست ثمة رواية لها ولا رواة ، وهم ينزهونها عن ذلك ، ولا آثار تنطق بها ، وتعلن خبرها فهي إذن يرفضها التاريخ ، ولا يمكن أن يسجلها مؤرخون محققون قط ، وإن التاريخ لا يعرف لها ذكراً إلا من مجمع نيقية أو بعده. فهي مسندة إلى ثمانية عشر وثلاثمائة اجتمعوا في نيقية ، وليست محققة النصبة لغيرهم بل بعضها ليس محقق النسبة عندهم ، وبين هؤلاء وبين المسيح خمس وعشرون سنة وثلاثمائة !! وبعد هؤلاء المجتمعين تناقلها الرواة عنهم ، وأن أغضب ذلك حضرة القس ، وأن ذلك المجمع لنا فيه كلام ، سنقوله في موضعه.
63- ولننتقل إلى مناقشة الفرق الثالث الذي قاله رافعاً مؤرخيه إلى مرتبة الثقة ، يقول : كما كانت مهمة كتبه سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمع ، ليظفروا بأكبر عدد من الأحاديث. وأما مهمة لوقا ، فقد كانت التحقيق والتمحيص ، وهنا نرى القس أخذ يجد بعد الهزل ، ويقول بعد الهذر ، ولكنه إذ ابتدأ يجد قد كذب وأعظم الفرية على أحاديث نبينا ، وأدعى على بشارة لوقا ما ليس فيها ، فأي تحقيق علمي فيها ، وأي تمحيص اشتملت عليه ؟ إنها لا تفترق عن غيرها من حيث اشتمالها على أمور غريبة ، وأشياء عجيبة ، ولم يبين لنا رأيه فيها ، بل كان قاصاً ككل القصاص ، ولا يرفعها إنه كان طبيباً ، لأن نسبتها إليه موضع شك كبير ، ولم يتفق الكتاب على شخصه كما بينا ، ولم يتفقوا على أنه كان طبيباً ، بل منهم من قال إنه كان مصوراً ، وعلى ذلك تكون دعواه التمحيص في بشارة لوقا لا تؤيدها ما دون فيها ، ولا تؤيدها نسبتها إلى لوقا.
ولننتقل بعد ذلك إلى رد افترائه ، وكذبه على أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن المطلع على أخبار رواتها العدول ، وما كتب في صحاحهم يتبين له إنهم ما كان همهم الجمع ، بل كان همهم التنقيب والبحث فإنهم ما كانوا يروون كل ما يتلقون ، بل يختارون الصادق مما يتلقون ، وإن الذي يرفضون كان أضعاف ما يقبلون وينقلون ، لأنهم كانوا يتحرون الصدق ليتميز الخبيث من الطيب ، وإن الصحابة كانوا يتهمون من يكثر من الرواية خشية أن يخبر عن الرسول بغير ما رأى وشاهد ، فكيف يقول ذلك الرجل على غير علم ، أو محرفاً الكلم عن مواضعه : "إن رواة الأحاديث كان همهم الجمع" ، كلا إنهم كانوا ينقدون ما يروون ، ينقدون السند أولاً ، فلا يقبلون إلا من الرواة الذين أشتهر صدقهم وضبطهم وفهمهم لما يحملون ويروون ، وينقدون متن الحديث ، فيعرضونه على الكتاب وما أشتهر من السنة واستفاضت به الأخبار ، وما علم من هذا الدين بالضرورة فإن لم يخالفها بعد أن روى بسند متصل مكون من عدول كان مقبولاً ، وإلا كان مردوداً ، ونريد أن نهمس في أذن حضرة القس الرشيد بأن من أسباب ردهم لبعض الأحاديث ورفض نسبتها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام - عدم موافقتها للعقل ، فهل له أن يطبق ذلك النقد على أناجيله ورسائله ؟ إنا ننصح له أن يفعل ، لأنا نريد له الهدى ، لا الضلال ، والرشد لا الغي ، وهي نية نحتسبها عند الله.
نظرة في الوحي في الإسلام والوحي في المسيحية
64- نريد أن نختم مناقشتنا لذلك القسيس بمناقشة كلمة ذكرها : وهي التفرقة بين الوحي في الإسلام والوحي في المسيحية. فيقول عن الوحي في الإسلام : "أن الوحي في الإسلام هو التجرد عن كل شيء إنساني ، وتلاوة ما يسمونه اللوح المحفوظ ، ولكن الوحي في المسيحية يجمع بين العنصر البشري والعنصر الإلهي ، أي الملهمات الإلهية تتجسد في لباس لغوي بشري ، لتكون مفهومة لدى الناس الذين تبلغ إليهم ، فالكلمة المعلنة المكتوبة في الإنجيل هي رمز لكلمة الله ، الوحي المعلن لنا حق الله.
من أجل هذا يعتقد المسيحيون أن الوحي بالروح القدس لا يحرم على الموحي إليهم استخدام الوسائل البشرية الاجتهادية الممكنة لديهم ولا يرفع من الكاتب مسئولية الاجتهاد ، والتحقيق والتدقيق ، هذا بخلاف الإعلانات المحتوى عليها كتاب الوحي التي لا تتدخل فيها مواهب الكاتب الطبيعية ، بل هي من الله أولاً وأخراً ، كالنبوات المتفرقة في كل أجزاء الكتاب المقدس ، وسفر الرؤيا".
معنى الوحي
هذه كلمته ، ونريد قبل أن نتعرف من تلك الكلمة معنى الوحي في كتبهم أن نسارع إلى بيان وحي الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام فنقول : إن وحي الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - قسمان : قسم يوحى به على إنه كلام الله تعالت كلماته ، ولهذا يكون المعنى والتعبير لله جلت قدرته ، وذلك كما في القرآن الكريم الذي نزل به الروح الأمين.
القسم الثاني ، الأمور الشرعية التي كان يوحي الله بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليبينها للناس ، فالمعنى فيها بوحي من الله تعالى والعبارة فيها للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وإذن فكلامه عن الوحي في الإسلام لم يكن صحيحاً في عمومه ، وكان عليه أن يتحرى قبل أن يكتب ، ولكنه لن يفعل.
ولننتقل إلى الوحي بالكتب عندهم ، وهذا ما نريد أن نأخذ العلم به عنه ، وعساه يهدينا إلى ما نعرف به محض الحق المبين.
هو يقول إن كلمات الإنجيل ليست هي كلمات الروح القدس ، التي ألهمها رسلهم ، سواء في ذلك كل كتبهم ، فالعبارة فيها للكاتب ، وليست الروح القدس الذي يلهم رسلهم بما يكتبون فيما يزعمون ، ثم تنقسم كتبهم بعد ذلك إلى قسمين : قسم هو وحي لا تدخل فيه المواهب الطبيعية بالتصرف فيه بأي نوع من أنواع التصرف ، وهو ما يسمى بالنبوات عندهم. والقسم الثاني تتصرف فيه مواهب الكاتب ، وفي هذا القسم لا يرفع عن الكاتب ما يوجبه عليه التحقيق والتدقيق والاجتهاد.
ونظرة فاحصة إلى هذا القول ترينا أن الإلهام قد أخذ يضؤل أمره ، وتتواضع دعواه ، خصوصاً بالنسبة للأناجيل ، لأنها ليست بكتب نبوة كالرؤيا ، ولم يتخللها كلام الله ، كما يفعل بولس في رسائله ، إذ كان يزعم أحياناً إنه يتكلم عن الله ، وأحياناً يقول إنه يتكلم من عنده ، فالأناجيل ليست فيها إذن تلك النبوات ، وعلى ذلك يكون للمواهب الطبيعية البشرية دخل في كتابتها ، ويتحملون تبعة الاجتهاد فيها والتدقيق والتمحيص. ومن يتحمل تبعة عمل ينسب إليه. وعلى ذلك قد يتوارد الخطأ على اجتهادهم وتدقيقهم وتمحيصهم ، فيكون من أخبارهم ما صادف التحقيق فيه الصواب ، وما عرض له الخطأ ، وكيف تكون بعد ذلك بإلهام أو وحي ؟ وكيف تكون مقدسة لا يأتيها الباطل من يديها ولا من خلفها ؟ وإذن فقد أتوا على دعوى الإلهام بالنقض فلا إلهام في الأناجيل إذن.
هذه كلمتنا في كتبهم تحرينا فيها أن نكتبها كما كتبها المسيحيون ، ونوجه من النقد ما وجهوا ، وذلك لكي ننصف القوم.
ولقد القينا عليها نظرة فاحصة لنوائم بين أخبارها المختلفة ، ونجمع بين الأقوال المتضاربة ، ونشير إلى حكم العقل المستقيم عليها ، أهي صالحة لأن تكون مصدر دين يتدين به ألوف من البشر وأهل العلم ، أم غير صالحة ؟.
إن كتاب كل دين هو الأصل والدعامة والأساس ، فإذا كان غير صحيح السند ، أو غير مقبول لدى العقول كان ثبوت الدين فيه نظر ، بل إنه انهار ، وفقد أصله ، ولم يعد شيئاً في الأديان مذكوراً.
ولننتقل بعد ذلك إلى عقيدة المسيحيين ، وبعض شرائعهم كما جاءت بها تلك الكتب التي علمت أمرها.


من مواضيعي
0 ولا تقربوا الزنا
0 رمضانيات محمد عبد العزيز المجموعة الثانية
0 تأملات قرآنية : يوسفيات .. أ.علي الفيفي وبعض الفضلاء
0 قصة الدكتور ميلر
0 أبونا آدم عليه السلام
0 بطلان التثليث ومخالفته للمعقول والمنقول
0 نواسخ الجملة الاسمية
0 انفوجرافيك مسبار المريخ الهندي مانجاليان

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
نظرة, كتبهم, فاحصة

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:11 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009