ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى الاديان الوضعية والفكرية والالحاد والفرق والمذاهب > مقالات في الإلحــــــاد
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

مغالطة بطمس الشهادات المؤمنة للعلماء الماديين

مقالات في الإلحــــــاد


مغالطة بطمس الشهادات المؤمنة للعلماء الماديين

مقالات في الإلحــــــاد


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-07-2017, 03:09 PM   #1
سيف الدين
Administrator
 
الصورة الرمزية سيف الدين
 

افتراضي مغالطة بطمس الشهادات المؤمنة للعلماء الماديين

مغالطة بطمس الشهادات المؤمنة للعلماء الماديين

من كتاب :

صِرَاعُ مَعَ المَلاحِدَة حتى العظم

تأليف

عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني

طمس الناقد (د. العظم) كل شهادة مؤمنة قالها عالم من علماء النهضة العلمية الحديثة ، ولم يعرض من أقوال هؤلاء على كثرتهم إلا شيئاً مما جاء في مقال الفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس) الذي كتبه تحت عنوان "إرادة الاعتقاد" .

وذلك لأن هذا الرجل يرى في مقاله أن البينات العلمية والأدلة العقلية غير كافية بحد ذاتها للبرهان على وجود الله أو عدم وجوده ، لذلك يحق للإنسان أن يتخذ موقفاً من هذه المعضلة يتناسب مع عواطفه ومشاعره .

لقد رآه (د. العظم) أضعف المتجهين إلى جانب الإيمان بالله والمستدلين له ، فاستشهد بكلامه ، ليجعله الممثل الوحيد لفئة المؤمنين ، في الحوار المغلق الذي رتب بنفسه فصوله كما راق له ، لينصر قضية الإلحاد بالله ، وليوهم أن ما قاله (جيمس) هو أقصى ما يحتج به المؤمنون.

وإمعاناً في التضليل يصور للقارئ أن كل ثقل العلم الحديث يخدم قضية الإلحاد ، مع أن العلم الحديث كله لا يملك دليلاً صحيحاً واحداً يستطيع أن يثبت عدم وجود خالق مبدع لهذا الكون .

ويستشهد بقطعة أدبية للفيلسوف الإنكليزي (برتراند رسل) تحت عنوان: "عبادة الإنسان الحر" ، إذ يصور فيها تفسيرات الملحدين لنشأة الكون وتطوره ، ونشأة الحياة وتطورها ، وأصل الإنسان ونشأته وتطوره ، ونشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها ، وينكر الآخرة وما فيها من إقامة العدل الإلهي إذ يصور أن الكون بدأ من السديم وهو إلى السديم يعود .

وفي غضون كلامه يعتبر من الحقائق العلمية المسلَّم بها نظرية (ماركس) في الاقتصاد والتفسير المادي للتاريخ ، ونظرية (فرويد) في السلوك الإنساني والتفسير الجنسي ، ونظرية (داروين) في أصل الأنواع ، ويمجد هؤلاء الثلاثة ، وهو يعلم أن ماركس وفرويد يهوديان وأن معظم ما قدماه من أفكار إنما كان لخدمة اليهودية العالمية ، ومحاربة الدين ، وأن القيادات اليهودية قد دعَّمت الدارونية وعملت على نشرها والدعاية لها لارتباط أهدافها السياسية بنشر الإلحاد ، ولقد أسقطت التجارب والعلوم بحمد الله أفكار ماركس ، وفرويد ، وداروين.

ويعيب على بعض المدافعين عن الدين بأنهم يقدمون أقوالاً تقريرية غير مقترنة بأدلة ، ويأتي هو لدعم مذهبه الإلحادي بقصة أدبية كتبها الملحد الإنكليزي (برتراند رسل) ويعتبر هذه القصة هي السند الأمثل للتحقيق العلمي في قصة الخليقة .

وهل أصبحت هذه القطعة الأدبية هي التحقيق العلمي العظيم لقصة الوجود كله ، التي بدأت بالسدين وستنتهي إلى السديم ، وفق النظرات التي يرجحها أصحابها دون مستندات علمية صحيحة ، ودون براهين معتبر وفق المنهج العلمي السليم؟

أنَّى لواضعي هذه النظرية أن يشهدوا بداية الكون؟ وكيف يتسنى لهم مشاهدة نهايته؟

يرى كاتب القصة أن السديم الحار دار عبثاً في الفضاء عصوراً لا تعد ولا تحصى ، ثم نشأت عن هذا الدوران هذه الكائنات المنظمة البديعة بطريق المصادفة ، وأن اصطداماً كبيراً سيحدث في هذا الكون يعود به كل شيء إلى سديم كما كان أولاً .

ويعلق (د. العظم) على هذه القصة الخيالية التي سماها قطعة أدبية جميلة ، فيقول في الصفحة (26).

" هذا المقطع الذي كتبه (رسل) يلخص لنا بكل بساطة النظرة العلمية الطبيعية للقضايا التالية : نشوء الكون وتطوره ، نشوء الحياة وتطورها ، أصل الإنسان ونشأته وتطوره ، نشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها ، وأخيراً يشدد على أن النهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم ، ولا أمل لكائن بعدها بشيء ، إنه من السديم وإلى السديم يعود".

وهكذا وبكل بساطة يعتبر (العظم) هذه الأمور حقائق مقررة مسلماً بها علمياً ، دون أن تقترن بأي إثبات لها ، أهذا هو مستوى الأمانة الفكرية عنده؟ أهذا هو المنهج العلمي السليم؟

ما أبعد المناهج العلمية عن القصص التقريرية ، التي تنسجها أخيلة الكتاب والأدباء والشعراء ، أو أخيلة واضعي النظريات لأغراض معينة!!

ثم استشهد (د. العظم) بكلام آخر قاله (رسل) فقال في الصفحة (27):

"وفي مناسبة أخرى عندما سئل (رسل) : هل يحيا الإنسان بعد الموت؟ أجاب بالنفي ، وشرح جوابه بقوله : عندما ننظر إلى هذا السؤال من زاوية العلم وليس من خلال ضباب العاطفة نجد أنه من الصعب اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار الحياة بعد الموت ، فالاعتقاد السائد بأننا نحيا بعد الموت يبدو لي بدون أي مرتكز أو أساس علمي".

أهكذا ترفض الحقيقة التي جاء بيانها بالأخبار الصادقة عن الله ، بمجرد الاستبعاد؟

حينما يسمع المؤمن بالإسلام جواب هذا الفيلسوف الإنكليزي عن الحياة بعد الموت ، فلا بد أن تسترجع ذاكرته الجواب الجاهلي الذي كان يجيب به كفار العرب البدائيون ، إذ قالوا كما حدثنا القرآن عنهم في سورة (ق/50 مصحف/34 نزول):

{أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ}

وجوابهم الآخر الذي جاء في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

{وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}

وهنا يبدو لنا بوضوح إن الإنكار هو الذي لا يرتكز على أساس علمي ، إنما يعتمد على مجرد التقرير للنفي ، أو استبعاد فكرة البعث بإطلاق عبارات التعجب .

على أن الإيمان بالحياة بعد الموت للحساب والجزاء لا بد أن يعتمد على أساس الإيمان بالله ، فإثارة هذه العقيدة دون أساس الإيمان بالله هي من قبيل الاشتغال بالفروع قبل الاتفاق على الأصول ، وهذا لا يؤدي إلى نتيجة صحيحة ، فإذا تم التسليم بعقيدة الإيمان بالخالق جلَّ وعلا جاء من بعدها عرض أدلة البعث .

وعندئذ يمكن أن تأتي الأدلة العقلية التي نبَّه القرآن عليها ، منها قول الله تعالى في سورة (يس/36 مصحف/41 نزول):

{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }.

وحين قلت : إن (العظم) في الحوار المغلق الذي صنعه قد جعل الفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس) هو الممثل الوحيد للمؤمنين من علماء النهضة العلمية الحديثة ، إذ رأى حجته أضعف حجج المتجهين إلى جانب الإيمان بالله ، ليوهم أن ما قاله (جيمس) هو أقصى ما يحتج به المؤمنون ، فإنني قلت هذا وفي جعبتي أقوال كثيرة مؤمنة قالها عدد كبير من علماء النهضة العلمية الحديثة ، وهي تشتمل على أدلة وقرائن علمية ، جعلتهم يؤمنون بالله خالق هذا الكون .

وفيما يلي عرض لطائفة من أقوال هؤلاء العلماء وشهاداتهم العلمية ، أكشف بها للمخدوعين من أبناء هذه الأمة وقائع التزوير والمغالطات التي يصطنعها الملحدون الأجراء .

وهذه الشهادات من أقوال علماء النهضة العملية الحديثة تكشف عن الأسباب العلمية التي جعلتهم يؤمنون بالله:

( أ ) يقول البروفيسور (إيدوين كونكلين):

"إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة (حادث اتفاقي) شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار يقع في مطبعة على سبيل المصادفة".

أي : لا يمكن للمصادفة أن توجد هذا الكون ذا النظام المتقن الرائع ، إذن فلا بد له من خالق خلقه وأتقنه .

(ب) ويقول عالم الطبيعة الأمريكي (جورج إيرل ديفيس):

"لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإن معنى ذلك أنه يتمتع بأوصاف الخالق ، وفي هذه الحال سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الإله ، وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الإله) ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيباً ، إلهاً غيبياً ومادياً في آن واحد! إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي ، وهو ليس بجزء من هذا الكون ، بل هو حاكمه ومديره ومدبره ، بدلاً من أن تبنى مثل هذه الخزعبلات".

فهذا العالم الأمريكي من علماء الطبيعة يرى أن نظرات الملحدين هي من قبيل الخزعبلات ، أو الخرافات التي ليس لها سند علمي ولا سند عقلي ، وهذا هو شأن كل عالم منصف محايد .

( ج ) ولنسمع إلى رد (كريسي موريسن) الذي كان رئيس أكاديمية العلوم الأمريكية بنيويورك على الملحد (هيكل) إذ قال هذا الملحد متبجحاً : "إيتوني بالهواء وبالماء ، وبالأجزاء الكيماوية ، وبالوقت ، وسأخلق الإنسان".

أي : إن الإنسان كان نتيجة اجتماع عناصر خاصة على كيفية خاصة على سبيل المصادفة فرد عليه (موريسن) بقوله:

"إن هيكل يتجاهل في دعواه الجينات الوراثية ، ومسألة الحياة نفسها ، فإن أول شيء سيحتاج إليه عند خلق الإنسان هو الذرات التي لا سبيل إلى مشاهدتها ، ثم سيخلق (الجينات) أو حملة الاستعدادات الوراثية ، بعد ترتيب هذه الذرات ، حتى يعطيها ثوب الحياة ، ولكن إمكان الخلق في هذه المحاولة بعد كل هذا لا يعدو واحداً على عدة بلايين ، ولو افترضنا أن (هيكل) نجح في محاولته فإنه لن يسميها مصادفة ، بل سوف يقررها وبعدها نتيجة لعبقريته".

وهكذا أظهر هذا العالم سخافة أقوال (هيكل) عن طريق الاستدلال العلمي .

فالاستناد إلى فرضية المصادفة في تعليل وجود الكائنات المتقنة المنظمة لون من التخريف الفكري ، القائم على إرادة التضليل فحسب ، وليس مذهباً فكرياً تحيط به شبهات تزينه في عقول القائلين به ، وهذا ما تدل عليه الشهادات العلمية المنصفة المحايدة ، منها هذه الأقوال ، ومنها أقوال أخرى ستطلع على طائفة منها فيما يأتي :

( د ) وقال عالم الأعضاء الأمريكي (مارلين ب. كريدر):

"إن الإمكان الرياضي في توافر العلل اللازمة للخلق عن طريق المصادفة في نِسَبِها الصحيحة هو ما يقرب من لا شيء".

أي : إن احتمال المصادفة احتمال مرفوض رياضياً في تعليل عمليات الخلق المتقن المنظم.

(هـ) ويقول أحد علماء الطبيعة:

"إن العلم لا يملك أي تفسير للحقائق ، والقول بأنها حدثت (اتفاقاً) إنما يعتبر تحدياً وتصادماً مع الرياضيات".

( و ) إن تعليلات نشأة الكون وتكامله بنظرية النشوء والارتقاء ، إنما يلجأ إليها بعض العلماء الماديين هرباً من الاعتراف بالحقيقة الإلهية الكبرى ، ولا يؤمنون بهذه النظرية اعتقاداً منهم بأنها حقيقة ثابتة مؤيدة بالبراهين القاطعة ، وإنما يلجؤون إليها لأنه لا يوجد أي بديل لها سوى الإيمان بالله مباشرة .

ويشهد لهذا ما كتبه (سير آرثر كيث)، إذ يقول:

"إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علمياً ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو (الإيمان بالخلق الخاص المباشر) وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه".

( ز ) ويقول عالم بريطانيا الكبير (سير جيمس جينز) الذي يعتبر أكبر علماء العصر الحديث ، في كتابه الشهير "عالم الأسرار":

"إن في عقولنا الجديدة تعصباً يرجح التفسير المادي للحقائق".

( ح ) وذكر (ويتكر شامبرز) في كتابه "الشهادة" حادثاً كان من الممكن أن يصبح نقطة تحول في حياته .

ذكر أنه بينما كان ينظر إلى ابنته الصغيرة استلفتت أذناها نظره ، فأخذ يفكر في أنه من المستحيل أن يوجد شيء معقد ودقيق كهذه الأُذُن بمحض اتفاق ، بل لا بد أنه وجد نتيجة إرادة مدبرة . لن (ويتكر شامبرز) طرد هذه الوسوسة عن قلبه حتى لا يضطر أن يؤمن –منطقياً- بالذات التي أرادت فدبرت ، لأن ذهنه لم يكن على استعداد لتقبل هذه الفكرة الأخيرة.

وهو مظهر من مظاهر التعصب المادي .

ويقول الأستاذ الدكتور (تامس ديور باركس) بعد أن ذكر هذا الحادث:

"إنني أعرف عدداً كبيراً من أساتذتي في الجامعة ومن رفقائي العلماء الذين تعرضوا مراراً لمثل هذه المشاعر ، وهم يقومون بعمليات كيميائية وطبيعية في المعامل"[1].

ومن هذا يظهر لنا أن التعصب داء دوي صارف عن الحق ، وأخطره وأقبحه ما يحمل صغبة العلم ، ويتحلى بأثواب المعرفة .

( ط ) وجاء في كتاب "الله يتجلى في عصر العلم" ثلاثون مقالاً لثلاثين من كبار العلماء الأمريكيين ، في الاختصاصات العلمية المختلفة من علوم الكون السائدة في هذا العصر الحديث ، وقد أثبت هؤلاء العلماء في مقالاتهم هذه وجود الله جلَّ وعلا ، عن طريق ما وَعَوْه من الأدلة الكثيرة المنبثة في مجالات اختصاصاتهم العلمية .

وفي هذا الكتاب يطلع القارئ على نوع من الأدلة العلمية ، التي تفرض سلطانهم على العلماء الماديين ، من خلال ملاحظاتهم وتجاربهم واختباراتهم العلمية ، فتجعلهم يؤمنون بالله ، ويجد فيه أيضاً الرد الكافي على مروجي الإلحاد ، الذين يزعمون أن العلوم تبعد عن الإيمان بالله ، وأن جميع أو معظم العلماء الكونيين ملحدون .

ونلخص فيما يلي أبرز ما في هذه المقالات وأجوده:

1- المقالة الأولى :

كتبها (فرانك ألن) ، عالم الطبيعة البيولوجية ، تحت عنوان : "نشأة العالم هل هو مصادفة أو قصد؟".

وقد جاء فيها قوله :

"إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود فكيف نفسر وجوده ونشأته؟

هناك احتمالات أربعة للإجابة على هذا السؤال:

1- فإما أن يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال ، وهذا يتعارض مع ما سلمنا به من أنه موجود .

2- وإما أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم ، وهذا مرفوض بداهة .

3- وإما أن يكون هذا الكون أزلي الوجود ليس لنشأته بداية ، وهذا الاحتمال يساوي ما يقوله المؤمنون بالله بالنسبة إلى أزلية الخالق ، لكن قوانين الكون تدل على أن أصله وأساسه مرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة ، فهو إذن حدث من الأحداث ، ولا يمكن إحالة وجود هذا الحدث المنظم البديع إلى المصادفة عقلاً ، ولذلك فهذا الاحتمال باطل أيضاً.

4- وإما أن يكون لهذا الكون خالق أزلي أبدعه ، وهو الاحتمال الذي تقبله العقول دون اعتراض ، وليس يرد على إثبات هذا الاحتمال ما يبطله عقلاً ، فوجب الاعتماد عليه".

ولا بد أن يلاحظ القارئ أن استدلال هذا العالم القائم على الحصر العقلي هو في غاية القوة ، فكيف يورط الملحدون أنفسهم ، فينكرون وجود الله بعد أن أقام لهم سبحانه كل هذه الأدلة والشواهد على وجوده سبحانه؟ ألا يضعون في حسابهم احتمال صدق أخبار الرسل ، وبها يعرضون أنفسهم للعذاب الخالد ، دون أن يجنوا في مقابل ذلك أي ربح؟.

ولكنها مواقف المعاندين ، يرون الحقائق ، ويرون مواقع العذاب ، وتشتد عليهم النذر ، ويصرون على مواقف العناد ، ويحاولون تبرير موقفهم بالأكاذيب والمخادعات والتضليلات وألوان الزخرف من القول .

2- المقالة الثانية :

كتبها (روبرت موريس بيدج) ، عالم الطبيعة ، وأول من اكتشف الرادار في العالم سنة (1934م) ، وقد كتب هذه المقالة تحت عنوان: "اختبار شامل" .



وقد جاء فيه قوله :

"وجدنا أناساً موهوبين يحدثوننا عن الغيب ، يقولون إنهم رسل الله ، وما حدثونا به قسمان :



1- قسم يقولون فيه : إن لهذا الكون خالقاً واحداً يجب الإيمان به .



2- وقسم يخبروننا فيه عن بعض أمور الغيب التي ستحدث ، أما القسم الثاني فقد وقع كما أخبرونا به بعد مئات السنين ، وأبدت الأيام وأثبت التاريخ صدق هذه النبوءات جميعاً ، وهي من الأشياء التي عجزت العلوم حتى اليوم أن تجد لها تفسيراً ، فدل ذلك على صحة رسالتهم ، وصدق أخبارهم ، ووجب أن نصدقهم فيما أخبرونا به عن الله تعالى وصفاته ، وهو القسم الأول ، لأن عقولنا لا تمنع منه ، بل عندنا من الشعور الداخلي ما يثبته".

ثم قال : "إن الإيمان بوجود الله من الأمور الخاصة التي تنبت في شعور الإنسان وضميره ، وتنمو في دائرة خبرته الشخصية".

فهذا العالم الذي اكتشف الرادار لأول مرة يدفعه إنصافه وحياده وأمانته الفكرية إلى إعلان إيمانه بالله ، مع التواضع الكريم المعروف عند العلماء حقاً ، وهكذا العلماء المتحلون بالأمانة الفكرية ، كلما ازداد علمهم زاد تواضعهم وزادت كمالاتهم الخلقية ، فلا يجحدون التوهم ، ولا يستكبرون عن الاعتراف بالحقيقة ، والإذعان لما يترجح لديهم من احتمالات وفق المنهج العلمي السليم .

أما الجهلة المتبجحون بالعلم فإن الغرور بالنفس يدفع بهم إلى مواقف العجب والكبر ، حتى يتطاولوا تطاول الحمقى ، فيعلنوا جحودهم بخالقهم ورازقهم ، استكباراً عن طاعته ، وتطلعاً إلى التحرر من أوامره ونواهيه ، تلبية لأهوائهم الجامحة ، وشهواتهم الجانحة ، أو خدمة لأسيادهم قادة المنظمات الإلحادية في العالم .

3- المقالة الثالثة :

كتبها (ماريت ستانلي كونجدن) ، وهو عالم طبيعي وفيلسوف ، وعضو الجمعية الأمريكية الطبيعية ، كتبها تحت عنوان : "درس من شجرة الورد".

وقد جاء فيها ما خلاصته :

1- إن كثيراً من الأمور التي نسلم بها إنما نعتمد فيها على الاستدلال المنطقي .

2- من أمثلة ذلك كثير من استنتاجاتنا اليومية في حياتنا العادية ، والعلوم الفلكية التي ليس بيننا وبينها اتصال مادي مباشر ، وبحوث الذرة ، واستخدام قوانين الكتلة والطاقة ، في استنباط صفات الذرة وتركيبها وخواصها ، مع العلم بأن العلماء لم يروا الذرة حتى الآن بطريقة مباشرة ، وقد أيدت القنبلة الذرية الأولى ما وصل إليه العلماء من قوانين ونظريات حول تركيب الذرة غير المنظور ووظائفها .

ومن هذه الأمثلة وجود الله ، فإننا نستطيع أن نصل إلى معرفته عن طريق الاستدلال المنطقي ، الذي يقوم على تفسير النتائج بنظائرها أو مثيلاتها .

3- برغم أن العلوم لا تؤيد وجود عالم غير مادي تأييداً كاملاً ، لأن الدائرة التي تعمل فيها تقع في حدود المادة ، فإنها لا تستطيع أن تنفي بصورة قاطعة وجود عوالم أخرى غير مادية وراء العالم المادي .

4- نستطيع بطريقة الاستدلال والقياس بقدرة الإنسان وذكائه في عالم يفيض بالأمور العقلية أن نصل إلى وجوب وجود قوة مسيطر مدبرة تسير هذا الكون وتدبر أمره .

ثم ختم مقاله بقوله: "إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه ، ويدل على قدرته وعظمته ، وعندما نقوم – نحن العلماء – بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية ، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته".

4- المقالة الرابعة :

كتبها (جون كليفلاند كوثران) وهو من علماء الكيمياء والرياضيات ، ورئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة (دولث) ، كتبها تحت عنوان : "النتيجة الحتمية".

بدأ الكاتب مقالته بكلمة (لورد كيلفن) وهو من علماء الطبيعة البارزين في العالم : "إذا فكرت تفكيراً عميقاً فإن العلوم سوف تضطرك إلى الاعتقاد بوجود الله".

ثم جاء فيها ما خلاصته:

1- تنقسم العوالم إلى ثلاث أقسام:

( أ ) العالم المادي .

(ب) العالم الفكري .

(ج) العالم الروحي .

2- إن التطورات الهامة التي تمت في جميع العلوم الطبيعية خلال السنين المئة الأخيرة ، بما في ذلك الكيمياء ، قد حدثت بسبب استخدام الطريقة العلمية في دراسة المادة والطاقة ، وعند استخدام هذه الطريقة تبذل كل الجهود للتخلص من كل احتمال من الاحتمالات الممكنة التي تجعل النتيجة التي تصل إلهيا راجعة إلى محض المصادفة .

3- أسهب الكاتب في الأمثلة العلمية عن طريق الكيمياء ، ليكشف أن سلوك أي جزء من أجزاء المادة مهما صغر ، لا يمكن أن يكون سلوكاً عشوائياً ناجماً عن المصادفة ، بل كل شيء يسير وفق قانون يهيمن على سلوكه .

4- ثم قال الكاتب : "فهل يتصور عاقل أو يفكر أو يعتقد أن المادة المجردة من العقل والحكمة قد أوجدت نفسها بنفسها بمحض المصادفة؟ أو أنها هي التي أوجدت هذا النظام وتلك القوانين ثم فرضتها على نفسها؟

لا شك أن الجواب سيكون سلبياً.

وتدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال والفناء ، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة ، والآخر بسرعة ضئيلة ، وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية ، ومعنى ذلك أيضاً أنها ليست أزلية ، إذ إن لها بداية .

وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة ولا تدريجية ، بل وجدت بصورة فجائية .

وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه المواد ، وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقاً ، وهو منذ أن خُلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة ، ليس لعنصر المصادفة بينها مكان .

فإذا كان هذا العالم المادي عاجزاً عن أن يخلق نفسه ، أو يحدد القوانين التي يخضع لها فلا بد أن يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي ، متصف بالعلم والحكمة".

وهكذا العلماء المنصفون ، فما أروع العالم حينما يدفعه علمه وحياده وإنصافه إلى الاعتراف بالحقيقة ، ولو كانت تخالف هواه وتشهياته ، أو تحد من حريته ، أو تلزمه بأن يتواضع ولا يستكبر!

وما أبعد الملحدين عن مثل هذا الموقف الكريم!

5- المقالة الخامسة :

كتبها (إدوارد لوثر كيسيل)، أستاذ الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو ، وهي بعنوان : "فلننظر إلى الحقائق دون ميل أو تحيز".

وقد جاء في هذه المقالة ما خلاصته:

1- أضاف البحث العلمي خلال السنوات الأخيرة أدلة جديدة على وجود الله ، زيادة على الأدلة الفلسفية التقليدية .

2- لقد عمت بلادنا في السنوات الأخيرة موجة من العودة إلى الدين ، ولم تتخط هذه الموجة معاهد العلم لدينا .

لا شك أن الكشوف العلمية الحديثة التي تشير إلى ضرورة وجود إله لهذا الكون ، قد لعبت دوراً كبيراً في هذه العودة إلى رحاب الله والاتجاه إليه .

3- يرى البعض أن الاعتقاد بأزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد بوجود إله أزلي ، ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي ، فالعلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً ، ولا يقتصر ما قدمته العلوم على إثبات أن لهذا الكون بداية ، فقد أثبتت فوق ذلك أنه بدأ دفعة واحدة منذ خمسة بلايين سنة ، والواقع أن الكون لا يزال في عملية انتشار مستمر تبدأ من مركز نشأته .

4- لو أن المشتغلين بالعلوم نظروا إلى ما تعطيهم العلوم من أدلة على وجود الخالق بنفس روح الأمانة والبعد عن الحيز الذي ينظرون به إلى نتائج بحوثهم ، ولو أنهم حرروا عقولهم من سلطان التأثر بعواطفهم وانفعالاتهم ، فإنهم يسلمون دون شك بوجود الله ، وهذا هو الحل الوحيد الذي يفسر الحقائق ، فدراسة العلوم بعقل متفتح سوف تقودنا دون شك إلى إدراك وجود السبب الأول الذي هو الله".

وهكذا أثبت هذا العالم من علماء الأحياء ما توصل إليه بالبحث العلمي المحايد من ضرورة التسليم بوجود الخالق جلَّ وعلا ، نظراً في الظواهر الكونية التي ترشد إلى حقائق علمية وراءها ، وأثبت أن موجة من العودة إلى الإيمان بالله تعم معاهد العلم في بلاده .

6- المقالة السادسة :

كتب هذه المقالة (وولتر أوسكار لندبرج) ، عالم الفسيولوجيا والكيمياء الحيوية وعميد معهد هورمل منذ سنة (1919م) ، والمقالة بعنوان : "استخدام الأسلوب العلمي".

وقد جاء فيها ما خلاصته :

1- أرجع هذا العالم في مقاله إخفاق بعض العلماء في فهمهم وقبولهم لما تدل عليه المبادئ الأساسية ، التي تقوم عليها الطريقة العلمية من وجود الله والإيمان به إلى أسباب لا صلة لها بالبحث العلمي وخص بالذكر منها سببين اثنين:

السبب الأول : ما تتبعه بعض الجماعات أو المنظمات الإلحادية أو الدولة من سياسة معينة ترمي إلى شيوع الإلحاد ومحاربة الإيمان بالله ، بسبب تعارض عقيدة الإيمان بالله مع صالح هذه الجماعات أو مبادئها[2] .

السبب الثاني : المعقدات الفاسدة التي تجعل الناس منذ الطفولة يعتقدون بإله على صورة إنسان[3] وعندما تنمو العقول بعد ذلك ، وتتدرب على استخدام الطريقة العلمية فإن تلك الصورة التي تعلموها منذ الصغر لا يمكن أن تنسجم مع أسلوبهم في التفكير ، أو مع منطق مقبول ، وأخيراً عندما تخيب جميع المحاولات في التوفيق بين تلك الأفكار الدينية القديمة ، وبين مقتضيات المنطق والتفكير العلمي ، نجد هؤلاء المفكرين يتخلصون من الصراع بنبذ فكرة الله كلية ، ومن ثم فلا يحبون العودة إلى التفكير في هذه الموضوعات التي تدور حول وجود الله[4].

2- ثم وجه كاتب المقال إلى الاعتماد في الإيمان بالله على أساس روحاني ، وأوضح أن الإيمان بالله مصدر لسعادة لا تنضب في حياة كثير من البشر .

3- ثم قال : أما المشتغلون بالعلوم الذين يرجون الله فلديهم متعة كبيرة يحصلون عليها كلما وصلوا إلى كشف جديد في ميدان من الميادين ، إذ أن كل كشف جديد يدعم إيمانهم بالله ويزيد من إدراكهم وإبصارهم لأيادي الله في الكون".

7- المقالة السابعة :

كتبها (بول كليرانس إبرسولد)، وهو أستاذ الطبيعة الحيوية ، ومدير قسم النظائر والطاقة الذرية في معامل (أوج ريدج) وعضو جمعية الأبحاث النووية والطبيعية النووية ، وهذه المقالة تحت عنوان : "الأدلة الطبيعية على وجود الله".

وقد جاء فيها ما خلاصته:

1- بدأ هذا العالم الطبيعي مقالة بكلمة للفيلسوف الإنكليزي (فرانس بيكون) التي قالها منذ أكثر من ثلاثة قرون:

"إن قليلاً من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد ، أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين"، ثم أيد كلمة هذا الفيلسوف بالشرح .

2- استدل على وجود الله تعالى بدليل اتفاق الناس في الشعور المشترك بوجوده فقال: وقد لمس الناس عامة –سواء بطريق فلسفية عقلية أو روحانية- أن هناك قوة فكرية هائلة ونظاماً معجزاً في هذا الكون يفوق ما يمكن تفسيره على أساس المصادفة ، أو الحوادث العشوائية التي تظهر أحياناً بين الأشياء غير الحية ، التي تتحرك أو تسير على غير هدى ، ولا شك أن اتجاه الإنسان وتطلعه إلى البحث عن عقل أكبر من عقله وتدبير أحكم من تدبيره وأوسع ، لكي يستعين به على تفسير هذا الكون ، يعد في ذاته دليلاً على وجود قوة أكبر وتدبير أعظم ، هي قوة الله وتدبيره ، وبرغم أننا نعجز عن إدراكه إدراكاً كلياً أو وصفه وصفاً مادياً ، فهنا ما لا يحصى من الأدلة المادية على وجوده تعالى ، وتدل أياديه في خلقه على أنه العليم الذي لا نهاية لعلمه ، الحكيم الذي لا حدود لحكمته ، القوي إلى أقصى حدود القوة".

8- المقالة السادسة عشرة :

كتبها (جورج هربرت بلونت)، أستاذ الفيزياء التطبيقية ، وكبير المهندسين بقسم البحوث الهندسية بجامعة (كاليفورنيا)، وهي مقالة بعنوان : "منطق الإيمان".

وقد جاء فيها ما خلاصته:

1- قال كاتب المقالة : "إنني أؤمن بالله ، بل وأكثر من ذلك ، إنني أكل إليه أمري ، ففكرة الألوهية بالنسبة لي ليست مجرد قضية فلسفية ، بل إن لها في نفسي قيمتها العملية العظمى ، وإيماني بالله جزء من صميم حياتي اليومية".

2- ثم بعد أن قرر مبدأ الأمور البدهية التي نقبل بها قبول تسليم وإيمان ، قال :

"وكذلك الحال فيما يتعلق بوجود الله ، فوجوده تعالى أمر بدهي من الوجهة الفلسفية ، والاستدلال بالأشياء على وجود الله – كما في الإثبات الهندسي- لا يرمي إلى إثبات البدهيات ولكنه يبدأ بها ، فإذا كان هناك اتفاق بين هذه البدهية وبين ما نشاهده من حقائق الكون ونظامه فإن ذلك يعد في ذاته دليلاً على صحة البدهية التي اخترناها".

3- ثم قسم الأدلة إلى أنواع فقال : "والأدلة أنواع : منها الأدلة الكونية ، ومنها الأدلة التي تقوم على أساس إدراك الحكمة ، ثم الأدلة التي تكشف عنها الدراسات الإنسانية .

فالأدلة الكونية : تقوم على أساس أن الكون متغير ، وعلى ذلك فإنه لا يمكن أن يكون أبدياً ، ولا بد من البحث عن حقيقة أبدية عليا .

أما الأدلة التي تبنى على إدراك الحكمة: فتقوم على أساس أن هناك غرضاً معيناً أو غاية وراء هذا الكون ، ولا بد لذلك من حكيم أو مدبر .

وتكمن الأدلة الإنسانية ، وراء طبيعة الإنسان الخلقية ، فالشعور الإنساني في نفوس البشر إنما هو اتجاه إلى مشرِّع أعظم".

4- ثم ناقش الكاتب وضع الملحدين فقال : "ويلاحظ أن للملحدين منطقهم ، ولكنه منطق سلبي ، فهم يقولون : إن وجود الله يستدل عليه بشواهد معينة وليس ببراهين قاطعة ، وهذا من وجهة نظرهم يعني عدم وجود الله تعالى ، إنهم يردون على الأدلة الكونية بقولهم : إن المادة والطاقة يتحول كل منهما إلى الآخر ، بحيث يمكن أن يكون الكون أزلياً ، كما أنهم ينكرون النظام في الكون ويرونه مجرد وهم ، وهكذا ينكرون الشعور النفسي بالعدالة والاتجاه نحو موجه أعظم ، ومع ذلك لا يستطيعون أن يقيموا دليلاً واحداً على عدم وجود الله ، ومن منطقهم أن الأدلة المقدمة لإثبات وجود الله لا تعتبر كافية من وجهة نظرهم ، وهناك فئة أخرى من الملحدين لا يعترفون بإله لهذا الكون ، لأنهم لا يرونه ، ولكنهم لا ينفون وجود إله في كون أو عالم آخر غير هذا الكون ، ولا شك أن هذا موقف مائع متضارب لا يستند إلى أساس سليم .

فإذا قارنا بين الشواهد التي يستدل بها المؤمنون على وجود الله وتلك التي يستند إليها الملحدون في إنكار ذاته العلية ، لاتضح لنا أن وجهة نظر الملحد تحتاج إلى تسليم أكثر مما تحتاج إليه وجهة نظر المؤمن ، وبعبارة أخرى : نجد المؤمن يقيم إيمانه على البصيرة ، أما الملحد فيقيم إلحاده على العمى .

[1] هذه الأقوال من ( أ ) إلى ( ح ) مقتبسة من كتاب "الإسلام يتحدى" ، تأليف : وحيد الدين خان ، تعريب : ظفر الإسلام خان ، مراجعة وتحقيق : دكتور عبد الصبور شاهين .

[2] يلاحظ الكاتب الدول الإلحادية التي ترى أن مصالحها مرتبطة بدعم قضية الإلحاد .

[3] وهو ما تمليه بعض الأديان المحرَّفة عن أصولها الصحيحة .

[4] لكن هذا السبب غير موجود بحمد الله في واقع المعتقدات الإسلامية ، إلا أن دعاة الإلحاد يحاولون بكل ما لديهم من خداع وتضليل أن يصوروا العقائد الإسلامية تصويراً يخالف مقتضيات المنطق والتفكير العلمي ، إذ يعممون هذا السبب تعميماً تقريرياً دون دليل ، أو يحشرون مفاهيم غير إسلامية ضمن بعض مفاهيم إسلامية للتضليل .

وأنا مقتنع أن الإيمان يقوم على العقل ، وأن العقل يدعو إلى الإيمان ، وإذا كان الإنسان يعجز أحياناً عن مشاهدة الأدلة فقد يكون ذلك راجعاً إلى عدم قدرته على أن يفتح عينيه".

وهكذا مررنا على تلخيص لمقالات ثمان[1] من أصل ثلاثين مقالة لثلاثين عالماً من كبار علماء النهضة العلمية المعاصرة ، موجودة في كتاب "الله يتجلى في عصر العلم" ورأينا منها أن العلوم المادية تؤيد قضية الإيمان بالله جلَّ وعلا ، ولا تؤيد قضية الإلحاد مطلقاً .

(ي) ويقول الفيلسوف (هرشل):

"إنه كلما اتسع نطاق العلوم تحققت وكثرت الأدلة على وجود حكمة خالقة قادرة مطلقة ، وعلماء الأرضيات والهيئة والطبيعيات والرياضيات يهيئون بمساعيهم واكتشافاتهم كل ما يلزم لإنشاء معبد العلوم إعلاء لكلمة الخالق".

(ك) أذاعت وكالة (رويتر) على العالم كله برقية جاء فيها ما يلي:

"نيويورك _ ر _ استفتت مجلة "كوليرز" المعروفة عدداً كبيراً من علماء الذرة والفلك وعلم الأحياء (بيولوجيا) والرياضيات ، فأكدوا أن لديهم أدلة وقرائن كثيرة تثبت وجود كائن أعظم ، ينظم هذا الوجود ويرعاه بعنايته ورحمته وعلمه الذي لا حدَّ له . ويقول الدكتور (راين) إنه ثبت من أبحاثه في المعامل أن في الجسم البشري روحاً أو جسماً غير منظور. وقال عالم آخر : إنه لا يشك في أن الكائن العظم – وهو ما تسميه الأديان السماوية (الله) – هو الذي يسيطر على الطاقة الذرية وغيرها من الظواهر والقوانين الخارقة في هذا الوجود".

(ل) وجاء في كتاب "الله في الطبيعة" للفيلسوف (كميل فلامريون) ، وهو فيلسوف ينكر اليهودية والنصرانية ولا يعرف الإسلام ، ما يلي :

"إذا انتقلنا من ساحة المحسوسات إلى الروحيات ، فإن الله يتجلى لنا كروح دائم موجود في كل شيء".

ويقول بحسب نظراته الخاصة التي لم يأخذها من التعاليم الدينية:

"ليس هو (أي الله) سلطاناً يحكم من فوق السماوات ، بل هو نظام مستتر مهيمن على كاف الموجودات .

ليس مقيماً في جنة مكتظة بالصلحاء والملائكة ، بل إن الفضاء اللانهائي مملوء به ، فهو موجود مستقر في كل نقطة من الفضاء ، وكل لحظة من الزمان ، أو بتعبير أصح : هو قيوم لا نهائي منزه عن الزمان والمكان والتسلسل والتعاقب .

ليس كلامي هذا من جملة عقائد ما وراء الطبيعة المشكوك في صحتها ، بل من النتائج القطعية التي استنبطت من القواعد الثابتة للعلم ، كنسبية الحركة وقدم القوانين .

إن النظام العام الحاكم في الطبيعة ، وآثار الحكمة المشهودة في كل شيء والمنتشرة كنور الفجر وضياء الشفق في الهيئة العامة ، لا سيما الوحدة التي تتجلى في قانون التطور الدائم تدل على أن القدرة الإلهية المطلقة هي الحوافظ المستترة للكون ، هي النظام الحقيقي ، هي المصدر الأصلي لكافة القوانين الطبيعية وأشكالها ومظاهرها".

* التعليق على هذه الأقوال المؤمنة:

وباستعراض هذه الأقوال المؤمنة لطائفة من كبار علماء الكون الماديين – ويوجد أمثالها كثير – يتبين للمنصف بوضوح مدى المغالطات والافتراءات التي بنى عليها الملحد الماركسي العربي (د. العظم) كتابه المتهافت "نقد الفكر الديني" لا سيما حينما زعم أن مزاج حضارة القرن العشرين وثقافته ممتلئة بالتردد والميوعة حيال الدين والمعتقدات الدينية ، وذلك في الصفحة (19) من كتابه.

وتجاهل كل الأقوال المؤمنة التي قالها كبار العلماء الماديين من علماء القرن العشرين ،وكل الشهادات العلمية الإيمانية .

وتجاهل أيضاً الأعمال التخريبية لأصول الإيمان ، وهي الأعمال التي تقوم بها منظمات عالمية ، ترى أن نشر الإلحاد ودعم قضيته مما يخدم مصالحها الخاصة أحسن خدمة ، إذ يجعل الشعوب الإنسانية على حافة الانهيار ، ومتى انهارت تسلمتها أفواه الذئاب والثعابين الواقفة لها بالمرصاد .

وكل من يخدم قضية الإلحاد باندفاع وحماسة فهو جندي من جنود هذه المنظمة العالمية ، وكثيراً ما يكون غراً لا يزيد أجره عند قادة المنظمة على أجر قاتل أمه وأبيه ، متى قتلهما ألحق بهما ، وقد كان من قبل يمنى بالأماني العريضة ، وتتحلب أشداقه على المواعيد الحلوة ، وذلك لأن من استخدمه حربة لم يستخدمة إلا ليكسره متى استنفد أغراضه منه .

ألم يطلع الملحد (العظم) على كل هذه الأقوال المؤمنة ونظائرها؟ ألم ينظر من أقوال العلماء إلا أقوال (برتراند رسل) لأنه اتجه إلى الإلحاد؟ ألم يقرأ من أقوال العلماء المؤمنين إلا مقالة الفيلسوف (وليم جيمس) إذ رأى استدلاله على وجود الله استدلالاً ضعيفاً؟ وقد جاء بعده علماء كثيرون كانت لهم أقوال ومقالات مشتملة على بيانات وأدلة أقوى مما ساقه (وليم جيمس).

أليس هذا من طمس الحقائق والتلاعب بها؟ فأين الأمانة العلمية التي يتظاهر بالغيرة عليها؟

ولكن هذا هو شأن المبطلين حينما ينصرون الباطل الذي يتعصبون له بدافع المصالح والمنافع الخاصة لا بدافع نشدان الحقيقة .

لقد رأينا في حشد هذه الأقوال المؤمنة للعلماء الماديين وكثير منهم من علماء القرن العشرين أن موجة من العودة إلى الدين الصحيح الصافي تسود الأوساط العلمية الكبرى .



فما ادعاه (العظم) في الصفحة (28) من "أن النظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان خالية عن ذكر الله" ، ادعاء كاذب وباطل لا أساس له من الصحة مطلقاً .

ولكن هل للمبطل إذا أراد أن ينصر باطله إلا السفسطة ، والمغالطة ، والمراوغة عن الحق ، وصناعة الأكاذيب ، والتمويه بالأقوال المزخرفة .

ولنفرض جدلاً أن العلماء الماديين جميعهم أنكروا وجود الله ، أفيؤثر ذلك على حقيقة وجود الله جلَّ وعلا ؟ هل ينتظر من العلوم المادية المتقدمة وأجهزتها المتطور أن ترينا الله تبارك وتعالى رؤية حسية . إن أقصى ما تفعله أن ترينا آيات الله في الكون ، أما ذات الله تبارك وتعالى فلن تستطيع أن ترينا إياها ، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (فصِّلت/41 مصحف/61 نزول):

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ }.

على أننا نقول: هل تستطيع العلوم المادية المتقدمة ، وأجهزتها المتطورة ، أن ترينا كثيراً من الطاقات الكونية التي غدت حقائق علمية ثابتة لدى العلماء الماديين عن طريق الاستنتاج من ظواهرها وآثارها ، وهذه الحقائق التي أثبتوها ليست إلا تفسيرات نظرية للظواهر؟

إن أقوال العلماء الماديين المؤمنين الذين نشأوا في عصر النهضة العلمية المادية الحديثة لتقدم للمتشككين أدلة كافية على أن العلوم المادية ليست علوماً ملحدة في حقيقتها ، لكن الإلحاد ملصق بها بطريقة صناعية مقصودة موجهة ، من قبل فئات خاصة لها في نشر الإلحاد مصالح سياسية واقتصادية ضد خيرية البشرية وسعادتها .

ومن هذه الأقوال يتبين لنا بوضوح أنهن لا يوجد تناقض ولا تعارض مطلقاً في نظر جمهور العلماء الماديين بين الدين والعلم حول الأساس الأول من أسس العقيدة الدينية ، وهي عقيدة الإيمان بالله جلَّ وعلا ، وبهذا تنهار المستندات الإلحادية التي تزعم وجود هذا التناقض بالنسبة إلى هذه النقطة بالذات ، باعتبارها مجال بحثنا الآن ، وباعتبارها أعظم نقطة في الأيديولوجية الإلحادية ، والتي يحاول الملحدون جهدهم أن يوجدوا لها المبررات النظرية ، أو المبررات العملية ، فلا يجدون إلا افتراء الأكاذيب ، وصناعة المغالطات ، والاحتماء المزور بالتقدم العملي والصناعي ، وسرقة أسلحة العلم التي لا تملك في الحقيقة الدفاع عن الإلحاد ، وإنما هي في الأصل أسلحة لقضية الإيمان ، يحسن استعمالها العالمون بها ، وتكون عند الجاهلين بها أسلحة معطلة ، ويسرقها الملحدون فيحملونها أمام الجاهلين ، فيتخيل الجاهلون بها أنها فعلاً أسلحة للملحدين ، وهي تدعم قضية الإلحاد ، مع أن الحقيقة بخلاف ذلك ، إنها أسلحة للمؤمنين العالمين بها ، الذين يحسنون استعمالها .

ومثل الملحدين في نظري إذ يسرقون أسلحة المؤمنين كمثل وارث كنز عظيم ، ولكن هذا الوارث قد نشأ وهو يجهل أين خبأ له مورثه كنزه ، وأقبل خبراء البحث عن الكنوز ينقبون ويبحثون ، وتسلل من وراء هؤلاء الخبراء لصوص ، تظاهروا بأنهم باحثون خبراء ، ولكنهم وقفوا يرصدون ما يعثر عليه الباحثون الحقيقيون ، ليسرقوه كله أو ما يستطيعون سرقته منه ، وكان مورث الكنز قد كتب اسمه ورسم صورته على أحد وجهي مصكوكاته الذهبية علامة على أنها له ، وقد خبأها لوارثه ، أما الخبراء المنقبون الأمناء : فإنهم لما ظفروا بما وجوده من الكنز، أعلنوا ما شهدوا من كتابة ورسوم على مصكوكاته ، وثبتوا استحقاق الوارث لها ، وأخذوا أجرهم على أعمالهم . وآخرون لم تكن لديهم الأمانة الكافية أو كانوا جاهلين بقراءة المكتوبات الأثرية أخذوا ما عثروا عليه ، وانتفعوا بالكنز ، ولم يعلنوا ما شهدوا من كتابة ورسوم على مصكوكاته ، ولم يهتموا بأن يعترفوا باستحقاق الوارث لها . وجاء من وراء الفريقين فئة اللصوص ، فسطوا على بعض ما استخرجه الخبراء من الكنز ، وطمسوا الوجه المكتوب ، وأقبلوا يفاخرون بأن الكنز كله هو ملكهم ، وهو ميراثهم ، والدليل على ذلك أن بعض قطع مصكوكاته الذهبية في أيديهم ، قد عثروا عليها وفيها كتابة تشهد لهم بأن مورِّثهم قد خبأها لهم .

وحينما يُقال لهم : أرونا هذه الكتابة التي تشهد لكم يقولون: فلان قال هذا ، وفلان قال هذا ،وفلان قال هذا ، وكل هؤلاء الذين ذكروهم هم من فئة اللصوص أنفسهم ، أو من غيرهم ولكن يكذبون عليهم ، ويظلُّون حريصين على أن يبقى الوجه الثاني للمصكوكات الذهبية مطموساً ، حتى لا تنكشف لعبتهم القائمة على اللصوصية والتزوير .

بأسلوب مَهين من الغوغائية الجدلية لمحاربة الدين ومناصرة قضية الإلحاد ، قال الناقد (د. العظم) في الصفحة (38) من كتابه :

"جلي أن هذه النظرة الإسلامية للكون هي نظرة غائية ، تعتمد في تفسيرها لطبيعة الكون على العلل الغائية ، والأهداف السامية ، وعلى مفاهيم أخلاقية مثل "الحق والعدل".

هل تنسجم هذه النظرة الغائية إلى الكون والحياة مع النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته؟ لو رجعنا إلى التفسيرات العلمية للكون من (نيوتن) إلى (أينشتاين) هل نجد في صلبها مقولات مثل (الأهداف السامية) أو (الحق والعدل) أو (الروح والجمال والخالق)؟ هل نجد لهذه المفاهيم الأخلاقية الدينية أي ذكر في النظرية النسبية ، أو في ميكانيكا الكموم مثلاً؟ سؤال جدير بالتمحيص والإيضاح والمناقشة على أقل تعديل".

هذا كلامه بالحرف الواحد ، فياللعجب العجاب!! أعلى هذا المستوى الفكري السخيف تعرض قضية الإلحاد ، وتناقش قضية الإيمان بالله؟!

أهكذا يجازف بمنطقه وفلسفته ليصنع حجة مكشوفة السخف والتفاهة؟

ولكن إذا لم يكن لديه حقائق يناقش بها أفلا يطرح أكوام ألفاظ يغالط بها المراهقين ، ويوهمهم فيها أنه يصنع جدليات عالية؟

قد يتصور أن مراهقي الأفكار المفتونين بالألفاظ الحديثة إذا لم يفهموا أكوام ألفاظه هذه فإنهم سيظنون أن كاتبها ضليع بدلالاتها ، ما دام قد استخدم في غضونها عبارات النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته ، والنظرية النسبية ، وميكانيكا الكموم ، وله أن يحشر معها إذا شاء عبارات (الجداول الرياضية) و(الطاقة الذرية) و(الطاقة الهيدروجينية) و(طائرات الميغ) و(الأقمار الصناعية) و(حضارة القرن العشرين) و(موسكو) و(نهر الراين) و(جبال هيمالايا) ، إلى غير ذلك من ألفاظ وعبارات لا صلة لها بموضوع البحث .

فما صلة النظرية النسبية وميكانيكا الكموم بالحديث الصريح عن الله تعالى ، أو التعرض إلى المفاهيم الأخلاقية ، حتى يعتبر عدم ذكر اسم الله والمفاهيم الأخلاقية فيها دليلاً على نفي وجود الله ، أو على إلغاء المفاهيم الأخلاقية؟!

إن عمله يشبه عمل من ينكر وجود القطب الشمالي لأنه لم يوجد له ذكر في جدول الضرب ، ولا في كتاب "تعلمي سيدتي كيف تطبخين" ، ولا في بطن "حصان طروادة" ، ولا في "السمفونية التاسعة لبيتهوفن".

هذا مع أن العلامة (ألبرت أينشتاين) صاحب النظرية النسبية قد كان مؤمناً قوي الإيمان بوجود الله ، ومن أقواله : "إن أصحاب العبقريات الدينية في جميع العصور قد عرفوا بهذا النوع من الشعور الديني الذي لا ينتمي إلى نحلة ، ولا يتمثل الله في أمثلة بشرية ، إنني لأرى أن أهم وظيفة من وظائف الفن والعلم هي أن يوقظا هذا الشعور ، وأن يستبقياه حياً في الذين تهيأوا له".

أليس عجيباً أن يقول (أينشتاين) مثل هذا الكلام وهو صاحب النظرية النسبية ، ثم يأتي (د. العظم) فيورد (النظرية النسبية) مورد الاستشهاد لإنكار وجود الله ، ونقض المفاهيم الأخلاقية الدينية ، باعتبار أن هذه الأمور لم تذكر فيها؟

كان عليه قبل أن يستشهد بـ(أينشتاين) وبـ(النظرية النسبية) أن يراجع على أقل تقدير ما يعرف الناس عن هذا العالم ، وعن أقواله في الدين ، حتى لا يورط نفسه بهذا التهافت الذي سقط فيه .

إن (أينشتاين) لو كان يرى أن نظريته النسبية تتنافى مع الدين لدعم بنظريته الإلحاد ، ولأعلن بها نقض الدين ، لكنه _كما رأينا_ على العكس من ذلك حريص على إيقاظ الشعور الديني ، وإبقائه حياً في الذين تهيأوا له .

لكن (د. العظم) حينما أورد اسم (أينشتاين) و(النظرية النسبية) في غضون كلامه ، إنما عمد إلى السفسطة والمغالطة ، والإيهام ، ليصور للقارئ الجاهل أنه يصنع شيئاً لدعم قضية الإلحاد ، فهو يذكر الأسماء الكبيرة في مجال العلوم المادية ، ليستر بها تضليله وغوغائيته الجدلية .

وكما أوهم أن (أينشتاين) ملحد ، أوهم أيضاً أن العالم (لابلاس) من فئة الملحدين ، على خلاف ما عليه واقع حال هذا العالم .

تابع :مغالطة بطمس الشهادات المؤمنة للعلماء الماديين

[1] اقتباساً من كتاب "العقيدة الإسلامية وأسسها" للمؤلف ، وكذلك الأقوال الواردة بعد تلخيص المقالات الثمان: قول (هرشل) ، وما أذاعته وكالة (رويتر) ، وما جاء في كتاب "الله في الطبيعة" للفيلسوف (كميل فلامريون).


قال (العظم) في الصفحة (28) من كتابه:

" عندما نقول مع (نيتشه) : إن الله قد مات أو هو في طريقه إلى الموت (والعياذ بالله من حكاية هذا الكلام الكبير الشنيع) فنحن لا نقصد أن العقائد الدينية قد تلاشت من ضمير الشعوب ، وإنما تعني أن النظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان خالية من ذكر الله تماماً كما قال (لابلاس)".



إنه يحشر اسم العالم (لابلاس) هنا ليموه بأنه من أنصار قضية الإلحاد بالنظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان ، ولا يؤيد قضية الإيمان بالله ، مع أن (لابلاس) مؤمن أخذاً منن أقواله ، وله في الاستدلال على وجود الله وَرَدِّ أقوال الجاحدين كلام طيب ، يلغي فكرة الاعتماد على المصادفات ، ويرى أن النظام الكوني الرائع لا بد له من خالق .



لقد شرح (لابلاس) دليل الحركة الكونية ، وأبان قوة هذا الدليل في جسم الشبهات التي يثيرها الجاحدون فقال "أما القدرة الفاطرة التي عينت جسامة الأجرام الموجودة في المجموعة الشمسية وكثافتها ، وثبتت أقطار مداراتها ، ونظمت حركاتها بقوانين بسيطة ، ولكنها حكيمة ، وعينت مدة دوران السيارات حول الشمس والتوابع حول السيارات بأدق حساب ، بحيث إن النظام المستمر إلى ما شاء الله لا يعروه خلل..



هذا النظام المستند إلى حساب يقصر عقل البشر عن إدراكه ، والذي يضمن استمرار واستقرار المجموعة إزاء ما لا يعد ولا يحصى من المخاطر المحتملة ، لا يمكن أن يحمل على المصادفة إلا باحتمال واحد من أربعة تريوليونات ، وما أدراك ما أربعة تريوليونات؟ إنه عدد من كلمتين ، ولكن لا يمكن أن يحصيه المحصى إلا إذا لبث خمسين ألف عام يعد الأرقام ليلاً ونهاراً ،على أن يعد في كل دقيقة (150) عدداً"



صحيح أن (لابلاس) أعلن قوله:

"إن العالم العظيم الذي سيتمكن من معرفة انتشار الذرات في السحب السديمية الأولية سيكون باستطاعته أن يتنبأ بكل مستقبل الكون وأحداثه"[1].



ولكن قوله هذا لا يعني إنكاره للخالق ، وإنما يدل على شعوره بأن الكون سائر وفق نظام مرسوم خاضع لسلاسل سببية متتابعة ، يمكن التنبؤ باللاحق منها لدى معرفة السابق .



وأما ما نسبه (د. العظم) إليه من قوله لنابليون : "الله فرضية لا حاجة لي بها في نظامي" فلست أدري مبلغه من الصحة أمام قوله الذي قرأناه مما كتب بنفسه . وبكل أسف لم نجد لدى الناقد أثراً للأمانة الفكرية التي يتظاهر بالغيرة عليها .



يا عجباً لهذا الفريق الملحد من الناس ، ترى أحدهم مريضاً بمرض السرطان الفكري الطاغي ، ثم يتهم الأعضاء الرئيسية الأساسية في البناء الفكري الصحيح بأنها نمو سرطاني ، وقديماً قال العرب في أمثالهم : "رمتني بدائها وانسلت".





وبعد أن حمل (د. العظم) النظرية النسبية ما لا تحمل ، واستغل اسم (أينشتاين) لدعم قضية الإلحاد ، متجاهلاً أنه كان مؤمناً بالله ، ومؤيداً التفسيرات الغائية للكون ، بمثل قوله : "إن الشخص الذي يعتبر حياته وحياة غيره من المخلوقات عديمة المعنى ، ليس تعيساً فحسب ، ولكنه غير مؤهل للحياة".



بعد هذا التضليل والتمويه والتجاهل الذي صنعه (د. العظم) خطا خطوة رفع فيها لواء تمجيد واضعي النظريات الموجهة خصيصاً لمحاربة المفاهيم الإسلامية ، والقائمة أساساً على إنكار وجود الله تبارك وتعالى ، من اليهود الذين تحملوا مهمة وضع هذه النظريات المناقضة للمفاهيم الإسلامية باسم العلم ، وذلك بدفع من القيادة اليهودية العالمية ، فأخذ يمجد بأسماء هؤلاء اليهود (دركهايم) و(فرويد) و(ماركس) فقال في الصفحة (39) من كتابه:



"حين نطرح المسألة بهذه البساطة وبهذا التحديد ، يبدو أنه ثمة تناقض واضح بين النظرة الإسلامية الغائية للكون – كما سردها سماحة موسى الصدر – وبين النظرة العلمية ، كما تبلورت مع تطور العلم الحديث وتقدمه . من يراجع تاريخ العلم الحديث يكتشف بسرعة أن واضعي دعائمه وفلاسفته شنوا حرباً لا هوادة فيها على إقحام العلل الغائية والمفاهيم الأخلاقية في التفسيرات العلمي لظواهر الطبيعة ، ورفضوا النظرة الغائية للكون رفضاً باتاً ، لأنهم اعتبروها من إنتاج خيال الإنسان الأسطوري ، ولأنها تعيق تقدم العلم ، وانتشار تفسيراته للظواهر الطبيعية مهما كان نوعها ، إننا نجد هذا التيار المعادي للنظرة الغائية منذ البداية ، عند المفكرين والفلاسفة الذين رسخوا دعائم العلم الحديث ، من فرانسيس بيكون ، إلى برتراند رسل ، مروراً بديكارت ، وسبينوزاً ، وغاليليو ، وداروين ، وبافلوف ، ودركهايم ، وفرويد ، وماركس ، إلى آخر القائمة الطويلة من الأسماء ".



هكذا ، وعلى المستوى من التضليل الغوغائي ، أو الحرب (الديماغوجية) وفق تعبيرات الملاحدة الماركسيين ، يسير (العظم) في نقده للفكر الديني .



لقد سبق أن برهنا على أن جمهوراً كبيراً من علماء عصر النهضة العلمية الحديثة مؤمنون بالله ، ومعترفون بالمفاهيم الأخلاقية التي نبَّه عليها الإسلام أو نادى بها ، وذلك منهم انسجام مع النظرة الإسلامية الغائية للكون ، ولا يرون في ذلك مخالفة للنظرة العلمية ، وإذا استثنينا الملاحدة المعدودين من علماء النهضة العلمية الحديثة ، واليهود المدفوعين خصيصاً لوضع النظريات التي تدعم قضية الإلحاد ، أمثال دركهايم ، وفرويد وماركس فإننا نجد معظم علماء النهضة العلمية الحديثة لا يجحدون الله ، ولا ينكرون النظرة الغائية للكون ، ولا ينكرون المفاهيم الأخلاقية ، بل كثير منهم يؤيد هذه الحقائق ويؤمن بها ، ولكن الملحد العميل الذي لا يؤمن بالعلل الغائية ولا بالمفاهيم الأخلاقية ، لا يخجل من صناعة التمويه بالأكاذيب والتزويرات والتضليلات الجدلية ، التي ليس لها أساس فكري سليم ، ولا هي قائمة على احتجاج منطقي مقبول.



إنه يعرض أقواله على طريقة الحقائق المسلم بها ، دون أن تقترن بحجج نظرية ، أو بشواهد واقعية ، ثم يزعم أنها حقائق مسلم بها عند العلماء ، ويكتفي بعرض قائمة من أسماء الرجال المشهورين بالعلم والفلسفة ، ويحشر في كل مرة أسماء اليهود ، الذين وضعوا ما أسموه بنظريات علمية ، ولا تزيد في حقيقة حالها على أنها فرضيات صيغت بعناية مقصودة لدعم قضية الإلحاد ،ولا يستطيع أن يكتم تمجيدها ، وتمجيد كتبهم ، وما يسمى نظرياتهم ، ولا يخجل وهو عربي العرق أو يبالغ بتأييد المخطط اليهودي العالمي ، في هذا العصر الذي تعاني أمته أقسى المحن وأشهدها من اليهودية العالمية ، ومن مخططاتها الرامية إلى الاستيلاء على العالم العربي كله .



إنه لعجب كبير أن تبلغ الخيانة بإنسان ما إلى هذا الدرك الذي ليس من دونه درك أسفل منه .



لو كانت النظرة العلمية الحديثة تناقض أو تعارض النظرة الإسلامية الغائية للكون ، لما وجدنا هذا الجمهور الكبير من علماء النهضة العلمية الحديثة مؤمنين بالله ،وبتفسيرات النظرة الإسلامية الغائية للكون ،وبالمفاهيم الأخلاقية الدينية .



وهذا واحد منهم وهو (أندرو كونواي إيفي) من العلماء الطبيعيين ذوي الشهرة العالمية من سنة (1925م) إلى سنة (1946م) يقول في مقال له تحت عنوان : "وجود الله حقيقة مطلقة":



"ويظهر أن الملحدين أو المنكرين بما لديهم من شك لديهم بقعة عمياء ، أو بقعة مخدرة داخل عقولهم ، تمنعهم من تصور أن كل هذه العوالم ، سواء ما كان ميتاً أو حياً ، تصير لا معنى لها بدون الاعتقاد بوجود الله".



ثم استشهد بكلام العلامة (أينشتاين) ، إذ قال:

"إن الشخص الذي يعتبر حياته وحياة غيره من المخلوقات عديمة المعنى ليس تعيساً فحسب ، ولكنه غير مؤهل للحياة".



أليس هذا التفكير الذي يعلن عنه هذا العالم ومن قبله (أينشتاين) تفكيراً قائماً على النظرة الغائية للكون ، وعلى اعتبار القيم الأخلاقية؟



إن هذه النظرة الموافقة للنظرة الإسلامية لم تكن عند أصحابها مناقضة للأسس العلمية الحديثة ، ولا للنظرة العلمية كما تبلورت مع تطور العلم الحديث وتقدمه ، فمن أين (للعظم) وهذا الادعاء الكاذب؟!



إذا كانت هذه النظرة مناقضة لما يسمى بنظريات اليهود (دُركهايم – فرويد – ماركس) أو النظريات التي روجها اليهود كالنظرية الداروينية فلا بأس ، إن هؤلاء أجراء المخطط اليهودي العالمي المعروف ، وقد وضعوا مذاهبهم لهدم الأسس الدينية ، لا على أساس قناعات علمية صحيحة ، وقد أصبح مخططهم مكشوفاً للعالم ، وكتب في كشف مكايدهم محققون من العلماء المتتبعين .



أما ادعاء (العظم) بأن النظرة الغائية للكون والمفاهيم الأخلاقية تعيق تقدم العلم وانتشار تفسيراته للظواهر الطبيعية مهما كان نوعها ، فهو ادعاء هراء ، غير مستند إلى أي أساس نظري أو واقعي . إن الإيمان بالله لا يتعارض بحال من الأحوال مع أي تقدم علمي يُدرسُ فيه واقع حال هذا الكون ، وما فيه من طاقات وقوى مشاهدة وغير مشاهدة ، وما فيه من نظم وأسباب ظاهرة أو خفية ، كما أن المفاهيم الأخلاقية تساعد على ما تقدم المعرفة من جهة ، وعلى سعادة الإنسان من جهة أخرى ، وضبط سلوكه فيما يحقق للأفراد وللجماعات أوفر نصيب من الخير العيش الرغيد .



ولكن الملحد يكتفي بإطلاق الادعاءات الكاذبة ، دون دليل منطقي أو واقعي .





يحاول الناقد (العظم) كما رأينا الإقناع بنسف الأسس الأخلاقية من جذورها بينما يتظاهر في موطن آخر من كتابه بغيرته على المبدأ الأساسي لأخلاق الاعتقاد ، فتعليقاً على بعض آراء (وليم جيمس) الذي رجح جانب الإيمان بالله استناداً إلى المشاعر الإنسانية الداخلية ، التي ترجح جانب الإيمان على جانب الكفر ، يقول في الصفحة (75):



"هنا يثبت (جيمس) حق هذا الإنسان بأن يعتقد بوجود الله ،استناداً إلى ما توحيه له طبيعته العاطفية حول هذا الموضوع ، أي : بالنسبة لجيمس يحق له أن يحسم الأمر باللجوء إلى عواطفه ومشاعره ، ضارباً بعرض الحائط المبدأ الأساسي لأخلاق الاعتقاد".



ويتظاهر بحرصه على مبدأ الأمانة الفكرية ، وهو مبدأ أخلاقي ، فيقول في الصفحة (21):



"هل باستطاعتي أن أقبل بكل نزاهة وإخلاص المعتقدات الدينية التي تقبلها آبائي وأجدادي ، دون أن أخون مبدأ الأمانة الفكرية؟"



ويكرر تظاهره بالغيرة على الأمانة الفكرية فيقول في الصفحة (29):



"هذا هو الحد الأدنى من متطلبات الأمانة الفكرية ، في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة".



أليس هذا التهافت في كلامه من أعجب الأمور؟ كيف يسوغ لنفسه أن يقف مثل هذا الموقف الأخلاقي لمناصرة قضية الإلحاد والكفر بالله ، وقد ذبح القيم كلها والمبادئ الأخلاقية جميعاً ، وأعلن أنها أمور لا يعترف بها العلم – بحسب زعمه – ولا يقيم لها وزناً؟



سبق أن نقلنا كلامه في الصفحة (38) من كتابه ، وفيه يقول:



"جلي أن هذه النظرة الإسلامية للكون هي نظرة غائية ، تعتمد في تفسيرها لطبيعة الكون على العلل الغائية ، والأهداف السامية ، وعلى مفاهيم أخلاقية ، مثل (الحق والعدل). هل تنسجم هذه النظرة الغائية إلى الكون والحياة مع النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته؟ لو رجعنا إلى التفسيرات العلمية للكون من (نيوتن) إلى (أينشتاين) هل نجد في صلبها مقولات مثل الأهداف السامية ، أو الحق والعدل ، أو الروح والجمال والخلق ، هل نجد لهذه المفاهيم الأخلاقية الدينية أي ذكر في النظرية النسبية أو في ميكانيكا الكموم مثلاً؟".



فهو بهذا لا يعترف أصلاً بالمفاهيم الأخلاقية ، ولا بالحق والعدل ، ولا بالأهداف السامية ، ولا بالروح والجمال والخالق ، فما له وللدفاع عن الأمانة الفكرية؟ وما له وللغيرة على أخلاق الاعتقاد؟ إن كان يريد مناصرتها حقاً فليكن منسجماً مع نفسه على أقل تقدير ، وليبق لنفسه من الأخلاق بقية يخاطب بها الناس .



إذا لم يكن للحق قيمة لديه فأين مكان الأمانة الفكرية إذن؟ أليست الأمانة الفكرية أمانة على الحق في جانب المعرفة؟ أليس إلغاؤه لمبدأ الحق خيانة لمبدأ الأمانة الفكرية؟ وحينما يلغي مبدأ الحق فماذا يأتي بعده غير الباطل والضلال؟ فهل يطالب الأفكار الحرة بأن تكون أمينة على الباطل؟ وأي باطل هذا الذي يريد أن يحرص عليه؟ ألا يرى هذا تناقضاً شائناً مفضوحاً غير مستور بأي شيء؟ أين أخلاق الاعتقاد في موقفه هذا المتَّسم بالتناقض الصريح؟



ينسف الأخلاق كلها من جذورها ، ولا يعتر بحق ولا عدل ولا أهداف سامية ، ثم يتباكى على الأمانة الفكرية وأخلاق الاعتقاد ، ليزين تباكيه هذا قضية الإلحاد والإباحية المطلقة التي يناصرها ، ويبشر بها في المجتمع العربي المسلم ، خدمة لأسياده الماركسيين ، ومن ورائهم القيادة اليهودية العالمية ، ما أعجب هذا من إنسان يحترم كرامة نفسه؟!



مادام قد نسف الأخلاق كلها من جذورها فأية أمانة لديه يعتمد عليها في نقل خبر ، أو حكاية قول لإنسان ، أو تقرير حقيقة من الحقائق العلمية؟

مادام هذا مذهبه فمن الطبيعي أن لا يوثق بشيء يقوله ، لأنه إن صدق في واحدة أو أكثر فذلك ليغطي بها فرية يفتريها على الحقيقة ، خبراً كانت أو معرفة علمية ، وهذا ما يكتشفه الناظر في أقواله بأدنى تأمل ، إنه حينما يبحث في العلم الحديث لا يعرض إلا أقوال الملحدين أمثاله ، ويجعلهم الممثلين الوحيدين للركب الحضاري كله ، وقد يعرض – كما رأينا – على سبيل التضليل بعض الأعلام الكبرى في ضمن ما يعرض من قائمة أسماء ، تمويهاً بأن هؤلاء الأعلام الكبرى من مؤيدي قضية الإلحاد ، مع أنهم في الواقع بخلاف ذلك .



وأي ناظر في كتابه يرى أنه جندي مطيع ، يجعل من نفسه رأسه حربة في يد الماركسية واليهودية العالمية ، لهدم كيان أمته ، وتهيئة أرضها وأجيالها لاحتلال العدو احتلالاً شاملاً ، يتناول الأفكار والنفوس والقوى المختلفة ، والأرض والأموال وسائر الثروات والخيرات .

هذه هي الخطة اليهودية التي درسناها في كتبهم ، والتي رأينا جملة كبيرة من تطبيقاتها في العالم .

والملاحدة الماركسيون كتبية من كتائب جنود التنفيذ لهذه الخطة اليهودية العالمية الكبرى ، التي غدت من الحقائق المكشوفة جداً ، بعد أن كانت مستورة عن كثير من أعين الجماهير .



إنهم مجندون في صف العدو ، ولكنهم مخالطون مداخلون ، يحتلون مواقع ضمن الصفوف ، وهم يتحينون الفرص للانقضاض على أمتهم خدمة لأسيادهم الشياطين .



إنني لأعجب كل العجب من هذه الحرب المستعرة على فكرة الإيمان بالله تعالى ، وعلى المبادئ والقيم الأخلاقية ، وعلى الفضائل الإنسانية ، وعلى الحق والعدل والأهداف السامية ، وعلى الروح والجمال والخالق ، وعلى التفسيرات الغائية للكون والحياة ، فماذا تضر البشرية هذه الأمور من وجهة نظرهم؟



إن هذه المبادئ التي ينادي بها الدين من شأنها أن تكف يد الجريمة في الناس ، وتخفف من شرورهم ، وتجلب للإنسانية نفعاً عظيماً ، ولكن القيادة المجرمة الخفية في العالم تخسر بنشر هذه المبادئ وتطبيقها جنوداً كثيرين تستطيع أن تجندهم عن طريق الإلحاد والإباحية المطلقة ، ولا تستطيع أن تجندهم عن طريق الإيمان والتزام المفاهيم الأخلاقية .



لذلك فإن وسيلتهم الوحيدة لتجنيد جيوشهم المجرمة ، هي أن ينشروا الإلحاد والإباحية أولاً ، ثم ينتقوا جنودهم من هذا الوسط الإلحادي الإباحي ، ليدفعوا بهم إلى ارتكاب الجرائم الإنسانية الكبرى ، وبذلك يحقق المجرمون المستورون أهدافهم في السيطرة على العالم .





نظرت في مناقشته لبحث الفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس) الذي كتبه تحت عنوان : "إرادة الاعتقاد" ، فرأيت أن (وليم جيمس) تعرض في بحثه إلى حق الإنسان المفكر بالاعتقاد بوجود الله ، ولو لم تكن البينات العلمية والأدلة العقلية كافية بحد ذاتها للبرهان على وجود الله أو عدم وجوده ، نظراً إلى أن عواطف الإنسان ومشاعره ترجح جانب الإثبات ، كما أن الإنسان يجد نفسه بين موقفين :



1- فإذا هو أنكر الله وجحده وكان الواقع بخلاف ذلك فإنه يعرِّض نفسه لخسائر كبرى .



2- وإذا هو آمن به وكان الواقع بخلاف ذلك فإنه لا يخسر شيئاً .



واستنتج من ذلك أن موقف الإيمان على هذا موقف لا خسارة فيه مطلقاً ، مع وجود احتمال اغتنام أرباح كثيرة منه ، وأما موقف الإلحاد على هذا أيضاً فهو موقف لا ربح فيه مطلقاً ، مع وجود احتمال تكبد خسائر كبرى .



وبمقارنة هذين الموقفين يترجح موقف الإيمان على موقف الإلحاد قطعاً ، ويكون من حق الإنسان أن يؤمن في مقياس العقل .



ثم بلغ مني العجب مداه حين رأيت الناقد (د. العظم) يناقش بحث (جيمس) مناقشة مشحونة بالمغالطات التي تأتي ببعض العبارات الفلسفية ، وليس فيها من الفلسفة الصحيحة شيء ، وتستخدم العبارات العلمية ، وليس فيها من العلم الصحيح شيء ، جلَّ ما فيها سفسطة ، ومغالطات ، وخطابيات ، وتقريرات ، وكلها لا تملك من الأدلة شيئاً حتى أضعفها .



هذا على الرغم من أن (وليم جيمس) لم يقدم لقضية الإيمان إلا أضعف الأدلة ، وهو الدليل الذي صاغه الشاعر العربي الفيلسوف بقوله:



قال المنجم والطبيب كلاهما *** لا تُبعث الأجساد ، قلت : إليكما

إن صحَّ قولكما فلست بخاسر *** أو صحَّ قولي فالخسار عليكما



وهذا هو الدليل الثاني الذي طرحه مؤمن آل فرعون ، في مناقشة لهم حول دعوة موسى عليه السلام ، وقد حكى القرآن ذلك عنه بقول الله تعالى في سورة (غافر/40 مصحف/60 نزول):



{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ}.



فهذا الرجل المؤمن من آل فرعون عرض عليهم أولاً دليل البينات التي جاء بها موسى ، ثم تنازل معهم إلى مستوى آخر لا يستطيعون أن يرفضوه إذا هم رفضوا البينات ، فقال لهم {وإن يك كاذباً فعليه كذبه}، أي : فإنكم لا تخسرون شيئاً إذا تركتم موسى وشأنه فيما لو كان كاذباً {وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم}، أي : فإنكم تخسرون كثيراً بتكذيبه ومقاومة دعوته فيما لو كان صادقاً ، فالمنطق الحق يرجح الأخذ باحتمال صدقه على احتمال كذبه ، لأن الأخذ باحتمال الصدق يدفع عنكم احتمالات الخطر دون أن تخسروا شيئاً ، أما الأخذ باحتمال الكذب فإنه قد يعرضكم للخطر دون أن تخسروا شيئاً ، أما الأخذ باحتمال الكذب فإنه قد يعرضكم للخطر دون أن تجنوا شيئاً من الربح ، وهذا منطق عقلي يصح الاستناد إليه والاعتماد عليه ، في كل الأمور التي يجد الإنسان نفسه فيها بين موقفين متكافئين نظرياً ، إلا أن الأخذ بأحدهما فيه السلامة بصفة قطعية مع احتمال الربح ، أما الآخر ففيه احتمال عدم السلامة مع الخسارة ، وهذا هو أضعف الأدلة المرجحة .



ويُطرح هذا الدليل عند آخر مرحلة من مراحل النقاش الذي يرفض فيه الملحد أدلة الإيمان الكثيرة ، ويعلن تشككه بها ، أو يطرح في أول مرحلة من مراحل النقاش ، لتوجيه النفس إلى منطقة الإيمان منذ الانطلاقة الفكرية الأولى ، ثم تطرح من بعده الأدلة والبينات الأخرى ، فهو إما دافع إلى النقلة الأولى التي تتجاوز منطقة الشك المطلق ، وإما ممسك بالنفس في منطقة الإيمان قبل أن تنزلق إلى منطقة الشك المطلق .



ولست أدري كيف بلغ (العظم) هذا المستوى الذي نراه في كلامه من ضعف الإدراك لأصل الموضوع ، حينما ناقش (جيمس) حول هذا الدليل .



فهو ينقل بعض أقوال (وليم جيمس) ثم يعلق عليها تعليقاً عجيباً ، يدلُّ على ضعف إدراكه للمشكلة ، أو استهانته بقارئي كتابه استهانة بالغة ، إذ يحاول تضليلهم حتى في البدهيات ، انظر هذا المقطع من الصفحتين (76) و(77) من كتابه:



"وهنا يدافع (جيمس) عن نفسه قوله:

1- لا يمكننا أن نعلق الحكم إلى الأبد في موضوع الاعتقاد بوجود الله لأننا بذلك قد نتجنب الوقوع في الخطأ إذا لم يكن الإله موجوداً ، ولكننا سنخسر فائدة كبرى فيما لو كان موجوداً".



ويعلِّق على كلام (جيمس) هذا بقوله :

" في الواقع أن (جيمس) يسيء فهم المشكلة : فالمسألة لا تتعلق بالفائدة الدنيوية أو الأزلية التي قد أجنيها من اعتقادي بالله ، وبالخسارة المماثلة التي قد أتكبدها من عدم اعتقادي به إذا كان موجوداً . المشكلة أصلاً لا تمت بصلة إلى حساب الأرباح والخسائر ، ولا علاقة لها بعقلية الرهان والمجازفة . المشكلة بكل بساطة هي : هل القضية "الله موجود" قضية صادقة أم كاذبة ، أم أن صدقها جائز جواز كذبها ، وليس لدينا أدلة أو بينات ترجح أياً من هذين الاحتمالين على الآخر؟ يجب أن ينسجم موقفنا الشخصي من قضية وجود الله انسجاماً تاماً مع جوابنا على هذا السؤال ، لا مع حساب الخسائر والأرباح".



يا عجباً له ولهذا المنطق الأعور ، من منهما يسيء فهم المشكلة (جيمس) أو (العظم)؟



كيف لا تتعلق المشكلة بالفائدة الدنيوية أو الأزلية التي قد أجنيها من اعتقادي بالله ، وبالخسارة المماثلة التي قد أتكبدها من عدم اعتقادي به إذا كان موجوداً ؟



إنها مشكلة وجودي وحياتي وسعادتي ومستقبلي ، أفلا أبحث عنها ؟ أفلا أضعها في الحساب؟ أفأعرض وجودي كله وسعادتي كلها للخطر ، دون أن يكون لي في الموقف الذي أتخذه أي ربح ، أو أية فائدة؟



هل أتعامل مع أرقام في مسألة رياضية لا علاقة لي بها؟



إنها قضية حياة ، قضية سعادة ، قضية مصير ، إن اللعب فيها لعب بالنار .



هل يفعل (العظم) مثل هذا في مشكلاته الحياتية المصيرية ، من أمور معاشه أو صحته ومرضه أو سلامته وتهلكاته أو تجارته واستمثاراته؟ أو نحو ذلك .



إنه هو الذي يسيء فهم المشكلة ، أو هو الذي يفسد تصويرها ، لتضليل المراهقين فكرياً ونفسياً.



حينما حاول تحديد المشكلة أخذ يهرف في تصويرها ، كأنها قضية لا علاقة للباحث بها من قريب ولا من بعيد ، فقال :



"المشكلة بكل بساطة: هل القضية (الله موجود) قضية صادقة أم كاذبة؟ أم أن صدقها جائز جواز كذبها؟".



ثم قال:



"يجب أن ينسجم موقفنا الشخصي من قضية وجود الله انسجاماً تاماً مع جوابنا على هذا السؤال ، لا مع حساب الأرباح والخسائر".



فمن أين له أن يلقي هذه التقريرات المخالفة للحقيقة وللبديهة العقلية دون أي دليل؟ أهو يبحث عن قضية في مجاهيل الجزر البحرية التي لا علاقة له بها؟ حتى يقرر أن المشكلة أصلاً لا تمت بصلة إلى حساب الخسائر والأرباح .



يبدو أنه قد بلغ من السخف الفكري مداه ، حين انتقد (وليم جيمس) في ترجيحه جانب الإيمان على جانب الإلحاد ، بمرجِّح احتمال الربح الذي لا يقابله احتمال خسارة ، بينما رجح (العظم) جانب الإلحاد بدون مرجح مطلقاً ، مع قيام مرجح احتمال الخسارة في جانب الإلحاد ، ومرجح احتمال الربح في جانب الإيمان ، وكلاهما لصالح قضية الإيمان ، إلا أنه ألغاهما من الحساب اعتباطاً وحماقة ، وزعم أنه لا علاقة لهما أصلاً بالقضية .



أليس هذا تضليلاً يمكن أن يدركه أي ناظر بالبداهة؟



لقد حاول (العظم) طمس جوانب المنطقية في دليل (جيمس) بالمراوغة والمغالطة ، وتصدى لنقد أصوله المقبولة فكرياً بسفسطات مرفوضة بداهة .



لقد كان (جيمس) منسجماً مع المنطقية السليمة ، ومع البحث عن سلامته وسعادته ومصيره ، على فرض أنه لا توجد إثباتات كافية أو بينات علمية تبرهن على وجود الله أو عدم وجوده ، فقد رأى أن الأخذ بجانب الإيمان أرجح ، استجابة لنداء الفطرة من جهة ، وطلباً للسلامة من جهة أخرى ، وذلك لأن تعليق الحكم إلى الأبد في موضوع الاعتقاد بوجود الله جُلُّ ما فيه أنه قد يُجَنِّبُ الوقوع في الخطأ إذا لم يكن الإله موجوداًَ ، لكنه يوقع في خسارة عظيمة (هي الشقاء الأبدي) فيما لو كان موجوداً ، فهل يجازف العاقل بحياته وسعادته الأزلية دون مقابل ، ولمجرد وقوف جامد حائر .



أما اختيار سبيل الإنكار والكفر بالله فإن (جيمس) يراه اختياراً متعنتاً لجانب لا دليل عليه مطلقاً ، وليس فيه استجابة لنداء الفطرة ، وفيه مخاطرة حمقاء توقع الإنسان في احتمالات خسارة كبرى وشقاء أبدي .



أما (العظم) فمنهجه السوفسطائي الديماغوجي اللامنطقي أن يبيح لنفسه أن يقول ما يشاء ، دون ضابط عقلي أو علمي أو أخلاقي .



فالحقيقة الظاهرة يقول عنها دون مبالاة أو اكتراث : إنها غير موجودة .



والأوهام المفتراة يقول عنها بجزم وتأكيد : إنها حقائق ثابتة .



ومنهجه الجدلي أن يبيح لنفسه أن يغالط كما يشاء ، وأن يزيف أي شيء يريد تزييفه ، وأن يلبس أثواب الزور ، فيرتدي أردية البحث العلمي ، وكلامه مناقض للبحث العلمي ، ويحمل شعار الأمانة الفكرية وأخلاق الاعتقاد ، وهو في حرب ضروس ضد الأمانة الفكرية وأخلاق الاعتقاد وسائر الأخلاق والقيم .



انظر هذا المقطع الثاني من نقده لبحث (وليم جيمس) لترى ما حشر فيه من مغالطات ، يقول في الصفحة (77) من كتابه:



"2- يقول جيمس في دفاعه عن نفسه: إن الإنسان الذي يعلق الحكم في موضوع وجود الله يرضخ بذلك إلى تخوفه من الوقوع في الخطأ والوهم ، بينما كان الأحرى به أن يعتقد بوجوده تمشياً مع أمله في أن يكون اعتقاده صادقاً".




من مواضيعي
0 دليل المكتبة الاسلامية والنصرانية
0 هل الاصطفاء في بني إسرائيل فقط؟
0 العذراء والمسيح للشيخ محمد العريفي وحسن الحسيني
0 ماذا ستخسر لو ألقيت بالالحاد بعيدا عنك
0 الإلحاد مجرد لعبة عقلية تتم في القشرة الخارجية للمخ cortex
0 adeladel iاخر عضو مسجل لدينا هو!
0 الاختلافات عن الأنبياء
0 برنامج إنا عاملون الشيخ محمد حسان

التوقيع:


سيف الدين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
للعلماء, مغالطة, المؤمنة, الماديين, الشهادات, بطمس

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:09 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009