ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > الملتقى الاسلامى > ملتقى الإسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

ما يناقض عمل القلب

ملتقى الإسلامي العام


ما يناقض عمل القلب

ملتقى الإسلامي العام


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 02:45 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي ما يناقض عمل القلب

ما يناقض عمل القلب


1- الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به.

2- النفاق الاعتقادي.

3- بغض أو كراهية بعض ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.

4- كفر الاباء والاستكبار والامتناع.

- حكم من امتنع عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة والمتواترة.

- الفرق بين امتناع الفرد والطائفة.

5- الشرك الأكبر بعمل القلب كالمحبة والإرادة والقصد.

1- الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به.
2- النفاق الاعتقادي.
3- بغض أو كراهية بعض ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
4- كفر الاباء والاستكبار والامتناع.
- حكم من امتنع عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة والمتواترة.
- الفرق بين امتناع الفرد والطائفة.
5- الشرك الأكبر بعمل القلب كالمحبة والإرادة والقصد.
1- الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به
أ- مفهوم الإعراض
ب- الإعراض المكفر وغير المكفر
ج- حكم ترك العمل والتولي عن الطاعة (ترك جنس العمل): (*)
د- مذهب السلف في تارك الأركان الأربعة
ه-- الخلاف في كفر تارك الصلاة كسلاً
2- النفاق الإعتقادي (النفاق الأكبر)
أ- معنى النفاق لغة واصطلاحاً
ب- أنواع النفاق
ج – النفاق الأصغر
د- النفاق الأكبر
صور النفاق الأكبر:
1- أذى الرسول صلى الله عليه وسلم أو عيبه ولمزه
2- التولي والاعراض عن حكم الله ورسوله
3- مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين
4- المسرة بانخفاض دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو الكراهية بانتصار دينه
3- بغض أو كراهية بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
4- كفر الإباء والاستكبار والامتناع
حكم من امتنع عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة
أولاً: كلام أهل العلم في وجوب قتال الطائفة الممتنعة، وأدلتهم
ثانياً: هل يلزم من قتال الطائفة الممتنعة كفرها؟
ثالثا: الفرق بين الطائفة والفرد
5- الشرك الأكبر بعمل القلب كالمحبة والارادة والقصد
أ- تعريفه، وأنواعه:
أولا: شرك النية والارادة والقصد
أ- أهمية إخلاص النية والارادة والقصد لله عز وجل
ب- ما يضاد إخلاص النية والارادة والقصد
ثانياً: شرك المحبة
أ- أهمية المحبة
ب- ما يضاد المحبة (شرك المحبة):

1- الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به
ذكر الإمام ابن القيم- رحمه الله- والإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة الإعراض كناقض من نواقض الإسلام، فما المقصود بالإعراض؟ وما هو الإعراض المناقض للإسلام؟
أ- مفهوم الإعراض
ورد ذكر الإعراض في القرآن الكريم في أكثر من خمسين موضعاً) [1](، سنستعرض بعضها، وننقل شيئاً من أقوال المفسرين حولها، وقبل ذلك نشير بإيجاز إلى كلام أهل اللغة في معنى الإعراض، ثم نذكر الخلاصة.
قال في اللسان::(...والمعرض: الذي يستدين ممن أمكنه من الناس،..وقال الأصمعي: قوله فأدان معرضاً: أي أخذ الدين ولم يبال أن لا يؤديه، ولا ما يكون من التبعة،...وقيل: إن أراد أن يعرض إذا قيل له لا تستدن فلا يقبل، من أعرض عن الشيء إذا ولاه ظهره، وقيل: أراد معرضاً عن الأداء مولياً عنه) )[2] (.
(والإعراض عن الشيء: الصد عنه، وأعرض عنه: صد) )[3] (. (والإعراض الصدود، اعرض عنه: صد وولى) )[4] (.
وقال في اللسان في معنى التولي (وتولى عنه: أعرض: وولى هارباً: أي أدبر...وقد ولى الشيء وتولى إذا ذهب هارباً ومدبراً، وتولى عنه إذا أعرض، والتولي يكون بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الاتباع، قال الله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الاتباع، قال الله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم) )[5] ( أي إن تعرضوا عن الإسلام))[6](. وقال الراغب الأصفهاني:(وقولهم: تولى) إذا عدي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع منه، يقال: وليت سمعي، ووليت عيني كذا، ووليت وجهي كذا أقبلت به عليه، قال الله عز وجل: (فلنولينك قبلة ترضاها) )[7]… (وإذا عدي بمن لفظاً أو تقديراً اقتضى معنى الإعراض وترك قربة..(فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين) )[8] (، (وإلا من تولى وكفر) )[9] (والتولي قد يكون بالجسم، وقد يكون بترك الإصغاء والائتمار) )[10] (.
وقال أبو البقاء الكفوي(*) في (الكليات): (الإعراض): أن تولي الشيء عرضك: أي جانبك ولا تقبل عليه، والتولي: الإعراض مطلقاً، ولا يلزمه الإدبار والإعراض: الانصراف عن الشيء بالقلب، قال بعضهم: المعرض والمتولي يشتركان في السلوك إلا أن المعرض أسوأ حالاً وغاية الذم الجمع بينهما) )[11] (.
وبعد هذه الإشارة السريعة للمعنى اللغوي نستعرض بعض الآيات المتعلقة بالموضوع مع ذكر أقوال بعض المفسرين.
1- قال تعالى:(وم-ن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) )[12] (، قال الإمام القرطبي:("ثم أعرض عنها" بترك القبول) )[13] ( وق-ال الحافظ ابن كثير- رحمه الله- (أي تناساها، وأعرض عنها، ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالاً) )[14] (.
وقال الإمام الشوكاني- رحمه الله-: (أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه التنزيلية أو التكوينية أو مجموعهما فتهاون بها، وأعرض عن قبولها، ولم يتدبرها حق التدبر، ويتفكر فيها حق التفكر)[15] (، وقال محمد الأمين الشنقيطي- رحمه الله-: (فأعرض عنها: أي تولى وصد عنها) )[16] (.
2- قال سبحانه: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) )[17] ( قال أبو حيان- رحمه الله-: (الغفلة عن الشيء، والإعراض عنه متنافيان، لكن يجمع بينهما باختلاف حالين، أخبر عنهم، أولاً: أنهم لا يتفكرون في عاقبة بل هم غافلون عما إليه أمرهم، ثم أخبر ثانياً، أنهم إذا نبهوا من سنة الغفلة وذكروا بما يؤول إليه أمر المحسن والمسيء أعرضوا عنه ولم يبالوا بذلك) )[18] (.
3- قال ع-ز وجل: (من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً) )[19] ( " أي أعرض عنه فلم يؤمن به، ولا عمل بما فيه" )[20] (.
4- وقال تعالى: (بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون) )[21] (، قال أبو حيان (*)-رحمه الله -:(والظاهر أن الإعراض متسبب عن انتفاء العلم لما فقدوا التمييز بين الحق والباطل أعرضوا عن الحق، وقال ابن عطية ثم حكم عليهم تعالى بأن أكثرهم لا يعلمون الحق لإعراضهم عنه، وليس المعنى فهم معرضون لأنهم لا يعلمون، بل المعنى فهم معرضون ولذلك لا يعلمون الحق) )[22] (.
5- وقال سبحانه: (ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً) )[23] (.
قال الإمام القرطبي- رحمه الله-: (يعني القرآن، قاله ابن زيد، وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما: عن القبول، إن قيل في أهل الكفر، الثاني عن العمل، إن قيل إنها في المؤمنين) )[24] (.
6- وقال تعالى:(ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون) )[25] ( قال ابن عباس رضي الله عنه: (ثم توليتم): أعرضتم عن طاعتي، "إلا قليلاً منكم" قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي عمن تولي وأعرض عنها) )[26] (
وقال أيضاً: (ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون)، أي تركتم ذلك كله)[27] (.
7- قال سبحانه: (ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) )[28] (قال الإمام الطبري- رحمه الله-: (ثم يستدبر عن كتاب الله الذي دعا إلى حكمه، معرضاً عنه منصرفاً، وهو بحقيقته وحجته عالم")[29](.
وورد في القرآن الكريم ذكر التولي بمعنى الإعراض، وترك الطاعة مثل:
8- قوله سبحانه:(ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) )[30] (، قال ابن جرير- رحمه الله-: (ثم توليتم) ثم أعرضتم، وإنما هو (تفعلتم) من قولهم، ولاني فلان دبره) إذا استدبر عنه وخلفه خلف ظهره، ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة أمر بها) )[31] (.
9- وقال تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) )[32]، قال الإمام الطبري: ("يتولون" يقول: يتركون الحكم به، بعد العلم بحكمي، فيه، جرأة علي وعصياناً لي) )[33] (.
وقال- رحمه الله-:(وأصل "التولي عن الشيء" الانصراف عنه))[34](.
10- وورد لفظ التولي بمعنى التولي عن الطاعة في مواضع من القرآن، كقوله تعالى: (فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً) )[35] (.
وقوله سبحانه: (لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى) )[36]، وقوله عز وجل: (فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى) )[37] (قال شيخ الإسلام: "فالتكذيب للخبر، والتولي عن الأمر، وإنما الإيمان تصديق الرسل فيما أخبروا، وطاعتهم فيما أمروا) )[38] (.
وقال في موضع آخر تعليقاً على هذه الآيات: (فعلم أن التولي ليس هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر، ويطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة، التولي) )[39] (.
وقال- رحمه الله-: (والمتولي هو العاصي الممتنع عن الطاعة) )[40] (.
الخلاصة:
بعد هذا الإيجاز لكلام أهل اللغة والمفسرين، يمكن أن نستخلص من معاني الإعراض ما يلي:
1- يأتي بمعنى: عدم الاستماع لأوامر الله عز وجل، وعدم المبالاة بها أو التفكر فيها وهو الغالب.
2- ويأتي بمعنى: عدم القبول لها، وهذا يأتي بعد الاستماع لها والتذكير بها.
3- ويأتي بمعنى الامتناع والتولي عن الطاعة، وهذا يكون بعد الاستماع والقبول.
4- ويأتي بمعنى: ترك العمل.
5- ويأتي بمعنى: الصدود.
6- ويأتي بمعنى: ترك حكم الله، والانصراف عنه مع العلم بحقيقته.
وحاصل ذلك يرجع إلى ثلاثة أمور:
الأول: يتعلق بالعلم (قول القلب)، من عدم الاستماع، وعدم المبالاة.
الثاني: يتعلق بالعمل (عمل القلب والجوارح).
أ - عمل القلب: من عدم القبول والاستسلام.
ب- عمل الجوارح: من الامتناع)[41] ( وترك العمل، والتولي عن الطاعة.
الثالث: الإعراض عن حكم الله والتحاكم إليه.
فهذا هو مفهوم الإعراض، وهذه هي أنواعه وحالاته.

ب- الإعراض المكفر وغير المكفر
بعد ذكر مفهوم الإعراض وحالاته، يرد علينا هذا التساؤل، ما الإعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام؟ ذكر الإمام ابن القيم- رحمه الله- من أنواع الكفر الأكبر: كفر الإعراض، وعرفه قائلاً: (وأما كفر الإعراض: فإن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة))[42](، وفضل ذلك في موضع آخر فقال (..أن العذاب يستحق بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، والثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل)[43] (.
فالإعراض المكفر على حسب ما ذكره هو نوع من اللامبالاة فلا يسمع الحجة، ولا يبحث عنها، ولا يفكر في ذلك، ولا يعني ذلك أن الإمام يحصر كفر الإعراض بما ينافي قول القلب فقط، لكنه لا يسمي في كلامه ترك العمل بعد العلم كفر إعراض، وإنما يطلق عليه كفر عناد وهو نفسه كفر الإعراض من جهة التولي وترك العمل والامتناع. وكذلك تكلم الإمام عن كفر المعرض عن حكم الرسول كما سيأتي.
كذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- كفر الإعراض المنافي لقول القلب حيث قال: (والكفر أعم من التكذيب فكل من كذب الرسول كافر، وليس كل كافر مكذباً، بل من يعلم صدقه، ويقر به وهو مع ذلك يبغضه أو يعاديه
كافر، أو من أعرض فلم يعتقد لا صدقه ولا كذبه كافر وليس بمكذب))[44](.
وكذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله- ذكر ضمن نواقض الإسلام (العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلم-ه ولا يعمل ب-ه، والدليل قول-ه تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون))[45] (([46] (، فالإمام كما يبدو من كلامه يعتبر جهل أصول الدين والإعراض عن تعلمه مع القدرة كفر أكبر وكذلك ترك العمل بعد ما يعلم.
أما الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ- رحمه الله- فقد أجاب إجابة شاملة وموجزة حينما سئل عن الإعراض الناقض للإسلام، فقال: (إن أحوال الناس تتفاوت تفاوتاً عظيماً وتفاوتهم بحسب درجاتهم في الإيمان إذا كان أصل الإيمان موجوداً والتفريط والترك إنما هو فيما دون ذلك من الواجبات والمستحبات،وأما إذا عدم الأصل الذي يدخل به الإسلام وأعرض عن هذا بالكليه، فهذا كفر إعراض، فيه قوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس) )[47] (، وقوله: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) )[48] ( الآية، ولكن عليك أن تعلم أن المدار على معرفة حقيقة الأصل وحقيقة القاعدة وإن اختلف التعبير واللفظ))[49](.
فالشيخ عبد اللطيف- رحمه الله- بين ووضح أنه إذا اختل الأصل (أي أصل الإيمان وقد سبق بيانه) بالإعراض التام عن قول القلب أو عمله، أو قول اللسان أو جنس عمل الجوارح فهذا هو الإعراض الناقض لأصل الإيمان، أما ترك الواجبات والمستحبات والإعراض عن فعلها فلا يعد ضمن الإعراض المكفر، ويلاحظ في كلام الشيخ أنه لم يذكر ترك الأركان ضمن الإعراض غير الناقض ولعل ذلك للخلاف المشهور حول حكم تارك الأركان، وخاصة الصلاة.
كذلك من صور الإعراض المكفر، والإعراض عن حكم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) )[50]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في تعليقه على هذه الآيات: (فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين وليس بمؤمن، وإن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة فكيف بالنقض والسب ونحوه) )[51] (، فشيخ الإسلام يبين أن الإيمان يزول بمجرد الإعراض والترك المحض لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى لو لم يقترن بهذا الترك استحلال أو جحود والله أعلم.
وقال تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً) )[52] (، قال الإمام ابن القيم في معنى هذه الآية: (فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه والتسليم لما حكم به رضى واختيار ومحبة فهذا حقيقة الإيمان، وذلك الإعراض حقيقة النفاق...) )[53] (.
وإذاً نستخلص من كلام الأئمة في تفسيرهم للآيات وكلامهم عن كفر الإعراض أن الإعراض الناقض للإسلام هو إعراض عن أصل الإيمان، إما أن يعرض إعراضاً تاماً عن تعلم أصول الدين مع قدرته على ذلك أو عن قبولها والانقياد القبلي لها، أو يعرض إعراضاً تاماً عن العمل بالجوارح (أن يترك جنس العمل)، أو يعرض عن حكم الله ورسوله.
وقد سبق وأن بينا حكم المعرض عن تعلم أصول الدين (تارك العلم أو الجاهل المعرض) في مبحث العذر بالجهل، وكذلك سبق وأن بينا عمل القلب من القبول والتسليم والانقياد والإذعان كشرط لصحة الإيمان. وسنبين في هذا المبحث ضرورة وجود عمل الجوارح أو جنس العمل كشرط لصحة الإيمان، أو ترك عمل الجوارح بالكلية والإعراض عنها من نواقض الإسلام، لأنه يلزم من ذلك فساد عمل القلب من القبول والتسليم والانقياد.

ج- حكم ترك العمل والتولي عن الطاعة (ترك جنس العمل): (*)
مر معنا في الباب الأول بيان مذهب أهل السنة في الإيمان، وإجماعهم على أنه قول وعمل، (قول القلب من المعرفة والتصديق، وقول اللسان، وعمل القلب من القبول والتسليم، وعمل الجوارح) وذكرنا الأدلة من الكتاب والسنة على دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان، كذلك بينا انحراف الفرق في مفهومها للإيمان، فالمرجئة اعتقدوا أن الإيمان هو التصديق أو المعرفة فقط، ولم يشترطوا لا النطق ولا عمل الجوارح، والخوارج والمعتزلة جعلوا جميع العمل شرط لصحة الإيمان فترك الواجب وارتكاب الكبيرة- أو الصغيرة عند البعض- يخرجه من الإيمان بالكلية، أما أهل السنة فأوجبوا العمل ومن ثم قالوا عن مرتكب الكبيرة أنه لا يكفر، فكانوا وسطاً بين طرفين.
وفي هذا المبحث سنذكر كلام أهل السنة في حكم تارك العمل بالكلية، والمعرض عنه:
1- يقول الإمام الشافعي- رحمه الله-: (...وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، ولا يجزي واحد من الثلاث إلا بالآخر) )[54] (، فكما لا يجزي العمل بدون وجود نية فكذلك لا يجزي النية بدون عمل ولا تنفع صاحبها عند الله.
2- وقال حنبل:حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن أناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذ)[55] (كان مقراً بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، قال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) )[56] (، وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا، فقد كفر بالله، ورد عليه أمره)[57] ( وعلى الرسول ما جاء به عن الله)[58] (. ففي هذا الكلام رد صريح على أهل الإرجاء ممن يزعمون أن إقرار المرء بالفرائض والواجبات كاف للنجاة عند الله ولو لم يعمل منها شيئاً، ولا يكفر إلا بالجحود فقط. وسيأتي بعد قليل بيان سبب انحرافهم من كلام شيخ الإسلام رحمه الله.
3- ويقول الإمام أبو ثور (*) حينما سئل عن الإيمان ما هو؟ يزيد وينقص؟...فأجاب إجابة طويلة جاء فيها: (فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم: ما أراد الله عز وجل من العباد إذ قال لهم: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)؟ الإقرار بذلك؟ أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفرت،...فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعاً لم زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر؟ وقد أرادهما جميعاً.
أرأيتم لو أن رجلاً قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: لا. قيل لهم فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئاً أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: ما الفرق؟ وقد زعمتم: أن الله عز وجل أراد الأمرين جميعاً، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمناً، لا فرق بين ذلك.
فإن احتج فقال: لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أيكون مؤمناً بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمناً (وإذا) )[59] ( قال: أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان) )[60] (. فالإمام يبين أنه لا فرق بين ترك الإقرار (أي القبول والانقياد) وبين ترك العمل، وأن المرء لا يكون مؤمناً إلا بالإقرار والعمل.
4- ويقول الإمام سفيان بن عيينة(*) مبيناً الفرق بين أهل السنة والمرجئة: (يقولون (أي المرجئة): الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والمرجئة وأوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصراً بقلبه على ترك الفرائض وسمو ترك الفرائض ذنباً بمنزله ركوب المحارم وليس بسواء لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود، أما آدم فنهاه الله عز وجل عن أكل الشجرة، وحرمها عليه فأكل منها متعمداً ليكون ملكاً أو يكون من الخالدين فسمى عاصياً من غير كفر، أما إبليس فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمداً فسمي كافراً، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي رسول (كما يعرفون أبناءهم)،وأقروا به باللسان ولم يتبعوا شريعته فسماهم الله عز وجل كف-اراً، فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء، وتركها على معرفة من غير جحود مثل كفر علماء اليهود) ) [61](.
فالإم-ام ابن عيينة- رحمه الله-يفرق بين من يرتكب المعاصي من غير استحلال، وبين من يصر على ترك الفرائض، فيعتبر الأول عاصياً، وتارك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر كافراً، فمناط التكفير عنده مجرد ترك الفرائض والإصرار على ذلك، ولو لم يجحد أو يكذب، بخلاف فاعل المعاصي فلا يكفر إلا إذا استحل وشبه- رحمه الله- تارك الفرائض مع المعرفة والإقرار بعلماء اليهود، حيث أنهم عرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأقروا باللسان لكنهم لم يتبعوه، ويلاحظ في هذا الكلام تنبيه الإمام رحمه الله إلى أن القول بأن ترك الفرائض من غير جحود كفعل المعاصي من غير الاستحلال هو مذهب المرجئة.
5- ومن الأقوال المهمة ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أبي طالب المكي(*)- رحمه الله- حيث بين رحمه الله استحال-ة انفكاك الظاهر ع-ن الباط--ن أو العكس وأنه لا يصح أحدهما ولا ينفع إلا بوجود الآخر قال- رحمه الله-: )[62] (
(... وكذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر، فهما كشيء واحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم (من يأتي بالأعمال الظاهرة) من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن (الملتزم في الباطن) من إسلام به يحقق إيمانه (جنس العمل) من حيث اشتراط الله للأعمال الصالحة الإيمان، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة فقال في تحقيق ذلك: (فمن يعمل الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) )[63] (، وقال في تحقيق الإيمان بالعمل: (ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) )[64] ( فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقاً ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب (التصديق والقبول) ولا يعمل بأحكام الإيمان، وشرائع الإسلام (أي تارك لجنس العمل)، فهو كافر كفراً لا يثبت مع--ه توح--يد، وم--ن كان مؤمناً بالغيب مما أخبرت به الرسل عن الله عاملاً بما أمر الله فهو مؤمن مسلم...
...قال: ومثل الإيمان في الأعمال كمثل القلب في الجسم لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا يكون ذو جسم حي لا قلب له، ولا ذو قلب بغير جسم، فهما شيئان منفردان، وهما في الحكم والمعنى منفصلان... فلا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بعقد، ومثل ذلك مثل العلم الظاهر والباطن، أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وعمل الجوارح،...فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلا بهما، لأن الشفتين تجمع الحروف، واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان،...)
ثم قال معلقاً على حديث ابن عمر: بني الإسلام على خمس، وحديث وفد عبد القيس لما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، قال تعليقاً على ذلك: (فدل بذلك على أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر، وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بدون صاحبه...)
وقال معلقاً على حديث جبريل المشهور: (وأيضاً الأمة مجتمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكره من عقود القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان ولم يعمل بما ذكره من وصف الإسلام أنه لا يسمى مؤمناً، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام، ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلماً...) )[65] (.
6- وقد تكلم شيخ الإسلام عن هذه المسألة في مواضع مختلفة، وخاصة عند كلامه عن حكم تارك الصلاة، وربط المسألة باعتقادات أهل السنة في الإيمان وأنه قول وعمل (وأن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر، بل وغيره، وأن وجود الإيمان الباطن تصديقاً وحباً وانقياداً، بدون الإقرار الظاهر ممتنع) )[66] (.
فقال- رحمه الله- بعدما ذكر خلاف السلف حول تارك الأركان: (ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه، بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح) )[67](
ومثل ذلك قوله: (...فيمنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئاً مما أمر به من الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويفعل ما يقدر عليه من المحرمات، مثل الصلاة بلا وضوء وإلى غير القبلة، ونكاح الأمهات،وهو ذلك مؤمن في الباطن، بل لا يفعل ذلك إلا لعدم الإيمان الذي في قلبه) )[68] (، لكن قد يرد تساؤل هنا، وهو، هل يتصور واقعاً أن يترك المرء جنس الأعمال الصالحة بالكلية؟ يجيب عن ذلك شيخ الإسلام مبيناً أن الرجل الذي (يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر. فإن المشركين، وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم) )[69] (.
إذاً ليس المقصود أن المرء لا يعمل شيئاً من أعمال البر والخير الظاهرة إنما المقصود أن يكون هذا العمل عن إيمان وتصديق ونية، وأن يكون من الواجبات التي اختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا التزم الشرطين فقد حصل له جنس العمل الذي به يصح إسلامه وهذا تنبيه مهم في المسألة، والله أعلم.
7- ونختم هذه الأقوال بكلام للإمام الشوكاني، هو عبارة عن جواب للإمام عن سؤال ورد عليه، وهو: (ما حكم الأعراب سكان البادية الذين لا يفعلون شيئاً من الشرعيات إلا بمجرد التكلم بالشهادة، هل هم كفار أم لا؟ وهل يجب على المسلمين غزوهم أم لا؟)
أجاب- رحمه الله- عن السؤال ومما قاله أثناء جوابه:(وأقول من كان تاركاً لأركان الإسلام، وجميع فرائضه ورافضاً لما يجب عليه من ذلك من الأقوال والأفعال ولم يكن لديه إلا بمجرد التكلم بالشهادتين، فلا شك، ولا ريب أن هذا كافر شديد الكفر حلال الدم والمال...) )[70] (.
والخلاصة التي نستنتجها من هذه النقولات ما يلي:
1- أن وجود جنس العمل شرط لصحة الإيمان وأن ترك العمل والإعراض عن الطاعة بالكلية ناقض لأصل الإيمان.
2- أن الكلام عن مسألة ترك العمل بالكلية، متعلق بكلام السلف عن الإيمان وأنه قول وعمل ولا يغني أحدهما عن الآخر، وقد سبق في أول الرسالة بيان ذلك.
3- ويتبع ذلك ارتباط هذه المسألة في مسألة العلاقة بين الظاهر والباطن، وأنه لا يوجد باطن صحيح، بدون ظاهر صحيح.
4- من أسباب الانحراف في هذا الأصل، الظن بأن الإيمان مجرد التصديق القلبي، وأن الكفر هو التكذيب والجحود فقط، لذلك يظنون أن المرء إذا ترك جميع الواجبات والفرائض، وفعل المحرمات فإنه لا يكفر مادام لم يجحد الفريضة أو يستحل المعصية، وهذا القول هو قول المرجئة ومن تأثر بهم.
وما سبق متعلق بإجماع السلف على كفر تارك جنس العمل، فما قولهم في تارك الأركان، هذا ما سنعرض له في المبحث القادم إن شاء الله.

د- مذهب السلف في تارك الأركان الأربعة
مر معنا في الفصل الأول إجماع السلف على تكفير من لم يأت بالشهادتين.
أما الأركان الأربعة ففي تكفير تاركها أو بعضها مع الإقرار بالوجوب، خلاف معروف، وقد ذكر شيخ الإسلام الخلاف في ذلك، وعرض الأقوال- ذاكراً ما كان منها رواية عن الإمام أحمد- فقال:
(...أحدهما: أنه يكفر بترك واحدة من الأربعة حتى الحج، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبو بكر.
الثاني: أنه يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد اختارها ابن بطة وغيره.
الثالث: لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد، وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد.
الرابع: يكفر بتركها (أي الصلاة)، وترك الزكاة فقط.
الخامس: بتركها، وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصيام والحج...) )[71] (.
وليس مقصودنا في هذا المبحث، ذكر أدلة قول الترجيح بينها، وإنما المقصود أن نبين أن قول السلف ترك جنس العمل يختلف عن قولهم في مسألة ترك الأركان، فالأول أمر لم يخالف فيه منهم أحمد لأنه مقتضى إجماعهم على حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل، أما الثاني فهو من مسائل الاجتهاد، وإن كان بين الأمرين علاقة، لكن ينبغي أن نعلم: أن الخلاف الأهم والأقوى هو خلافهم في مسألة ترك الصلاة كسلاً وهو ما سنشير إليه، أما غير الصلاة فالأقرب وهو قول الأكثرين عدم تكفير تاركها- ما لم يقاتل الإمام عليها- فالزكاة فبالإضافة إلى أخذها من الفرد بالقوة في حديث: (إنا آخذوها وشطر ماله) )[72] (، فقد ورد حديث صريح في عدم تكفير من لا يؤديها، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمى عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فيكوي بها جنباه وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار..) الحديث)[73] (. قال الإمام المروزي- رحمه الله- في تعليقه على هذا الحديث:(...فدل ما ذكرنا أن مانع الزكاة ليس بكافر، ولا مشرك، إذ أطمعه دخول الجنة لقول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).. )[74] (..) )[75] (، أما الصوم فيكاد يكون إجماعاً القول بعدم تكفير تاركه، قال الإمام محمد بن نصر- رحمه الله-: (وقد اتفق أهل الفتوى، وعلماء أهل الأمصار على أن من أفطر في رمضان متعمداً أنه لا يكفر بذلك، واختلفوا فيما يجب عليه عند ذلك... فإن أفطر رمضان كله متعمداً، فمنهم من أوجب عليه لكل يوم كفارة مع القضاء،...ولم يقل أحد من العلماء أنه قد كفر ) )[76] (.
أما الحج فحيث أنه يجب في العمر مرة واحدة، ومختلف في وجوبه هل هو على الفور أم التراخي؟ فبذلك يصعب الجزم بأنه تارك للحج بالكلية والله أعلم.

ه-- الخلاف في كفر تارك الصلاة كسلاً
أيضاً ليس مقصودنا، حكاية الأقوال والترجيح)[77] (، وإنما الإشارة إلى حالات يظن أنها داخلة في الترك كسلاً وهي ليست كذلك، والإشارة- أيضاً- إلى علاقة هذا الموضوع بمذهب المرجئة في الإيمان، وقبل بيان هاتين المسألتين نشير إلى مدى الخلاف في هذه المسألة.
قال الإمام ابن قدامة المقدسي- رحمه الله-:(...واختلفت الرواية هل يقتل لكفره أو حداً، فروي أنه يقتل لكفره كالمرتد، فلا يغسل ولا يكفن ولا يدفن بين المسلمين، ولا يرثه أحد ولا يرث أحداًً، اختارها أبو إسحاق بن شاقلا وابن حامد، وهو مذهب الحسن والشعبي وأيوب السختياني والأوزاعي وابن المبارك وحماد بن زيد وإسحاق ومحمد بن الحسن...
والرواي-ة الثانية: يقتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن، وهذا اختيار أبي عبد الله بن بطة وأنكر قول من قال: إنه يكفر، وذكر أن المذهب على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه، وهذا قول أكثر الفقهاء، وقول أبي حنيفة ومالك والشافعي) )[78] (.
وقال الإمام النووي- رحمه الله-: (فرع في مذاهب العلماء فيمن ترك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاده وجوبها فمذهبنا المشهور ما سبق أنه يقتل حداً ولا يكفر، به وقال مالك والأكثرون من السلف والخلف، وقالت طائفة: يكفر ويجرى عليه أحكام المرتدين في كل شيء، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وبه قال ابن المبارك وإسحاق بن راهويه وهو أصح الروايتين عند أحمد،وبه قال منصور الفقيه من أصحابنا...وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة والمزني، لا يكفر ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي) )[79] (.
وحكى الإمام محمد بن نصر المروزي خلاف أهل الحديث في هذه المسألة فقال- رحمه الله-:(...وقد حكينا مقالة هؤلاء الذين أكفروا تارك الصلاة متعمداً وحكينا جملة ما احتجوا به، وهذا مذهب جمهور أصحاب الحديث، وقد خالفهم جماعة أخرى من أصحاب الحديث فأبوا أن يكفروا تارك الصلاة، إلا أن يتركها جحوداً أو إباءاً...) )[80] (وذكر منهم الإمام الشافعي، وأصحابه وأبا ثور وغيره، وأبا عبيد في موافقيهم ) )[81] (.
بعد هذه الإشارة السريعة للخلاف في المسألة يمكن أن نستنتج ما يلي:
1- أن الخلاف في حكم تارك الصلاة كسلاً من حيث التكفير وعدمه، خلاف قديم معروف عند السلف المتقدمين، فقد قال بعدم التكفير أئمة أعلام من أصحاب الحديث كالإمام الشافعي ومالك، وأبي حنيفة والثوري وأبي عبيد..الخ.
2- لذلك ينبغي أن نعلم بأن الترجيح بين الأقوال في هذه المسألة لا علاقة له بمذهب الإرجاء، فمن رجح عدم تكفير التارك كسلاً لا يلزم أن يكون متأثراً بمذهب المرجئة هذا من حيث الأصل، وهناك حالات معينة قد يكون لرأي المرجئة في الإيمان أثر في الترجيح فيها ومنها:
أ- ما حكاه بعض الأئمة من علاقة بين مذهب المرجئة وهذه المسألة كما قال الإمام ابن عبد البر- رحمه الله- مبيناً الفرق بين ترجيح بعض أهل السنة عدم تكفير تارك الصلاة كسلاً وبين مذهب المرجئة، قال بعدما حكى أدلة من قال بعدم التكفير: (...هذا قول قد قال به جماعة من الأئمة ممن يقولون: الإيمان قول وعمل، وقالت به المرجئة أيضاً، إلا أن المرجئة تقول: المؤمن المقر مستكمل الإيمان، وقد ذكرنا اختلاف أئمة أهل السنة والجماعة في تارك الصلاة، فأما أهل البدع، فإن المرجئة قالت: تارك الصلاة مؤمن مستكمل الإيمان، إذا كان مقراً غير جاحد، ومصدقاً غير مستكبر، وحكيت هذه المقالة عن أبي حنيفة وسائر المرجئة...) )[82] (، فلعل ترجيح بعض مرجئة الفقهاء قد استند إلى مذهبهم في الإيمان.
هذا جانب، والجانب الآخر أن أئمة السلف الذين لم يكفروا تارك الصلاة كسلاً، لم يقولوا أنه مستكمل الإيمان، بل قالوا: إن ذلك ينقص إيمانه كحال تارك الطاعة وفاعل المعصية، وقالوا بأنه معرض للعقوبة الأخروية والدنيوية، وقال كثير منهم بقتله حداً للأحاديث الواردة في ذلك.
ب- خلط بعض متأخري الفقهاء بين ترك الصلاة كسلاً مع اعتقاد، وجوبها وبين الإصرار والامتناع عن أدائها حتى يقتل، قال شيخ الإسلام- رحمه الله-: (ولهذا فرض متأخروا الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها وهو أن الرجل إذا كان مقراً بوجوب الصلاة فدعي إليها وامتنع واستتيب ثلاثاً مع تهديده بالقتل، فلم يصل حتى قتل، هل يموت كافراً أو فاسقاً؟ على قولين: وهذا الفرض باطل، فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بشر قط، بل ولا يضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة إلا صلى، ولا ينتهي الأمر به إلى القتل، وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم لا يصبر عليه إنسان، إلا لأمر عظيم مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن فارقه هلك فيصبر عليه حتى يقتل، وسواء كان الدين حقاً أو باطلاً، أما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطناً فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط...) )[83] (.
وقال في موضع آخر: (...ولا يتصور في العادة أن رجلاً يكون مؤمناً بقلبه، مقراً، بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزماً لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمناً في الباطن، وقد لا يكون إلا كافراً، ولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذباً منه...فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه قد دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في "مسألة الإيمان"، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم القلب، وأن، إيمان القلب التام، بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه ) )[84] (.
إذاً هناك فرق بين من يمتنع عن الفعل حتى يقتل، وبين من يتركها كسلاً مع اعتقاد الوجوب (ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها، فيكون الجحد عنده متناولاً للتكذيب بالإيجاب، ومتناولاً للامتناع عن الاقرار والالتزام...) )[85] (.
فهذا الكلام من شيخ الإسلام- رحمه الله- يجيب على تساؤل مهم، يرد على أذهان بعض أهل العلم، وهو ظنهم: أن القول بإجماع أهل السنة بكفر تارك جنس العمل يلزم منه تكفير من المسلمين ممن حاله التفريط في الفرائض، وفعل المحرمات، وهذا الظن فاسد من وجوه:
أولها: أن كلامنا عن منزلة العمل من الإيمان، وحكم التولي والإعراض عنه، وهو كلام يجب الإيمان به واعتقاده كسائ-ر الأمور الاعتقادية عند أهل السنة، بغض النظر عن ما ينبني على ذلك من أحكام وآثار عملية تتعلق بأعيان العباد.
الثاني: عند الحكم على المعين لابد من إقامة الحجة، والاستتابة لإزالة كل جهل أو تأول ونحوه ولا يحكم عليه بالكفر قبل ذلك- إلا في استثناءات خاصة- ذكرت في مبحث ضوابط التكفير.
الثالث: أن المعين، ممن يترك الأركان، إذا أقيمت عليه الحجة، واستتيب )[86] ( فلا يخلو أمر حينئذ من حالين، الأول: أن يلتزم أداء ما فرض الله عليه- وخاصة الصلاة- فعند ذلك نحكم بإسلامه، ونكل سريرته إلى الله- عز وجل-، فإن كان صادقاً في الباطن نفعه ذلك عند المولى سبحانه.
الثاني: أن يأبى التزام ذلك ويعرض عليه السيف حتى يقتل، وهو مصر لا يؤدي من فرائض الله شيئاً، فهذا كافر ظاهرا وباطنا، وهذا الذي بينه شيخ الإسلام، وبين أن من قال إنه يقتل مع إسلامه فقد دخلت عليه شبه المرجئة )[87] (، حيث حصروا بالجحود وتكذيب القلب.
من كل ما سبق يتبين لنا علاقة هذا المبحث، بمفهوم الإيمان عند أهل السنة، وأنه قول وعمل، لا يغني أحدهما عن الآخر، وأن ترك العمل بالكلية ناقض لأصل الإيمان، لمناقضته لعمل القلب، إذ لا يتصور أن يوجد لدى المرء عمل القلب من القدرة، هذا ممتنع.
إذاً إذا وجد الإعراض عن الطاعة بالكلية فذلك لفقدان عمل القلب الذي هو شرط لصحة الإيمان، والله اعلم.

2- النفاق الإعتقادي (النفاق الأكبر)
كثر الحديث في القرآن الكريم عن النفاق والمنافقين، صفاتهم وأخلاقهم، وأنهم شر أنواع الكفار، وأن مصيرهم في الدرك الأسفل من النار، ومن ثم تحذير المؤمنين منهم لأن (بلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقهم:(هم العدو فاحذرهم) )[88] (ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر، أي لا عدو إلا هم، ولكن لم يرد هاهنا حصر فيم وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم، بل هذا من إثبات الأولية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهراً وموالاتهم لهم، ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم بالعداوة وجاهرهم بها، فإن ضرر هؤلاء المخالطين المعاشرين لهم- وهم في الباطن على خلاف دينهم. أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياماً ثم يقتضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحاً ومساءاً يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر) )[89] (.
ويقول الحافظ ابن كثير- رحمه الله-: (نبه الله- سبحانه وتعالى- على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خيراً) )[90] (، وسيكون حديثنا في هذه الفقرة عن تعريف النفاق، ثم نذكر أنوعه، ونركز الحديث على النفاق المخرج من الملة باعتباره المقصود الأساس في مبحثنا.

أ- معنى النفاق لغة واصطلاحاً
اختلف علماء اللغة في أصل النفاق، فقيل: إن ذلك نسبة إلى النفق وهو السرب في الأرض، لأن المنافق يستر كفره ويغيبه، فتشبه بالذي يدخل النفق يستتر فيه.
وقيل: سمي به من نافقاء اليربوع، فإن اليربوع له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طلب من القاصعاء قصع فخرج من النافقاء، كذا المنافق يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه، وقيل: نسبة إلى نافقاء اليربوع أيضاً، لكن من وجه آخر وهو إظهاره غير ما يضمر، وذلك: أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض ترك قشرة رقيقة حتى لا يعرف مكان هذا المخرج، فإذا رابه ريب دفع ذلك برأسه، فخرج، فظاهر جحره تراب كالأرض، وباطنه حفر، فكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر)[91] (.
ولعل النسبة إلى نافقاء اليربوع أرجح من النسبة إلى النفق (لأن النفق ليس فيه إظهار شيء، وإبطال شيء آخر، كما هو الحال في النفاق، وكونه مأخوذاً من النافقاء باعتبار أن المنافق يظهر خلاف ما يبطن، أقرب من كونه مأخوذاً منه باعتبار أنه يخرج من غير الوجه الذي دخل فيه، لأن الذي يتحقق فيه الشك الكامل بين النافقاء والنفاق هو إظهار شيء وإخفاء شيء آخر، إضافة إلى أن المنافق لم يدخل في الإسلام دخولاً حقيقياً حتى يخرج منه) )[92] (.
أما النفاق في الاصطلاح الشرعي فهو القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد )[93] (، أو هو الذي يستر كفره ويظهر إيمان-ه، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وإن كان أصله في اللغة معروفاً)[94] ( كما سب--ق.(وأساس النفاق الذي بنى عليه المنافق لابد وأن تختلف سريرته وعلانيته وظاهره وباطنه، ولهذا يصفهم الله في كتاب-ه بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى: (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) )[95] ( وقال: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) )[96] ( وأمثال هذا كثير) )[97] (، إذا أخص وأهم ما يميز المنافقين الاختلاف بين الظاهر والباطن، وبين الدعوى والحقيقة كما قال تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) )[98] (، قال الإمام الطبري- رحمه الله: (أجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه الصفة صفتهم )[99] (، وقد يطلق بعض الفقهاء لفظ الزنديق على المنافق، قال شيخ الإسلام- رحمه الله-: (ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ "الزنديق" وشاعت في لسان الفقهاء وتكلم الناس في الزنديق: هل تقبل توبته؟ والمقصود هنا: أن "الزنديق" في عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن ديناً من الأديان: كدين اليهود والنصارى أو غيرهم، أو كان معطلاً جاحداً للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة ))[100](، وقال الإمام ابن القيم- رحمه الله- في بيان مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم: "الطبقة الخامسة عشر: طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، وهؤلاء المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار) )[101] (.

ب- أنواع النفاق
النفاق كالكفر، نفاق دون نفاق أو نفاق غير مخرج من الملة ونفاق مخرج من الملة.
وتختلف عبارات الأئمة في إيضاح هذين النوعين:
فبعض الأئمة كالإمام الترمذي والإمام ابن العربي المالكي، والحافظ ابن كثير وابن حجر يقسمون النفاق إلى نفاق اعتقادي، وهو المخرج من الملة وإلى نفاق عملي، قال الإمام الترمذي- رحمه الله- في تعليقه على حديث: (أربع من كن فيه كان منافقاً...) )[102] ( (وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما نفاق التكذيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا روي عن الحسن البصري شيئاً من هذا أنه قال: النفاق نفاقان، نفاق عمل ونفاق التكذيب ) )[103] (، وقال الإمام ابن العربي: (النفاق هو إظهار القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد.(أصوله) وهي قسمان:
أحدهما: أن يكون الخبر أو الفعل في توحيد الله وتصديقه أو يكون في الأعمال، فإن كان في التوحيد كان صريحاً، وإن كان في الأعمال كانت معصية، وكان نفاقاً دون نفاق كما تقدم القول في كفر دون كفر...) )[104] (، وقال الحافظ ابن كثير- رحمه الله-: (النفاق هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب...) )[105] (.
وقال الحافظ ابن حجر- رحمه الله-: (والنفاق لغة مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في الترك اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك، وتتفاوت مراتبه ) )[106] (.
وبعض الأئمة كالإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم والحافظ ابن رجب يعبرون عن ذلك بتقسيم النفاق إلى الأكبر المخرج من الملة وإلى نفاق أصغر غير مخرج من الملة، يقول شيخ الإسلام- رحمه الله-: (فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول... فهذا ضرب النفاق الأصغر: فهو النفاق في الأعمال ونحوها..) )[107] ( ويقول أيضاً: (والنفاق كالكفر نفاق دون نفاق، ولهذا كثيراً ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر، كما يقال: الشرك شركان أصغر، وأكبر...) )[108] (.
وقال الإمام ابن القيم- رحمه الله- في بيان أقسام النفاق: (وهو نوعان: أكبر، وأصغر؛ فالأكبر: يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به..) )[109] (.
وبين القولين تقارب فمن حصر النفاق المخرج من الملة بالنفاق الاعتقادي، فلعله قصد بذلك نفاق التكذيب، وهو أن يظهر الإيمان وهو مكذب بقلبه، أما إن كان المرء في الأصل مؤمناً بالله غير مكذب وطرأ النفاق على بعض الأعمال المتعلقة بفروع الإيمان، فهذا نفاق العمل، وهناك احتمال آخر وهو أن يقصد بحصر ذلك بالنفاق الاعتقادي اقتران المكفرات العملية الصادرة من المنافقين بالجانب الاعتقادي.
في الغالب، والأقرب للصواب – والله أعلم – تقسيم النفاق إلى أكبر وأصغر لسببين:
الأول: لأن النفاق الأكبر لا يختص بالجانب الاعتقادي فقط، ولذلك حين ذكر القرآن صفات المنافقين ذكر منها تنقيصهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وسخريتهم بالمؤمنين، ومناصرتهم للكفار ونحو ذلك. وهذه الأمور وإن اقترنت غالباً بفساد اعتقادي إلا أن ذلك ليس بلازم.
الثاني: ليس كل نفاق اعتقادي يخرج من الملة، فقد يكون ذلك من جنس يسير الرياء ونحوه، وإليك إيضاحاً لنوعي النفاق:

ج – النفاق الأصغر
والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهما، في ذكر آية المنافق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" )[110] (.
وعن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" )[111] (، قال الإمام النووي - رحمه الله - في شرح هذا الحديث: "هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار فإن إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم جمعوا هذه الخصال وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار، أن معناه أن هذا الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار صلى الله عليه وسلم: "كان منافقاً خالصاً" معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، قال بعض العلماء هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً فيه، فهذا هو المختار في معني الحديث..." )[112] (.
وقال الإمام الخطابي رحمه الله -: "هذا القول إنما خرج على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتحذير له أن يعتاد هذه الخص-ال، فتفضي به إلى النفاق، لا أن من بدرت منه هذه الخصال، أو فعل شيئاً من ذلك من غير اعتياد أنه منافق" )[113] (.
وق-ال - أي الخطابي -: "ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرار الفعل" )[114] (، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: "والأولى ما قاله الكرماني: إن حذف المفعول من "حدث" يدل على العموم، أي إذا حدث في كل شيء كذب فيه، أو يصير قاصراً، أي إذا وجد ماهية الحديث كذب، وقيل محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسدا الاعتقاد غالباً")[115](، وقال الحافظ ابن رجب - رحمه الله - بعدما شرح هذه الخص-ال: "وحاصل الأم--ر أن النفاق الأص-غر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن..." )[116] (.
ومن هذا الباب الإعراض عن الجهاد فإنه من خصال المنافقين )[117] (، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شبعة من نفاق" )[118] (، ومن ذلك ما رواه البخاري في "باب ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك": "قال أناس لعبدالله بن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نعده نفاقاً" )[119] (.
وهذا هو النفاق الذي خافه الصحابة على أنفسهم، يقول ابن رجب )[120] ( "ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقاً، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي: أنه مر بأبي بكر وهو يبكي، فقال: مالك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر، نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا رجعنا، عافسنا الأزواج والضيعة فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فالله إنا لكذلك، فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "مالك يا حنظلة؟" قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي، لصافحتكم الملائكة على مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" )[121] (، ومما ورد في هذا المعنى - أي خوف الصحابة من النفاق - ما قاله ابن أبي مليكة )[122] (: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل) )[123] (، يقول الحافظ ابن حجر في تعليقه على هذا الأثر: (والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلهم عائشة وأختها أسماء وأم سلمة والعبادلة الأربعة وأبو هريرة وعقبة بن الحارث والمسور بن مخرمة، فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء كعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينتقل عن غيرهم خلاف ذلك فكأنه إجماع، وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشعر به مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى رضي الله عنهم) )[124] (.
وخلاصة القول في النفاق الأصغر، أنه نوع من الاختلاف بين السريرة والعلانية مما هو دون الكفر، وذلك كالرياء الذي لا يكون في أصل العمل، وكإظهار مودة الغير والقيام بخدمته مع إضمار بعضه والإساءة إليه وكالخصال الواردة في حديث شعب النفاق ونحو ذلك، فعلى المسلم الحذر من الوقوع في شيء من ذلك.

د- النفاق الأكبر
سبقت الإشارة إلى تعريفه عند الكلام عن أنواع النفاق، ويمكن اختصار تعريفه، بتعريف ذكره الحافظ ابن رجب حيث قال- رحمه الله-: (النفاق الأكبر وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار) )[125] (، ومن الآيات في تكفيرهم، ومصيرهم في الآخرة، قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) )[126] (، وقوله عز وجل: (بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً) )[127] (، وقوله سبحانه:(إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) )[128] (، وقوله تعالى: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جنهم خالدين فيها) )[129] (، وقوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا) )[130] (، وقوله عن طائفة من المنافقين من أسوأ أنواع الكفار، ومصيرهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، لأنهم زادوا على كفرهم، الكذب والمراوغة والخداع للمؤمنين، ولذلك فصل القرآن الحديث حولهم وحول صفاتهم لكي لا يقع المؤمنون في حبائلهم وخداعهم.
صور النفاق الأكبر:

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- بعض هذه الصور فقال: (فمن النفاق ما هو أكبر، ويكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبي وغيره، بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك: مما لا يكون صاحبه إلا عدواً لله ورسوله، وهذا القدر كان موجوداً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومازال بعده، بل هو أكثر منه على عهده...) )[131] (.
وقال في موضع آخر: (فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، فإن لا يرى وجوب تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر- علماً وعملاً- وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحداً، ويرى أنه تحصيل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، إما بطريق الفلسفة والصبو، أو بطريق التهود والتنصر...) )[132] (.
ونقل هذه الأنواع الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله- فقال: (...فأما النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع، تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول أبو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار) )[133]فيتحصل مما ذكره هذان الإمامان- بعد دمج الأنواع المتشابهة أو المتقاربة- خمس صفات أو أنواع وهي:
1- تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو تكذيب بعض ما جاء به.
2- بغض الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بغض ما جاء به.
3- المسرة بانخفاض دين الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الكراهية بانتصار دين الرسول صلى الله عليه وسلم.
4- عدم اعتقاد وجود تصديقه فيما أخبر.
5- عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر.
وبالنظر إلى الآيات التي ذكرت أحوال المنافقين، وكلام المفسرين حولها، يمكن أن يضاف إلى هذه الصفات صفات أخرى وهي:
6- أذى الرسول صلى الله عليه وسلم أو عيبه ولمزه.
7- مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين.
8- الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله.
9- التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم.
فالوقوع في أي صفة من هذه الصفات يخرج من الملة، وهذه الصفات أكثرها متعلق بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول شيخ الإسلام- رحمه الله-: (...فالنفاق يقع كثيراً في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته...) )[134] (.
وسأشرح بعض هذه الصفات- باختصار- ذاكراً أدلة نفاق صاحبها:
1- أذى الرسول صلى الله عليه وسلم أو عيبه ولمزه
وه-ذا داخل في سبه صل-ى الله عليه وسل--م لأن الس-ب: " هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف.... " )[135] ( والعيب، واللمز فيه انتقاص.
قال تعالى: [ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون] )[136](.
نزلت هذه الآية في ذي الخويصرة التميمي حينما جاء إلي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم حنين، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: "ويلك، ومن يعدل إذ لم أعدل؟ " قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: "دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".... قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم قال: فنزلت فيه: [ومنهم من يلمزك في الصدقات] )[137] (.
قال الإمام الشوكاني في تفسيرها: "قوله: ومنهم من يلزمك، يقال: لمزه يلمزه: إذا عابه، قال الجوهري: اللمز العيب، وأصل-ه الإشارة بالعين ونحوها، ومعنى الآية: وم-ن المنافقين من يعيبك في الصدقات: أي في تفريقها وقسمتها" )[138] (.
وقال في آية أخرى: [ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم] )[139](إلى قوله سبحانه: [ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها ذلك الخزي العظيم] )[140] (.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -: "فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله ولرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة، فيجب أن يكون داخلاً فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفاً،... ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالداً فيها... ")[141]( وقال الشوكاني – رحمه الله – في تفسير هذه الآية: " قوله: ومنهم؛ هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم على وجه الطعن والذم هو أذن، قال الجوهري: يقال رجل أذن: إذن: إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم، أقمأهم الله، أنهم إذا آذوا النبي صلى الله عليه وسلم وبسطوا فيه ألسنتهم، وبلغه ذلك اعتذروا له وقبل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدقه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن جملته أذن سامعة،... وإيذاؤهم له وهو قولهم [هو أذن] لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغتراراً منهم بحلمه عنهم، وصفحه عن خباياهم كرماً وحلماً وتغاضياً... ")[142](.
وهذه الآية والتي قبلها ذكرهما شيخ الإسلام ضمن الآيات الدالات على كفر شاتم الرسول وقتله )[143] (.
وذكر أن إيذاء الرسول ولمزه من الصفات الدالة على نفاق صاحبها فقال - رحمه الله -: " وذلك أن الإيمان والنفاق، أصله في القلب، وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه، فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي صلى الله عليه وسلم، والذين يؤذونه من المنافقين، ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له، معلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصل المدلول عليه، فثبت أنه حيث ما وجد ذلك كان صاحبه منافقاً سواء كان منافقاً قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول")[144](، وهذا السب من الإيذاء واللمز والاستخفاف مناف لعمل القلب من الانقياد والاستسلام ومحال أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم أو يستخف به فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة امتنع أن يكون فيه انقياد واستسلام، فلا يكون فيه إيمان، وهذا هو بعينه كفر إبليس، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولاً ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له واستكبر عن الطاعة فصار كافرا" )[145] (.

2- التولي والاعراض عن حكم الله ورسوله
ذكرت هذه الصفة عنهم في سورتي النساء والنور، وقال تعالى: [ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون] )[146] (، يقول الحافظ ابن كثير في تفسيرها: "يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون يقولون قولاً بألسنتهم [آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك] أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى: [وما أولئك بالمؤمنين] وقوله تعالى: [وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم] أي إذا طلبوا إلى اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه، واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى: [ألم تر إلى الذين يزعمون...] " )[147] (. يقول شيخ الإسلام – رحمه الله -: "فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن وأن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا) )[148] (، وقال سبحانه في سورة النساء: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً) )[149] (، ولا شك أن هؤلاء المعرضين ممن يدعوهم الإيمان هم المنافقين )[150] ( (فبين سبحانه أن من دعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى الرسول فصد عن رسوله كان منافقاً) )[151] (
وهذا النوع من النفاق مما ينافي عمل القلب من القبول والاستسلام، كما بينا ذلك عند الكلام عن كفر الإعراض.

3- مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين
وهذه من أخص صفات المنافقين، فهم في الظاهر مع المؤمنين، لكنهم في الحقيقة مع الكفار عيوناً وأعواناً، لهم، يكشفون لهم عورات المسلمين وأسرارهم ويتربصون بالمؤمنين الدوائر.
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) )[152] (.
قال الإمام الطبري – رحمه الله – في تفسير هذه الآية بعدما ذكر الخلاف في المعنى بهذه الآية: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره، نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين،وأن الله ورسوله منه بريئان) )[153] (.
وقال في تفسير، قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم): (ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمُه حكمَه...) )[154] (، وقال في تفسير قوله سبحانه: (فترى الذين في قلوبهم مرض...) الآية. بعدما ذكر الخلاف فيمن عني بهذه الآية: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى ويغشون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر – إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان، أو غيرهم – على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلة، فيكون بنا إليهم حاجة، وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين) )[155] ( ومن الآيات صريحة الدلالة في اتصاف المنافقين بهذه الصفة قوله تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً) )[156] (.
قال الإمام الطبري – رحمه الله – في تفسير هذه الآية: "... أما قوله جل ثناؤه: [الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين]، فمن صفة المنافقين، يقول الله لنبيه: يا محمد، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي، والإلحاد في ديني أولياء – يعني أنصاراً وأخلاء – من دون المؤمنين – يعني من غير المؤمنين – أيبتغون عندهم العزة، أيطلبون عندهم المنعة والقوة باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي؟، فإن العزة لله جميعاً، يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقلاء... ")[157](.
ومعلوم أن موالاة الكفار مراتب )[158] (، منها ما يصل إلى درجة الكفر الأكبر، ومنها دون ذلك، وما نشير إليه هنا هو الموالاة المخرجة من الملة التي يختص بها المنافقون وهي اتخاذهم أنصاراً وأعواناً على المؤمنين، أو الموالاة التامة لهم بالرضى عن دينهم أو تصحيح مذهبهم ونحو ذلك، يقول الإمام الطبري – رحمه الله – مبيناً ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: [لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة] )[159]، قال – رحمه الله -: "لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك: فقد بريء من الله وبريء الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر... ")[160](، وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – ضمن نواقض الإسلام "الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى: [ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين] " )[161] (.
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: [ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون]: "وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان تولياً تاماً، كان ذلك كفراً مخرجاً من دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ، وما هو دونه" )[162] (.
وهذه الموالاة تدل على فساد في اعتقاد صاحبها، خاصة من جهة منافاتها لعمل القلب من الحب والبغض، فالحب والبغض – كما هو معلوم – أصل الولاء والبراء، فمحبة المؤمنين تقتضي موالاتهم ونصرتهم، وبغض الكافرين يقتضي البراءة منهم ومن مذاهبهم وعداوتهم ومحاربتهم، فإذا عادى المرء المؤمنين وأبغضهم، ووالى الكافرين وناصرهم على المؤمنين فقد نقض أصل إيمانه.
4- المسرة بانخفاض دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو الكراهية بانتصار دينه
وهذه الصفة ذكرها الله عز وجل عن المنافقين في أكثر من موضع، فهم بسبب موالاتهم للكافرين يسعون معهم لإضعاف المسلمين وإثارة الفتن بينهم، والتخذيل ويسيئون الظن بوعد الله ونصره، ويحبون ظهور الكفار وانتصارهم على المسلمين ويفرحون بذلك، وبالمقابل يصيبهم الهم والغم حينما ينتصر المسلمون.
قال عز من قائل: [إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون] )[163] (، قال الإمام الشوكاني – رحمه الله -: "إن تصبك حسنة، أي حسنة كانت بأي سبب اتفق كما يفيده وقوعها في حيز الشرط، وكذلك القول في المصيبة، وتدخل الحسنة والمصيبة الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولاً أولياً، فمن جملة ما تصدق عليه الحسنة، الغنيمة والظفر، ومن جملة ما تصدق عليه المصيبة الخيبة والانهزام، وهذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم، والإخبار بعظيم عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم في العداوة قد بلغوا الغاية" )[164] (، ويقول الإمام ابن حزم – رحمه الله -: "... وأما الذي أخبر الله تعالى بأنه إن أصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيئة ومصيبة تولوا وهم فرحون، أو أنه إن أصابته حسنة ساءتهم فهؤلاء كفار بلا شك ")[165](.
والذي يسؤوهم انتصار دين الرسول صلى الله عليه وسلم حكمهم حكم من يسوءه انتصار الرسول نفسه، ولذلك ورد في الآية السابقة: [إن تمسسك حسنة تسؤهم...] الآية، وفي أخرى، يقول سبحانه وتعالى: [إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط] )[166](.
"وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد، وكثروا، وعز أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء – لما لله تعالى في ذلك من الحكمة كما جرى يوم أحد – فرح المنافقون بذلك" )[167] (.
وفي موضع ثالث أشار سبحانه إلى كراهة المنافقين لظهور الحق وانتصار الدين لأن ذلك يعني فشل خططهم ومؤامراتهم، حيث قال: [لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ] )[168] (، يقول الإمام الطبري – رحمه الله -: "... لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك يا محمد، التمسوا صدهم عن دينهم، وحرصوا على ردهم إلى الكفر بالتخذيل عنه، (وقلبوا لك الأمور) يقول: وأجالوا فيك وفي إبطال الدين الذي بعثك به الله الرأي بالتخذيل عنك، وإنكار ما تأتيهم به، ورده عليك، (حتى جاء الحق) حتى جاء نصر الله، (وظهر أمر الله) وظهر دين الله الذي أمر به وافترضه على خلقه، وهو الإسلام (وهم كارهون) والمنافقون بظهور أمر الله ونصره إياك، كارهون... ")[169](.
وفي سورة الفتح بعدما ذكر عز وجل إنعامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح المبين والنصر العزيز، بين أن هذا النصر فيه سكينة للمؤمنين ليزدادوا إيماناً وليدخلهم جنات، وفيه تعذيب للمنافقين في الدنيا قبل الآخرة، قال – عز وجل -: [ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً] )[170] ( "أي يعذبهم في الدنيا بما يصل إليهم من الهموم والغموم بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام وقهر المخالفين له، وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب جهنم... [الظانين بالله ظن الس-وء] وهو ظنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يغلب وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام" )[171] (.
وما أكثر ما نلاحظ هذه الصفة في المنافقين المعاصرين من الساسة والإعلاميين وغيرهم، حيث يصيبهم الهم والغم والحزن، ويظهرون الكراهة حينما ينتصر المسلمون في بلد من البلدان، وبالمقابل يظهرون الفرح والسرور والتشفي بما يصيب المؤمنين من هزيمة ومصائب ومحن، وقد يبررون هذا السلوك بوجود انحرافات وأخطاء لدى بعض المؤمنين، وهذا المبرر أو التأويل وإن عذر به المتأولون المجتهدون، فلا عذر لكثير من هؤلاء لأنه لا يعرف عنهم حرص على التدين أو غيرة على الدين وإنما يحرصون على ما يرضي أولياءهم الحقيقيين من اليهود والنصارى ونحوهم. وهذا السلوك المشين يدل على فساد في عمل القلب من الحب والفرح أو البغض والكراهة، نسأل الله عز وجل أن يصلح قلوبنا وأعمالنا.
ويمكن أن نذكر صنفاً آخر من أصناف المنافقين، الذين عرفوا – على مدار التاريخ بالكيد للسنة وأهلها ومعاونة الأعداء عليهم، والحزن لظهور السنة وعلوها، والفرح بانهزام أهل السنة وانكسارهم، وهؤلاء هم الرافضة وقد صور شيخ الإسلام حالهم هذا أحسن تصوير، فقال: "... فالرافضة يوالون من حارب أهل السنة والجماعة، ويوالون التتار، ويوالون النصارى، وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهانة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم، وغلمان السلطان، وغيرهم من الجند والصبيان، وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن، وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور، وهم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة، وقتل أهل بغداد، ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر المسلمين، وكاتب التتار، حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة، ونهى الناس عن قتالهم، وقد عرف العارفون بالإسلام: أن الرافضة تميل مع أعداء الدين... ")[172](.
فهل يعي المسلمون عامة، والمنتسبون إلى الدعوة خاصة، هذه الحقيقة؟
وهل يعي هذه الحقيقة من لا يزال يدافع عن الرافضة ويحسن الظن بهم أو يتحالف معهم ويعلق عليهم الآمال لنصرة الدين؟
وأخيراً وبعد أن استعرضنا أربعة من أنواع النفاق الأكبر، ترد علينا بعض التساؤلات المتعلقة بذلك ومنها:
الأول: يقال: من المعلوم أن النفاق الأكبر، أن يظهر المرء الإسلام وهو في الباطن خلاف ذلك، فكيف يصح إطلاق النفاق، على من أظهر مثل هذه المكفرات ولم يبطنها؟ ونجيب على ذلك بما يلي:
1- إما أن يق-ال: إن هذا الإظهار ليس إظهاراً عاماً يعرفه المسلمون عنهم، بل يظهرون ذلك فيما بينهم فقط مثل قولهم: هو أذن، أو قولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء ونحو ذلك، قال تعالى عنهم: [وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون] )[173] (فهؤلاء المنافقون إذا لقوا المهاجرين والأنصار قالوا آمنا كإيمانكم وإذا خلوا رجعوا إلى شياطينهم أي رؤساءهم. وقال مجاهد: إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين قالوا إنا معكم أي على دينكم، إنما نحن مستهزءون بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما نظهر من الإسلام )[174] قال الإمام البغوي – رحمه الله -: "فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء) قيل إنهم يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين")[175](. وهذا من التذبذب الذي يتصفون به.
2- ويمكن أن يقال: إن النفاق كالإيمان أصله في القلب والذي يظهر من الأقوال والأفعال فرع له ودليل عليه، فإذا وجدت مثل هذه الصفات كان ذلك دليلاً على نفاق صاحبها )[176] (، وإن كان الغالب على المنافقين أن لا يظهروا للمؤمنين ما يدل على نفاقهم إلا حينما يحصل للمسلمين مصيبة أو ابتلاء وشدة.
3- ويمكن أن يقال – أيضاً -: إن بعض هذه الصفات وإن اتصف بها المنافقون غالباً إلا أنها قد لا تختص بالمنافقين فقط، فقد يجاهر بها من يدعي الإسلام، فيوالي الكفار ولاءاً ظاهراً، أو يعيب وينتقص الرسول صلى الله عليه وسلم علناً، فيكفر بذلك، ويكون كفره كفراً ظاهراً، وليس كفر نفاق )[177] ( والله أعلم.
الثاني: ورد في بعض الآيات ما يدل على إيمان بعض المنافقين قبل أن يظهروا الكفر، مثل قوله تعالى عن طائفة من المنافقين: [لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم] )[178] (، وقوله عن طائفة أخرى: [يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا] )[179] (.
فإذا كان هؤلاء منافقين يبطنون الكفر، فهم كفار قبل أن يظهروا الكفر بألسنتهم، فكيف يقال: [قد كفرتم بعد إيمانكم]؟
قبل الإجابة على هذا السؤال من المفيد الإشارة إلى أن المنافقين، أصناف "فمنهم من ينتفي عنه قول القلب، بعدم التصديق، وعمله – بعدم الانقياد )[180]، مع الانقياد ظاهراً ومنهم من ينتفي عنه عمل القلب من النية والإخلاص والإذعان، مع انقياد الجوارح الظاهرة، وقد يوجد قول القلب من التصديق ونحوه )[181] (.
وهناك صنف ثالث " يعرفون الحق بقلوبهم وينقادون له أحياناً، إلا أن ضعف الإيمان في قلوبهم يجعلهم ينقلبون على أعقابهم أحياناً أخرى، إما ضعفاً في قول القلب وشكا وتردداً وإما ضعفاً في عمل القلب من الانقياد والمحبة والتعظيم والتوقير" )[182] (.
ومثال الصنف الأول: تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومثال الصنف الثاني: الإعراض والتولي، أو مظاهرة الكافرين على المؤمنين، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
أما الصنف الثالث: فهو مجال حديثناً هنا، وهو ما ذكر في السؤال من نفاق المرء بعد دخوله في الإيمان قبل ذلك.
وقد ذكر الله سبحانه عن هذا النوع، حيث قال سبحانه: [مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون] )[183] (.
والصحيح في تفسيرها ما ذكره الحافظ ابن كثير – رحمه الله – حيث قال: "وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا الموضع...وقد حكى هذا الذي قلنا الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال: والتشبيه ههنا في غاية الصحة، لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولاً نوراً ثم بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك فوقعوا في حيرة عظيمة، وزعم ابن جرير، أن المضروب لهم المثل ههنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: [ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين] )[184] (، والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير هذه الآية ههنا، وهي قوله تعالى: [ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون] )[185](" )[186] (.
وهذه حال كثير من أهل القبلة ممن أسلم حديثاً أو ممن آمنوا إيماناً مجملاً، ولديهم ضعف في إيمانهم بسبب اختلاطه بشيء من الشك والريب أو ضعف في الانقياد والمحبة أو اتصافه ببعض شعب النفاق المذكورة في الأحاديث، فقد يؤدي هذا الضعف إلى الخروج من الإيمان بالكلية، فكما أن المعاصي بريد الكفر، فشعب النفاق بريد النفاق الأكبر، وقد أفاض شيخ الإسلام – رحمه الله – في بيان هذه الحقيقة وما قال في ذلك: "... فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئاً فشيئاً إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفاراً ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله، ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عرفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما ينزل الريب وإلا ص-اروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق" )[187] ( ثم بين المقصود بقوله تعالى: [لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم] )[188] (، فقال: "فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكنهم لم يظنوه كفراً وكان كفراً، كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه، وهكذا قال غير واحد من السلف في صفة المنافقين الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة، أنهم أبصروا ثم عموا، وعرفوا ثم أنكروا، وآمنوا ثم كفروا، وكذلك قال قتادة ومجاهد" )[189] ( إلى أن قال – رحمه الله -: "وفي الجملة ففي الأخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره هنا، فأولئك كانوا مسلمين وكان معهم إيمان مجمل، هو الضوء الذي ضرب الله به المثل، فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه، ولم يكونوا من المؤمنين حقاً الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان ولا من المنافقين حقاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا، وأكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيراً، وينافق أكثرهم أو كثير منهم، ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالباً، وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة، وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين، هم مؤمنون بالرسول باطناً وظاهراً لكن إيماناً لا يثبت على المحنة" )[190] (.
إذ يمكن أن يقع المرء في النفاق الأكبر، وهو في الأصل غير منافق.

3- بغض أو كراهية بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
البغض والكراهية ضد المحبة، والمحبة شرط من شروط لا إله إلا الله "وأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة، فهو أصل كل فعل ومبدؤه، كما أن البغض والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته، فهو أصل كل ترك" )[191] (، والمحبة المقصودة – كما سيأتي تفصيله - )[192] ( إخلاص المحبة لله عز وجل، فلا يكون له شريك في الحب، ومحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تستلزم محبة أوامره وفعلها، وبغض وكراهية ما نهى عنه وتركه، ومحبة أوليائه، وضد ذلك كراهية وبغض أوامره أو بعضها، ومحبة معاصيه، وبغض أوليائه ومحبة أعدائه.
وكراهية الحق من صفات الكافرين، قال تعالى: [ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم] )[193] (، وكرهوا ما أنزل الله من القرآن، فلم يقبلوه، بل أبغضوه )[194] (.
وقال سبحانه: [بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون] )[195] (، وقد وصف سبحانه المنافقين بهذه الصفة كما في قوله تعالى: [ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون] )[196] (، وقال سبحانه: [فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله...] )[197] (.
فقد كرهوا الجهاد بسبب ما في قلوبهم من النفاق )[198] (، ولذلك ذكر الأئمة – كما سبق – بغض أو كراهية ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعضه، ضمن أقسام النفاق الأكبر )[199] (والبغض والكراهة ينافيان عمل القلب من وجهين:
الأول: أن فيه إخلالاً بشرط المحبة والتعظيم لله عز وجل، ومحبة أوامره، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أن فيه تركاً للقبول والانقياد والتسليم لأن ذلك مقتضى المحبة، ولذلك كفر العلماء من اتصف بهذه الصفة، "لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه،... وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع..." )[200] (، وجاء في شرح الإقناع: "قوله: أو كان مبغضاً لما جاء به الرسول، ولم يشرك بالله، لكن أبغض السؤال عنه ودعوة الناس إليه، كما هو حال من يدعي العلم ويقرر أنه دين الله ورسوله ويبغضونه أكثر من بغض دين اليهود والنصارى، بل يعادون من التفت إليه، ويحلون دمه وماله، ويرمونه عند الحكام..." إلى أن يقول: "والتكفير بالاتفاق فيمن أبغض النهي عنه )[201] (، وأبغض الأمر بمعاداة أهله، ولو لم يتكلم وينصر، فكيف إذا فعل ما فعل... ")[202](.
لكن ينبغي التفريق بين الكره والنفور الطبعي، وبين الكره الاعتقادي، قال الراغب – رحمه الله - -: "الكره المشقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه، والكره ما يناله من ذاته وهو يعافه، وذلك على ضربين، أحدهما: ما يعاف من حيث الطبع، والثاني: ما يعاف من حيث العقل أو الشرع، ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد إني أريده وأكرهه بمعنى إني أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث الشرع، أو أريده من حيث العقل أو الشرع وأكرهه من حيث الطبع، وقوله: [كتب عليكم القتال وهو كره لكم] )[203] ( أي تكرهونه من حيث الطبع" )[204] (، وقال الإمام البغوي – رحمه الله -: "وهو كره لكم، أي شاق عليكم، قال بعض أهل المعاني: هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى... " )[205] (، وقال الإمام القرطبي – رحمه الله -: "إنما كان الجهاد كرهاً لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى " )[206] (، وبين الإمام ابن القيم – رحمه الله – أن الكره لا ينافي الرضى والتسليم فقال: " وليس من شرط الرضى ألا يحس بالألم والمكاره، بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه، ولهذا أشكل على بعض الناس الرضى بالمكروه، وطعنوا فيه: وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة، وإنما هو الصبر، وإلا فكيف يجتمع الرضى والكراهة؟ وهما ضدان، والصواب: أنه لا تناقض بينهما، وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضى، كرضى المريض بشرب الدواء الكريه، ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها..." )[207] (.
وخلاصة ما سبق، أن بغض أو كراهة بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مناف لعمل القلب من المحبة والرضى والتسليم، مع التفريق بين الكره الاعتقادي والطبعي والله أعلم.

4- كفر الإباء والاستكبار والامتناع
ومن الكفر المناقض لعمل القلب كفر الإباء والاستكبار والامتناع )[208] ( ككفر إبليس، وفرعون، واليهود حيث إنهم عرفوا الحق فلم ينقادوا ويستسلموا له، قال تعالى في حكاية حال إبليس لما أمر بالسجود [وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين] )[209] (، "فهل جحد إبليس ربه؟ وهو يقول: رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين" )[210] (، ويقول: [رب فأنظرني إلى يوم يبعثون] )[211] ( إيماناً منه بالبعث، وإيماناً بنفاذ قدرته، في إنظاره إياه إلى يوم البعث، أو هل جحد أحداً من أنبيائه، وأنكر شيئاً من سلطانه، وهو يحلف بعزته؟! وهل كان كفره إلا بترك سجدة واحدة، أمره بها، فأباها!! ")[212](.
قال شيخ الإسلام عن هذا الكفر: "وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسج--ود لآدم ف-أب واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأج-ل تكذيب، وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا... ")[213](.
وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله – عند كلامه عن أنواع الكفر الأكبر "...
وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءاً واستكباراً، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل... ")[214](، إذا وجه كون الإباء والاستكبار كفراً، مناقضته للانقياد والاستسلام الذي هو أساس عمل القلب وأصله، قال شيخ الإسلام – رحمه الله -: "وكلام الله خبر وأمر، فالخبر يستوجب تصديق المخبر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب جماعه الخضوع والانقياد للأمر وإن لم يفعل المأمور به، فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو الطمأنينة والإقرار..." )[215] (. وقال موضحاً إيمان القلب: "إن الإيمان قول وعمل – أعني في الأصل – قولاً في القلب، وعملاً في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره، فيصدق القلب أخباره تصديقاً يوجب حالاً في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو نوع من العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع من الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمناً إلا بمجموع الأمرين، فمتى ترك الانقياد كان مستكبراً فصار من الكافرين وإن كان مصدقاً..." )[216] (.
وقال الشيخ حافظ حكمي – رحمه الله – عن هذا النوع: "... وإن انتفى عمل القلب، وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار، ككفر إبليس، وكفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه أمثال حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف وغيرهم، وكفر من ترك الصلاة عناداً واستكباراً، ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب ")[217](، فهذا النوع لا خلاف ولا إشكال في تكفير من وقع فيه – سواء كان فرداً أو طائفة – لأن الاستكبار ينافي حقيقة الإسلام وهو الاستسلام لله بالطاعة والانقياد له بالتوحيد والخلوص من الشرك.
أما الممتنع دون استكبار فهذا ما سنبحثه في الصفحات التالية، مع بيان الفرق بين الفرد والطائفة في ذلك.

حكم من امتنع عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة
وسيكون الكلام عن هذه المسألة من خلال ثلاثة أمور:
الأمر الأول: كلام أهل العلم في وجوب قتال الطائفة الممتنعة وأدلتهم.
الأمر الثاني: هل يلزم من قتال الطائفة الممتنعة كفرها؟
الأمر الثالث: هل يفرق بين الطائفة والفرد فيما سبق.
أولاً: كلام أهل العلم في وجوب قتال الطائفة الممتنعة، وأدلتهم
هذه المسألة موضع إجماع بين أهل العلم، ولذلك نجد كلام الأئمة صريحاً فيها، ولعلنا نختار بعض النقولات الصريحة الدالة على المقصود.
1- بوب الإمام البخاري – رحمه الله – فقال: "باب قتل من أبى قبول الفرائض، وما نسبوا إلى الردة" ثم ساق قصة أبي بكر رضي الله عنه، مع أهل الردة وما نعي الزكاة، وجاء في الحديث ما يلي: "لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب قال عمر: يا أبا بكر كيف نقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله"، قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق" )[218].
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في تعليقه على هذا الحديث: "قوله: باب قتل من أبى قبول الفرائض أي جواز )[219] ( قتل من امتنع من التزام الأحكام الواجبة، والعمل بها... قال مالك في الموطأ: الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقا عليهم جهاده، قال ابن بطال: مراده إذا أقر بوجوبها لا خلاف في ذلك وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – "قوله: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة).. والمراد بالفرق من أقر بالصلاة وأنكر الزكاة جاحداً أو مانعاً مع الاعتراف وإنما أطلق في أول القصة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حق من جحد حقيقة وفي حق الآخرين مجاز تغليباً..." )[220] (.
2- وقال الإمام ابن العربي المالكي في تعليقه على قوله تعالى: [فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله] )[221] (: "فإن قيل: ذلك فيمن يستحل الربا، قلنا: نعم، وفيمن فعله، (أي وإن لم يستحل)، فقد اتفقت الأمة على أن من يفعل المعصية يحارب، كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا، وعلى ترك الجمعة والجماعة" )[222] (.
3- وقال الإمام ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -: "الأذان مشروع للصلوات الخمس دون غيرها، وهو من فروض الكفاية لأنه من شعائر الإسلام الظاهرة فلم يجز تعطيله، كالجهاد، فإن اتفق أهل بلد على تركه قوتلوا عليه" )[223] (. وقال عن صلاة العيدين بعدما ذكر أنها فرض كفاية: "فإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام لتركهم شعائر الإسلام الظاهرة فأشبه تركهم الأذان" )[224] (، فإذا كان الإمام ابن قدامة يرى المقاتلة على ترك فروض الكفاية، فكيف بترك فروض العيان؟
4- وقال الإمام الشيرازي في المهذب عن حكم الأذان والإقامة: "وهما سنتان، ومن أصحابنا من قال: هما فرض من فروض الكفاية، فإن اتفق أهل بلد أو أهل صقع على تركها قوتلوا عليه لأنه من شعائر الإسلام فلا يجوز تعطيله... " قال الإمام النووي في شرحه: "... قال أصحابنا: فإن قلنا فرض كفاية فاتفق أهل بلد أو قرية على تركه وطولبوا به فامتنعوا وجب قتالهم كما يقاتلون على ترك غيره من فروض الكفاية وإن قلنا: هو سنة فتركوه فهل يقاتلون؟ فيه وجهان" ثم ذكر هذين الوجهين )[225] (.
وذكر الإمام النووي – رحمه الله – بعض الفوائد من حديث "أمرت أن أقاتل الناس..." فقال: " وفيه وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصلاة أو غيرها من واجبات الإسلام قليلاً كان أو كثيراً لقوله رضي الله عنه: لو منعوني عقالاً أو عناقاً")[226](.
5- أما شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – فقد تكلم عن هذه المسألة ونقل الإجماع عليها في مواضع وخاصة عند كلامه عن التتار وحكم الله فيهم، ومما قاله – رحمه الله -: "... أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها، حتى يكون الدين كله لله، فلو قالوا: نصلي ولا نزكي، أو نصلي الخمس ولا نصلي الجمعة ولا الجماعة، أو نقوم بمباني الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم، أو لا نترك الربا ولا الخمر ولا الميسر، أو نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه، أو نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين، وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة، أو قالوا لا نجاهد الكفار مع المسلمين، أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، وما عليه جماعة المسلمين، فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعاً، كما جاهد المسلمون مانعي الزكاة، وجاهدوا الخوارج وأصنافهم وجاهدوا الخرمية والقرامطة والباطنية )[227] ( وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام، وذلك لأن الله تعالى يقول في كتابه: [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله] )[228]، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله، وقال تعالى: [فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم] )[229] (. فلم يأمر بتخلية سبيلهم إلا بعد التوبة من جميع أنواع الكفر، وبعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله] )[230] (، فقد أخبر تعالى أن الطائفة الممتنعة إذا لم تنته عن الربا فقد حاربت الله ورسوله، والربا آخر ما حرم الله في القرآن، فما حرمه قلبه أوكد، وقال تعالى: [إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض] )[231] (، فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فساداً، ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وأهل القبلة، حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد أخذ الأموال، وجعلوهم بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فساداً، وإن كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه، ويقرون بالإيمان بالله ورسوله..." )[232] (.
وقال عندما سئل عن التتار وحكم قتالهم: "الحمد لله، كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما، فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام، وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج كما ذكر الإمام أحمد وغيره )[233] (، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم" فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب، فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته – التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها – التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر، والأذان والإقامة – عند من لا يقول بوجوبها – ونحو ذلك من الشعائر، هل تقات-ل الطائف--ة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها..." )[234] (.
6- وقال الإمام ابن رجب – رحمه الله - في شرح حديث أمرت أن أقاتل الناس: "فإن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ويصير بذلك مسلماً، فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وإن أخل بشيء من هذه الأركان، فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا... وما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة من القرآن، قوله تعالى: [فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم] )[235] (..." )[236] (.
وبهذه النقولات عن الأئمة يمكن أن نستنتج من كلامهم ما يلي:
إجماع العلماء على وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، واستندوا في ذلك على عدة أدلة ومنها:
1- قتال الصحابة لمانعي الزكاة.
2- أحاديث الأمر بقتال الخوارج.
3- قوله عز وجل فيمن لا يتوب من أكل الربا [فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله].
4- آية الحرابة.
5- قوله عز وجل: [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله].
6- وقوله عز وجل: [فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم] وغير ذلك من الأدلة.

ثانياً: هل يلزم من قتال الطائفة الممتنعة كفرها؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمنهم من جعل قتال الطائفة الممتنعة بمنزلة قتال البغاة، ومنهم من جعل قتال الممتنعة ومنهم مانعي الزكاة، والخوارج بمنزلة المرتدين. قال شيخ الإسلام في حكاية الخلاف: (...ولهذا كان فيهم (أي الخوارج) وجهان في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: أنهم بغاة، الثاني: أنهم كفار كالمرتدين، يجوز قتلهم ابتداءًا، وقتل أسيرهم، واتباع مدبرهم، ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل: كما أن مذهبه في مانعي الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها؟ على روايتين" )[237] (.
وقال أيضاً: ".... وكذلك مانعو الزكاة، فإن الصديق والصحابة ابتداؤا قتالهم، قال الصديق: والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجوب، ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها وقاتل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالرويتين عنه في تكفير الخوارج، وأما أهل البغي المجرد فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين، فإن القرآن قد نص على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي والله أعلم" )[238] (.
وشيخ الإسلام – رحمه الله يرجع تكفير الممتنع عن الشرائع الظاهرة المتواترة إذا كانوا طائفة وقاتلوا الإمام على ذلك. قال – رحمه الله -: "وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة، فهل يجوز اتباع مدبرهم، وقتل أسيرهم، والإجهاز على جريحهم؟ على قولين للعلماء مشهورين، والصواب أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين، فإن هؤلاء ليس لهم تأويل سائغ أصلاً، وإنما هم من جنس الخوارج المارقين ومانعي الزكاة، وأهل الطائف، والخزمية، ونحوهم ممن قاتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام، وهذا موضع اشتبه فيه على كثير من الناس من الفقهاء، فإن المصنفين في قتال أهل البغي جعلوا قتال مانعي الزكاة، وقتال الخوارج، وقتال علي لأهل البصرة، وقتاله لمعاوية وأتباعه، من قتال أهل البغي وذلك كله مأمور به، وفرعوا مسائل ذلك تفريع من يرى ذلك بين الناس، وقد غلطوا، بل الصواب ما عليه أئمة الحديث والسنة وأهل المدينة، كالأوزاعي، والثوري، ومالك، وأحمد بن حنبل وغيرهم: أنه يفرق بين هذا وهذا، فقتال علي للخوارج ثابت بالنصوص الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين، وأما القتال يوم صفين ونحوه فلم يتفق عليه الصحابة، بل صد عنه أكابر الصحابة، مثل سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر وغيرهم... إلى أن يقول: فالفتن مثل الحروب التي تكون بين ملوك المسلمين، وطوائف المسلمين، مع أن كل واحد من الطائفين ملتزمة لشرائع الإسلام مثل ما كان من أهل الجمل وصفين، وإنما اقتتلوا لشبه وأمور عرضت، وأما قتال الخوارج ومانعي الزكاة، وأهل الطائف الذين لم يكونوا يحرمون الربا، فهؤلاء يقاتلون حتى يدخلوا في الشرائع الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء إذا كان لهم طائفة ممتنعة، فلا ريب أنه قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، فإن هؤلاء إذا كانوا مقيمين ببلادهم على ما هم عليه، فإنه يجب على المسلمين أن يقصدوهم في بلادهم لقتالهم، حتى يكون الدين كله لله... ")[239]( وقال في نص فيه التصريح بردة الممتنعين: "وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس، ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن له شبهة سائغة، فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها، وإن أقروا بالوجوب...." )[240] (.
ومن النصوص الصريحة لشيخ الإسلام قوله عن مانعي الزكاة: "والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد من الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر – رضي الله عنها -: والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم على منعها. فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد وجوبها، وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة وهي قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار وسموه جميعاً أهل الردة... " )[241](.

ثالثا: الفرق بين الطائفة والفرد
هذا حكم الممتنعين عن شرائع الإسلام إذا كانوا طائفة ممتنعة، أما إذا كان الممتنع فرداً فالصحيح أنه لا يكفر، ولا يقتل إلا إذا أصر على ترك الصلاة فيقتل كفراً – على الصحيح – كما بينا سابقاً عند الكلام عن الإعراض لأن إصراره على الترك حتى يقتل يدل على عدم اعتقاده لوجوبها، وهذا الحالة تختلف عن الترك كسلاً وتهاوناً، أما إذا أصر على منع الزكاة، فيؤخذ منه قهراً كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ومعاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعطى زكاة ماله مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإما آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء" )[242] (، قال ابن الأثير في معنى (عزمة من عزمات ربنا) مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ذلك عزمه، والعزم ضد الرخصة وهي ما يجب فعله")[243](، أما من رأى قتل مانع الزكاة إذا كان فرداً فقد استدل بحديث ابن عمر السابق "أمرت أن أقاتل الناس.." الحديث قال ابن رجب – رحمه الله -: "... وأما قتل الواحد الممتنع عنها، فأكثر العلماء على أنه يقتل الممتنع عن الصلاة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم... وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة ففيه قولان لمن قال يقتل الممتنع من فعل الصلاة: أحدهما: يقتل أيضاً وهو المشهور عن أحمد – رحمه الله – ويستدل له بحديث ابن عمر هذا، والثاني:
لا يقتل وهو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية..." )[244] (.
وأجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الاستدلال بأن هناك فرقاً بين القتل والمقاتلة "والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهراً، بخلاف الصلاة، فإذا انتهى إلى نصب القتال ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة، ولم ينقل أنه قتل أحداً منهم صبراً، وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة )[245] ( نظر، للفرق بين صيغة أقاتل وأقتل والله أعلم" )[246] (، إذاً القتال أوسع من القتل "كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة، وإن كان أحدهم إذا قدر عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله ورسوله به")[247](.
مما سبق نستنتج: أن الفرد الممتنع عن الشرائع، والزكاة خاصة يلزم بها وتؤخذ منه بالقوة ولا يكفر – على الصحيح – إلا ما ذكرنا في ترك الصلاة، ويرى شيخ الإسلام – رحمه الله – جواز قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج، والرافضة ونحوهم ممن فيه فساد، إذا لم يندفع فساده إلا بالقتل، ولكن لا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول، أو كان في قتله مفسدة راجحة )[248] (

5- الشرك الأكبر بعمل القلب كالمحبة والارادة والقصد
سبق وأن أشرنا إلى أنواع التوحيد، وأنواع الشرك الأكبر، وذكرنا أن من أعظم أنواع التوحيد، توحيد الألوهية أو توحيد العبادة.
ثم ذكرنا أنواع الشرك الأكبر، ومن أعظمها الشرك في الألوهية، وهذا النوع هو موضوع بحثنا هنا لتعلقه بعمل القلب.
أ- تعريفه، وأنواعه:
إذا عرفنا توحيد الألوهية فهمنا ضده وهو الشرك في الألوهية ولذلك سنذكر بتوحيد الألوهية أولاً، ثم نعرف الشرك فيه.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – في تعريفه "توحيد الألوهية هو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه، وهو توحيد الله بأفعال العباد، كالدعاء، والرجاء، والخوف، والخشية، والاستغاثة، والاستعاذة، والمحبة، والإنابة، والنذر، والذبح والرغبة، والرهبة، والخشوع، والتذلل والتعظيم")[249](.
ويسمى توحيد العبادة (والعبادة أصل معناها: الذل ، يقال طريق معبد، إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل، ومعنى الحب: فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى، بغاية المحبة له ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى ")[250](، فإذا فهمنا أن توحيد العبادة صرف أنواع العبادة لله عز وجل، فالشرك في العبادة أن يصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، أو يشبه المخلوق بالخالق في المحبة والتعظيم والتوكل والدعاء . الخ، يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله – شارحاً ذلك: " فالشرك تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء، والتوكل عليه وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق . ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده التعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب فمن جعل شيئاً من ذلك لغيره تعالى فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا ند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره" )[251] (.
ويقول الإمام الصنعاني في إيضاح ذلك: " فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده واللجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات ، ومن فعل ذلك لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره، فهذا شرك في العبادة" )[252] (
ويلخص الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله – تعريف الشرك بعبارة موجزة فيقول: " إن حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله، فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع، فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر فعليك بهذا الضابط للشرك الأكبر الذي لا يشذ عنه شيء" )[253] (.
من كل ما سبق يمكن أن نلخص حد الشرك في الألوهية بأنه "صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله عز وجل ". أما أنواع الشرك في العبادة فهي كثيرة حصرها بعض أهل العلم بأربعة أنواع وهي: )[254] (.
1- شرك الدعوة (الدعاء).
2- شرك النية والإرادة والقصد.
3- شرك الطاعة.
4- شرك المحبة.
وهذه الأنواع ترجع إلى نوعين:
الأول: شرك في الاعتقاد وهو هنا عمل القلب.
والثاني: شرك في الأقوال والأعمال، وهذا في الحقيقة يرجع إلى عمل القلب كما سنعرف بعد قليل، وسيقتصر حديثنا على شرك النية والإرادة، وشرك المحبة لتعلقهما بموضوع بحثنا، وهو الشرك الأكبر بعمل القلب ولرجوع غالب أنواع الشرك إليهما.

أولا: شرك النية والارادة والقصد
أ- أهمية إخلاص النية والارادة والقصد لله عز وجل
تواترت نصوص الكتاب والسنة في الحث على إخلاص النية والقصد لله عز وجل في جميع الأقوال والأعمال، والتحذير مما يخالف ذلك من الشرك والرياء وغيره، ولذلك سمي توحيد الألوهية بتوحيد الإرادة والقصد والطلب، وهذا هو حقيقة العبودية لله عز وجل، قال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين")[255]( قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في تفسيرها: " يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه إنه مخالف لهم في ذلك فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: " فصل لربك وانحر" )[256] ( أي أخلص له صلاتك وذبحك فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى")[257](، وقال عز وجل: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً" )[258] (، وقال سبحانه: "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار حبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون" )[259] (، ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – هذه الآية تحت "باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا" وعلق الشيخ عبد الرحمن بن حسن على ذلك قائلاً:" أراد المصنف – رحمه الله – بهذه الترجمة وما بعدها أن العمل لأجل الدنيا شرك ينافي كمال التوحيد الواجب، ويحبط الأعمال، وهو أعظم من الرياء، لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه والمؤمن يكون حذراً من هذا وهذا" )[260] (.
وقال تبارك وتعالى: [ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً] )[261] (، وقال سبحانه: [وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة] )[262] ( وقال سبحانه: [إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص] )[263] (، إلى غير ذلك من الآيات، أما الأحاديث فهي كثيرة أيضاً ومنها:
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – مرفوعاً: " قال الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك مع-ي غيري تركته وشركه" )[264] (، وعن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ قال: "لا شيء له"، فأعادها ثلاثاً كل ذلك يقول: لاشيء له، ثم قال رس-ول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه" )[265] (.
والإخلاص شرط من شروط لا إله إلا الله )[266] (، وقال صلى الله عليه وسلم: "أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" )[267] (، وقال أيضاً: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله عز وجل" )[268] (، قال الإمام ابن رجب – رحمه الله – موضحاً أهمية الإخلاص في قول لا إله إلا الله: "أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له، وإجلالاً، ومحبة وخوفاً ورجاءاً وتوكلاً عليه، وسؤالاً من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحاً في إخلاصه في قوله: لا إله إلا الله، ونقصاً في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه، أو التوكل عليه والعمل لأجله، كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله، وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه، وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة، مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان وكذا قوله: مالي إلا الله وأنت ")[269](.
ونختم هذه الفقرة بالإشارة إلى حديث عظيم عده كثير من أهل العلم من أصول الإسلام، فيه بيان لأهمية النية، وحاجة جميع الأعمال إليها.
عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه")[270](، فالنية في اللغة القصد والعزم والإرادة )[271] (، وذلك أصل عمل القلب ولابد منه في كل عمل من أعمال القلب أو الجوارح، فإذا كان قصده في عمله وجه الله أثيب وإن كان غير ذلك عوقب، وإنما لكل امريء ما نوى.
والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:
أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة عن صلاة العصر مثلاً / تمييز رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات عن العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله وغيره، وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيراً في كلام السلف المتقدمين . وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي صلى الله عليه وسلم تارة بلفظ النية وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك، وقد جاء ذكرها كثيراً في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية أيضاً من الألفاظ المقاربة له ، ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيراً كما في قوله تعالى: [منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة] )[272] (، وقوله عز وجل: [تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة] )[273] (، وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء كما في قوله تعالى: [والذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم] )[274] ( ") [275] (.

ب- ما يضاد إخلاص النية والارادة والقصد
"والإخلاص يضاده الإشراك فمن ليس مخلصاً، فهو مشرك، إلا أن الشرك درجات، وقد جرى العرف على تخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب، فإذا امتزج قص-د التقرب بباعث آخر من رياء أو غيره من حظوظ النفس فقد خرج عن الإخلاص")[276](.
إذا ينافي إخلاص النية والقصد لله عز وجل الشرك في النيات والإرادات، يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله -: "وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئاً غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعال وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التي أمر الله تعالى بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) )[277] (.. )[278] (.
لكن الشرك في النية والإرادة درجات، قد يكون شركاً أكبر وقد يكون دون ذلك، يقول الإمام ابن رجب – رحمه الله – موضحاً ذلك: (وأعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضاً بحيث لا يراد سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله عز وجل: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً) )[279] (وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضاً وحبوطه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يقول الله تبارك وتعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) ، وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره، فإن كان خاطراً ودفعه فلا يضره بلا خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازي على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازي بنيته الأولى )[280]، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، فأما إذا عمل العمل لله خالصاً ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير يحمده الناس عليه فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" )[281] ( " )[282] (.
ولخص ذلك الشيخ حافظ حكمي بعبارة أسهل أنقل بعضها، قال – رحمه الله -: "ثم اعلم أن الرياء قد أطلق في كتاب الله كثيراً، ويراد به النفاق الذي هو أعظم الكفر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار كما قال تعالى: [كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ] الآية )[283] ( وقال تعالى: [والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قرينا] )[284] ( والفرق بين هذا الرياء الذي هو النفاق الأكبر وبين الرياء الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم شركاً أصغر خفياً هو حديث "الأعمال بالنيات" فإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله والدار الآخرة وسلم من الرياء في فعله، وكان موافقاً للشرع فذلك العمل الصالح المقبول، وإن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله عز وجل فذلك النفاق الأكبر، سواء في ذلك من يريد به جاهاً ورئاسة وطلب دنيا، ومن يريد حقن دمه وعصمة ماله وغير ذلك، فهذان ضدان ينافي أحدهما الآخر لا محالة وإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله عز وجل والدار الآخرة، ولكن دخل عليه الرياء في تزيينه وتحسينه فذلك هو الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر،... وهذا لا يخرج من الملة، ولكنه ينقص من العمل بقدره، وقد يغلب على العمل فيحبطه كله والعياذ بالله" )[285] (، خلاصة ما سبق في شرك النية والإرادة والقصد: أن من أراد بعمله غير الله عز وجل فذلك شرك أكبر، وإن أراد بالعمل وجه الله عز وجل ولكن دخل عليه الرياء في أصله فقد حبط العمل وهذا هو الشرك الأصغر، أما إن طرأت عليه نية الرياء فقد نقص أجر عمله بحسب ذلك، ولنضرب لذلك مثالاً واحداً يتضح من خلاله المقصود. عبادة النسك والذبح يجب أن تكون خالصة لله سبحانه، فمن قصد بذبحه غير الله فقد أشرك الشرك الكبر، ومن قصد الله عز وجل، ولكن دخل الرياء في أصل نيته فقد بطل أجر هذا العمل، وإن طرأ الرياء عليه، فقد نقص من أجره بحسب ذلك، وهذا يرد على جميع العبادات من الأقوال والأفعال فالشرك فيها بحسب النية والقصد، وبذلك ندرك خطورة الشرك في ذلك، وضرورة توقيه.

ثانياً: شرك المحبة
أ- أهمية المحبة
محبة الله عز وجل أصل كل عمل من أعمال الدين، والمحبة شرط من شروط لا إله إلا الله عز وجل )[286]، فلابد من إخلاص المحبة لله عز وجل فلا يكون له شريك في الحب، ومن عبد غير الله فأصل عبادته من المحبة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان أهمية المحبة ومنزلتها في الدين: "وأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة، فهو أصل كل فعل ومبدؤه، كما أن البغض والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته، فهو أصل كل ترك . ولهذا كان رأس الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وكان من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان، فالمحبة والإرادة أصل في وجود البغض والكراهة، والأصل في زوال البغيض المكروه، فلا يوجد البغض إلا لمحبة، ولا يزول البغيض إلا لمحبة، . وإذا كان كذلك فأصل المحبة المحمودة، التي أمر الله بها، وخلق الخلق لأجلها، هي ما في عبادته وحده لا شريك له، إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل . فأهل التوحيد الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له، لا يبقى منهم في العذاب أحد، والذين اتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كحبه، وعبدوا غيره، هم أهل الشرك، الذين قال الله تعالى فيهم: [إن الله لا يغفر أن يشرك به] )[287] ( وجماع القرآن هو الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن هذه المحبات ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص أهل النوعين" )[288] (.
ويقول أيضاً: "وإذا كانت المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة، وأعظمها في الحق محبة الله وإرادته بعبادته وحده لا شريك له، وأعظمها في الباطل أن يتخذ الناس من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، ويجعلون له عدلاً وشريكاً، عُلم أن المحبة والإرادة أصل كل دين، سواء كان ديناً صالحاً أو ديناً فاسداً، فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة والإرادة أصل ذلك كله" ([289]( وبين – رحمه الله – أن المحبة "أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين" )[290] ( ثم يبين بعد ذلك ارتباط المحبة بأعمال القلب الأخرى فقال: "وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني، فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب، قال تعالى: [ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه" )[291] (……. " )[292] (.
وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله – مبيناً أن المحبة هي حقيقة الإسلام والعبودية: " فلو بطلت المحبة، لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولتعطلت منازل السير إلى الله، فإنها روح كل مقام فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه، ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها، بل هي حقيقة الإخلاص، بل هي نفس الإسلام، فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله، فمن لا محبه له لا إسلام له البتة، بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً، وخوفاً ورجاءاً وتعظيماً وطاعة له، بمعنى مألوه وهو الذي تألهه القلوب، أي تحبه وتذل له، وأصل التأله التعبد، والتعبد آخر مراتب الحب، يقال: عبده الحب، تيمه: إذا ملكه وذلله لمحبوبه .." )[293] (.
وبذلك ندرك أهمية محبة الله ورسوله، وأن ذلك من أعظم أعمال القلب، بل هو أصل كل عمل من أعمال القلب أو الجوارح، لكن للمحبة علامات وشروط لا يتصور وجود المحبة مع عدمها، وتتلخص هذه العلامات بما يلي:
1- المحبة تستلزم فعل المحبوبات لله عز وجل من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
2- ومحبة الله عز وجل تستلزم محبة أوليائه وبغض أعدائه.
3- وتستلزم أيضاً اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: [قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم] )[294] (.
يقول شيخ الإسلام – رحمه الله – مبيناً ذلك: "فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته على حب ما يحب، وبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الكفر والفسوق والعصيان، ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات، فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات، فإذا كان العبد قادراً عليها حصلها، وإن كان عاجزاً عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك، كان له أجر كأجر الفاعل . وإذا تبين هذا، فكلما ازداد القلب حباً له (ازداد له) )[295] ( عبودية، وكلما ازداد له عبودية، ازداد له حباً وفضله عما سواه" )[296] (، ويقول مبيناً التضاد بين موادة أعداء الله عز وجل والمحبة التامة. " .. وأما موادة عدوه فإنها تنافي المحبة، قال تعالى: [لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه] )[297] ( فأخبر أن المؤمن – الذي لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما في الحديث المتفق عليه: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" )[298] ( - لا تجده مواداً لمن حاد الله ورسوله، فإن هذا جمع بين ضدين لا يجتمعان، ومحبوب لله ومحبوب معاديه لا يجتمعان وهذا الذي ذكرناه أمر يجده الإنسان من نفسه ويحسه: أنه إذا أحب الشيء لم يحب ضده، بل يبغضه، فلا يتصور اجتماع إرادتين تامتين للضدين، لكن قد يكون في القلب نوع محبة، وإرادة لشيء، ونوع محبة وإراده لضده، فهذا كثير، بل هو غالب على بني آدم، لكن لا يكون واحد منهما تاماً" )[299] (.
ويلخص الشيخ حافظ حكمي – رحمه الله – شروط وعلامات المحبة، فيقول: "وعلامة حب العبد ربه تقديم محابة وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره وقبول هداه، وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها ")[300](.

ب- ما يضاد المحبة (شرك المحبة):
لما كانت المحبة أصل كل عمل من أعمال القلب والجوارح، كان الإشراك في المحبة، أصل كل إشراك عملي )[301] (، فأصل الشرك في المشركين هو اتخاذهم أنداداً يحبونهم كحب الله )[302] (.
قال تعالى: [ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله] )[303] (.
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، ومالهم في الدار الآخرة حيث جعلوا له انداداً أي أمثالاً ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه وهو الله لا إله إلا هو ولا ضد له ولا ند له ولا شريك معه، وفي الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" )[304] (، وقوله: [والذين آمنوا أشد حباً لله] ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له لا يشركون به شيئاً بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه ويلجأون في جميع أمورهم إليه" )[305] (، قال الإمام ابن القيم – رحمه الله – في تعريف هذا الشرك: "الشرك بالله في المحبة والتعظيم بأن يحب مخلوقاً كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: [ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً . ] الآية وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم، وقد جمعتهم الجحيم: [تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين] )[306] ( ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والمل-ك، والقدرة، وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل . " )[307] (.
وقال الإمام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله -: "ومن الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: آية البقرة في الكفار الذين قال الله تعالى فيهم: [وما هم بخارجين من النار] )[308] ( وذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً، فلم يدخلوا في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟ " )[309] (.
ولو طبقنا ما سبق على الشرك العملي المتعلق بعمل الجوارح من مثل دعاء الأموات والاستغاثة بهم، أو إيجاب طاعة غير الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، لوجدنا أن ذلك يرجع في الحقيقة إلى الإشراك في المحبة، يقول شيخ الإسلام رحمه الله في ذلك: "فمن رغب إلى غير الله في قضاء حاجة أو تفريج كربة، لزم أن يكون محباً له، ومحبته هي الأصل في ذلك " )[310] (.
ويقول أيضاً: " ……….. فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، وإن خالف أمر الله ورسوله فقد جعله نداً، وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح، يدعوه ويستغيث به، ويوالي أولياءه، ويعادي أعداءه مع إيجابه طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه ويحلله ويحرمه، ويقيمه مقام الله ورسوله فهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه في قول-ه تعالى: [ومن الناس من يتخ-ذ من دون الله أنداداً يحبونه-م كح-ب الله والذي-ن آمنوا أشد حباً لله] )[311] ( " )[312] (.
وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن في بيان ذلك: "فكل من اتخذ نداً لله يدعوه من دون الله ويرغب إليه ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته وتفريج كرباته كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام فلابد أن يعظموهم ويحبونهم لذلك، فإنهم أحبوهم مع الله وإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون لا إله إلا الله ويصلون ويصومون، فقد أشركوا في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره، فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه وكل عمل يعملونه، لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا لا إله إلا الله فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة" )[313] (، إذا يمكن أن نستخلص مما سبق ما يلي: أن الشرك بعمل الجوارح يرجع في الحقيقة إلى عمل القلب، فكما ذكرنا في شرك النية والقصد دخول ذلك في جميع العبادات إذا قصد بها غير الله، يمكن أن نقول هنا، إن صرف أي نوع من العبادات لغير الله (كالدعاء والطاعة)، هو في الأصل بسبب المحبة لذلك الغير فلابد، من إخلاص القصد والمحبة لله وحده، ومحبة غيره تبع لمحبته.



([1]) المعجم المفهرس 457، 458 .

([2]) لسان العرب 7/176، انظر المفردات للراغب الأصفهاني 330، مختار الصحاح 425، النهاية 3/209 .

([3]) لسان العرب 7/182 .

([4]) الإفصاح في فقه اللغة 1/195 .

(*) أيوب بن موسى الحسيني، الكوفي، أبو البقاء، ولد في كفا، بالقرم، ولي القضاء في القدس، من آثاره : (الكليات) توفي بالقدس سنة 1094 ه- انظر هدية العارفين 2291، ومعجم المؤلفين 3/31 .
([5]) سورة محمد، آية : 38 .

([6]) لسان العرب 15/415 .

([7]) سورة البقرة، آية :144 .

([8]) سورة آل عمران، آية : 144 .

([9]) سورة الغاشية، آية : 23 .

([10]) المفردات : 534، وانظر الكليات لأبي البقاء الكفوي 280.

([11]) الكليات : 28 .

([12]) سورة السجدة، آية : 22.

([13]) الجامع لأحكام القرآن 14/108 .

([14]) تفسير ابن كثير 3/91 .

([15]) فتح القدير 3/296 .

([16]) أضواء البيان 4/142 .

([17]) سورة الأنبياء، آية : 1 .

([18]) البحر المحيط 6/296 .

([19]) طه : 100

([20]) فتح القدير 3/385 .

(*) محمد بن يوسف بن علي بن حيان، أبو عبد الله الأندلسي، الغرناطي، الجياني، الشهير بأبي حيان، ولد سنة 654 ه- من كبار العلماء في التفسير والحديث وبرع في اللغة العربية وصار له السبق فيها، له مؤلفات من أشهرها :(البحر المحيط) في التفسير ويعتبر من أهم المراجع في علم القراءات، وقواعد النحو وتوفي سنة 745 ه-، انظر الدرر الكامنة 4/302، وفوات الوفيات 2/282، وغاية النهاية 2/285، وطبقات السبكي 6/31 .
([21]) سورة الأنبياء، آية :34 .

([22]) البحر المحيط 6/306، وانظر فتح القدير 3/403 .

([23]) سورة الجن، آية :17 .

([24]) الجامع لأحكام القرآن 19/19، وانظر 14/108 .

([25]) سورة البقرة، آية : 83 .

([26]) تفسير الطبري (شاكر)، 2/299 .

([27]) تفسير الطبري 2/299 .

([28]) سورة آل عمران، آية : 23 .

([29]) تفسير الطبري 6/291 .

([30]) سورة البقرة، آية : 64 .

([31]) تفسير الطبري 2/162، وانظر 3/115، 6/477، 483، 8/562 .

([32]) سورة المائدة، آية : 43 .

([33]) تفسير الطبري 10/336، وانظر 10/392، 575 .

([34]) نفسه 10/337 .

([35]) الفتح : 16 .

([36]) سورة الليل، آية : 15 ،16 .

([37]) سورة القيامة، آية : 31، 32 .

([38]) الإيمان 56 .

([39]) نفسه 137 .

([40]) الإيمان الأوسط 154 .

([41]) هناك فرق بين الامتناع المتعلق بنوع من الاتفاق أو التحصن كامتناع الطائفة، وبين امتناع الفرد (كما سيأتي بيانه إن شاء الله) .

([42]) مدارج السالكين 1/366، 367، انظر مفتاح دار السعادة، 94 .

([43]) طريق الهجرتين 384، انظر ما قبلها ،وانظر مفتاح دار السعادة ص 44، إرشاد الطالب 12، 13 .

([44]) التسعينية 5/166 .

([45]) سورة السجدة، آية : 22 .

([46]) الرسائل الشخصية 214 .

([47]) سورة الأعراف، آية : 179 .

([48]) سورة طه، آية : 124 .

([49]) منهاج أهل الحق والاتباع للشيخ سليمان بن سحمان 64، 65، وانظر منهاج التأسيس والتقديس للشيخ عبد اللطيف 227، 228.

([50]) سورة النور، آية : 47-51 .

([51]) الصارم المسلول 39 .

([52]) سورة النساء آية : 61 .

([53]) مختصر الصواعق المرسلة 3/353، انظر تيسير العزيز الحميد 557، وانظر ما سبق من تفسير الإمام الطبري للآيات حول هذا الموضوع .

(*) انظر بحثاً موسعاً حول ترك العمل والتولي عن الطاعة في رسالة (ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي 472-514 للشيخ سفر الحوالي .
([54]) الإيمان لابن تيمية 197 .

([55]) في الأصل : إذا ولعل الصحيح ما أثبتناه لتناسبه مع السياق .

([56]) سورة البينة، آية : 5.

([57]) في الأصل : على .

([58]) الإيمان لابن تيمية 197 .
(*) أبو ثور هو : إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، أبو ثور، الإمام الحافظ الحجة المجتهد مفتي العراق ولد في حدود سنة 170 وسمع من سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وأبي عبد الله الشافعي وغيرهم، حدث عنه : أبو داود وابن ماجه وأبو القاسم البغوي وغيرهم، قال النسائي : ثقة مأمون، أحد الفقهاء، وقال أبو حاتم بن حيان : كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وورعاً وفضلاً صنف الكتب وفرع على السنن وذب عنها- رحمه الله تعالى – مات في صفر سنة 240 ه-، انظر ترجمته : تاريخ بغداد 6/65 ،وسير أعلام النبلاء 12/72، طبقات الشافعية للسبكي 2/74 .

([59]) زيادة يقتضيها السياق .

([60]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 4/850، 851 .

([61]) السنة لعبد الله بن أحمد 1/347، 348 .
(*) أبو طالب المكي : هو : محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي أبو طالب الإمام الزاهد، صاحب كتاب : قوت القلوب، وروى عن : أبي بكر الآجري وأبي خلاد النصيبي وعلي بن أحمد المصيصي وعنه : عبد العزيز الازجي، قال الخطيب : حدثني العتيقي والأزهر أنه كان مجتهداً في العبادة، وقال لي أبو طاهر العلاف وعظ أبو طالب ببغداد وخلط في كلامه ..انظر تاريخ بغداد 3/89، المنتظم لابن الجوزي 7/189، البداية والنهاية لابن كثير 11/319، سير أعلام النبلاء 16/536 .

([62]) ما بين المعكوفتين ليس من كلام الإمام، وإنما أضفتها لإيضاح المعنى .

([63]) سورة الأنبياء، آية : 94 .

([64]) سورة طه، آية : 75.

([65]) انظر النص بتمامه في الإيمان لشيخ الإسلام 316 –319 .

([66]) مجموع الفتاوي 7/609

([67]) مجموع الفتاوى 7/611، وانظر 621 .

([68]) نفسه 7/218 .

([69]) مجموع الفتاوى 7/621 .

([70]) إرشاد إلى دليل المسائل للشوكاني ص 33 .

([71]) مجموع الفتاوى 7/610، 611، وانظر في نفس الجزء 302، 303، 20/96، 97 .

([72]) سيأتي تخريجه عند الكلام عن امتناع الفرد. ص486 .

([73]) رواه مسلم في كتاب الزكاة (باب إثم مانع الزكاة) 2/رقم 987 .

([74]) سورة النساء، آية : 48 .

([75]) تعظيم قدر الصلاة 2/1015 .

([76]) تعظيم قدر الصلاة 2/1016 .

([77]) في رسالة الأخ عبد العزيز العبد اللطيف للدكتوراة والتي بعنوان (نواقض الإيمان القولية والعملية)، مبحث مستقل حول هذه المسألة، وانظر التمهيد لابن عبد البر 4/225-242 والمجموع 3/12-19، والإبانة لابن بطة 2/669-684، والمغني 2/442-447، ومشكل الآثار 4/222-228، وتعظيم قدر الصلاة للمروزي 2/873 –791، والصلاة لابن القيم 13-33 ونيل الأوطار 1/340 ،348، وأضواء البيان 4/310 – 322، ورسالة حكم تارك الصلاة للألباني .

([78]) المغني 1/444، 445 .

([79]) المجموع 3/17 .

([80]) تعظيم قدر الصلاة 2/936.

([81]) تعظيم قدر الصلاة 2/936 .

([82]) التمهيد لابن عبد البر 4/242 .

([83]) مجموع الفتاوى 7/219، وانظر نصاً مشابهاً في كتاب الصلاة لابن القيم 32 .

([84]) مجموع الفتاوى 1/615، 616، وانظر 22/47 – 49 .

([85]) نفسه 20/98 .

([86]) وذلك لا يكون إلا بسلطة شرعية، تقيم الحدود على تارك الصلاة، والتعزيرات على تارك غيرها، ليتبين حال المعين، وبذلك ندرك الخطورة حين غياب هذه السلطة، واللبس والضرر الكبير الحاصل بسبب ذلك في هذه المسألة وفي غيرها والله المستعان .

([87]) انظر رسالة (ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي) د. سفر الحوالي 459 –461 .

([88]) سورة المنافقون، آية : 4 .

([89]) طريق الهجرتين 374 .

([90]) تفسير ابن كثير 1/47 .

([91]) انظر في معنى النفاق لسان العرب 10/358 ،359، المفردات 502، النهاية 5/98، القاموس المحيط 3/286، شرح السنة النبوية للبغوي 1/71، 72، وتفسير القرطبي 1/195، وحاشية مختصر سنن أبي داود 7/52، 53 والمنافقون في القرآن الكريم، د .عبد العزيز الحميدي 13 .

([92]) المنافقون في القرآن ص 13 .

([93]) انظر عارضة الأحوذي 10/97 .

([94] ) انظر النهاية في غريب الحديث والأثر 5/98، ولسان العرب 10/359، الإيمان لابن تيمية 284 .

[95] ) سورة البقرة، آية : 10 .

([96] ) سورة المنافقون، آية :1 .

([97] ) الإيمان الأوسط 162، وانظر صفة النفاق للإمام الفريابي 29 .

([98] ) سورة البقرة، آية : 8 .

([99]) تفسير الطبري 1/268 .

([100] ) الإيمان الأوسط 13 .

([101] ) طريق الهجرتين 374 .

([102] ) سيأتي تخريجه .

([103]) عارضة الأحوذي 10/100، والمقصود بنفاق التكذيب أن يظهر الإيمان بلسانه أو فعله وهو مكذب بقلبه كالمنافقين على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- .

([104]) المصدر السابق .

([105]) تفسير ابن كثير 1/47 .

([106]) فتح الباري 1/89 .

([107]) مجموع الفتاوى 28/434، 435،

([108]) الإيمان الأوسط 66.

([109]) مدارج السالكين 1/376، وانظر في هذا التقسيم، الرياض الناظرة، للشيخ عبد الرحمن ابن سعدي، رحمه الله- ص 240، وجامع العلوم والحكم 403 .

([110]) رواه البخاري، كتاب الإيمان (باب علامة المنافق) رقم 33، الفتح 1/89، ومسلم كتاب الإيمان (باب بيان خصال المنافق) شرح النووي 2/46 .

([111]) رواه البخاري، كتاب الإيمان (باب علامة المنافق) رقم 34، الفتح 1/89، ومسلم كتاب الإيمان (باب بيان خصال المنافق) شرح النووي 2/46 .

([112]) شرح النووي على صحيح مسلم 2، 46، 47 .

([113]) شرح السنة 1/76، وجامع العلوم والحكم 407 .

([114]) فتح الباري 1/90 .

([115]) نفسه 1/91، وانظر أقوالا أخرى حول الحديث في نفسه الموضوع في شرح النووي، 2/46، 47، وحاشية مختصر المنذري 7/53، وشرح السنة 1/76، وجامع العلوم والحكم 406، وعارضة الأحوذي 10/98، 99 .

([116]) جامع العلوم والحكم 406 .

([117]) مجموع الفتاوى 28/436، ومسلم بشرح النووي 13/56 .

([118]) رواه مسلم (كتاب الإمارة) باب ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو عن أبي هريرة رقم 1910، 1507 .

([119]) رواه البخاري "كتاب الأحكام" رقم 7178، والفتح 13/170، وانظر صور صورا أخرى لهذا النوع في جامع العلوم والحكم 406، 407، وشرح السنة 77 .

([120]) جامع العلوم والحكم، 408 .

([121]) رواه مسلم (كتاب التوبة) "باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الأرض .." رقم 2750 .

([122]) ابن أبي مليكة : عبدالله بن عبيد الله بن عبدالله بن أبي مليكة، بالتصغير، ابن عبدالله بن جدعان أبو بكر القرشي التيمي الإمام الحجة الحافظ، ولد في خلافة علي أو قبلها أدرك ثلاثين من الصحاب-ة وكان عالما مفتيا صاحب حديث وإتقان وثقة أبو زرعة وأبو حاتم / توفي =سنة 117، انظر لترجتمه : طبقات ابن سعد 5/473، تذكرة الحفاظ 1/101، وسير أعلام النبلاء 5/88 وتهذيب التهذيب 5/306 .

([123]) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (الفتح 1/109) .

([124]) فتح الباري 1/111، وانظر الإيمان لابن تيمية 409، وجامع العلوم والحكم 407.

([125]) جامع العلوم والحكم 403 .

([126]) سورة البقرة، آية : 8 .

([127]) سورة النساء، آية : 138 .

([128]) سورة النساء، آية : 145 .

([129]) سورة التوبة، آية : 68 .

([130]) سورة التوبة، آية : 73، 74 .

([131]) مجموع الفتاوى 28/434 .

([132]) الإيمان الأوسط 180 .

([133]) مجموعة التوحيد 7 .

([134]) الإيمان الأوسط 181، وانظر الإيمان 285 .

([135]) الصارم المسلول 561 .

([136]) سورة التوبة، آية : 58 .

([137]) رواه البخاري، كتاب استتابة المرتدين "باب من ترك قتال الخوارج للتألف" رقم 6933 (الفتح 12/290) .

([138]) سورة التوبة، آية : 61 .

([139]) سورة التوبة، آية : 61 .

([140]) سورة التوبة، آية : 63 .

([141]) الصارم المسلول : 38 .

([142]) فتح القدير 2/375 .

([143]) انظر الصارم المسلول 28، 34 .

([144]) نفسه 35 .

([145]) نفسه 521 .

([146]) النور 47، 48 .

([147]) تفسير ابن كثير 3/298، وانظر تفسير الطبري 18/15، زتفسير أبي السعود 4/134 .

([148]) الصارم المسلول 39 .

([149]) النساء : 60، 61 .

([150]) انظر تفسير ابن كثير 1/519 .

([151]) الصارم المسلول 38 .

([152]) المائدة : 51 ، 52 .

([153]) تفسير الطبري 10/398 .

([154]) نفسه 10/400.

([155]) نفسه 10/404، وأنظر تفسير القرطبي 6/216-218، تفسير ابن كثير 2/68،69 .

([156]) سورة النساء، آية : 138، 139 .

([157]) تفسير الطبري 9/319 .

([158]) انظر الولاء والبراء، د. محمد القحطاني 231 – 247 .

([159]) سورة آل عمران، آية : 28 .

([160]) تفسير الطبري 6/313 .

([161]) الرسائل الشخصية 213 .

([162]) تفسير كلام المنان 7/357، وانظر 2/304 .

([163]) سورة التوبة، آية : 50 .

([164]) فتح القدير 2/368، 369، وانظر تفسير الطبري 14/289 .

([165]) المحلى 11/205، 206 .

([166]) سورة آل عمران، آية : 120 .

([167]) تفسير ابن كثير 1/3399.

([168]) سورة التوبة، آية : 48 .

([169]) تفسير الطبري 14/283، وأنظر القدير 2/367 .

([170]) سورة الفتح، آية : 6 .

([171]) فتح القدير 5/45 .

([172]) مجموع الفتاوى 28/636، 637، وانظر 28/435 .

([173]) سورة البقرة، آية : 14 .

([174]) انظر تفسير البغوي 1/67، 68 .

([175]) نفسه 1/67 .

([176]) انظر الصارم المسلول 35، ولذلك تكلم الفقهاء عن "توبة الزنديق" وهو الذي يظهر منه أنه يكتم المنافق .

([177]) يقول شيخ الإسلام – رحمه الله – (الكفر نوعان : كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجرى (على المنافق أحكام المسلمين) الأوسط 122، 123 .

([178]) سورة التوبة، آية : 66.

([179]) سورة التوبة، آية : 74 .

([180]) أعلام السنة المنشور 149 .

([181]) معارج القبول 2/22 .

([182]) حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة، محمد عبد الهادي المصري 122 ،123 .

([183]) سورة البقرة، آية : 17 .

([184]) سورة البقرة، الآية : 8 .

([185]) سورة المنافقون، آية : 3 .

([186]) تفسير ابن كثير 1/53، وانظر تفسير الطبري 1/384 – 325، وقد أطال شيخ الإسلام في شرح هذا الأمر وتقريره، الإيمان 260 – 264 .

([187]) الإيمان 257، 258 .

([188]) التوبة : 66 .

([189]) الإيمان 260 .

([190]) الإيمان 266، 267 .

([191]) قاعدة في المحبة ص 7 .

([192]) سيأتي بحث شرك المحبة .

([193]) سورة محمد، آية : 9 .

([194]) انظر تفسير السعدي 7/67 .

([195]) سورة المؤمنون، آية : 7 .

([196]) سورة التوبة، آية : 54 .

([197]) سورة التوبة، آية : 81 .

([198]) انظر فتح القدير 2/388 .

([199]) انظر ص 453، 454 .

([200]) الصارم المسلول 524، وانظر مجموع الفتاوى 14/108، وقاعدة في الحبة 193 .

([201]) أي الشرك .

([202]) مجموعة الشيخ القسم الثالث ص62، وانظر الكلمات النافعة ص79 .

([203]) سورة البقرة، آية : 216 .

([204]) المفردات 429 .

([205]) تفسير البغوي 1/246 .

([206]) تفسير القرطبي 3/39 .

([207]) مدارج السالكين 2/182، 183 .

([208]) لا يلزم الترابط التام بين الإباء والاستكبار والامتناع في كل الأحوال، فقد يوجد إباء وامتناع دون استكبار، ولذلك سنبحث أولا الإباء والامتناع مع الاستكبار، ثم الإباء والامتناع بدون استكبار .

([209]) سورة البقرة، آية : 34 .

(([210]) سورة الحجر، آية : 39 .

([211]) سورة الحجر، آية 39 .

([212]) تعظيم قدر الصلاة للمروزي 1/394، 395 .

([213]) الإيمان الأوسط 76، وانظر الفتاوى 20/97، والعبودية 110 .

([214]) مدارج السالكين 1/366 .

([215]) الصارم المسلول 521 .

([216]) نفسه 522 .

([217]) معارج القبول 2/22، 23 .

([218]) فتح الباري 12/275، كتاب استتابة المرتدين، والمعاندين، وقتالهم رقم الحديث 6924، 6925 .

([219]) مراده بالجواز هنا أصل المشروعية، وليس الحكم، لأن قتال من أبى وامتنع واجب كما نقل رحمه الله عن الإمام مالك وكما سيأتي عن غيره .

([220]) فتح الباري 12/276 وكلام الإمام مالك في الموطأ 1/269 .

([221]) سورة البقرة، آية : 279 .

([222]) أحكام القرآن 2/596، وانظر تفسي القرطبي 3/364 .

([223]) الكافي 1/127 .

([224]) الكافي 1/384 .

([225]) المجموع شرح المهذب 3/79، 80 .

([226]) مسلم بشرح النووي 1/212 .

([227]) هذه أسماء طوائف من الفرق الباطنية، والباطنية لقب عام تنطوي تحته طوائف عديدة تلتقي جميعها في تأويل النصوص الظاهرة، وإثبات معان باطنة لها، وتلجأ إلى الاشارات والرموز في تفسير النصوص وإخراجها عن معانيها الظاهرة، مستهدفين بذلك هدم الدين وإبطال شعائر وأحكامه، انظر فضائح الباطنية للغزالي ص 11،12، والملل والنحل للشهرستاني 1/192، ودراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين د. أحمد جلي 265 وما بعدها .

([228]) سورة الأنفال، آية : 39 .

([229]) سورة التوبة، آية : 5 .

([230]) سورة البقرة، الآيات : 278، 279 .

([231]) سورة المائدة 33 .

([232]) مجموع الفتاوى 28/468 – 470 وانظر نصوصاً مشابهة 510 – 512، 556 – 557، السياسة الشرعية 101 – 102 .

([233]) انظر مجموع الفتاوى 3/279 والحديث عن الخوارج، رواه البخاري في عشرة مواضع، كتاب الأنبياء "باب قوله تعالى [وإلى عاد أخاهم هودا ..] وانظر أطرافه في نفس الموضع 6/376، وذكر هذه الطرق مفصلة الإمام مسلم، كتاب الزكاة : باب ذكر الخوارج وصفاتهم، باب التحريض على قتل الخوارج، وباب الخوارج شر الخلق والخليقة، صحيح مسلم 2/740 – 750 .

([234]) مجموع الفتاوي 28/502، 503، وانظر السياسة الشرعية 170 .

([235]) سورة التوبة، آية : 5 .

([236]) جامع العلوم والحكم 80 – 82، وقد ذكر الآيات التي ذكرها شيخ الإسلام رحمهما الله .

([237]) وانظر حكاية الخلاف في مذهب أحمد وغيره كتاب الروايتين والوجهين لأبي يعلى 1/221، 222 والمغني 2/574، 575 .

([238]) مجموع الفتاوى 35/57 .

([239]) مجموع الفتاوى 28/548 –551، وأنظر 513 – 516، 486، 487 .

([240]) نفسه 28/519، وأنظر ص 583، 504 فقد نص على أن هؤلاء خارجون عن الإسلام .

([241]) الدرر السنية 8/131 .

([242]) رواه أبو داود رقم 1575 في الزكاة، باب في زكاة السائمة، والنسائي 5/15، 16، في الزكاة، باب عقوبة مانع الزكاة، وأحمد في المسند 5/2، 4 وحسنة الأرناؤط، قال ابن الأثير "فإنا آخذوها وشرط ماله، قال الحربي : غلط الراوي في لفظ الرواية، وإنما هو وشطر ماله" يعني : أنه يجعل ماله شطرين، يتخير عليه المصدق، ويأخذ من خير الشطرين، عقوبة لمنعه الزكاة جامع الأصول 4/573 .

([243]) جامع الأصول 4/573، 574 .

([244]) جامع العلوم والحكم 82 .

([245]) إنما هناك استدلالات أخرى ليس هذا موضعها .

([246]) فتح الباري 1/76 .

([247]) مجموع الفتاوى 28/476 .

([248]) انظر مجموع الفتاوى 28/500 .

([249]) الدرر السنية 2/35 .

([250]) العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية 44 .

([251]) الجواب الكافي 201 .

([252]) تطهير الاعتقاد (ضمن مجموعة "عقيدة الموحدين" ) ص 127 .

([253]) القول السديد ص43 .

([254]) انظر مجموعة التوحيد ص5، الضياء الشارق 421 .

([255]) سورة الأنعام، آية : 163 .

([256]) سورة الكوثر، آية : 2 .

([257]) تفسير ابن كثير 2/198 .

([258]) سورة الكهف، آيه : 110 .

([259]) سورة هود، آية : 15 ،16 .

([260]) فتح المجيد 382 .

([261]) سورة الإسراء، آية : 18 .

([262]) سورة البينة، آية : 5 .

([263]) سورة الزمر، الآيات : 2،3 .

([264]) رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق باب من أشرك في عمله غير الله رقم 2985 .

([265]) أخرجه النسائي كتاب الجهاد 6/25 وأبو داود والطبراني رقم 7628، قال الحافظ في الفتح : إسناد جيد 6/28، وكذا قال ابن رجب جامع العلوم 14، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء 4/384 .

([266]) انظر معارج القبول 1/382 والجامع الفريد 356 .

([267]) رواه البخاري : كتاب العلم : باب الحرص على الحديث، الفتح 1/193 رقم 99 .

([268]) رواه مسلم : كتاب المساجد "باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر" 1/456 رقم 263 .

([269]) كلمة الاخلاص 23،24 .

([270]) رواه البخاري الفتح 16/9 رقم واحد، وانظر أطرافه في هذا الموضع، ومسلم (كتاب الامارة) رقم 1907 .

([271]) جامع العلوم والحكم 28، وانظر لسان العرب 15/347-349، والإفصاح في فقه اللغة 2/1342 .

([272]) سورة آل عمران، آيه : 152 .

([273] ) سورة الأنفال، آية : 67 .

([274]) سورة البقرة، آية : 265 .

([275]) جامع العلوم والحكم : 8 .

([276]) موعظة المؤمنين 427 .

([277]) سورة آل عمران، آية : 85 .

([278]) الجواب الكافي :200

([279] ) سورة النساء، آية : 142.

([280] ) الخلاف والله أعلم في قبول العمل أو بطلانه، وليس في النقصان والخلل الحاصل بسبب الاسترسال في الرياء .

([281]) رواه مسلم رقم 2642كتاب البر والصلة (باب إذا أثنى على الصالح .. )، وابن ماجه 4225، كتاب الزهد ( باب الثناء الحسن)، وأحمد 5/156،157 ،168 .

([282]) جامع العلوم والحكم 13-16، وانظر معارج القبول 1/450-454 .

([283]) سورة البقرة، آية : 264 .

([284]) سورة النساء، آية : 28 .

([285]) معارج القبول 1/453،454 .

([286]) معارج القبول 1/383، والجامع الفريد 356 .

([287]) النساء : 48 .

([288]) قاعدة في المحبة ص 7،9،10،11، وانظر إغاثة اللهفان 2/118،128 ،130 .

([289]) قاعدة في المحبة 31،32 .

([290]) مجموع الفتاوى 10/48،49، وانظر قاعدة في المحبة 49 .

([291]) سورة الإسراء، آية : 57 .

([292]) مجموع الفتاوى 10/61،62 .

([293]) مدارج السالكين 3/27 .

([294]) سورة آل عمران، آية : 31 .

([295]) زيادة يقتضيها السياق ويبدو أنها سقطت من الأصل .

([296]) العبودية 105 – 108، وانظر مجموع الفتاوى 10/754 .

([297]) سورة المجادلة، آية : 22 .

([298]) رواه البخاري عن أنس بن مالك، الفتح 1/58 كتاب الإيمان، باب حب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان) ومسلم 1/67 كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر الأهل، ومسند الإمام أحمد 3/177 , 7/275,، وابن ماجة 1/26 المقدمة، باب في الإيمان) .

([299]) قاعدة في المحبة 89 – 91، وانظر مجموع الفتاوى 10/752 .

([300]) معارج القبول 1/383 .

( [301]) انظر قاعدة في المحبة 69 .

([302]) مجموع الفتاوى 10/754 .

([303]) سورة البقرة، آية : 165 .

([304]) البخاري (الفتح 8/378، التفسير (باب قوله تعالى) (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر . الآية) وانظر أطرافه في نفس الموضع، مسلم رقم 86، في الإيمان (باب كون الشرك أقبح الذنوب) .

([305])تفسير ابن كثير 1/202 .

([306]) سورة الشعراء، الآيات : 97،98 .

([307]) الجواب الكافي : 195، وانظر مدارج السالكين 1/368، 3/200، 21، إغاثة اللهفان 2/193 .

([308]) سورة البقرة، آية : 167 .

([309]) فتح المجيد 114 .

([310]) نفسه 114 .

([311]) سورة البقرة : 165 .

([312]) مجموع الفتاوى 10/267 .

([313]) فتح المجيد 106 .


من مواضيعي
0 معجزة عيسى في إحياء الموتى
0 و يكلم الناس في المهد
0 الشعر النبطي ذائقة الشعب وسلطة النص
0 دروس وعبر من حياة أخيار البشر
0 فتاوى المرأة المسلمة
0 انفوجرافيك الفرق بين الناجحين وغير
0 الحكمة من إنزال التوراة والإنجيل جملة واحدة
0 وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
القلب, يناقش

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:49 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009