ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

عصمة رسول الله فى اجتهاده ودفع الشبهات

ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة


عصمة رسول الله فى اجتهاده ودفع الشبهات

ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-15-2017, 04:15 PM   #1
سيف الدين
Administrator
 
الصورة الرمزية سيف الدين
 

افتراضي عصمة رسول الله فى اجتهاده ودفع الشبهات


عصمة رسول الله فى اجتهاده ودفع الشبهات

ويشتمل على فصلين :
الفصل الأول : عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية. ويشتمل على مبحثين :
المبحث الأول : التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه صلى الله عليه وسلم 0
المبحث الثانى : دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة0

الفصل الثانى : شبهة أن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤيد أن السنة ليست كلها وحى والرد عليها0

الفصل الأول
عصمته فى اجتهاده كما يصورها القرآن الكريم
والسنة النبوية
ويشتمل على مبحثين :
المبحث الأول : التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه صلى الله عليه وسلم 0
المبحث الثانى : دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
المبحث الأول
التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه صلى الله عليه وسلم

أولاً : التعريف بالاجتهاد :

أ- من حيث اللغة :
مأخوذ من الجهد، وهو المشقة والطاقة، فيختص بما فيه مشقة ليخرج عنه مالا مشقة فيه0

قال الرازى() هو فى اللغة عبارة عن استفراغ الوسع فى أى فعل كان، يقال : استفرغ وسعه فى حمل الثقيل، ولا يقال : استفرغ وسعه فى حمل النواة() ومنه حديث معاذ رضى الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وقال له صلى الله عليه وسلم : "كيف تقضى إذا عرض لك قضاء" قال : أقضى بكتاب الله، قال : "فإن لم تجد فى كتاب الله" قال : فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : "فإن لم تجد فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا فى كتاب الله؟" قال : اجتهد رأى ولا آلوا، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال : الحمد الذى وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله"()0

ب- معناه الاصطلاحى :
اختلفت عبارات الأصوليين فى تعريف الاجتهاد اصطلاحاً، اختلافاً يرجع إلى معنى واحد، وهو : بذل الفقيه الوسع، فى تحصيل الأحكام الشرعية الظنية من أدلتها التفصيلية() وبهذا تظهر العلاقة بين المعنى اللغوى والاصطلاحى وهى : استفراغ الوسع فى تحصيل شئ0

قال ابن الأثير : والمراد به رد القضية التى تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأى الذى يراه من قبل نفسه، من غير حمل على كتاب أو سنة()0

وإذا نظرنا فى المعنى الاصطلاحى رأيناه ينصب على اجتهادات فقهاء الأمة بجميع مداركها من النظر فى النصوص كتاباً وسنة، وفى القياس والإجماع وغيرهما من مدارك الاجتهاد0
واجتهاده صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى النظر فى النصوص من الجهات التى احتاج إليها علماء أمته، لأن النصوص جميعها بينة له صلى الله عليه وسلم من جميع هذه الجهات وغيرها0

وأما ما يظهر فى بعض اجتهاداته صلى الله عليه وسلم أنه من قبيل القياس، فالحمل فيه لتقريب فهم الحادثة المسئول عنها أو المخبر بها، ولفتح باب الاجتهاد لعلماء أمته صلى الله عليه وسلم المؤهلين له، لا لاستنباط الحكم بالنظر فى النصوص()0

وبالجملة : فالقسم الثانى من الوحى الإلهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (الوحى التوفيقى) أو (الوحى الباطنى) على حد تعبير الأحناف() وهو : ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح، أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك()0
وهذا أهم ما يفرق به بين اجتهاد النبى صلى الله عليه وسلم ، واجتهاد علماء أمته أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم محروس بوحى الله تعالى، فلا يقر على خطأ ومن هنا فهو حجة فى الدين ويحرم مخالفته، وليس كذلك اجتهاد علماء أمته. اللهم إذا كان اجتهاد علماء الأمة فى عصر من العصور وأجمعوا عليه فيحرم مخالفته0
قال الإمام الغزالى() : "دل الدليل من الإجماع على تحريم مخالفة اجتهاده صلى الله عليه وسلم ، كما دل على تحريم مخالفة الأمة كافة، وكما دل على تحريم مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم والحاكم، لأن صلاح الخلق فى اتباع رأى الإمام والحاكم وكافة الأمة، فكذلك النبى صلى الله عليه وسلم "()0

ثانياً : الحكمة فى اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أمر المولى عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ، بالاجتهاد فى قوله تعالى : }وشاورهم فى الأمر{() ووجه الاستدلال بالآية : أن المشاورة إنما تكون فيما حكم فيه بطريق الاجتهاد، إذ لا مشاورة فيما نزل به وحى()0
ولا ريب أن الأمر بالمشاورة أمر له بالاجتهاد لاستظهار آراء من معه من المؤمنين ليختار منها باجتهاده ما يراه صلى الله عليه وسلم موافقاً للمصلحة، وهذا هو الاجتهاد المطلوب0
وقول من قال أن الآية واردة فى الحروب؛ لا يمنع من ثبوت الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم بها() إذ الحروب جهاد فى سبيل الله، وهى أحكام شرعية فالاجتهاد فيها يقتضى جواز الاجتهاد فى غيرها إذ لا فارق0
وهنا يرد سؤال :
إذا كان أى نبى عندما يجتهد عرضة لأن يصيب وأن يخطئ، فلماذا يكلهم الله عز وجل إلى الاجتهاد الذى قد يخطئون فيه؟ ولماذا لا يسعفهم بالوحى الذى يفصل فى الأمور والقضايا ولا يحوجهم إلى الاجتهاد؟0
والجواب :
أن الله عز وجل حكماً فى أن يترك الرسل يجتهدون، ثم ينبههم ويعاتبهم إذا أخطأوا؛ أبين بعضها بالنسبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم على النحو التالى :

الحكمة الأولى :
إقامة الدليل على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم وعبوديته، وأنه مع كونه رسولاً، لم يتجاوز أن يكون عبداً يصيب ويخطئ، كما يصيب البشر ويخطئون؛ ولكنه لا يقر على خطأ0

ويدل على هذه الحكمة ويشهد لها قوله صلى الله عليه وسلم : "إنما أنا بشر، وإنه يأتينى الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضى له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنما هى قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها"()0

الحكمة الثانية :
البرهنة على أمانة الرسول صلى الله عليه وسلم فى إبلاغ الرسالة، وعدم كتمانه شيئاً مما أنزل عليه من ربه، إذ لو كتم شيئاً لكتم آيات العتاب ما خالف فيه الأولى؛ يدل على ذلك ما روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : "لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً، لكتم هذه الآية : }وإذا تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه{()0

الحكمة الثالثة :
تشجيع الأمة على الاجتهاد وإعمال الفكر فيما يعرض لها من قضايا وأحداث لا يجدون فيها نصوصاً، فإن الأحداث تتجدد، ولا تنتهى عند حد، فكيف يواجهها المسلمون ولا نصوص فيها؛ إذا لم يجتهدو ليتعرفوا على أحكامها؟‍0

الحكمة الرابعة :
رحمة للأمة بتأسيس أعظم قاعدة للحكم الإسلامى، وهى التزام الشورى، وترك الاستبداد. ويؤيد هذا ما جاء عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : "لما نزلت }وشاورهم فى الأمر{ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتى فمن استشار منهم لم يعدم راشداً، ومن تركها لم يعدم غياً"()0

قال الإمام ابن جرير : "إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه، ومكايد حربه، تألفاً منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام؛ البصيرة التى يؤمن عليها معها فتنة الشيطان، وتعريفاً منه أمته فى الأمور التى تقع بهم من بعده وحلها، ليقتدوا به فى ذلك عند النوازل التى تنزل بهم فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه فى حياته صلى الله عليه وسلم يفعله، فأما النبى صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه وإلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله صلى الله عليه وسلم فى ذلك على تصادق وتآخ للحق، وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم"()0

ويؤيد ما سبق ما روى عن الحسن البصرى قال : "قد علم أنه ليس به إليهم حاجة، وربما قال : ليس له إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده"()0
وقد غرس رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ "الشورى" فى نفوس أصحابه حتى كان يشاورهم فى أمور الدين والدنيا() قال أبو هريرة رضى الله عنه : "ما رأيت أحداً قط أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم "() وقد اقتفى أثره صلى الله عليه وسلم الخلفاء الراشدون رضى الله عنهم وغيرهم ممن ولى أمر المسلمين بعده من صحابته الكرام وولاة المسلمين الأخيار، فكانوا لا يعدلون بالاستشارة فى أمور المسلمين النازلة بهم، كما قال الإمام البخارى : "وكانت الأئمة بعد النبى صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم ، ثم ضرب البخارى أمثلة لذلك() وهى كثيرة معلومة، لا مجال لذكرها هنا()0

وبعد أن فرغت من تعريف الاجتهاد، وحكمته فى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد حان الوقت لبيان دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده، فإلى بيان ذلك فى المبحث التالى0
المبحث الثانى
دلائل عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده من خلال
القرآن الكريم والسنة النبوية

اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشريعة الإسلامية، جوازه وعدمه فى حقه، موضوع قديم أعطاه العلماء حقه فى البحث، وجمهور المحققين من العلماء؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهد فعلاً(). واجتهاده صلى الله عليه وسلم فى الدين والدنيا، إن وافق مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك0
قال الإمام الشاطبى : "فاعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة، معضود بالمعجزة الدالة على صدق ما قال وصحة ما بين، وأنت ترى الاجتهاد الصادر منه معصوماً بلا خلاف، إما بأنه لا يخطئ البتة، وإما بأنه لا يقر على خطأ إن فرض، فما ظنك بغير ذلك؟"() والأدلة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده كثيرة يشهد بها كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإجماع الأمة0
أولاً : الأدلة من القرآن الكريم على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده :
قوله تعالى : }يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً{() ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة فى موضعين :
الأول : أن الله تعالى أمر فيها بطاعته سبحانه وطاعة رسوله، وطاعة الله تعالى إنما تكون بامتثال جميع ما نزل به وحيه تعالى على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، إنما تكون بامتثال كل حكم يخبر به سواء كان عن وحى أو عن اجتهاد، وإلا لم يكن لتخصيص طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد طاعة الله فائدة فى الذكر. وبالتالى فالأمر بطاعته دليل على عصمته فى اجتهاده0
الثانى : أن الله تعالى أمر فى هذه الآية الكريمة المتنازعين فى شئ بالرد إلى الله وإلى الرسول. والرد إلى الله رد إلى وحيه المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم سواء أكان متلو وهو القرآن، أم غير متلو وهو السنة. والرد إلى الرسول يقتضى أن يكون الأمر المردود إليه غير داخل فى الوحى وإلا لزم التكرار، والذى لا يدخل فى الوحى وتجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه هو ما أمر به باجتهاده بدليل قوله تعالى : }ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم{() ووجه الاستدلال به أن الله تعالى قد سوى بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أولى الأمر – وهم العلماء – فى الاستنباط. فلو لم يكن الاجتهاد جائزاً للرسول صلى الله عليه وسلم ، وتجب طاعته فيه لعصمته؛ لما كان الأمر بالرد أى فائدة‍‍!!0
وقوله تعالى : }فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط{() ووجه الاستدلال بالآية من ناحيتين:
الأولى : أن الله تعالى جعل الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيار فى الحكم بينهم، فإن شاء حكم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، أى أن الأمر مفوض إليه صلى الله عليه وسلم ، فإن رأى – باجتهاده – مصلحة وحسن قبول منهم لحكمه حكم بينهم وإلا أعرض عنهم ولا ضرر عليه منهم0
الثانية : أن تقييد أمره بالحكم بينهم (بالقسط) يشعر بزيادة تنبيهه صلى الله عليه وسلم على تحرى الصواب فيما يحكم به، وهو دليل على أن الله تعالى أذن له أن يحكم بينهم باجتهاده، لأنه لو كان الحكم بالوحى لم يكن لهذا القيد فائدة بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لا يحكم إلا بالقسط فدل ذلك على عصمته فى اجتهاده فيما يحكم فيه0
وقوله سبحانه : }فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً{()0

ووجه الاستدلال بالآية : أمر رب العزة عباده بتحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل شأن من شئون حياتهم، وينقادوا لحكمه انقياداً مطلقاً لا معارضة فيه، وإلا فلا يستحقوا وصف الإيمان0
وإذا كان حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سبق – من الآيات السابقة – يكون بوحى وباجتهاده؛ دل ذلك على عصمته فى اجتهاده، وإلا لما وجب التسليم لحكمه صلى الله عليه وسلم تسليماً مطلقاً0
والآية ترد قول الذين شذوا بتجويز الخطأ عليه صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده، وقد أشار التاج السبكى إلى رد هذا القول الشاذ بقوله : "والصواب أن اجتهاده عليه الصلاة والسلام لا يخطئ"()0
وقوله عز وجل : }إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما آراك الله ولا تكن للخائنين خصيما{()0
فهذه الآية الكريمة احتج بها العلماء على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتهاده؛ وأن هذا الحكم معصوم فيه، بدلالة قوله تعالى : }بما أراك الله{ فإذا أقره رب العزة على اجتهاده فى حكمه فهو حكم الله فى النهاية0
وفى الصحيحين وغيرهما عن أم سلمة رضى الله عنها قالت : جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مواريث بينهما قد درست، ليس عندهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنكم تختصمون إلى، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن() بحجته من بعض، وإنما أقضى بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتى بها إسطاماً() فى عنقه يوم القيامة. فبكى الرجلان، وقال كل منهما : حقى لأخى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما() ثم ليحلل لك واحد منكما صاحبه"() وفى رواية : "إنى إنما أقضى بينكم برأيى فيما لم ينزل على فيه"()0
فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم : "أقضى بينكم برأيى… الخ" مع وصف رب العزة هذا الرأى بأنه من عنده فى قوله تعالى : }لتحكم بين الناس بما أراك الله{ وتأمل مع ذلك قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو على المنبر : "يا أيها الناس، إن الرأى إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيباً، لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف"() وهذا الكلام صريح فيما قررته من أنه صلى الله عليه وسلم يحكم باجتهاده، وهو فى هذا الاجتهاد معصوم لا يخطئ فيه0

وقوله تعالى : }إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون{() وأفرد الضمير فى قوله "ليحكم" لإفادة أن حكم الله ورسوله واحد. قال الأستاذ عبد الله الغمارى : "وفى الآية دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم فى أحكامه الاجتهادية لا يخطئ فيها، لأن الله تعالى جعل حكم نبيه حكمه، والخطأ فى حقه تعالى محال. فما زعمه بعض مبتدعة هذا العصر من نسبة الخطأ إليه صلى الله عليه وسلم فى بعض أحكامه الاجتهادية ضلال مبنى على جهل، لأن الخطأ الاجتهادى لا يقر عليه صلى الله عليه وسلم ، إذ ينزل التنبيه وبعد التنبيه والتصحيح لا خطأ، وزاد بعضهم جهلاً وضلالة، فجوز مخالفة بعض قضاياه صلى الله عليه وسلم الاجتهادية، إذا اقتضت المصلحة ذلك، ولا أدرى كيف خفيت عليه هذه الآية؟ وآية سورة النساء؟() وأى مصلحة تقتضى مخالفة حكمه؟ والقرآن ينفى الإيمان عمن لم يسلم له تسليماً"()0
وقوله عز وجل }إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم{()0
والشاهد فى الآية فى قوله : }فأذن لمن شئت منهم{ حيث فوض رب العزة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم الأمر لمشيئته وإذنه صلى الله عليه وسلم بعد وجوب استئذانهم قبل الانصراف عنه فى كل أمر يجتمعون عليه. وفى هذا التفويض من المولى عزوجل لرسوله صلى الله عليه وسلم دليل على اجتهاده وعصمته فيه! ولو خالف الأولى فى اجتهاده ينزل التصحيح والتنبيه. وهو دليل عصمته فى اجتهاده. بدليل قوله تعالى : }عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين{()0

فظاهر الآية الكريمة يفيد : أنه صلى الله عليه وسلم اجتهد بالأذن لبعض المنافقين فى التخلف عن الخروج إلى تبوك، وكان إذنه على خلاف الأولى فجاء التصحيح والتنبيه على ذلك؛ وهو دليل عصمته فى اجتهاده. وليس فى هذا الإذن ذنب ولا جريمة لسببين :
أولهما : أن الله تعالى لم يتقدم إليه صلى الله عليه وسلم فى ذلك بأمر ولا نهى0
ثانيهما : أنه صلى الله عليه وسلم أذن لهم اجتهاداً منه بناء على عموم آية النور من تفويضه بالإذن لمن شاء، فكيف ينسب إليه ذنب أو جريمة؟! بل لو فرض أنه أخطأ لكان مثاباً على اجتهاده غير مؤاخذ بخطئه، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يخطئ، لأنه سلك ما هو الأوفق بخلقه العظيم من التيسير على أصحابه، والميل إلى ستر حالهم، وتفويض أمرهم إلى الله تعالى، ولكن الله تعالى أراد منه صلى الله عليه وسلم أن يكون شديداً على المنافقين فهو كقوله تعالى : }يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم{() فالإذن للمنافقين كان جائزاً بحسب عموم آية النور، ثم نسخ بهذه الآية. كما كان الاستغفار لهم والصلاة عليهم جائزين، ثم نسخا بقوله تعالى: }ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره{() وفاعل الحكم المنسوخ قبل نسخه لا يكون عاصياً، بل هو مثاب مبرور0
ويؤيد ما سبق استفتاح الكلام بالعفو، }عفا الله عنك{ والآية بحسب الأسلوب العربى، تفيد تكريم النبى وتعظيمه خلافاً لمن وهم ففهم منها عتابه أو تأنيبه، فيستوجب ما فهمه ذلك الواهم()0
وقوله سبحانه : }إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم{() إن هذه الآية تتحدث عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم للرماة يوم أحد الوارد فى قوله صلى الله عليه وسلم : "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتنمونا قد غنمنا فلا تشركونا"()0

إن هذا الأمر النبوى للرماة يوم أحد أمر اجتهادى منه صلى الله عليه وسلم تقتضيه طبيعة المعركة يومها، وهو اجتهاد عصم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووافق مراد الله تعالى بدليل عتاب المولى عز وجل للرماة فى الآية السابقة، ووصفهم بالعصاة فى قوله عز وجل : }ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين{()0

وتأمل : }وتنازعتم فى الأمر وعصيتم{ إنه تقرير لعصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أمره الاجتهادى للرماة يوم أحد، ووصف المخالفين له صلى الله عليه وسلم يومئذ بالعصيان، ولكن عفا الله عنهم : }والله ذو فضل على المؤمنين{0

8- وقوله عز وجل : }ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين{(). ووجه الاستدلال بالآية على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده أنها تصرح على ما ورد فى الصحيح من أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرق نخيل بنى النضير وقطعه كان باجتهاده، وهو اجتهاد أقره رب العزة حيث وصفه بإذنه فى وحى متلو، وأنزله جواباً لسؤال بعض الصحابة كما حاك فى صدورهم وأثر فيها؛ من حيث صواب وخطأ بعضهم فى قطع بعض النخيل وترك بعضه. فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : "اللينة النخلة، وليخزى الفاسقين قال : استنزلوهم من حصونهم قال : أمروا بقطع النخل فحاك فى صدورهم. فقال المسلمون : قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً، فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله عز وجل : }ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين{() فهل بعد ذلك شك فى اجتهاده صلى الله عليه وسلم فى الشريعة الإسلامية وعصمته فيه؟!0

نعم أقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن له بالاجتهاد فى الشريعة الإسلامية واجتهد فعلاً، وأن اجتهاده فى بعض الأحيان القليلة كان خلاف حكم الله، فجاء الوحى بتصحيح الحكم والإرشاد إلى ما ينبغى. كما فى قوله تعالى : }يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم. قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم{()0

أو جاء الوحى بإمضاء حكم اجتهاده صلى الله عليه وسلم مع التنبيه بما ينبغى كما فى قوله تعالى : }ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم{(). أو جاء الوحى بإمضاء حكم اجتهاده صلى الله عليه وسلم وإقراره على ما سبق تفصيله قريباً فى الآيات السابقة0


أما زعم الشيعة أن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز، فهو زعم مردود عليهم بما سبق من الأدلة القرآنية على اجتهاده صلى الله عليه وسلم فى الدين والدنيا وعصمته فيه0
أما زعمهم بأن ما استدل به من الآيات التى تدل على اجتهاده تنسب إليه الخطأ والذنب وهو يخل بعصمته() فقد سبق الجواب عن هذه الآيات تفصيلياً بما لا يخل بعصمته صلى الله عليه وسلم ()0
وأزيد هنا جواباً إجمالياً ما قاله الأستاذ محمد عزة دروزة قال : "ولسنا نرى مساساً بالعصمة النبوية من ناحية تلك الاجتهادات التى عوتب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القرآن، فالاجتهادات التى عوتب عليها فى القرآن ليست ذنوباً يمكن أن يكون صدورها من النبى صلى الله عليه وسلم ، مناقضاً للعصمة التى يجب الإيمان بها فيه، وإنما هى خلاف لما هو الأولى فى علم الله المغيب عنه فيما لا وحى فيه. والعصمة الواجب الإيمان بها ليست هى التى تجعل النبى صلى الله عليه وسلم يمتنع عليه أن يصدر منه أى فعل أو قول أو اجتهاد فى مختلف شئون الحياة والناس، قد يكون فيه الخطأ والصواب، وخلاف الأولى الذى فى علم الله تعالى؛ والذى لا ينكشف له إلا بوحى، مما لا يمكن أن ينتفى عن الطبيعة البشرية النبوية المقررة فى القرآن ولكنها التى تجعله يمتنع عن أى إثم أو جريمة أو فاحشة، أو مخالفة للقرآن قولاً وفعلاً، وعن كتم أى شئ أوحى به إليه، أو تحريفه وتبديله نتيجة لما وصل إليه بنعمة الله وفضله من كمال الخلق والروح والعقل والإيمان والاستغراق فى الله الذى جعله أهلاً للاصطفاء الربانى"() أهـ0
ثانياً : الأدلة من السنة النبوية على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده :
اعتبر العلماء ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى؛ من وحى السنة المطهرة، وسماه الأحناف بالوحى الباطنى() وعللوا ذلك بأنه ما كان الله عز وجل ليترك خطأ يصدر من رسوله المبلغ عنه، مما يترتب عليه وقوع الأمة فيه اتباعاً0
وإذا كانت الحكمة من إرسال الرسل أن لا تكون للناس على الله حجة }رسلاً مبشرين ومنذرين لئلاً يكون للناس على الله حجة بعد الرسل{() فإن ذلك يتم بعصمة المرسل من الوقوع فى أى خطأ، فإن كان اجتهاده صواباً أقره الوحى، وإن كان غير صواب نبهه الوحى. يدل على ذلك ما يلى :
1- عن أبى قتادة رضى الله عنه، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، تكفر عنى خطاياى؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم. إن قتلت فى سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت؟ قال : أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، أتكفر عنى خطاياى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم. وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال له ذلك"()0
فتأمل كيف اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الجواب عن سؤال فى الإسلام! وكيف أقره وحى الله؛ مع الاستدراك فى الجواب زيادة "الدين" على ما أجاب به رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وفى ذلك دلالته على جواز الاجتهاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى الإسلام وعصمته فيه0
2- وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : اختصم إلى النبى صلى الله عليه وسلم رجلان. فوقعت اليمين على أحدهما، فحلف بالله الذى لا إله إلا هو، ماله عنده شئ. فنزل جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه كاذب إن له عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه، وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو شهادته"()0
فتأمل دلالة الحديث على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتهاده فى أموال الناس، وتأمل كيف أن الحكم فى المسألة الواردة فى الحديث لا بينة فيه، ويتوقف حكمها على يمين أحدهما، فحلف وكان كاذباً فى حقيقة الأمر، فحكم له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقة – التى سرقها – إذ لا بينة مع المدعى ملكيتها0
وحكمه صلى الله عليه وسلم للحالف – كاذباً فى حقيقة الأمر – لا حرج عليه صلى الله عليه وسلم فى ذلك؛ بناء على الأصل فى الفصل فى الأحكام (البينة على المدعى، واليمين على من أنكر) كما قال صلى الله عليه وسلم : "لو يعطى الناس بدعواهم، لا دعى ناس دماء رجال وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه"() ولكن تأمل كيف أن الله عز وجل لا يرضى لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون حكمه الاجتهادى مطابقاً للواقع، ونفس الأمر، ظاهراً وباطناً؛ فنبهه جبريل عليه السلام قبل صدور الحكم. فبان بذلك بطلان ما زعمه بعض الشذاذ أن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخل بعصمته0

3- ومن اجتهاداته صلى الله عليه وسلم المعصوم فيها اجتهاده فى غزوة بدر الكبرى، وكان ذلك فى ثلاثة مواضع: أحدها : فى الإقدام على المعركة، وثانيها : فى موضع نزول جيشه فى بدر، وثالثها : فى شأن الأسرى0

أما الموضع الأول : الاستشارة فى القتال، فكانت عندما "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد"() عندئذ استشار أصحابه فى مواجهتهم فعن أنس بن مالك؛ أن رسول الله شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان. قال : فتكلم أبو بكر فأعرض عنه. ثم تكلم عمر فأعرض عنه. فقام سعد بن عبادة فقال : إيانا تريد؟ يا رسول الله! والذى نفسى بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد() لفعلنا"() فسر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك ودعى له بخير، غير أنه عليه الصلاة والسلام لم يقنعه قول المهاجرين، لأن قتالهم معه أمر لا يشك فيه، فقد باعوا أنفسهم لله وخرجوا من ديارهم وأموالهم فراراً بعقيدتهم ونصرة نبيهم0

لكن الأنصار لم يكونوا كذلك، إذ إنما عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصرته فى مدينتهم وديارهم، أما وهو فى بدر فذلك ما لم تقتضه نصوص المعاهدة، فأراد صلى الله عليه وسلم استشارتهم فيما هو محدق به وبهم من الخطر، ليكتشف رأيهم فيما يعد خارجاً عن بنود المعاهدة، فكرر طلب الاستشارة قائلاً : "أشيروا على أيها الناس" ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال : يا رسول الله والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال : أجل. فقال : لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر فى الحرب، صدق فى اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله0

فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال : "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين. والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم"()0

وهكذا تمخضت المشاورة هذه برأى صائب سديد، وافقت ما قدره الله تعالى، لنبيه وعباده المؤمنين، واراه إياه، حتى كأنه يرى نتيجة ما هو قادم عليه رأى العين0

ويشهد بصحة هذه المشاورة، وأنها وافقت ما قدره الله تعالى قوله تعالى : }كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون. يجادلونك فى الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين{()0
الموضع الثانى : الاستشارة فى المنزل، فعندما نزل النبى صلى الله عليه وسلم على أقرب ماء من بدر وعرض الأمر على الصحابة، فجاء الحباب بن المنذر() وقال : يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل؛ أمنزلاً انزلكه الله تعالى ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال : "بل هو الرأى والحرب والمكيدة" فقال : يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نتأتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل فنشرب ولا يشربون، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : "لقد أشرت بالرأى"()0

وهذه المشاورة وافقت ما قدره الله تعالى، بدليل ما جاء فى مغازى الأموى، أن حباب بن المنذر لما أشار على النبى صلى الله عليه وسلم بتغير مكان نزوله يوم بدر؛ ورجع النبى صلى الله عليه وسلم إلى رأيه، نزل ملك من السماء، وجبريل جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ذلك الملك : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك : إن الرأى ما أشار به الحباب بن المنذر"() أليس فى ذلك أعظم دليل على أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم معصوم فيه، بدلاله مراقبة الوحى لهذا الاجتهاد، حيث وافق مراد الله تعالى فجاء الإقرار؟!0

الموضع الثالث : الاستشارة فى شأن الأسرى، فقد انجلت المعركة عن قتل سبعين وأسر سبعين، فضلاً عن الغنائم الكثيرة، وكانت الأسرى أمراً ذى بال، استدعى أن يجمع له الرأى ويفكر فى أمره، لعددهم الكبير، وما يترتب على الإقدام فى شأنهم من نفع للإسلام والمسلمين0

وذلك ما جعل النبى صلى الله عليه وسلم يستشير ذوى الرأى والحجا من أصحابه فى الأمر الذى يصنعه بهم من قتل أو من أو فداء، فقال صلى الله عليه وسلم : لأبى بكر وعمر : "ما ترون فى هؤلاء الأسارى؟" فقال أبو بكر : يا نبى الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما ترى يا ابن الخطاب؟" قال : فقلت : لا والله يا رسول الله! ما أرى الذى رأى أبو بكر، ولكنى أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنى من فلان (نسيب لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، قال : فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، قال : فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت يا رسول الله! أخبرنى من أى شئ تبكى أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ابكى للذى عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجر" شجرة قريبة من نبى الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عز وجل : }ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم{() فأحل الله الغنيمة لهم"()0

وفى نزول هذه الآيات دليل على مراقبة الوحى لما يجتهد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى ذلك شاهد على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده؛ حيث جاء الوحى بإمضاء حكم اجتهاده صلى الله عليه وسلم مع التنبيه على ما ينبغى()0
4- ومن اجتهاداته صلى الله عليه وسلم التى عصم فيها وجاء الوحى بإقرارها ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن امرأة جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : أن أمى نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال : نعم حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم. قال : فاقضوا الذى له فإن الله أحق بالوفاء"()0

ووجه الاستدلال بالحديث أنه صلى الله عليه وسلم اجتهد فى إجابة السائلة واعتبر دين الله بدين العباد، وذلك بيان بطريق القياس، ولم يأت ما يخالف ذلك مما يدل على أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم وافق مراد الله عز وجل فصار إقراراً0

وبهذا الإقرار صار اجتهاده صلى الله عليه وسلم حجة على العباد لعصمة الله له فيه، وبحكمه صلى الله عليه وسلم (قضاء الدين عن الميت) قالت الأمة، وأجمعت عليه()0
5- ومن هذا النوع أيضاً أجابته صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب حين قبل عمر امرأته وهو صائم؛ فظن أنه فعل أمراً عظيماً0

فعن عمر رضى الله عنه قال : "هششت() فقبلت وأنا صائم، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: إنى صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم. قال : "أرأيت لو مضمضت من الماء؟ قلت: إذاً لا يضر. قال : ففيم!" () أى : ففيم تسأل() قال الخطابى : "فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر للصائم فالآخر بمثابته() ووجه الاستدلال بالحديث اجتهاده صلى الله عليه وسلم فى قياس القبلة على المضمضة فى عدم الأثر على الصوم، ولم يأت ما يخالف ذلك، فصار إقراراً من الوحى بعصمته صلى الله عليه وسلم فيما اجتهد فيه0

6- وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة فى المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبح قال : قد رأيت الذى صنعتم، ولم يمنعنى من الخروج إليكم إلا إنى خشيت أن تفرض عليكم، وذلك فى رمضان"()0

ووجه الاستدلال منه على عصمته فى اجتهاده صلى الله عليه وسلم أنه توقع أن يترتب على المواظبة على صلاة الليل جماعة فرضها عليهم، كما هى واجبة عليه صلى الله عليه وسلم ، لأن الأصل فى الشرع المساواة بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أمته فى العبادة مالم يدل دليل على الخصوصية، فأداه اجتهاده عليه الصلاة والسلام بسبب رحمته بهم إلى عدم الخروج إليهم والصلاة بهم خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها() وبما أنه لم يرد دليل على الفرضية، فهو بمنزلة الإقرار من رب العزة لما اجتهد فيه صلى الله عليه وسلم ؛ حيث وافق مراد الله بعدم الفرضية، وهو دليلنا على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده0
7- وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعث فقال : "إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما بالنار" ثم قال صلى الله عليه وسلم : حين أردنا الخروج : إنى أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً وأن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما"()0
إن قوله : "إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما" كان هذا الأمر منه أولاً اجتهاداً، ثم عدل عنه باجتهاد آخر؛ وعلله صلى الله عليه وسلم بقوله : "النار لا يعذب بها إلا الله"0
وقد استدل بالحديث الحافظ ابن حجر على : "جواز الحكم بالشئ اجتهاداً ثم الرجوع عنه"() وفى الرجوع واستمرار الحكم على ذلك، وعدم ورود ما يخالفه عنه صلى الله عليه وسلم هو بمنزلة الإقرار من الله تعالى على هذا الحكم النهائى الذى رجع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهو دليل عصمته فى اجتهاده0
وبعد : فهذه نماذج من الأحاديث التى تدل على اجتهاده صلى الله عليه وسلم فى الشريعة الإسلامية، وعصمة الله تعالى له فيها؛ إما بالإقرار إذا وافق اجتهاده مراده عز وجل، وإما بالتصويب والإرشاد إذا خالف اجتهاده مراده تعالى0
وفى كلا الأمرين (الإقرار والتصويب) هو بمنزلة الوحى الإلهى يصير حجة على العباد إلى يوم الدين؛ ويحرم مخالفته خلافاً لمن أجاز ذلك، وزعم أن خطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده دليل على أنه يجوز الاجتهاد فى نفس الأحكام التى اجتهد فيها ومخالفته!()0
ونعم أقول : إن بعض اجتهاداته صلى الله عليه وسلم لم تصادف الصواب؛ ولكن أين حكم الله تعالى فى الأمر الذى اجتهد فيه صلى الله عليه وسلم ولم يصب؟! إن ما يصدر عن النبى صلى الله عليه وسلم من اجتهاد – على ما تقرر سابقاً فى أكثر من موضع، إما أن يوافق حكم الله أولاً0
فإن وافق حكم الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فهو كما أخبر به عليه الصلاة والسلام، وإن لم يوافق حكم الله عدله إلى حكمه جلا جلاله. وإذن تصبح الأحكام الدينية التى حكم بها رسول الله اجتهاداً أحكام الله فى النهاية، وقبل لقائه الرفيق الأعلى، وتصير تلك الأحكام حجة إجماعاً بلا شك() ويشهد لصحة ما سبق إجماع الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده، فإلى بيان ذلك0
ثالثاً : إجماع الأمة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده :
لقد كان معلوماً لدى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحى قريب جداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنهم، وأنه لن يترك أمراً مخالفاً يمر، فما قاله عليه الصلاة والسلام باجتهاده دون وحى، فإنما هو من الإسلام وإلا جاء الوحى. يشهد لذلك ما روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : "كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل" قال سفيان – أحد رجال إسناد هذا الحديث – موضحاً كلام جابر : لو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن"()0
قال فضيلة الدكتور عبد المهدى عبد القادر : "ويظهر لى من كلام جابر هذا أن جابراً استدل على شرعية العزل بتقرير الله سبحانه وتعالى() وعليه فجابر يرى أن الوحى لا يقتصر على مراقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يراقب الأمة كلها، فأيما فعل فعلوه مخالفاً الإسلام نبه الوحى عليه، وأيما فعل فعلوه زمن الوحى وأقرهم عليه الوحى فهو من الإسلام"() وهذا هو الذى يفيده أيضاً ما رواه ابن سعد فى الطبقات عن الواقدى عن شيوخه قال : قد قتل مجذر بن ذياد، سويد بن الصامت، فى وقعة التقيا فيها فى الجاهلية. فظفر المجذر بسويد فقتله، وذلك قبل الإسلام. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم الحارث بن سويد() ومجذر بن زياد() وشهدا بدراً. فجعل الحارث يطلب مجذراً ليقتله بأبيه، فلا يقدر عليه0
فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه، فضرب عنقه. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حمراء الأسد، أتاه جبريل، فأخبره أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد غيلة، وأمره أن يقتله… الحديث"()0
قال ابن الأثير : اتفق أهل النقل على أن الحارث بن سويد هو الذى قتل المجذر بن زياد. فقتله النبى صلى الله عليه وسلم ()0
وهذا الاتفاق الذى نقله ابن الأثير، يقتضى الحكم بصحة الحديث وإن لم يكن إسناده على شرط الصحة، كما تقرر فى علم الحديث() وهو ما ذكره السيوطى فى حكمه على هذا الحديث فى كتابه الباهر فى حكم النبى صلى الله عليه وسلم بالباطن والظاهر()0
هذا ودلالة الحديث على مراقبة الوحى للأمة واضحة بإخبار جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الحارث قتل مجذر غيلة، وأمره أن يقتله وهذه المراقبة للأمة كانوا على يقين بها، وهذا هو الذى يفيده حديث ابن عمر رضى الله عنه قال : "كنا نتقى الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبى صلى الله عليه وسلم هيبة أن ينزل فينا شئ، فلما توفى النبى صلى الله عليه وسلم تكلمنا وانبسطنا"() ومنه حديث عمر حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فلم يجبه. فقال – أى عمر – ثكلتك أمك يا عمر، ثم قال : وخشيت أن ينزل فى قرآن"()0
ومنه حديث سلمة بن صخر البياضى() إذ أتى زوجته فى رمضان فقال لقومه : امشوا معى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لا والله لا نمشى معك، ما نأمن أن ينزل فيك القرآن، أو أن يكون فيك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يلزمنا عارها … الحديث()0
ومن إنكار الوحى عليهم حديث زيد بن خالد الجهنى() قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة الصبح بالحديبية فى إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال : هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى، كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بى، مؤمن بالكواكب"()0
وهكذا يتضح أن الوحى كان يراقب تصرفاته صلى الله عليه وسلم ، ويراقب الأمة أيضاً. وفى كل ذلك دلالته على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده. وعلى ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه؛ وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد فى شئ منها، ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا، وهل وقع عن وحى أو اجتهاد، وأيضاً فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله صلى الله عليه وسلم معتنى بها مستقصى تفاصيلها، ولم يرو فى شئ منها استدراكه صلى الله عليه وسلم لغلط فى قول قاله، أو اعترافه بوهم فى شئ أخبر به، ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته صلى الله عليه وسلم عما أشار به على الأنصار فى تلقيح النخل() وكان ذلك رأياً لا خبراً يعنى : فلا يدخله الصدق والكذب()0

قلت : وهذا الذى أدين الله تعالى به فى أخبار النبى صلى الله عليه وسلم ، فقد كانت أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله كلها تشريعاً تقتضى المتابعة والاقتداء سواء كانت بوحى أو اجتهاد لعصمة رب العزة له فى أحواله صلى الله عليه وسلم كلها0
أما زعم أعداء السنة المطهرة بأن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، وذهاب بعض المسلمين إلى تقسيم السنة إلى قسمين سنة تشريعية ملزمة عامة ودائمة، وسنة غير تشريعية ولا ملزمة واستدلالهم على ذلك باجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عموماً، وحديث تأبير النخل خصوصاً. فذلك منهم طعن فى عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده0

فإلى تفصيل شبهتهم فى ذلك والرد عليها…

الفصل الثانى
شبهة أن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم
يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى
والرد عليها

سبق أن تقرر لك أن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشريعة الإسلامية لا يخل بعصمته فى أقواله وأفعاله وتقريراته، لأن وحى الله تعالى يراقبه؛ فإن أصاب فى اجتهاده لم يأت تنبيه، فدل على إقرار رب العزة له، وإن خالف اجتهاد الأولى نزل وحى الله تعالى بالتنبيه والتصويب لما هو أولى، وفى الإقرار والتنبيه؛ يصبح اجتهاده صلى الله عليه وسلم ، وحى وحكم الله النهائى، حجة على العباد واجب الاتباع ويحرم مخالفته بالآيات والأحاديث السابقة الدالة على عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده وبإجماع الأمة. إلا أن بعض دعاة الفتنة وأدعياء العلم زعموا أن اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من الوحى الإلهى. ويستدلون على ذلك بحديث المعصوم صلى الله عليه وسلم ، الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته عن طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه قال : مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل. فقال : ما صنع هؤلاء؟ فقالوا : يلقحونه يجعلون الذكر فى الأنثى فيلقح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أظن يغنى ذلك شئ" قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنى إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذونى بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً، فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله عز وجل"0

وفى حديث رافع بن خديج رضى الله عنه() قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر" قال عكرمة : أو نحو هذا.
وفى حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أنتم أعلم بأمر دنياكم"() وهذا الحديث من زمن طويل كان المشجب الذى يعلق عليه من شاء، ما شاء من أمور الشرع التى يراد التحلل منها، فقد أراد بعضهم أن يحذف النظام السياسى كله من الإسلام بهذا الحديث وحده، لأن أمر السياسة أصولاً وفروعاً من أمر دنيانا، فنحن أعلم به، فليس من شأن الوحى أن يكون له فيها تشريع أو توجيه، فالإسلام عند هؤلاء دين بلا دولة، وعقيدة بلا شريعة؛ وأراد آخرون أن يحذفوا النظام الاقتصادى كله من الإسلام كذلك، بسبب هذا الحديث الواحد0

المهم : أن بعض الناس أراد أن يهدم بهذا الحديث الفرد كل ما حوت دواوين السنة الزاخرة، من أحاديث البيوع، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية0

وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث لينسخ به جميع أقواله وأعماله وتقريراته التى تكون السنة النبوية0

وهذا الغلو من بعض الناس، هو الذى جعل عالماً كبيراً مثل المحدث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر – رحمه الله – يعلق على هذا الحديث فى مسند الإمام أحمد فيقول : "هذا الحديث مما طنطن به ملحدوا مصر، وصنائع أوروبة فيها، من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلاً يطعنون به فى عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده، وأخذوا يحجون به أهل السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من السنة، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام، فى المعاملات، وشئون الاجتماع وغيرها، يزعمون أن هذه من شئون الدنيا، ويتمسكون برواية أنس : "أنتم أعلم بأمر دنياكم"() والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين، ولا بالألوهية، ولا بالرسالة، ولا يصدقون القرآن فى قرارة نفوسهم. ومن آمن منهم فإنما يؤمن لسانه ظاهراً، ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه، لا عن ثقة وطمأنينة، ولكن تقليداً وخشية، فإذا ما جد الجد، وتعارضت الشريعة، الكتاب والسنة، مع ما درسوا فى مصر أو فى أوروبا، لم يترددوا فى المفاضلة، ولم يحجموا عن الاختيار، وفضلوا ما أخذوه عن سادتهم، واختاروا ما أشربت قلوبهم، ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك أو ينسبهم الناس إلى الإسلام0

والحديث واضح صريح، لا يعارض نصاً، ولا يعارض عصمته صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة فى كل شأن، كما لا يدل على ما يزعمون أن السنة النبوية ليست كلها وحى0
وإنما الحديث فى قصة تلقيح النخل أن قال لهم : "ما أظن ذلك يغنى شيئاً، فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن فى ذلك سنة حتى يتوسع فى هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع"() أهـ0

ومن اجتهاد النبى صلى الله عليه وسلم ، وقوله : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ذهب بعض علماء المسلمين الأجلاء إلى عدم عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده؛ حيث ذهبوا إلى تقسيم السنة النبوية إلى قسمين :
أ- سنة تشريعية ملزمة ودائمة0
ب- وسنة غير تشريعية غير ملزمة ولا دائمة0
وقصدوا بغير التشريع ثلاثة أنواع :
ما سبيله سبيل الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشى والتزاور… الخ0
ما سبيله سبيل التجاوب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذى ورد فى شئون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره0
ما سبيله سبيل التدبير الإنسانى كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية ونحو ذلك0

فهذه الأنواع الثلاثة ليس شرعاً يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من الشئون البشرية التى ليس مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم فيها تشريعاً ولا مصدر تشريع()0
وبهذا التقسيم قال غير واحد من علماء المسلمين() وبالغ بعضهم حتى كاد يخرج قضايا المعاملات، والأحوال المدينة كلها من دائرة السنة التشريعية. حيث كان يرى أن كثيراً من أوامر الرسول ونواهيه فى المعاملات كان أساسها الاجتهاد لا الوحى() حتى انتهى به هذا الاتجاه إلى أن حرم برأيه ما أحلته السنة النبوية؛ وما أجمع المسلمون – من جميع المذاهب والمدارس الفقهية – على حله. وذلك هو (بيع السلم) الذى رخص فيه النبى صلى الله عليه وسلم لحاجة الناس إليه، بعد أن وضع له الضوابط اللازمة لمنع الغرر والنزاع ويسميه بعضهم (السلف) أيضاً وبه جاء الحديث، ومضى عليه عمل الأمة أكثر من خمسة عشر قرناً0
فعن الصحيحين عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين، فقال : "من أسلف فى تمر، فليسلف فى كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"() بل قال ابن عباس : أشهد أن السلف المضمون إلى أجله قد أحله الله فى كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ : }يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه{() وكلمة "أشهد" بمثابة القسم، فهذا رأى ترجمان القرآن0
ولكن الدكتور عبد المنعم النمر قال عن السلم : "وهو بيع معدوم موصوف فى الذمة، ويسير عليه كثير من الناس فى الأرياف، مستغلين حاجات الزراع استغلالاً سيئاً، مما يجعلنا نميل إلى تحريمه. من أجل هذا الاستغلال الكريه المحرم فى الإسلام"()0
يقول الدكتور القرضاوى : "وكان أولى بالشيخ هنا أن يقتصر على تحريم الظلم والاستغلال، ولا يتعدى ذلك إلى تحريم التعامل الثابت بالسنة والإجماع"()0
والجواب :
أقول كما قال فضيلة الدكتور موسى شاهين : "غفر الله للقائلين بأن السنة تشريع وغير تشريع، وللقائلين بالمصلحة. غفر الله لهم وسامحهم، لقد فتح هؤلاء وهؤلاء باباً لم يخطر لهم على بال0
القائلون بأن السنة تشريع وغير تشريع؛ قصدوا بغير التشريع ما ورد منها خاصاً بالصناعات، والخبرات كالزراعة والطب، ولم يخطر ببالهم أن من سيأتى بعدهم سيستدل بتقسيمهم ليدخل المعاملات، وأحاديث البيع، والشراء، والإجارة، ويدخل ما قاله النبى صلى الله عليه وسلم من أحاديث فى العادات، وشئون الاقتصاد، والسياسة، والإدارة والحرب، وغير ذلك فى السنة غير التشريعية، وهم من هذا القول برءاء!0

أما ما جعلوه مما سبيله الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم… الخ من السنة غير التشريعية، فهذا الكلام على عمومه مرفوض، وفى حاجة إلى تحقيق فهل بيان المأكول والمشروب المحرم، والمكروه، والمباح، من السنة غير التشريعية؟0

هل حديث : "أحلت لكم ميتتان ودمان : فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال"()، وحديث:"أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم "()سنة غير تشريعية؟ اللهم لا0
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى عصمته، أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، فالمأكول والمشروب سنة تشريعية من حيث الحل والحرمة، أما أنه أكل نوعاً من الحلال، وترك غيره يأكل نوعاً آخر، فالتشريع فيها الإباحة، إباحة ما أكل وما لم يأكل مما له ينه عنه0

وأما الأوانى : فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الأكل والشرب فى صحائف الذهب والفضة() وهذا تشريع قطعاً. أما أنه صلى الله عليه وسلم أكل فى قصعة من الفخار، ونحن نأكل فى الأوانى الفاخرة غير الذهبية والفضية، فهذا من المباحات والإباحة تشريع()0

وأما الهيئة : فهناك هيئات مأمور بها، وهيئات منهى عنها، وهيئات أخرى كثيرة مباحة، والكل تشريع0

فقوله صلى الله عليه وسلم : "يا غلام سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك"() هيئة أكل مشروعة(). و"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنفس فى الإناء"() هيئة ممنوعة شرعاً فى نفس الإناء، ومستحبة خارج الإناء()0
أما أنه صلى الله عليه وسلم أكل بأصابعه ويده؛ ونحن نأكل بالملاعق والشوك، والسكاكين، فهو من المباحات المشروعة. فماذا فى الأكل والشرب من السنة غير التشريعية؟!!0
إن قصدوا بالسنة غير التشريعية فى ذلك السنة غير الملزمة، وهى المباحات كان الخلاف بيننا لفظياً. وإن قصدوا ما هو مطلوب على وجه الوجوب أو الندب، وما هو منهى عنه على وجه الحرمة أو الكراهة فهو غير مسلم0

ومثال ذلك يقال فى الأفعال الجبلية التى وقعت منه صلى الله عليه وسلم مما لا يخلو البشر عنه من حركة وسكون، على اختلاف أنواع الحركة المحتاج إليها بحكم العادة من قيام، وقعود، ونوم، وركوب، وسفر، وإقامة، وقيلولة تحت شجرة، أو فى بيت، وتناول مأكول ومشروب معلوم حله. ومن أمثلته : تتبعه صلى الله عليه وسلم الأكل من جوانب الصحفة(). وأكله القثاء بالرطب() وأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلو البارد() وكان يحب الحلوى والعسل() وسائر ما روى عنه فى هيئة لباسه، وطعامه، وشرابه، ونومه، وكيفية مشيه، وجميع ما نقل عنه من شمائله صلى الله عليه وسلم ، مما لم يظهر فيه قصد القربة0

ومن ذلك ما كرهه عيافة لا شريعة، كتركه أكل الضب() بخلاف تركه أكل الثوم والبصل والكراث، فيستحب التنزه عنه ما أمكن()0
ويلتحق بالجبلى : كل فعل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مما علمت إباحته شرعاً، إباحة مطلقة له ولأمته0
كما روى أنه صلى الله عليه وسلم : أكل التمر() وشرب العسل() واللبن() ولبس جبة شامية ضيقة الكمين() ودخل مكة وعليه عمامة سوداء()0
فهذا ونحوه لا دليل يدل على أنه يستحب للناس كافة أن يفعلوا مثله، بل إن فعلوا فلا بأس، وإن تركوا فلا بأس، ما لم يكن تركهم رغبة عما فعله صلى الله عليه وسلم واستنكافاً، فمن رغب عن سنته وطريقته فليس منه0

والتحقيق : أنه من الخطأ أن نطلق هذا الإطلاق "السنة غير التشريعية" على ما سموه الحاجة البشرية أو الأفعال الجبلية، أو ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم ، بوصفه إماماً ورئيساً للدولة المسلمة، أو بوصفه قاضياً فكل هذه الأمور التى أطلقوا عليها، سنة غير تشريعية، منها الواجب شرعاً، ومنها المحرم شرعاً، ومنها المكروه، ومنها المندوب، ومنها المباح، وحتى إذا أردنا كيفية هذه الأمور نجد منها الممنوع شرعاً، كما سبقت الإشارة إليه قريباً0

أما القائلون بالمصلحة كمصدر من مصادر التشريع فقد اشترطوا لها ألا تصادم نصاً من الكتاب أو السنة الصحيحة، فهم أخذوا بمراعاة المصالح فيما لم يرد فيه قرآن أو حديث صحيح، أما ما ورد فيه قرآن أو حديث صحيح فالمصلحة فيما جاء به النص()0
واعتقد كما قال الدكتور فتحى عبد الكريم. "أن القائلين بالسنة التشريعية، والسنة غير التشريعية قد فاتهم المعنى الدقيق للتشريع الإسلامى، حيث قصر بعضهم وصف التشريع على الواجب، والحرام، ونفاه عن المندوب والمكروه، والمباح، وأدخل بعضهم المندوب والمكروه فى التشريع، ونفاه عن المباح وحده"()0

وفى ذلك يقول العلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق – رحمه الله : "هذا وإخراج الأمور الطبيعية من السنة أمر عجيب، وأعجب منه : أن يدعى بعضهم ظهوره، مع إجماع الأمة المعتبرين على السكوت عنها، وعدم إخراجها. ولست أدرى : لم أخرجها هؤلاء؟! أأخرجوها : لأنها لا يتعلق بها حكم شرعى؟0

وكيف يصح هذا مع أنها من الأفعال الاختيارية المكتسبة، وكل فعل اختيارى من المكلف لابد أن يتعلق به حكم شرعى : من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة أو حرمة0

وفعل النبى صلى الله عليه وسلم الطبيعى مثل الفعل الطبيعى من غيره، فالأبد أن يكون قد تعلق به واحد من هذه الأحكام؟ وليس هذا الحكم الكراهة، ولا الحرمة، لعصمته صلى الله عليه وسلم فى أحواله كلها، وليس الحكم الوجوب ولا الندب : لعدم القربة فيه0

فلم يبق إلا الإباحة وهى حكم شرعى؛ فقد دل الفعل الطبيعى منه صلى الله عليه وسلم على حكم شرعى، وهو الإباحة فى حقه، بل وفى حقنا أيضاً }لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة{()0

ولقد أجمع الأصوليون فى باب أفعاله صلى الله عليه وسلم على أن أفعاله الطبيعية تدل على الإباحة فى حقه صلى الله عليه وسلم ، وفى حق أمته، وكل يحكى الاتفاق على ذلك عن الأئمة السابقين()0
أم أخرجوها : لأنهم ظنوا أن الإباحة ليست حكماً شرعياً؟ وهذا لا يصح أيضاً : فإن الأصوليين مجمعون على شرعيتها – أى الإباحة – اللهم إلا فريقاً من المعتزلة ذهب إلى عدم شرعيتها؛ فهما منهم : أن الإباحة انتفاء الحرج عن الفعل والترك() وذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده، فلا يكون حكماً شرعياً0

والجمهور ينكرون أن هذا المعنى ثابت قبل ورود الشرع، وأنه لا يسمى حكماً شرعياً. ولكنهم يقولون : ليس هذا هو معنى الإباحة الشرعية، إنما هى خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل. ولا شك أن هذا حكم شرعى؛ وأنه غير ثابت قبل ورود الشرع. ولو التفت هذا الفريق إلى هذا المعنى لم ينازع فيه؛ فليس هناك خلاف حقيقى بينهما0

فالإباحة حكم شرعى يحتاج إلى دليل؛ والفعل الطبيعى منه صلى الله عليه وسلم يدل عليه. ونظرة واحدة فى باب أفعاله صلى الله عليه وسلم فى أى كتاب من كتب أصول الفقه، ترشدك إلى الحق فى هذا الموضوع()0

ويقول الإمام الشاطبى فى رده على من قال : "ترك المباح طاعة على كل حال". قال : "بل فعل المباح طاعة بإطلاق؛ لأن كل مباح ترك حرام. ألا ترى أنه ترك المحرمات كلها عند فعل المباح، فقد شغل النفس به عن جميعها. وهذا الثانى أولى؛ لأن الكلية هنا تصح، ولا يصح أن يقال كل مباح وسيلة إلى محرم أو منهى عنه بإطلاق، فظهر أن ما اعترض به لا ينهض دليلاً على أن ترك المباح طاعة"()0
قلت : ويشهد لهذا قول الإمام السرخسى فى أصوله : "ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام، كما أن العمل بخلافه حرام"()0

ومن هنا فكل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعال لم تحصل منه على وجه القرب، يستحب التأسى به فيها رجاء بركته مثل : أكله، وشربه، ولبسه، ومعاشرته نسائه، وجميع أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، يستحب التأسى به فى جميع ذلك. لأن هذه الأفعال وإن لم تصدر من الرسول صلى الله عليه وسلم قربه – إن صح التعبير – فهى فى نفسها قربة؛ نرجوا بفعلها التقرب إلى الله تعالى لما انطوى عليه فعلنا لها عن محبته التى حملنا عليها بقوله صلى الله عليه وسلم : "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين"()0

قال أبو شامة() : "ولهذا اعتنى الرواة بنقل تفاصيل أحواله فى ذلك كله، واقتدى أهل الدين والعلم من السلف، بسلوك طريقته فى ذلك، وترك التكلف فيما ينوبهم من حاجاتهم، حتى أنه لو قيل لأحدهم لا تركب الحمار، ولا تحلب الشاة، ولا تسلخها، ولا ترقع الثوب، ولا تخصف النعل، ولا تهنأ() البعير، لقال : كيف لا أفعل ذلك وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله، أو جاء عنه أنه فعله!! () وقال أيضاً : "إن التأسى به صلى الله عليه وسلم فى فعله المباح هو أدنى الدرجات فى استحباب المتابعة فيها، ولهذا أكثر المصنفين من الأصوليين لا يذكرون التأسى به فيها، وما ذكرناه أولى وأصح، وله سر. وهو : أن أصل الفعل وإن كان الإنسان مضطراً إليه، فمن حيث الحاجة لا يفعله تأسياً بالنبى صلى الله عليه وسلم ، بل من حيث إيقاعه على هيئة مخصوصة نقلت عن النبى صلى الله عليه وسلم ، أو استعمال شئ مخصوص، مع أنه يمكنه استعمال غيره0
والفقهاء أرباب المذاهب يستحبون من هذا النوع أشياء، وهو ما إذا أراد الإنسان أن يفعل شيئاً، ذلك الشئ يقع على هيئات مختلفة وقد نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أنه أوقعه على بعض تلك الهيئات، فأهل العلم يستحبون أن يوقع على تلك الهيئة، نحو استحبابهم سلوك طريق المأزمين() والمبيت بذى طوى() ودخول مكة من الثنية العليا، والخروج من الثنية السفلى() ونزوله بالمحصب() وكهيئة الأصابع فى التشهد()0
وقالوا : يستحب أن لا ينقص فى الغسل من صاع، ولا فى الوضوء من مد، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم () إلى أحكام كثيرة لا تحصى لمن تتبعها0
فمتابعته صلى الله عليه وسلم فى تلك الأفعال التى يكاد يقطع فيها بخلوها من القربة، كهيئة وضع أصابع اليد اليمنى فى التشهد، يستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن، تدريباً للنفس على الجموح، وتمريناً لها على أخلاق صاحب الشرع، لتعتاد ذلك؛ فلا تخل بعده بشئ مما فيه قربة وإن خفيت0

فإن النفس مهما سومحت فى اليسير تشوقت إلى المسامحة فيما فوقه. فهذا ونحوه هو الذى يظهر لى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يلاحظه ويراقبه، فأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثاره صلى الله عليه وسلم قال نافع() : "لو رأيت ابن عمر يتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم لقلت هذا مجنون"()0
قلت : واستحباب التأسى بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبلية هو المختار والراجح عندى0
ومستند هذا الاختيار علمنا بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اختلفوا فى حكم أمر حرام أو مباح، فنقل الناقل فى موضع اختلافهم فعلاً عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فهموا منه أنه لا حرج على الأمة فى فعل مثله() وجاحد هذا جاهل بمسالك المنقل على المعنى واللفظ()0

وجميع المذاهب المنقولة فى هذه المسألة من الوجوب() والإباحة() ضعيفة، وأشدها ضعفاً من ذهب إلى الحظر() والوقف(). ويؤيد هذا الضعف النص والإجماع0

أما النص : فقد سبق ذكر الأدلة القرآنية التى حثت على التأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم ، واتباعه فى فعله على الوجه الذى كان عليه صلى الله عليه وسلم ، من أجل الهداية والفلاح فى الدارين()0

أما الإجماع : فهو ما علمناه من سيرة الصحابة رضى الله عنهم فى رجوعهم إلى أفعاله صلى الله عليه وسلم وتقربهم وتأسيهم بها، والمحافظة عليها، وإن لم تلح فيها قربة، ولم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها0
فعن سهل بن الربيع بن الحنظلية رضى الله عنه() قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم الرجل خريم الأسدى() لولا طول جمته() وإسبال إزاره() فبلغ ذلك خريماً، فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه"()0

فتأمل كيف أسرع خريم فامتثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولم يقل : وماذا فى طول الشعر؟ ولم يقل : ماذا فى طول الإزار؟ لم يقل : سنة عادة أو سنة عبادة شأن الذين قى قلوبهم مرض، إنما عجل سريعاً فقصر شعره، ورفع إزاره()0

فبطل بذلك قول الحظر والوقف،وثبت أنهم فهموا؛ أنهم شرع لهم مثل ذلك القول والفعل قربة، فبطل قول الإباحة، وترجح الندب. ويبطل قول الوجوب ما سبق فى حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه من خلع الصحابة رضى الله عنهم نعالهم لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلع نعليه() فكان من كمال تأسيهم برسول الله أنهم فهموا من خلعه نعليه القربة فبادروا إلى متابعته، أو لم يفهموا قربه، واتبعوه على جارى عادتهم فى اتباعه والتأسى به، مع أنهم لم يعلموا أن ذلك صدر منه وجوباً أو ندباً أو إباحة، وهو عين مسألة النزاع مع من يشترط فى شرعية التأسى به صلى الله عليه وسلم معرفة صفة فعله؛ فبطل قول الوقف0
وأيضاً : لو كان الاقتداء به صلى الله عليه وسلم فى فعله واجباً ما سألهم "ما حملكم إلقائكم نعالكم؟" لعلمه بأنه يجب عليهم متابعة فعله، فبطل قول الوجوب0

ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما سألهم لم فعلوا ذلك، ذكروا أن مستند فعلهم متابعته فى فعله، ولم ينكر عليهم الاستدلال به، فدل ذلك كله على ما سبق من ترجيح استحباب متابعته صلى الله عليه وسلم فى فعله0
وإنه لدرس لأهل زماننا، ولمن بعدنا أن نتبع هديه صلى الله عليه وسلم كما اتبعوا، وأن نسير على نهجه، كما أمرنا ربنا سبحانه وتعالى فقال : }فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون{() وصور اتباع السلف هديه صلى الله عليه وسلم ، وحرصهم على الاقتداء به كثيرة وكثيرة() ودلالاتها متعددة؛ فهم يؤمنون بعصمته فى أحواله كلها،وهم يحبون هديه، ويحرصون على الاقتداء به كل الحرص، لا يفرقون بين الواجب والمندوب، ولا بين الفعل الشرعى والفعل الجبلى، وإنما يفعلون ما فعل، ويتركون ما ترك، يمتثلون أمره، وإن دلت القرائن على أقل من الواجب، ويجتنبون ما نهى عنه، وإن دلت القرائن على أنه دون الحرام0

إنهم يرون المعصوم صلى الله عليه وسلم رسم خطاً، جاء به من عند الله، فالتزموه حباً وطاعة، ولم يؤولوا، ولم يسوفوا، ولم يهونوا، وإنما امتثلوا على خير وجه، فإنه الدين الذى أمرنا الله به، ورتب السعادة عليه، وأمرنا بالاستقامة التى لا تتفق مع أدنى ميل عنه فقال سبحانه : }فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعمون بصير{()0
وبعد : هذا المعصوم نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وخيار أمتكم رضى الله عنهم، فكيف أنتم؟()0

وإذا كان عمدة الأدلة عند من يذهبون إلى أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، أو يذهبون إلى تقسيم السنة إلى سنة تشريعية، وسنة غير تشريعية، إذا كان عمدة أدلتهم جميعاً، اجتهاده صلى الله عليه وسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" فلنحرر القول فى المراد من قوله : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" بعد أن سبق تحرير القول فى اجتهاده صلى الله عليه وسلم وعصمته فيه. فإلى نقض دليلهم فى أن السنة المطهرة ليست كلها وحى0

نقض دليل أن السنة المطهرة ليست كلها وحى :
الدليل الأساسى الذى يستند إليه القائلون بأن السنة النبوية ليست كلها وحى؛ وبالتالى يقسمونها إلى سنة تشريعية، وغير تشريعية، هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ففى رأى أنصار تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية أنه "لو لم يكن غير هذا الحديث الشريف فى تبيين أن سنته صلى الله عليه وسلم ليست كلها شرعاً لازماً، وقانوناً دائماً لكفى. ففى نص عبارة الحديث – بمختلف رواياته – تبين أن ما يلزم اتباعه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو ما كان مستنداً إلى الوحى فحسب"()0
وبالتأمل فى قول بعضهم السابق ترى التصريح بأنهم يعتبرون أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم ليس من الوحى!0
ولقد صرح بعضهم على ما سبق أن أفعاله الجبلية، وما سبيله الحاجة البشرية من الأكل والشرب والنوم والمشى… الخ وما صدر عنه فى المعاملات وشئون الاقتصاد والسياسة، والقضاء والإدارة والحرب… الخ من شئون الدنيا التى لا حى فيها()0

فهل يسندهم ذلك الحديث فى تلك الدعوى الخطيرة؟! أقول : الحديث لا يسندهم فى دعواهم ولا حجة لهم فيه؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم : لما مر على قوم يلقحون النخل "ما أظن يغنى ذلك شيئاً" واضح منه أنه كان اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلم ، ولم يرد بذلك صرفهم عما هم فيه؛ بدليل أنهم لما تركوا التأبير، ووصل الخبر إليه صلى الله عليه وسلم بين لهم أنه ظن – أى اجتهد – وأنه ما يصح أن يصرفهم الظن – أى الاجتهاد – عن أمر يرونه صواباً. وتأمل قوله : "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنى إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذونى بالظن" فهم غلطوا فى ظنهم أنه نهاهم بوحى، كما غلط من غلط فى ظنه أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الأبيض والأسود()0
ثم بين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه إذا حدثهم بوحى عن الله تعالى فإنه لن يخطأ فى هذا الوحى0
وتأمل قوله : "إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله تعالى" فالكذب هنا بمعنى "الخطأ"() أى : فلن أخطأ فيما أبلغ من وحى الله تعالى؛ ولا يصح أن يكون المراد حقيقة الكذب، لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم منه، حتى ولو حدث عن غير الله تعالى! إذن فمراده صلى الله عليه وسلم ، أنه اجتهد، وفى اجتهاده أخطأ؛ بدليل ما جاء فى رواية رافع بن خديج من قوله عليه الصلاة والسلام: "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر"0

ولكن : هل هذا الاجتهاد فى قصة تأبير النخل معصوم فيه بوحى؟0

أقول : نعم بدليل قوله بعد ذلك : "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه" وقوله : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" حيث صار هذا القول منه اجتهاد بعد اجتهاد() وأقره الوحى على اجتهاده الثانى() حيث لم يرد تنبيه أو تصويب ولا حتى عتاب، على هذا الاجتهاد فى القرآن الكريم ولا فى السنة المطهرة، وهو ما يعنى أن رب العزة أقره فى اجتهاده الثانى. أعنى : قوله صلى الله عليه وسلم : "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه" وقوله : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" وبهذا الإقرار صار اجتهاده هنا فى هذه المسألة وحى من الله تعالى، ولا يجوز مخالفته؛ وهو ما يقر به هنا الخصم حيث استدل بهذا الاجتهاد الثانى على ما يزعم، مع اختلافنا معه فى دلالة الحديث على ما يستدل به0

فالخصم يستدل بقوله صلى الله عليه وسلم "أنتم أعلم بأمر دنياكم" على أن ما جاءت به السنة من شئون الدنيا يجوز مخالفته، حيث كل أمة فى زمانها أعلم بهذه الشئون من السنة؟0

كما استدلوا بقوله السابق، على أن ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم بوصفه قاضياً، أو إماماً ورئيساً للدولة، سنة غير تشريعية ليست من الوحى؟ فهل هذه المعانى واردة ومرادة فيما استدلوا به؟0
بالقطع لا. فهذه المعانى ونحوها مستبعدة ولا تصح؛ لأن ما أطلقوا عليه سنة غير تشريعية منه الواجب والمحرم والمكروه والمندوب والمباح شرعاً على ما سبق تفصيله()0

كما أن ما أطلقوا عليه سنة غير تشريعية وضع له الإسلام قرآنا وسنة، أرقى أنواع التشريع، لأن ما يصدر عن القاضى والحاكم ونحو ذلك مما يطلقون عليه سنة غير تشريعية، له علاقة بالأفراد والجماعات وهذه العلاقة تحكمها دائماً قواعد وضوابط لئلا يحيف بعض الأطراف على بعض؛ فهل يعقل أن الله عز وجل يترك المعاملات من بيع وشراء، وتفصيل الربا، والرهن، والشركة، وغيرها من المعاملات دون تشريع؟0

وهل يعقل أن يترك القاضى ورئيس الدولة ونحوهم دون تشريع ينظم علاقة كل منهما بمن تحت سلطانهم وحكمهم؟!0
وبالجملة : هل يعقل أن يترك البشرية هملاً فى شئون دنياهم يأكل بعضهم مال بعض، ويظلم بعضهم بعضاً تحت عنوان : "أنتم أعلم بشئون دنياكم"؟0

هل يعقل أن يترك الله تعالى رسالة الإسلام (قرآناً وسنة) بما فيها من عقيدة وشريعة، ودين ودنيا، لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون رقابة أو تصحيح؟ فيخطئ، فتعمل الأمة مجتمعة بالخطأ أكثر من خمسة عشر قرناً حتى يبعث الله لها من يرعى مصالحها، أو يزعم أنه أعلم بمصالحها، ويخالف حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من تشريعات فى شئون الدنيا؟ أظن أن العقل المسلم السليم يستبعد ذلك كل الاستبعاد0

ومن هنا فلا يصح أن يكون المعنى فى قوله صلى الله عليه وسلم : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" أن كل فرد أو أمة أعلم من غيرها بشئون ومصالح نفسها فى الأمور الدنيوية؛ لأن هذا المعنى وإن صح فى المباحات، فلا يصح فى الواجبات والمحرمات، فالشرع وحده هو الذى حددها على أنها مصلحة بناء على سبق علمه الذى خلق0

ثم إن هذا المعنى لا يتناسب مع القصة؛ فكما قلت : رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهد فى عدم تأبير النخل، وخالف اجتهاده الصواب، فجاء التصحيح لما اجتهد فيه بقوله : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" والمراد : أنتم أيها الذين تلقحون النخل ومن على شاكلتكم من أهل الصناعات والمهارات والخبرات أعلم بصنائعكم منى. وممن ليس من أهل الصناعات، والكلام على التوزيع، على معنى: أن كل أهل صنعة أعلم بها ممن ليسوا من أهلها، كما يقال : أهل مكة أدرى بشعابها0

ويصح أن يكون المعنى أيضاً : أنتم أيها الذين تلقحون النخل أعلم بما يصلح النخل منى وممن لا علم له بالزراعة، أى أنتم أعلم بشئون دنياكم هذه التى تباشرونها، والتى لم تنجح فيها مشاورتى الاجتهادية، أعلم منى ومن مثلى، فالحديث على هذا واقعة عين أو واقعة حال، لا يستدل بها على غيرها أصلاً0

وعلى كل حال لا يصح الاستدلال بالحديث على إباحة التغيير فى المعاملات() أو غيرها من شئون الدنيا التى أطلقوا عليها سنة غير تشريعية. لأن الحديث – كما رأيت – تطرق إليه أكثر من احتمال فى معناه، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال0

بقى سؤال يطرح نفسه، وربما يثور فى نفوس البعض وهو : لماذا ألهم الله رسوله صلى الله عليه وسلم ، أن يشير عليهم بهذه الإشارة مع أنها لم تكن فى مصلحتهم؟0

ولماذا جعلهم الله يستسلمون لمجرد الإشارة، وهم المعرفون بالمراجعة والنقاش وكثرة السؤال؟0
ولماذا لم يتدارك الله هذا الاجتهاد بالتصحيح قبل أن تنتج شيصاً للمسلمين يسخر منه اليهود، وأعداء الإسلام حين يصح نخلهم، ويسوء نخل المسلمين بسبب مشورة نبيهم صلى الله عليه وسلم ؟0

الجواب : عن ذلك فى محاولة تلمس حكمة لهذه القصة، فإن حصلت بها قناعة واطمئنان فالحمد لله، وإلا فنحن مؤمنون أرسخ الإيمان بأن لله عز وجل فى ذلك حكمة، وهو الحكيم الخبير. ولعل الحكمة فى ذلك تدور حول ثلاث أمور :
أولاً : صرف بلاء الأعداء عن المؤمنين الذين لم تقو شوكتهم بعد : ألم يكن هذا من الجائز أن يطمع الكافرون فى المدينة وتمرها، فيهاجموها من أجل نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها؟ فخروج التمر شيصاً جعلها غير مطمع، وصرف الله بذلك هجوم الكافرين حتى يستعد المؤمنون؟ احتمال0
ثانياً : تعليمهم الأخذ بأسباب الحياة بهذا الدرس العملى الذى كان قاسياً عليهم فتنافسوا بعده فى أسباب الحياة0
ثالثاً : اختبارهم فى صدق إيمانهم، فهذه القصة حتى اليوم فى هذا البحث ابتلاء واختبار، وقد نجح الصحابة رضى الله عنهم فى هذا الاختبار القاسى، وهم فى أول الإيمان، نجاحاً باهراً، فقد استمروا فى طاعة أوامره صلى الله عليه وسلم ، ولم يرد إلينا ردة أحد بسببها، بل لم يرد عتاب أحد منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليها رغم خسارتها، مما يشهد لهم بالإيمان الصادق المتين() ولعل تلك الحكمة الأخيرة هى أوجه الحكم فى هذه القصة. والله أعلم بحكمته أهـ.

وصلى الله وسلم وبارك على المعصوم
الهادى الأمين، ورزقنى الله حبه، ونصرته
واتباعه، وشفاعته





من مواضيعي
0 أروع القصص
0 الإلحاد امرأة ...!!
0 نداء إلى كل غيور على الإسلام
0 بطاقات مكارم الأخلاق
0 اختلافات العشاء الأخير للمسيح قبل القبض عليه
0 الشبهة المضحكة الاسلام يبيح إتيان البهائم
0 محبة العلم لقد تم تسجيل !
0 التفكك الأسـري وسـبل الوقاية والعلاج

التوقيع:


سيف الدين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الله, الشبهات, اجتهاده, رسول, عصمة, وحفظ

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:52 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009