ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > الملتقى الاسلامى > ملتقى الإسلامي العام > شروط لا إلَهَ إلا الله
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

الشرط التاسع الموافاة عليها

شروط لا إلَهَ إلا الله


الشرط التاسع الموافاة عليها

شروط لا إلَهَ إلا الله


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-02-2017, 05:20 PM   #1
سيف الدين
Administrator
 
الصورة الرمزية سيف الدين
 

افتراضي الشرط التاسع الموافاة عليها

الشرط التاسع الموافاة عليها

ثم بعد كل ذلك لا بد له من أن يموت عليها لكي ينتفع بها، فإن مات على ضدها من الشرك والكفر لم تنفعه مجموع الشروط السابقة، أو الطاعات الأخرى .. وذلك أن العبرة بالموافاة وبما يُختم به على المرء؛ فإن ختم له بالتوحيد فهو من أهل الجنة والنجاة مهما كان منه من عمل طالح قبل ذلك، وإن ختم له بالشرك والكفر ومات عليه هلك وهو من أهل النار مهما كان منه من عمل صالح قبل ذلك .

قال تعالى:) ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( البقرة:217.

وقال تعالى:) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، خالدين فيها لا يُخفف عنهم العذاب ولا هم يُنظرون ( البقرة:161-162. فعلق I عذابهم في النار وخلودهم فيها بالموت على الكفر المناقض للتوحيد

وفي الحديث، فقد صح عن النبي r أنه قال:" ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " مسلم. فعلق دخول الجنة بالموت على التوحيد ..

وقال r:" فوالذي نفسي بيده إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها . وإنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " متفق عليه .

وقال r:" لا تعجبوا بعمل أحدٍ حتى تنظروا بما يُختم له، فإن العامل يعمل زماناً من دهره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملاً سيئاً، وإن العبد ليعمل زماناً من دهره بعمل سيء لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملاً صالحاً وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله قبل موته فوفقه لعمل صالح، ثم يُقبض عليه "(1).

قال النووي رحمه الله: فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل، هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة ا-هـ .

نسأل الله تعالى الثبات، وأن يثبت قلوبنا على دينه وتوحيده، وأن يُحسن خاتمتنا بأحب الأعمال إليه .. إنه تعالى سميع قريب مجيب .

وبعد، فهذه هي شروط صحة التوحيد، فمن وفاها كاملة غير منقوصة نفعته شهادة التوحيد، ومن أنقص منها شيئاً لم تنفعه شهادة التوحيد في شيء .

ومبدأ التوفيق والأخذ بمجموع النصوص ذات العلاقة بالموضوع يلزمنا

هذا ما يقتضيه مبدأ النظر والأخذ بمجموع النصوص ذات العلاقة بشهادة التوحيد لا إله إلا الله .

ـــــــــــــــــ

(1) أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة:1334.

بأن نقول: من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله، وكان عالماً بشهادة التوحيد ومتطلباتها، وصادقاً مخلصاً بها، مستيقناً غير شاك فيها، ومحباً لها ولأهلها، وعاملاً بها وبمقتضياتها، منقاداً لها ولحكمها، ثم بعد كل ذلك مات عليها .. إلا أدخله الله الجنة .

ـ تنبيهات هامة وضرورية .

تتمة للفائدة، وتوضيحاً لما قد يُشكل على القارئ فهمه، نشير إلى التنبيهات الضرورية التالية:

ـ التنبيه الأول: أن ما تقدم من شروط لشهادة التوحيد لا إله إلا الله، هي شروط لا بد من استيفائها وتحققها لانتفاع صاحبها منها في الآخرة، وحتى يكون من أهل الجنة والنجاة من العذاب يوم القيامة، أما في الحياة الدنيا لكي تُجرى على المرء أحكام الإسلام ويُعامل معاملة المسلمين .. يكفي له أن يقر بشهادة التوحيد لفظاً، وأن لا يأتي بما يضادها من الأقوال والأعمال الظاهرة الكفرية والشركية .

فإن وفَّى بهذين الشرطين فقط عومل معاملة المسلمين، وجرت عليه أحكامهم وحقوقهم وواجباتهم .

وهذا لا يستلزم أن يكون مؤمناً على الحقيقة لاحتمال وجود النفاق .. فليس كل مسلم هو مؤمن على الحقيقة، ولكن كل مؤمنٍ على الحقيقة هو مسلم، وهذه قاعدة سنية معروفة دلت عليها نصوص الشريعة، وتناولها أهـل

العلم بالشرح والتفصيل.

ـ التنبيه الثاني: ما تقدم يحملنا على أن نشير إلى الفارق بين ما يدخل به المرء الإسلام، وبين الوصف الذي به يستمر له حكم الإسلام .

أما ما يدخل به الإسلام هو إقراره بشهادة التوحيد على تفصيل قد تقدم، أما الوصف الذي يجب أن يستمر عليه لكي يبقى في دائرة الإسلام هو أن لا يأتي بالأعمال والأقوال الظاهرة التي تؤدي به إلى الخروج من دائرة الإسلام، فإن فعل وأتى بما يناقض الإسلام ينتقل وصفه وحكمه إلى وصف وحكم المرتد عن الدين حيث تُجرى عليه أحكامه وتبعاته .

فإن قيل: رجل دخل الإسلام بشهادة التوحيد، ثم مات قبل أن يتمكن من فعل أي شيء مما يُعتبر شرطاً لصحة التوحيد .. فهل شهادة أن لا إله إلا الله تنفعه يوم القيامة بمفردها ؟

أقول: قد دلت السنة ـ ولله الحمد ـ أن من كان هذا وصفه، فإنه ينتفع بشهادة التوحيد، وإن لم تتح له الفرصة على أن يعمل شيئاً من شروط صحة التوحيد، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن رجلاً من الأنصار جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، ثم تقدم فقاتل حتى قُتل، فقال النبي r:" عمل يسيراً وأجر كثيراً " .

وفي رواية عند البخاري: أتى النبي r رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل أو أُسلم ؟ قال:" أسلم ثم قاتل "، فأسلم ثم قاتل، فقال رسول الله r:" عمل قليلاً وأجر كثيراً ".

وفي صحيح البخاري عن أنس t أن غلاماً يهودياً كان يضع للنبي r وضوءه، ويُناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي r فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي r:" يا فلان قل لا إله إلا الله ". فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي r، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم . فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فخرج النبي r وهو يقول:" الحمد لله الذي أخرجه بي من النار ".

وفي حديث تلقين النبي r شهادة التوحيد لعمه أبي طالب وهو يحتضر، لكي يتشفع له بها يوم القيامة، كما جاء في الحديث الصحيح:" كلمة أُحاج لك بها عند الله U .. " ، هو كذلك مما يُستدل به في المسألة .

قال ابن جرير الطبري في الجامع 3/345: لا خلاف بين جميع الحجة في أن كافراً لو أسلم قبل خروج نفسه بطرفة عين أن حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه والموارثة وسائـر الأحكام غيرهما، فكان معلوماً بذلك أن توبته في تلك الحال لو كانت غير مقبولة لم ينتقل حكمه من حكم الكفار إلى حكم أهل الإسلام ا-هـ .

قلت: هذه الطرفة عين التي ذكرها الطبري رحمه الله يجب أن تُحمل على أنها قبل الغرغرة والمعاينة؛ لأن التوبة عند الغرغرة لا تنفع صاحبها في شيء، لقوله r:" إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر "(1) . وفي رواية:" من تاب إلى الله قبل أن يغرغرَ، قبل الله منه "(2).

ـ التنبيه الثالث: ليس من شروط صحة التوحيد حفظ شروط صحة التوحيد الآنفة الذكر، أو حفظ الأدلة عليها .. فهذا من وجه لم يُشرع

(1) أخرجه أحمد والترمذي، وابن ماجه وغيرهم، صحيح الجامع:1903.

(2) أخرجه الحاكم وغيره، صحيح الجامع:6132.

وإنما شُرع خلافه، ومن وجه آخر فيه تكليف لعموم العباد ما هو فوق الطاقة والمقدور .

أخرج مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم t قال: كانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحدٍ والجوانيه، فاطلعت ذات يومٍ، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكةً، فأتيت رسول الله r فعظَّم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله أفلا أعتقها ؟ قال:" ائتني بها " فأتيته بها، فقال لها:" أين الله ؟ " قالت: في السماء، قال:" من أنا ؟ ". قالت أنت رسول الله . قال :" أعتقها فإنها مؤمنة ".

فحكم لها r بالإيمان بهذا القدر من الأسئلة من دون أن يخوض معها في مسائل الأصول وتفريعاته، ويطالبها بالاستدلال على ذلك..!

وفي سنن أبي داود عن عبد الله ابن أبي أوفى، قال: جاء رجل إلى النبي r فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يُجزئني منه، قال:" قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله " . قال: يا رسول الله هذا لله عز وجل فما لي ؟ قال:" قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني " فلما قام، قال هكذا بيده، فقال رسول الله r:" أما هذا فقد ملأ يدَه من الخير "(3).

فهذا الصحابي لم يتمكن من حفظ شيءٍ من القرآن؛ حتى الفاتحة التي لا تصح الصلاة إلا بها فإنه لم يحفظها، لكن لعجزه وعدم استطاعته في أن يحفظ شيئاً عذره النبي r ودله على البديل الأسهل عليه، ولم يقل له لا بد من أن

(3) صحيح سنن أبي داود: 742.

تحفظ الفاتحة .. فضلاً عن أن يطالبه بحفظ الأصول والأدلة عليها !!

بل نجد أن النبي r قد أنكر على خالد استعجاله في قتل أولئك النفر الذين لم يُحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا ـ بدلاً من ذلك ـ صبأنا، كما في صحيح البخاري عن سالم عن أبيه قال: بعث النبي r خالد بن الوليد إلى بني حذيفة، فلم يُحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا .. صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره! فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره ! فذكرنا ذلك إلى النبي r فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد .. اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد .. مرتين "!

وفي ذلك تنبيه لخطأ الغلاة المكفرة الذين يحملون الآخرين على أن يذكروا أصولهم وتقريراتهم وشذوذاتهم بأدلتها .. ومن لم يجبهم إلى ذلك فهو عندهم ليس بمؤمنٍ، وحكم الكفر يلحق به مباشرة ..!!

فالمرء عندهم ليس بمؤمنٍ حتى يجيبهم أولاً على أكثر من مائة سؤال: ماذا تقول في كذا .. وما حكم كذا .. وما معنى كذا .. وما هي شروط كذا .. إلى آخر القائمة التي قد يعجز عن الإجابة عليها بأدلتها أهل العلم والفقه !!

قال ابن حجر في الفتح 13/439، نقلاً عن الغزالي رحمه الله: أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين، وزعموا أن من لم يعرِّف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر، فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين !! ا-هـ .

وقال ابن حزم رحمه الله في المحلى 1/61: لم يزل رسول الله r مذ بعثه الله U إلى أن قبضه يقاتل الناس حتى يقروا بالإسلام ويلتزموه، ولم يكلفهم استدلالاً، ولا سألهم هل استدلوا أم لا، وعلى هذا جرى جميع الإسلام إلى اليوم ا-هـ .

ـ التنبيه الرابع: إن قيل إذا كان لا يجب عليه حفظ شروط التوحيد، ولا تقريره بها .. كيف يُعرف أنه قد وفَّى حقَّ لا إله إلا الله وأتى بشروطها، وكيف تكون صفة إحيائه لتلك الشروط التي لا يصح الإيمان إلا بها ..؟!

أقول: أولاً لا يلزم ولا يشترط أن يعرف عنه العباد التزامه بتلك الشروط، ومدى التزامه بها، وهل حققها في نفسه على الوجه المطلوب أم لا ..فهذا بينه وبين ربه I، لا دخل للعباد فيه، وليس من حقهم أن يستجوبوه أو يحققوا معه في ذلك .

لكن إن أظهر لهم من الأقوال أو الأعمال ما يدل على مناقضته لشروط التوحيـد أو بعضها .. حينئذٍ يكون قد عرف عن نفسه بنفسه بأنه لم يأتِ بالتوحيد المطلوب، أو أنه جاهـل به .. وبذلك يكون قد جعل للآخرين عليه سلطاناً في أن يأمروه بالمعروف وينهوه عن المنكر .. ويزجروه ـ بالقوة إن أمكن ـ إن لم ينزجر بالنصح والتي هي أحسن .

أما صفة التزامه بتلك الشروط كيف تكون .. ؟

أقول: يكفيه أن يلتزم بها في واقع حياته، وأن لا يأتي بضدها من الكفر والشرك .. فهو يبغض الطواغيت ويعاديهم في الله، ويقاتلهم .. ولكن قد لا يحسن أن يقول لك من شروط صحة التوحيد الكفر بالطاغوت، وصفة الكفر بالطاغوت تكون بالاعتقاد والقول والعمل وبحسب التفصيل المتقدم ..!

وهو كذلك يحب في الله ويبغض في الله .. ويتوجه في العبادة لله وحده

.. يفعل ذلك كله من دون أن يحسن التعبير عنها، ويذكرها كشروط وبالتسلسل كما ذكرناها من قبل .. !

وربما لو ذكرت بعض شروط التوحيد أمامه على وجه التفصيل .. لقال لك: هكذا أنا .. كأنك تتكلم عما في نفسي .. لكني لا أحسن دندنتك، ولا سردك وصفك للكلام(1) !

ـ التنبيه الخامس: قد يُقال إن من أهل العلم من عدَّ للتوحيد شروطاً ثمانية، ومنهم من حصرها في سبعة شروط .. فكيف عددتها تسعة شروط ؟!

أقول: لا تنافي بين تلك الأقوال ولله الحمد، وبيان ذلك: أن من عدها سبعة شروط أو ثمانية .. فهو يضمن شرطين في شرطٍ واحدٍ؛ كقول أحدهم: العمل بالتوحيد شرط لصحته، ولم يذكر شرط الكفر بالطاغوت منفرداً لدخوله في العمل بالتوحيد .. فكل من عمل بالتوحيد لزمه الكفر بالطاغوت، وليس كل من كفر بالطاغوت لزمه العمل بمطلق التوحيد .

وبعضهم ـ كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبناءه رحمهم الله ـ ذكروه كشرط مستقل، لدلالة النصوص عليه، ولبيان أهميته .. كما يُذكر خاص من عام لبيان أهميته، وللضرورة التي تقتضي مثل هذا التفصيل .

ـــــــــــــــــ

(1) ذُكر لي أن رجلاً من عوام المسلمين يمتهن صناعة الأحذية، وكان ماهراً جداً في مهنته، وكان يحب النبي r كثيراً، ويكثر من الصلاة عليه .. ومرة أخذ يتنهد ويتحسر لو أنه قد رأى النبي r .. فقيل له: ماذا كنت فاعلاً .. ؟ قال ببراءة العامي البسيط: كنت سأصنع للنبي r أجمل حذاءٍ في العالم ..!!

هذا هو أسلوبه .. وهذه هي بيئته .. وكل له طريقته في التعبير عن حبه للرسول r ..!!

كذلك شرط انتفاء الشك وحصول اليقين .. أحياناً يُذكر على أنه شرطان: انتفاء الشك شرط .. وحصول اليقين شرط ثانٍ، ولا تنافي بين الحالتين ولله الحمد لتضمنهما نفس المعنى والدلالة .. وإن اختلفا في العدد، فهذا الاختلاف لا يؤثر ولا قيمة له .

إلا أن شرط الموافاة على التوحيد لم أقف على قول عالم ذكره ضمن شروط صحة التوحيد .. لكنهم جميعهم ـ ومن دون مخالف ـ ذكروه مستقلاً، وأنه شرط للنجاة وصحة التوحيد النافع يوم القيامة .. لدلالة النصوص العديدة على ذلك، وقد تقدم ذكر بعضها .

لأجل ذلك ذكرناه من ضمن شروط صحة التوحيد الآنفة الذكر ..!

هذا وجه من أوجه الجواب، ووجه آخر أن الشرط يُعرف بدلالة النصوص الشرعية عليه فإذا وردت النصوص الدالة عليه تعيَّن القول به ولا بد، وإن غفل عن ذكره بعض أهل العلم ولم يعدوه من ضمن الشروط التي ذكروها .. فالحجة تقوم بالدليل الشرعي لا فيما قد غفل عن ذكره أهل العلم، والله تعالى أعلم .

ـ التنبيه السادس: يوجد فرق بين شروط صحة آحاد الأعمال الشرعية، وبين شروط صحة مجموع الأعمال والدين .

فما تقدم ذكره عن شروط لا إله إلا الله .. هي شروط لصحة مجموع الدين والأعمال، أما شروط صحة آحاد الأعمال التعبدية فهي تنحصر في شرطين: أحدهما المتابعة والموافقة لهدي وسنة النبي r فيما يتعبد به .. فإذا جاءت العبادة بخلاف المشروع والمسنون لا تُقبل، وهي رد على صاحبها، كما في الحديث الصحيح:" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" متفق عليه.

وقال r:" كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " . وقال r:" صلوا كما رأيتموني أصلي " . وقال r:" خذوا مناسككم عني " وغيرها من الأدلة التي تفيد وجوب الاتباع وحرمة وبطلان الابتداع .

ولأن العبادة الأصل فيها الحظر والمنع ما لم يرد فيها نص يُفيد الإباحة والجواز، أو الوجوب .

الثاني: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله تعالى، لا يشوبه الشرك أو المراءاة، فإن جاء العمل موافقاً للسنة لكنه ابتغي به غير وجه الله تعالى، أو أحداً آخر مع الله .. رُدَّ العمل ولم يُقبل، كما في الحديث قال رسول الله r:" قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركه " مسلم .

وفي رواية:" فأنا منه بريء وهو للذي أشرك " .

ومن الأدلة الجامعة للشرطين قوله تعالى:) فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يُشرك بعبادة ربه أحداً ( الكهف:110.

قال أهل العلم والتفسير: العمل الصالح هو ما وافق السنة .. ) ولا يُشرك بعبادة ربه أحداً ( هو إخلاص العبادة لله U .

ـ التنبيه السابع: قد يتوهم البعض أن شهادة أن لا إله إلا الله ترفع السيف عن قائلها أياً كان قائلها، وكانت صفته وحالته، معتمدين في ذلك على قصة أسامة بن زيد t لما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله، وإنكار النبي r الشديد عليه .

كما في صحيح مسلم عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله r في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرت للنبي r فقال رسول الله r:" أقال لا إله إلا الله وقتلته ؟!! "، قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح، قال:" أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟!" فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ .

وفي الصحيح كذلك، عن المقداد بن الأسود أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله r: لا تقتله، قال: فقلت يا رسول الله إنه قد قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله ؟ قال رسول الله r: لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال

فقوله r" فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال " أي إنه يصير بقوله للشهادة معصوم الدم مثلك قبل أن تقتله، وأنت تصبح مباح الدم مثله قبل أن يقول كلمة التوحيد لوجوب القصاص عليك . ولا يُفهم من قوله r:" وإنك بمنزلته .." أي تصير بمنزلته في الكفر كما فهم ذلك بعض الغلاة، فهذا بعيد ولا يصح.

فإن قيل علام لم يقتل النبي r أسامة بذاك الرجل الذي قتله بعد أن قال لا إله إلا الله..؟!

أقول: لأن أسامة كان متأولاً وجاهلاً للحكم فأقال ذلك عثرته، بينما المقداد بعد أن سأل النبي r وأجابه النبي r على سؤاله ..لم يعد يُعذر بالجهل أو التأويل، لذلك قال له في المرة الثانية وبعد أن أجابه على سؤاله:" إنك ـ إن فعلت ـ بمنزلته قبل أن يقول كلمته " .

هذه النصوص وغيرها تفيد أن الكافر المحارب لو قال لا إله إلا الله في أجواء القتال أو غيرها .. رُفع عنه السيف وعصم دمه وماله .

قال ابن تيمية في الصارم: ولا خلاف بين المسلمين أن الحربي إذا أسلم عند رؤية السيف وهو مطلق أو مقيد يصح إسلامه وتقبل توبته من الكفر، وإن

كانت دلالة الحال تقتضي أن باطنه خلاف ظاهره ا-هـ .

لكن ما تقدم هل يلزم منه أن كلمة التوحيد ترفع عن قائلها السيف، أياً كان قائلها وكانت صفته، وكان ذنبه ..؟!

أقول: لا يلزم ذلك .. ولبيان ذلك يتعين علينا ذكر الحالات التي لا يُرفع فيها السيف عمن يقول لا إله إلا الله .

ـ الحالة الأولى: المرتد ردة مغلظة .

وهو الذي يتبع ردته حرباً لله ولرسوله وللمؤمنين، فيزداد بذلك كفراً على كفر .. فمثل هذا لا تقبل توبته بعد القدرة عليه، ولا يُستتاب، ولو تاب وجهر بلا إله إلا الله لا يُقبل منه ولا يرتفع عنه السيف وحد القتل .

قال تعالى:) إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تُقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ( آل عمران:90.

قال ابن تيمية في الصارم: أخبر سبحانه أن من ازداد كفراً بعد إيمانه لن تقبل توبته، وفرق بين الكفر المزيد كفراً والكفر المجرد في قبول التوبة من الثاني دون الأول، فمن زعم أن كل كفر بعد الإيمان تقبل منه التوبة فقد خالف القرآن ا-هـ .

وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك t أن رهطاً من عُكل ثمانية قدموا على النبي r، فاجتووا المدينة، فقالوا: يا رسول الله أبغنا رِسْلاً، قال: ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود، فانطلقوا فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحوا وسمنوا، وقتلوا الراعي واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم . فأتى الصريخ النبيَّ r، فبعث الطلب، فما ترجل النهار حتى أُتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما يُسقون حتى ماتوا ".

فعل بهم ذلك لأنهم أتبعوا ردتهم القتل، والنهب للأموال العامة للمسلمين .. فازدادوا بذلك كفراً .

وعند البخاري كذلك عن أنس بن مالك t أن رسول الله r دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال:" اقتلوه ".

وقوله " متعلق بأستار الكعبة " أي تائباً يطلب الأمان .. ومع ذلك لم يُستتب ولم ينفعه ذلك في شيء، ولم ينفعه الأمان العام الذي أعطاه النبي r لأهل مكة، وبخاصة منهم من دخل المسجد الحرام .. بسبب أنه ارتد عن الإسلام، وضم إلى ردته القتل والشتم للرسول r، والتحاقه بالمشركين ..!

وكذلك فُعل بمقيس بن ضبابة، وابن سرح وغيرهم لما ضموا إلى ردتهم الحرب على لله وعلى رسوله والمؤمنين .

قال ابن تيمية في الفتاوى 20/103: يُفرق في المرتد بين الردة المجردة فيقتل إلا أن يتوب وبين الردة المغلظة فيقتل بلا استتابة ا-هـ .

أما إن تاب قبل القدرة عليه، وجاء تائباً مستسلماً من تلقاء نفسه فالراجح أن توبته تقبل لقوله تعالى:) إنما جزاء الذين يُحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم . إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ( المائدة:33-34. فاستثنى الله تعالى مما تقدم التائب قبل القدرة عليه ..

قال ابن تيمية في الصارم: إن الله سبحانه فرق بين التوبة قبل القـدرة

وبعدها، لأن الحدود إذا رُفعت إلى السلطان وجبت ولم يكن العفو عنها ولا الشفاعة، بخلاف ماقبل الرفع، ولأن التوبة قبل القدرة عليه توبة اختيار، والتوبة بعد القدرة توبة إكراه واضطرار، بمنزلة توبة فرعون حين أدركه الغرق، وتوبة الأمم المكذبة لما جاءها البأس، وتوبة من حضر الموت، فقال: إني تبت الآن فلم يُعلم صحتها حتى يسقط الحد الواجب، ولأن قبول التوبة بعد القدرة لو أسقط الحد لتعطلت الحدود وانبثق سدّ الفساد ا-هـ .

فإن قيل: التوبة قبل القدرة تُسقط حق الله وحق العباد معاً، أم أنه يوجد تفصيل وتفريق ؟

أقول: الراجح من مجموع الأقوال الموافق لأدلة الشريعة أن المحارب إذا كان محارباً على وجه الردة، فتوبته قبل القدرة عليه تسقط حقوق الله وحقوق الآدميين معاً؛ وهذا ما جرت عليه سنة أبي بكر t ومن معه من الصحابة مع أهل الردة الذين أعلنوا توبتهم وإيابهم إلى الحق والسمع والطاعة، وعندما أراد أبو بكر أن يأخذ منهم الفدية عن قتلى المسلمين، قال له عمر t: إنهم ـ أي قتلى المسلمين ـ قاتلوا في سبيل الله وأجرهم على الله .. فامتنع أن يأخذ منهم الفدية، وعلى هذا جرى العمل بين الصحابة .

أما إذا كان المحارب مسلماً ـ لكنه يقوم بعمل الحرابة والسطو وقطع الطريق ـ ثم تاب قبل القدرة عليه، فتوبته تسقط عنه حق الله وهو حد الحرابة

دون حقوق الآدميين، فإن عليه القصاص وأداء الحقوق إلى أصحابها؛ فإن قتل يُقتل، وإن سلب المال أعاده إلى أصحابه إلا أن يعفوا عنه .. هذه إجابة مختصرة وتفصيلها له موضع آخر إن شاء الله .

ـ الحالة الثانية: الزنديق .

الزنديق: هو المنافق الذي يُظهر كفره، فإن قامت عليه البينة القاطعة واستتيب أنكر وجحد .

والراجح في الزنديق أنه يُقتل من غير استتابة ـ مهما تظاهر بالإسلام وقال لا إله إلا الله ـ لأن الاستتابة تكون من شيء، والزنديق لا يعترف بشيء فمما يُستتاب ..؟!

قال تعالى:) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ( التوبة:52.

قال ابن تيمية في الصارم: قال أهل التفسير ) أو بأيدينا ( بالقتل إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلناكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يبطنونه من النفاق بأيدينا لا يكون إلا القتل لكفرهم، ولو كان المنافق يجب قبول ما يُظهر من التوبة بعدما ظهر نفاقه وزندقته لم يمكن أن يُتربص بهم أن يُصيبهم الله تعالى بعذابٍ من عنده بأيدينا؛ لأنا كلما أردنا أن نعذبهم على ما أظهروه أظهروا التوبة ..!

ولأنه لو قبلت علانيتهم دائماً مع ثبوت ضدها لم يمكن إلى الجهاد على النفاق سبيل، فإن المنافق إذا ثبت عنه أنه أظهر الكفر فلو كان إظهار الإسلام حينئذٍ ينفعه لم يمكن جهاده ا-هـ .

وقال ابن القيم في زاد المعاد: وها هنا قاعدة يجب التنبه عليها لعموم الحاجة إليها وهي أن الشارع إنما قبل توبة الكافر الأصلي من كفره بالإسلام لأنه ظاهر لم يُعارضه ما هو أقوى منه فيجب العمل به لأنه مقتضى لحقن الدم والمعارض منتفٍ، فأما الزنديق فإنه قد أظهر ما يبيح دمه، فإظهاره ـ بعد القدرة عليه ـ للتوبة والإسلام لا يدل على زوال ذلك الكفر المبيح لدمه دلالة قطعية ولا ظنية ..

ويا لله العجب! كيف يُقاوم دليل إظهاره للإسلام بلسانه بعد القدرة عليه أدلة زندقته وتكررها منه مرة بعد مرة، وإظهاره كل وقت للاستهانة بالإسلام والقدح في الدين والطعن فيه في كل مجمع، مع استهانته بحرمات الله واستخفافه بالفرائض وغير ذلك من الأدلة ؟!

ولا ينبغي لعالم قط أن يتوقف في قتل مثل هذا، ولا تُترك الأدلة القطعية لظاهرٍ قد تبين عدم دلالته وبطلانه .

وقال: ومما يدل على أن توبة الزنديق بعد القدرة لا تعصم دمه، قوله تعالى:) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا ( قال السلف في الآية: أو بأيدينا؛ أي بالقتل إن أظهرتم ما في قلوبكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يبطنون من الكفر بأيدي المؤمنين لا يكون إلا بالقتل، فلو قبلت توبتهم بعدما ظهرت زندقتهم لم يكن المؤمنين أن يتربصوا بالزنادقة أن يُصيبهم الله بأيديهم، لأنهم كلما أرادوا أن يُعذبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يُصابوا بأيديهم قط ا-هـ .

ـ الحالة الثالثة: شاتم الرسول r .

من كانت ردته من جهة شتم النبي r فإنه يُقتل كفراً وحداً ومن دون

أن يُستتاب؛ فإن تاب من الكفر ـ وصدق في توبته ـ بقي عليه حد الشتم، وحد الأنبياء القتل ولا بد؛ إذ لا يحق لأحدٍ أن يتشفع في حق هو ليس له، وإنما هو خاص بالنبي r .

قال ابن تيمية في الصارم: المرتد يستتاب من الردة، ورسول الله r وأصحابه قتلوا الساب ولم يستتيبوه، فعُلم أن كفره أغلظ، فيكون تعيين قتله أولى ..

إن قتل ساب النبي r، وإن كان قتل كافراً، فهو حد من الحدود ليس قتلاً على مجرد الكفر والحراب، لما تقدم من الأحاديث الدالة على أنه جناية زائدة على مجرد الكفر والمحاربة ومن أن النبي r وأصحابه أمروا فيه بالقتل عيناً .. وقد ثبت أن حده القتل بالسنة والإجماع ا-هـ.

هذا مختصر مفيد فمن لم يقنع به وأراد التفصيل مع ذكر الأدلة مفصلة فليراجع كتابنا " تنبيه الغافلين إلى حكم شاتم الله والدين "، فإن لم يقنع به وأراد المزيد فعليه بالكتاب العظيم " الصارم المسلول على شاتم الرسول " لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أفاد وأجاد رحمه الله .

ـ الحالة الرابعة: فيمن يجب عليه حد القتل .

فمن وجب عليه القتل لوقوعه في جريمة القتل بغير حق ونحو ذلك .. فإنه يُقتل حداً من حدود الله إلا أن يعفوا أولياء المقتول، وشاهدنا هنا: أن الجاني لو قال لا إله إلا الله قبل أن يُقتل فإنها لا ترفع عنه حكم القتل ولا السيف .

وبعد، هذه بعض الحالات التي لا يرفع فيها السيف عن صاحبها وإن أتى بشهادة التوحيد: لا إله إلا الله قبل القتل .. أردنا الإشارة إليها على وجه الإيجاز لكي لا يلتبس الأمر على القارئ، فيحمل حديث أسامة بن زيد الآنف الذكر على جميع الحالات والأشخاص فيضل .. والله تعالى من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.



ـ مثل شهادة التوحيد في القرآن الكريم .

قبل أن نودع القارئ الكريم .. نعود به ثانيةً إلى الحديث عن لا إله إلا الله .. وعن فضلها .. وعن مثَلها كما جاء في القرآن الكريم .

قال تعالى:) ألم ترَ كيف ضرب اللهُ مثلاً كلمةً طيبةً كشجرة طيبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعُها في السماء تؤتي أُكلها كُلَّ حينٍ بإذن ربها ويضربُ الله الأمثالَ للناسِ لعلَّهم يتذكرون ( إبراهيم:24.

وهو مثل ضربه الله تعالى للعباد ليستمعوه، ويفقهوه، ويتأملوه، ويعملوا بدلالاته ومراميه .. ومن الدلالات الذي أفاده هذا المثل العظيم الذي ضربه الله تعالى للعباد عن شهادة التوحيد:

1- طيب العطاء .. فكما أن هذه الشجرة الطيبة لا تعطي إلا طيباً .. فهي طيبة في ثمارها .. طيبة في ظلها وأوراقها .. طيبة في رونقها وما تضفيه من جمالٍ بديع على الطبيعة والكون .. كذلك الكلمة الطيبة .. كلمة التوحيد فهي لا تعطي ولا تجني على صاحبها وعلى الوجود كله إلا طيباً وخيراً .. خير الدنيا والآخرة .

بل هي التي تعطي للحياة معنى وقيمة .. فالدنيا من دون لا إله إلا الله لا قيمة لها ولا غاية شريفة .. وهي قاحلة مظلمة جدباء وإن بدت للعيان المغشي عليها غير ذلك !

2- وكما أن هذه الشجرة ثابتة ضاربة الجذور في الأرض وفي التاريخ

لا يؤثر فيها الريح ولا العواصف .. ولا الزمن ولا الأيام .. بل الأيام لا تزيدها إلا ثباتاً ورسوخاً وعمقاً وشموخا .. كذلك كلمة التوحيد فهي ضاربة الجذور في قلب المؤمن الموحد .. أما من حيث الزمن والتاريخ فهي موجودة قبل الوجود .. يُغذي زرعها في الأرض الأنبياء والرسل والمجاهدون بالعرق والدم والجهاد، وبكل غالٍ ونفيس .

3- على قدر الثبات وعمق الجذور يكون العطاء ويكون الشموخ في السماء .. فكلما امتدت جذور الشجرة الطيبة في الأرض وتمكنت من شعابها وشروخها كلما كانت أقدر على امتصاص الغذاء والماء .. وكلما كان عطاؤها أوفر وأطيب وأجمل وأظهر شموخاً وارتفاعاً .. فطيب الثمر الذي يظهر للعيان، وكذلك هذا الشموخ للفروع والغصون هو من طيب الغذاء والتربة والماء ..!

كذلك شهادة التوحيد .. فعلى قدر ثباتها وعمق جذورها في قلب المؤمن تظهر آثارها وفروعها على جوارحه ويكون العطاء .. تظهر في صورة انقياد البدن كله إلى الطاعة والعبادة وامتثال تعاليم الشريعة الغراء .

فكلما تمكنت شهادة التوحيد من قلب المؤمن وتشعبت جذورها في قلبه إلى أن تستحوذ عليه من كل جوانبه وأطرافه .. كلما كان العطاء أكمل على فروع البدن والجوارح .

وكذلك عندما يضعف التوحيد في القلب، ويصعب عليه التمدد في جميع أنحاء القلب وتشعباته ـ بسبب المعاصي والذنوب ـ يكون عطاؤه على الجوارح ضعيفاً .. إلى أن يبلغ بأحدهم ـ لضعف التوحيد في القلب ـ أن لا يعمل من الخير إلا ما يزن ذرة أو نحوها، كما جاء ذلك في الحديث .

فالعطاء وانقياد الجوارح يزيد وينقص، يقوى ويضعف بحسب قـوة

وضعف التوحيد في القلب ..!

من هذا الدليل وغيره نص أهل العلم على أن الإيمان يزيد وينقص، يقوى ويضعف .. بحسب ما تمده من الأعمال، فإن غذيته ومددته بالطاعات قوي الإيمان وازداد، وإن غذيته بالمعاصي والذنوب ضعف الإيمان وذبل بحسب ما تمده به ..!

4- فكما أن ثمار وفروع الشجرة تتأثر سلباً وإيجاباً بعمق وثبات الجذور في الأرض، كذلك الجذور الضاربة في الأرض فهي تتأثر بما يطرأ على الفروع والغصون وبما تمدها به .. فلو حُبست الشمس عن الغصون والأوراق، وكذلك لو حُبس عنها الماء أو الهواء .. نرى أن الجذور في الأرض تتأثر مباشرة بما قد طرأ على قسمها الظاهر منها، فتضعف وتذبل .

ثم تأمل لو أن هذه الشجرة غُذيت بمياه المجاري وبالمياه الملوثة كيف أن طعم ثمارها يتغير ويسيء .. والعكس كذلك لو غذيت بالمياه النظيفة والأغذية النافعة .. ولم يُمنع عنها الماء والهواء .. ترى كيف أن طعم ثمارها يتغير إلى الأطيب والأفضل .. وكيف أن جذورها تزداد قوة وعافية وثباتا .

كذلك التوحيد والإيمان في القلب فإنه يؤثر ويتأثر، يؤثر بالجوارح الظاهرة بحسب قوته وضعفه كما تقدم، كذلك فإنه يتأثر من هذه الجوارح بحسب ما تمده به من أعمال .. فإن أمدته بالطاعات والأعمال الحسنة قوي الإيمان والتوحيد في القلب، وإن أمدته بالمعاصي والذنوب ضعف الإيمان وذبل بحسب ما تمده به الجوارح .. فهو يؤثر بالجوارح ويتأثر منها .

وهو المراد من القاعدة السُّنية التي دلت عليها نصوص الشريعة التي تشير إلى علاقة الظاهر بالباطن وتأثر كل منهما بالآخر .

كما في قوله r:" ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب " البخاري.

وقال r:" إن العبد إذا أخطأ خطيئة ـ وفي رواية: إذا أذنب ذنباً ـ نُكتت في قلبه نُكتةٌ سوداء، فإذا نزَعَ واستغفر وتاب سُقِلَ قلبه، وإن عاد زيدَ فيها حتى تعلو قلبَه، وهو الران الذي ذكر الله ) كلاَّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ((1).

وقال r:" تُعرض الفتنُ على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلبٍ أشربها نُكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلبٍ أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء .." مسلم .

فتأمل كيف أن القلب يؤثر بالجوارح كما في حديث البخاري المتقدم، وكيف أنه يتأثر بأي ذنبٍ ترتكبه الجوارح الظاهرة كما في الحديثين الآخرين .

وهذا يدل على فساد عقيدة أهل التجهم والإرجاء حيث يتصورون إمكانية أن تسير الجوارح الظاهرة في اتجاه .. والقلب في اتجاه آخر .. الجوارح تمارس الكفر البواح .. والباطن مطمئن بالإيمان .. ظاهر كافر وباطن مؤمن ..!

لذا فإن الكفر عندهم هو شيء واحد هو كفر القلب وتكذيبه أو ما يدل دلالة صريحة ـ كالتعبير بالقول ـ على كفره وتكذيبه ..!

وهذا قول خبيث باطل مردود عليه بصريح المنقول والمعقول .. ولأهل العلم كلام غليظ على هذا المذهب الضال وعلى أهله وأنصاره، ذكرناه في مواضع أخرى من أبحاثنا .

ــــــــــــــ

(1) صحيح سنن الترمذي:2654 .



5- كذلك من خصائص هذه الشجرة الطيبة المباركة التي ضُربت مثلاً للتوحيد .. أنها دائمة العطاء على مدار الساعة والزمن .. فهي ليست كبقية الأشجار موسمية العطاء تُعطي في فصل ويتوقف عطاؤها في بقية الفصول .. بل عطاؤها مستمر على مدار الفصول، والأيام والساعات .. ) تؤتي أُكلها كل حينٍ بإذن ربها .. ( .

وهكذا شهادة التوحيد لا إله إلا الله .. فهي دائمة العطاء والخير لصاحبها على مدار الوقت .. فهي ليست كبقية العبادات كالصلاة أو الصوم، أو الحج، أو الزكاة عطاؤها محصور في وقت معين، وزمن محدد .. لا !

بل هي معه في الحل والترحال .. معه في السلم والحرب .. في الولاء والبراء .. في العزلة والخلطة .. وهو في عمله أو بيته أو أي مكان آخر .. توجهه وترشده إلى صواب القول والمواقف .. فهو حركاته وسكناته كلها مضبوطة وموجهة بموجه شهادة التوحيد .. لا إله إلا الله !

يُحسن ما تُحسنه لا إله إلا الله .. ويُقبح ما تُقبحه لا إله إلا الله .. يوالي فيها ويُعادي عليها .. فهي بذلك تكون كما وصف ربنا Y:) تؤتي أكلها كلَّ حينٍ بإذن ربها ..( وليس في حين دون حين !

جميع هذه المعاني ينبغي أن نتذكرها ونتدبرها كلما مررنا على تلاوة هذه الآية الكريمة .. ووقفنا على هذا المثل العظيم الذي ضُرب لشهادة التوحيد، وهو المراد من قوله تعالى:) ويضرب الله الأمثال للناس لعلَّهم يتذكرون (.




من مواضيعي
0 السلسله الذهبيه لرد على النصارى للشيخ شادى ابو يوسف
0 محمد صلى الله عليه وسلم يحرّم ما أحل الله
0 حقائق العلوم التجريبية . . حقائق شرعية!
0 الفوائد الصحية للوضوء
0 بطاقات الطب في الكتاب والسنة – متنوعة
0 الباب بيوس العاشر مِسعَر الحرب العالمية
0 الرد على الأنبا بيشوى (القرآن يصحح أخطاء السابقين)
0 حلاوة التدبر

التوقيع:


سيف الدين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الموافاة, التاسع, الشرط, عليها

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:53 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009