ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى نقد النصرانية > ملتقى النصرانيات العام
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

الفرقة الحديثة البروتستانت

ملتقى النصرانيات العام


الفرقة الحديثة البروتستانت

ملتقى النصرانيات العام


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 03:30 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي الفرقة الحديثة البروتستانت

الفرقة الحديثة البروتستانت
حال الكنيسة قبل الإصلاح
شدة الكنيسة على الناس والعلماء
فرض سلطانها على الملوك
قرارات الحرمان تنال الملوك
استبداد الكنيسة بفهم الكتب المقدسة
مسألتا الاستحالة والغفران
إفراط الكنيسة في استعمال حق الغفران
صورة من صك الغفران
سلوك رجال الدين الشخصي
ابتداء الإصلاح
دعوة بعض رجال الدين إلى الإصلاح
ابتداء الإصلاح من غير رجال الدين
النقد العنيف
لوثر
ثورة لوثر على الكنيسة
لوثر لم يرد هدم الكنيسة
زونجلي وأعماله
كلفن وأثره في الإصلاح
إنشاء كنائس للمصلحين
أهم مبادئ الإصلاح
(أ) جعل الخضوع التام الواجب على المسيحي لنصوص الكتاب المقدس وحدها
عدم الرياسة في الدين
ليس لرجل الدين الغفران
عدم الصلاة بلغة غير مفهومة.
رأيهم في العشاء الرباني
إنكار الرهبنة
عدم اتخاذ الصور والتماثيل
المسيحيون لم يسيروا في منطقهم إلى أقصى مداه
عقول مسيحية تنكر ألوهية المسيح
أو الإصلاح الديني
حال الكنيسة قبل الإصلاح
شدة الكنيسة على الناس والعلماء
110- اشتد ضغط الكنيسة الكاثوليكية على المسيحيين ، وبالغت في فرض آرائها عليهم مبالغة تجاوزت حد الغلو ، ولم تسلك في ذلك سبيل الموعظة الحسنة ، والدعوة الصالحة ، والإرشاد القويم ، ومخاطبة الأرواح والنفوس ، وتمكينها من أن تتبعها ، وهي حرة مريدة مختارة ، بل سلكت سبيل العنف وركبت متن الشدة ، فجعلت كل رأي في العلوم الكونية يخالف رأيها كفراً ، ولا تدعو معتنقيه إلى الهداية ، وترشده إلى الرشاد ، كما يليق برجال الدين مع من يرونه ضالاً ، بل تكفر لأوهى الأسباب ، وتحرق أو تعذب من تراه كافراً بلا رفق ولا هوادة.
فهذا المجمع الثاني عشر من مجامعه الكنيسة وهو المجمع المسمى بالاتيراني الرابع المنعقد سنة 1215 يقرر استئصال الهراطقة ، ويعنون بذلك كل من يرى رأياً مخالفاً للكنيسة ، ولو كان رأياً في الكون أو طبائع الأشياء ، ولم تكتف الكنيسة بقتل من يجهرون بآراء تخالف آراءها ، بل أخذت تنقب على القلوب وتستكنه خبايا النفوس ، وتكشف عن سرائر الناس بما أسماه التاريخ محاكم التفتيش ، التي دنست تاريخ الأديان بما ارتكبت من آثام ، وما أزهقت من أرواح ، وما سفكت من دماء ، وما عذبت من أحياء.
وإن جهر رجل من رجال الدين بالدعوة إلى الإصلاح ، داعياً رجال الكنيسة إلى أخذ الناس برفق ، وحاثاً رجال الدين على الأخذ بهدية كان عقابه الحرمان والقتل.
حدث في أوائل القرن الخامس عشر أن أحس أساقفة فرنسا بوجوب إصلاح حال البابوات ، فانعقد لذلك مجمع مؤلف من 150 أسقفاً ، و1800 من رجال الدين ، ولكن هذا المجمع انتهى في قراراته بالأمر بإحراق يوحنا هوس مصلح كنيسة روما بوهيميا ورفيقه جيروم.
ولقد حرق وعذب في هذا السبيل علماء استشهدوا في سبيل العلم بسبب مظالم تلك الكنيسة ، وضيق صدر القوامين عليها.
ومما يذكر في هذا أن أحد العلماء واسمه ابيلارد كان له رأي في تكفير المسيح عن خطيئة آدم خالف به رأي الكنيسة فقال : ليست حياة المسيح وصلبه وما لاقى في ذلك من تعذيب سبيلاً لإرضاء الله وإنزال عفوه عن خطيئة الإنسان ، فعفو الله أيسر من ذلك وأقرب ، وإنما لاقى المسيح ما لاقى إعلاناً لما يكنه قلبه من حب الله ، وعسى أن يثير في الناس عاطفة الشكر وعرفان الجميل ، فيعيدهم إلى طاعة الله. ولكنه ما أن قال ذلك القول حتى انعقد مجلس لمحاكمته ، فكان نصيب كتبه التحريق ، ونصيبه السجن الدائم ، حتى وافته منيته.
وجاليليلو يرى رأيا في الكون فيسجن لذلك الرأي ، مع أن رأيه ليس من أمور الدين في شيء.
فرض سلطانها على الملوك
111- بالغت الكنيسة في شدتها ، كما رأيت ، ولم ينج حتى الملوك من طغيانها ، فقد كان انقسام الدولة الرومانية الغربية إلى ممالك مختلفة ، واعتبار كل مملكة وحدة سياسة لا تتصل بالأخرى إلا اتصال محبة وسلام ، أو حرب وخصام - كان ذلك سبباًَ في أن صار البابا لا سلطان لأحد من ولاة الأمر عليه ، وقد تقرر هذا من بعد كما صار تعيين البابوات باختيار المجامع ، لا بتعيين ملك أو أمير ، مهما تكن قوته وسطوته وصار البابوات بعد تعيينهم غير خاضعين بأي نوع من أنواع الخضوع لأي ملك من الملوك ، وعلى النقيض من ذلك لهم هم السلطان الذي لا يرد على كل مسيحي ، مهما تكن مكانته ، يستوي في ذلك الأمير والخفير ، والراعي والرعية ، فليس لأي ملك سلطان على البابا ، والبابا له سلطان على كل ملك ، لأنه مسيحي ، وله السلطان الكامل على كل المسيحيين ، ولأن البابا خليفة لبطرس الرسول وبطرس الرسول أقامه المسيح رئيساً على الحواريين من بعده ، فالبابا على هذا الأساس خليفة للمسيح ينطق باسمه ، ويتكلم بخلافته ، وينفذ بسلطانه ، ومن خرج عن طاعته فقد خرج عن طاعة المسيح ، وحارب دينه.
قرارات الحرمان تنال الملوك
وبهذا المنطق فرضوا أوامرهم على الملوك ، كما فرضوها على سائر الناس ، ولذا لم ينج بعض الملوك من قرارات المجامع بحرمانهم ، وطردهم من حظيرة المسيحية ، ولعنهم ، فقد جاء في كتاب سوسنة سليمان : "المجمع الثالث عشر انعقد في ليون من أعمال فرنسا سنة 1245 بأمر البابا اينوسنت الرابع لأجل عزل فردريك ملك فرنسا وحرمانه ، وهذا المجمع لم تسلم كنيسة فرنسا حتى الآن بصحته أو بسلطانه مطلقاً".
لم ينج إذن الملوك من قرارات الحرمان والطرد ، وإن لذلك أثره في نفوس شعوبهم ، كما إنه يحفز الملوك على العمل من جانبهم على حماية أنفسهم ، وهم في ذلك لا يتمنعون عن أن يثيروا القالة في رجال الكهنوت ، ويكبروا صغائرهم ، ويروجوا عنهم ما يحط من قداستهم ، حتى ينفردوا بالاحترام ، ولا يكون سلطان لأحد غيرهم.
112- هذه هي الكنيسة في معاملتها للناس ، عنف وزجر وقسوة ، لا إرشاد وهداية وإصلاح ، وهي تضرب كل من يعترض طريقها. لا تفرق بين سائس ومسوس ، وحاكم ومحكوم ، وراع ورعية.
وقد احتكمت لهذا بذوي السلطان ، فكان لابد من مغالبة بينهما. ولم يكن الأمر مقصوراً على الأذى البدني تنزله بمن يخالفها ، ولو فيما ليس بينه وبين الدين نسب ، ولا يتصل به بسبب. بل تجاوز ذلك إلى إرهاق المسيحيين باتاوات ماليه يفرضونها ، وضرائب كبيرة يأخذونها ، وعلى ذلك صار المسيحيون قاطبة يئنون تحت نير ثقيل ، سواء في ذلك من خالف ومن وافق ، فالمخالف بالعذاب يهرأ به جسمه ، والموافق بالمال يثقل به ، وتفرض عليه ضرائب لأسباب غير معقولة وغير مقبولة أحياناً وما يجمع من أموال الفقراء والمحدودين التي حصلوا عليها بالكد واللغوب يتوزعه رجال الدين بينهم ، وينفقونه إسرافاً وبداراً في سبيل تحقيق رغباتهم ، وبذلك كانوا يجمعون المال من غير حله ، وينفقونه في غير حله أيضاً ، وبذلك انغمسوا في شر ما في هذه الدنيا ، وتركوا لب الدين.
استبداد الكنيسة بفهم الكتب المقدسة

113- ولقد احتجزت الكنيسة لنفسها الحق في فهم الكتب المقدسة عندهم ، واستبدت بتفسيرها دون سائر الناس ، ولا معقب لما تقول في هذا التفسير ، أو في رأي تبديه ، أو أمر تعلنه ، وعلى الناس أن يتلقوا قولها بالقبول وافق العقل أو خالفه ، وعلى المسيحي إذا لم يستسغ عقله قولاً قالته أو مبدأ دينياً أعلنته أن يروض عقله على قبوله ، فإن لم يستطع ، فعليه أن يشك في العقل ، ولا يشك في قول البابا. لأن البابا خليفة لسلسلة الخلافة التي بيناها.
ولقد كانت تعلن أموراً ما جاء بها الكتاب المقدس عندهم ، وما تعرض له المسيحيون الأولون ، لا المجامع الأولى ، وهي أمور غريبة جد الغرابة ، بعيدة عن القبول في أحكام العقل جد البعد ، وتلزم المسيحيين بها ، وتفرضها عليهم فرضاً ، ومن قال كلمة فيها فالويل له ، ينزلونه به في الدنيا ولا ينتظرون حساب الديان في الآخرة.
ونذكر القارئ على سبيل المثال مسألتين كان لهما أثر في الفكر المسيحي ، وبسببهما هما وغيرهما تقدم المصلحون في جرأة ، داعين إلى إصلاح الكنيسة بالحسنى أو بغير الحسنى ، هاتان المسألتان هما مسألة الاستحالة ، ومسألة الغفران.
مسألتا الاستحالة والغفران
114- أما مسألة الاستحالة فالأساس فيها ما علمت في شرح الشعائر النصرانية ، من أن المسيحيين يأكلون يوم الفصح خبزاً ويشربون خمراً ، ويسمون ذلك العشاء الرباني ، ولقد زعمت الكنيسة أن ذلك الخبز يستحيل إلى جسد المسيح ، وذلك الخمر يستحيل إلى دم المسيح المسفوك فمن أكلها وقد استحالا هذه الاستحالة فقد أدخل المسيح في جسده بلحمه ودمه ، وذلك أمر غريب في العقل ، لا يستطيع أن يستسيغه أحد بيسر وسهولة ، بل لا يستطيع أن يستسيغه قط, إذ كيف يتحول الخبز لحماً ، وكيف يصير لحد شخص معين معروف. وكيف يتحول الخمر دماً. وتصير دم شخص معين معروف ؟ ذلك غريب. بل مستحيل التصور والقبول في العقل ، ولكن الكنيسة فرضت على الناس قبوله ومنعتهم من مناقشته ، وإلا عرضوا للطرد والحرمان. وهل ورد هذا الأمر في الكتب المقدسة ، حتى يجب الأخذ به من غير تفسير أو تأويل. إنه أمر استقلت به الكنيسة وأعلنته وأبدته في أحد مجامعها ، غير معتمدة في ذلك على نص صريح من الكتب المقدسة عندهم.
ولقد خالفت في بعض شأنه الكنيسة الكاثوليكية غيرها من الكنائس ، فالكنيسة الشرقية ترى أن العشاء الرباني لا يكون بالفطير ، بينما تراه الكنيسة اللاتينية ، ووجد من أحرار الفكر من ينكرون هذه الاستحالة ، ويعتقدون أنها غير ممكنة في العقل ولا سائغة في الفكر.
115- أما المسألة الثانية فهي مسألة امتلاك الكنيسة حق الغفران للمسيء في الدنيا ، فقد قررته الكنيسة حقاً لنفسها في المجمع الثاني عشر أيضاً.
وقد جاء في كتاب تاريخ الكنيسة في بيان قرار المجمع في هذا الشأن : "أنهى المجمع تعليمه فيما يتعلق بأمر الغفران فقال : "أن يسوع المسيح ما كان قد قلد الكنيسة سلطان منح الغفرانات. وقد استعملت الكنيسة هذا السلطان الذي نالته من العلا منذ الأيام الأولى ، قد أعلم المجتمع المقدس ، وأمر بأن تحفظ للكنيسة في الكنيسة هذه العملية الخلاصية للشعب المسيحي ، المثبتة بسلطان المجامع".
ثم ضرب بسيف الحرمان من يزعمون أن الغفرانات غير مفيدة ، أو ينكرون على الكنيسة سلطان منحها ، غير إنه قد رغب في أن يستعمل هذا السلطان باعتدال واحتراز حسب العادة المحفوظة قديماً ، والمثبتة في الكنيسة ، لئلا يمس التهذيب الكنسي تراخ بفرط التساهل.
إفراط الكنيسة في استعمال حق الغفران
هذا قرار المجمع ، وفيه تمكين للكنيسة من سلطان قوي جبار ، وهو سلطان مسح الذنوب ، وغفرانها مهما يكن مقدارها ، ومهما تكن
قد دنست النفس ، واركست القلوب ، ولكنه قد أوصى الكنيسة بالاعتدال والاحتراس ، حتى لا يؤدي الإفراط في منح الغفران إلى ترك التهذيب الديني ، وهجر تعاليم الكنيسة ، والعبث بهدي الدين ، فما أخذت الكنيسة بما أعطاها المجمع ، وراعت حق الرعاية ما أوصاها به من عدم الإفراط في الإعطاء والمنح ؟ لقد أتى حين من الدهر من بعد أن أعطى رجال الدين أنفسهم ذلك الحق ، أن أفرطوا في أعطائه إفراطاً شديداً وأنشأوا له صكوكاً تباع وتشترى ، فباعوها كأنها عرض من أعراض الدنيا ، ومتعة من متعتها ، وبذل العصاة في سبيلها المال ، وما كان عليهم من حرج في أن يرتكبوا ما شاءوا من الموبقات ، وينالوا ما تهوى الأنفس من معاص. مادام ذلك يفتدى بمال قل أو جل ، وهذا نص صك الغفران الذي يباع بيع السلعة.
صورة من صك الغفران
"ربنا يسوع المسيح يرحمك يا فلان ، ويحلك باستحقاقات آلامه الكلية القداسة ، وأنا بالسلطان الرسولي المعطي لي أحلك من جميع القصاصات ، والأحكام والطائلات الكنسية التي استوجبتها ، وأيضاً من جميع الإفراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها مهما كانت عظيمة وفظيعة ، ومن كل علة ، وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا ، والكرسي الرسولي ، وأمحو جميع أقذار المذنب وكل علامات الملامة التي ربما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة ، وأرفع القصاصات التي كنت تلتزم بمكابدتها في المطهر وأردك حديثاً إلى الشركة في أسرار الكنيسة وأقرنك في شركة القديسين ، وأردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا عند معموديتك ، حتى إنه في ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب ، ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح ، وإن لم تمت سنين مستطيلة فهذه النعمة تبقى غير متغيرة ، حتى تأتي ساعتك الأخيرة باسم الأب والابن والروح القدس".
هذه صورة من صور صك الغفران تذكر إنها تمحو الآثام ، وتغفر ذنوب العاصي ما تقدم منها وما تأخر ، تغسله من ذنوبه الماضية حتى يصير طاهراً ، ثم لا يصير قابلاً لأن تؤثر فيه الذنوب مهما يرتكب من خطايا ، ومهما ينغمس في المعاصي. كان ذلك الصك جواز المرور إلى النعيم المقيم ، لا يعوق حامله عائق ، ولا يرده عن الوصول خازن أو حارس.
هذا ما يدل عليه الصك ، وهذا ما كانت تحاول الكنيسة أن تلقيه في روع الناس تمكيناً لسلطانها ، ورغبة في نقودهم التي يبذلونها للكنيسة في سبيل الحصول على ذلك الصك الذي يكون سر الأمان ، وطريق الوصول إلى الغاية.
لقد ابتدأت الكنيسة صك الغفران بمسألة الاعتراف بالذنوب عند الموت والتوبة ، ثم تولى القسيس مسح هذه الذنوب والشخص لمن يودع الدنيا. ثم انتقلت من ذلك إلى أن جعلت لنفسها الحق في الغفران ، والشخص قوي يستقبل الحياة ، ولا يودعها ويقبل على متعها ، ولا يدبر عنها ، وغالت فجعلت لنفسها غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب ، ثم أغرقت في المغالاة فأتخذها رجال الدين بابا من أبواب الكسب للكنيسة. ثم إنهم ينفقون ما يجمعون من مال فيما يحله الدين والأخلاق ، وما قد بحرمانه ، وبذلك طم السيل ، حتى جاوز الحزام الطبيين.
سلوك رجال الدين الشخصي
116- وهل كان رجال الدين في سلوكهم الشخصي ، وفي استمساكهم بعروة الأخلاق ، وهدى الدين يستحقون أن يبذل الناس في طاعتهم ما يبذلون ويروضوا أنفسهم عل الخضوع لآرائهم ، وقبولها بقبول حسن ، متهمين العقول إن حاولت التمرد والعصيان ، لأن حال رجال الدين بعيدة عن الظنة ، منزهة عن الريبة ، قد سموا بأنفسهم ، حتى ساموا في العلو القديسين والشهداء والصالحين ، وجعلوا أنفسهم عنوان العفة ، وبخع النفس عن الشر ، وافتدوا الفضيلة بأنفسهم أو عرضوا أنفسهم للفداء كما كانوا يرون أن المسيح قد فعل من قبل ؟ لقد كانت حال رجال الدين تحوطها الريب من كل جانب ، وتأخذهم الأنظار المتعقبة من كل ناحية من نواحي الحياة. حرموا على أنفسهم الزواج إذ سادت الرهبانية وسيطرت على نفوسهم ، فجعلوا زواجهم حراما ، لينصرفوا لخدمة كنيسة الرب ، ويقوموا على سدانتها ، ويرعوها حق رعايتها ، ولكن ما أن توردت عليهم الأموال ، وكثرت أمامهم أسباب النعيم ، حتى فكهوا فيها مترفين وانغمسوا في الملاذ يستطيبون أطيبها ، ويطلبون أشدها ، ولما مكنوا لأنفسهم من السلطان ، انتفع بعضهم في طلبها اندفاعاً ، ومنهم من استهتر في سبيلها استهتاراً ، وخرجت حال بعض أولئك المنغمسين في الخطايا من السر إلى الجهر ، ومن التستر إلى التفحش ، ومن الخفية إلى الإعلان ، واتصل بعضهم بالنساء اتصال سفاح ، بعد أن حرموا على أنفسهم النكاح ؟ ولم تتمنع النساء المتصلات بهم من أن يعلن ذلك مفاخرات به ، وجاء من ذلك الاتصال الآثم أولاد لا آباء لهم ، ولكن لهم حظوة ، لأن بعض رجال الدين عرفوا آباءهم ، كما يعرفون أبناءهم ، فيمكنون لهم بسلطانهم الديني سلطاناً دنيوياً.
ولقد كانت تلك الحياة اللاهوتية العابثة الفاسقة ميزة أختص بها بعض رجال الطبقة العالية الدينية أنفسهم ، أما التحوت من رجال الدين ففي فقر مدقع ، وفي حياة هي أقرب إلى الدين المسيحي من حياة كبرائهم ، وذوي السلطان فيهم وفي الشعب.
ابتداء الإصلاح
117- هذا سلطان الكنيسة ، وتلك حال رجالها ، يتدخلون في كل شيء ، ينقبون عن القلوب ، وقد سترها علام الغيوب ، ويرهقون من يتهمونهم بأقصى أنواع العذاب ، ويفرضون سلطانهم على الراعي والرعية ، حتى يتململ من تحكمهم الملوك والأمراء ، وذوو الفكر من الشعوب ويجبون الإتاوات ويفرضون الضرائب حتى كأنهم الحياة العشارون لا رجال الدين المهذبون ، ويعطون أنفسهم حق مسح الخطايا بعد اعتراف المذنب في آخر أيامه في الدنيا ، وأول أيامه في الآخرة ، ثم يغالون ، فيمنحون أنفسهم حق غفران الذنوب السابقة واللاحقة للقوي الصحيح ، ويكتبون في ذلك صحوكاً يبيعونها بثمن قليل أو كثير ، ثم يقضون أو بعضهم حياة كلها لهو ، وحولهم الناس ينظرون.
ولقد بلغ السيل الزبى في العصر المشهور في التاريخ الأوربي بعصر النهضة ، وفيه نهضت الإرادة الإنسانية ، والعقل الإنساني يفرضون وجودهما ، وفيه استطاع الأوربيون أن يروا نور الله في الإسلام ، والتدين الحقيقي فيما يدعو إليه هذا الدين ، إذا اتصل الشرق بالغرب فيما قبس الغرب من دراسات يلقاها على أساتذة من المسلمين بشكل خلص ، ومن الشرقيين بشكل عام ، وفيه أعلم أن لا سلطان لأحد من رجال الدين على القلب ، وأن لا وساطة بين الله والعبد ، وأن الله قريب ممن يدعوه ، ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
دعوة بعض رجال الدين إلى الإصلاح
حينئذ أخذت الأنظار المتربصة تحصى على رجال الدين ما يفعلون ، ووجد من بينهم من استنكروا حالهم ، وأخذوا يدعون زملاءهم إلى إصلاح حالهم ، ليردوهم إلى حكم دينهم قبل أن يفوت الوقت ، وقبل أن ينفض الناس ، وقبل أن يحملهم العامة على الإصلاح.
ولقد جاهر بذلك جيروم وهوس ، ولكن كان نصيبها أن أعدما حريقاً بالنيران ، وكان ذلك بقرار من مجمع كونستانس الذي انعقد من سنة 1414 إلى سنة 1418 ، ولقد قرر ذلك المجمع قتل هذين العالمين حرقاً بالنار ، لأنهما دعوا الكنيسة إلى عدم الأخذ بما يسمى سر الاعتراف ، مبينين أن الكنيسة ليس لها سلطان في محو الإثم أو تقريره ، وإنما التوبة مع رحمة الله حتى تمحو الآثام ، وتطهر النفس من الخطايا ، وقد تقدم إلى المجمع يوحنا هوس ليدافع عن آرائه ، وهذا ما قاله كاتب متعصب للكاثوليك في ذلك الدفاع :
"لدى دخوله أخذ يعلن غواياته قبل انتظاره حكم المجمع على تعليمه فقر الرأي على إلقاء القبض عليه ، وفوض المجمع إلى بعض أعضائه أن يفحصوا مؤلفاته وألحوا عليه أن يقلع عنها ، ولكنهم لم يستفيدوا شيئاً ووجدوا في مؤلفاته فصولاً كثيرة تتضمن أضاليل ، وقد خولوه الحرية ليوضح أقواله في كل منها ، وحرضوه على الخضوع لحكم المجمع ، وعرضوا عليه صورة الرجوع عن ضلاله ، فأبى أن يمضيها ، وبقى مصراً على غيه ، ولم يشأ المجمع أن يتوصل معه إلى المضايقة الأخيرة ، بل حاول مراراً أن يرده عن عناده فحكموا أولاً على كتبه بالتحريق رجاء أن يخيفوه بذلك ، لكنه لبث مصراً على عناده ، فحينئذ حطوه عن الدرجات المقدسة حطاً احتفالياً ، وأسلموه لحكومته فحكمت عليه بالحرق حياً بمقتضى نواميس المملكة ثم نال جيروم تلميذه وقرينه في العناد هذا العقاب نفسه.
أما المجمع فلم يطلب قط هذا العقاب بل ترك للقضاء المدني أن يعمل بموجب شرائع المملكة التي كانت تعطي الملك حقاً في أن يعاقب من يفسدون النظام المدني بينهم بتعاليم سيئة تقلق راحة الجمهور ؟.
هذا ما يقوله الكتاب المدافعون عن الكنيسة ، ومهما يكن قولهم في براءتها من ثم أولئك الذين حاولوا من رجال الدين إصلاحاً ، فمما لا شك فيه أنها لم تصغ إلى أقوالهم ، بل عاقبتهم عليها بالحرمان ، فسلبتهم المنصب الديني ، ثم عاونت بذلك على قتلهم أفظع قتلة ، إن لم تكن هي الفاعلة.
ابتداء الإصلاح من غير رجال الدين
118- كانت ارهاصات الإصلاح تبدو الوقت بعد الآخر ، ويظهر به رجال استعدوا للفداء زمناً بعد زمن ، وكانت البلاد التي تظهر فيها آراء الإصلاح في شمال أوربا وإنجلترا ، وفرنسا ، لأن فرنسا قد ذاق بعض ملوكها أذى الحرمان من الكنيسة ، وأحس الفرنسيون بشدتها ، وإنجلترا رأت من سلطان البابا عليها تدخلاً في شئونها ، ولأن أمم شمال أوربا قد اقترنت حضارتها بالدين فكانت شديدة الغيرة عليه ، قوية الرغبة في فهمه على وجهه ، جاعلين قبلتهم الكنيسة ورجالها ، فعثروا بما أوتوا من رغبة دينية وعقل فاحص على عيوبهم ، فأرادوا أن يصلحوها من غير أن يهدموها ، لذلك ظهرت حركات الإصلاح ووجدت آذاناً مصغية في تلك البقاع ، ولم ينبثق فجر القرن السادس عشر حتى انبثقت معه أصوات قوية جريئة تدعو إلى إصلاح الكنيسة ، وتنقد حالها وتندد بأعمالها ، وتنشر عيوب القوامين عليها ، وعساهم يصلحون أمرهم ، ويعودون إلى آداب الدين وتهذيبه.
الدعوة الهادئة :
وقد ظهر في فجر القرن السادس في أزمان متقاربة أصوات رجال مصلحين ، ومن أشدها ظهوراً صوت أرزم ، وقد ظهر بالأراضي المنخفضة ، وعاش من سنة 1465 إلى سنة 1536. وقد أخذ يدعو الناس إلى قراءة الكتاب المقدس عندهم ، وإلى تهذيب عقولهم ، وتنمية مداركهم ، ليستطيعوا فهمه ، والانتفاع به ، وإدراك مراميه وغاياته ، وأخذ يدعو إلى إصلاح الكنيسة ، وظهر إنه لم يوجه دعوته إلى الشعب ، بل وجهها إلى الحكام المستنيرين ، وإلى رجال الكنيسة أنفسهم ، فقدان البابا ليو العاشر صديقه ، وكان ممن يقدرون آراءه ، ويعجبون بتفكيره ويوافقون بالأولى على وجهة نظره ، وقد سار في طريق الإصلاح السلمي مجتهداً الاجتهاد كله في أن يحافظ على مركز البابا وقداسته ، حريصاً على ألا ينال أحد منهما ، وإلا يخلط دعاة الإصلاح بين إصلاح الكنيسة ومراكز رجالها ، وما يستحقون من إجلال وتقديس ، فهو يرى أن الإصلاح واجب على أن تقوم به الكنيسة في داخلها ، أو يعاونها الحكام على إصلاح نفسها ، ولذلك عندما رأى ثورة لوثر العنيفة ، وما أدت إليه من مس سلطان الكنيسة ونقص ما لها من قداسة ، نبذ آراءه ولم يعاونه.
وظهر كذلك في هذا الإبان تومس مور من 1478 إلى 1535 ، وقد ظهر بإنجلترا ، ودعا إلى إصلاح الكنيسة أيضاً بالطريق السلمي ، ولذلك دعا بنفسه إلى وجوب احترام سيادة البابا ، وأن يكون له السلطان الديني على الجميع.
النقد العنيف
119- ولكن دعوات أولئك السلمية لم تفد فائدتها ، ولم تنتج ثمراتها ، وإن شئت فقل أنة تحول الأفكار وانتقال الفكرة إلى الشعوب ، واصطدام الكنيسة بالمفكرين وبعض الأمراء جعل نقد الكنيسة عنيفاً ، وجعل خطوات الدعاة أسرع مما يريد أولئك السلميون.
وأشد من ظهر من أولئك تأثيراً وأقوالهم نفوذاً : مارتن لوثر وزونجلي ، وكلفن ، ولنتكلم عن كل واحد من هؤلاء بكلمة موجزة.
لوثر
أما مارتن لوثر ، فقد ولد سنة 1482 من أبوين فقيرين ، ولكن أباه أجهد نفسه ، وأراد أن يصل به إلا أقصى درجات الثقافة ، ومكن له ليكون قانونياً ، فأرسله إلى الجامعة ، ولكنه عجز عن إتمام دراسته القانونية ، وعكف على دراسة اللاهوت ، وانصرف إليها لأنه أحس بنزعة دينية قوية تدفعه إلى الانقطاع لذلك ، وقد كان شديد التورع ، مبالغاً في تقدير سيئاته ، قد سيطرت على مشاعره نفسه اللوامة ، حتى لقد قال بنفسه إنه لن ينجو من عذاب الجحيم إلا برحمة الرب الرحيم ، وكان لهذا الإحساس الديني الدقيق ، وذلك النزوع اللاهوتي موضع رعاية رجال الكنيسة ، حتى لقد أوصوا به خيراً أولى الأمر من رجال الدنيا ، فعين مدرساً للفلسفة ، وظل عاكفاً على هذه الدراسة التي كان يشك في صلاحيتها ، إذ كان يدرس فلسفة أرسطو ، وما كان في نظره إلا من عبدة الأوثان ، ويجب أن يلاحظ أن دراسة الفلسفة في ذلك العصر كانت تحت ظل الدين ، وفي خدمته ، ويقوم بها رجال الدين أنفسهم ، ولذلك لم تكن دراسته الفلسفية مبعدة عن دراسته الدينية ، بل كانت تتميماً لها.
ولقد دفعته نزعته الدينية الخالصة ، وإجلاله للكنيسة ورجالها إلى أن يحج إلى روما ، ليتيمن بلقاء رجال الدين ، ولكي تحل عليه بركات روما موطن المسيحية ومقر الكنيسة المقدسة ، ولكنه ما أن وطنت قدماه أرض روما حتى رأى ما صدم حسه ، وأزعج نفسه ، لقد توقع أن يرى النسك والعبادة والزهادة ، فوجد مدينة لاهية عابثة ، ووجد رجال الدين قد دنست بعضهم المفاسد ، وحاطت بهم الريب ، وظنت بهم الظنون ، وجد جرأة على الخطايا ، واستهانة بأحكام الدين. ووجد الذين تخيلهم قديسين صالحين ، وإنهم ملائكة الله تسير على الأرض ، قد انغمسوا في الرذيلة ، ورتعوا في حماها زاعمين أن سحائب الرضوان قد نزلت عليهم ، وغفر لهم سابق ذنوبهم ولاحقها ، وأن بيدهم مفاتيح الملكوت في السماوات والأرض وسر التوبة ، وأبواب الغفران ، يغفرون لمن شاءوا ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
رأى لوثر كل هذا وهو مرهف الحس الديني ، ذو النفس اللوامة ، الذي يرى أن خطايا الإنسان أكبر من أن يمحوها هو ، وإنه لا سبيل لغفرانها ألا أن تسعها رحمة الله.
لذلك شده من هول ما رأي ، وتحير بين ما تخيله في رجال الدين من زهادة ، والواقع المستقر الذي صدمه صدمة عنيفة ، ولكنه لم يلبث إلا قليلاً حتى أنتقل من الحيرة إلى الاستنكار ، لذلك عاد إلى ألمانيا حانقاً مستنكراً بعد أن ذهب راضياً مقدساً.
ولقد أخذ يعلن من ذلك الإبان أن التبرك بالمقدسات ، والحج إليها وتكرار الصلاة لا يجدي العاصي ، ولا يغنيه عن توبة نصوح ، وقدم مطهر ، ورجاء رحمة الرحيم ، وأن أحداً من الخلق مهما تكن قدسيته لا يملك لأحد غفراناً ، ولا يستطيع أن يستر ذنباً قد ارتكب.
120- كان لوثر بعد عودته مأخوذاً بهذه الأفكار ، قد استولت على نفسه ، وسوغ له كل هذا إن عرى ثقته برجال الدين ضعف ، وإن لم يعتزم الثورة عليهم أو على آرائهم ، ولكن الحوادث كانت تدفعه إلى أن يعلن استنكار آراء رجال الدين ، والجهر بذلك. وذلك لأن البابا ليو أراد أن يعيد بناء كنيسة بطرس في روما ، وذلك يحتاج إلى مقدار من المال غير يسير. فقرر أن يجمعه من صكوك الغفران ببيعها ، فذهب الراهب تنزل إلى ألمانيا ، ومعه تلك الصكوك التي نقلنا لك نموذجاً منها فيما أسلفنا من القول. وأخذ يعلن من أمرها. ويبالغ في قدسها وسرها.
عندئذ ثار لوثر الذي لا يعرف أن شيئاً يستر الذنوب إلا الندم على ما كان ، والإقلاع عنه فيما يكون ، ورجاء رحمة الديان ، والذي رأى في رجال الدين ما رأى ، ثار لوثر على تلك الصكوك وكتب في بطلانها احتجاجاً علقه على باب الكنيسة.
ولقد كان لذلك أثره في العامة والخاصة ، ولم يكن من المعقول أن تقابل الكنيسة ذلك بالصمت أو الإغضاء ، فقد أرسلت إليه تدعوه إلى الحضور لمحاكمته أمام محكمة التفتيش التي كانت تدبيراً اتخذته المجامع ذريعة للقضاء على مخالفيها.
ثورة لوثر على الكنيسة
وهنا نجد أن بعض الأمراء يتدخل فيوصيه بألا يجيب طلبها ، فلم يرَ البابا بدَّا من أن يصدر قراراً بحرمانه ، ويعده زائفاً ، وهنا تأخذ الحمية لوثر ، ويشتد في دعوته ، ويجاهر بالاستهانة بأمر الحرمان ، حتى إنه ليحرق في وسط وتنبرج - والجموع حاشدة - حرمان البابا وقرار زيفه ، ولم يبق إلا أن تنفذ السلطة المدنية قرار الحرمان ، فتحرمه من الحقوق القانونية والمدنية ، أثراُ لقرار الحرمان الديني ، فاجتمع مجمع ورمز سنة 1521 لمحاكمته ، ولكنه طالب البابا بأن يقنعه بخطئه فيما أرتأى. فلم يجب إلى ما طلب ، فانفض المجمع من غير نتيجة في هذا ، ولكن الإمبراطور أعلن حرمانه من الحقوق المدنية إلا أن أمير سكسونية حماه.
ومن هذا الوقت أخذت تخضع دعوة لوثر لحكم الأحداث السياسية ، فتجد سلماً من الدولة ، إذا كان الإمبراطور مشغولاً بحرب ، ولا يريد إثارة فتنة. وتجد حربا إذا خلا الإمبراطور فهم ، وفي كلتا الحالتين تزداد الدعوة حدة ويزداد أتباعها عددا ، ويشتد ساعدهم بموالاة أمراء أعزاء في النفرة.
وفي سنة 1529 حاول الإمبراطور أن ينفذ قرار الحرمان الصادر سنة 1521 ولكن أنصار لوثر يحتجون على ذلك ، ومن ذلك الحين سموا البروتستنت أي المحتجين ، ثم جرت الأمور سلما فحربا متداولين ، حتى إذا مات لوثر ، وكان الإمبراطور قد خلص من كل الحروب التي تشغله أنزل بالبروتستنت أقصى العذاب وأشده بلاء ، ثم يعقب ذلك صلح بين الفريقين.
لوثر لم يرد هدم الكنيسة
121 - لم يكن لوثر من الغلاة الذين يرمون إلى هدم الكنيسة ، ولا إلى محاربة سلطانها ، بوصف كونها مرشدة وواعظة ومبينة للناس شئون دينهم ، ولكنه كان يريد إصلاح حال الكنيسة ورجالها ، وحملهم على الحادة وإعطاءهم من الحق ما أعطته الكتب المقدسة ، ووصايا رسلهم ، والمأثور عنهم ، وهو لم ينظر إلى الباب على أنه خليفة المسيح لا يخطئ ، ولا يأتي الباطل إلى قوله ، بل نظر إليه على أنه كبير المرشدين الواعظين.
ولما أراد لهم الصلاح - وكان يائسا من أن يقوموا هم بذلك - دعا الأمراء إلى أن يتدخلوا ، وقرر أن لهم عليهم سلطانا ، وأن لهم الحق في عزل رجل الدين إذا لم يقم بما يأمره به الدين ، ووجد أن جزءا من فساد رجال الدين يرجع إلى عدم الزواج.
ورأى أن المنع منه لم يكن في المسيحية في عصورها الأولى ، فقرر حقهم في الزواج ، وتزوج هو فعلا مع أنه من رجال الدين. وكان زواجه من راهبة.
ووجد أن الكنيسة تحتفظ لنفسها بحق فهم الإنجيل ، وذلك من أسباب غلوها وفقدها الرقيب ، فجعل لكل مسيحي مثقف الحق في فهمه ، واشتغل بترجمته إلى الألمانية ليقرأه كل ألماني.
وأنكر أن المسيح يحل في بدن من يأكل العشاء الرباني. فقد أنكر استحالة الخبز إلى عظام المسيح المكسورة. وأنكر استحالة الخمر إلى دم المسيح ، وحلولهما في جسم الآكل. واكتفى بكون العشاء الرباني تذكيرا لما قام به المسيح من فداء للخليقة في زعمهم. وأن يعتقد المسيحي أن المسيح معه بجسده عند تناول هذا العشاء.
هذا كله مع إنكاره حق الكنيسة في الغفران ، ذلك الحق الذي كان عود الثقاب الذي أشعل ثورة لوثر ، وكانت منها تلك النيران التي لم تستطع الكنيسة لها إطفاء.
زونجلي وأعماله
122 - وفي الوقت الذي كان يغالب فيه لوثر الكنيسة وأنصارها من ذوي السلطان ، كان في سويسرا صوت قوي أخر ينادي بما يقارب ما نادى به لوثر ، ذلك هو زونجلي (1484 - 1531) فقد ألمته حال الكنيسة ودعا إلى مثل ما دعا إليه لوثر في مسائل الدين. وقد ابتدأت ثورته بالثورة على صكوك الغفران كما ابتدأ لوثر ، وقد مات أثناء صراع وقع بين أنصاره المعتنقين لمبادئه وأنصار الكاثوليك.
وآراؤه في الحملة تتقارب من آراء لوثر ، ولقد كان يرى أن العشاء الرباني مناولة تذكارية لموت المسيح وفدائه لخطيئة الخليقة في زعمهم ، وأن المسيح يحضر ذلك العشاء بروحه فقط. ويفسر ما جاء خاصا بالعشاء الرباني في إنجيل متى بمعناه المجازي. وهذا نص ما جاء في ذلك الإنجيل في إصحاحه السادس والعشرين : وفيما يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك. وكسر ، وأعطى للتلاميذ ، وقال : "خذوا ، كلوا هذا هو جسدي" وأخذ الكأس وشكر ، وأعطاهم قائلا : "اشربوا منها كلكم ، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا".
ودعوة زونجلي هذه ، وإن كانت تتلاقى في مبادئها في الجملة مع مبادئ لوثر كانت منفصلة عنها ، فلم تتوحد الدعوتان ، بل كانت كلتاهما تعمل في محيط إقليمها ، بيد أن حركة لوثر كانت أوسع دائرة وأسرع انتشارا ، لسعة الإقليم الذي نشأت فيه ، ولرعاية بعض الأمراء لها ، بل لاعتناقهم مبادئها ، ولأن الأحوال السياسية في ألمانيا كانت تسمح لمثل هذه الدعوة بالذيوع والانتشار.
كلفن وأثره في الإصلاح
123 - في الوقت الذي كان فيه هذان الرجلان يعملان ويجاهدان كل بطريقته ، فلوثر بطريقته السلمية التي خالطها العنف ، وزنجلي بطريقة الصراع والمنازلة ، حتى مات فيه.
في هذا الوقت كان رجل آخر ظهر في فرنسا وهو كلفن (1509 - 1564) قد ولد بفرنسا ، ونشأ بها ، وتثقف ثقافة قانونية ، ولكنه مال بعد تخرجه في القانون إلى الدراسات الدينية ، وقد كانت حركة لوفر قد ذاعت وشاعت في ربوع أوربا ، وما أن أعلن كلفن آراءه حتى أضطر إلى الفرار بعقيدته إلى جنيف في سويسرا ، وهناك ألف وكتب ، وأخذ يعمل على نشر مبادئ المذهب البروتستنتي ، وينظمها بعد موت لوثر ، فتنظيمها على الشكل الأخير يرجع إلى كلفن أكثر مما يرجع إلى أي رجل آخر ، وإن كان باذر البذرة سواه ، بل إن بذور ذلك المذهب قد كانت أقدم تاريخيا من لوثر نفسه ، وقد نوهنا إلى بعض هذا الكلام في المجامع.
ويرى كلفن أن الكنيسة يجب أن تحكم نفسها بنفسها ، وعلى الحاكم المدني مساعدتها ومعاونتها وحمايتها ، وذلك ليكون السلطان الديني غير خاضع لحكم الحكام ، وهو يرى أن المسيح لا يحضر لا بشخصه ولا بروحه في العشاء الرباني ، ويعتبر تناول العناصر المادية رمزا للإيمان, ويقول كما يقرر صاحب كتاب الأصول والفروع في العشاء الرباني : "يشير العشاء الرباني أيضا إلى مجيء المسيح ، كما يشير إلى موته ، فيكون تذكارا للماضي والمستقبل ، فالعبرة في العشاء الرباني للذكرى ، لا حضور المسيح مادياً أو روحياً".
إنشاء كنائس للمصلحين
124 - كانت جهود هؤلاء القادة وأتباعهم ، وعيوب الكنيسة ، وسوء حالها وحال القوامين عليها ، وشدة ضغطهم سبباً في ذيوع الآزاء التي تخالف رأي الكنيسة ، وقد ابتدأت الحركة بطلب إصلاح الكنيسة على أن يقوم بالإصلاح رجال الكنيسة أنفسهم ولكنهم أنقضوا رءوسهم ، وأصروا واستكبروا استكباراً ، ورفضوا كل دعوى للإصلاح ، وقابلوا أصحابها بقرارات الحرمان أحياناً كثيرة ، والإهمال أحياناً قليلة.
فلما استيأس مريدو الإصلاح من أن يقوم الكنسيون بإصلاح حالهم ، وأن يرعوا الديانة حق رعايتها اتجهوا إلى الحكام طالبين أن يتدخلوا لإصلاح الكنيسة ، كما حاول لوثر ، فقد أعطى الحكام حق الهيمنة على الكنيسة ليصلحوها ، ولكن الحكام تقاعسوا ، ومنهم من لم يحاول إصلاح الكنيسة ، بل حاول القضاء على طلاب إصلاحها ، وأنزل بهم اضطهادات وبلايا وشدائد ومذابح ، كما حدث لبروتستنت فرنسا ، وكان ذلك إما تعصبا للكنيسة ، وإما كراهة للمصلحين ، لأن منهم من كانت لهم آراء إصلاح نظم الحكم بجوار آرائهم في إصلاح الكنيسة ، وقد كان الحكم استبداديا مطلقا ، بلا نظام يقيد الحاكم ، ويلزم المحكوم.
فلما يئس طلاب الإصلاح من الحكام ويئسوا من رجال الكنيسة اتجهوا إلى أن يجعلوا لآرائهم جماعة ، ووحدة دينية منفصلة عن الكنيسة وآراؤها غير خاضعة للكنيسة. ورافضة كل ما لها من سلطان ، وأنشأوا لهم كنائس ليست معترفة لروما بأي سلطان ، وسلطة رجال الدين فيها محدودة ، ولرجال الدين من الحقوق ما قرروا من مبادئ ، وسميت كنائسهم كنائس إنجيلية أي أنها لا تخضع إلا لحكم الكتاب المقدس ، ويقيد بأحكامه رجل الدين أمام رجل الشعب ، وجميعهم مسئول أمام ذلك الكتاب ، وليس لرئيس الكنيسة خلافة تجعل كلامه مقدسا ، مساويا لأحكام الكتاب المقدس في الرتبة والاعتبار.
وقد انتشر المذهب الجديد في ألمانيا والدانمرك والنرويج وهولندا وإنجلترا وأمريكا الشمالية وسويسرا ، وإن لم تصر كلها على المذهب.
أهم مبادئ الإصلاح
125 - والآن نلخص المبادئ التي أتى بها ذلك المذهب الجديد ، نكتفي بذكر أصولها التي يرجع إليها غيرها من الفروع ، وأعظم تلك الأصول شأنا :
(أ) جعل الخضوع التام الواجب على المسيحي لنصوص الكتاب المقدس وحدها
وجعله الحكم وحده الذي لا ترد حكومته ، ولا ترفض أوامره ، وقياس كل أوامر الكنيسة القديمة وقرارات المجامع على ما نص عليه في ذلك الكتاب فما وافقه قبل على أن الكتاب قد ورد به ، وما خالفه رفض ، ولو كان قد صدر عن أكبر رجال الكنيسة شأناً في الماضي أو الحاضر.
ولذلك يقول صاحب كتاب سوسنة سليمان في ذلك : "إنهم جميعاً متفقون في المعتقدات على مجرد ما في الكتاب المقدس فقط ، فلا يخضعون لشيء من التقاليد التي لا يوجد لها فيه رسم أصلاً ، ولا إلى أقوال أحد من الآيات أو المجامع إلا إذا كان موافقا لنصوصه لفظا ومعنى ، أما تفسير الآيات الغامضة والتي لم يوضحها الوحي الإلهي ، فلا يمارون أحداً فيها إلا إذا كان التفسير ينافي ما كان معناه واضحاً في غيرها من تعاليم الكتاب".
فهم لا يعترفون بسلطان لغير الكتاب وقد كان تحكيم الكتاب وحده سبباً في جعل رجل الدين غير مطاوع إلا فيما ورد في الكتاب.
وقد كان جعل سلطان الكتاب شاملاً لرجل الدين ، ولرجل الشعب سبباً في أن حق التفسير والفهم لم يعد مقصوراً على رجال الدين ، فأزيل ذلك الحجاب الذي أقيم بين المسيحي وبين كتابه. إذ أقامه رجال الدين ليحتجزوا حق تفسير الكتاب لأنفسهم. وبذلك يكون الدين ما تنطق به أفواههم وليس لأحد أن يعقب على قولهم ، لأن باب التفسير قد أقفل دون غيرهم فلا يستطيعون إزالة رتاجه ، ولا فتح إغلاقه ، فألغى المذهب الجديد ذلك الحجاب وفتح باب التفسير لكل مثقف ذي فهم ، وإذا كان ثمة نص لم يفهم توقفوا عن فهمه ، فإن أبدى رجل الدين رأياً في فهمه قبلوه إلا إذا خالف نصاً ظاهراً لا مجال للتأويل فيه.
عدم الرياسة في الدين
(ب) ليس لكنائسهم من يترأس عليها رياسة عامة ، بل لكل كنيسة رياسة خاصة بها ، والرياسة الكنسية التي تستمد الخلافة من أحد الحواريين أو من المسيح نفسه لا وجود لها عندهم ، بل إن الكنيسة في كل مكان ليس لها إلا سلطان الوعظ والإرشاد ، والقيام على تأدية الفروض والتكاليف الدينية وبيان الدين لمن لا يستطيع معرفته من تلقاء نفسه ، ولم يكن عنده من الثقافة ما يمكنه من ذلك.
ليس لرجل الدين الغفران
(جـ) وإذا كانت الكنيسة لها سلطان إلا البيان لمن لا يستطيع بياناً والإرشاد لمن لا يستطيع معرفة أوامر الدين من تلقاء نفسه ، فليس لها سلطان في محو الذنب أو ستره. أو تلقى الاعتراف بالذنوب ومسحها سواء أكانت تلك هي المسحة الأخيرة عن الاحتضار. أم كانت قبل ذلك. فكل ذلك ليس لها فيه سلطان. لأنه من عمل الديان. وقد علمت أن صكوك الغفران وحق الكنيسة فيه كانت الثقاب الذي اندلعت منه الثورة على الكنيسة ، وتبعها تقصى عيوبها ، وتتبع نقائصها. وقد ذكرنا ببعض التفصيل ما كانت تفعله الكنيسة ، وبينا أنها غالت فيما زعمته لنفسها في ذلك من حق ، والأساس في رفض الكنيسة في هذا : كل نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
وكما أن ذلك الأساس أدى إلى سلب الكنيسة ما زعمته لنفسها من حق الغفران أدى إلى أمر آخر. وهو منع الصلاة لأجل الموتى ، واعتبار أن ذلك لا يفيدهم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سيحاسب عليه إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر ، وأدى أيضاً إلى أن طلب شفاعة القديسين لا قيمة له ، لأنه لا يغير عمل الشخص من صالح إلى طالح.
وفي الجملة أنهم اعتبروا غفران الذنوب يرجع إلى عمل الشخص وعفو الإله ، وتوبة العاصي وندمه على ما فات ولومه نفسه على ما كان وكل قول يجعل غفران الذنب أساسه غير ذلك رفضوه ، ولم يلتفتوا إليه.
عدم الصلاة بلغة غير مفهومة.
(د) ولقد كان ذلك المبدأ الذي يجعل الإنسان يدين بعمله وحده ، ومبدأ أن لا سلطان للكنيسة على القلب والعبادة ، كان هذان المبدآن سبباً في أن رفض أولئك المسيحيون الصلاة بلغة غير مفهومة للمتعبد ، لأن الصلاة دعاء من العابد للمعبود وانصراف القلب إليه ، والقيام بالخضوع الكامل له ، والنطق بما يدل على الخضوع والالتجاء إلى المعبود ، فوجب أن تكون بألفاظ يفهمها العابد ليردد معانيها ويقصد مراميها ، وقد كانت صلاة القسيس بلغة لا يفهمها المصلون مقبولة لدى الكاثوليك. لأن أساس ذلك أن عبادة القسيس عبادة لمن هم تحت سلطانه.
رأيهم في العشاء الرباني
(هـ) انتهى البروتستنت بالنسبة للعشاء الرباني إلى إنه تذكار بغداء المسيح للخطيئة التي ارتكبها آدم ، وتحملت الخليقة من بعد وزرها ، وتذكار لمجيئه لدين الناس ، فهو تذكار للماضي والمستقبل كما جاء في بعض الرسائل ، وهم ينكرون أن يتحول الخبز إلى جسد المسيح. والخمر إلى دمه.
والكنيسة قد أصرت على ذلك إصراراً. وهذا قرارها في المجمع الترنديتى في ذلك الشأن ، فهي تقول بلسان أعضائه.. "قد اعتقدت كنيسة الله دائماً بأنه بعد التقديس يوجد جسد ربنا الحقيقي ودمه الحقيقي مع نفسه ولاهوته تحت أعراض الخبز والخمر ، وأن كلاً من الشكلين يحتوي ما يحتوى كلاهما ، لأن يسوع المسيح هو بكماله تحت شكل الخبز ، وتحت أصغر أجزاء هذا الشكل ، كما إنه هو كله أيضاً تحت شكل الخمر وجميع أجزائه
وقد اعتقدت الكنيسة أيضاً اعتقاداً ثابتاً بأنه بتقديس الخبز والخمر يستحيل كامل جوهر جسد ربنا. وكامل جوهر الخمر إلى جوهر دمه تعالى ، وهذا التعبير قد دعى بكل صواب. فيلتزم إذن جميع المؤمنين بأن يعدوا هذا السر المقدس العبادة المستوجبة للإله الحقيقي. لأننا نعتقد بأنه يوجد فيه الله نفسه الذي عبدته الملائكة على أمره تعالى. حينما أتى على العالم ، وهو نفسه الذي سجدت له المجوس خارين على أقدامه ، وله نفسه سجدت الرسل في الجليل".
هذه عقيدة الكنيسة في العشاء الرباني ، لم يستسغها لوثر وأشياعه ، وخلفاؤه من بعده ، وانتهى أمرهم إلى أن رفضوا ذلك التحول الذي تفرضه الكنيسة ، وتلتزم به ، وإن كان بعيداً عن المعروف المألوف ، وبعد أن رفضوا ذلك قر قرارهم الأخير على اعتبار العشاء الرباني تذكاراً بالغذاء وتذكاراً للمجيء وفي ذلك عظة واستبصار.
إنكار الرهبنة
(و) أنكر أولئك المصلحون لزوم الرهبة التي يأخذ رجال الدين أنفسهم بها ويعتبرونها شريعة لازمة. يفقد رجل الدين صفته الكهنوتية أن تخلى عنها ، ولقد رأوا ما أدى إليه ذلك الحظر من كبت للجسد الإنساني ، وتعذيب له من غير ضرورة ، ولا نص من الكتب قديمها وجديدها يفيد ذلك ، بل قد رأوا ما إليه ذلك الكبت من انفجار غريزة الإنسان في رجل الدين فانطلق يكرع اللذة من شقتها الحرام بعد أن حرم على نفسه الحلال ، وطفق يغترف من ورد معتكر بالآثام ، مرنق بالمفاسد ، وترك المنهل العذب الذي حللته الشرائع ، ويتفق مع ناموس الاجتماع الإنساني.
عدم اتخاذ الصور والتماثيل
(ز) منع البروتستنت اتخاذ الصور والتماثيل في الكنائس والسجود لها ، معتقدين أن ذلك قد نهي عنه في التوراة ، فقد جاء في سفر التثنية : "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ، ولا صورة مما في السماء من فوق ، وما في الأرض من أسفل ، وما في الماء من تحت الأرض ، لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي ، وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي ، وحافظي وصاياي".
ولا شك أن ما نهت عنه التوراة يجب الأخذ به مادام الجميع يؤمنون بالتوراة ، وكتب العهد الجديد ، وما دام لم يرد عن المسيح أو عن الرسل ما يبطل ما جاء في التوراة.
ولقد أثبت الأستاذ أمين الخولي بالسند التاريخي أن ذلك التحريم قد قبسه النصارى المصلحون من نور الإسلام.
المسيحيون لم يسيروا في منطقهم إلى أقصى مداه
126- هذه أعظم المسائل التي خالف بها المصلحون في المسيحية ما عليه الكنيسة ، وهي لا شك خلع لسلطان الكنيسة على النفوس وقضاء على سلطان المجامع ، وإذا كان للحوادث منطق تسير عليه ، فهل لنا أن نستنبط منطق تلك الحوادث ، وما كان عساه يكشف عنه لو سار في طريقه إلى أقصى مداه ؟ لقد علمت في سياقنا التاريخي الذي بيناه عن أدوار المسيحية أن ذلك السياق يعلن في عباراته وفي فحواها أن تلك الديانة كانت ديانة توحيد ، حتى جاءت المجامع ، فقررت أُلوهية غير الله ، وطردت من حظيرة المسيحية المستمسكين بعروة التوحيد الذين رفضوا دعوى أُلوهية المسيح ، وناصرتهم الشعوب المسيحية في الإبان.
فإذا كان المصلحون قد قرروا أن يأخذوا مذهبهم الديني من الكتب الصحيحة ، وقرروا أن يرفضوا سلطان المجامع والكنيسة معاً ، فإن المنطق الذي يسيرون عليه كان يوجب عليهم أن يرفضوا أقوال المجامع القديمة ، ومنها أُلوهية المسيح ، وألوهية الروح القدس.
وقد كنا نود أن يدرسوا قرارات هذه المجامع ، وينظروا إلى سندها وقوتها فإن لم يروا السند قوياً رفضوا ذلك القرار ، ولكنهم لم يسيروا في منطقهم إلى أقصى مداده ، فرفضوا آراء الكنيسة في أمور ، أعظمها شأناً ما بيناه ، ولم يتجهوا إلى لب العقيدة ، وهو لم يتجاوز إنه قرار مجمع فيدرسوه من جديد على ضوء ما فتحوه لأنفسهم من نور مبصر ، وهو أن يكون لكل شخص له قدرة على فهم الكتاب حق في تفسيره ، واستخراج الأوامر والنواهي منه من غير أن يتخذوا الأحبار والقسيسين وسائط في فهمه ، ويحكموا بذلك في ضمائرهم واعتقاداتهم.
عقول مسيحية تنكر ألوهية المسيح
127- ولكنا وقد يئسنا من أن يسير البروتستنت في طريقهم إلى أقصى مداه وجدنا العقول المسيحية قد تنبهت ، والدراسة العلمية والفلسفية قد سارت ونور الإسلام قد انبلج ، فوجدنا علماء كثيرين قد صرحوا في قوة بأن المسيح لم يكن إلا رسولاً ، وإنه لم يكن أكثر من بشر ، قد قبسوا ذلك من الأناجيل نفسها ، فهذا رينان قد جهر بذلك في قوة وجرأة ولم يمنعه حرمان الكنيسة له من الإصرار على رأيه والذود عنه ، وهذا تولستوى ينكر على المسيحيين أُلوهية المسيح ، وتنتهي نتائج بحثه إلى أن بولس لم يفهم تعاليم المسيح ، بل طمسها ، والكنيسة زادت تعاليم المسيح بالنسبة للاعتقاد غموضاً وإخفاء.
ولنترك الآن الكلمة لذلك الفليسوف ، فهو يقول : "إنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي ، كما كان يفهمه هو أن نبحث في تلك التفاسير والشروح الطويلة التي شوهت وجه التعليم المسيحي ، حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام ، ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح ، بل حمله على محمل آخر ، ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسيين ، وتعاليم العهد القديم ، وبولس كما لا يخفى كان رسولاً للأمم ، أو رسول الجدال والمنازعات الدينية ، وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية ، كالختان وغيره فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحي فأفسده ، ومن عهده ظهر التلمود المعروف بتعاليم الكنائس ، وأما تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية ، بل أصبح إحدى حلقات سلسلة الوحي التي أولها منذ ابتداء العالم ، وآخرها في عصرنا الحالي ، والمستمسكة بها جميع الكنائس ، وأن أولئك الشراح والمفسرين يدعون يسوع إلهاً دون أن يقيموا على ذلك الحجة ، ويستندون في دعواهم على أقوال وردت في خمسة أسفار : موسى ، والزبور ، وأعمال الرسل ، ورسائلهم ، وتأليف آباء الكنيسة ، مع أن تلك الأقوال لا تدل أقل دلالة على أن المسيح هو الله.
هو إذن ينكر أُلوهية المسيح ، وينكر أُلوهية روح القدس ، ويعتقد بأن الله واحد أحد فرد صمد ، وينكر أن تكون كتب النصارى كتبت بإلهام ، ويعلن في جرأة إنها حرفت وأصابها التغير والتبديل ، فيقول في صراحة المستمسك بالعروة الوثقى : "أن المسيحيين واليهود والمسلمين يعتقدون جميعهم بالوحي الإلهي ، فالمسلمون يعتقدون بنبوة موسى وعيسى ولكنهم يعتقدون كما أعتقد بأنه دخل التحريف والتشويه على كتب الديانة النصرانية ، وهم يعتقدون بأن محمداً خاتم الأنبياء ، وإنه قد أوضح في قرآنه تعاليم موسى وعيسى الحقيقية ، كما قالاها دون زيادة ولا نقص ، وأن كل مسلم أمامه القرآن يقرؤه ، ويتمسك به ويسير بموجب أحكامه ، ولا يعترف بغيره من الكتب مهما اشتهر واتسموها بالتقوى والصلاح ، ويسمى المسلمون ديانتهم بالمحمدية ، لأن محمداًَ وضعها بخلاف الكنيسة المسيحية التي تسير الآن بموجب تأليف الآباء الذين يدعون بأن ما كتبوه هو من روح القدس ، فكان الأحرى بالمسيحيين أن يسموا كنيستهم بالروحية القدسية أولى من تسميتها بالمسيحية".


من مواضيعي
0 مهارة الإقناع في الدعوة إلى الله وتطبيقاتها
0 ماذا يوجد خلف الباب وكيف نعرف الحق
0 ما هو القرآن ؟
0 كل شيء عن الثاالوث
0 انفوجرافيك ثلاثة عشر حقيقة مدهشة قد لا تكون تعرفها عن السعودية
0 العمل الصالح يُنجي صاحبه
0 دليل عملي للباحثين الصحيين
0 بطاقات أفكار للتعامل مع الملل

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
البروتستانت, الحديثة, الفرقة

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:02 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009