ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى نقد النصرانية > ملتقى النصرانيات العام
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

مصادر المسيحية بعد عيسى عليه السلام

ملتقى النصرانيات العام


مصادر المسيحية بعد عيسى عليه السلام

ملتقى النصرانيات العام


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 03:40 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي مصادر المسيحية بعد عيسى عليه السلام

مصادر المسيحية بعد عيسى عليه السلام
الكتاب المقدس لدى النصارى يشمل التوراة والأناجيل ، ورسائل الرسل
الأناجيل
الأناجيل لم يملها المسيح ولم تنزل عليه
إنجيل متى
أثر جهل تاريخ التدوين والمترجم
إنجيل مرقس
إنجيل لوقا
إنجيل يوحنا
تاريخ تدوين هذا الإنجيل وسبب تدوينه
ما يستنبط من سبب كتابته
هذه الأناجيل لم تزل على عيسى عليه السلام
إنجيل عيسى
أقوال علماء النصرانية في إنجيل عيسى
إنجيل برنابا
برنابا
هل برنابا من الحواريين الاثني عشر
الكلام في صحة تسمية هذا الإنجيل
ترجيح صدق النسبة في هذا الإنجيل
قيمة إنجيل برنابا من حيث ما أشتمل عليه
مخالفة إنجيل برنابا لما عليه المسيحيون
24- الكتاب المقدس لدى النصارى يشمل التوراة والأناجيل ، ورسائل الرسل
وتسمى التوراة (أسفارها الموسوية وغيرها) كتب العهد القديم ، وتسمى الأناجيل ، ورسائل الرسل كتب العهد الجديد ، فمن العهد القديم يعرفون أخبار العالم في عصوره الأولى ، وأجياله القديمة ، وشرائع اليهود الاجتماعية والدينية ، وتاريخ نشأتهم ، وحكوماتهم وحوادثهم ، والنبوات السابقة منذ هبوط الإنسان على هذه الأرض ، والبشارات بالنبيين اللاحقين ، وبالمسيح ، وفيها يجدون أدعية متوارثة تعين على أداء العبادات ، والقيام بالطقوس الدينية كمزامير داود ، ولنترك الكلام في التوراة وأسفارها فلذلك موضعه من الدراسة للديانة اليهودية ، بيد إنه يجب أن يلاحظ أن بعض الأسفار المعتبرة عند اليهود مرفوضة عند المسيحيين ، لعدم اعتقادهم بصحة الوحي فيها.
الأناجيل
25- أما كتب العهد الجديد فهي التي تعنينا في هذا البحث ، ويهمنا أن نجلي أمرها ، ونعرف حقيقتها ، وأولها الأناجيل.
والأناجيل المعتبرة عندهم أربعة : إنجيل متى ، وإنجيل مرقس ، وإنجيل لوقا ، وإنجيل يوحنا.
ومكان الأناجيل في النصرانية مكان القطب والعماد ، وإذا كانت شخصية المسيح وما حاطوها به من أفكار هي شعار المسيحية ، فإن هذه الأناجيل هي المشتملة على أخبار تلك الشخصية ، من وقت الحمل إلى وقت صلبه في اعتقادهم وقيامته من قبره بعد ثلاث ليال ، ثم رفعه بعد أربعين ليلة ، وهي بهذا تشتمل على عقيدة ألوهية المسيح في زعمهم ، والصلب والفداء ، أي إنها تشتمل على لب المسيحية في نظرهم بعد المسيح ومعناها.
وهذه الأناجيل الأربعة هي التي تعترف بها الكنائس ، وتقرها الفرق المسيحية وتأخذ بها ، ولكن التاريخ يروى لنا إنه كانت في العصور الغابرة أناجيل أخرى ، قد أخذت بها فرق قديمة ، وراجت عندها ، ولم تعتنق كل فرقة إنجيلها ، فعند كل من أصحاب مرقيون ، وأصحاب ديسان إنجيل يخالف بعضه هذه الأناجيل ، ولأصحاب مانى إنجيل يخالف هذه الأربعة ، وهو الصحيح في زعمهم ، وهناك إنجيل يقال له إنجيل السبعين ينسب إلى تلامس ، والنصارى ينكرونه ، وهناك إنجيل أشتهر باسم التذكرة ، وإنجيل سرن تهس ، ولقد كثرت الأناجيل كثرة عظيمة ، وأجمع على ذلك مؤرخو النصرانية ، ثم أرادت الكنيسة في آخر القرن الثاني الميلادي ، أو أوائل القرن الرابع أن تحافظ على الأناجيل الصادقة - في اعتقادها - فاختارت هذه الأناجيل الأربعة من الأناجيل الرائجة إبان ذلك.
ولقد يذكر بعض المؤرخين إنه لم توجد عبارة تشير إلى وجود أناجيل متى ومرقي ولوقا ويوحنا قبل آخر القرن الثالث. وأول من ذكر هذه الأناجيل الأربعة أرينيوس في سنة 209. ثم جاء من بعده كليمنس اسكندريانوس في سنة 216 ، وأظهر أن هذه الأناجيل الأربعة واجبة التسليم ، ولم تكتف الكنيسة باختيار هذه الأناجيل الأربعة ، بل أرادت الناس على قبولها لاعتقادها صحتها ، ورفض غيرها ، وتم لها ما أرادت فصارت هذه الأناجيل هي المعتبرة دون سواها.
ولقد كنا نود ونحن ندرس المسيحية وأدوارها في التاريخ أن نعرف هذه الأناجيل التي أهملت ، وما كانت تشتمل عليه. مما كان سبباً في رفضها ، وحمل الناس على تركها ، وخصوصاً أنها كانت رائجة. ويأخذ بها طوائف من المسيحيين ويتدينون هذه الديانة على مقتضاها ، فإن الإطلاع عليها يمكننا من معرفة اعتقاد الناس في المسيح ، وكيف كان ، خصوصا بين أولئك الذين قاربوا عصره ، وأدركوا زمانه ، ولقوا تلاميذه ، ونهلوا من مناهلهم ، وإذ ضن التاريخ بحفظ نسخ منها ، فقد كنا نود أن تطلعنا الكنيسة على ما اشتملت عليه مما يخالفها ، وما كان من سبب رفضها ، وترينا حجة الرفض ، لتكون دليلاً مغيراً لها على إنها بهذا أقامت ديانة المسيح ولم تغيرها ، ولكن ضن التاريخ علينا ، فطوى تلك الأناجيل ، وضنت الكنيسة فطوت تلك البيانات ، فلم يبق لنا إلا أن نكتفي من الدراسة مما بين أيدينا ، لعل فيه غناء إن أنعمنا النظر وأمعنا في الاستنباط وجعلنا لقضية العقل سلطاناً ، ومن بدهياته برهاناً.
الأناجيل لم يملها المسيح ولم تنزل عليه
26- وهذه الأناجيل الأربعة لم يملها المسيح ، ولم تنزل عليه هو بوحي أوحى إليه ، ولكنها كتبت من بعده - كما رأيت - وتشتمل على أخبار يحيى (يوحنا المعمدان) والمسيح ، وما كان منه ، وما أحاط بولادته من عجائب وغرائب ، وما كان يحدث منه من أمور خارقة للعادة ، ولا تحدث من سواه من البشر ، وما كان يحدث له من أحداث ، وما كان يجرى بينه وبين اليهود ، وما كان يلقيه من أقوال وخطب وأحاديث وأمثال ومواعظ ، وفيها قليل من الشرائع التي تتعلق بالزواج والطلاق ، ثم أخبار المؤامرة عليه ، واتهامه والقبض عليه ، ومحاكمته ، سواء أكانت تلك المحاكمة أمام اليهود ، ثم أمام الرومان ، ثم فيها الحكم عليه بالموت صلباً ، وصلبه بالفعل فيما يعتقدون ، وفيها أيضاً قيامته من قبره ، ومكوثه أربعين يوماً ، ثم رفعه إلى السماء. وفي الجملة هي تشتمل على أخبار المسيح وصلواته. وأقواله وعجائبه ، كم بدايته إلى نهايته في هذا العالم. وهذا - كما قلنا - لب المسيحية ومعناها ، لأن فيها النواة الأولى لألوهية المسيح ، وعقيدة النصارى فيه ، ولنتكلم على كل إنجيل من هذه الأناجيل تبين تاريخ تدوينه ، وتعرف بمؤلفه ، ومكانته من المسيح.
إنجيل متى
27- وقد كتبه متى ، وهو أحد تلاميذ المسيح الاثني عشر ، ويسميهم المسيحيون رسلاً ، وقد كان قبل اتصاله بالمسيح من جباة الضرائب ، وكانوا يسمون في ذلك العهد عشارين ، ولقد كان جابيا للرومان في كفر ناحوم من أعمال الجليل بفلسطين ، وكان اليهود ينظرون للجباية نظر ازدراء ، لأنها تحمل صاحبها على الظلم ، أو على الأثل تحمله على العنف ، والعمل فيها معين للدولة الرومانية المغتصبة التي تحكم البلاد بغير رضا أهلها ، ولكن السيد المسيح اختاره تلميذاً من تلاميذه كما جاء في إنجيله ، ففي الإصحاح التاسع منه : "وفيما يسوع يجتاز من هناك رأى إنساناً جالساً عند مكان الجباية ، واسمه متى ، فقال له : اتبعني ، فقام وتبعه ، وبينما هو متكئ في البيت إذا عشارون وخطاة كثيرون قد جاءوا ، واتكئوا مع يسوع وتلاميذه.
فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه : لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة ؟ فلما سمع يسوع قال لهم : لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب ، بل المرضى ، فاذهبوا وتعلموا ما هو ، إني أريد رحمة لا ذبيحة ، لأني لم آت لأدعو أبراراً ، بل خطاة إلى التوبة".
ولما صعد المسيح إلى ربه جال متى للتبشير بالمسيحية في بلاد كثيرة. ومات في سنة 70 ببلاد الحبشة على أثر ضرب مبرح أنوله به أحد أعوان ملك الحبشة. وفي رواية أخرى إنه طعن برمح في سنة 62 بالحبشة بعد أن قضى بها نحو ثلاث وعشرين سنة داعياً للمسيحية مبشراً بها ، فموطن دعايته كما يروي مؤرخو المسيحية هو الحبشة.
إنجيل متى كتب بالعبرية ولن يعرف إلا باليونانية وجهل المترجم :
28- وقد اتفق جمهورهم على إنه كتب إنجيله بالعبرية أو السريانية ، كما اتفقوا على أن أقدم نسخة عرفت شائعة رائجة كانت باليونانية ، ولكن موضع الخلاف في تاريخ تدوينه ، ومن الذي ترجمه إلى اليونانية ، فمن المتفق عليه منذ أكثرهم أن متى كتب إنجيله بالعبرانية ، وذلك لأنه كتبه لليهود ببشر بالمسيحية بينهم ، وليقرأه مؤمنوهم بها ، قال جيروم : "أن متى كتب الإنجيل باللسان العبري في أرض يهودية للمؤمنين من اليهود " وقال غيره " أن متى كتب الإنجيل باللسان العبري. وهو الذي أنفرد باستعمال هذا في تحرير العهد الجديد ".
وإذا انتقلنا إلى تاريخ تدوين هذا الإنجيل وترجمته نرى ميدان الخلاف فسيحاً ، فنجد ابن البطريق يذكر إنه دون في عهد قلوذيوس قيصر الرومان من غير أن يعين السنة التي كتب فيها.
ويذكر أن الذي ترجمه يوحنا ، فيقول في ذلك : "في عصر قلوديوس كتب متاوس (متى) إنجيله بالعبرانية في بيت المقدس . وفسره من العبرانية إلى اليونانية يوحنا صاحب الإنجيل ".
وهنا نجده لم يعين السنة التي كتب فيها الإنجيل ، بل عين الملك الذي كتب في عهده ، وهذا الملك لم يكن هو الذي عاصر المسيح ، ولا الذي يليه. بل الذي عاصر المسيح وصلب - على زعمهم - في عهده طيباريوس ،
وولي من بعده غابيوس ، وملك أربع سنين وثلاثة أشهر ، ثم جاء من بعده قلوديوس وملك أربع عشرة سنة ، فيحتمل تدوين هذا الإنجيل أن يكون في آخر العشرة الرابعة من ميلاد المسيح ، ويحتمل أن يكون في أول أو آخر العشرة الخامسة أو أوائل السادسة. فكلام ابن البطريق يحتمل كل هذا ، وقال جرجس زوين اللبناني فيما ترجمه عن الفرنسية ، " أن متى كتب مشارته في أورشليم في سنة 39 للمسيح على ما ذهب إليه القديس أيونيموس ، والسبب في ذلك على ما ذهب إليه القديس ابيفانيوس أنه كتبه إما إجابة لليهود الذين آمنوا بالمسيح ، أو إجابة لأمر الرسل ، ولم يكتب إنجيله باليونانية بل العبرانية على زعم اوسيبيوس في تاريخه ، وقد وافق اسيبيوس القديس ايرنيموس ، إذ أن بانتيوس قد ذهب ليكرز بالإيمان المسيحي في الهند ، فوجد إنجيلاً لمتى الرسول مكتوباً بالعبرانية ، فجاء به إلى الإسكندرية ، وبقى محفوظاً في مكتبه قيصرية إلى أيامه ، لكن هذه النسخة العبرانية قد فقدت ، وبعد فقدها ظهرت ترجمتها في اليونانية " أ هـ. وفي هذا يعين الكاتب تاريخ السنة الذي دون فيها الإنجيل ، ولكن لا يعين المترجم . بل يذكر إنه غير معروف ، بينما نرى ابن البطريق يعين إنه يوحنا صاحب الإنجيل المسمى باسمه .
ويقول بالنسبة لتاريخ التدوين صاحب كتاب ( مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين ) : "أن متى بموجب اعتقاد جمهور المسيحيين كتب إنجيله قبل مرقس ولوقا ويوحنا ، ومرقس ولوقا كتبا إنجيلهما قبل خراب أورشليم . ولكن لا يمكن الجزم في أية سنة كتب كل منهم بعد صعود المخلص ، لأنه ليس عندنا نص إلهي على ذلك ".
وقال صاحب ذخيرة الألباب : " أن القديس متى كتب إنجيله في السنة 41 للمسيح باللغة المتعارفة يومئذ في فلسطين ، وهي العبرانية أو السبروكلدانية ... ثم ما عتم هذا الإنجيل أن ترجم إلى اليونانية . ثم تغلب استعمال الترجمة على الأصل الذي لعبت به أيدي النساخ الأيونيين ومسخته بحيث أضحى ذلك الأصل خاملاً ، بل فقيداً ، وذلك منذ القرن الحادي عشر".
وقال الدكتور بوست في قاموس الكتاب المقدس ، مخالفاً جمهور المتقدمين في إنه بالعبرانية أو السربانية : " أن هناك من يقول إنه كتب باليونانية ، ثم يرجح إنه لف باليونانية مخالفاً بذلك إجماع مؤرخيهم . ثم يقول بالنسبة لتاريخ تدوينه : " ولا بد أن يكون هذا الإنجيل قد كتب قبل خراب أروشليم " ويظن البعض أن الإنجيل الحالي كتب ما بين سنة 60 وسنة 65". والحق أن باب الاختلاف في شأن التاريخ لا يمكن سده ، ولا يمكن ترجيح رواية ، ولا جعل تاريخ أولى من تاريخ بالإتباع ، وذلك يقول هورن : " ألف الإنجيل الأول سنة 37 أو سنة 38 أو سنة 41 أو سنة 43 أو سنة 48 أو سنة 61 أو سنة 62 أو سنة 63 أو سنة 64 من الميلاد". ونقول نحن : "يجوز غير ذلك ، والجمهور على إنه كتب بغير اليونانية ، ولكن لم يعرف غيرها ، ولم يعرف جمهرة المؤرخين من يكون المترجم ، وفي أي عصر ترجم ، وقد علمت أن ابن البطريق يذكر أن يوحنا هو الذي ترجمه إلى اليونانية ، ولكن لا نجد أحدا من المؤرخين أيده ، بل أن الكثيرين منهم يقولون : " إنه لم يعرف المترجم ".
أثر جهل تاريخ التدوين والمترجم
29- لا شك أن جهل تاريخ التدوين ، وجهل النسخة الأصلية التي كانت بالعبرية ، وجهل المترجم وحاله من صلاح أو غيره ، وعلم بالدين واللغتين التي ترجم عنها والتي ترجم إليها ، كل هذا يؤدي إلى فقد حلقات في البحث العلمي ، ولئن تسامح الباحث في تاريخ التدوين ، وتاريخ الترجمة وملابساتها ، ليمنعنه المسلم من الاسترسال في التسامح ، حتى لا يرى أن السلسلة تكون كاملة إذا لم يعرف الأصل الذي ترجم ، فلقد وددنا أن نعرف ذلك الأصل ، لنعرف أكانت الترجمة طبق الأصل ، أم فيها انحراف ، ولنعرف أفهم المترجم مرامي العبارات ومعانيها ، سواء أكانت هذه المعاني تفهم بظاهر القول أو بإشاراته ، أم بلحن القول وتلويحاته ، أم بروح المؤلف وغرضه ، ومرماه الكلي من الكلام ، ولكن عز علينا العلم بالأصل ، ولقد كنا نتعزى عن ذلك لو عرفنا المترجم ، وإنه ثبت ثقة أمين في النقل ، عالم لا يتزيد على العلماء ، ففيه في المسيحية حجة فيها ، عارف للغتين فاهم لهما ، مجيد في التعبير بهما ، فعندئذ كنا نقول : ثقة روي عن ثقة بترجمته ، ونسدد الخلة بتلك الرواية ، ونرأب الثلمة بتلك النظرة ، ولكن قد امتنع هذا أيضاً ، فقال جمهرة علمائهم : أن المترجم لم يعرف ، فبقيت الثلمة من غير ما يرأبها.
إنجيل مرقس
30- يقول المؤرخون أن اسمه يوحنا ويلقب بمرقس ، ولم يكن من الحواريين الاثني عشر الذين تتلمذوا للمسيح ، واختصهم بالزلفى إليه ، وأصله من اليهود ، وكانت أسرته بأورشليم في وقت ظهور السيد المسيح ، وهو من أوائل الذين أجابوا دعوته ، فاختاره من بين السبعين الذين نزل عليهم روح القدس في اعتقادهم من بعد رفعه ، وألهموا بالتبشير بالمسيحية ، كما ألهموا مبادئها. ويقول صاحب كتاب تاريخ الأمة القبطية : " وقد أجمعت تقاليد الطوائف المسيحية على أن الرب يسوع كان يتردد على بيته ، وإنه في هذا البيت أكل النصح مع تلاميذه ، وفي إحدى غرفه حل الروح القدس على التلاميذ ". وجاء في سفر الأعمال : " أن الرسل بعد صعود السيد المسيح كانوا يجتمعون في بيته " ولقد لازم مرقس خاله برنابا (وهو من الرسل) وبولس الرسول في رحلتها إلى أنطاكية وتبشيرهما بالمسيحية فيها ، ثم تركها بعد ذلك ، وعاد إلى أورشليم ، ثم التقى مرة أخرى بخاله ، واصطحبه إلى قبرص ، ثم افترقا ، فذهب إلى شمال أفريقية ودخل مصر في منتصف القرن الأول ، فأقام بها وأخذ يدعو إلى المسيحية التي كانت أخبارها قد سبقته إليها ، وقد وجد في مصر أرضاً خصبة لقبول دعوته ، فدخل فيها عدد كبير من المصريين ، وكان يسافر من مصر أحياناً إلى رومة وأحياناً إلى شمال أفريقية ، ولكن مصر كانت المستقر الأمين له ، فأستمر بها إلى أن ائتمر به الوثنيون ، فقتلوه بعد أن سجنوه وعذبوه ، وكان ذلك سنة 62 من الميلاد ، وقد جاء في كتاب مروج الأخبار في تراجم الأبرار أن مرقس كان ينكر ألوهية المسيح هو وأستاذه بطرس الحواري ، وقد جاء في ذلك الكتاب عن مرقس : " صنف إنجيله بطلب من أهالي رومية ، وكان ينكر ألوهية المسيح ".

اللغة التي كتب بها إنجيل مرقس وتاريخ تدوينه والاختلاف فيه وفي الكتاب :
31- وقد كتب هذا الإنجيل باللغة اليونانية ، ولم نر أحداً من كتاب المسيحيين ناقض ذلك ، وقد ذكر الدكتور بوست في كتابه (قاموس الكتاب المقدس) إنه كتب الإنجيل باليونانية ، وشرح فيه بعض الكلمات اللاتينية وأخذ من ذلك إنه كتب في رومة. ويجئ مثله في تاريخ ابن البطريق ، خفيه : " وعصر تارون قيصر كتب بطرس رئيس الحواريين إنجيل مرقس عن مرقس في مدينة رومية ، ونسبه إلى مرقس ".
ونوجه نظر القارئ إلى ما قاله ابن البطريق من أن الذي كتب الإنجيل هو بطرس عن مرقس ، ونسبه إليه ، فكان بطرس راوي مرقس ، مع أن الأول رئيس الحواريين - كما يقول ابن البطريق - والثاني من تلاميذه ، كما جاء في كتاب مروج الأخبار في تراجم الأبرار. وإذا كان ذلك الإنجيل خلاصة علمه بالمسيحية ، فإذا رواه عنه أستاذه ، فقد روى هذا عن مرقس ما ألقاه عليه وعلمه ، وإن ذلك لغريب ، ولقد ذكر هذا الأمر صاحب مرشد الطالبين : " قد زعم إنجيل مرقس كتب بتدبير بطرس سنة 61 لنفع الأمم الذين كان ينصرهم بخدمته ". وقد ذكر الأمر بلفظ الزعم ، كأنه لا يصدقه ، وإنه لا يراه مقبولاً ، كما نراه غريباً ، ولكن هكذا يذكر الرواة . وبجوار هؤلاء الذين يقولون أو يزعمون أن إنجيل مرقس كتب بتدبير من بطرس ، وبولس ، فقد قرر الكاتب أرينيوس : " أن مرقس كتب إنجيله بعد موت بطرس وبولس ".
وفي الحق أن ذلك الاختلاف ، وإن كان زمنياً في ظاهره ، هو في معناه ولبه ، اختلاف في شخص المحرر لهذا الإنجيل . فابن البطريق ، وهو من المؤرخين المسيحيين الشرقيين يقرر أن الذي كتبه هو بطرس عن مرقس ، ونسبه إليه ، وأرينيوس يقرر أن الذي كتبه هو مرقس من غير تدبير بطرس ، لأنه كتبه بعد موته. فمن الكاتب إذن ؟ ليس بين أيدينا ما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى!. ولنتجاوز هذا إلى تاريخ كتابة ذلك الإنجيل ، فنجدهم أيضاً قد اختلفوا في زمان تأليفه. وقد قال في ذلك هورن : " ألف الإنجيل الثاني سنة 56 وما بعدها إلى سنة 65 والأغلب إنه ألف سنة 60 أو سنة 63" ، ويقول صاحب كتاب المرشد الطالبين : إنه كتب سنة 61.
إنجيل لوقا
32- يقولون : إن لوقا ولد في أنطاكية ، ودرس الطب ، ونجح في ممارسته ولم يكن من أصل يهودي ، ولقد رافق بولس في أسفاره وأعماله ، وجاء في رسائل بولس ما يشير إلى هذه الرفقة ، وتلك الأزمة. ففي الإصحاح الرابع من رسالته إلى كولوسي يقول : " ويسلم عليكم لوقا الطبيب الحبيب " ، وفي الإصحاح الرابع من رسالته الثانية إلى أهل تيموتاوس يقول : " لوقا وحده معي " ، وفي رسالته إلى أهل فليمون يقول : "مرقس وارسترخس وديماس ولوقا العاملون معي ". من هذا كله يفهم أن لوقا هذا هو الأنطاكي ، الطبيب ، ومثل هذا جاء في تاريخ ابن البطريق ، ويستنبط القس إبراهيم سعيد من كون لوقا طبيباً معاني كثيرة تسمو بإنجيله ، فيقول : " وكان لوقا طبيباً ، وهذه المهنة لها قيمتها الخاصة لأنها تلقي على حياة لوقا نورا ساطعاً ، فترينا إياه الرجل العلمي العملي المدقق المحقق ، الرقيق الأسلوب ، الجميل الديباجة ، لأن الرومان لم يسمحوا في وقتهم لأحد أن يتعاطى مهنة الطب ، إلا لمن جاز امتحانات عدة على جانب عظيم من الصعوبة والدقة والخطورة " ، ثم يبين : " أن كونه طبيباً قد سرد ولادة المسيح من غير أب سرداً طبيعياً هادئاً من غير محاولة التدليل على جوازه ، يؤخذ منه أن ذلك ليس ضد العلم ، وإن كان فوق متناول العالم ، وليس ضد الطبيعة ، وإنه فوق مجرى الطبيعة ". ويرجح - كما قال كثيرون - إنه ولد بأنطاكية ، ولكن الدكتور بوست يقرر إنه لم يكن أنطاكيا ، ويبين أن الذين يقولون إنه أنطاكي وعموا ذلك أو ظنوه من اشتباهه بلوكيوس ، فيقول : ظن بعضهم إنه (لوقا) مولود في أنطاكية إلا أن ذلك ناتج من اشتباهه بلوكيوس . وزعم بوست إنه كان رومانيا نشأ بايطاليا. ومهنة الطب التي نسب إليها ليست أيضاً موضع اتفاق ، لأن بين المؤرخين المسيحيين من يقرون إنه كان مصوراً .
ومن هذا يتبين أن الباحثين ليسوا على علم يقيني بمولد وصناعة كاتب هذا الأنجيل ، فمن قائل إنه انطاكي ولد بانطاكية ، ومن قائل إنه روماني ولد بايطاليا ، ومن قائل إنه كان طبيباً ، ومن قائل إنه كان مصوراً ، وكلهم يتفقون على إنه من تلاميذ بولس ورفقائه ، ولم يكن من تلاميذ المسيح ، ولا من تلاميذ حوارييه. ولبولس هذا شأن خطير في المسيحية كما سنبين.
من كتب لهم إنجيل لوقا ، ولغته ، واختلافهم حوله :
ويختلفون أيضاً في القوم الذين كتب لهم أولاً هذا الإنجيل . فالقس إبراهيم سعيد يقول : " إنه كتب لليونان ، وإنجيل متى كتب لليهود . وإنجيل مرقس يقول كتب للرومان ، وإنجيل يوحنا كتب للكنيسة العامة ".
وإنا نجد إنجيل لوقا يبتدئ بهذه الجملة : " إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا . كما سامها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين ، رأيت أيضاً ، إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس ، لتعرف صحة الكلام الذي علمت به ". وثاوفيلس هذا يقول عنه ابن البطريق إنه من عظماء الروم ، فيقول في ذلك : " وكتب لوقا إنجيله إلى رجل شريف من علماء الروم يقال له تاوفيلا. وكتب إليه أيضاً الأبركسيس الذي هو أخبار التلاميذ : وهي الرسالة المسماة أعمال الرسل ، وهناك من يقول أن ثاوفيلس هذا كان مصرياً ، لا يونانياً ، فهو قد كتب للمصريين لا لليونانيين.
ويقول الدكتور بوست في تاريخه : " قد كتب هذا الإنجيل قبل خراب أورشليم وقبل الأعمال ، ويرجح إنه كتب في قيصرية في فلسطين مدة أمر بولس سنة 58 - 60 من الميلاد غير أن البعض يظنون إنه كتب قبل ذلك ". ومن هذا يفهم أن بوست يرجح إنه ألفه وبولس حي في الأسر ، ولكن يحقق العلامة لارون إنه حرر إنجيله بعد أن حرر مرقس إنجيله ، وذلك بعد موت بطرس ، وبولس. والواقع أن باب الخلاف في تاريخ تدوين هذه الإنجيل أوسع من ذلك ، فقد قال هورن : ألف الإنجيل الثالث سنة 53 أو سنة 63 أو سنة 64.
ولا نترك هذا الإنجيل من غير أن نقول أن الباحثين قد اختلفوا في شخصية كاتبه وفي صناعته ، وفي القوم الذين كتب لهم ، وفي تاريخ تأليفه ، ولم يتفقوا إلا على إنه ليس من تلاميذ المسيح ولا تلاميذ تلاميذه. وإلا على إنه كتب باليونانية.
إنجيل يوحنا
33- لهذا الإنجيل خطر وشأن أكثر من غيره في نظر الباحث ، لأنه الإنجيل الذي تضمنت فقراته ذكراً صريحاً لألوهية المسيح ، فهذه الألوهية يعتبر هو نص إثباتها وركن الاستدلال فيها . ولذلك كان لابد من العناية به ، إذا كان التثليث هو شعار المسيحية ، وهو موضع مخالفتها لديانات التوحيد ، وأساس التباين بين هذه الديانة وتلك الديانات.
ويقول جمهور النصارى : أن كاتب هذا الإنجيل هو يوحنا الحواري ابن زيدى الصياد الذي كان يحله السيد المسيح ، حتى إنه استودعه والدته وهو فوق الصليب ، كما يعتقدون ، وقد نفى في أيام الاضطهاد الأولى ، ثم عاد إلى أفسس ، ولبث يبشر فيها ، حتى توفى شيخاً هرما.
هذه خلاصة ما جاء بكتاب مرشد الطالبين ، ولكن بجوار هؤلاء من محققي المسيحيين من أنكر أن يكون كاتب هذا الإنجيل هو يوحنا الحواري ، بل كتبه يوحنا آخر لا يمت إلى الأول بصلة روحية ، وأن ذلك الإنكار لم يكن من ثمرات هذه الأجيال ، بل ابتدأ في القرن الثاني الميلادي ، فإن العلماء بالمسيحية في القرن الثاني الميلادي أنكروا نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري ، وكان بين ظهرانيهم أرينيوس تلميذ بوليكارب تلميذ يوحنا الحواري ، ولم يرد عليهم بأنه سمع من أستاذه صحة تلك النسبة ، ولو كانت صحيحة لعلم بذلك حتماً تلميذه بوليكارب ، ولأعلم هذا تلميذه ازينيوس ، ولأعلن هذا تلك النسبة عندما شاع انكارها. ولقد قال استادلين في العصور المتأخرة : " إن كامنة إنجيل يوحنا تصنيف طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية ، ولقد كانت فرقة الوجين في القرن الثاني تنكر هذا الإنجيل وجميع ما أسند إلى يوحنا ، ولقد جاء في دائرة المعارف البريطانية التي اشترك في تأليفها خمسمائة من علماء النصارى ما نصه : " أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض . وهما القديسان يوحنا ومتى ، وقد ادعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب إنه هو الحواري الذي يحبه المسيح ، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاقتها ، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري ، ووضعت اسمه على الكتاب نصا ، مع أن صاحبه غير يوحنا يقيناً ، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه ، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ليربطوا ، ولو بأوهى رابطة ، ذلك الرجل الفلسفي - الذي ألف هذا الكتاب في الجيل الثاني - بالحواري يوحنا الصياد الجليل ، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى".
هذا قول بعض الباحثين من كتابهم : " ومن البدهي أن يعد المتعصبون ذلك القول خروجاً على وجه المسيحية ، ولذلك قال أحد هؤلاء المتعصبين ، وهو الدكتور بوست رادا علة هؤلاء : وقد أنكر بعض الكفار قانونية هذا الإنجيل ، لكراهتهم تعليمه الروحي ، ولاسيما تصريحه الواضح بلاهوت المسيح ، غير أن الشهادة بصحته كافيه ، فإن بطرس يشير إلى آية منه (2 بط 1 : 14 قال يو 21 ، 18 ، واغناطيوس وبوليكرس يقتطفان من روحه وفحواه. وكذلك الرسالة إلى ديو كنيتس وباسيلوس وجوستينس الشهيد وتانياس ، وهذه الشواهد يرجع بنا زمانها إلى منتصف القرن الثاني ، وبناء على هذه الشهادات ، وعلى نفس كتابه الذي يوافق ما نعلمه من سيرة يوحنا نحكم بأنه من قلمه ، وإلا فكاتبه من المكر والغش على جانب عظيم ، وهذا الأمر يعسر تصديقه ، لأن الذي يقصد أن يغش العالم لا يكون روحياً ، ولا يتصل إلى علم وعمق الأفكار والصلات الموجود فيه ، وإذا قابلناه بمؤلفات الآباء رأينا بينه وبينها بونا عظيماً ، حتى نضطر للحكم بأنه لم يكن منهم من كان قادراً على تأليف كذا ، بل لم يكن بين التلاميذ من يقدر عليه يوحنا إلا يوحنا ، ويوحنا ذاته لا يستطيع تأليفه بدون إلهام من ربه ".
وإذا نظرنا إلى هذا القول نظرة فاحصة كاشفة نقسمه قسمين ، قسم يعلن به الكاتب شدة إيمانه وتعصبه بما يشتمل عليه هذا الكتاب وتقديسه. وهو القسم الذي ذكره في عجز قوله ، وهو إنه لا يستطيع احد من الآباء ، بل لا يستطيعه أحد من الحواريين ، بل لا يستطيعه الكاتب نفسه إلا بالهام من ربه ، ويلحق بهذا الجزء ما سبقه مما يماثله ، فإن من الخطأ لأن يعد ذلك برهنه واحتجاجاً ، فإنه ليس فيه أية محاولة لها ، أما القسم الثاني فهو هل يصح أن يعتبر محاولة للاستدلال وهو ما ذكر في صدر قوله ، فإنه يقرر الاتفاق بين نص جاء فيه ، ونص جاء في رسالة بطرس الثانية ، فهو يقول : أن الفقرة الرابعة من الإصحاح الأول ونصها مع الفقرة التي قبلها : "13 - ولكني أحسبه حقاً ما دمت في هذا المسكن أن أنهضكم بالتذكرة - 14 - عالماً أن خلع مسكني قريب ، كما أعلن ربنا يسوع المسيح أيضاً " موافقة للفقرة الثامنة عشرة من الإصحاح الحادي والعشرين من إنجيل يوحنا ونصها : " الحق الحق أقول لك لما كنت أكثر حداثة كنت تنطق ذلك ، وتمشي حيث تشاء ، ولكن متى شخت فإنك تمد يدك ، وآخر بمنطقك ، ويحملك حيث لا تشاء ".
ونحن لا نجد موافقة بين الفقرتين لا في اللفظ ولا في المعنى ، واستولى علينا العجب من إدعاء الموافقة ، ولا جامع بينهما ، فظننا أن هناك خطأ فيما كتبه الدكتور بوست ، وقلنا لعله يريد الرسالة الأولى لا الرسالة الثانية ، فرجعنا إلى الفقرة الرابعة عشرة من الإصحاح الأول من الرسالة الأولى ، فوجدنا نصها هي وما قبلها هكذا : " لذلك منقطوا أحقاء ذهنكم صاحين فألقوا رجامكم بالتمام على النعمة التي يؤتى بها إليكم عند استعلان يسوع المسيح كأولاد الطاعة ، ولا تشاكلوا شهواتكم السابقة في جهالتكم ". وهنا نجد بعضا من الموافقة في اللفظ ، والموافق في المعنى ، فرجحنا إنه أراد هذه الرسالة ، وسبق قلمه فدون الثانية بدل الأول ، وعلى ذلك نناقش القول على أساسها ، وأساس المناقشة ما نعرفه من أن المتأخر إن وافق قوله من سبقه يكون قوله شهادة للسابق ، ولا يكون قول السابق شهادة له ، وأيهما اسبق تدوينا رسالة بطرس أو إنجيل يوحنا ، وقد اتفق مؤرخو النصرانية على أن بطرس قتله نيرون ، ويقول في ذلك ابن البطريق : "وأخذ نارون قيصر لبطرس فصلبه منكما وقتله ، لأن بطرس قال له : إن أردت أن تصلبني منكساً لئلا أتشبه بسيدي المسيح ، فإنه صلب قائماً " ... وعاش بطرس بعد السيد المسيح اثنتين وثلاثين سنة ، فكان بطرس قتل بعد ميلاد المسيح بنحو 65 ، لأن المسيح صلب في اعتقادهم " وله ثلاث وثلاثون سنة ، يضاف إليها اثنتان وثلاثون سنة عاشها بعده بطرس. ومن المؤكد أن إنجيل يوحنا كتب بعد ذلك ، فقد كتب سنة 95 أو سنة 98 على ما أعتمد الدكتور بوست ، فإذا وجدنا اتفاقاً بين ما كتب في هذا الإنجيل ، وما جاء في رسالة بطرس يجب أن يكون كاتب هذا الإنجيل شاهدا لبطرس ، لا أن بطرس شاهد له ، وشهادة إنجيل يوحنا لا قيمة لها ، لأنها شهادة إنجيل في نظر من أنكروه مجهول غير معروف يحتاج إلى دليل ، فلا حجة في هذا الأمر ، وعلى ذلك يكون الأمر في غيره من الشهادات ، وسنبين عند مناقشة كتبهم كثيراً من أوجه النقد فيها.
تاريخ تدوين هذا الإنجيل وسبب تدوينه
34- ولقد اختلف المسيحيون في تاريخ تدوين هذا الإنجيل اختلافاً بينا. فالدكتور بوست يرجح إنه كتب سنة 95 أو سنة 98 وقيل سنة 96 ، ويقول هرون في تاريخ تدوين ذلك الإنجيل : ألف الإنجيل الرابع سنة 68 أو سنة 69 أو سنة 70 أو سنة 89 أو سنة 98 من الميلاد" إذن فليس هناك تاريخ محرر لتدوين هذا الإنجيل ، كما إنه ليس هناك بيان قد خلص من الشك بحقيقة كاتبه ، وقد علمت ما في ذلك.
ولقد قالوا إنه كتب لغرض خاص . وهو أن بعض الناس قد سادت عندهم فكرة أن المسيح ليس إلهاً ، وأن كثيرين من فرق الشرق كانت تقرر تلك الحقيقة ، فطلب إلى يوحنا أن يكتب إنجيلاً يتضمن بيان هذه الأُلوهية ، فكتب هذا الإنجيل ، وقد قاله جرجس زوين اللبناني فيما ترجمه : "أن شيرينطوس وأبيسون وجماعتهما لما كانوا يعلمون المسيحية بأن المسيح ليس إلا إنساناً. وإنه لم يكن قبل أمه مريم فلذلك في سنة 96 اجتمع عموم أساقفة آسيا وغيرهم عند يوحنا والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح ، وينادى بإنجيل مما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون ، وأن يكتب بنوع خصوصي لاهوت المسيح " قال يوسف الدبس الخوري في مقدمة تفسيره : (من تحفة الجبل) أن يوحنا صنف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة كنائس آسيا وغيرها ، والسبب إنه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح ، فطلبوا منه إثباته وذكر ما أهمله متى ومرقي ، ولوقا في أناجيلهم ، وقال صاحب مرشد الطالبين : إنه لا يوجد اتفاق بين العلماء بضبط السنة التي فيها كتب يوحنا إنجيله ، فإن بعضهم يزعم إنه كتبه في سنة 65 قبل خراب أورشليم ، وآخرون ممن يوجد فيهم بعض الأقدمين يرون بكتابته في سنة 98 ، وذلك بعد رجوعه من المنفى ، فالقصد بكتابته إبقاء بعض مسامرات المسيح الضرورية ذات التروي مما لم يذكره باقي الإنجيليين . وأفناء لبعض هرطقات مفسدة ، أشهرها معلمون كذبة في شأن ناسوت المسيح وموته ، وخاصة ترسيخ النصارى الأوائل في الاعتقاد بحقانية لاهوت وناسوت ربهم وفاديهم ومخلصهم ، وقد قيل أن يوحنا لم يؤلف إنجيله إلا بعد صلاة عامة قلبية مع التبعية لأجل أن يوحيه الروح القديس بذلك ".
ما يستنبط من سبب كتابته
35- من هذه النقول يستفاد أن كتاب النصارى يجمعون أو يكادون على أن الإنجيل المنسوب إلى يوحنا كتب لإثبات أُلوهية المسيح التي اختلفوا وشأنها ، لعدم وجود نص في الأناجيل الثلاثة يعينها ، وهنا لا يسع القارئ لتلك النقول إلا أن يستنبط أمرين : (احدهما) صريح وهو أن الأناجيل الثلاثة الأولى ليس فيها ما يدل على أُلوهية المسيح ، أو هي كانت كذلك قبل تدوين الإنجيل الرابع على الأقل ، وهذه حقيقة يجب تسجيلها ، وهي أن النصارى مكثت أناجيلهم نحو قرن من الزمان ليس فيها نص على أُلوهية المسيح ، (وثانيهما) أن الأساقفة اعتنقوا أُلوهية المسيح قبل وجود الإنجيل الذي يدل عليها ، ويصرح بها ، ولما أرادوا أن يحتجوا على خصومهم ، ويدفعوا هرطقتهم في زعمهم لم يجدوا مناصاً من أن يلتمسوا دليلاً ناطقاً يثبت ذلك ، فاتجهوا إلى يوحنا ، فكتب كما يقولون إنجيله الذي يشتمل على الحجة ، وبرهان القضية ، والبينة فيها على زعمهم ، وهذا ينبئ عن أن الاعتقاد بألوهية المسيح سابق لوجود نص في الكتب عليه ، وإلا ما اضطروا اضطراراً إلى إنجيل جديد طلبوه افتقدوه ، فلما لم يجدوا طلبوا من يوحنا أن يكتبه. ولكن الواقع أن رسائل الرسل التي كتبت عن قولهم قبل هذا الإنجيل ، فيها ما ينبئ عن أُلوهية المسيح ، ويعلنها ، فلم تكن فيها حجة لا تجعلهم في حاجة ماسة إلى إنجيل جديد ، وفيها غناء من البيان يغنيهم عن سواه أم لعل تلك الرسائل المشتملة على هذه الأُلوهية كتبت بعد هذا الإنجيل ليؤيدوه بها ، وليثبت ما أتى به ، ويرسخ في نفوس المسيحيين ، ثم نسبت إلى السابقين.
هذا تنبيه مجمل اضطرنا سياق البحث لبيانه قبل أوانه ، وفي غير مكانه ، وله في البحث موضع ، يغني فيه الإجمال عن التفصيل.
هذه الأناجيل لم تزل على عيسى عليه السلام
36- هذه هي الأناجيل التي ذكرناها كما كتب النصارى ، لا كما يعتقد غيرهم ، وسنلقي عليها نظرة علمية بعد الكلام في بقية الكتب ، ولكن يجدر بنا هنا أن ننبه إلى أن هذه الأناجيل ليست نازلة على عيسى عليه السلام في نظرهم ، وليست منسوبة له. ولكنها منسوبة لبعض تلاميذه ، ومن ينتمي إليهم ، وهي تشتمل على أخبار المسيح وقصصه ، ومحاوراته ، وخطبه وابتدائه ونهايته في الدنيا كما يعتقدون هم.
إنجيل عيسى
لكن هل هناك إنجيل غيرها يعد إنجيل عيسى ؟ وهل في كتابات الباحثين من النصارى ما يدل على ثبوت هذا الإنجيل ، وإن كنا لا نجده ؟
نجد في هذه الأناجيل عبارات تذكر كلمة إنجيل أو بشارة (وهي ترجمة لكلمة إنجيل باليونانية) مضافة أحياناً إلى المسيح على إنه ابن الله ، وأحياناً إلى الله ، وأحياناً إلى ملكوت الله ، فنرى مثلاً في إنجيل متى في الإصحاح الرابع منه ما نصه : "وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ، ويكرز ببشارة الملكوت ، ويشفى كل مرض ، وكل ضعف في الشعب " ، وبشارة الملكوت هي ترجمة كلمة إنجيل باليونانية ، ونرى في إنجيل مرقس في الإصحاح الأول منه : "وبعد ما أسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله ، ويقول : قد كمل الزمان ، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل"
وجاء في رسالة بولس إلى أهل رومية في الإصحاح الأول منها : "أولاً أشكر إلهي يسوع المسيح من جهة جميعكم ، إن إيمانكم ينادي به في كل العالم ، فإن الله الذي أعبده بروجي في إنجيل ابنه شاهد لي كيف بلا انقطاع أذكركم ..." ويجيء في رسالته الأولى إلى أهل كورنئوس في إصحاحها التاسع : "بصرت الضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء ، صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوماً ، وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل ، لأكون شريكاً فيه " ففي هذا كله نجد كلمة إنجيل أو كلمة بشارة (وهي ترجمة كلمة إنجيل باليونانية) مضافة إلى ملكوت الله ، كما في إنجيل متى ومرقس ، وإنجيل الابن كما في رسالة بولس إلى أهل رومية ، وكلمة الإنجيل من غير إضافة كما في إنجيل مرقس ، ورسالة بولس إلى أهل كورنئوس الأولى ، ولا شك أن الإنجيل المذكور في كل هذا ليس واحداً من هذه الأناجيل لأنها لا تضاف إلا إلى أصحابها باتفاق النصارى ، ولأن المسيح قد وعظ بهذا الإنجيل ، كما جاء في عبارة متى التي نقلناها ، ولم يكن واحداً من هذه الأناجيل قد وجد في عهده بالاتفاق ، وليس من المعقول أن يعظ بأقواله تلاميذه ، وهم بعد لا يزالون في دور التعلم ، ولأن هذا الإنجيل قد ذكر في هذه الأناجيل على إنه كان قائماً في عهد عيسى ، ولأنه ذكر من غير نسبة كما في إنجيل مرقس ورسالة بولس الأولى إلى أهل كورنئوس ، وليس واحد من هذه الأربعة تنصرف إليه كلمة إنجيل من غير نسبته إلى صاحبه ، ولأنه ذكر في رسالة بولس إلى أهل رومية منسوباً إلى المسيح الابن ، وليس واحد من هذه الأناجيل يستحق هذا الاسم. لهذا كله نقول : ليس هذا الإنجيل واحداً منها كما تقضى بذلك طبيعة السياق ، وكما يقضى بذلك العقل ، وإذا كان الأمر كذلك ، فهل لنا أن نفهم أن هناك إنجيلاً أصيلاً نزل على عيسى وكرز به على حد تعبيرهم ووعظ. ويعتبر الأصل لهذه الديانة ؟
أقوال علماء النصرانية في إنجيل عيسى
ولقد يمهد لذلك الرأي ، ويرشح له - أننا وجدنا من مؤرخي المسيحية الأحرار الذين لم يقيدهم في بحثهم إلا العلم والحقائق التاريخية من يصرحون بأنه كانت في القرن الأول رسالة تعتبر أصلاً لهذه الأناجيل فيما جاء به المسيح ، وخلاصة أحواله ، وهذا ترجمة ما قاله نارتن في كتاب له : "قال أكهارن في كتابه : إنه كان في ابتداء الملة المسيحية في بيان أحوال المسيح رسالة مختصرة يجوز أن يقال إنها هي الإنجيل الأصلي ، والغالب أن هذا الإنجيل كان للمريدين الذين كانوا لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم ، ولم يروا أحواله بأعينهم. وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب ، وما كانت الأحوال المسيحية مكتوبة فيه على الترتيب".
إذن فهؤلاء الأحرار يقررون أنه كان هناك إنجيل يعد من المسيحية بمنزلة القلب ، ولكنه غير موجود ، فهل لنا أن نقول أن ذلك الإنجيل هو المشار إليه في أقوال متى ، ومرقس ، وبولس السابقة ، وهو الذي نزل على عيسى ، أهو إنجيله و إنجيل الله ؟ ليت ، وهل ينفع شيئاً ليت ، ليت هذا الإنجيل كان قائماً ، وحرصت الكنيسة على بقائه ، وقامت بحياطته ، ليكون فيصلاً بين المختلفين ، وحكماً بين الفرق والمفترقين ، وليكون قسطاس المجامع القديمة والحديثة التي حكمت حين الانشقاق ، وليكون مصدراً علمياً لمن يكتب في المسيحية الأولى ، ويتبعها في مدارجها في أحقاب الزمن ، وملابسات التاريخ.
إنجيل برنابا
37- لقد كتبنا خلاصة ما بينه المسيحيون في أناجيلهم الأربعة ، واستنبطنا من نصوصها ما يدل على وجود إنجيل أصيل ، هي منه الفرع من الأصل ، على أن في ذلك كلاماً قد طويناه إلى موضعه من القول ، وقد أيدنا في استنباطنا بعض الأحرار المسيحيين ، واستنبطوا قريناً مما استنبطنا ، وقبل أن نغادر الكلام في الأناجيل إلى الكلام في الرسائل يجدر بنا أن نتكلم في إنجيل جديد قد كشف عنه البحث العلمي ، وقد حمل من الأمارات ما يدل على إنه في نشأته يمتد إلى أبعد أعماق التاريخ المسيحي ، وأبعد أغواره ، وهو يشبه الأناجيل القائمة في إنه قصة المسيح من ولادته إلى اتهامه. ويحكى محاوراته ، ومناقشاته وخطبه ، ولكن الكنيسة لم تعترف به وأنكرته ، فليس معتبراً عند المسيحيين مصدراً دينياً ، ولكنه متداول بين علماء الأمم الأوربية ، وقد اتجهوا إليه بالبحث والعناية ، والاهتمام ، ولم يمنعهم من ذلك إنكار الكنيسة له. ذلك الإنجيل هو إنجيل برنايا ، ومن الحق علينا أن ندرسه ، ونعرف رأي المسيحيين فيه ، وما يؤدي إليه النظر العلمي من غير أفتيات عليهم ولا تهجم ، ومن غير أن نقحم أنفسنا فيما ليس لنا من إملاء عقيدة على القوم في دينهم.
برنابا
38- جاء ذكر برنابا في رسالة أعمال الرسل التي ينسب تدوينها إلى لوقا. فقد جاء في الإصحاح الرابع من تلك الرسالة : " ويوسف الذي دعى من الرسل برنابا الذي يترجم ابن الوعظ : وهو لاوى قبرصي الجنس ، إذ كان له حقل باعه واتى بالدراهم ، ووضعها عند أرجل الرسل " ، وجاء في الإصحاح التاسع عند الكلام عن إيمان شاول - وهذا هو الذي أشتهر بعدئذ باسم بولس الرسول - إن برنابا هو الذي شهد له بالإيمان ، وهو نص ما جاء فيه : " ولما جاء شاول إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ ، وكان الجميع يخافونه غير مصدقين إنه تلميذ ، فأخذه برنابا وأحضره إلى الرسل . وحدثهم كيف أبصر الرب في الطريق . وإنه كلمه ، وكيف جاهر في دمشق باسم يسوع " ولقد ذكر ذلك السفر أيضاً إنه كانت ترسله الكنيسة للوعظ والهداية ، وفي الإصحاح الحادي عشر : " فسمع الخبر عنهم في آذن الكنيسة التي في أورشليم . فأرسلوا برنابا لكي يجتاز إلى أنطاكية ، الذي لما أتى ، ورأى نعمة الله فرح ووعظ أن يثبتوا في الرب بعزم القلب . لأنه كان رجلاً صالحاً ، وممتلئاً من الروح القدس والإيمان ، فانضم إلى الرب جمع غفير ثم خرج برنابا إلى طرسوس ليطلب شاول ، ولما وجده جاء به إلى أنطاكية ..." ، ويزعمون أن الروح القدس خاطبه واختصه بالخطاب هو وبولس (شاول) من بين الأنبياء والمعلمين ، فقد جاء في الإصحاح الثالث عشر من رسالة الأعمال : " وكان في أنطاكية في الكنيسة هناك أنبياء ومعلمون : برنابا وسمعان الذي يدعى نيجر.
ولوكيوس القيرواني ، ومنابن الذي تربى مع هيروكس رئيس الربع ، وشاول.
وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس : افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه ، فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما ، فهذا ، إذ أرسلا من الروح القدس انحدرا إلى سلوكية ، ومن هناك سافرا في البحر إلى قبرص . ولما سارا في سلاميس ناديا بكلمة الله في مجامع اليهود. وكان معهما يوحنا خادماً " وقد استمر برنابا وبولس مصاحبين في التبشير بالديانة المسيحية في قبرص . وحدثت على أيديهما المعجزات ، حتى زعم الناس أنهما الهان . وجاء فيه عن بيان وقع الخبر عليهما : فلما سمع الرسولان برنابا وبولس مزقا ثيابهما ، واندفعا إلى الجمع صارخين وقائلين : " أيها الرجال لماذا تفعلون هذا ؟ نحن بشر تحت آلام مثلكم . نبشركم أن ترجعوا من هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها ، الذي في الأجيال الماضية ترك جميع الأمم ، مع إنه لم يترك نفسه بلا شاهد".
ومن هذا كله يتبين أن رسالة الأعمال تشهد أن برنابا كان من الرسل في اعتقادهم ، الذين أخلصوا للدعوة إلى المسيحية ، حتى باع كل ما يملك ؟ وألقى بثمنه بين أيدي الرسل يتصرفون به في سبيل نشر الدعوة ، وينفقونه في حاجات الجميع. وإنه هو الذي شهد لبولس بالإيمان. وإن الكنيسة أرسلتهما مبشرين بالمسيحية في قبرص بعد أن ارسلت برنابا وحده إلى أنطاكية ، وأن برنابا كان رجلاً صالحاً ممتلئاً من الروح ، وأن الروح القدس خصه بعناية من بين الرسل والمعلمين كما يعتقدون.
وينص بولس في رسالته إلى أهل كولوسى في إصحاحها الرابع على أن مرقس صاحب الإنجيل ابن أخت برنابا : فيقول : "يسلم عليكم ارسترخص المأسور معي ، ومرقس ابن أخت برنابا الذي أخذتم لأجله أن آتى إليكم فاقبلوه".
ولقد كان مرقس هذا يصاحب وبولس قي سفرهما للدعاية والوعظ. ولقد افترقا بسبب إرادة برنابا أن يصحبهما ابن أخته في الطواف في المدن التي سبقت إليها الدعاية ، ومخالفة بولس لذلك ، ولذلك جاء في رسالة الأعمال في إصحاحها الخامس عشر ما نصه : "ثم بعد أيام قال بولس لبرنابا : لنرجع ونعتقد إخواننا في كل مدينة في كل مدينة نادينا فيها بكلمة الرب ، كيف هم ؟ فأشار برنابا أن يأخذ معهما أيضاً يوحنا الذي يدعى مرقس ، وأما بولس فكان يستحسن أن الذي فارقهما من بمفيلية ، ولم يذهب معهما للعمل لا يأخذانه معهما ، فحصل بينهما مشاجرة ، حتى فارق أحدهما الآخر ، وبرنابا أخذ مرقس وسافر في البحر إلى قبرص ، وأما بولس فاختار سيلا ، وخرج مستودعاً من الأخوة إلى نعمة الله".
ولقد أشرنا إلى الصلة بين برنابا ومرقس صاحب الإنجيل عند الكلام في إنجيل مرقس ، ونقلنا من كتب المسيحيين ما يدل على أن مرقس هذا ، وهو حجة عندهم باتفاق ، كان ينكر أُلوهية المسيح ، وهو وأستاذه بطرس ، وقد نقلنا عن مروج الأخبار في تراجم الأبرار ما يدل على ذلك.
هل برنابا من الحواريين الاثني عشر

39- هذا هو برنابا. قديس من قديسي المسيحيين باتفاقهم ، ورسول من رسلهم ، وركن من الأركان التي قامت عليها الدعاية للمسيحية الأولى ، وقد وجد إنجيل باسمه يدل على إنه كان من الحواريين الذين أختصهم المسيح بالزلفى إليه ، والتقرب منه ، وملازمته في سرائه وضرائه ، ولكن كتب المسيحيين غير هذا الإنجيل لا نعده من هؤلاء الحواريين وإن كانت تعده من الرسل الذين يبلغون مكانة الحواريين في هذا الدين بعد المسيح ، ومهما يكن من شيء في هذا الأمر ، وهو كونه من الحواريين أو ليس منهم ، فإن برنابا حجة عند المسيحيين ، وهو من الملهمين في اعتقاده ، فإن صحت نسبة هذا الإنجيل إليه كان ما يشمله حجة عليهم ، يدعوهم غلى أن يوازنوا بين ما جاء فيه وما جاء في غيره من كتبهم ، ويؤخذ بما هو أقرب إلى التصور والتصديق ، وأصح سنداً ، وأقرب بالمسيحية الأولى رحماً.
فلندرس الآن أقدم نسخة عرفت في العصر الحديث.
اتفق المؤرخون على أن أقدم نسخة عثروا عليها لهذا الإنجيل ، نسخة مكتوبة باللغة الإيطالية ، عثر عليها كريمر أحد مستشاري ملك بروسيا ، وذلك في سنة 1709 وقد انتقلت النسخة مع بقية مكتبة ذلك المستشارفي سنة 1738 إلى البلاط الملكي بفيينا ، وكانت تلك النسخة هي الأصل لكل نسخ هذا الإنجيل في اللغات التي ترجم إليها.
ولكن في أوائل القرن الثامن عشر ، أي في زمن مقارب لظهور النسخة الإيطالية وجدت نسخة اسبانية ترجمها المستشرق سايل إلى اللغة الإنجليزية ، ولكن لم يعلم من تلك النسخة وترجمتها إلا شذرات أشار إليها الدكتور هوايت في إحدى الخطب ، وقد قيل إن الذي ترجم النسخة الأسبانية إلى تلك اللغة مسلم نقلها من الإيطالية إلى الأسبانية.
ولقد رجح أن النسخة الإيطالية هي الأصل للنسخة الأسبانية ، وذلك إنها قد قدمت بمقدمة تذكر أن الذي كشف النقاب عن النسخة الإيطالية التي كانت أصلاً للنسخة الإسبانية راهب لاتيني اسمه فرامينو وإنه قص قصصها ، فيقول : "إنه عثر على رسائل لايريانوس وفيها رسالة يندد فيها بما كتبه بولس الرسوا. ويسند تنديده إلى إنجيل برنابا ، فدفعه حب الاستطلاع إلى البحث عن إنجيل برنابا. وقد وصل إلى مبتغاة لما صار أحد المقربين إلى البابا سكتس الخامس. فإنه عثر على ذلك الإنجيل في مكتبة هذا البابا ، فأخفاه بين أردأنه ، وطالعه ، فاعتنق الإسلام" ويظهر أن تلك النسخة هي نفس النسخة التي عثر عليها سنة 1709.
ويقول في ذلك الدكتور سعادة مترجم الإنجيل إلى العربية : "إذا تحريت التاريخ وجدت أن زمن البابا سكتس المذكور نحو مغيب القرن السادس عشر. وقد علمت مما مر بك بيانه أن نوع الورق الذي سطر فيه إنما هو ورق إيطالي يمكن تعيين أصله من الآثار المائية التي فيه ، والتي يمكن اتخاذها دليلاً صادقاً على تاريخ النسخة الإيطالية والتاريخ الذي يحدسه العلماء "من كل ما تقدم بيانه يتراوح بين منتصف القرن الخامس عشر ، والسادس عشر ، وعليه فمن الممكن أن تكون النسخة الإيطالية هي عينها التي اختلسها فرامينو من مكتبة البابا على ما مرت الإشارة إليه".
الكلام في صحة تسمية هذا الإنجيل
40- أقدم نسخة معروفة إذن هي النسخة الإيطالية التي عثر عليها في فجر القرن الثامن عشر ، ولكن وجودها يمتد إلى منتصف القرن الخامس عشر أو أول القرن السادس عشر ، وقد وجدت في جو مسيحي خالص ، فلا مظنة لأن تكون مدخولة عليهم.
فأول من عثر عليها في خزانة كتبه رئيس ديني خطير. وكاشفها راهب ، ولما تداولتها الأيدي انتقلت إلى مستشار مسيحي من مستشاري ملك بروسيا ، ثم آلت إلى البلاط الملكي بفيينا فلا مظنة لأن تكون مدخولة عليهم ، وهي منسوبة لقديس من القديسين هو برنابا ولم يعرف بهذا الاسم سواه ، له مثل مكانته الدينية. ولقد كان وجود إنجيل له أمرا معروفاً بين العلماء بهذا الدين. فهذا فرامينو يقول إنه أطلع على رسالة لاربانوس يستنكر ما كتب بولس مستشهداً على استنكاره بإنجيل برنابا.
ويذكر التاريخ أن هناك أناجيل كثيرة حرمت قراءتها الكنيسة - كما أشرنا من قبل ، ويقول الدكتور سعادة : "يذكر التاريخ أمراً أصدره البابا جلاسيوس الأول الذي جلس على الأريكة البابوية سنة 492 ميلادية يعدد فيه أسماء الكتب المنهي عن مطالعتها ، وفي عدادها كتاب يسمى إنجيل برنابا ، ويذهب بعض العلماء المدققين إلى أن أمر البابا جلاسيوس المنوه عنه إنما هو برمته تزوير".
ولكن التاريخ اصح وأصدق من قول هؤلاء العلماء ، وإن كانوا محققين ، فأقول العلماء والمؤرخين تترى في تحريم قراءة أناجيل كثيرة. فإذا فعل ذلك البابا جلاسيوس فقد سار على سنة إسلامه ، وجرى على سنته من بعده أخلاف ، وإذا صح ذلمك الأمر - كما يشهد التاريخ ، وكما تنبئ عنه المقدمات والنتائج ، فإن إنجيل برنابا كان معروفاً متداولاً قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكثر من قرنين.
وزعم الدكتور سعادة بأنه لو كان معروفاً في ذلك الإبان لعرفه النبي - صلى الله عليه وسلم - واحتج به ، أو أخذ منه - زعم باطل - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، ولم يقم في البلاد التي سادتها المسيحية آمادا تمكنه من المعرفة والإطلاع ، ولأن مضى قرنين من الزمان بعد التحريم يجعل التحريم ينتج أثره ، فيخفي ما كان ذائعاً ، ويدفن ما كان معلوماً مشهوراً فمائتان من السنين تكفي لطمس الموجود ، وتعقبه آثار المفقود.
وإن المسيحيين يجدون فيما اشتمل عليه ذلك الإنجيل أخباراً دقيقة عن التوراة حتى لقد يقول الدكتور سعادة : "إنك إذا أعملت النظر في هذا الإنجيل وجدت لكاتبه الماماً عجيباً بأسفار العهد القديم لا تكاد تجد لها مثيلاً بين طوائف النصارى إلا في أفراد قليلين من الأخصائيين الذين جعلوا حياتهم وقفاً على الدين ، كالمفسرين ، حتى إنه لينذر أن يكون بين هؤلاء أيضاً من له إلمام بالتوراة يقرب من إلمام كاتب إنجيل برنابا".
ترجيح صدق النسبة في هذا الإنجيل
41- هذه بينات شاهدة - وإن لم تبلغ اليقين والجزم - بأن نسبة هذا الإنجيل إلى برنابا نسبة يرجح أن تكون صحيحة ، لأنه وجدت نسخته الأولى في جو مسيحي خالص ، وكان معروفاً قبل ذلك بقرون أن لبرنابا إنجيلاًَ ، وهو يدل على أن كاتبه على المام تام بالتوراة التي لا يعرفها الرجل المسيحي غير الاختصاصي في علوم الدين ، بل يندر من يعرفها من المختصين ، وإن برنابا كان من الدعاة الأولين الذين عملوا في الدعوة عملاً لا يقل عن عمل بولس ، كما تذكر رسالة أعمال الرسل ، فلابد أن تكون له رسالة أو إنجيل.
هذه بينات تشهد بأن الإنجيل الذي كشف وعرف صحيح النسبة ، ليس للمسلمين يد فيه ، وإن من ينحله للمسلمين كمن يحمل في يده شيئاً يظن في جملة اتهاماً له. فيسند ملكيته إلى غيره نفياً للتهمة عن نفسه. فهل يقبل منه ذلك النفي من غير حجة ولا دليل سوى أن فيه اتهاماً له ؟ وهل يقر القضاء ذلك النفي ؟.
قد يقول قائل : أن هذه البينات كلها مرجحة وليست يقينية ، ونحن نقول أن أكثر مسائل التاريخ ترجيح ، وليست يقينية جازمة ، فإذا كانت نسبة إنجيل برنابا إليه ظنية تقبل الإحتمال فانا نأخذ بذلك الظن ، لأنه المأخذ في أكثر مسائل التاريخ ، والاحتمال الذي لا ينشأ عن دليل لا يلتفت إليه ، بجوار الاحتمال الناشئ عن دليل ، ووجود ذلك الإنجيل بلغة مسيحية وبين ظهراني المسيحيين ، وفي مكاتبهم الخاصة دليل على أن المسلمين ليست لهم يد فيه ، ولذلك رجح جمهور المحققين إنه بيس لهم يد في إنشائه.
ولكن زعم بعضهم أن أصله عربي ، وهو زعم ليس له دليل ، وعلى مدعى ذلك الأصل أن يبرزه ، ويبين تاريخ تدوينه ، ومقدار نسبته.
ولكن الدكتور سعادة يزعم أن أصله عربي بدليل إنه وجد على النسخة الإيطالية تعليقات عربية ، وإنه صرح في التبشير باسم النبي ، مع أن المعهود في البشارات الرمز لا النص.
ونحن نرد الأول بأن وجود تعليقات عربية يدل فتخذ على أن بعض من قرأ هذه النسخة يعرف العربية على ضعف فيها لأنه مستقيم التعبير أحياناً قليلة ، وسقيم العبارة في أحيان كثيرة ، ومن الغريب أن يتخذ من التعليقات العربية دلالة على أصله الإسلامي ، ولا يتخذ من صلبه الإيطالي دليلاً على أصله المسيحي.
أما كون التبشير بالنبي - صلى الله عليه وسلم - صريحاً فيه وليس بتلميح فنحن لا نسلم بأن كل التبشيرات في الكتب الدينية تلميح. نعم بعضها رمز وتلميح ، ولكن معنى ذلك نفي الصريح ، وعلى فرض أن كل تبشير تلميح لا تصريح ، فالنص الإيطالي الذي بين أيدينا ترجمة لا نص ، وعسى أن يكون المترجم فهم المعنى ، فلم يسعفه في لغته التلميح ، فنطق بالتصريح كما يفعل المسيحيون في كثير مما ترجموا من كتب أصلها عبري.
ومن المؤكد أن ذلك الإنجيل لم يكن معروفاً عند المسلمين في غابرهم وحاضرهم ، لأن المناظرات بينهم وبين المسيحيين كانت قائمة في كل العصور ، ولم يعرف أن أحداً أحتج على مناظرة المسيحي بهذا الإنجيل ، مع إنه فيه الحجة الدامغة التي تفلح المسلم على المسيحي ، فدعوى وجود نسخة عربية كانت هي الأصل للنسخة الإيطالية ، فوق إنها لا دليل عليها مطلقاً ، ولو بطريق الوهم هي تناقض أخبار التاريخ الإسلامي مناقضة تامة ، وإلا أحتج المجادل عن الإسلام بها. ففيها أقوى دليل ، والتاريخ لم يحفظ ذلك ، وهذى سجلاته ليستنبطوها. وليعرفوا دخائلها ، فلن يجدوا شيئاً يمكن دعواهم ويثبت قضيتهم.
قيمة إنجيل برنابا من حيث ما أشتمل عليه
42- وإنجيل برنابا هذا يمتاز بقوة التصوير ، وسمو التفكير ، والحكمة الواسعة ، والدقة البارعة ، والعبارة المحكمة ، والمعنى المنسجم ، حتى إنه لو لم يكن كتاب دين لكان في الأدب والحكمة من الدرجة الأولى ، لسمو العبارة وبراعة التصوير.
ولماذا أنكره المسيحيون مع أن قوة النسبة فيه لا تقل عن قوة النسبة في كتبهم الأربعة كما ذكرنا ، إن لم تكن أقوى ؟ الجواب عن ذلك أن المسيحيين رفضوه لأنه خالف أناجيلهم ورسائلهم في مسائل جوهرية في العقيدة.
ولقد كنا نظن أن ظهور ذلك الإنجيل كان يحمل الكنيسة على التفكير من جديد في مصادر الدين ، لتعرف أي الكتب أقرب نسياً بالمسيحية الأولى ، أذلك الإنجيل بما خالف ، أم الرسائل والأناجيل التي توارثتها ؟ ولكنهم سارعوا إلى الرفض والإنكار. كما سبق أسلافهم إلى إنكاره من قبل.
مخالفة إنجيل برنابا لما عليه المسيحيون
والأمور التي خالف ذلك الإنجيل فيها ما عليه المسيحيون الآن تتلخص في أربعة أمور :
أولها : إنه لم يعتبر المسيح ابن الله ، ولم يعتبره إلهاً ، وقد ذكر ذلك في مقدمته فقال : "أيها الأعزاء أن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم ، والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى ، مبشرين بتعليم شديد الكفر. داعين المسيح ابن الله ، ورافضين الختان لذي أمر به الله به دائماً ، مجوزين كل لحم نجس ، الذين ضل في عدادهم أيضاً بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى وهو السبب الذي لأجله اسطر ذلك الحق الذي رأيته".
ويقول في آخر الفصل الثالث والتسعين : "أجاب الكاهن أن اليهودية قد اضطربت لآياتك وتعليمك حتى أنهم يجاهرون بأنك أنت الله ، فاضطررت بسبب الشعب إلى أن آتي إلى هنا مع الوالي الروماني والملك هيرودس فنرجو من كل قلبنا أن ترضى بإزالة الفتنة التي ثارت بسببك ، لأن فريقاً يقول إنك الله. وآخر يقول إنك ابن الله ، ويقول فريق إنك نبي. أجاب يسوع : "وأنت يا رئيس الكهنة. لماذا لم تخمد الفتنة ، وهل جننت أنت أيضاً ، وهل أمست النبوات ، وشريعة الله نسياً منسياً ، أيتها اليهودية الشقية التي ضللها الشيطان" ولما قال يسوع هذا عاد فقال : "أني أشهد أمام السماء ، وأشهد كل ساكن على الأرض إني برئ من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر ، لأني بشر مولود من امرأة ، وعرضه لحكم الله ، أعيش كسائر البشر ، عرضه للشقاء العام".
ويقول في الفصل السبعين : "أجاب يسوع : وما قولكم أنت في ؟ أجاب بطرس : إنك المسيح ابن الله. فغضب حينئذ يسوع. وانتهره بغضب قائلاً : أذهب. وانصرف عني. لأنك أنت الشيطان ، وتريد أن تسئ إلى".
(الأمر الثاني) : أن الذبيح الذي تقدم به إبراهيم الخليل عليه السلام للفداء هو إسماعيل ، وليس بإسحق ، كما هو مذكور في التوراة ، وكما يعتقد المسيحيون. هذا نص ما جاء في إنجيل برنابا على لسان المسيح عليه السلام : "الحق أقول لكم إنكم إذا أمعنتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلموا خبث كتبنا وفقهائنا ، لأن الملاك قال : "يا إبراهيم. سيعلم العالم كله كيف يحبك الله ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله. حقاً يجب عليك أن تفعل شيئاً لأجل محبة الله. أجاب إبراهيم : ها هو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله ، فكلم الله حينئذ إبراهيم قائلاً : "خذ ابنك بكرك واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة". فكيف يكون إسحق البكر ، وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين.
(الأمر الثالث) : هو كما يقال الدكتور سعادة "بك" : أن مسيا أو المسيح المنتظر ليس هو يسوع ، بل محمد. وقد ذكر محمداً باللفظ الصريح المتكرر في فصول ضافية الذيول ، وقال أنه رسول الله ، وإن آدم لما طرد من الجنة رأى سطوراً كتبت فوق بابها بأحرف من نور "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ولقد قال المسيح كما جاء في إنجيل برنابا : "أن الآيات التي يفعلها الله على يدي تظهر إني أتكلم بما يريد الله ، ولست لحسب نفسي نظير الذي تقولون عنه ، لأني لست أهلاً لأن أحل رباطات ، أو سيور حذاء رسول الله الذي تسمونه مسياً الذي خلق قبلي. وسيأتي بعدي بكلام الحق. ولا يكون لدينه نهاية" وإنك لتجد في الفصلين الثالث والأربعين والرابع والأربعين كلاماً وافياً في التبشير بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لأن التلاميذ طلبوا من المسيح عليه السلام أن يصرح لهم به. فصرح بما يطن حقيقته ، ويبين ما له من شأن.
(الأمر الرابع) : أن هذا الإنجيل يبين أن المسيح عليه السلام لم يصلب ، ولكن شبه لهم. فألقى الله شبهه على يهوذا الأسخريوطي ، ويقول في ذلك برنابا : "الحق أقول أن صوت يهوذا ، ووجهه ، وشخصه بلغت من الشبه بيسوع أن أعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة إنه يسوع ، كذلك خرج بعضهم من تعاليم يسوع ، معتقدين أن يسوع كان نبياً كاذباً ، وإنما الآيات التي فعلها بصناعة السحر ، لأن يسوع قال إنه لا يموت إلى وشك انقضاء العالم ، لأنه سيؤخذ في ذلك الوقت من العالم".
ثم يبين أن يسوع طلب إلى الله أن ينزل إلى الأرض بعد رفعه ليرى أمه وتلاميذه ، فنزل ثلاثة أيام.
ثم يقول : "ووبخ كثيرين ممن اعتقدوا إنه مات" وقام قائلاً : "أتحسبونني أنا والله كاذبون ، لأن الله وهبني أن أعيش ، حتى قبيل انقضاء العالم ، كما قد قلت لكم ، الحق أقول لكم إني لم أمت ، بل يهوذا الخائن ، احذروا ، لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم ، ولكن كونوا شهودي في كل إسرائيل ، وفي العالم كله ، لكل الأشياء التي رأيتموها وسمعتموها".
43- هذا هو إنجيل برنابا ، وما خالف فيه بقية الأناجيل من مسائل جوهرية ، وفي الحق إنه خالف المسيحية القائمة في خصائصها التي امتازت بها فإن تلك المسيحية امتازت بالتثليث ، وبنوة المسيح وألوهيته ، وكان هذا شعارها الذي بها تعرف ، وعلامتها التي بها تتميز ، وقد خالف كل هذا ، وإذا كانت مخالفته للمسيحية القائمة في ذلك الأمر الجوهري ثابتة - وهو ينسب إلى قديس من قديسيهم - فقد كان من الحق إذن أن يحدث ظهوره وكشفه بين ظهراني المسيحيين في مكاتب من لا يتهمون بالكيد للمسيحية ، ومن لا يتهمون بأنهم لا يرجون لها وقاراً - رجة فكرية عنيفة ، اهتزت بسببها المشاعر والمنازع ، فالكنيسة والمتعصبون من المسيحيين يرفضونه رفضاً باتاً ، مادام قد أتى بما لا يعرفونه هم ، ولا يعنون أنفسهم بدراسته دراسة علمية ، ينتهون فيها إلى نقضه جملة ، أو تبوله جملة ، أو قبول بعضه ، ورفض بعضه الذي يثبت بالدليل أن فيه مخالفة لتعاليم المسيح الصحيحة الثابتة بسند أقوى من سنده ، ومتنها أقرب إلى العقل والفكر من متنه.
ولكن العلماء الذين دأبهم التنقيب والبحث عكفوا على دراسته ، وموازنة نصوصه بالتوراة والأناجيل ورسائل رسلهم ، بل القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، وانتهت دراسة جلهم بأنه بعيد أ ، يكون قد استقى من القرآن الكريم ، ومما هو مشهور عند المسلمين.
وإن أجل خدمة تسدى إلى الأديان والإنسانية ، أن تعني الكنيسة بدراسته ، ونقضه ، وتأتي لنا بالبينات الدالة على هذا النقض ، وتوازن بين ما جاء فيه وما جاء في رسائل بولس ، ليعرف القارئ والباحث أيهما أهدى سبيلاً ، وأقرب إلى الحق ، وأوثق به اتصالاً.


من مواضيعي
0 الوجه الآخر للمسيح ... موقف يسوع من اليهود واليهودية وإله العهد القديم ومقدمة في المس
0 إنفوجرافيك زنوبيا.. ملكة تدمر ومصر وجزيرة العرب
0 الإسلام دين الحق - الأدلة العلمية علم الأجنة
0 العلم يعترف مضطرًا بوجود الروح
0 الإنفوجرافيك مناسك الحج
0 المسيحية بين النقل و العقل
0 أبو أيوب الأنصاري
0 وقفة لغوية مع قوله تعالى: { فقد صغت قلوبكما }

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مصادر, المسيحية, السلام, عليه, عيسى

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:26 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009