ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى نقد النصرانية > ملتقى الكتاب المقدس
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

تزويــر التــوراة

ملتقى الكتاب المقدس


تزويــر التــوراة

ملتقى الكتاب المقدس


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-15-2017, 09:33 PM   #1
سيف الدين
Administrator
 
الصورة الرمزية سيف الدين
 

افتراضي تزويــر التــوراة

تزويــر التــوراة

د. ياسين سويد


لم تترك الحركة الصهيونية شيئا إلا وأدخلت عليه التزوير والتحريف، فمن المعطى الجغرافي الأول الذي قامت عليه "اسرائيل"، وادعت أن فلسطين ارض بلا شعب، إلى تزوير التاريخ والعقائد والثقافات، وبالتأكيد الأديان أيضا.

في هذه الدراسة، إطلالة واسعة على مراحل التزوير والتحريف التي قطعها اليهود عبر الزمن، وحيث شكل تحريف التوراة أولى معالم التزوير وبصورة لا يتحول بها الدين أو الشريعة إلى خدمة الأهداف الخاصة للجماعة اليهودية.

بعد ذلك يأتي موضوع مصادرة الثقافات، وحيث لم تترك الحركة الصهيونية عنصرا ثقافيا في هذا الشرق، إلا ونسبته لنفسها.

وبعد الثقافات، يأتي التحريف والتزوير السياسي، وبصورة، تسعى فيها الحركة الصهيونية إلى قلب الحقائق وإعطاء مفاهيم مختلفة للأحداث، ودائما لأجل خدمة أهدافها واستمرارها حليفة للقوى الدولية الكبرى.

أولا: تزوير التوراة:

لقد أصبح من الثابت، تاريخيا، أن ما يسمى بالتوراة، وهي الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم (التكوين، والخروج، والأحبار، والعدد، وتثنية الاشتراع، وهي ما يسمى بكتب الشريعة) ليست هي تلك التي أنزلت على موسى نبي الله، على جبل سيناء، في القرن التاسع عشر ق.م فقد روى العهد القديم، ذاته أن موسى (ع) تلقى أوامر ربه ووصاياه، وعلى ذلك الجبل، في لوحين (هما لوحا الشريعة أو الشهادة) ووضعهما في "تابوت العهد" بحراسة الكاويين (وهما حراس التابوت وخيمة الموعد) وسار بذلك (التابوت والخيمة) عبر سيناء، إلى ما زعم بأنها " ارض الميعاد" وذلك عبر مسيرة طويلة استمرت أربعين عاما (هي فترة التيه في سيناء) حيث هلك جيل موسى (ع) (أو جيل الخروج) بأكمله، ومات موسى ودفن على جبل (نبو) قبالة "ارض الميعاد" شرق نهر الأردن الذي اجتازه يشوع، بعد ذلك، على رأس قومه، نحو ارض فلسطين، وكما لقي موسى وقومه، في سيناء مقاومة عنيفة من سكانها "العمالقة" لقي يشوع كذلك مقاومة عنيفة من سكان فلسطين وقد ورد ذكرهم، في العهد القديم، سبعة شعوب هم "الحثيون والجرجاشيون والاموريون والكنعانيون والفرزيون والحوريون واليبوسيون" بالإضافة إلى الفلسطينيين. وقد قاتل هؤلاء يشوع ومن بعده من حكام العبرانيين وقادتهم (الذين عرفوا بالقضاة ثم بالملوك) وتبادل العبرانيون مع هذه الشعوب، النصر والهزيمة في معارك عديدة فصلتها العهد القديم، وكان "تابوت العهد" المحروس "باللاويين" والذي يضم "لوحي الشريعة" حاضرا في "خيمة الموعد" معهم.

ولكن "تابوت العهد" هذا أضاعه العبرانيون في إحدى حروبهم مع الفلسطينيين، في عهد صموئيل، حيث انتزعه الفلسطينيون منهم وأخذوه إلى "اشدود" ووضعوه في معبد إلههم " داجون" بالقرب منه، وظل "تابوت العهد" مع الفلسطينيين سبعة أشهر (العهد القديم، 1 صم 1:6) ثم أعادوه، بعد ذلك، إلى العبرانيين الذين وضعوه في قرية "يعاريم" وكانوا قد انصرفوا عنه إلى عبادة "البعليم والعشتاروت"، إلى أن أعادهم صموئيل إلى عبادة "الرب وحده" كما جاء في العهد القديم نفسه (1 صم1:7ـ4).

كان الفلسطينيون قوما شديدي البأس، تمرسوا في الحروب وصناعة السلاح، وهي صناعة تفوقوا فيها على جميع شعوب المنطقة، بمن فيهم العبرانيون، وقد انشأ الفلسطينيون مدنا محضة على الساحل الفلسطيني هي : غزة وعسقلان وجت واشدود وعقرون، كما انتشروا في داخل فلسطين. وكانوا قد وصلوا إلى فلسطين (وهي بقعة من ارض كنعان سميت فيما بعد باسمهم) من جزء بحر ايجه، منذ زمن بعيد سابق على الزمن الذي وصل فيه العبرانيون ارض كنعان حتى استشعر الفلسطينيون فيهم، كما استشعر سواهم من شعوب هذه المنطقة، نزعة الكراهية والعداء لكل ما هو غير عبراني، وأدركوا المطامع التوسعية لهؤلاء القوم في بلادهم، أو لم يقل رب بني "اسرائيل" لشعبه انه سوف يطرد من أمامهم "الحيثيين والجرجاشيين والاموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، سبع أمم أكثر وأقوى منك "وانه سوف يسلمه هذه الأمم ليضربهم" ويحرمهم تحريما" (أي يقتلهم تقتيلا) (العهد القديم، تث 1:7ـ6) ثم أو لم يقل رب العبرانيين لشعبه انه سوف يعطيه، بلا وجه حق طبعا، "مدنا عظيمة حسنة لم نبنها، وبيوتا مملوءة كل خير لم تملؤها، وآبارا محفورة لم تحفرها، وكروما وزيتونا لم تغرسها" (تث : 11:6) تماما كما فعل بالفلسطينيين، أهل فلسطين ومالكي أرضها، بعد أكثر من اثنين وعشرين قرنا؟

وليس من المحتمل، بل من المفترض، أن يكون الفلسطينيون الذين استولوا على "تابوت العهد" وفيه "لوحا الشريعة" الموسوية (كما يزعمون) قد عبثوا بهذه الوثائق المقدسة وأتلفوها، باعتبارها الذريعة التي يتذرع بها العبرانيون لاغتصاب أرضهم وبلادهم؟

أن العهد القديم قد أهمل، وربما عن قصد، الإشارة إلى ما جرى للوحي الشريعة بعد أن استولى الفلسطينيون على "تابوت العهد" خصوصا أن العهد القديم، نفسه يشير إلى أن أولئك العبرانيين كانوا قد انصرفوا عن عبادة إلههم، اله موسى، لعبادة آلهة أخرى "البعليم والعشتاروت" وظلوا كذلك إلى أن ردهم صموئيل إلى عبادة "الرب الأوحد".

ولم يكن خطر الفلسطينيين هو الوحيد الذي أحاق "بتابوت العهد" والألواح التي حفظت شريعة موسى، فقد أحاق بها خطر آخر على يدي القائد الكلداني (نبوخذ نصر) الذي سبى العبرانيين إلى بابل، في النصف الثاني من القرن السادس ق.م، بعد أن دمر يبوس (أورشليم) واحرق "بيت الرب وبيت الملك وجميع بيوت أورشليم" وكل بيوت العظماء فيها، كما هدم أسوارها وأجلى "سائر الشعب الذي بقي في المدينة" وكذلك "الذين نجوا من السيف" فقد أجلاهم نبوخذ نصر إلى بابل "حيث صاروا عبيدا له ولبنيه". كما حطم جند بابل "أعمدة النحاس التي في بيت الرب، والقواعد، وبحر النحاس الذي في بيت الرب، وحملوا نحاسها إلى بابل"، كما اخذوا "القدور والمجارف والمقاريض والقصاع وجميع أدوات وخزائن الملك ورؤسائه، أخذها، بأسرها، إلى بابل"، كل ذلك وفقا لما جاء في العهد القديم نفسه (2 أخبار 18:36، و20، 2 ملوك 8:25 و 9 و11ـ14) دون أن يأتي على أي ذكر لما حدث لتابوت العهد وألواح الشريعة، وماذا كان مصيرها.

فهل يحتمل، بل يفترض، بعد كل الذي جرى لأورشليم وأهلها، وزعمائها وبيت الرب فيها، على يد نبوخذ نصر وجنده، أن يكون "تابوت العهد" ووثائقه "الربانية المقدسة" قد نجت من أي ضرر؟

لقد سردنا هذه المرويات، من التوراة، لكي نصل إلى حقيقة مفادها أن ليس معقولا، ولا منطقيا، القول أن "تابوت العهد" بما تضمن من وصايا الرب وأوامره إلى موسى، كما وردت في لوحي الشريعة، ظل مقفلا على تلك الوصايا (أو الألواح) طوال هذه الفترة المشحونة بالحروب (والتي امتدت نحو سبعة قرون)، دون أن يمسها سوء أو يلحق بها ضرر، رغم ما شهد "بيت الرب" في أورشليم من دمار، ورغم ما لحق بأورشليم وشعبها وقادتها وعظمائها من سبي وتنكيل.

ولا بد في هذا المجال، من الاستطراد والقول أن الباحثين والمؤرخين القدامى والمحدثين، يكادون أن يجمعوا على أن "التوراة" التي بين أيدينا ليست تلك التي أنزلت على موسى، فهذه قد أتلفت، أو ضاعت، ولم يعثر لها على اثر، وان التي بين أيدينا قد وضعها (والأصح اختلقها) أحبار العبرانيين خلال فترة سبيهم إلى بابل، في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ق.م، أي بعد نحو سبعة قرون من بعث موسى(ع) وتلقيه وصايا الرب على جبل سيناء، ولأجل ذلك، نرى أن أسفار التوراة (بل وكامل أسفار العهد القديم التي وضعت فيما بعد) قد تميزت بالعنف والحقد والكراهية ضد باقي بني البشر (من غير العبرانيين) كما تميز اله العبرانيين فيها بأنه "الإله المرعب Le Grand Dieu" وليس "الإله الحكيم" Le Bon Dieu الذي هو اله المسيحيين، ولا "الإله العظيم" Le Grand Dieu الذي هو اله المسلمين.

حتى أن وجود العبرانيين في مصر، أصلا، وخروجهم منها، كما جاء في سفر: "الخروج" من التوراة التي بين أيدينا، هما اليوم موضوع شك لدى العديد من الباحثين والمؤرخين، وكما يبدو من الحفريات والكتابات الأثرية الفرعونية التي أرخت تلك العهود.

ونورد فيما يلي، شهادات دامغة على حقيقة تزوير التوراة، وتشمل هذه الشهادات، ليس التوراة، فحسب بل أسفار العهد القديم كلها، باعتبار أن وضع هذه الأسفار امتد على نحو عشرة قرون (منذ أيام السبي إلى بابل في النصف الثاني من القرن السادس ق.م. حتى نهاية العهد المكابي الأول، في النصف الأول من القرن الثاني ق.م):

1ـ القرآن الكريم : وردت في القرآن الكريم آيات عديدة تؤكد تحريف اليهود للتوراة :

( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعن في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا، سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك، يحرفون الكلم من بعد مواضعه ...) (المائدة 5/41) وجاء في أسباب نزول هذه الآية أن رسول الله (ص) مر بيهودي مجلوداً فسأل بعض اليهود أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ فقالوا : نعم، فسأل السؤال نفسه رجلاً من علمائهم بعد أن ناشده الله " الذي انزل التوراة على موسى ( ع ) فقال الرجل : لا ، ولولا انك نشدتني لم أخبرك. نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم" فنزلت الآية.

وقد تكرر هذا القول الكريم في أية أخرى حيث جاء : ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون سمعنا وعصينا، واسمع غير مسمع وارعنا، لياً بألسنتهم وطعنا في الدين…) (النساء 4/64) وجاء في أسباب النزول للسيوطي (على هامش القران الكريم) أن اليهود كانوا يحرفون الكلام الذي انزل في التوراة من نعت النبي محمد (ص) ويقولون للنبي إذا أمرهم بشيء "سمعنا قولك وعصينا أمرك، كما يقولون له "راعنا" وهي " كلمة سب بلغتهم " وكان الرسول الكريم " قد نهى عن خطابه بها ". ثم إنهم كانوا يلوون بألسنتهم عند قراءتهم للتوراة فيحرفون كلماته ويغيرون معانيها. ويذكر المؤرخ ( كمال الصليبي ) أن فئة من أحبار اليهود تدعى "المصوريتين" أي "أهل التقليد" هي التي كانت تقوم بهذا العمل بدءاً من القرن السادس حتى القرن العاشر الميلادي، وقد قام هؤلاء بتحريف النصوص التوراتية عن طريق إدخال الحركات والضوابط عليها بصورة اعتباطية…مما غير إعراب الجمل وحور المعاني". وقد رفض فريق آخر من أحبار اليهود يدعى "الربانيين" عمل "المصوريتين" هذا، إلا انه قبل به فيما بعد "وأصبح النص التوراتي المصوريتي المضبوط من التوراة هو النص المعتمد من اليهود"، كما قبل المسيحيون أيضا واعتمدوا في ترجماتهم للعهد القديم، مع أن "علماء التوراة اليوم" بمن فيهم علماء اليهود، يعرفون تماماً أن ضبط المصوريتين للتوراة لم يكن صحيحاً في مواقع كثيرة"، وان "محاولات التصحيح" التي أجراها علماء التوراة لم تفلح حتى اليوم، بإعادة تكوين التوراة تكوينا صحيحاً، وذلك لان التحريف الذي جرى على النص التوراتي " أضخم بكثير مما يتصوره علماء التوراة " (2) هذا ما يراه "الصليبي" من تحريف اليهود للتوراة، ولكن ما ورد في نصوص القرآن الكريم يؤكد أن التحريف قد تجاوز حدود " لي الألسنة" و "إدخال الحركات والضوابط" إلى تغيير متعمد في الكلمات والعبارات، إلى حد "إخفاء" كثير منها واستبدالها بسواها، كما سيتبين لنا فيما سنستعرضه من آيات كريمة.

وقال تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره، إذ قالوا ما انزل الله على بشر من شيء، قل من انزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ) (الأنعام 6/91). وجاء في أسباب نزول هذه الآية أن اليهود سألوا رسول الله (ص): "يا محمد، أأنزل الله عليك كتابا؟ قال : نعم، قالوا: والله ما انزل من السماء كتابا" فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) . وورد في تفسير الجلالين أن اليهود كتبوا التوراة على قراطيس (أي في دفاتر مقطعة) لكي يخفوا ما يريدون إخفاؤه منها، مثل نعت النبي محمد (ص).

وقال تعالى : ( افتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) (البقرة2/75) وقد نزلت الآية في أحبار اليهود الذين كانوا "يسمعون كلام الله في التوراة ثم يحرفونه" أي يغيرونه (4). وجاء في أسباب نزولها أنها نزلت في السبعين رجلا، الذين اختارهم موسى (عليه السلام) "ليذهبوا معه إلى الله"، فلما عادوا أدى الصادقون منهم ما سمعوا من كلام الله، وأما الآخرون فقالوا: "سمعنا الله، من لفظ كلامه، يقول: أن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وان شئتم فلا تفعلوا ولا بأس". إلا أن أكثر المفسرين يرون أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين غيروا أية الرجم وصفة محمد (ص) (5).

وقال تعالى: ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) (البقرة 2/79) وجاء في أسباب نزول هذه الآية أنها نزلت في أحبار اليهود الذين غيروا من صفات النبي (ص) كما وردت في التوراة، فقالوا أن التوراة وصفته "طويل ازرق سبط الشعر" بينما ذكرت التوراة انه "أكحل أعين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه" وقد قام أحبار اليهود بهذا التحريف في التوراة كي ينفوا صفة النبوة عن محمد(ص) (6).

وقال تعالى : ( يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ) (المائدة 5/13).

وجاء في تفسير هذه الآية للجلالين أنها تعني اليهود الذين حرفوا نعت النبي محمد (ص) في التوراة وغيروه، كما إنهم نسوا ما أمروا به في التوراة من إتباع النبي محمد (ص). (7)

وقال تعالى : ( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وانتم تعلمون ) (آل عمران 3/71) وجاء في تفسير هذه الآية للجلالين أنها نزلت في اليهود الذين كانوا يخفون صفات النبي (ص) كما وردت في التوراة وهم يعلمون ذلك ويعلمون أنها حق.

وقال تعالى : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) (المائدة 5/15). وجاء في أسباب نزول هذه الآية أنها نزلت في اليهود وكانوا قد أتوا إلى النبي (ص) يسألونه عن الرجم، فسأل عن أعلمهم فدلوه على ابن صوريا، فناشده "بالذي انزل التوراة على موسى والذي رفع الطور والمواثيق التي أخذت عليهم" فقال له ابن صوريا انه "لما كثر الزنا فينا، جلدنا مئة وحلقنا الرؤوس" (8) مخفيا، بذلك الحكم الحقيقي للزنا، كما ورد في التوراة، فحكم الرسول عليه بالرجم ونزلت الآية.

وقوله تعالى: ( وان منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هر الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) (آل عمران 3/78). وجاء في تفسير هذه الآية، للجلالين، أنها نزلت في اليهود، وخصوصا "كعب بن الأشرف"، حيث كانوا يلوون ألسنتهم عند قراءتهم للتوراة كي لا يفهم كلامهم ويحرفون، بقراءاتهم ما يريدون تحريفه منه، وخصوصا صفات النبي (ص)، فتحسبهم يقرؤون الكتاب الذي انزله الله وهم لا يقرؤون، ويقولن هذا من عند الله، وهم كاذبون.

وقوله تعالى : ( أن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم ) (آل عمران 3/77). وجاء في أسباب نزول هذه الآية أنها نزلت في اليهود الذين أغراهم كعب بن الأشرف بالمال كي يشهدوا أن صفات النبي ليست هي التي وردت في التوراة قائلين إنهم وجدوا النعت الوارد في كتابهم مخالفا لنعت محمد (ص)، فنزلت بهم الآية (9). وذكر السيوطي أنها نزلت في "حي بن اخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما انزل الله في التوراة وبدلوه وحلفوا انه من عند الله". (10)

ويجمع المفسرون المسلمون على تأكيد وقوع التحريف في التوراة، إلا إنهم يختلفون في معنى هذا التحريف ومداه، فمنهم من يرى أن التحريف والتبديل تما في التأويل لا في النص، ومن هؤلاء البخاري وابن كثير. ومنهم من يرى أن التحريف والتبديل قد أصاب "جملا قليلة وألفاظا يسيرة"، ولكن أكثر ظل كما انزل على موسى (عليه السلام). وآخرون يرون أن معظم التوراة التي أنزلت على موسى قد حرف وبدل بشكل أساسي بحيث لم يبق منها إلا النزر اليسير، ومن هؤلاء ابن حزم الأندلسي والإمام الغزالي، والإمام الشافعي، وابن قيم الجوزية، وابن تيمية وغيرهم (11) . ويرى بعض العلماء أن التحريف قد تم، في معظمه، بالتبديل أو الزيادة أو النقصان، أو بتغيير المعنى (في التفسير) دون تغيير اللفظ (12)، مما أدى إلى ضياع التوراة الأصلية، إذ طغى عليها التحريف والتبديل لفظا ومضمونا ومعنى، وخضعت للكثير من أهواء النساخ والمؤلفين وأذواقهم ومآربهم وميولهم. ويكفي أن نذكر ما طرا على آخر أسفار التوراة (تثنية الاشتراع) من زيادة وتعديل، حتى ندرك جسامة هذا التحريف ومداه، فنحن نقرأ فيه تفاصيل عن وفاة موسى، وما كان لموسى أن يتحدث عن تفاصيل وفاته، كما نرى في أسفار التوراة كلها، أن الحديث يجري على لسان موسى (وكلم الرب موسى، وقال الرب لموسى، وتقدم إلى موسى، وخرج موسى، وبركات موسى، ونشيد موسى،الخ…) وليس بلسان موسى نفسه، مما يؤكد أن موسي ليس هو المتكلم، وبالتالي ليس هو واضع هذه الأسفار.

2ـ محققو العهد القديم:

يعرف محققو "العهد القديم" في ما سمي "بمدخل إلى الكتاب المقدس" والذي نقلته "الرهبانية اليسوعية من الترجمة المسكونية الفرنسية للكتاب المقدس"، (13) هذا الكتاب (العهد القديم) بأنه "مجموعة كتب مختلفة جدا" يمتد زمن وضعها " على أكثر من عشر قرون، وتنسب إلى عشرات المؤلفين المختلفين"، وقد وضع "بعضها بالعبرية، مع بعض المقاطع بالآرامية، وبعضها الأخر باليونانية، وتشتمل على مختلف الفنون الأدبية "كالرواية التاريخية ومجموعة القوانين والوعظ والصلاة والقصيدة الشعرية والرسالة والقصة" (14) . إما واضعوه فهم عبارة عن "أناس مقتنعين بان الله دعاهم لتكوين شعب يحتل مكانا في التاريخ بتشريعه ومبادئه في الحياة الفردية والجماعية" (15) .

فالقضية، إذن، قضية قناعة من أناس يدعون أن "الله دعاهم لتكوين شعب" وليست قضية وحي منزل ولا قضية أناس ملهمين. أنها مسألة تأليف بشري لنصوص سطرت فيها القناعات الشخصية لهؤلاء المؤلفين "بدعوة من الله" كما يدعون.

وكان محققو العهد القديم أكثر صراحة ووضوحا في التعبير عن قناعاتهم عندما قالوا أن أسفار الكتاب المقدس "عمل مؤلفين ومحررين عرفوا بأنهم لسان حال الله في وسط شعبهم، ظل عدد كبير منهم مجهولا" وان "معظم عملهم مستوحى من تقاليد الجماعة" (16) . ويذكر هؤلاء المحققون أن هذه الأسفار لم توضع في صيغتها النهائية إلا بعد أن "انتشرت زمنا طويلا بين الشعب، وهي تحمل آثار ردود فعل القراء في شكل تنقيحات وتعليقات، وحتى في شكل إعادة صيغة بعض النصوص إلى حد هام أو قليل الأهمية". وأكثر من ذلك، فان إحداث الأسفار "ما هي، أحيانا، إلا تفسير وتحديث لكتب قديمة" (17) غير منزلة ولا سماوية ولا دينية طبعا، وهو ما يؤكد، بلا ادني شك، أن معظم ما جاء في هذه الأسفار لا علاقة له، من قريب أو من بعيد بالسماء.

ويذكر هؤلاء المحققون أن أسفار الشريعة الخمسة، أو "التوراة" تحتوي "من جهة على روايات وتقاليد قصصية، ومن جهة أخرى على شرائع بحصر المعنى، وتقاليد اشتراعية أثرت في مراحل تكوين شعب "اسرائيل" وأمنت بنيته" (18)، إلا انه، وان كانت شرائع التوراة إلى حد كبير، عن شريعة موسى، رغم ما ادخل عليها من تعديلات وإضافات وفقا لأهواء المؤلفين، فان الروايات والقصص التي وردت في أسفار هذه التوراة تبدو اقرب إلى الأساطير الخرافية منها إلى الحقائق التاريخية العلمية. (19)

3ـ سبينوزا:

لقد اكتسبت آراء الفيلسوف الهولندي "باروخ دي سبينوزا Baruch de spinoza ) 1632 ـ 1677) في التوراة خصوصا، والعهد القديم عموما، أهمية خاصة لدى الباحثين والمفكرين في كل الأوساط العالمية، وذلك لما تضمنته من صراحة وجرأة نادرتين في نقد الفكر الديني العبراني.

يرى سبينوزا (20) أن الظواهر المعجزات التي رواها العهد القديم ليست خروجا على الطبيعة، بل أنها خليط من خيال الرواة وحوداث الطبيعة، ويتساءل عما إذا كان ممكنا حدوث شيء ما يناقض قوانين الطبيعة، ولكنه ينفي ذلك قائلا انه "لا جديد يحدث في الطبيعة" وانه يتبين "بأعظم قدر من الوضوح، أن يجب أن نفسرها مبينين، بقدر ما نستطيع، اتفاقها التام مع سائر الأشياء" وعلى هذا الأساس، يحاول سبينوزا أن يفسر ما ورد في العهد القديم من معجزات مثل شق البحر بعصا موسى، والضربات العشر، وتوقيف الشمس في كبد السماء، بأنها إحداث طبيعية ليس فيها شيء من الإعجاز، وان شق البحر، مثلا، حصل على يد الاسكندر المقدوني كما حصل على يد موسى، فهل يجب اعتبار الاسكندر نبيا، إذن؟ وهكذا يحاول سبينوزا أن يجرد العهد القديم، ولا سيما التوراة، من خصوصية مهمة ترفعه إلى مرتبة القداسة، وهي اعتماد المعجزة، إلى حد كبير، لإثبات نبوة موسى (عليه السلام).

انطلاقا من هذه النظرية، يرى سبينوزا أن "القاعدة العامة" التي يجب اعتمادها لتفسير الكتاب المقدس هي أن "لا ننسب أية تعاليم سوى تلك التي يثبت الفصح التاريخي"، بوضوح تام، انه قال بها (21) يعني أن تكون علمية البراهين التاريخية هي الأساس في تفسير الكتاب المقدس وتصديق روايته. ويحدد سبينوزا الطريقة التي يجب أن يتم بها هذا "الفحص التاريخي"، وهي كناية عن مجموعة من الأسئلة يجب طرحها قبل اتخاذ القرار النهائي بمصداقية الكتاب، وهي :

"سيرة مؤلف كل كتاب وأخلاقه والغاية التي كان يرمي إليها، ومن هو، وفي أية مناسبة كتب كتابه، وفي أي وقت، ولمن، وباية لغة كتبه؟

ـ "الظروف الخاصة بكل كتاب على حدة: كيف جمع أولا، وما الأيدي التي تناولته، وكم نسخة مختلف معروفة من النص، ومن الذين قرروا إدراجه في الكتاب المقدس؟

ـ وأخيرا، كيف جمعت جميع الكتب المقننة (أي اعترفت بها الكنيسة رسميا) في مجموعة واحدة ؟ (22) .

ويرى سبينوزا انه لا بد من قرار حاسم بان "لا نسلم بشيء لا يخضع لهذا الفحص أولا يستخلص منه، بوضوح تام، على انه عقيدة مؤكدة للأنبياء"، وعندها، وبعد أن تنتهي من فحص الكتاب على هذا الأساس، نعمد إلى "دراسة فكر الأنبياء والروح القدس" (23) لكي نصل إلى النتيجة المنطقية التي نصنف، على أساسها، الكتاب بين الكتاب المقدسة أو نرفض تصنيفه بينها.

وعلى هذا الأساس، ينتقل سبينوزا إلى التحقيق في أسفار العهد القديم، والتحقق من "قدسيتها"، فيقرر إننا "نجهل تماما مؤلفي كثير من هذه الأسفار، أو نجهل الأشخاص الذين كتبوها… أو نشك فيهم"، كما إننا "لا ندري في أية مناسبة وفي أي زمان كتبت هذه الأسفار التي نجهل مؤلفيها الحقيقيين، ولا نعلم في أي أيدي وقعت، وممن جاءت المخطوطات الأصلية التي وجد لها عدد من النسخ المتباينة، ولا نعلم، أخيرا، إذا كانت هناك نسخ كثيرة أخرى في مخطوطات من مصدر آخر" (24) إضافة إلى ذلك، فنحن " لا نملك هذه الأسفار في لغتها الأصلية، أي في لغة كتابها" مما يزيد من صعوبة تفسيرنا لها تفسيرا صحيحا (25).

ويرى سبينوزا أن المعلومات التاريخية عن الكتاب المقدس، "ناقصة، بل وكاذبة"، وان الأسس التي تقوم عليها معرفة هذا الكتاب "غير كافية، ليس فقط من حيث الكم" بحيث لم نستطيع أن نقيمها بشكل صحيح، "بل أنها، أيضا، معيبة من حيث الكيف"، ولكن الناس المتشبثين بآرائهم الدينية يرفضون "أن يصحح احد آراءهم" هذه، بل إنهم "يدافعون بعناد" عن هذه الآراء، مهما كانت مغلوطة ومشوشة، كما يدافعون عن "الإحكام المسبقة… التي يتمسكون بها باسم الدين". وهكذا لم يعد العقل مقبولا "إلا عند عدد قليل نسبيا" (26).

واستنادا إلى هذه النظريات، يثير سبينوزا تساؤلات مهمة حول أسفار العهد القديم عموما، وأسفار التوراة خصوصا، ثم يقرر ما يلي، معتمدا في تقريره على (ابن عزرا) : "أن موسى ليس هو مؤلف الأسفار الخمسة (التوراة) بل أن مؤلفها شخص أخر عاش بعد بزمن طويل، وان موسى كتب سفرا مختلفا" (27).

ولتأكيد تقريره هذا، يقدم سبينوزا البراهين التالية:

1ـ "لم يكتب موسى (ع) مقدمة التثنية لأنه لم يعبر الأردن".

2ـ "كان سفر موسى (ع)، في حجمه، اقل بكثير من الأسفار الخمسة" (كتب السفر كله على حافة مذبح واحد، وفقا لما جاء في التثنية 27 ويشوع 32:8).

3ـ ورد في سفر التثنية (9:31) أن موسى كتب هذه التوراة (أو هذه الشريعة)، "ويستحيل أن يكون موسى (ع) قد قال ذلك، بل لا بد من أن يكون قائلها كاتبا آخر يروي أقوال موسى وأعماله".

4ـ عندما يتحدث الراوي، في سفر التكوين (الإصحاح 12) عن رحلة إبراهيم (ع) في ارض كنعان، يقول:

"والكنعانيون حينئذ في الأرض" مما يدل على إنهم، أي الكنعانيين، لم يكونوا في هذه الأرض عندما كتب هذا الكلام، مما يعني أن هذا الكلام قد تبت "بعد موسى، وبعد أن طرد الكنعانيون ولم يعودوا يشغلون هذه المناطق"، وبالتالي، فان الراوي " لم يكن موسى، لان الكنعانيين في زمان موسى، كانوا لا يزالون يملكون هذه الأرض".

5ـ ورد في سفر التكوين (14:22) أن "جبل موريا سمي جب الله" إلا أن ذلك الجبل لم يحمل هذا الاسم "إلا بعد الشروع في بناء المعبد" (28) ويستطرد سبينوزا: "والواقع أن موسى لا يشير إلى أي مكان اختاره الله، بل انه تنبأ بان الله سيختار، بعد ذلك، مكانا سيطلق عليه اسم الله".

6ـ ورد في سفر التثنية (11:3) عبارة خاصة بعوج ملك باشان: "وعوج هذا هو، وحده، بقي من الرفائيين، وسريره سرير من حديد، أو ليس هو في ربة بني عمون؟ طوله تسع اذرع وعرضه أربع اذرع بذراع الرجل؟ "وتدل هذه الإضافة" بوضوح تام، على أن من كتب هذه الأسفار عاش بعد موسى بمدة طويلة وفضلا عن ذلك، فلا شك في انه لم يعثر على هذا السرير الحديدي إلا في عصر داوود الذي استولى على الرباط (ربة عمون) كما يروي صموئيل الثاني (30:12). (29)

7ـ تتحدث التوراة في أسفارها (ما عدا التكوين) عن موسى (ع) "بضمير الغائب" فتقول مثلا : قال موسى لله، وذهب موسى، وكلم الرب موسى، ودعا الرب موسى، وغضب موسى على ضباط الجيش الخ… (ونجد ذلك بكثرة في الأسفار الأربعة. من التوراة: الخروج والأحبار والعدد والتثنية، بينما نرى، أحيانا، وفي سفر التثنية، أن موسى يتحدث بنفسه، وبضمير المتكلم، وذلك بعد أن يقدمه الراوي قائلا : "هذا هو الكلام الذي كلمه الله به موسى كل "اسرائيل" في عبر الأردن" (تث 1:18) ثم يستطرد : "شرع موسى في شرح هذه الشريعة فقال : الرب ألهنا…قلت لكم … ثم رحلنا … فأجبتموني … كما أمرني الرب … ثم كلمني الرب … فأرسلت رسلا … ثم تحولنا… وإمرتكم .. الخ…" وظل موسى يتكلم بنفسه، كما قدمه الراوي، طيلة الخطاب الأول من السفر المذكور (تث 39:4) حيث عاد الراوي إلى الكلام عن موسى بضمير الغائب : "حينئذ افرد موسى ثلاث مدن" (تث 41:4) وبدأ الراوي خطاب موسى الثاني بقوله: "هذه هي الشريعة التي وضعها موسى أمام بني "اسرائيل"" (تث 44:4) فكانت: الوصايا العشر (تث 5ـ تث 12) ثم مجموعة الفرائض والإحكام (تث 12ـ تث 26)، وقد صيغت كلها بضمير المتكلم، حتى إذا وصل الراوي إلى خطاب الخاتمة الذي هو نهاية الخطاب الثاني (تث 27ـ تث 28) عاد ليتحدث عن موسى بضمير الغائب، إلى أن يصل إلى أعمال موسى الأخيرة ووفاته، حتى آخر السفر. ويرى سبينوزا، أن بعض أسفار التثنية، وليس كله، هو الذي يمكن نسبته إلى موسى، وان الراوي هو الذي نقل كلام موسى وليس موسى نفسه الذي تحدث مباشرة، وان طريقة الكلام والشواهد، ومجموع نصوص القصة كلها، يدعو إلى الاعتقاد بان موسى لم يكتب هذه الأسفار، بل كتبها شخص آخر (30) .

8 ـ بالإضافة إلى أن سفر التثنية وقد روى قصة وفاة موسى ودفنه، وهي قصة لا بد من أن تكون خارجة عن نطاق أعمال موسى في هذا السفر، فان الراوي يرى أن موسى فاق من جاء بعده من الأنبياء في بني "اسرائيل"، إذ يقول: "ولم يقم من بعد في "اسرائيل" نبي كموسى الذي عرفه الرب وجها لوجه" (تث 10:34) مما يؤكد، بلا ادني شك، أن صاحب الكلام هو غير موسى بالطبع.

9ـ وردت في أسفار التوراة أسماء أطلقت على أمكنة لم تعرف بها في عهد موسى، بل عرفت بعده بزمن طويل، مثل ما ورد في سفر التكوين بان إبراهيم "جد في إثرهم" (أي في اثر الأعداء) حتى دان (تك 14:14). ولم تحمل "دان" هذا الاسم إلا بعد موت يشوع بمدة طويلة، كما ورد في سفر القضاة (31) .

10ـ كثيرا ما يتجاوز الراوي، في رواياته في أسفار التوراة، حياة موسى، كأن يروي، في سفر الخروج (35:16) أن بني "اسرائيل" أكلوا "المن أربعين سنة، إلى أن وصلوا إلى ارض عامرة، أكلوا المن إلى حين وصلوا إلى ارض كنعان" حيث "انقطع المن من الغد، منذ أكلوا من غلة الأرض" (يش 12:5) ومعلوم أن موسى قد أتى قبل دخول العبرانيين إلى ارض كنعان وأكلهم من غلتها، أو أن يروي، في سفر التكوين (31:36) عن "هؤلاء الملوك الذي ملكوا في ارض أدوم، قبل أن يملك ملك في بني "اسرائيل""، إذ يتحدث الراوي "عن الملوك الذين كانوا يحكمون الادوميين قبل أن يخضعهم داود لحكمه" حيث جعل داود "في أدوم محافظين، وصار جميع الادوميين رعايا لداود" (2 صم 14:8) مما يؤكد أن الراوي في هذا السفر قد عاش بعد داود (32) .

بعد كل ما تقدم، يصل سبينوزا (ونشاركه في ذلك) إلى الاستنتاجات التالية:

1ـ من الواضح "وضوح النهار" أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة، بل كتبها شخص عاش بعد موسى بقرون عديدة"، وان كان موسى قد كتب بعضها مثل: سفر حروب الرب، وسفر العهد، وسفر توراة الله، التي ورد ذكرها في أسفار التوراة (في سفر العدد وسفر الخروج وسفر التثنية). (33)

2ـ ليس لدينا أي سفر " يحتوي، في الوقت نفسه، على عهد موسى وعهد يشوع"، مما يدل على أن سفر "توراة الله" قد فقد، ونستنتج بالتالي، من ذلك، أن هذا السفر "لم يكن من الأسفار الخمسة (التي تؤلف التوراة حاليا) بل كان سفرا مختلفا كليا، ادخله مؤلف الأسفار الخمسة في سفره، في المكان الذي ارتآه".

3ـ يبدو انه "من بين جميع الأسفار التي كتبها موسى"، لم يأمر بالمحافظة دينيا، إلا على سفر واحد هو سفر العهد الثاني (34) الذي هو "التوراة الصغير والنشيد".

4ـ ليس من الثابت أن موسى (ع) قد كتب غير هذه الأسفار التي سبق ذكرها، "ولما كانت توجد نصوص كثيرة، في الأسفار الخمسة، لا يمكن أن يكون موسى كاتبها، فان أحدا لا يستطيع أن يؤكد، عن حق، أن موسى هو مؤلف هذه الأسفار الخمسة، بل على العكس، يكذب العقل هذه النسبة".

5ـ حتى لو إننا سلمنا بأنه "مما يبدو متفقا على العقل أن يكون موسى قد كتب الشرائع في نفس الوقت وفي نفس المكان الذي أوحيت إليه فيه" يقول سبينوزا "فاني، مع ذلك، أنكر إمكان تأكيد ذلك" لسبب هو إننا "لا ينبغي أن نسلم، في مثل هذه الحالات، إلا بما يثبته ذلك الكتاب نفسه، أو ما يستنبط كنتيجة مشروعة من الأسس التي يقوم عليها، إذ أن الإنفاق الظاهر مع العقل ليس دليلا، وأضيف أن العقل لا يضطرنا إلى التسليم بهذا". (35)

ويتابع سبينوزا، فيما تبقى من كتابه، تقديم براهين مماثلة لإثبات أن الأسفار المتبقية من العهد القديم (يشوع والقضاة وصموئيل والملوك الخ..) لم يكتبها من سميت بأسمائهم (مثل يشوع وصموئيل مثلا)، أنما يبدو، من تسلسلها ومحتواها، أن كاتبها "مؤرخ واحد أراد أن يروي تاريخ اليهود القديم نشأتهم الأولى حتى هدم المدينة لأول مرة" ، وربما عزرا (36).

4 ـ الكنيستان الأرثوذكسية والكاثوليكية:

يعرض الدكتور محمد علي البار في كتابه "المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم" رسالة من الدكتور صبري جوهرة الذي يصفه بأنه زميل وصديق قديم… من أقباط مصر.. يعمل جراحا في الولايات المتحدة، وله ثقافة واسعة، وخاصة في أمور العقيدة القبطية، كما يصف الرسالة بأنها ملخص موقف الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية "تلخيصا جيدا". وقد جاء في الرسالة أن الله (عزو جل) قد سمح للإنسان (وهو، في هذه الحالة، كاتب السفر) أن يضع "كل إحساساته وميوله في النصوص، ما دام ذلك لا يغير ما قصده الله من معاني السفر الأخلاقية والدينية"، وعلى هذا الأساس تعترف الكنيسة بعدم دقة الكتاب في معلوماته الفلكية والجغرافية والتاريخية والجيولوجية ذلك أن الغاية منه هي أن يعمل الدين والأخلاق ويساعد على الوصول إلى طريق الصلاح والسعادة، ومن هنا فان كل من يتمسك بحر فيته كمصدر أخر غير الأخلاق والدين لا بد من أن يبتعد به عن غايته الأصلية، ويحيد عن الفهم الصحيح للغرض الديني والأخلاقي للكتاب.

وترى المسيحية، كما يشرح الدكتور جوهرة في رسالته، أن الكتاب المقدس هو عمل مشترك بين الله والإنسان، وضع فيه كلاهما ما يريد بحيث جاءت النتائج وهي تعكس "كما قال الله في صحة تعالمي الأخلاق وعلاقات البشر بعضهم ببعض" كما تعكس عدم كمال الإنسان بكتابته لمعلومات علمية غير دقيقة، وأحيانا مضحكة، وأما ما يقال عن التحريف المتعمد أو غيره فالكنيسة لا تعتقد بحدوثه، كما أنها لا تعترف بتحريف وتغيير المعاني الأصلية. ويرى الدكتور جوهرة أن مزامير داوود منقولة حرفيا وبدون تصرف، من أناشيد اخناتون أول فرعون اعتمد ديانة التوحيد في مصر. (37)

ونحن إذ ننقل حرفيا بعض ما ورد في رسالة الدكتور جوهرة للدكتور البار، باعتبار أن الأول مسيحي قبطي مثقف في أمور اللاهوت، نحرص على أن لا نعلق على ما ورد في الرسالة، تاركين للمراجع اللاهوتية المسيحية (الأرثوذكسية والكاثوليكية) مناقشته أن ارتأت ذلك.

5ـ شهادات أخرى:

1ـ ترى "الموسوعة البريطانية" أن مؤلفي أسفار "العهد القديم" مجهولون، وليس معروفا أن كان جمعها قد تم، على يد إفراد أو جماعات، وإنها كتبت "باللغة العبرية فقط، عدا بعض المقاطع القصيرة النادرة التي دونت باللغة الآرامية، إلا أن الجماعة اليهودية عمدت، لأسباب فقهية، إلى ترجمة التوراة (أو الأسفار الخمسة) من العبرية إلى الآرامية، وقد ضاعت المخطوطات العبرية الأصلية، ولم يصلنا سوى الترجمات".

وفي القرن الثالث الميلادي، قام الفقهاء اليهود بترجمة الشريعة العبرية إلى اليونانية فيما يعرف "بالترجمة السبعينية" ثم أدى انتشار المسيحية إلى ترجمة نصوص الكتاب المقدس (العهد القديم والجديد) في مختلف اللغات. (38)

وترى الموسوعة البريطانية، بحسب روايات العهد القديم: أن موسى احتفظ بصحف مكتوبة (خر 14:17و خر 4:24 و خر 27:34ـ 28 وعد 2:33 وتث 9:31 و24ـ26) وانه حتى مع التوسع في تقدير هذه الصحف فإنها لا تبلغ أكثر من خمس الأسفار الخمسة، وهكذا يكون الادعاء التقليدي بان موسى هو مؤلف الأسفار الخمسة ادعاء غير قابل للثبات وغير مدافع عنه. كما ترى هذه الموسوعة أن موسى وضع الوصايا العشر، وكان وسيطا للعهد (مع الرب) وبدأ عملة إصدار فتاوى أضافها إلى بنود العهد، وجمعها وتصنيفها وانه دون، ولا شك بعض الصحف التي استخدمت أساسا لمجموعة متزايدة من القوانين والتقاليد. ورغم ذلك فهي ترى انه يمكن وصف الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس العبري (العهد القديم) بأنها موسوية، ذلك انه بدونها لم يكن هناك وجود لـ"اسرائيل"، ولا لمجموعة تعرف بالتوراة (39).

أما الوسائل التي أتاحت للباحثين تمييز المصادر الأساسية للأسفار الخمسة وتحديد تسلسلها الزمني فهي : اليهودية (نسبة للرب باسم يهوه) والإلوهية (نسبة للرب باسم الوهمي) والتثنوية، والكهنوتية. وقد تم بعد ذلك اكتشاف مصادر أخرى للعهد القديم، منها كتابان من الأدب العبري القديم مفقودان اليوم ويحتويان في أجزاء منهما القصص الأولى، وهذان الكتابان هما : كتاب حروب يهوه وكتاب "ياشار" (العادل) وقد كتبا بلغة شعرية (40) .

2ـ وترى الموسوعة الفرنسية "كييه Quillet" أن أقدم نص كامل للعهد القديم بالعبرية يعود تاريخه إلى العام 950م، ولم يصلنا منه، قبل ذلك، سوى نتف قليلة "باستثناء مخطوطات صحراء اليهودية التي تعود، عادة إلى القرن الثاني ق.م والتي تعود إلى كل أسفار العهد القديم، باستثناء سفر استير".

وقد كتبت معظم أسفار العهد القديم باللغة العبرية (اللغة السامية التي استخدمت في فلسطين حتى القرن السادس ق.م) بينما كان هناك بعض أقسام من الأسفار باللغة الآرامية (اللغة الدولية المتداولة في آسيا القديمة، والتي استخدمها اليهود منذ سبيهم إلى بابل) كما أن آخر سفر من العهد القديم. وهو سفر الحكمة، قد كتب باللغة اليونانية. (41)

ووفقا للمفهوم المسيحي، تعتبر التوراة حصيلة تعاون بين الله والإنسان، فالله هو المؤلف الحقيقي، لأنه هو الذي أوحى للكاتب وتكشف له، ولكن الكاتب، هو أيضا، المؤلف كليا، للكتاب الذي كتبه، لأنه وضع فيه كل شخصيته، وينتسب مؤلفو التوراة إلى العصور القديمة، السامية والهلينية، لذا نراهم يستخدمون عدة إشكال للتعبير الأدبي ليس مألوفا لدينا، وعلى هذا فإننا نجد مثلا في الفصلين الأولين من سفر التكوين "فكرا لاهوتيا مع مجموعة من التقاليد الشعبية، في الوقت نفسه". (42)

وفي أي حال، فان مؤلف التوراة لم يكن ينوي في أي وقت أن يعلم العلوم ولكن بما انه ينتمي إلى عصر محدد، فهو يستخدم علوم ذلك العصر ومعارفه، وحتى أساطيره وفنونه الشعبية وهكذا فان التوراة تاريخ لتقدم بطيء في المجالين الأخلاقي والروحي لشعب الله، هذا التقدم الذي هو اليوم بالنسبة إلى المسيحيين مستمر في الكنيسة. (43)

3ـ ويرى الباحث "موريس بوكاي" أن اليهودية المسيحية ظلتا خلال قرون طويلة تقولان بان مؤلف التوراة هو موسى نفسه، وربما كان ذلك بسبب ما ورد في سفر الخروج (1ـ14) والعدد (23:2) والتثنية (31:9) من أن الله أمر موسى بان يكتب.

ومنذ القرن الأول قبل الميلاد، كان هناك دفاع عن النظرية القائلة بان موسى هو كاتب الأسفار الخمسة للتوراة، ولكن هذه النظرية سقطت اليوم ولم تعد قائمة، رغم أن "العهد القديم" ينسب إلى موسى "أبوة" هذه الأسفار.

ويستند "بوكاي" في حججه لدعم النظرية القائلة بان موسى ليس مؤلف التوراة، على تلك التي يقدمها الاب ديفو De Vaux ( مدير المدرسة التوراتية في القدس)، الذي وضع عند ترجمته لسفر التكوين (عام 1962) مقدمة عامة للأسفار الخمسة للتوراة تضمنت "حججا ثمينة جدا تنقض التأكيدات الإنجيلية لأبوة موسى لهذه الأسفار"، كما ذكر انه في القرن السادس عشر(م)، لاحظ (كارلستادت Karlstadt) أن موسى لم يستطع كتابة قصة موته في سفر التثنية (34:5 ـ 12). وعدد كارلستادت، كذلك انتقادات أخرى ترفض نسبة قسم من الأسفار الخمسة إلى موسى. وهناك أيضا، كتاب ريشارد سيمون Richard Simon التاريخ النقدي للعهد القديم Histoirc critique du vicux testament ( عام 1678) الذي يبين الصعوبات التاريخية والتكرار وفوضى الروايات والاختلاف في الأسلوب، في هذه الأسفار، ومع ذلك لم يؤخذ بحجج ريتشارد سيمون قط، وظلت كتب التاريخ ترجع، حتى مطلع القرن الثامن عشر، إلى المراجع السحيقة القدم للتحدث عن ما كتبه موسى.

وكان من الصعب جدا إلغاء هذه النظرية التي يدعمها المسيح نفسه في العهد الجديد.

وفي العام 1753، صدر كتاب لجان استروك Jaen Astruc الطبيب الخاص للملك لويس الخامس عشر، وضع الحجة الحاسمة لإلغاء هذه النظرية إذ اثبت هذا الكتاب أن سفر "التكوين" متعدد المصادر.

وفي عام 1854، برزت نظرية تقول بان للتوراة أربعة مصادر هي : الوثائق اليهودية والوثائق الإلوهية والتثنية، والقانون الكهنوتي، وقد حددت أزمنة هذه المصادر كما يلي:

1ـ تعود الوثائق اليهودية إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وقد كتبت في مملكة يهوذا.

2ـ وتعود وثائق الإلوهية إلى زمن اقرب، وقد كتبت في مملكة "اسرائيل".

3ـ وتعود التثنية إلى القرن الثامن قبل الميلاد، عند بعضهم (أدموند جاكوب E. Jacob) أو إلى عهد يوشيا في القرن السابع قبل الميلاد، عند بعضهم الأخر (ديفو).

4ـ ويعود القانون الكهنوتي إلى عهد السبي أو ما بعد السبي، أي إلى القرن السادس ق.م وهكذا يمتد ظهور نصوص الأسفار الخمسة على مدى ثلاثة قرون على الأقل.

وفي عام 1941 اكتشف لودز ( A. Lods) ثلاثة مصادر للوثائق اليهودية، وأربعة مصادر للوثائق الإلوهية، وستة مصادر للتثنية، وتسعة مصادر للقانون الكهنوتي. ويستطرد الاب ديفو : هذا عدا الإضافات الموزعة بين ثمانية كتبة.

وقد أدى تعدد مصادر التوراة إلى كثير من التناقضات والتكرار. وأعطى الاب ديفو العديد من الأمثلة على ذلك. (44)

وهكذا تبدو الأسفار الخمسة مؤلفة من تقاليد متنوعة جمعها كتاب بمهارة تزيد أو تنقص، بحيث راكموا تجميعهم (تقميشهم) تارة، أو حولوا الروايات طورا بهدف تركيبها، إلا إنهم تركوا فيها كل ما بعد ذلك، أن يقسم الاب ديفو سفر التكوين، وحده إلى ثلاثة مصادر أساسية، وذلك في مقدمة ترجمته لهذا السفر عام 1962. (46)

إضافة إلى ذلك، ينكر بعض الباحثين المصريين القدامى أن يكون موسى عبرانيا، ومنهم "مانيتو" المؤرخ المصري في عهد بطليموس الثاني، وكان قد اشتهر كأستاذ يقصده الباحثون في مكتبة الإسكندرية، وهو يقول أن موسى مصري عاش في أيام امنحوتب الثالث وانه أراد أن يرى الإله بعينيه حتى يصدق، وانه درس بمدينة هليوبوليس (عين شمس). كما ينكر بعض المؤرخين اليونانيين أن تكون قد قامت دولة أو مملكة لـ"اسرائيل" في فلسطين، لا في أيام يشوع، ولا في أيام داوود، ولا في أيام سليمان وذلك استنادا إلى ما جاء في كتابات المؤرخين اليونانيين، منذ القرن الثامن ق.م وهي كتابات لم يرد فيها وجود لمملكة "اسرائيل" في فلسطين. (47)

ثانيا : الثقافة الصهيونية:

على هذه المرويات والأساطير الخرافية، قامت الفكرة الصهيونية والثقافة الصهيونية، ذلك أن الصهيونية كفكرة، تسعى إلى عودة اليهود إلى "ارض "اسرائيل"" أو "ارض الميعاد" التي ورد ذكرها في التوراة التي اخترعها أحبار اليهود في منفاهم، دون أن يقدموا أي دليل على صحة ادعاءاتهم هذه، وهي في معناها السياسي، دعوة سياسية انطلقت من أساطير خرافية البست لباس الدين وأسندت إلى مزاعم تاريخية تخفي مطامع استعمارية عنصرية، وساعد على ذلك نشوء الفكرة القومية في أوروبا في القرن التاسع عشر، حيث سعت الصهيونية إلى إلباس اليهودية لباس القومية الحديثة.

كان "هرتزل" أول من تحدث عن دولة لليهود في كتابه "دولة اليهود" (صدر عام 1896) حيث طالب بان يكون لليهود ارض يقيمون عليها دولتهم، في مكان ما من العالم، وليس بالضرورة فلسطين فهو قد قال في كتابه هذا: ليعطونا السيادة التامة على جزء كاف من مساحة الأرض، بشكل يؤمن الاحتياجات الشرعية لشعبنا، ونحن نتكفل بالباقي. بل انه اقترح أن تام هذه الدولة على ارض الأرجنتين، لأنها إحدى أكثر البلاد غنى في العالم. وذات مساحة هائلة، ونسبة ضئيلة من السكان، ومناخ معتدل، أو على ارض فلسطين التي هي "بلادنا التاريخية التي لا تنسى" ولكنه أي هرتزل وافق أخيرا على أن تقوم دولة لليهود في "أوغندا" ولو بصورة مؤقتة. (48)

"بلادنا التاريخية التي لا تنسى" هكذا زور اليهود تاريخ فلسطين واختلقوا، لأنفسهم، وطنا على ارض لم يثبت تاريخيا أنها كانت ذات يوم لهم وغني عن التكرار أن مرويات العهد القديم التي تزعم هذا الزعم ليست ثابتة تاريخيا.

وإذا كان هرتزل قد تحدث عن "دولة اليهود" دون أن يعني، في ذلك ما عنته الصهيونية فيما بعد أن الصحافي اليهودي النمساوي "ناثان بيرنبوم Nathan Birnbawm كان أول من تحدث عن "الصهيونية" في كتابه "الإحياء القومي للشعب اليهودي في وطنه، كوسيلة لحل المشكلة اليهودية" الذي صدر باللغة الألمانية عام 1893 وربما يكون بيرنبوم، بالذات قد استعمل العبارة نفسها في مقالة له كتبها عام 1886 بعنوان "التحرر الذاتي". (49)

ويعتبر "آلان تايلر" في كتابه "الفكر الصهيوني" أن أول عبارة عن الصهيونية قد وردت على لسان المفكر اليهودي "مويز هس Moise Hess" وكانت الفكرة القومية اليهودية قد بدأت تختمر في عقول العديد من المفكرين اليهود الأوروبيين اقتباسا عن الفكر القومي الذي ساد في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وقد رافق هذه النزعة العنصرية لدى يهود أوروبا إنشاء حركة، في مطلع الثمانينات، دعت نفسها "أحباء صهيون" وكان من أهداف هذه الحركة السعي لاستيطان يهودي في فلسطين، على أن يشمل هذا الاستيطان مختلف أوجه الحياة اليهودية: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. (50)

ما الذي دفع اليهود، الأوروبيين خصوصا، إلى تبني الدعوة الصهيونية التي تقوم على السعي لإنشاء قومية خاصة باليهود ترتكز على ارض خاصة بهم يعتمدونها وطنا لهم، وهم الذين يعيشون في بلدان أوروبية متحضرة ويشكلون أجزاء من شعوب أوروبية متحضرة؟ فيما لم تقم بين اليهود القاطنين في مختلف إرجاء الوطن العربي مثل هذه الدعوة، إذ من الثابت أن اليهود العرب لم يتبنوا الدعوة الصهيونية إلا بعد أن قامت في أوروبا وانتشرت بين اليهود الأوروبيين؟

لا شك في أن الدوافع التي أدت باليهود إلى تبني الدعوة الصهيونية تعود إلى عوامل ثلاثة:

ـ العامل الأول: ديني، إذ يعتقد اليهود، فعلا أن ما ورد في التوراة (والعهد القديم) صحيح تاريخيا، وإنهم أصحاب فلسطين ومالكوها، وان لديهم أوامر دينية بالعودة إليها.

ـ والعامل الثاني: عنصري، فاليهود قوم لم يستطيعوا، طوال تاريخهم، التأقلم والتكيف مع أي شعب من شعوب الأرض، وذلك بسبب النزعة الصهيونية التي خلقها "العهد القديم" فيهم، حين زعم إنهم "شعب الله المختار" وان عليهم أن يعودوا إلى الأرض إلي وعدهم الله بها، الأرض التي تدر لبنا وعسلا، وبأنه سوف يطرد سبعة شعوب من إمامهم.

ـ والعامل الثالث : سياسي، وهو القائم على الإطماع الاستعمارية الأوروبية، ومن البديهي القول أن الدول الأوروبية التي ساعدت على تحقيق ما طمح اليهود إلى تحقيقه في فلسطين لم يكن إيمانا منها بحق اليهود في فلسطين، بقدر ما كان تحقيقا لمطامع استعمارية بحتة، إذ التقت مطامع تلك الدول بأحلام اليهود الخرافية، فتحالفت وحققت المعجزات، وساعدها على ذلك التخلف والتشرذم العربي والإسلامي.

لقد ارتكزت الثقافة الصهيونية، أساسا، على وعد مزعوم بأرض فلسطين، وساعد على تغذية هذا الوهم وتعزيزه في نفوس اليهود وأفكارهم اضطهاد العالم الغربي لهم، بغية دفعهم للتمسك بهذا الوهم وتجسيده في كيان حقيقي، وساعدهم الغرب بكل ما لديه من قوة وإمكانات في سبيل تحقيق ذلك، على حساب أصحاب الحق والأرض من العرب، ولم ينشأ اضطهاد الأوروبيين لليهود من فراغ، فقد كان اليهود بطبيعتهم، عنصريين غير متآلفين مع باقي المواطنين، في المجتمعات التي وجدوا أو نشئوا وترعرعوا فيها، وذلك بسبب ما زرعه كتابهم، "المقدس" المزيف والمزعوم، في نفوسهم من عصبية وعنصرية بغيضة. وساعد على ارتكاب هذا الخطأ الكوني الكبير الذي لا تزال البشرية تعاني من نتائجه، ما أقدم عليه الباحثون والمؤرخون الأوروبيون، اليهود وغير اليهود، من تزوير للحقائق التاريخية بقصد جعل التوراة والعهد القديم "حقيقة" تاريخية.

ثالثا : تزوير التاريخ

وهكذا، وبدلا من أن يسعى الباحثون والمؤرخون الغربيون إلى البحث عن الحقيقة التاريخية لمرويات التوراة (والعهد القديم) عن طريق وضعها موضع الشك والجدل والمناقشة، شأن كل باحث علمي رصين، إذا بهم يضعونها موضع اليقين ويروحون يختلقون لها إسنادا تاريخية من خلال اختلاق تاريخ لـ"اسرائيل" القديمة وتهميش، بل وتضييع للتاريخ الحقيقي لفلسطين (51) . وقد سار في هذا الطريق غالبية الباحثين والمؤرخين الأوروبيين وتبعهم في ذلك المؤرخون العرب (52) وتكمن المشكلة في أن "العهد القديم"هذا، بكل ما تضمنه من أساطير، قد اعتمد لدى معظم الباحثين والمؤرخين، كمصدر (لا يدحض) لتاريخ العبرانيين، وتاريخ فلسطين بالذات، دون أن يكون لما تضمنه هذا "الكتاب المقدس" أصل موثوق، ودون أن يحاول أولئك الباحثون المؤرخون البحث، في مصادر أخرى، أثرية (اركيولوجية) وتاريخية، عن الحقيقة التاريخية في ما أورده من مرويات. ولمزيد من التفصيل في البرهان والحجة، سوف نعمد إلى الاستشهاد بأثرين هما من أهم من صدر، في الغرب، حول هذا الموضوع، كدحض للتزييف التاريخي الذي اعتمدته التوراة واقره الباحثون والمؤرخون في الغرب خصوصا:

1 ـ يتناول الباحث "كيث وايتلام Keith Whitelam" البحث في صحة التاريخ العبراني، في فلسطين، استنادا إلى التوراة والعهد القديم، فيرى أن تاريخ فلسطين "غير موجود من الأساس" إذ أن الخطاب التوراتي المهيمن قد استبعده، فغدا تاريخ فلسطين مجرد ظل مهمش في إطار التاريخ العبري، حيث تم اختلاق ""اسرائيل" القديمة" التي يقول عنها المؤرخ "فيليب ديفيس P. Davies" أنها من اختراع عقول العلماء وإنها بعيدة كل البعد عن الحقيقة. ومما يثير السخرية لدى "كيث وايتلام" أن تاريخ ""اسرائيل" القديمة" قد استأثر باهتمام المؤرخين القدامى، باعتبار فكرة البحث عن "اسرائيل" القديمة، وعن الوثائق المادية التي يفترض أنها سوف تلقي الأضواء على التوراة العبرية (53) ، دون أي اعتبار لتاريخ فلسطين بالذات. وهكذا يبدو لنا، من وجهة نظر "وايتلام" وآخرين عديدين سواه، أن تاريخ فلسطين "مازال غير مصرح به، محتجبا في الخطاب السائد في الدراسات التوراتية وهي دراسات تهتم أساسا بالبحث عن تاريخ "اسرائيل" القديم باعتباره الميدان الذي عين على فهم تراث التوراة العبرية الذي هو المنبع الأول للحضارة الغربية. (54)

المنبع الأول للحضارة الغربية؟ لا شك في أن سيطرة اللاهوت على مضامين الثقافة الغربية وحضارتها أعطى الدراسات التوراتية إبعادا سياسية وثقافية أضحى الغرب أسيرا لها، بثقافته وحضارته، وقد هدفت هذه الدراسات (التوراتية) في الأساس، إلى اختلاق "اسرائيل" القديمة، وإسكات التاريخ الفلسطيني كما قال "وايتلام" في عنوان كتابه هذا.

ويرى "وايتلام" أن الكذبة التاريخية الكبرى التي أطلقها الباحثون والمؤرخون الذين اعتمدوا "الدراسات التوراتية" كمصدر أساسي (وربما وحيد) لتاريخ فلسطين، قد بدأت تنكشف بسبب "تصدع هذا الإجماع" الذي حظيت به تلك الدراسات في الفترة السابقة، مما ساعد على تعرية الافتراضات السياسية والدينية التي عززت بناء تاريخ الدراسات التوراتية، ويستشهد على ذلك بدراسة الباحثين "ميلر وهايز Miller and Hayes ( عام 1986) وهي التي كانت "نقطة تحول رئيسية في كتابة تاريخ "اسرائيل" من منظور توراتي "بحيث اظهر هذان الباحثان، في دراستهما، المشاكل المتزايدة المتعلقة بتاريخ "اسرائيل" القديم، باعتباره تاريخ الفجوات واضطرار هذا التاريخ إلى التخلي، باستمرار، عن مسلماته، والقواعد الثابتة التي انطلق منها وهو ما ينذر "بموت التاريخ التوراتي" لكي يحل محله، تدريجيا الاعتراف بالتاريخ الفلسطيني كموضوع قائم بذاته، وهو فهم جديد لتاريخ هذه المنطقة يزداد ابتعادا وانفصالا عن الدراسات التوراتية. (55)

وإذا كانت "اسرائيل" الحديثة قد قامت على جزء من ارض ""اسرائيل" القديمة" وليس كلها، وان ارض فلسطين لا بد من أن تعود، برمتها والى الأبد إلى "شعب "اسرائيل"" كما يرى "بن غوريون" (56) وإذا كانت القوى الأربع العظمى ملتزمة بالصهيونية سواء أكانت على خطأ أم على صواب وذلك لان الثقافة الصهيونية متأصلة بعمق في تراث من الماضي البعيد، وفي حاجات الحاضر وآمال المستقبل لهذه القوى، كما يقول اللورد بلفور (بعد عامين من إعلان وعده الشهير)، (57) فان ما لا يمكن دحضه وإنكاره هو أن هذه الصورة "التوراتية" قد بدأت بالاهتزاز في وعي المثقف الغربي الذي بدأ يتأثر بالدراسات التاريخية العلمية لهذه المنطقة، بعيدا عن المؤثرات التوراتية التي سكنت وعيه زمنا طويلا، خصوصا وانه قد بدأ يعني أن ما يربط القوى العظمى بالكيان الصهيوني القائم حاليا على ارض فلسطين ليس توراتيا بقدر ما هو سياسي استعماري مفضوح.

ويرى "وايتلام" أخيرا انه إذا كان التاريخ الفلسطيني قد استبعد خلال القرنين الماضيين بتأثير من "المدرسة التوراتية" المزورة للتاريخ برمته، مما أدى حرمانه من مكان خاص به في الخطاب الأكاديمي الغربي، وإذا كان الاهتمام الأوروبي بفلسطين، من الوجهة الإستراتيجية قد نشأ مع سعيها (أي أوروبا) لمعرفة جذور حضارتها كما حددتها "اسرائيل" القديمة والتوراة مما جعلها تتقبل بسهولة أفكار المتخصصين التوراتيين وتقبل على تصور ماضي فلسطين كما جاء في التراث التوراتي، فان عدم الارتياح المتزايد من صدقيه هذا التراث، ورواج الكتب التاريخية الجديدة المعدلة وفقا لمعايير علمية جديدة لقراءة تاريخ فلسطين، وما رافق ذلك من تغييرات جرت داخل التخصص الأكاديمي، المتعلق بالتراث التوراتي، حيث كشفت هذه التغيرات عن مدى اختلاق هذا التاريخ (التوراتي) المتخيل بناء على نماذج من التجربة المعاصرة، بالإضافة إلى الإسهام الذي قدمه النضال الفلسطيني المستمر والانتفاضة الفلسطينية بشكل خاص، قد ساعد، ذلك كله في استمرار تحطيم الأسس الفكرية التي كانت سائدة بتأثر من الرواية التاريخية التوراتية (58) وهو ما سوف يؤدي ولا شك في النهاية إلى رد الاعتبار للتاريخ الفلسطيني الحقيقي وغير المزور والمزيف.

2ـ ويقدم لنا الباحث "توماس طومسون Thomas l. Thompson" في كتابه "التاريخ القديم للشعب "الإسرائيلي"" نموذجا آخر من المؤرخين الذين يفضحون التزوير التاريخي لـ"اسرائيل" القديمة (وقد بدأ عددهم يتزايد باطراد) ويعتمد "طومسون" على نظرية "ويلهاوزن" في الفرضية الوثائقية" التي ترى انه يجب فهم "المصادر الأربعة (59) للأسفار الخمسة الأولى" من العهد القديم (وهي أسفار الشريعة أو التوراة) على أنها وثائق أدبية تم تأليفها وقت كتابتها، وهي انعكاس صادق لفهم ومعرفة تؤلفيها وعالمهم، وعلى هذا فلا يمكن اعتبارها تاريخا يعتد به، كما انه لا يمكن الاستفادة منها لإعادة تشكيل تاريخ "اسرائيل" القديم، السابق على وقت تأليفها. (60)

ويرى "ماير" وهو باحث زميل لويلهاوزن، أن "المصادر الوثائقية" التوراتية ليست في الأصل سوى "مرويات شفهية" ومجموعات من القصص التي تألفت من الحكايات الشعبية والأساطير والملاحم، ويقدم مثالا على ذلك حكايات "سفر التكوين" التي تنتمي إلى عالم الخيال وليس فيها سوى القليل مما له علاقة بالتاريخ.

وقد وافق "ماير" في تحليله هذا باحث آخر هو "غونكيل" (وكان محاضرا في هال، إلى جانب ماير، خلال أعوام (1889ـ 1894). يقول "غونكيل" أن "المرويات الشفهية" التي كانت معروفة من الأدب العالمي والأدب الشعبي هي التي تشكل أساس الحكايات التوراتية وحكايات العهد القديم. وقد كان للباحث غريسمان وهو تلميذ ويلهاوزن اثر كبير في انتشار هذه الأفكار، خصوصا بعهد نشره كتابه المهم "نصوص الشرق القديم المتعلقة بالعهد القديم" الذي اثر في الفكر اللاهوتي الأوروبي تأثيرا واسعا، كذلك الباحث "برتشادر" الذي اشتهر بعيد الحرب العالمية الثانية، بأبحاثه المتعلقة بالشرق الأدنى القديم، ومنها تاريخ "اسرائيل" التوراتية القديمة.(61) ومع هؤلاء جاء الباحث "ايسفيليت Eissfeldt" لكي ينقل النقاش حول العهد القديم إلى وجهة أخرى، فالعهد القديم في نظره، لم يكن تاريخا تحول إلى خيال بل خيالا تحول إلى تاريخ، إلا انه يرى أن مرويات الأسفار الخمسة الأولى هي في إشكالها القديمة، قصص عن إفراد وتواريخ شعبية كانت بسبب انتقالها كمرويات شفهية، غير ثابتة، نسبيا كنص تاريخي أصلي اكتسب تدريجيا، صفة القصص الخيالية، ولذلك فهو يرى انه يمكن اكتشاف النواة التاريخية المخبأة في المرويات القديمة المهمة من خلال حذف وشطب الإضافات.

إمام هذه الفرضيات المتبادلة، من اعتبار القصص التقليدية، في الأسفار الخمسة الأولى، تاريخا تحول إلى خيال، إلى اعتبار الحوادث التي نشأت عنها هذه القصص تعكس تاريخ شعوب الشرق الأدنى القديم، وقف جيل جديد من الباحثين والمؤرخين اعتبر هذه الفرضيات "افتراضات مسبقة، مسلما بها ولا تناقش"، وهكذا استعادت الدراسات التاريخية عن الكتاب المقدس وإسرائيل القديمة وهجها السابق المحافظ.(62)

حقق هذا التحول فوائد جمة لصالح تاريخ "اسرائيل" القديمة، إذ استغله الدارسون والمنقبون العاملون لمصلحة هذا التاريخ، في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن، وكان عود الصهيونية قد بدأ يشتد، بعد وعد بلفور وتقسيمات سايكس ـ بيكو والانتداب البريطاني على فلسطين، فاستفادت من هذا التحول أيما إفادة، وشرع الباحثون الصهاينة يجهدون لتأكيد الحق اليهودي في فلسطين من خلال أبحاثهم الاركيولوجية ومن خلال الحفر والتنقيب الذي أجروه في فلسطين وجوارها، ساعين إلى تأويل كل المعلومات المستجدة لمصلحة أفكارهم التوراتية، ومن أهم هؤلاء، أولبرايت (في الولايات المتحدة) وألت (في ألمانيا) وقد انتهى هذان الباحثان إلى تأكيد الزعم القائل، مع "ايسفيلت" بان المرويات التوراتية ذات أصول تاريخية واشترك الاثنان معا، في السعي لإعادة تشكيل تاريخ "اسرائيل" القديم على أساس التقييم النقدي والتوفيق بين الدراسات التوراتية والاركيولوجية المتعلقة بالشرق الأدنى .(63)

إلا أن "أولبرايت" ورغم ضحالة مفهومه التاريخي فهو لم يكن مؤرخا ولا مفسرا للتوراة بل كان اثريا (اركيولوجيا) فحسب، كان أكثر تمسكا بالمحافظة على تاريخية النص التوراتي من "ألمت" الذي كان اقرب إلى "ويلهاوزن" بل كان يعتبر خليفة "لماير" أو "غونكيل". وقد أثرت مفاهيم "أولبرايت" على مسار الدراسات التاريخية ـ الاركيولوجية في اتجاه مغاير تماما لاتجاهات ويلهاون وماير وغونكيل، وهو الذي أسس لأهم النظريات، حول تاريخ أصول "اسرائيل"، في هذه الحقبة، وانتهى إلى القول "بتاريخية التوراة التي أكدتها الحفريات" معتبرا أن المرويات التوراتية سرد تاريخي للماضي وان ما ذكرته التوراة عن إسلاف "اسرائيل" كان بصفتهم إفرادا تاريخيين وعرضا أدبيا لتلك الشعوب، ومفترضا في الوقت نفسه، انه يكفي لتثبيت تاريخية الرواية التوراتية، تثبيت بعض تفصيلاتها المهمة عن طريق مصادر غير توراتية، قابلا بذلك تصحيح الروايات التوراتية على ضوء التاريخ . (64) ويؤكد "أولبرايت" كذلك أساسية تاريخ الإطار التوراتي للحوادث، إلا انه بسبب عد الوضوح في فهمه لنصوص العهد القديم لم يقحم إلا نادرا، ما يعتقد فهما لواقع الروايات التوراتية وهذا ما وسم العديد من أعمال أولبرايت بالسطحية، وأفسح في المجال قراءتها بتعصب لاهوتي ومسحة أصولية. (65)

إلا أن نظريات أولبرايت هذه رفضت من قبل العديد من تلامذته أمثال: مندنهال، وغيوس ولوك وماتيوس وآخرين .(66)

لقد جهد "أولبرايت" في كتابه "من العصر الحجري إلى المسيحية" في أن يجد مكانا مناسبا، في هذه الفترة الزمنية من تاريخ الشرق الأدنى، يمكنه من إحلال تاريخ "اسرائيل" القديمة فيه، وبثبات مقنع. وقد استمر، طوال حياته، يسعى لتحقيق هذا الهدف، وقد وفق في ذلك، إلى حد ما حيث استطاع أن يحدد وجود "اسرائيل" في فلسطين نحو عام 1200 ق.م وان الفتح قد تم أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر ق.م وقد وافقه العديد من الباحثين، المحافظين وغير المحافظين، على ذلك.

إلا أن محاولات "أولبرايت" للتوفيق بين البينات التوراتية وغير التوراتية كاثبات لتاريخية "اسرائيل" القديمة، سرعان ما دخلت مرحلة الانهيار التي مازالت متواصلة حتى اليوم. (67)

هذا القول الأخير هو "لطومسون" إلي تحدث، حتى ألان، في كتابه، عن آخرين دون أن يبرز راية بوضوح، حيث أن ناقش، في الفصول الثلاثة الأولى من كتابه، نظريات عالجت هذا الموضوع قبله.

إلا أن "طومسون" لا يلبس أن يبدأ بمعالجة الموضوع من زاويته الشخصية، بعد ذلك فيبدي فيه رأيا واضحا وصريحا، في نقاش جدي لمعظم مرويات العهد القديم، حيث ينتهي إلى رأي مخالف تماما لرأي "ايسفيلت وأولبرايت" وطغمة المحافظين، إذ يرى في النهاية أن المرويات ليست سوى شظايا ذكريات مكتوبة أو شفهية، سلاسل من القصص، أعمال أدبية معقدة، سجلات إدارية، اغان، حكم نبوية، كلمات مأثورة عن فلاسفة، قوائم وحكايات: كلها اعتبرت ذات معنى ضمن كل مترابط متراكم، جمع ونظم انتقائيا، وفسر باعتباره ماضيا مبعثرا. (68)

3ـ إلا أن الصفعة القاسية والضربة القاصمة التي تلقاها اليهود المحافظون، في هذا المجال، هي تلك التي رماهم به الباحث الأثري "الإسرائيلي" البروفسور "زئيف هرتسوغ" وذلك في مقالة نشرها في جريدة هآرتس "الإسرائيلية" بتاريخ 28/11/1999 واستطاع من خلالها أن يثبت انه بعد سبعين عاما من الحفريات الأثرية المكثفة في ارض فلسطين، توصل علماء الآثار إلى استنتاج مخيف: الأمر مختلف من الأساس، فأفعال الإباء هي مجرد أساطير شعبية،ونحن لن نهاجر لمصر ولم نرحل من هناك، ولم نحتل هذه البلاد، وليس هناك أي ذكر لإمبراطورية داوود وسليمان، والباحثون المختصون يعرفون هذه الوقائع منذ وقت طويل، ولكن المجتمع لا يعرف. (69)

ويستطرد "هرتسوغ" في مقالته هذه قائلا : في السنوات العشرين الأخيرة حدثت ثورة فعلة في تعامل الباحثين "الإسرائيليين" مع التوراة بوصفها مصدرا تاريخيا، فمعظم المنشغلين في المداولات في ميدان التوراة، علم الآثار، وتاريخ شعب "اسرائيل" الذين كانوا يبحثون حتى ألان ميدانيا عن أي إثباتات لصدق قصص التوراة، يتفقون حاليا على أن مراحل تشكل شعب "اسرائيل" كانت مغايرة تماما للصورة الموصوفة في التوراة… ومن الواضح للباحثين، اليوم أن شعب "اسرائيل" لم يقم في مصر، ولم يته في الصحراء ولم يحتل البلاد بحملة عسكرية، ولم يورثها لاثني عشر سبطا إسرائيليا، كذلك أصعب من هذا أن نستوعب حقيقة تتبدى، وهي أن المملكة الموحدة لداود وسليمان، الموصوفة في التوراة كقوة عظمى إقليمية، كانت في أفضل الأحوال مملكة قبلية صغيرة .(70)

بعد كل ما تقدم، أو ليس صحيحا القول أن التوراة بمروياتها أكذوبة كبرى صنع منها اليهود أساسا فكريا لطرح سياسي يهودي في القرن العشرين، واستطاعوا، من خلال هذا الطرح، أن يقنعوا العالم بأحقية مطالبهم، وذلك بعد أن جعلوا من "العهد القديم" دستور عمل لهم، وحولوه في نظر العالم اجمع وخصوصا نخبته المثقفة والمفكرة، من كتاب يتضمن أساطير وخرافات ومرويات لا يتسع لها خيال ولا يقبلها منطق، إلى كتاب تاريخي لا يخضع للمناقشة أو الشك والتساؤل، فكان مرتكزا أصليا لثقافة صهيونية اعتمدته أساسا فكريا مهما لتحقيق حلمها بإقامة دولة لليهود في فلسطين؟

إلا أن هذا المرتكز اخذ ينهار بانهيار الأكذوبة الكبرى فهل سيظل الكيان الصهيوني نتاج هذه الأكذوبة، صلبا قويا كما كان قبل انكشافها؟ الأمر يعود إلى وعي الغرب والى يقظة العرب ووحدتهم.
-------------------------------------------------------------------------------------------------------

المصادر والمراجع

1ـ باللغة العربية
ـ القرآن الكريم.
ـ الكتاب المقدس: العهد القديم.
ـ سويد، ياسين، التاريخ العسكري لبني "اسرائيل" من خلال كتابهم، قراءة جديدة للعهد القديم، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 1998.
ـ النيسابوري، أبو الحسن علي بن احمد الواحدي، أسباب النزول، دراسة وتحقيق السيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1986.
ـ الصليبي، كمال، التوراة جاءت من جزيرة العرب، مؤسسة الأبحاث العربي، بيروت، 1985.
ـ تفسير الجلالين (جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي) بهامش القرآن الكريم.
ـ السيوطي، أبو الفضل جلال الدين، لباب النقول في أسباب النزول، ضبط وتصحيح احمد عبد الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لات.
ـ البار، محمد علي، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، دار القلم، دمشق، والدار الشامية، بيروت، 1990.
ـ سبينوزا، باروخ دي، رسالة في اللاهوت والسياسة، تعريب : حسن حنفي، مراجعة: فؤاد زكريا، دار الطليعة، بيروت 1994.
ـ طومسون، توماس، التاريخ القديم للشعب "الإسرائيلي"، تعريب : صالح علي سوداح، مكتبة بيسان، بيروت 1995.
ـ وايتلام، كيث، اختلاق "اسرائيل" القديمة: اسكات التاريخ الفلسطيني، تعريب، سحر الهنداوي، مراجعة: فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة الكويت، عدد 249.
ـ عثمان، احمد، تاريخ اليهود، مكتبة الشروق، القاهرة، 1994.
ـ سويد، ياسين، نحو إستراتيجية جادة لعمل عربي موحد، دار النفائس، بيروت 1996.
ـ مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وقيادة الجيش اللبناني، القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني، بيروت، 1973.
ـ الدبس، المطران يوسف، تاريخ سوريا الدنيوي والديني، بيروت، 1893.
ـ بورتر، هارفي، النهج القويم في التاريخ القديم، بيروت، 1884.

2ـ باللغة الاجنبية:
- Gwinn, Robert, and others, the New Encycloaedia Britannica 15th. Ed.
1974-1990.
- Baigent, Michael, and Leigh, Richard, the Dead sea scrolls deception,
Ed Summit books, New York, 1991.
- Dictionnaire incyclopedique Quillet, Ed. Quillet, France, 1970.
- Herzel, Theodor, Letat Juifs, Ed. La Decouverte, Paris,1990.
- Bucaille, Maurice, La Bible, le Coran, et la Science, Ed. Seghers, Paris, 1976.
- Taylor, Alan, Lesprit sioniste, Institut des Etudes Palestiniennes, Beyrouth, 1977.

ـ الهوامش:

1ـ النيسابوري، أبو الحسن، أسباب النزول، ص 159، والسيوطي، لباب النقول في أسباب النزول ص 80.
2ـ الصليبي، كمال، التوراة جاءت من جزيرة العرب، ص 15ـ16.
3ـ النيسابوري، م. ن ص 179، وجاء في أسباب النزول أن حبرا يهوديا بدينا "خاصم" النبي (أي جادله) فقال له النبي (ص): أنشدك بالذي انزل التوراة على موسى، إما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ فغضب اليهودي وقال : والله ما انزل الله على بشر من شيء، فنزلت هذه الآية (النيسابوري) م.ن.ص.ن، والسيوطي، المصدر السابق ص 90.
4ـ تفسير الجلالين (جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي) بهامش القرآن الكريم.
5ـ النيسابوري، المصدر السابق، ص 35.
6ـ النيسابوري، م ن ص 34 والسيوطي م ن ص 10. والأعين: الذي عظم سواد عينيه في سعة (محيط المحيط).
7ـ تفسير الجلالين، بهامش القرآن الكريم
8ـ السيوطي، المصدر السابق، ص 78.
9ـ النيسابوري، المصدر السابق، ص 96. ولا خلاق لهم : لا نصيب لهم.
10ـ السيوطي: المصدر السابق، ص 43.
11ـ البار، محمد علي، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، ص 118ـ 119.
12ـ م . ن . ص 120.
13ـ البار، المرجع السابق، ص 144.
14ـ الكتاب المقدس، العهد القديم، ص 29.
15ـ م. ن.ص.ن.
16ـ م. ن. ص 30.
17ـ م. ن .ص. ن.
18ـ م. ن. ص 59.
19ـ م. ن. ص 62.
20ـ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 238ـ 239، وانظر م. ن. ص 230ـ240.
21ـ م. ن. ص 244.
22ـ م. ن. ص 246، والكتب المقننة canonique وهي الكتب التي اعترفت بها الكنيسة رسميا، في القرن الرابع الميلادي، على أنها كتب مقدسة (م. ن. ص. ن. حاشية 4).
23ـ م. ن. ص. ن.
24ـ م. ن. ص 255.
25ـ م. ن. ص 256.
26ـ م. ن. ص 265.
27ـ م. ن. ص 226.
28ـ ورد في نسخة الكتاب المقدس، العهد القديم، طبعة الرهبانية اليسوعية الصادرة عن جمعيات الكتاب المقدس في المشرق، دار المشرق، بيروت، 1988، والتي بين أيدينا، وفي سفر التكوين (14:22): "وسمى إبراهيم ذلك المكان: الرب يرى. ولذلك يقال اليوم: "وفي الجبل، الرب يرى" والمقصود بالجبل: جبل موريا.
29ـ م. ن. ص 266ـ268.
30ـ م. ن. ص 269، ونود أن نشير هنا إلى إننا تصرفنا في شرح هذه النقطة دون التقيد بما أورده سبينوزا من أمثلة (انظر سفر تثنية الاشتراع في الكتاب المقدس، العهد القديم الذي اعتمدتاه، وقد سبق أن اشرنا إليه).
31ـ م. ن. ص 270 وقد جاء في سفر القضاة (29:18) "وسموا المدينة دان، باسم دان أبيهم الذي ولد لـ"اسرائيل"، وكان اسم المدينة قبل ذلك، لاييش".
32ـ م. ن. ص 270ـ 271.
33ـ م. ن. ص 271، ويشير سبينوزا، في ذلك إلى أن موسى كتب، بأمر من الرب، عن الحرب ضد العمالقة إذ قال الرب له : "اكتب هذا ذكرا في كتاب" (خر: 14:17) كما يشير إلى سفر يسمى "حروب الرب" ورد ذكره في سفر العدد حيث جاء "ولذلك يقال في كتاب حروب الرب" (عد 21ـ14) والى سفر آخر يسمى "سفر العيد" ورد ذكره في سفر الخروج، حيث جاء " واخذ كتاب العهد فتلا على مسامع الشعب فقال:… (خر 7:24) والى سفر ثالث يسمى توراة الله ورد ذكره في سفر التثنية حيث جاء: "وكتب موسى هذه الشريعة وسلمها إلى الكهنة بني لاوي… وسائر شيوخ "اسرائيل" (تث 9:31) ثم أضاف إليه يشوع، بعد ذلك بمدة طويلة، رواية العهد الذي قطعه الشعب (بنو "اسرائيل")على نفسه من جديد، في أيامه، (م. ن. ص 272) حيث جاء في سفر يشوع (25:24ـ26) "فقطع يشوع للشعب عهدا في ذلك اليوم، جعل لهم فريضة وحكما في شكيم، وكتب يشوع هذا الكلام في سفر توراة الله.
34ـ ورد ذكر سفر العهد الثاني في تثنية الاشتراع، حيث جاء " يقطع الرب إلهك معك اليوم… حتى على حسب جميع لعنات العهد المكتوبة في سفر هذه الشريعة (تث 11:29ـ20) (انظر النص بكامله في سفر تثنية الاشتراع).
35ـ م. ن. ص 273.
36ـ م. ن. ص 274ـ277.
37ـ البار، المرجع السابق، ص 152ـ154.
38ـ Encyclopacdia Britannica T2. PP. 194-196 (Bible)
39 ـ Ibid. T24. P. 374 (Moses)
40 ـ Ibid. T2. P. 194 (Bible)
41 ـ Encyclopedie Quillet, P./723. (Bible)
42 ـ Ibid. P. 724 M Bible
43 ـ Ibid
44 ـ Bucaille. M. La bible. Le Coran. et la la Scernce. PP. 23.25.
ـ إلوهية ( Elohiste) من "الوهمي" Elohim اسم عبري هو احد أسماء الله في الكتاب المقدس، ويميز هذا الاسم بعض المقاطع في الأسفار الخمسة حيث يسمى الله (الوهمي) وقد انتشر في مملكة الشمال ("اسرائيل") في القرن الثامن ق.م. ( Encyclopedie Quillet: Elohim) وتسمى تلك الوثائق أيضا: الوثائق السامرية، أو النص السامري، نسبة إلى "السامرة" عاصمة مملكة "اسرائيل".
ـ يهوية ( Yahviste) : من "يهوه" Yahweh ou Yahve وهو احد أسماء الله في الكتاب المقدس، وقد انتشرت هذه التسمية في مملكة الجنوب (يهوذا) في القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد. و"اليهويه" هي إحدى الوثائق الأربع في الأسفار الخمسة (التوراة).
وتتحدث عن تاريخ "اسرائيل" في بدايته، وعن طبيعة البشر ونشاط الإباء الأولين حتى موسى، حيث تتحدث عن دوره ( Encyclopedie Quillet: Yahave).
ـ استروك، جان ( Jean Astruc) : 1684 ـ1766، فرنسي، طبيب لويس الخامس عشر كان أستاذا في كلية فرنسا College de France وكلية الطب بباريس، إلف كتبا في الطب واللاهوت ( Encyclopedie Quillet).
ـ لودز، ادولف ( Adolphe Kods): 1867 ـ1766، فرنسي، عضو في المؤسسة L'Institut باحث اثأر وعالم بالعبرية كتب كتابا بعنوان: "اسرائيل" من بداياتها حتى منتصف القرن الثامن الميلادي Ysrael. Des origins au milieu du VIIIe S وكتابا آخر بعنوان: التقليد في تأليف كتب العهد القديم.
La tradition dans la tfrmation des Kevres de I'anicen testment (Encyclop. Quillet)
ـ كارلستادت ( Karlstadt): فون رودولف اندريا لوثر بودنشتاين: 1480ـ1541 Rodulf Anderea Bodendtein. Von إصلاحي ألماني صديق لوثر، إلا أن هذا الأخير أنكره بسبب كتاباته النقدية العنيفة، ( Encyclop. Britannica, T6. P. 745)
ـ ريتشارد سيمون ( R. Simon) : 1638 ـ1712، راهب فرنسي مفسر للكتاب المقدس، ومتخصص في العلوم العبرية، وهو أول من درس الكتاب المقدس دراسة نقدية، ظهر ذلك في كتابه المشار إليه في المتن والذي نشر عام 1678، وقد طرد من الرهبنة بسبب هذا الكتاب ( Encyclop. Quillet).
ـ ديفو: ( Devaux) 1903 ـ1971، فرنسي، درس اللاهوت، كما درس اللغتين العربية والآرامية، ودخل في رهبانية الدومينيكان عام 1929، حيث أوفدته إلى مدرسة الكتاب المقدس ( Ecole Biblique) في أورشليم. أسهم في وضع الكتاب المقدس الأورشليمي La bible de jerusalem.
ـ حاضر في مدرسة الكتاب المقدس، عام 1934 حتى عام 1945 ثم عين مديرا لهذه المدرسة من عام 1945 حتى عام 1965.
ـ اصدر مجلة باسم "مجلة الكتاب المقدس La Revue Bilblique" من عام 1938 حتى عام 1953.
ـ سمي رئيسا لفريق الدراسة لمخطوطات البحر الميت عام 1953.
ـ ألقى محاضرات نشرت عام 1961 بعنوان "علم الآثار ومخطوطات البحر الميت" ترجمت إلى الانكليزية.
ـ لم يعترف في حياته بإسرائيل، وكان يسميها دائما فلسطين وكان رئيسا لمجلس أمناء متحف روكفلر في القدس، وهو المتحف الذي يحتفظ بالمخطوطات.
متهم من قبل "اسرائيل" بمعاداة السامية Baigint. Michael and leigh, Richard. The Dead sea Scrolls deception.p.27
45 ـ Bucaille. OP. Cit. Pp. 25-26
46 ـ Ibid, pp. 24 et 26.
47 ـ عثمان، احمد، تاريخ اليهود، ج 2: 38ـ39. وانظر كتابنا "التاريخ العسكري لبني "اسرائيل" من خلال كتابهم، قراءة جديدة للعهد القديم، ج 2: 306ـ324.
48ـ Hertzel. Theodor. I'Etat des Juifs. PP. 43-47 et 102
49 ـ مؤسسة الدراسات الفلسطينية وقيادة الجيش اللبناني، القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني، ص 51.
50ـ Taylor, Alan, L'Esprit sioniste. P.56
51 ـ انظر كتاب اختلاق "اسرائيل" القديمة، اسكات التاريخ الفلسطيني، تأليف، كيث وايتلام، ترجمة : د. سحر الهنداوي.
52ـ انظر تاريخ سوريا، الدنيوي والديني، للمطران يوسف الدبس (9 أجزاء) والنهج القويم في التاريخ القديم لهارفي بورتر (بالعربية) وغيرهما.
53ـ وايتلام، كيث، اختلاف "اسرائيل" القديمة، اسكات التاريخ الفلسطيني، ترجمة، سحر الهنداوي، ص 36.
54ـ م. ن. ص 41.
55ـ م. ن. ص 74ـ76.
56ـ م. ن. ص 207.
57ـ م. ن. ص 203.
58ـ م. ن. ص 344ـ345، ويذكر المؤلف من المساعدات كذلك: تفكك الاتحاد السوفياتي والجدل الدائر حول وحدة أوروبا ومستقبلها.
59ـ مر معنا ذكر هذه المصادر وهي :الوثائق اليهودية، والوثائق الإلوهية، والتثنية، والقانون الكهنوتي.
60ـ طومسون، التاريخ القديم للشعب "الإسرائيلي"، تعريب لصالح علي سوداح، ص 9ـ10.
61ـ م. ن. ص 12ـ13.
62ـ م. ن. ص 13ـ15.
63 م. ن. ص 15ـ16.
64 م. ن. ص 16ـ18.
65 م. ن. ص 19ـ20.
66ـ م. ن. ص 21ـ22.
67ـ م. ن. ص 23ـ25.
68ـ م. ن. ص 292.
69ـ جريدة السفير بتاريخ 1 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1999، ص 15.
70ـ م. ن. ص ن.


الفهرس





من مواضيعي
0 الاختلافات فى موعظة الجبل
0 الإعجاز الاجتماعي
0 قانون أخلاقي ينقض الإلحاد
0 قيمة الشـيء هو ما تحدده أنت .......... فاختر لنفسك أفضل القيم
0 كتاب الطب النبوي
0 الرد على شبهه الغلمان
0 وكل في فلك يسبحون
0 إسطوانة فتاوي الشيخ محمد حسان

التوقيع:


سيف الدين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
التــوراة, تزويــر

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:50 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009