ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

نقض المطاعن التشريعية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


نقض المطاعن التشريعية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 04:10 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي نقض المطاعن التشريعية

نقض المطاعن التشريعية
لماذا قطع يد السارق ؟
أَمَرَ اللّهُ بقطْعِ يدِ السارقِ والسارقةِ بشروطٍ خاصَّة.
قال تعالى : *وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ*.
وقد اعترضَ الفادي على حُكْمِ اللّهِ ، لأَنَّه يُؤَدّي إِلى إِصابةِ الإِنسانِ بالإِعاقةِ والبِطالة ، قال : " ونحنُ نَسأل : إِذا كانَ القرآنُ وَضَعَ شريعةَ قَطْعِ يَدِ السارق ، خِلافاً لكلِّ الشرائعِ السماويةِ والوضعية ، أَلا يسيءُ هذا إِلى
الإِنسانية ؟
ويجعلُ أَصحابَ الأَيْدي المقطوعة ، حتى بعدَ توبتِهم ، عالَةً على المجتمع ، يَعيشونَ فيه بمرارةٍ ناقِمينَ عليه ؟
إِنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ يَحرمُه من العمل ، وكسبِ رزْقِهِ بعَرَقِ جَبينِه..
وجاءَ في كِتاب " الملل والنحل "
للشهرستاني أَنْ قَطْعَ يَدِ السارقِ عُقوبةٌ جاهلية ، فلماذا شَرَعَ محمدٌ عوائِدَ الوَثَنِيّين الذميمةَ في دينهِ ؟ ".
واعتراضُ الفادي متهافتٌ مَرْدودٌ عليه ، وإِنه يتطوَّعُ للدِّفاعِ عن السارق ، الذي يَظلمُ ويَطْغى ، ويَسرقُ ويَتَعَدّى ، ويأخُذُ غيرَ حَقِّه ، ويَتركُ المسروقين المظلومين ، الذينَ ذَهبَتْ أَموالُهم ، وضاعَتْ جُهودُهم ، وتلاشَتْ أَعمالُهم!!
إِنهم قد عَمِلوا واجْتَهدوا ، وتَعِبوا وكَدّوا ، حتى حَصلوا أَموالَهم ، ثم جاءَهم رجلٌ كَسولٌ ظالم ، لا يَملكُ إِلّا العُدوان ، فأَخَذَ ما تَعِبوا به ، وتَمَلَّكَه في لَحظة! فماذا يُقَدِّمُ الفادي المعترضُ لهؤلاء ؟.
وبماذا يُعاقِبُ الفادي هذا السارق ، الذي اعْتَدى على غَيْرِه ، وأَخَذَ ما لا يَحِلُّ له ، وبذلك صارَ عالةً على العاملين المجتَهِدين ، يأخُذُ ثمرةَ كَدِّهم.
لقد اكتفى الفادي بتخطئةِ القرآنِ الذي أَمَرَ بقَطْعِ يَدِه ، ولم يَذْكُرْ لنا العقوبةَ الإِنسانيةَ الرحيمةَ الرقيقةَ التي تتفقُ مع الرأفةِ والرِّقَّة ، إلّا إذا كانَ الفادي يَرى أَنْ لا يُعاقَبَ السارقُ مطلقاً ، لأَنَّ عِقابَه لا يَتفقُ معَ إِنسانيةِ الإِنسان ، أَمّا قِيامُه بالسرقةِ والاعتداء على الآخرينَ فلا شيءَ فيه!!.
إِنَّ قَطْعَ يَدِ السارق تأديبٌ له ، فاللّهُ هو الذي مَنَحَهُ اليَدَ ليكسبَ بها ويَعتاشَ ويرتزق ، ولكنَه حَوَّلَها إِلى أَداةٍ للعدوان ، فناسَبَ أَنْ تُقْطَع ، وأَنْ تُزالَ القُوَّةُ الباغيةُ التي يَعْتَدُّ بها ، ويَعْتَدي بها على الآخَرين ، وهو الذي أَساءَ لنفسِه وليدِه ، وهو الذي عَطَّلَها عن مهمتِها الإِيجابية ، وحَولَها إِلى وسيلةٍ تخريبية ، ولذلك أَدَّبَهُ اللّهُ بقَطْعِها.
وإِنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ ليس حُكْماً بشرِيّاً قابِلاً للخَطَأ والصواب ، والتَّغييرِ والتَّبديل ، وإِنما هو حُكْمُ اللّه ، الذي أَنزلَه اللّهُ للتنفيذ ، والذي لا يَقْبَلُ التبديل ، ولا يَعْتَريه الخطأ ، ولا يَقِفُ أَمامَه اعتراضٌ أَو تخطئةٌ أَو اقتراح " لأَنَّ كُلَّ مسلمٍ يوقِنُ أَنَّ ما أَمَرَ اللّهُ بِه فهو الحَقّ ، وما حَكَمَ به فهو الصّواب! واللّهُ الحكيمُ الذي خَلَقَ الإِنسانَ يَعلمُ ما يُصلحُه فأَمَرَ به ، ويَعلمُ ما يُفسِدُه فنَهى عنه! ولعله لأَجْلِ هذا خُتِصَتْ آيَةُ الأَمْرِ بقطْعِ يَدِ السارقِ بقوله تعالى : *وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ*.
ونقولُ للفادي الجاهل : أَأَنْتَ أَعلمُ أَم اللّه ؟!.
أَمّا زَعْمُ الفادي المفترِي أَنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ عُقوبةٌ جاهلية ، وإِحالَتُه على كتابِ الشهرستانيِّ لنُصَدّقَه ، فهذا زُعْمٌ باطل ، وافتراءٌ مردود ، فلم يكن العربُ الجاهليّون يُعاقبونَ السارقَ أَصْلاً ، فَضلاً عَنْ أَنْ يَقْطَعوا يَدَه! ولأَنَّ الفادي صاحِبُ هَوى ، فإِنَّه يَبحثُ في كتبنا الإِسلاميةِ عن قولٍ يُوافِقُ هَواه وكَذِبَه ، فإِن وَجَدَه سَجَّلَه وفَرِحَ به ، كما فَعَلَ مع القولِ الذي نَسَبَه للشهرستاني ، ولا يُهِمه إِنْ كانَ صحيحاً أَو باطلاً!.
إنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ عُقوبةٌ إسلامية مُتَمَيِّزَة ، تَفَرَّدَ بها الإِسلام ، فلم تَرِدْ في غيرِه منَ المبادئ السماويةِ أَو الأَرضية ، وهي حَقٌّ وصَوابٌ لأَنَها من عندِ اللّه*1* *2*.
__________
*1* الإسلام لا يقطع إلا اليد الخبيثة ؛ لأن بقاءها يؤدي إلى هلاك المجتمع.
واليد في الإسلام على أربعة أنواع
اليد العاملة يكرمها ، واليد العاطلة يعلمها ، واليد العاجزة يطعمها ، واليد العابثة يقطعها.
مصادر الكسب
لم يعرف الإسلام عيش أطيب من عمل اليد.
قال النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - : ما أكل ابن آدم طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده. "وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده".
وذكر سيدنا داود بالذات *مع أن معظم الأنبياء كانت تأكل من عمل يدها* لأن داود عليه السلام كان نبياً وملكاً وصانعاً. قال تعالى :
{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ *10* أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
*سورة سبأ*
ويفهم من الآية الكريمة حرص الإسلام على دقة الصناعات وإتقانها فالدروع التي يصنعها سابغات.
ولابد أن يقدِّر في سرد الحديد فلا يقطع قطعة بدون حساب وتقدير.
إنَّ دقَّةَ العمل وإتقانَه مطلبٌ من مطالب الإسلام الأولى. لأن الله يحبُّ إذا عمل أحدُكم عملاً أن يتقنَه.
وعملُ اليد في الإسلام هو أطهر رزق.
وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الكسب أفضل ؟
قال عمل الرجل بيده. وكل بيع مبرور.
لأن التاجرَ الصدوق مع النبيين والصدقيين.
وقد كان النبي يفتش في الأسواق بنفسه ليكرَّم التاجرَ الصدوق ويتوعد الكذاب الغشاش.
إن عمل الرجل علامة على إسلامه. ودليل على استحقاقه شرف الخلافة التي تمنَّتْهُ الملائكة.
* * *
وقد كرّم النبي - صلى الله عليه وسلم - اليدَ العاملة.
فعندما دخل رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدَّ النبيُّ يدَه ليصافح الرجل فاعتذر الرجل لخشونة يديه من أثر العمل. ولكن النبيَّ الكريم أخذ يدَ الرجلِ وقال له : هذه يدٌ يحبُّها اللهُ ورسولُه.
وأخبر النبيُّ العظيمُ أنه مَنْ باتَ كالاًّ مِن عمل يده .... بات مغفوراً له.
* * *
ويكره التسول وبمقدار تكريم الإسلام لليد العاملة بمقدار ما يكره التسول "مهما كانت صور التسول" لأن التسول تطفل على أموال العاملين.
لقد جيء برجل ميت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه فقال النبي الكريم :
كم ترك ؟ قالوا : دينارين أو ثلاثة.
قال : ترك كيَّتين أو ثلاث كيَّات "أي بالنار"
والسبب أن الرجل كان متسولاً وعنده من المال ما يكفيه.
* * *
هذا وللإمام الحقُّ أن يصادر أموالَ المتسولين إذا استزادوا بالتسول لمجرد شهوة الجمع.
وقد مرَّ عمر بن الخطاب على رجلٍ متسولٍ فقال له عمر : ماذا تحت ثيابك ؟
فلما رآه خُبزاً أمر بمصادرة الخُبز وإعطائه لخيل المسلمين.
* * *
إنَّ اليدَ العاطلة يكرهها الإسلام مهما كان السبب ولو كان السبب هو التفرغ للعبادة.
وعندما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - الشاب يواصل صلاته في المسجد وأخوه ينفق عليه قال النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - :
"أخوه أفضل منه".
ولم يكتفِ الإسلامُ بالعلاج السلبي للمشكلة فعندما جاء رجل يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - الصدقة *وفيه قدرة على العمل* أحضر له النبي "فأساً" وصنع النبي لها يداً وقال له :
"خذ هذه الفأسَ واحتطب خمسة عشر يوماً لا أراك فيها".
ثم جاء الرجل ومعه من المال ما يسَّر الله به من بيع الحطب. لقد أصبح طاقة منتجة ، وعضواً نافعاً. بعد إن كان طفيلياً يأكل سُحْتاً.
إنَّ السؤالَ لا يحل للرجل إلا في أمور ثلاثة "كما بين النبي الكريم"
* رجل تحمل حمَّالة "أي غُرما في صلح بين اثنين" فتحل له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك.
* ورجل أصابته جائحة اجتاحت مالَه فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش.
* ورجل أصابته فاقةٌ فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش.
فما سواهن "يا قبيصة" فَسُحْتٌ يأكلها صاحبها سُحْتاً". اهـ *المال في القرآن. للشيخ محمود غريب. ص : 53 - 60*. بتصرف يسير.
***
*2* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
- حد السرقة
الرد على الشبهة :
إن النظام الإسلامى كلٌ متكامل ، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر فى طبيعة النظام وأصوله ومبادئه ، كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملاً ويعمل به جملة واحدة هذا بصفة عامة.
أما بالنسبة لحد السرقة :
فإن الإسلام يقرر حق كل فرد فى الحياة وحقه فى كل الوسائل لحفظ حياته ، ومن حق كل إنسان أن يحصل على هذه الوسائل:
أولاً عن طريق العمل مادام قادراً على العمل ، فإن لم يستطع أن يحصِّل أسباب الحياة فعلى المجتمع المسلم أن يوفر له ما يحفظ حياته أولاً من النفقة التى تفرض له شرعاً على القادرين فى أسرته.
ثانياً على القادرين من أهل محلته.
ثالثاً من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له فى الزكاة فى نظام تكافلى للرعاية الاجتماعية والأمن الاجتماعى.
والإسلام كذلك يتشدد فى تحديد وسائل جمع المال فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلا على حلال ، ومن ثم لا تثير الملكية الفردية فى المجتمع المسلم أحقاد الذين لا يملكون حيث يمكن لكل أحد أن يصبح غنيًّا بالوسائل المشروعة المتاحة والسوق التنافسية الشريفة. والإسلام يربى ضمائر الناس وأخلاقهم ، فيجعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب لا إلى السرقة ، وبذلك يحفظ مصالح الفرد والمجتمع معاً.
إذن فلماذا يسرق السارق فى ظل هذا النظام ؟
إنه لا يسرق إلا للطمع فى الثراء من غير طريق العمل ، والثراء لا يطلب من هذا الوجه الذى يروع الجماعة المسلمة فى دار الإسلام ، ويحرمها الطمأنينة التى من حقها أن تستمتع بها ، ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال.
فإذا سرق إنسان بعد هذا فإنه لا يسرق وله عذر ، ولا ينبغى لأحد أن يرأف به متى ثبت عليه الجريمة وأحيل أمره إلى النظام.
ونفس الإنسان فطرت على حب المال ولعل هذا هو الذى يدفع معظم الناس إلى العمل والكد. والإسلام دائماً يقوّم دوافع النفس حتى تنضبط إما بالترغيب أو بالترهيب. من هنا حض الإسلام على الكسب الحلال ورغّب فيه ورهّب من السرقة بهذه العقوبة ، حتى يستقيم المجتمع بما فيه من بار وفاجر. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم [إن الله ليدع بالسلطان ما لا يدع بالقرآن].
ولما كان قطع يد السارق يفضحه ويسمه بسمة السرقة ويطلع الناس على ما كان منه. فقد أقام الإسلام حراسة على من يتهم بالسرقة ، فلا تقطع يده مع وجود شبهة فى أنه سرق كما لا تقطع يده فى الشىء المسروق إذا كان تافهاً لا يعتد به ، أو كان فى غير حرز بل إن السارق فى تلك الحالة يعزر بالضرب أو الحبس ، ولا تقطع يده.
ومن تلك الضوابط التى وضعتها الشريعة لإقامة حد القطع على السارق:
أولاً: أن يكون المسروق شيئاً ذا قيمة أى أن له اعتباراً اقتصاديٍّا فى حياة الناس. عن السيدة عائشة ـ رضى الله عنها ـ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ تقطع اليد ـ أى يد السارق ـ بربع دينار فصاعداً ] *1*.
ثانياً: أن يكون المسروق محروزاً ، أى محفوظاً فى حرز.
ثالثاً: أن ما أخذ للأكل بالفم من التمر فهذا لا قطع فيه ولا تعزير.
رابعاً: السرقة فى أوقات المجاعات لا قطع فيها ولذلك أبطل عمر ـ رضى الله عنه ـ القطع فى عام الرمادة حينما عمت المجاعة.
خامساً: العبد إذا سرق شىء ينظر هل سيده يطعمه أم لا ؟ فإن كان لا ، غرم سيده ضعف ثمن المسروق كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ فى غلمان ابن حاطب بن أبى بلتعة حينما سرقوا ناقة رجل من مزينة فقد أمر بقطعهم ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم درأ عنهم الحد وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديباً له.
والقاعدة أن الحدود تُدْرَء بالشبهات.
وهكذا ينبغى أن تفهم حدود الإسلام فى ظل نظامه المتكامل الذى يتخذ أسباب الوقاية قبل أن يتخذ أسباب العقوبة.
فالحدود تمنع من وقوع الجريمة ولذلك نرى على مر التاريخ الإسلامى وعلى مساحة واسعة من بلاد المسلمين أن حد السرقة لم يطبق إلا فى أضيق الحدود وبعدد محدود جداً لا يتجاوز العشرات مع كل هذه الملايين من البشر حيث استقر فى وجدان المسلمين أن السرقة جريمة من الجرائم السيئة التى تهدد الأمن الاجتماعى والمجتمع فى ذاته بحيث تستحق مثل هذه العقوبة البدنية التى تشبه عقوبة الإعدام وعلى قدر عظم الذنب والجرم يكون عظم العقاب.
وبعض المعاصرين ينطلقون من نموذج معرفى آخر يقدم بدن الإنسان فى ذاته بغض النظر عن أفعاله وجرائمه. وقد خفى عليهم كل هدى سليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. اهـ *شبهات المشككين*
معنى قوله تعالى : *حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ*
اعْترضَ الفادي على حُكْمِ شَرْعيٍّ يَتعلّقُ بالطلاق ، فللرجلِ على امرأَتِه أَنْ يُطَلِّقَها ثلاثَ طَلْقات ، فإِنْ طَلقًها الطلقةَ الثالثةَ حَرُمَتْ عليه ، ولا تَحِلُّ له إِلّا بعدَ أَنْ يَتزوَّجَها رجلٌ آخَر ، ويُطَلِّقَها إِنْ شاء! وقد وردَ هذا الحُكمُ صَريحاً في قَولِ اللّهِ - عز وجل - : *فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ*.
وذَكَرَ الفادي خَبَراً عن البيضاويِّ يُعتبرُ سَبَباً في نزولِ الآية ، وقد وَرَدَ هذا الخبرُ في الصحيحَيْن.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت : تَزَوَّجَ رفاعَةُ القرظيُّ امرأة ، ثم طًّلقَها ، فتزوَّجَ آخَر ، فأَتَت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فذكرتْ أَنه لا يَأتيها ، وأَنه ليسَ معه إلّا مثْلُ هُدْبَةِ الثوب! فقالَ - صلى الله عليه وسلم - : *لا ، حَتّى تَذوقي عُسَيْلَتَه ويَذوقَ عُسَيْلَتَك ".
ومعنى الحديثِ أَنَّ رفاعةَ القرظيَّ طَلَّقَ امرأَتَه ثَلاثَ تَطليقات ، وبذلك
حَرُمَتْ عليه ، فتزوَّجَتْ رَجُلاً اَخر - هو عبدُ الرحمن بنُ الزبيرِ في بعضِ الروايات -
وكان مُصاباً بالعَجْز الجِنْسِيّ ، وذَكَرُهُ مُتَراخٍ كقطعةِ القِماش ، فلم يُعاشِرْها ، فأَرادَتْ أَنْ تَعودَ لزوجها الأَوَّل ، وأخبرتْ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فمنعَ ذلك إِلّا بَعْدَ أَنْ يُعاشِرَها زوجُها الثاني ، وعَبَّرَ عن الجِماعِ بذَوْقِ العُسَيْلَة.
ودَلَّ هذا على اشتراطِ جِماعِ الزوجِ الثاني لها ، حتى تَعودَ إِلى زَوْجِها الأَوَّل : *حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ*.
واعترضَ الفادي على الحُكْمِ الذي تُقَرّرُه الآية.
قال : " وكثيراً ما تكونُ امرأةٌ ، لها زَوْجٌ عظيم ، وأَولادٌ وبنات ، هم سادَةُ مجتمعهم ، وفي حالةِ غَضَبٍ يُطَلِّقُها زوجُها ، ثم يَنْدَمُ على ما فَعَلَ ، فإِذا الشرعُ القرآنى يُلْزِمُ هذه السيدةَ أَنْ تُجامعَ غيرَ زوجِها قبلَ أَنْ تَعودَ إِليه ! ".
إِنَّ الفادي يَرفضُ الطلاقَ ويُحارِبُه ويُنكرهُ ، ويُخَظَئُ القرآنَ لأَنه أَباحَه ، وهو يَعتبرُ زواجَ المرأةِ المطَلَّقَةِ بزوجٍ آخَرَ جَريمة.
وانظرْ إلى عبارتِه البذيئةِ الوقحة ، التي يعتبرُ فيها الزواجَ الثانيَ لها زِنى ، ويَعتبرُ زوجَها الثاني زانياً ، وهي زانية ، ويَعتبرُ القرآنَ داعياً إِلى الزنى! " فإِذا الشرعُ القرآنيُّ يُلزِمُ هذه السيدةَ أَنْ تُجامِعَ غيرَ زوجِها قبلَ أَنْ تَعودَ إِليه! ".
اللّهُ يَقولُ : *فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ* ، والنِّكاحُ هو عقْدُ الزواج ، وما يَترتَّبُ عليه من جِماعٍ ومعاشرةٍ زوجيَّة ، فلا بُدَّ لزوجِها الثاني من أَنْ يُجامعَها حتى تَعودَ لزوجها الأَوَّل ، كما صَرَّحَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - لامرأةِ رِفاعَة.
وحَرَّفَ الفادي المحَرّفُ المجرمُ الجملة القرآنية إلى قوله : " يُلزم القرآن هذه السيدةَ أَنْ تُجامِعَ غيرَ زوجها " ! فهو يَعتبرُ إِتيانَ الرجلِ الثاني لها مُجَرَّدَ جِماع ، والجِماعُ بدونِ زَواجٍ هو الزّنَى بعينِه!! فالقرآنُ في نَظَرِ الفادي الفاجرِ يَدْعو إِلى الزنى والفجور!!.
واللّهُ حكيمٌ في تشريعِه الطَّلاق ، وفي تحديدِ الأَحكامِ المترتبةِ على كُلّ طَلْقَة ، وحُكْمُه صحيحٌ وصَوابٌ في تحريمِ الزوجةِ على زوجِها بعدَ الطلقةِ الثالثة ، وبَعْدَما تنتهي عِدَّتُها منه تكونُ هي بالخَيار ، فإنْ تَقَدَّمَ لها رَجلٌ اَخرُ جازَ أَنْ تتزوَّجَه ، ولا بُدَّ أَنْ ينكحَها ويُعاشِرَها ويُجامعَها ، وغالباً قد لا يُطَلّقُها ، فإِنْ بَدا له أَنْ يُطَلِّقَها ، فإِنه يَجوزُ أَنْ يَتزوَّجَها زوجُها الأَوَّل ، بعد انقضاءِ عِدَّتِها من زواجِها الثاني! وليس في هذه الأَحكامِ القرآنيةِ عيبٌ أَو ذَمٌّ أَو خَطَأٌ واعتراض!!.
***
حول شهادة المرأة وضربها وميراثها
اعترضَ الفادي على القرآنِ في حديثِه عن المرأة ، من حيثُ شهادتُها وميراثُها وإِباحةُ ضَرْبِها ، وجَعَلَ عنوانَ اعتراضِه : " هَضْمُ حقوقِ المرأةِ في المعاملةِ الزوجيةِ والشهادةِ والميراث ".
قالَ عن إِباحةِ ضَرْبِ المرأةِ في القرآن : " جاء في سورةِ النساء : *وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا *34*.
فلماذا يُقَنّنُ القرآنُ للرجلِ أَنْ يَضْرِبَ زوجَتَه ؟! ".
يَرفضُ الفادي إِباحةَ ضربِ المرأة ، ويعتبرُ هذا الضربَ اعتداءً عليها ، ويُخَطّى القرآنَ في ذلك!!.
إِنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن وسائلَ ناجعةٍ لعِلاجِ المرأة ، عند ظهورِ بداياتِ النشوزِ والتمردِ عندها ، وقبلَ أَنْ يَستفحلَ النُّشوزُ عندَها ، وتُعلنَ تَمَرُّدَها.
وهذا لا يُصيبُ كُلَّ الزوجاتِ ، إِنما يُصيبُ بَعْضَهن ، ومعظمُ الزوجاتِ المسلمات ملتزماتٌ بأَحكامِ الشرع ، تَعرِفُ الواحدةُ منهنَّ واجِبَها فتؤَدّيه ، وتَعرفُ حَقَّهَا على زوجِها فتأْخُذُه ، فالآيةُ لا تضعُ تشريعاً لكلِّ الزوجات ، وإِنما للنسبةِ القليلةِ الناشزةِ منهن!.
وتُرشدُ الآيةُ زوْجَ الناشزِ إِلى اتخاذِ ثَلاثِ خُطواتٍ مُتدرجة ، فإِنْ تَمَّ العِلاجُ في الأُولى فَبِهَا ونعْمَتْ ، وإِلّا انتقلَ للثانية ، والثالثةُ آخِرُ الخَيارات :
*فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ*.
الخطوةُ الأُولى : وَعْظُ الزوجة ، وتَذْكيرُها باللّه ، وتَحذيرُها من عاقبةِ نُشوزِها.
الخطوةُ الثانية : هَجْرُها في المضجَع ، بأَنْ يتوقَّفَ عن معاشرتِها.
الخطوةُ الثالثة : ضربُها تأديباً لها ، وقد يكونُ عندَ بعضِ النساءِ انحرافٌ نفسيٌّ أَو سلوكي ، ولا يُقَوَّمُ هذا الانحرافُ إِلّا بضرْبها ضَرْباً خَفيفاً ، واللّهُ الذي خَلَقَ النساءَ يَعلمُ ذلك من بعضهن ، فشرعَ ضَرْبَها الخَفيفَ لتقويمِ ذلك الانحراف.
وعندَ الاضطرارِ إِلى اللجوءِ إِلى الخطوةِ الثالثةِ فإِنَّ الإِسلامَ يَدْعو الزوجَ إِلى أَنْ يكونَ الضَّرْبُ خَفيفاً غيْرَ مُبَرِّح ، وأَنْ لا يتركَ آثاراً على الوْجهِ أَو البَدَن وأَن لا يكون أمامَ الآخَرين ، وأَنْ لا يَقترنَ بالسَّبِّ والشتْمِ والذَّمِّ والتقبيح ، وأَنْ لا يَكونَ دائماً مُتَواصِلاً ، وإِنما في حالات استثنائيةٍ نادرة!.
وقالَ الفادي في اعتراضِه على حديثِ القرآنِ في شهادةِ المرأة : " وجاءَ في سورةِ البقرة : *وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى*.
فلماذا تكونُ شهادةُ امرأَتَيْن بشهادةِ رجلِ واحد ، مع أَنها في أَحيانٍ كثيرةٍ قد تَفوقُ رَجُلَها في العقلِ والثقافةِ والشخصيةِ " *1*.
ليست الشهادةُ في الآيةِ مُطْلَقَة ، وِإنما هي شهادَةٌ مُقَيَّدَة ، متعلقة بموضوع الآيَة ، وهو الكلامُ على " الدَّيْنِ " وكيفيةِ كتابتِه وإِقرارِه والشهادةِ عليه.
وَوَجَّهَ القرآنُ المسلمينَ إِلى الإِشهادِ على الدَّيْنِ بشاهدَيْن رجلَيْن ، فإِنْ لم يَجِدوا رجلَيْن ، فيمكنُ أَنْ يستشهدوا برجُلٍ وامرأَتَيْن.
- لماذا شهادةُ امرأتَيْن مقابلَ الرجل ؟
الجوابُ في الآية : *أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى*.
أَيْ أَنَّ المرأتَيْن تَتَعاونانِ وتَتَكاملانِ في الشهادة ، فإِنْ ضلَّتْ إحْدى المرأتَيْن تَفاصيلَ القضيةِ الماليةِ المرفوعة ، ذَكَّرَتْها صاحبتُها بتلك التفاصيل ، وكُلّ واحدةٍ معرضة للضَّلالِ والنسيان ، فتُذَكِّرُها الأُخرى بما نسيَتْه!.
ولا يَعني شهادةُ المرأتَيْن بشهادةِ رجلٍ اتّهامَ المرأةِ في عَقْلِها وشخصيتِها ، كما فهمَ الفادي خطأً ، فللمرأةِ عَقْلُها وتفكيرُها وحفْظُها ، وقد تفوقُ الرجلَ في ذلك!.
إِنَّ المسألةَ مالية ، تتعلَّقُ بتفاصيلِ الدَّيْنِ وملابساتِه وكتابتِه وإِجراءاتِه ، وهذه أُمورٌ لا تَعني النساءَ غالِباً ، ولا تَلفتُ انتباهَهُنّ ، ولو اكْتُفِيَ بشهادةِ امرأةٍ
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :

131- أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل
الرد على الشبهة :
أما الشبهة الثانية والزائفة التى تثار حول موقف الإسلام من شهادة المرأة.. التى يقول مثيروها : إن الإسلام قد جعل المرأة نصف إنسان ، وذلك عندما جعل شهادتها نصف شهادة الرجل ، مستدلين على ذلك بآية سورة البقرة : *يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً فإن كان الذى عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دُعُوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شىء عليم* *1*.
ومصدر الشبهة التى حسب مثيروها أن الإسلام قد انتقص من أهلية المرأة ، بجعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل : [ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ] هو الخلط بين " الشهادة " وبين " الإشهاد " الذى تتحدث عنه هذه الآية الكريمة.. فالشهادة التى يعتمد عليها القضاء فى اكتشاف العدل المؤسس على البينة ، واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم ، لا تتخذ من الذكورة أو الأنوثة معيارًا لصدقها أو كذبها ، ومن ثم قبولها أو رفضها.. وإنما معيارها تحقق اطمئنان القاضى لصدق الشهادة بصرف النظرعن جنس الشاهد ، ذكرًا كان أو أنثى ، وبصرف النظر عن عدد الشهود.. فالقاضى إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البينة أن يعتمد شهادة رجلين ، أو امرأتين ، أو رجل وامرأة ، أو رجل وامرأتين ، أو امرأة ورجلين ، أو رجل واحد أو امرأة واحدة.. ولا أثر للذكورة أو الأنوثة فى الشهادة التى يحكم القضاء بناءً على ما تقدمه له من البينات..
أما آية سورة البقرة ، والتى قالت : [ واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى] فإنها تتحدث عن أمر آخر غير" الشهادة " أمام القضاء.. تتحدث عن " الإشهاد " الذى يقوم به صاحب الدين للاستيثاق من الحفاظ على دَيْنه ، وليس عن " الشهادة " التى يعتمد عليها القاضى فى حكمه بين المتنازعين.. فهى - الآية - موجهة لصاحب الحق الدَّيْن وليس إلى القاضى الحاكم فى النزاع.. بل إن هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق دَيْن ولا تشترط ما اشترطت من مستويات الإشهاد وعدد الشهود فى كل حالات الدَّيْن.. وإنما توجهت بالنصح والإرشاد فقط النصح والإرشاد إلى دائن خاص ، وفى حالات خاصة من الديون ، لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية.. فهو دين إلى أجل مسمى.. ولابد من كتابته.. ولابد من عدالة الكاتب. ويحرم امتناع الكاتب عن الكتابة..ولابد من إملاء الذى عليه الحق.. وإن لم يستطع فليملل وليه بالعدل.. والإشهاد لا بد أن يكون من رجلين من المؤمنين.. أو رجل وامرأتين من المؤمنين.. وأن يكون الشهود ممن ترضى عنهم الجماعة.. ولا يصح امتناع الشهود عن الشهادة.. وليست هذه الشروط بمطلوبة فى التجارة الحاضرة.. ولا فى المبايعات..
ثم إن الآية ترى فى هذا المستوى من الإشهاد الوضع الأقسط والأقوم.. وذلك لا ينفى المستوى الأدنى من القسط..
ولقد فقه هذه الحقيقة حقيقة أن هذه الآية إنما تتحدث عن " الإشهاد" فى دَيْن خاص ، وليس عن الشهادة.. وإنها نصيحةوإرشاد لصاحب الدَّيْن ذى المواصفات والملابسات الخاصة وليست تشريعاً موجهاً إلى القاضى الحاكم فى المنازعات.. فقه ذلك العلماء المجتهدون..
ومن هؤلاء العلماء الفقهاء الذين فقهوا هذه الحقيقة ، وفصّلوا القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية [661728 هجرية /1263 1328] وتلميذه العلامة ابن القيم [691751 هجرية / 1292 1350م ] من القدماء والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده [ 12651323 هجرية ] والإمام الشيخ محمود شلتوت [13101383 هجرية /18931963م] من المحدثين والمعاصرين فقال ابن تيمية فيما يرويه عنه ويؤكد عليه ابن القيم :
قال عن " البينة " التى يحكم القاضى بناء عليها.. والتى وضع قاعدتها الشرعية والفقهية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البينة على المدعى ، واليمين على المدعى عليه " رواه البخارى والترمذى وابن ماجه :
" إن البينة فى الشرع ، اسم لما يبيّن الحق ويظهره ، وهى تارة تكون أربعة شهود ، وتارة ثلاثة ، بالنص فى بينة المفلس ، وتارة شاهدين ، وشاهد واحد ، وامرأة واحدة ، وتكون نُكولاً *2* ، ويمينًا، أو خمسين يميناً أو أربعة أيمان ، وتكون شاهد الحال.
فقوله صلى الله عليه وسلم : " البينة على المدعى " ، أى عليه أن يظهر ما يبيّن صحة دعواه ، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكِم له.. " *3* فكما تقوم البينة بشهادة الرجل الواحد أو أكثر ، تقوم بشهادة المرأة الواحدة ، أو أكثر، وفق معيار البينة التى يطمئن إليها ضمير الحاكم - القاضى -..
ولقد فصّل ابن تيمية القول فى التمييز بين طرق حفظ الحقوق ، التى أرشدت إليها ونصحت بها آية الإشهاد - الآية 282 من سورة البقرة وهى الموجهة إلى صاحب " الحق الدَّين " وبين طرق البينة ، التى يحكم الحاكم القاضى بناء عليها.. وأورد ابن القيم تفصيل ابن تيمية هذا تحت عنوان [ الطرق التى يحفظ بها الإنسان حقه ].. فقال :
" إن القرآن لم يذكر الشاهدين ، والرجل والمرأتين فى طرق الحكم التى يحكم بها الحاكم ، وإنما ذكر النوعين من البينات فى الطرق التى يحفظ بها الإنسان حقه ، فقال تعالى : *يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً فإن كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء * *4*.. فأمرهم ، سبحانه ، بحفظ حقوقهم بالكتاب *5* ، وأمر من عليه الحق أن يملى الكاتب ، فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه أملى عنه وليه ، ثم أمر من له الحق أن يستشهد على حقه رجلين ، فإن لم يجد فرجل وامرأتان ، ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن إقامتها إذا طُلبوا لذلك ، ثم رخّص لهم فى التجارة الحاضرة ألا يكتبوها ، ثم أمرهم بالإشهاد عند التبايع ، ثم أمرهم إذا كانوا على سفر ولم يجدوا كاتباً ، أن يستوثقوا بالرهان المقبوضة.
كل هذا نصيحة لهم ، وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم ، وما تحفظ به الحقوق شئ وما يحكم به الحاكم [ القاضى ] شئ ، فإن طرق الحكم أوسع من الشاهد والمرأتين ، فإن الحاكم يحكم بالنكول ، واليمين المردودة ولا ذكر لهما فى القرآن وأيضاً : فإن الحاكم يحكم بالقرعة بكتاب الله وسنة رسوله الصريحة الصحيحة.. ويحكم بالقافة *6* بالسنة الصريحة الصحيحة التى لا معارض لها ويحكم بالقامة *7* بالسنة الصحيحة الصريحة ، ويحكم بشاهد الحال إذا تداعى الزوجان أو الصانعان متاع البيت والدكان ، ويحكم ، عند من أنكر الحكم بالشاهد واليمين بوجود الآجر فى الحائط ، فيجعله للمدعى إذا كان جهته وهذا كله ليس فى القرآن ، ولا حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من أصحابه..
فإن قيل : فظاهر القرآن يدل على أن الشاهد والمرأتين بدلٌ عن الشاهدين ، وأنه لا يُقْضَى بهما إلا عند عدم الشاهدين.
قيل : القرآن لا يدل على ذلك ، فإن هذا أمر لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم ، فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق ، فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها.. وهو سبحانه لم يذكر ما يحكم به الحاكم ، وإنما أرشدنا إلى ما يحفظ به الحق ، وطرق الحكم أوسع من الطرق التى تُحفظ بها الحقوق " *8*..
وبعد إيراد ابن القيم لهذه النصوص نقلاً عن شيخه وشيخ الإسلام ابن تيمية علق عليها ، مؤكداً إياها ، فقال : " قلت [ أى ابن القيم ] : وليس فى القرآن ما يقتضى أنه لا يُحْكَم إلا بشاهدين ،أو شاهد وامرأتين ، فإن الله سبحانه إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النِّصاب ، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به ، فضلاً عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك. ولهذا يحكم الحاكم بالنكول ، واليمين المردودة ، والمرأة الواحدة ، والنساء المنفردات لا رجل معهن ، وبمعاقد القُمُط *9* ، ووجوه الآجرّ ، وغير ذلك من طرق الحكم التى تُذكر فى القرآن..فطرق الحكم شئ ، وطرق حفظ الحقوق شئ آخر ، وليس بينهما تلازم ، فتُحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به حقه ، ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه ، ولا خطر على باله.. " *10*.
فطرق الإشهاد ، فى آية سورة البقرة التى تجعل شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد هى نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّين ذى الطبيعة الخاصة -.. وليست التشريع الموجه إلى الحاكم القاضى والجامع لطرق الشهادات والبينات.. وهى أيضاً خاصة بدَيْن له مواصفاته وملابساته ، وليست التشريع العام فى البينات التى تُظهر العدل فيحكم به القضاة..
* وبعد هذا الضبط والتمييز والتحديد.. أخذ ابن تيمية يعدد حالات البينات والشهادات التى يجوز للقاضى الحاكم الحكم بناء عليها.. فقال : " إنه يجوز للحاكم - [ القاضى ] - الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه فى غير الحدود ، ولم يوجب الله على الحاكم ألا يحكم إلا بشاهدين أصلاً ، وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين ، أو بشاهد وامرأتين ، وهذا لا يدل علىأن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك ، بل قد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالشاهد واليمين ، وبالشاهد فقط ، وليس ذلك مخالفاً لكتاب الله عند من فهمه ، ولا بين حكم الله وحكم رسوله خلاف.. وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابى وحده على رؤية هلال رمضان ، وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخباراً ، لا شهادة ، أمر لفظى لا يقدح فى الاستدلال ، ولفظ الحديث يردّ قوله ، وأجاز صلى الله عليه وسلم شهادة الشاهد الواحد فى قضية السَّلَب *11* ، ولم يطالب القاتل بشاهد آخر ، واستحلفه ، وهذه القصة [وروايتها فى الصحيحين] صريحة فى ذلك.. وقد صرح الأصحاب : أنه تُقبل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة ، وهو الذى نقله الخِرَقى [334 هجرية 945م ] فى مختصره ،فقال : وتِقبل شهادة الطبيب العدل فى الموضحة *12* إذا لم يقدر على طبيبين ، وكذلك البيطار فى داء الدابة.." *13*.
* وكما تجوز شهادة الرجل الواحد فى غير الحدود.. وكما تجوز شهادة الرجال وحدهم في الحدود ، تجوز عند البعض شهادة النساء وحدهن فى الحدود.. وعن ذلك يقول ابن تيمية ، فيما نقله ابن القيم : " وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة المرأة الواحدة فى الرضاع ، وقد شهدت على فعل نفسها ، ففى الصحيحين عن عقبة ابن الحارث : " أنه تزوج أم يحيى بنت أبى إهاب ، فجاءت أَمَةٌ سوداء ، فقالت : قد أرضعتكما. فذكرتُ ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم ، فأعرض عنى ، قال : فتنحيتُ فذكرتُ ذلك له ، قال : فكيف ؟ وقد زعمتْ أنْ قد أرضعتكما ! ".
وقد نص أحمد على ذلك فى رواية بكر بن محمد عن أبيه ، قال : فى المرأة تشهد على مالا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبى *14*، وفى الحمّام يدخله النساء ، فتكون بينهن جراحات.
وقال إسحاق بن منصور : قلتُ لأحمد فى شهادة الاستدلال : " تجوز شهادة امرأة واحدة فى الحيض والعدة والسقط والحمّام ، وكل مالا يطلع عليه إلا النساء ".
فقال : "تجوز شهادة امرأة إذا كانت ثقة ، ويجوز القضاء بشهادة النساء منفردات فى غير الحدود والقصاص عند جماعة من الخَلَف والسلف ". وعن عطاء [27-114 هجرية /647 732م ] أنه أجاز شهادة النساء فى النكاح. وعن شريح [78 هجرية / 697م ] أنه أجاز شهادة النساء فى الطلاق. وقال بعض الناس : تجوز شهادة النساء فى الحدود. وقال مهنا : قال لى أحمد بن حنبل : قال أبو حنيفة : تجوز شهادة القابلة وحدها ، وإن كانت يهودية أو نصرانية.." *15*.
ذلك أن العبرة هنا فى الشهادة إنما هى الخبرة والعدالة ، وليست العبرة بجنس الشاهد ذكراً كان أو أنثى ففى مهن مثل الطب.. والبيطرة.. والترجمة أمام القاضى.. تكون العبرة "بمعرفة أهل الخبرة " *16*.
* بل لقد ذكر ابن تيمية فى حديثه عن الإشهاد الذى تحدثت عنه آية سورة البقرة أن نسيان المرأة ، ومن ثم حاجتها إلى أخرى تذكرها *أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى*ليس طبعًا ولا جبلة فى كل النساء ، وليس حتمًا فى كل أنواع الشهادات.. وإنما هو أمر له علاقة بالخبرة والمران ، أى أنه مما يلحقه التطور والتغيير.. وحكى ذلك عنه ابن القيم فقال :
" قال شيخنا ابن تيمية ، رحمه الله تعالى : قوله تعالى : : *فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى*فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل واحد إنما هو لإذكار إحداهما للأخرى ، إذا ضلت ، وهذا إنما يكون فيما فيه الضلال فى العادة ، وهو النسيان وعدم الضبط.. فما كان من الشهادات لا يُخافُ فيه الضلال فى العادة لم تكن فيه على نصف الرجل.." *17*.
فحتى فى الإشهاد ، يجوز لصاحب الدَّيْن أن يحفظ دَينه وفق نصيحة وإرشاد آية سورة البقرة بإشهاد رجل وامرأة ، أو امرأتين ، وذلك عند توافر الخبرة للمرأة فى موضوع الإشهاد.. فهى فى هذا الإشهاد ليست شهادتها دائماً على النصف من شهادة الرجل..
ولقد كرر ابن القيم وأكد هذا الذى أشرنا إلى طرف منه ، فى غير كتابه [ الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ] فقال فى كتابه " إعلام الموقعين عند رب العالمين" أثناء حديثه عن " البينة " وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البينة على المدعى واليمين على من أنكر " خلال شرحه لخطاب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى [ 21ق هجرية 44 هجرية 602- 665م ] فى قواعد القضاء وآدابه - قال : " إن البينة فى كلام الله ورسوله ، وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق.. ولم يختص لفظ البينة بالشاهدين.. وقال الله فى آية الدَّيْن : *واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان *فهذا فى التَّحمل والوثيقة التى يحفظ بها صاحب المال حقه ، لا فى طرق الحكم وما يحكم به الحاكم ، فإن هذا شئ وهذا شئ ، فذكر سبحانه ما يحفظ به الحقوق من الشهود ، ولم يذكر أن الحكام لا يحكمون إلا بذلك.. فإن طرق الحكم أعم من طرق حفظ الحقوق.. وقال سبحانه : *ممن ترضون من الشهداء *لأن صاحب الحق هو الذى يحفظ ماله بمن يرضاه.. ".
وعلل ابن تيمية حكمة كون شهادة المرأتين فى هذه الحالة تعدلان شهادة الرجل الواحد ، بأن المرأة ليست مما يتحمل عادة مجالس وأنواع هذه المعاملات.. لكن إذا تطورت خبراتها وممارساتها وعاداتها ، كانت شهادتها حتى فى الإشهاد على حفظ الحقوق والديون مساوية لشهادة الرجل.. فقال :
" ولا ريب أن هذه الحكمة فى التعدد هى فى التحمل ، فأما إذا عقلت المرأة ، وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها فإن المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات ، ولهذا تُقبل شهادتها وحدها فى مواضع ، ويُحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب فى أصح القولين ، وهو قول مالك [ 93-179 هجرية 712-795م ] وأحد الوجهين فى مذهب أحمد.. "
والمقصود أن الشارع لم يَقِف الحكم فى حفظ الحقوق البتة على شهادة ذكرين ، لا فى الدماء ولا فى الأموال ولا فى الفروج ولا فى الحدود.. وسر المسألة ألا يلزم من الأمر بالتعدد فى جانب التحمل وحفظ الحقوق الأمر بالتعدد فى جانب الحكم والثبوت ، فالخبر الصادق لا تأتى الشريعة برده أبداً.
وهذا الذى قاله ابن تيمية وابن القيم فى حديثهما عن آية سورة البقرة هو الذى ذكره الإمام محمد عبده ، عندما أرجع تميز شهادة الرجال على هذا الحق الذى تحدثت عنه الآية على شهادة النساء ، إلى كون النساء فى ذلك التاريخ كن بعيدات عن حضور مجالس التجارات ، ومن ثم بعيدات عن تحصيل التحمل والخبرات فى هذه الميادين.. وهو واقع تاريخى خاضع للتطور والتغير ، وليس طبيعة ولا جبلة فى جنس النساء على مر العصور.. ولو عاش الإمام محمد عبده إلى زمننا هذا ، الذى زخر ويزخر بالمتخصصات فى المحاسبة والاقتصاد وإدارة الأعمال ، وب " سيدات الأعمال " اللائى ينافسن " رجال الأعمال " لأفاض وتوسع فيما قال ، ومع ذلك ، فحسبه أنه قد تحدث قبل قرن من الزمان فى تفسيره لآية سورة البقرة هذه رافضاً أن يكون نسيان المرأة جبلة فيها وعامًّا فى كل موضوعات الشهادات ، فقال :
" تكلم المفسرون فى هذا ، وجعلوا سببه المزاج ، فقالوا : إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان ، وهذا غير متحقق ، والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات ، فلذلك تكون ذاكرتها ضعيفة ،ولا تكون كذلك فى الأمور المنزلية التى هى شغلها ، فإنها أقوى ذاكرة من الرجل ، يعنى أن من طبع البشر ذكراناً وإناثاً أن يقوى تذكرهم للأمور التى تهمهم ويكثر اشتغالهم بها " *18*.
ولقد سار الشيخ محمود شلتوت الذى استوعب اجتهادات ابن تيمية وابن القيم ومحمد عبده مع هذا الطريق ، مضيفاً إلى هذه الاجتهادات علماً آخر عندما لفت النظر إلى تساوى شهادة الرجل فى " اللعان ".. فكتب يقول عن شهادة المرأة وكيف أنها دليل على كمال أهليتها ، وذلك على العكس من الفكر المغلوط الذى يحسب موقف الإسلام من هذه القضية انتقاصًا من إنسانيتها.. كتب يقول :
إن قول الله سبحانه وتعالى : *فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان *ليس وارداً فى مقام الشهادة التى يقضى بها القاضى ويحكم ، وإنما هو فى مقام الإرشاد إلى طرق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل*يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولايأب كاتب أن يكتب كما علمه الله *إلى أن قال : *واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى * *19*.
فالمقام مقام استيثاق على الحقوق ، لا مقام قضاء بها. والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذى تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقهم.
وليس معنى هذا أن شهادة المرأة الواحدة أو شهادة النساء اللاتى ليس معهن رجل ، لايثبت بها الحق ، ولا يحكم بها القاضى ، فإن أقصى ما يطلبه القضاء هو " البينة ".
وقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة فى الشرع أعم من الشهادة ، وأن كل ما يتبين به الحق ويظهره ، هو بينة يقضى بها القاضى ويحكم. ومن ذلك : يحكم القاضى بالقرائن القطعية ، ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها.
واعتبار المرأتين فى الاستيثاق كالرجل الواحد ليس لضعف عقلها ، الذى يتبع نقص إنسانيتها ويكون أثراً له ، وإنما هو لأن المرأة كما قال الشيخ محمد عبده " ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات ، ومن هنا تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ، ولا تكون كذلك فى الأمور المنزلية التى هى شغلها ، فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل ، ومن طبع البشر عامة أن يقوى تذكرهم للأمور التى تهمهم ويمارسونها ، ويكثر اشتغالهم بها.
والآية جاءت على ما كان مألوفاً فى شأن المرأة ، ولا يزال أكثر النساء كذلك ، لا يشهدن مجالس المداينات ولا يشتغلن بأسواق المبايعات ، واشتغال بعضهن بذلك لا ينافى هذا الأصل الذى تقضى به طبيعتها فى الحياة.
وإذا كانت الآية ترشد إلى أكمل وجوه الاستيثاق ، وكان المتعاملون فى بيئة يغلب فيها اشتغال النساء بالمبايعات وحضور مجالس المداينات ، كان لهم الحق فى الاستيثاق بالمرأة على نحو الاستيثاق بالرجل متى اطمأنوا إلى تذكرها وعدم نسيانها على نحو تذكر الرجل وعدم نسيانه.
هذا وقد نص الفقهاء على أن من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها ، وهى القضايا التى لم تجر العادة بإطلاع الرجال على موضوعاتها ، كالولادة والبكارة ، وعيوب النساء والقضايا الباطنية.
وعلى أن منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده ، وهى القضايا التى تثير موضوعاتها عاطفة المرأة ولا تقوى على تحملها ، على أنهم قدروا قبول شهادتها فى الدماء إذا تعينت طريقاً لثبوت الحق واطمئنان القاضى إليها. وعلى أن منها ما تقبل شهادتهما معاً.
ومالنا نذهب بعيداً ، وقد نص القرآن على أن المرأة كالرجل سواء بسواء فى شهادات اللعان ، وهو ما شرعه القرآن بين الزوجين حينما يقذف الرجل زوجه وليس له على ما يقول شهود *والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين * *20*.
أربع شهادات من الرجل ، يعقبها استمطار لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، ويقابلها ويبطل عملها ، أربع شهادات من المرأة يعقبها استمطار غضب الله عليها إن كان من الصادقين.. فهذه عدالة الإسلام فى توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة ، وهى عدالة تحقق أنهما فى الإنسانية سواء.. *21*.
هكذا وضحت صفحة الإسلام.. وصفحات الاجتهاد الإسلامى فى قضية مساواة شهادة المرأة وشهادة الرجل ، طالما امتلك الشاهد أو الشاهدة مقومات ومؤهلات وخبرة هذه الشهادة.. لأن الأهلية الإنسانية بالنسبة لكل منهما واحدة ، ونابعة من وحدة الخلق ، والمساواة فى التكاليف ، والتناصر فى المشاركة بحمل الأمانة التى حملها الإنسان ، أمانة استعمار وعمران هذه الحياة.
*وأخيراً وليس آخراً فإن ابن القيم يستدل بالآية القرآنية : *وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً * *22*. على أن المرأة كالرجل فى هذه الشهادة على بلاغ الشريعة ورواية السنة النبوية.. فالمرأة كالرجل فى " رواية الحديث " ، التى هى شهادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وإذا كان ذلك مما أجمعت عليه الأمة ، ومارسته راويات الحديث النبوى جيلاً بعد جيل " والرواية شهادة " فكيف تقبل الشهادة من المرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تقبل على واحد من الناس ؟.. إن المرأة العدل [ بنص عبارة ابن القيم ] كالرجل فى الصدق والأمانة والديانة *23*.
ذلكم هو منطق شريعة الإسلام وكلها منطق وهذا هوعدلها بين النساء والرجال وكلها عدل وكما يقول ابن القيم : " وما أثبت الله ورسوله قط حكماً من الأحكام يُقطع ببطلان سببه حسًّا أو عقلاً ، فحاشا أحكامه سبحانه من ذلك ، فإنه لا أحسن حكمًا منه سبحانه وتعالى ولا أعدل. ولا يحكم حكماً يقول العقل : ليته حكم بخلافه ، بل أحكامه كلها مما يشهد العقل والفِطَر بحسنها ، ووقوعها على أتم الوجوه وأحسنها ، وأنه لا يصلح فى موضعها سواها " *24*.
هذا.. ولقد تعمدنا فى إزالة هذه الشبهة أمران :
أولهما : أن ندع نصوص أئمة الاجتهاد الإسلامى هى التى تبدد غيوم هذه الشبهة ، لا نصوصنا نحن.. وذلك حتى لا ندع سبيلاً لشبهات جديدة فى هذا الموضوع !
وثانيهما : أن تكون هذه النصوص للأئمة المبرزين فى إطار السلف والسلفيين.. وذلك حتى نقطع الطريق على أدعياء السلفية الذين حملوا العادات الراكدة لمجتمعاتهم على دين الإسلام ، فاستبدلوا هذه العادات بشريعة الإسلام !.. وحتى نقطع الطريق كذلك على غلاة العلمانيين والعلمانيات ، الذين استبدلوا البدع الفكرية الوافدة بحقائق وحقيقة الإسلام ، والذين يتحسسون مسدساتهم إذا ذكرت مصطلحات السلفية والسلفيين !..
فإنصاف المرأة ، وكمال واكتمال أهليتها هو موقف الإسلام ، الذى نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين.. وهو موقف كل تيارات الاجتهاد الإسلامى ، على امتداد تاريخ الإسلام. اهـ *شبهات المشككين*
__________
*1* البقرة : 282.
*2* النكول : هو الامتناع عن اليمين.
*3* ابن القيم [ الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ] ص34. تحقيق محمد جميل غازى. طبعة القاهرة سنة 1977م.
*4* سورة البقرة : 282.
*5* أى الكتابة.
*6* القافة : مفردها قائف هو الذى يعرف الآثار آثار الأقدام ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه..
*7* القامة : الأيمان ، تقسم على أهل المحلة الذين وجد المقتول فيهم.
*8* [ الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ]ص 103-105 ، 219،236.
*9* مفردها قمط بكسر القاف وسكون الميم : ما تشد به الإخصاص ومكونات البناء ولبناته.
*10* [ الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ] ص 198.
*11* السَّلب بفتح السين مشددة ، وفتح اللام - : هو متاع القتيل وعدته ، يأخذه قاتله.. وفى الحديث : " من قتل قتيلاً فله سَلَبُهُ ".
*12* الموضحة : هى الجراحات التى هى دون قتل النفس.
*13* [ الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ] ص 98 ، 113 ، 123.
*14* استهلال الصبى : هو أن يحدث منه ما يدل على حياته ساعة الولادة من رفع صوت أو حركة عضو أو عين ، وهو شرط لتمتعه بحقوق الأحياء.
*15* [الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ] ص 115-117.
*16* المصدر السابق. ص 188 ، 193.
*17* [ إعلام الموقعين عن رب العالمين ] ج1 ص 90-92، 94-95 ،103،104. طبعة بيروت سنة 1973م.
*18* [ الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ] ج4 ص732. دراسة وتحقيق : د. محمد عمارة. طبعة القاهرة سنة 1993م.
*19* البقرة : 282.
*20* النور : 69.
*21* [ الإسلام عقيدة وشريعة ] ص 239- 241. طبعة القاهرة سنة 1400 هجرية سنة 1980م.
*22* البقرة : 143.
*23* [ الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ] ص236، 244.
*24* المصدر السابق ، ص329.
واحدةٍ في هذا الموضوعِ المالي فقد تَنْسى كثيراً من التفاصيل ، وبذلك قد تُضَيِّعُ حَقَّ الرجل ، ولذلك اشترطَ القرآنُ اجتماعَ امرأتَيْن للشهادة ، بحيتُ تُذَكِّرُ كُلّ واحدةٍ الأُخْرى ، وبذلك تُؤَدَّى الشهادةُ على وجْهِها ، ولا تَضيعُ الحقوق.
أَما الرجالُ فإِنَّ التفصيلاتِ الماليةَ تَعْنيهم غالباً ؛ لأَنها تَتفقُ مع مهمتِها التي خَلَقَهم اللّهُ لها ، ولذلك يَحفظونَها ويَعرضونَها بدِقَّة!.
وقالَ الفادي في اعتراضِه على القرآنِ بشأنِ نصيبِ المرأةِ من الميراث :
" وجاءَ في سورةِ النساءِ : *يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ* ، فلماذا يُعطي المرأةَ نصْفَ نَصيبِ الرجل ، مع أَنَّ الحياةَ تَقْسو على المرأةِ أَحْياناً أَكثر من قسوتِها على الرجُل ؟
إِنَّ القسمةَ *لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ* من أَصلِ الجاهلية ، جاءَ في كتابِ بُلوغ الأَرب : وأَوَّلُ منْ قَسَمَ للرجلِ مثلَ حَظّ الأُنثييْن عامرُ بنُ جَهْم الجُهَني ".
الزعمُ بأَنَّ إِعطاءَ الرجُل مثلَ حَظِّ الأُنثيَيْنِ تَشريعٌ جاهِليٌّ زَعْمٌ باطِلٌ مردود ، رَدَّدَهُ الفادي الجاهلُ ، ونَسبَهُ إِلى كتابٍ غيرِ مُوثَّق! إِنهُ تَشريعٌ إِسلاميٌّ قرآني ، وَرَدَ النَّصُّ عليه في القرآن.
وليس فيه هَضْمٌ لحقوقِ المرأَةِ كما ادَّعى الفادي ، وإنما هو يتفقُ مع طبيعةِ المرأة ومهمَّتها ووظيفتِها في الحياة.
فالإِسلامُ قد كَرَّمَ المرأةَ وصانَها واحترمَها ، ومَنَحَها شخصيَّتَها الماليةَ المستقلة ، وأَباحَ لها جمعَ الأَموال وتملُّكَها ، في الوقتِ الذي لم يوجِبْ عليها إنفاقَ شيءٍ من أَموالِها على الأُسرة.
جعلَ الإِسلامُ الإِنفادق على الرجلِ في البيت ، سواء كانَ أَباً أَو زوجاً أَو أَخا أَو ابناً ، ولو كانت النساءُ في البيت يمتلكْنَ الأَموالَ فإِنَّه لا يَجبُ عليهنَ إِنفاقُ شيءٍ من أَموالِهن ، وعلى الرجلِ أَنْ يُرَتِّبَ أَمْرَه ويُنفقَ ولو بالاستدانة.
ولذلك ناسبَ أَنْ يُعطى الرجلُ المأمورُ بالإِنفاق مثلَ حَظِّ الأُنثيَيْنِ ، اللتَيْن لا يجبُ عليهما إِنفاقُ شيء.
وسبحان اللّهِ الحكيم في خلْقِه وفعلِه وتشريعِه! *1*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
130- أن ميراث الأنثى نصف ميراث الذكر
الرد على الشبهة :
صحيح وحق أن آيات الميراث فى القرآن الكريم قد جاء فيها قول الله سبحانه وتعالى : *للذكر مثل حظ الأنثيين* *1* ؛ لكن كثيرين من الذين يثيرون الشبهات حول أهلية المرأة فى الإسلام ، متخذين من التمايز فى الميراث سبيلاً إلى ذلك لا يفقهون أن توريث المرأة على النصف من الرجل ليس موقفًا عامًا ولا قاعدة مطّردة فى توريث الإسلام لكل الذكور وكل الإناث. فالقرآن الكريم لم يقل : يوصيكم الله فى المواريث والوارثين للذكر مثل حظ الأنثيين.. إنما قال : *يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين*.. أى أن هذا التمييز ليس قاعدة مطّردة فى كل حالات الميراث ، وإنما هو فى حالات خاصة ، بل ومحدودة من بين حالات الميراث.
بل إن الفقه الحقيقى لفلسفة الإسلام فى الميراث تكشف عن أن التمايز فى أنصبة الوارثين والوارثات لا يرجع إلى معيار الذكورة والأنوثة.. وإنما لهذه الفلسفة الإسلامية فى التوريث حِكَم إلهية ومقاصد ربانية قد خفيت عن الذين جعلوا التفاوت بين الذكور والإناث فى بعض مسائل الميراث وحالاته شبهة على كمال أهلية المرأة فى الإسلام. وذلك أن التفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات فى فلسفة الميراث الإسلامى - إنما تحكمه ثلاثة معايير :
أولها : درجة القرابة بين الوارث ذكرًا كان أو أنثى وبين المُوَرَّث المتوفَّى فكلما اقتربت الصلة.. زاد النصيب فى الميراث.. وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب فى الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين..
وثانيها : موقع الجيل الوارث من التتابع الزمنى للأجيال.. فالأجيال التى تستقبل الحياة ، وتستعد لتحمل أعبائها ، عادة يكون نصيبها فى الميراث أكبر من نصيب الأجيال التى تستدبر الحياة. وتتخفف من أعبائها ، بل وتصبح أعباؤها - عادة - مفروضة على غيرها ، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات.. فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه - وكلتاهما أنثى - .. وترث البنت أكثر من الأب ! - حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها.. وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التى للابن ، والتى تنفرد البنت بنصفها ! - .. وكذلك يرث الابن أكثر من الأب - وكلاهما من الذكور..
وفى هذا المعيار من معايير فلسفة الميراث فى الإسلام حِكَم إلهية بالغة ومقاصد ربانية سامية تخفى على الكثيرين !..
وهى معايير لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة على الإطلاق..
وثالثها : العبء المالى الذى يوجب الشرع الإسلامى على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين.. وهذا هو المعيار الوحيد الذى يثمر تفاوتاً بين الذكر والأنثى.. لكنه تفاوت لا يفضى إلى أى ظلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها.. بل ربما كان العكس هو الصحيح !..
ففى حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون فى درجة القرابة.. واتفقوا وتساووا فى موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال - مثل أولاد المتوفَّى ، ذكوراً وإناثاً - يكون تفاوت العبء المالى هو السبب فى التفاوت فى أنصبة الميراث.. ولذلك ، لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى فى عموم الوارثين ، وإنما حصره فى هذه الحالة بالذات ، فقالت الآية القرآنية : *يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين*.. ولم تقل : يوصيكم الله فى عموم الوارثين.. والحكمة فى هذا التفاوت ، فى هذه الحالة بالذات ، هى أن الذكر هنا مكلف بإعالة أنثى - هى زوجه - مع أولادهما.. بينما الأنثى الوارثة أخت الذكر - إعالتها ، مع أولادها ، فريضة على الذكر المقترن بها.. فهى - مع هذا النقص فى ميراثها بالنسبة لأخيها ، الذى ورث ضعف ميراثها ، أكثر حظًّا وامتيازاً منه فى الميراث.. فميراثها - مع إعفائها من الإنفاق الواجب - هو ذمة مالية خالصة ومدخرة ، لجبر الاستضعاف الأنثوى ، ولتأمين حياتها ضد المخاطر والتقلبات.. وتلك حكمة إلهية قد تخفى على الكثيرين..
وإذا كانت هذه الفلسفة الإسلامية فى تفاوت أنصبة الوارثين والوارثات وهى التى يغفل عنها طرفا الغلو ، الدينى واللادينى ، الذين يحسبون هذا التفاوت الجزئى شبهة تلحق بأهلية المرأة فى الإسلام فإن استقراء حالات ومسائل الميراث - كما جاءت فى علم الفرائض *المواريث* - يكشف عن حقيقة قد تذهل الكثيرين عن أفكارهم المسبقة والمغلوطة فى هذا الموضوع.. فهذا الاستقراء لحالات ومسائل الميراث ، يقول لنا :
1 - إن هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل.
2 - وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها المرأة مثل الرجل تماماً.
3 - وهناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.
4 - وهناك حالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال.
أى أن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل ، أو أكثر منه ، أو ترث هى ولا يرث نظيرها من الرجال ، فى مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل.. *2* "!!.
تلك هى ثمرات استقراء حالات ومسائل الميراث فى علم الفرائض *المواريث* ، التى حكمتها المعايير الإسلامية التى حددتها فلسفة الإسلام فى التوريث.. والتى لم تقف عند معيار الذكورة والأنوثة ، كما يحسب الكثيرون من الذين لا يعلمون !..
وبذلك نرى سقوط الشبهة الأولى من الشبهات الخمس المثارة حول أهلية المرأة ، كما قررها الإسلام. اهـ *شبهات المشككين*
__________
*2* د. صلاح الدين سلطان "ميراث المرأة وقضية المساواة " ص10 ، 46 ، طبعة القاهرة ، دار نهضة مصر سنة 1999م - " سلسلة فى التنوير الإسلامى ".
حول تعدد الزوجات
اعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ لإِباحَتِه تَعَدُّدَ الزوجات.
وقالَ في اعتراضِه : " جاءَ في سورةِ النساء : *فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ*.
وقد فَسَّرَ البيضاوي : *مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ* بالسراري.
ونحنُ نسأَل : أَليسَ تَعَدُّدُ الزوجاتِ والتَّسَري مُخالِفاً لسُنَّةِ اللّهِ منذُ بَدْءِ الخَليقةِ ؟
خَلَقَ اللّهُ حَوَّاءَ واحدةً لآدمَ واحد..
ونحنُ نُكرمُ الرجولةَ باحترامِ الأُمَّهاتِ والأَخَواتِ والبَناتِ والزَّوجات ، ومَنْ يُفْسِد البيتَ يُفْسِد الإنسانية ، وفي تَعَدُّدِ الزوجاتِ إِفسادٌ لأَخلاقِ الرجلِ بالمظالم ، وتأْخيرٌ لنَجاحِ الأَولاد ، وإِهانةٌ للزوجات ، وتدميرٌ للتقدمِ الاجتماعيّ والسلامةِ القومية " *1* .
تَعَدُّدُ الزوجاتِ في نظرِ الفادي المفترِي جريمةٌ عظمى ، ومفاسِدُها وأَخطارُها عديدة ، فهو مُخالفٌ للفطرةِ والسنةِ الإِلهية ، لأَنَّ اللّهَ خَلَقَ لكلِّ رجلٍ امرأةً واحدة ، فإِذا أَخَذَ الرجلُ امرأتَيْن أَو أَكثرَ كان مُتَعدِّياً على حَقِّ غيرِه ، وتَعَدُّدُ الزوجاتِ إِهانةٌ للمرأة ، وإِفسادٌ للأَخلاقِ وللأَولادِ وللبيوت ، ونَشْرٌ للظُّلم ، وتدميرٌ للمجتمع والإِنسانية! يا لطيف! أَكُلُّ هذه الجرائمِ والمفاسدِ ناتجةٌ عن تعدّدِ الزوجات ؟!.
إِنَّ تَعَدُّدَ الزوجاتِ مُباحٌ في الإِسلام ، وليسَ واجباً على كُلّ رجلِ متزوِّج ، والواقعُ العمليُّ أَنَّ معظمَ المتَزَوّجين لا يَأْخذونَ بهذه الرخصة ، وأَنًّ الذين يُعَدِّدونَ الزوجاتِ أَعدادٌ قليلةٌ جِدًّا.
ثم إِنَّ الإِسلامَ عندما أَباحَ تَعَدُّدَ الزوجاتِ اشترطَ على الرجلِ العَدْلَ والمساواةَ بين الزوجاتِ ، وحَرَّمَ عليه أَنْ يَميلَ لامرأةٍ على حِسابِ الأُخْريات ،
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين رد على شبهة تعدد الزوجات ما نصه :
إن إبراهيم - عليه السلام - كان متزوجاً من سارة وهاجر وقطورة.
وهو أب لليهود والنصارى والمسلمين.
وأيضاً كانت له سرارى كثيرة لقوله : " وأما بنو السرارى اللواتى كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحاق ابنه شرقاً إلى أرض المشرق وهو بعد حى " [تك 25 : 6 ] وموسى كان متزوجاً من مديانية وحبشية [عدد 12 : 1] ويعقوب - عليه السلام - كان متزوجاً من حرتين وأمنين وهما ليئة وراحيل وزلفة وبلهة [تك 29 وما بعده] وكان لداود نساء هن : أخينوعم اليزرعبلية - أبيجايل - معكة - حجيث - أبيطال - عجلة.
الجميع ستة عدا بثشبع امرأة أورياالحثى التى أنجب منها سليمان - عليه السلام - [صموئيل الثانى 3 : 1 - 5] وكان لسليمان " سبع مائة من النساء السيدات ، وثلاث مائة من السرارى " [ الملوك الأول 11 : 3].
وفى الإنجيل أنه كان للمسيح أربع إخوة هم : يعقوب وموسِى ويهوذا وسمعان [مرقس 6 : 3] واتفق النصارى على أن مريم أتت به بغير زرع بشر.
وإذ هذا حاله.
فهل هؤلاء الأربعة على الحقيقة إخوة أم على المجاز؟ اختلفوا.
لأن متى قال عن يوسف النجار : " ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر " [مز 1 : 24] فيكون قد عرفها بعد ولادته.
وإن منهم لفريقاً يقولون : " إنها ظلت عذراء إلى أن ماتت ، وإن الأربعة أولاد ليوسف عن زوجة سابقة له على مريم ".
وعلى أية حال فإن غرضنا وهو إثبات تعدد الزوجات بإخوة المسيح الأربعة.
وفى تفاسير الإنجيل أنه كان له أختان أيضاً هما أستير وثامار ؛ يكون ملزماً لهم بإثبات التعدد. اهـ *شبهات المشككين*
كما اشترطَ عليه القدرةَ الماليةَ والجسدية والجنسية على التعدُّد ، فإِنْ لم تتحقَّقْ تلك الشروطُ كان التعدُّدُ حراماً.
وإِنَّ تعدُّدَ الزوجاتِ حَلّ لمشكلاتٍ عديدةٍ عندَ الرجلِ والمرأةِ والبيتِ والمجتمع ، ولا يكون الحَلُّ بغيره ، وإِنَّ اللّهَ الذي أَباحَ تَعَدُّدَ الزوجاتِ وأَذِنَ بِه يَعْلَمُ حاجةَ الرجالِ إِليه أَحياناً ، ولكنه لم يَجْعَلْه مَفْتوحاً ، وإِنما وَضَعَ له
الشروطَ ، كي لا يتحوَّلَ إِلى مفسدة!.
ولا أَدرىِ لماذا يشُنُّ النَّصارى والغربيّون عُموماً على تَعَدُّدِ الزوجاتِ هذه الحربَ الشَّرِسَة ، ويثيرونَ حولَه الشبهاتِ والاتِّهامات ، وماذا يَضيرُهم لو عَدّدَ بعضُ الرجالِ زوجاتِهم ، إِذا كانَتْ مُشكلاتُهم ومُشكلاتُ النساءِ العوانس لا تُحَلُّ إِلّا بالتَعَدُّد!!.
ولماذا يُحاربونَ تَعَدُّدَ الزوجات ، وقد كانَ التَّعَدُّدُ منتشراً بين الناس ، من قديمِ الزمان.
وقد ذَكَرَ العهدُ القديمُ - الذي يَعتبرُه النَّصارى جزءاً من دينِهم - أَمثلةً عديدةً لأَنبياء عَدّدوا الزوجات ، وفي مقدمتِهم داودُ وسليمانُ - صلى الله عليهما وسلم - فهلَ كانَ النبيانِ داودُ وسليمانُ مخطئَيْنِ عندما عَدَّدا الزوجات ؟
أَم أَنَّهما لم يُعَدِّدا ؟
وهلّ يمكنُ للفادي أَنْ يُكَذِّبَ العهدَ القَديم ويبقَى مؤمناً ؟!.
وإِذا كان النَّصارى الغربيّون لا يُعَدِّدونَ الزوجات ، ويَعتبرونَه جريمةً ومفسدةً ودَماراً ، فإِنهم يُمارسونَ فاحشةَ الزِّنى مع العشيقات والخليلات ، يُخالِلُ الرجلُ منهم في الوقتِ الواحدِ أَكثرَ من عشيقة ، ويُغَيِّرُ ويُبَدِّلُ في عشيقاتِه كما يَشاء ، ولو عَدَّ الرجلُ الغربيّ النساءَ العشيقاتِ اللَّواتي زَنى بهنَّ فقد يصلُ العددُ إِلى مئةِ عشيقةٍ أَو أَكثر! وقُلْ مثلَ هذا في عُشّاقِ المرأة ، الذين تُعاشِرُهم وتَرتكبُ معهم الفاحشة ، فقد يَزيدُ عددُ الرجالِ الذينَ زَنَوا بها عن مئة!.
فالذينَ يَرفعونَ أَصواتَهم في الاعتراضِ على تَعَدُّدِ الزوجات ، وتخطئةِ القرآنِ الذي أَباحه ، يُمارسونَ تَعَدُّدَ العشيقاتِ الزانيات ، وتَحَدَّثْ عن امتهانِ المرأةِ العشيقةِ واحتقارِها ، وتَحَدَّثْ عن المفاسدِ والمصائبِ والخسائر ، التي تَنتجُ عن تَعَدُّدِ العشيقات! ولا مُقارنةَ بين عظمةِ القرآنِ عندما حَدَّدَ العَدَدَ
الأَقصى بأَربعِ زوجاتٍ عفيفات ، وبينَ الإِباحيةِ الغربيةِ التي لا تَجعلُ قَيْداً على
عَدَدِ العشيقاتِ الزانيات!!.
***
هل الطلاق خطأ
خَطَّاَ الفادي القرآنَ في إِباحتِه الطَّلاق.
قال : " جاءَ في سورة البقرة : *لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ*.
أَباحَ القرآنُ للرجلِ بإِرادتِه المنفردةِ ، بدونِ رجوعٍ لأَحَدٍ في ما يُريد ، أَنْ يَهدِمَ أُسرتَه ، ويُقَوِّضَ أَركانها ، ويُشَتِّتَها ، فيوقعُ يَمينَ الطلاقِ على زوجتِهِ ، ومن المبكياتِ أَنْ نَرى الرجل المسلمَ إِذا تشاجَرَ خارجَ البيتِ وحَلَفَ اليَمينَ ثلاثاً يَطرُدُ زوجَتَهُ الآمنةَ من بيتِها ، لا لسببٍ إلّا لأَنه حَلَفَ في مشاجرةٍ لا ناقةَ للمرأةِ فيها ولا جَمَل! ثم يَقولونَ : " إِنَّ أَبغضَ الحلالِ عندَ اللّهِ الطلاق " ! فكيفَ يُحَلّلُ اللّهُ شَيْئاً يَكرهُه ؟
أَليسَ الأَصَحُّ أَنَّ ما يَكرهُه يُحرمُه ؟ ".
يمنعُ النصارى الطلاقَ ، ولا يوقعونَه إِلّا في حالاتٍ خاصةٍ نادرةٍ جدّاً ، تُضبطُ فيها الزوجةُ متلبِّسَةً بالزّنى ، وإِذا لم يكنْ تَفاهُمٌ بين الزَّوْجَين عندهم ، فإِنَّ كُلّاً منهما يَذهبُ في حالِ سَبيلِه ، يَبحثُ الرجلُ عن عشيقاتِه يَزْني بهنّ ، وتَبحثُ هي عن عُشّاقِها يَزْنونَ بها! ومعَ ذلك يَبْقى الزوجانِ أَمامَ الناسِ زوجَيْن ، يَربطهُما رباطُ الزواجِ المقَدَّس! لأَنَّ المهمَّ عِندهم هو المحافظَةُ على المظاهرِ الاجتماعية!!.
ولذلك يُحاربون الإِسلامَ الذي أَباحَ الطَّلاقَ ، ويُخَطِّئونَ القرآنَ الذي ضَبَطَه ونَظَّمَه ، ويَعتبرونَ الطلاقَ عدواناً على المرأةِ وظُلْماً لها.
وإِنَّ اللّهَ حَكيم ، وهو يَعلمُ أَنَّ بعضَ الأَزواجِ قد لا يكونُ بينهم أُلْفَةٌ وائتلاف ، وقد لا يَكتشفونَ هذا إِلّا بعدَ الزواج ، وقد تقعُ الخلافاتُ بين الزوجَيْن ، ولا تنفعُ معها كُلُّ محاولاتِ الإِصلاح! فما هو الحَلُّ ؟
هل الحَلُّ أَنْ يَذهبَ كُلٌّ منهما إِلى حالِ سبيله يَبحثُ عن قضاءِ شهوتِهِ عن طريقِ فاحشةِ الزنى ؟
وهل الحلُّ أَنْ يتحوَّلَ بيتُ الزوجيةِ إِلى سجنٍ لهما ، يَقضيانِ فيه عقوبةَ السجنِ المؤبَّدِ إِلى أَنْ يَموتَ أَحَدُهما فيَستريحَ الآخَر ؟.
الحَلُّ الصحيحُ هو أَنْ يَفْتَرقا بإِحسان ، كما اجْتَمَعا بإِحسان ، أَيْ أَنْ يُطلِّقَ الرجلُ امرأَتَه ، وسوفَ يُعَوّضُه اللّهُ خَيراً منها يَتفقُ معها ، ويُعوضُها اللّهُ خيراً منه تتفقُ معه.
وقد ذَكَرَ الفادي جملةً شائعةً تتردَّدُ على أَلسنةِ الناس ، لكنها جملة خاطئة ، وهي : " إِنَّ أَبغضَ الحَلالِ إِلى اللّهِ الطلاق! ".
وهي خاطئة لأَنَّ اللّهَ لا يُحَلِّلُ شيئاً ثم يُبغضُه ويَكرهُه ، وإِذا كانَ يَكرهُه فلماذا أَباحَه ؟!.
اللّهُ أَباحَ الطَّلاقَ ، وجَعَلَه حَلّاً لمشكلاتٍ بينَ الزوجين ، لا تُحَلُّ إِلّا به ، وبهذا يكونُ الطلاقُ آخرَ العِلاج ، وقد يكونُ آخر العلاج الكَيّ بالنَّار!.
ولا نُنكِرُ أَنَّ كَثيراً من الرجالِ يَتَعَسَّفونَ في الطَّلاق ، ويُسيئونَ استْخدامَه ، فيُطَلّقونَ لأَتْفَهِ الأَسباب ، وبذلكَ يَظْلِمونَ الزوجات ، ولكنَّ الخَطَأَ يَبْقى مَحْصوراً فيهم ، ولا يُلامُ القرآنُ على إباحته إذا أَساءَ الرجالُ استِخْدامَه ، والحَلُّ هو أَنْ يُعَلَّمَ وُيرَبّى ويُؤَدَّبَ هؤلاء ، بَدَلَ أَنْ يُتَّهَمَ الإِسلامُ بسببِ الطلاق!.
***
حول جلد الزاني والزانية
اعترضَ الفادي على حَدّ الزِّنى المذكور في القرآن.
قال : " جاءَ في سورةِ النور : *الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *2*.
ونحنُ نسأَل : هل إِيقاعُ هذه العقوبةِ البدنيةِ عَلَناً يُصْلِحُ المخطئَ ويُطَهِّرُ قَلْبَه ".
ثم أَوردَ قصةَ المسيح - صلى الله عليه وسلم - عندما رُفِعَتْ له قضيةُ امرأةٍ زانية ، فطلَبَ منه اليهودُ أَنْ يرجُمَها بالحجارة ، لأَنَّ عقوبةَ الزنى في شريعةِ موسى - صلى الله عليه وسلم - هي الرجم ، فقالَ لهم عيسى : مَنْ كانَ منكم بلا خطيئة فلْيَرْمِها بحَجَر..
فانْسَحَبوا من حولِها ، فعَفا المسيحُ عنها ، ونَصَحَها أَنْ تتوقَّفَ عن الزِّنى.
أَيْ أَنَّ الفادي يَرى أَنْ لا يُعاقَبَ الزاني والزانيةُ بأَيةِ عقوبة ، سواء كانت العقوبةُ رَجْماً أَو جَلْداً أَوْ غيرَ ذلك!.
أَليسست العقوبةُ للردع والتأديبِ والتربية " ؟ *1*.
الفادي يَنفي ذلك ، ويَكْتَفي بالنصحِ والوعظِ والتذكير ، بأَنْ يُقالَ للزاني : لا تَزْنِ ، ويُقالَ للزانية : لا تَزْني!
وكأَنَّ هذا كافٍ للقَضاءِ على انتشارِ الزِّنى في المجتمعات!.
اللّهُ الحكيمُ شرعَ عقوبةَ الزنى ، ليرتدعَ الزناة ، لا سِيَّما إِذا تَمَّ إِيقاعُ العقوبةِ على مشهدٍ من الناس! بحيثُ يُجْلَدُ كُلٌّ من الزاني والزانيةِ مئةَ جلدة :
*وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*.
وقد رَدَّت الآيةُ على اعتراضاتِ الفادي وأَمثالِه ، الذين قد يَتَّهِمونَ العقوبةَ بالشدَّةِ والعنف ، ويَدَّعونَ الرحمةَ والرأفة.
فقالت : *وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ*.
أَيْ : لا تَدَّعوا الرأفةَ بالزاني والزانية ، فحمايةُ المجتمعِ من فاحشةِ الزنى وآثارها المدمرةِ أَوْلى من الرأفةِ بالذين يَرتكبونها ، وعليكم أَنْ تُطَبِّقوا عليهم حكْمَ اللّه ، لأَنَّ الحكمةَ والمصلحةَ مرتبطةٌ بحكم اللّه.
***
حول إباحة التسري
اعترضَ الفادي على إِباحةِ التَّسَرّي في القرآن.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :

128- حد الزنا
الرد على الشبهة :
إن جريمة الزنا لهى من أقذر الجرائم حتى أنكرها كل دين ، بل وأنكرها العقلاء والراشدون من الناس ، كما أنكرها أصحاب المدنية الغربية جهرًا وإن قبلوها سرًا وذلك لما فيها من عدوان على حقوق الأزواج ومن اختلاط للأنساب وحل لروابط الأسرة وقتل لما فى قلوب الآباء من عطف وحنان على الأبناء ، ورعاية وبذلٍ سخى لهم بما يبلغ حد التضحية بالراحة والنفس ، الأمر الذى لا يكون إلا إذا ملأت عاطفة الأبوة قلوب الآباء وذلك لا يكون إلا إذا وقع فى قلوب الآباء وقوعًا محققًا أن هؤلاء الأبناء من أصلابهم.
ثم لعلك لا تعجب لما تقرأ من الأخبار الواردة إلينا من أمريكا وأوروبا عن آباء قتلوا أولادهم بأيديهم وأتوا على الأسرة كلها فى لحظة واحدة دون أن ينبض فيهم شعور بالتردد قبل الجريمة أو الندم بعدها ، وذلك شفاء لما فى نفوسهم من شكوك فى صحة نسب هؤلاء الأبناء إليهم حتى لقد تحولت هذه الشكوك إلى عواطف من الجنون الذى أفقد هؤلاء الآباء كل شعور إنسانى نحو الأبناء المشكوك فى نسبهم ، وهيهات أن يخلو شعور أوروبى من الشك فى نسبة أبنائه إليه مع هذه الإباحية المطلقة للجمع بين النساء والرجال فى أى مكان وأى زمان.
فإن أراد الإسلام أن يحارب هذه الجريمة برصد هذه العقوبة الرادعة - الرجم للمحصن ، والجلد لغير المحصن - كان ذلك عند أعداء الإسلام تهمة شنيعة يرمونه بها ويحاكمونه عليها ليخرجوه من حدود الإنسانية المتحضرة إلى عالم سكان الأدغال ورعاة الإبل والشياه فى الصحارى.
ويقولون : كيف يحكم الإسلام بإهدار آدمية الإنسان حتى يأمر بجلده على مرائى ومسمع من الناس ؟ ثم كيف تصل الوحشية فى قسوتها إلى أن يُلقى بالإنسان فى حفرة ثم تتناوله الأيدى رجماً بالحجارة إلى أن يموت.
هكذا يقولون *كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً * *1*.
ولا ننكر أن فى شريعة الإسلام حكم الجلد والرجم يقول الله تعالى : *الزانية والزانى فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين * *2*.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزانى ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ] *3*.
والنظام الإسلامى كل متكامل لا تفهم جزئياته إلا فى نسق واحد.
فإن الإسلام قد حرّم النظر إلى " الأجنبيات " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه إيماناً يجد حلاوته فى قلبه ] *4*.
وكذلك أمر النساء ألا يظهرن الزينة إلا للأزواج أو الأقارب من الصلب الذين لا يُخشى منهم فتنة.
قال الله تعالى : *يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن * *5* ، وقال :
*وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن * *6*.
وأمر أيضاً ألا يختلى رجل بامرأة لا تحل له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما ].
وحرم أيضاً أن يمس الرجل امرأة لا تحل له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لئن تضرب بمخيط فى رأسك فتدمى به رأس خير لك من أن تمس امرأة لا تحل لك ].
وقبل هذا كله فقد استطاع الإسلام أن يربى الضمير فى الرجل والمرأة على حد سواء على ضوء ما جاء فى قصة ماعزو الغامدية.
والإسلام كذلك حض الشباب على إخراج هذه الشهوة فى منفذها الشرعى بالزواج.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ] *7* أى قاطع للشهوة.
وكذلك رخص للرجل أن يتزوج بامرأة واحدة أو اثنين أو ثلاثة أو أربع مادام يملك النفقة ويستطيع العدل.
وأمر أولياء الأمور أن لا يغالوا فى مهور بناتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير ] *8*.
وأمر الأغنياء أن يساعدوا الشباب فى نفقات الزواج.
وقد قام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بتزويج الشباب والفتيات من بيت مال المسلمين.
هذا كله هو بعض ملامح الإسلام فى تيسير أمر إخراج هذه الشهوة بطريق مشروع ، والحقيقة أن مثل هذه الشنيعة لا تحصل فى المجتمع المسلم - الذى تسوده الفضيلة - إلا بعد تدبير عظيم من كلا الطرفين يدل على إجرام كلا الطرفين ولكن مع كل هذا فإن شريعة الإسلام قد وضعت شروط من الصعب جدًا توافرها قبل إيقاع العقوبة.
فإن لم تتوفر مجتمعة لا يقام الحد على صاحب هذه الفعلة جلداً كان أو رجماً وهذه هى الشروط :
1 - لابد حتى تثبت الجريمة من شهادة أربعة شهود عدول يشهدون بأنهم رأوا من الرجل والمرأة ما يكون بين الرجل وزوجته من اتصال مباشر ، الأمر الذى لا يكاد يراه أحدٌ من البشر.
وكأن الشريعة لا ترصد هذه العقوبة على هذه الفعلة بوصفها ولكنها ترصدها على شيوع هذه الفعلة على الملأ من الناس بحيث لا يبغى بين الناس من يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.
2 - إن الشريعة الإسلامية تقرر درء الحدود بالشبهات بمعنى أن أى شك فى شهادة الشهود يفسر لصالح المتهم فيسقط بذلك الحد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ادرءوا الحدود بالشبهات ] *9*.
3 - فرضت الشريعة عقوبة الجلد ثمانين جلدة على من قذف محصنة ثم لم يأت بأربعة يشهدون بأنهم رأوا منها ومن المقذوف بها ما يكون بين الزوج وزوجته قال الله تعالى : *والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون * *10*.
4 - رغبت الشريعة الإسلامية فى التستر على عورات المسلمين وإمساك الألسنة عن الجهر بالفواحش وإن كانت وقعت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ لرجل جاء يشهد : هلا سترتهما بثوبك ] يقول الله تعالى : *إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون * *11*.
أبعد هذا كله يتخرص متخرص ويقول : إن الإسلام يظلم الإنسان ويهدر أدميته حين يأخذ أولئك الذين يأتون الفاحشة على أعين بما يأخذهم به من جلد بالسياط.
وفضح بين الملأ من الناس.
أفلا يسأل هؤلاء المتخرصون أنفسهم ماذا يبقى للإنسان من آدميته وكرامته إذا تركت هذه الفاحشة يعالى بها بعض الآدميين من غير استحياء ثم لا يضرب على أيديهم أحد.
إن إنساناً توفرت له كل هذه الميسرات وتجرأ على الترتيب لهذه الفعلة الشنيعة.
ثم افتضح حاله حين يراه هذا العدد فى هذا الوضع.
إن إنساناً فى مثل هذا الحال لهو إنسان مفسد ضال مضل ولو لم يتم بتره أو تربيته فإن هذا يشكل خطراً على المجتمع كله.
والمتحدثون عن حقوق الإنسان يقولون لا بأس من أن يحبس قترة من الزمن ثم يخرج لكى يمارس عمله ولا يعلمون أن مثل هذا الحبس سوف يمكنه من أن يخالط من هو أجرم منه ليتعلم منه ويعلمه ويخرجان إلى المجتمع بعد أن أصبحا إمامين فى الضلال ليضلا الناس عن طريق رب الناس وهذا هو المشاهد.
فضلاً عن الذى يترتب على الحد من تكفير لهذا الذنب.
وإن المتتبع لا يجد هذه العقوبة قد نفذت " حال تنفيذ العقوبات " إلا فى أعداد محدودة ولا ضرر فى هذا مادام قد وفر الأمن والاستقرار للمجتمع. اهـ *شبهات المشككين*
__________
*1* الكهف : 5.
*2* النور : 2.
*3* رواه مسلم.
*4* رواه الحاكم فى المستدرك.
*5* الأحزاب : 59.
*6* النور : 31.
*7* رواه البخارى.
*8* رواه ابن ماجه.
*9* رواه الترمذى.
*10* النور : 4.
*11* النور : 19.
قال : " جاءَ في سورةِ النساء : *فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ* ، وجاءَ في سورة الأَحْزاب : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ*.
ونحنُ نَسأل : هل هذا لكرامةِ النبيِّ والمسلمين ؟
وهل هذا لكرامةِ الزوجاتِ والبناتِ والأَوْلاد ؟
وهل هذا لتقدُّمِ الأُسرةِ والأُمةِ والمجتمعِ ؟! ".
التَّسَرّي هو الاستمتاعُ بالجاريةِ الرقيقةِ التي هي " مِلْكُ اليمين " !
ويَعْتبرُ الفادي هذا التَّسَرّيَ إِذْلالاً للمرأة ، ولا يَتفقُ مع كرامتِها وكرامةِ المجتمعِ الإِسلامي!.
والتَّسَرّي بالجواري مرتبطٌ بنظامِ الرِّقِّ ، الذي كان نظاماً سائِداً في العالَمِ القديم ، فالإِسلامُ لم يَصْنَعْه ، وإِنما وَجَدَهُ نظاماً عالميّاً ، فعملَ الإِسلامُ على ضَبْطِهِ وتنظيمِه وتوجيهِه ، كما عَمِل على التَّقليلِ منه وتَجفيفِه ، تمهيداً للتخلُّص منه! ولذلك لا يُلامُ الإِسلامُ لضبطِ وتنظيمِ الرق ، إِنما يُمْدَحُ ويُثْنى عليه لهذا الضبطِ والتنظيم!.
المصدرُ الوحيدُ المعترفُ به في الإِسلام للاسترقاقِ هو الكفارُ المقاتلون للمسلمين من الرجالِ والنساءِ ، فإِذا انهزَمَ الكفارُ في الحربِ فقد يَقَعُ بعضُ رجالِهم ونسائِهم المقاتلين بأَيْدي المسلمين ، فيكونون عَبيداً وأَرِقّاء ، سواءً كانوا رجالاً أَو نساء!.
كيفَ يكونُ وَضْعُ هؤلاءِ العبيدِ بينَ المسلمين ؟
هل يُتْرَكونَ على رُؤوسهم ، لينْشُروا المفاسِدَ بين المسلمين ؟
الحلُّ هو أنْ " يُوَزَّعوا " على المسلمين ، ليكونوا عَبيداً لهم ، تُؤَمَّنُ لهم حاجاتُهم! وبذلك تَكونُ السبايا المقاتِلاتُ الكافراتُ في بيوتِ المسلمين ، وتُصبحُ الواحدةُ منهنَّ أَمَةً جارِيَةً في بيتِ سَيِّدِها ، يتكفَّلُ سَيِّدُها بكلِّ حاجاتها.
ومن ذلك حاجتُها الجنسية ، حيثُ يَتَسَرَّى بِها ويُعاشرها وتكونُ " مِلْكَ يَمينِه " ، فإِنْ أَنجبَتْ منه وَجَبَ عليه أَنْ يُعتِقَها ويُحَرِّرَها ، لأَنَّها أُمُّ وَلَدِه! هل هذا إِذلال لها وإِفسادٌ للمجتمع ؟
كما يقول الفادي المفتري!.
ما هو الحَلُّ عند الفادي وأَمثالِه ، الذينَ يُحاربونَ التَّسَري والاستمتاعَ بالجاريةِ مِلْكِ اليَمين ؟
نساءٌ كافراتٌ مُقاتِلات انهزمْنَ في المعركةِ وأُلقيَ القبضُ عليهنّ ؟
وبعدَ كُلّ معركة تُؤْخَذُ عَشَراتٌ من النساءِ بهذهِ الطريقة ، بحيثُ يَصِلُ عَدَدُهن إِلى أُلوف!.
ماذا يُفْعَلُ بِهِن ؟
هل يُتْرَكْنَ في مُدُنِ المسلمين ، يَتَجَوَّلْنَ ويَعِشْنَ حياتَهُن كما يُرِدْن ؟
ومَن المسؤولُ عنهنّ ؟
ومَن المتكفّلُ بهنّ ؟
ومَنِ الذي يُراقبهُن ؟
أَلا يتحَوَّلْنَ إِلى مُخَرِّباتٍ فاسِداتٍ مُفْسِدات ؟
أَلا يُتَاجِرْنَ بأَعراضِهنَّ لإِغواءِ أَبناءِ المسلمين ؟
ألا يَنْشُرْنَ الفاحشةَ والرذيلةَ بين المسلمين ؟
ومَنْ هو المسلمُ العاقلُ الذي يرضى بهذا ؟.
لقد ضَبَطَ الإِسلامُ حياتَهُن ، بأَنْ أَعطى كُل واحدةٍ لرجلٍ مسلم ، فصارَ مَسؤولاً عنها ، ومتكَفِّلاً بحاجاتِها ، ومنها الحاجة الجنسية ، ودَعاهُ إِلى عِتْقِ ما في مُلْكِ يَمينهِ من هؤلاء النساء بمختلفِ الأَسبابِ والصور!
هذا هو الحَل الصَّوابُ والتصرفُ السليم ، وهو الذي شَرَعَهُ اللّهُ العليمُ الحكيم.
***
الحجاب الحافظ للمرأة
اعترضَ الفادي على القرآنِ في دعوتِه المسلماتِ إِلى الحجابِ ليحفَظْنَ أَنفسهُنَّ من الخطر.
قال : " جاءَ في سورةِ النور : *وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ*.
وجاءَ في سورةِ الأحزِاب : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ..*
ونحنُ نَسألُ : هل يمنعُ حجابُ المرأةِ عينَ الرجلِ الشِّرّيرِ مِنْ أَنْ تَشْتَهي ؟
إِنَّ عينَ الشِّرّيرِ تَرى بعينِ الخَيال!.
ولقد تَحَدَّثَ الإِنجيلُ عن الولادةِ الجديدةِ وتَغييرِ القلبِ بعمَلِ الروحِ القُدُسِ ، الذي نَتيجتُه : أَنْ تَخْلَعوا من جهةِ التصرفِ السابقِ الإِنسانَ العَتيقَ الفاسدَ بحسَبِ شَهَواتِ الغُرور ، وتَتَجَدَّدوا بروحِ ذِهْنكم ، وتَلْبَسوا الإِنسانَ
الجديد ، المخلوقَ بحسبِ اللّه ، في البِرِّ وقَداسَةِ الحَقّ " *1*.
الحجابُ مُحافَظَةٌ على المرأةِ المسلمة ، وتكريمٌ لها ، وبه تَسْتُرُ المرأةُ عورَتَها ، ولا تَفْتنُ بها الآخَرين.
ولكنَّ الفادي يُنكرُ على القرآنِ دعوتَه المرأةَ المسلمة إِلى التَّحَجُّبِ والتَّعَفُّفِ والتَّسَتُّر والتَّطَهُّرِ ، ويَرى أَنه لا داعيَ ولا حاجةَ له!
لماذا ؟ لأَنَّ هذا الحجابَ لا يَمنَعُ عينَ الرجلِ الشِّرِّيرِ من أَنْ تَشتهيَ المرأةَ المتحجِّبَة ، لأَنَّ عينَ الشّرّيرِ تَرى بعينِ الخيال!
أَيْ أَنَّ الرجلَ الشّريرَ يَنظرُ للمرأةِ المحجَّبَة ، ويَشْتَهيها ، ويتخيَّلُها بخَيالِه عارية!!.
الحَلُّ عندَ الفادي أَنْ لا تَتَحَجَّبَ المرأةُ ، وأَنْ لا تَسْتُرَ فتنَتَها وزينَتَها عن الرجلِ الشرير ، وإِنما الحَلُّ في تربيةِ الرجُل ، وإِزالةِ الشَّرّ من قَلْبِه ، وإِماتةِ الشَّهَوأتِ من نفسِه ، وملءِ قلْبِه بالبِرِّ والحَقّ ، ولذلك نَقَلَ نَصّاً من الإِنجيلِ يَدْعو فيه إِلى ميلادٍ جديدٍ للإِنسان ، وتغييرِ قَلْبه وكيانِه ليتحوَّلَ من الشهواتِ إلى الحَقِّ!.
والإسلامُ الذي يَدْعو المرأةَ المسلمةَ إِلى السِّتْرِ والتَّحَجُّبِ ، يَعلمُ أَهميةَ الحجابِ في المحافظةِ على المرأة ، وفي نَشْرِ العفافِ والفضيلةِ في المجتمع.
وهو في نفسِ الوقتِ الذي يَدْعوها للحجابِ يَلتفتُ إِلى الرجُل ، ويَدْعوهُ إلى
التعفّفِ والتطهُّر ، وعدمِ الاستعبادِ للشهوات ، وعدمِ ارتكابِ المحَرَّمات.
ولذلك أَمَرَ الرجالَ بغَضِّ البصرِ وحفظِ الفرْج قبلَ أَمْرِ النساءِ بذلك.
قال تعالى : *قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ *30* وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
135- قضية الحِجاب
الرد على الشبهة :
السياق القرآنى لآية الخمار يبين أن العلة هى العفاف وحفظ الفروج ، حيث يبدأ بالحديث عن تميز الطيبين والطيبات عن الخبيثين والخبيثات..
وعن آداب دخول بيوت الآخرين ، المأهول منها وغير المأهول..
وعن غض البصر..
وحفظ الفروج ، لمطلق المؤمنين والمؤمنات..
وعن فريضة الاختمار ، حتى لا تبدو زينة المرأة - مطلق المرأة - إلا لمحارم حددتهم الآية تفصيلاً.
فالحديث عن الاختمار حتى فى البيوت ، إذا حضر غير المحارم..
ثم يواصل السياق القرآنى الحديث عن الإحصان بالنكاح *الزواج* وبالاستعفاف للذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله :
*الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ *26* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *27* فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ *28* لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ *29* قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ *30* وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *31* وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *32* وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ *33*.
فنحن أمام نظام إسلامى ، وتشريع إلهى مفصل ، فى العفة وعلاقتها بستر العورات عن غير المحارم.
وهو تشريع عام ، فى كل مكان توجد فيه المرأة مع غير محرم.
بل إن ذات السورة - *النور* تستأنف التشريع لستر العورات داخل البيوت - نصاً وتحديداً - فتقول آياتها الكريمة : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *58* وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *59* وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *60*.
فنحن أمام تشريع لستر العورات ، حتى داخل البيوت ، عن غير المحارم - الذين حددتهم الآيات - ومنهم الصبيان إذا بلغوا الحلم..
فحيث أمر الله بالعفاف وحرم الزنا وأقر الزواج وأباح إمكانية التعدد فكان لابد لكمال التشريع من الأمر بدرء ما يوصل إلى عكس ذلك كله فأمر بالحجاب وبغض البصر وبعدم الخلوة وهو أَمْرٌ له سبحانه فى كل دين. اهـ *شبهات المشككين*.
وإِذا نَظَرَ الرجلُ إِلى المرأةِ نظرةً خِلْسَةً فعينُه خائِنَة ، واللّهُ يَعْلَمُ خِيانَتَها.
قال تعالى : *يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ*.
إِنَّ التربيةَ القرآنيةَ متكاملةٌ متناسِقَة ، فالقرآنُ يُرَبّي كُلّاً من الرجلِ والمرأَة ،
ويأَخُذُ بأَيْديهما ، ويَرْتَقي بهما إِلى عالمِ التَّسامي والفضائلِ والكمالات.
***
هل شعائر الحج من الوثنية ؟
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَ بعضَ شعائِرِ الحَجِّ أُخِذَتْ من الوثنية ، مثلُ السَّعْيِ بينَ الصَّفا والمَرْوَة.
قالَ : " جاءَ في سورةِ البقرة : *إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا*
قالَ البيضاوي : *إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ* : هما عَلَما جَبَلَيْنِ بمكَّة.
*مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ* : من أَعلامِ مناسِكِه ، جمعُ شعيرة ، وهي العَلامة.
*فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ* :
الحَجُّ لغةً : القصد ، والاعتمارُ : الزيارة ، فَغَلَبا شَرْعاً على قَصدِ البيتِ الحرام وزيارَتِه ، عَلى الوجهين المخصوصَيْن.
*فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا* :
كانَ إِسافُ على الصفا ، ونائلة على المروة ، وكانَ أَهْلُ الجاهلية إِذا سَعَوا مَسَحوهُما ، فلما جاءَ الإِسلامُ وكُسِرَت الأَصنامُ ، تَحَرَّجَ المسلمونَ أَنْ يَطَّوَّفوا بينَهما لذلك ، فنزلَتْ ، والإِجماعُ على أَنَّه مَشروعٌ في الحَجِّ والعمرة!.
" ونحنُ نسأَل : كيفَ يَجعلُ القرآنُ الشعائِرَ الوثنيةَ شعائِرَ اللّه ؟
وهل كان الوَثَنِيُّون مُلْهَمين فيها من اللّه ؟ ".
إِنَّ تساؤُلَ الفادي خَبيث ، وهو يَهدفُ إِلى التشكيكِ في أَحكامِ القرآن ، والاعتراضِ عليها ، ونفيِ أَنْ تَكونَ من عندِ اللّه.
كانَ العربُ في الجاهليةِ يَحُجّونَ على طريقتِهم ، ويَطوفونَ بالبيت ، ويَسعونَ بينَ الصَّفا والمروة ، ويَقِفونَ بعَرَفات ، ويُقيمونَ في مِنى.
ولما جاءَ الإِسلامُ أَمَرَ المسلمينَ بالحَجِّ ، واعتَبَرَهُ رُكْناً من أَركانِ الإِسلام.
ومن أَركانِ الحَجِّ السعيُ بينَ الصَّفا والمروة ، بنَصّ الآيةِ المذكورة ، وبفعْلِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
صَحيحٌ أَنَّ العربَ الجاهليّين الوثنيِّين كانوا يَسعونَ بينَ الصَّفا والمروة ، لكنَّ القرآنَ لم يَأَخُذ تشريعَه عنهم ، كما يَزعمُ الفادي المفتري ، فليس في مناسِكِ الحَجِّ شيءٌ من شعائِرِ الجاهلية.
إِنَّ الحَجَّ مرتبطٌ بإبراهيمَ وإِسماعيلَ - صلى الله عليهما وسلم - ، فهما اللَّذان بَنَيا البيتَ الحرام ، أَوَّلَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ في الأَرضِ لعبادةِ اللّه ، ولما فَرَغا من بنائِه أَمَرَ اللّهُ إِبراهيمَ - عليه السلام - أَنْ يُؤَذِّنَ في الناسِ بالحَجّ ، فَفَعَل ، وحَجَّهُ أَوَّلُ فوجٍ من الحُجّاجِ زمنَ إِبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم -.
قالَ تعالى : *وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ *26* وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *27*.
واستمرَّ الناسُ يَحُجّون ، منذُ إِبراهيمَ - عليه السلام - ، يَتَوارَثونَ الحَج منذُ ذلك التاريخ ، لكنَّهم يَرتكبونَ فيه كَثيراً من مظاهرِ الشركِ والمخالفات.
فلما جاءَ الإِسلامُ طَهَّرَ الحَجَّ من ممارساتِ الجاهليِّين الباطلة ، وأَعادَ له صِلَتَهُ الإِيمانية بإبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَعطاهُ طابَعَهُ الإِيمانيّ ، وجَعَلَه عبادةً خالصةً للّه - عز وجل -.
وبذلك صارَتْ شعائرُ الحَجِّ إِسلاميةً ربانية ، وليستْ وثنيةً جاهلية!.
ومما يُؤَكِّدُ هذا المعنى الحوارُ الذي دار بين عروةَ بنِ الزبير وخالتِه عائشة - رضي الله عنها -.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عروةَ بنِ الزبير : أَنه قالَ لعائشةَ - رضي الله عنها - : قوله تعالى : *إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا*.
فما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما!
فقالَتْ عائشة : لو كانَتْ كما تَقولُ لكانَتْ : " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ".
إِنما أُنزلَتْ هذه الآية ُ في الأَنْصار ، كانوا يُهلّونَ لمناة ، وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْد ، وكانوا يتحرَّجون أَنْ يَطَّوفوا بينَ الصفا والمروة ، فلما جاءَ الإِسلامُ سأَلوا رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فأَنزلَ اللّهُ الآية ...
تُصَحِّحُ عائشةُ - رضي الله عنها - لابن أُخْتِها عروةَ بنِ الزبيرِ معنى الآية ، فقد فَهِمَ عُروةُ من الآيةِ أَنها تُبيحُ للحاجِّ أَو المعتمرِ عَدَمَ الطَّوافِ بهما ، فبيَّنَتْ له أَنَّ الآيةَ توجِبُ عليه الطوافَ بهما ، وأَنه لو كانَ مَعْناها كما فَهِمَ عروةُ لقالَتْ : " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ".
ثم ذَكرتْ عائشةُ - رضي الله عنها - مُناسبةَ نُزولِ الآية ، وأَشارَتْ إِلى بعضِ ممارساتِ العربِ الجاهليّين في الحج ، فكانَ العربُ من أَهْلِ المدينة لا يَطوفونَ بينَ الصّفا والمروة ، فلما أَسْلَموا ورأَوا المسلمينَ من المهاجِرين يَفْعلونَ ذلك
سأَلوا الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - ، فأَنزلَ اللّهُ الآيةَ يَأَمرُ المسلمين أَنْ يَسْعَوْا بينَ الصَّفا والمروة ، ويُزيلُ التحرجَ الذي كانَ عليه أَهْلُ المدينةِ قبلَ الإسلام : *فَلَا جُنَاحَ عَليهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا*.
وبهذا نعرفُ افتراءَ الفادي المفترِي عنْدَما جعلَ السعيَ بين الصَّفا والمروةِ شعيرةً وثنيةً جاهلية! فهو تَشريعٌ قرآني ، وأَمْرٌ ربّاني ، وعبادةٌ خالصةٌ للّه!.
***
حول إباحة التجارة في موسم الحج

اعترضَ الفادي على وُرودِ آيةٍ قرآنيةٍ تُبيحُ التجارةَ في موسمِ الحَجِّ ؟
لأَنَّ الأَمْرَ سَهْلٌ لا يَستدعي نَصَّ القرآنِ عليه!.
قال : " جاءَ في سورةِ البقرة : *لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ*.
كانَ العربُ في الجاهليةِ يَتَّجرونَ في أَسواق عُكاظ ومَجَنَّةَ وذي المَجاز ، وكانَ لهم مواسم ، فكانوا يُقيمونَ بعُكاظَ عِشْرِين يوما من ذي القعدة ، ثم يَنْتَقلون إِلى مَجَنَّة ، وهي عند عَرَفَة ، فيُقيمونَ بها ثمانيةَ عَشَرَ يوماً ، عشرةُ أَيامٍ من آخِرِ ذي القعدة ، وثمانيةُ أَيام من أَولِ ذي الحجة ، ثم يَخْرُجون إِلى عَرَفَة.
فلما كانَ الإِسلام ، فكأَنهم تَأَثَّموا أَنْ يَتَّجروا في الموسمِ ، فأَجازَ لهم محمدٌ ذلك.
وعن أَبي ماجه [الصحيح : أَبي أُميمَة] ، التيمي قال : كُنتُ رَجُلاً أُكْرى في هذا الوَجْه ، وكانَ الناسُ يقولونَ لي : إِنَّه ليسَ لَكَ حَجّ ، فلقيتُ ابْنَ عُمَرَ وسأَلْتُه عن ذلك ، قال : إِنَّ لك حَجّاً.
وجاءَ رجلٌ إِلى محمد ، فسأَلَه عن ذلك ، فلم يُجِبْهُ ، وأخيراً قال بالجَوَازِ ...
ونحنُ نَسأل : هل كَانَ في الأَمْرِ شيءٌ جَديدٌ يَحتاجُ إِلى وَحْي ؟
أَليسَ إباحَةُ محمدٍ للتجارة في موسمِ الحَجّ شيئاً عاديّاً يتَنَاسَبُ مع مَصالحِ العَرَبِ الدنيويَّة ؟ ".
الروايةُ الصحيحةُ في نزول الآيةِ ليستْ هكذا ، فالفادي يأخُذُ الروايةَ من مصادرَ غيرِ موثوقة ، علاوةً على تصرُّفهِ في كلماتِ النَّصّر الذي أَمامَه.
روى البخاريُّ عن ابنِ عباس - رضي الله عنهما - قال : كانَتْ عُكاظُ ومَجَنَّةُ وذُو المجاز أَسْواقاً في الجاهلية ، فتَأَثَّموا أَنْ يَتَّجِروا في المواسِم ، فنزلَت الآيَة : *لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ* : في مواسِمِ الحج.
والروايةُ في السببِ المباشرِ لنزول الآيةِ أَخرجَها أَبو داود وأَحمدُ عن أَبي أُمامَةَ التيمي قال : قُلْتُ لابنِ عُمَر : إِنّا قَوْمٌ نُكْرى ، فهل لنا حَجّ ؟
قال : أَليسَ تَطوفونَ بالبيت ، وتَأَتونَ المعَرَّفَ ، وتَرمونَ الجِمار ، وتَحْلِقونَ رُؤوسَكم ؟
قُلْنا : بَلى..
قال : جاءَ رَجُلٌ إِلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فسأَلَه عن الذي سأَلْتَني عنه ، فلم يَدْرِ ما يَقول له ، حتى نَزَل جبريلُ مم - عليه السلام - عليه بهذه الآية : *لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ*.
فقالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : أَنتم حجاج.
واعتراضُ الفادي على الآيةِ دَليلُ جَهْلِه ، فقد ظَنَّ لجَهْلِهِ أَنَّ لأَمْرَ لا يَسْتَدعي نُزولَ الآيةِ بإِباحةِ التجارةِ في موسمِ الحج ؟
لأَنَّ العَرَبَ في الجاهليةِ كانوا يُتاجرون ، والأَصْلُ بَقاءُ الأَمْرِ على ما كانَ عليه ، فما الدّاعي لإِنزالِ آيةٍ تُبيحُ شَيْئاً هو مُباح ؟!.
لقد كانَ العربُ في الجاهليةِ يُتاجِرونَ في موسمِ الحَجّ ، فلما أَسْلَموا تَحَرَّجوا من ذلك ، وتَأَثَّموا منه ، ولذلك توقَّفوا عَنْه ، لأَنهم ظَنُّوه غيرَ جائِز ، ولا يَتفقُ مع التَّجردِ للّهِ أَثناءَ أَداءِ المناسك.
وجاءَ أَحَدُهم إِلى النبى - صلى الله عليه وسلم - يسأَلُه عن جواز ذلك ، فتوقَّفَ النبيُّ - عليه السلام - عن الجواب ، لأَنَّه ليس عندَه فيه شيءٌ جَديد ، فأَنزلَ اللّهُ الآيةَ جواباً على السؤال ، مُبيحاً التجارةَ في الحج.
وهذا التحرُّجُ والتوقُّفُ من الصحابةِ بانتظارِ معرفةِ الحكْمِ الشرعيِّ شهادةٌ لصالحهم ، لأَنه يدلّ على التزامِهم بحكْمِ اللّه ، وعدمِ مخالفَتِه ، بحيثُ يتوقَّفون عَمَّا كانوا يَعملونَه ، بانتظارِ حُكم اللّه فيه.
فلما أَنزلَ اللّهُ الآيةَ وأَباحَ فيها التجارةَ في موسمِ الحج ، أَزالَ تَحَرجَهم وتَأَثّمَهم ، وأَعْطى تَصرُّفَهم السابقَ بُعْداً إِسلاميّاً.
***
من الدي حدد وقت الحج ؟

ذَهَبَ الفادي المفترِي إِلى أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حَدَّدَ وَقْتَ الحَجّ ، وأَنه في شهرِ ذي الحِجَّة!
قالَ في افترائه : " كانَ بعضُ أَهْلِ الجاهليةِ يَقفُ بعَرَفَة ، وبعضهم بمزدَلِفة ، وكان يَحُجُّ بعضهم في ذي القعدة ، وبعضهم في ذي الحِجّة!
وكلٌّ يَقول : الصوابُ فيما فَعَلْتُه!
فقال محمد : لا شكَّ أَنَّ الحَجَّ في ذي الحِجّة ".
ولا يَعْنينا اختلافُ القبائلِ العربيةِ الجاهليةِ في وَقْتِ الحَجِّ ومكانِه ، فقد كانوا في الجاهلية يَخْتَلفون في كُلِّ شيء.
إنما يَعنينا تقريرُ حقيقةٍ إسلاميةٍ تشريعية ، وهي أَنَّ اللّهَ هو صاحبُ الحكْمِ والتشريع! فالأَوامرُ والتَّشريعاتُ من عند اللّه ، أَمَرَ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يَشْرَعْها ويَبْتَدِعْها رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم.
إِنَّ اللّهَ هو الذي حَدَّدَ مكانَ الحَجِّ وزَمانَه وأفعالَه..
وكان الفادي كاذِباً مفترياً عندما زَعَمَ أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - هو الذي فَعَلَ ذلك! قال تعالى : *الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى*.
واللّهُ هو الذي شَرَعَ الحَجَّ منذُ أَيامِ إِبراهيمَ - عليه السلام -.
قال تعالى : *وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ *26* وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *27*.
وكم كانَ الفادي مُفْتَرياً ومُجْرِماً عندما قال : " ونحنُ نَسْأَلُ : أَليسَ هذا ْالقولُ هو من الأَدِلَّةِ على أَنَّ ديانَتَه هي من مُشْركي العرب ؟ ".
وهذا الذي يُريدُ المجرمُ أَنْ يَصلَ إِليه ، فهو يَرى أَنَّ مُحَمَّداً - صلى الله عليه وسلم - ليس رسولَ اللّه ، وأَنَّ القرآنَ ليس كلامَ اللّه ، وأنَّ الإِسلامَ ليس دينَ اللّه ، وإِنما أَخَذَهُ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من المشركين الذينَ حولَه!.
وقد كانَ القرآنُ واضحاً صَريحاً في تَقْريرِ حقيقةِ أَنَّ الإِسلامَ هو الدينُ الذي ارْتَضاهُ اللّهُ لنا ، قال تعالى : *الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا*.
واعترضَ الفادي على الأَمْرِ بالتزوُّدِ للحَجِّ ، فقال : " إِنَ باقي الآيةِ يَقول :
*وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى*.
وسببُ هذا أَنَّ أُناساً من أَهْلِ اليمن كانوا يَخْرُجون للحَح من غيرِ زادِ ، ويقولون : نحن متوكِّلون.
ويقولون : نحنُ نحجُّ بيتَ رَبّنا أفلا يُطْعِمُنا ؟!
فإذا قَدِموا مكةَ تَسَوَّلوا طَعامَهم ، وربما أَفْضى بهم الحال إِلى السَّلْبِ والنَهْب ، فقال لهم محمد : " فتزودوا "..
وهو أَمْرٌ بَدَهي ، ليس فيه شيءٌ فوق مستوى العقل ، حتى يَحتاجَ إِلى وَحْي..
".
إِنَه يَرى أَنَّ التزوُّدَ بالزادِ للحَجِّ أَمْرٌ بَدَهِيٌّ عاديّ ، يَفعلُه كُلُّ إِنسانٍ يُريدُ السَّفَر ، ولا يَحتاجُ إِلى تَدَخُّلِ الوَحْي.
وهو يُخطئُ في النظرِ إِلى الوَحْي ، عندما يَظُن أَنَ الوحْيَ لا يتدَخَّلُ إِلّا في الأُمورِ الصعبة ، التي هي فوقَ مستوى العقل!.
لقد عَرَفْنا من تَنَزُّل القرآن وأَسبابِ نزول بَعْضِ آياتِه ، أَنَّ كَثيراً من آياتِ القرآنِ كانت تنزل ابتداءً ، بدونِ حادثةٍ أَو سَبَب ، ولا تَتحدَّثُ عن أُمورٍ فوقَ مستوى العَقْل ، إِنما تتحدَّثُ عن أُمورٍ عادِيةٍ حياتيةٍ خَبَرِيةٍ عملية..
وما نَزَل من الآياتِ على أَسبابٍ خاصة لم تكن تلكَ الأَسبابُ أو الحوادثُ فوقَ مستوى العَقْل ، وإِنما كانت أَسْباباً مألوفةً عاديةً في حياةِ المسلمين.
ثم إِنَّ قولَه تعالى : *وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى* نَزَل لِيُصَوِّبَ ويُصحِّحَ نظرةَ بعضِ المسلمين في التوكلِ على اللّه ، فقد كانَ بعضُ أَهْلِ اليمنِ يأتونَ للحج ، وليس معهم شيءٌ من الزاد ، ويقولون : نحنُ متوكّلونَ على اللّه ، ونحنُ ضُيوفُ اللّه وحُجّاجُ بيتِه ، ومن غير المعقول أَنْ يَتَخَلّى اللّهُ عَنا وأَنْ لا يَرْزُقَنا!.
فكانَ إنزال هذه الجملة من الآيةِ لِتصحيحِ هذه النظرة ، وإِبطال ما فيها من خَطَأ ، وهَدَفت الآية ُ إلى أَنَّ التوكُّلَ على اللّهِ لا يَعني عدمَ الأَخْذِ بالأَسْباب ، بل إِنه يوجِبُ على المتوكلِ الأَخْذَ بالأَسباب.
فقُدومُ الحُجّاجِ إِلى الحَج متوكّلينَ على اللّهِ يوجِبُ عليهم التزوُّدَ بالزادِ المادي والزادِ المعنويّ الذي هو التقوى!.
ومن حِقْدِ الفادي وكُرْهِه وبُغْضه لرسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وحربِه للقرآنِ والإسلام ، أَنه كانَ حَريصاً على عدمِ الإخبارِ بأَنَّ القرآنَ كلامُ اللّهِ ، والتأكيدِ على أَنه كلامُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، ويَبدُو هذا في قولِه : فقال لهم محمد : *وَتَزَوَّدُوا* فهذه الكلمةُ في الآية ، لكنَّ المفترِي جَعَلَها من كلامِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم.
***
هل الإفاضة من أعمال الجاهلية ؟
اعتبرَ الفادي قولَ اللّهِ - عز وجل - : *ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ* ، دَليلاً على أَنَّ أَعْمالَ الحَجّ التي يُؤَدّيها المسلمون من أَعمالِ الوثنيّين الجاهليّين ، وليسَ تَشريعاً من اللّه رَبّ العالمين!.
الأَمْرُ في الآيةِ لقريش ، يَأمُرُهم فيه بالتَّخَلّي عن عادتِهم التي كانوا عليها في الجاهلية ، فقد كانَ القرشيّون في الجاهليةِ يُسَمّون أَنْفُسَهم " الحُمْس " ،
لأَنَّهم سَدَنَةُ بيتِ اللّهِ الحرام ، وكانوا لا يَقِفون مع النّاسِ في عَرَفات ، ويتميَّزونَ عنهم بالوقوفِ في المزدلفة ، ويَعتبرونَ الوقوفَ مع عامةِ الناسِ لا يَتفقُ مع منزلتِهم الدينية.
فلما أَوجبَ اللّهُ على المسلمين الحَجَّ دَعا أَهْلَ قريشٍ المسلمين إِلى عَدَمِ التميزِ عن باقي الحجاج ، وأَوجبَ عليهم الوقوفَ بعَرَفَة معهم ، والإفاضةَ من عرفاتٍ إِلى مزدلفةَ ليلةَ العيدِ معهم ، والسيرَ معهم ، وعَدَمَ التميز عنهم.
قالَ الفادي : "..
قالَ أَهلُ التفسير : كانت قريشٌ ومن دانَ بدِينِها - وهم الحُمْسُ - يَقِفون بالمزدلفة ، ويَقولون : نَحْنُ أَهْلُ اللّه..
وكانوا يَتعاظمون أَنْ يَقفوا معَ سائرِ الناسِ بعرفات ، فإِذا أَفاضَ الناسُ من عرفاتٍ أفاضَ الحُمْسُ من المزدلفة ، فلما جاءَ محمدٌ أَمَرَهم أَنْ يَقِفوا مع سائِر الناس ، ثم يُفيضوا منها إِلى جمع ".
وخَرَجَ من ذلك بالنتيجةِ الشيطانيةِ الخبيثة ، التي اعتبرَ بها الإِسلامَ مأخوذاً من الجاهلية ، قال : " ونحنُ نسأل : أَليسَ الأَمْرُ بالوُقوفِ على عرفات والإِفاضةِ منها كسائرِ الناسِ في الجاهلية دَليلاً على أَنَّ أَركانَ الحَجّ من أَصْلٍ وثنيّ ، وأَنه ليس من التشريعِ السماويِّ في شيء ؟ ".
طريقةُ الفادي في البحثِ والاستدلالِ والاستنباطِ عجيبة غريبة ، مُثيرةٌ للسخريةِ.
فالإِسلامُ عنده مأخوذ منَ الممارساتِ الجاهلية ، والعاداتِ الوثنية ، بدليل وجودِ آيةٍ في القرآن تُصحّحُ أَداءَ قريشٍ لمناسكِ الحج ، فقد كانَ القرشيّونَ في الجاهليةِ لا يَحُجّونَ مع باقي الناس ، فلما أَمَرَهم القرآنُ بالحجّ
مع الناس ، والوقوفِ بعرفةَ مع الناس ، والإِفاضةِ معهم إِلى مزدلفة ، دَلَّ هذا على أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ أَحكامَه من الجاهلية! مع أَنه يَدْعوهم إِلى التخلّي عن تلك الجاهلية!.
***
هل أركان الحج من الجاهلية ؟
عادَ الفادي المفترِي إِلى التأكيدِ على أَنَّ كُلَّ أَعمالِ الحَجِّ ومناسِكِه مأخوذة من الجاهلية ، وهي المسألةُ التي تحدَّثَ عنها أَكثرَ من مرةٍ فيما مضى.
فبعدَ أَنْ ذَكَرَ أَربعَ آياتٍ من سورةِ البقرةِ تتحدَّثُ عن الحج ، استخرجَ منها دلالتَه العجيبةَ المعتادة : " كان اسْمُ شهرِ ذي الحِجَّةِ المخصَّصِ للحَجِّ موجوداً قبلَ الإِسلام ، وكذلك كان الإِحرامُ *وهو البُعْدُ عن الرَّفَثِ والصَّيْد* موجوداً قبلَ الإِسلام ، كما كانت التجارةُ في الحَجّ موجودةً قبل الإِسلام ، وكذلك الإِفاضةُ من عرفاتٍ وإِلقاءُ الخُطَب وذِكْرُ المناقبِ عندَ المشْعَرِ الحرام ...
فاتَّخَذَ الإِسلامُ عاداتِه وشعائِرَه من عادات العرب المشركين..".
الإِسلامُ عند الفادي المفترِي ليسَ من عندِ اللّه ، وإِنما هو من وَضْعِ واختيارِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، أَخَذَه وانْتَقاهُ من عادات العرب المشركين في الجاهلية ، حيثُ كان يَلْتَقي بهم ، ويَختارُ من حياتِهم ما يريد ، ثم يُسجلُه ويقدمُه لأَصحابِه ، زاعماً أَنَّ اللهَ أَوحى به إِليه!.
والدليلُ عندَ المفترِي على ذلك ، أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ شعائرَ وعاداتِ الحج من العربِ الجاهليّين ، وزَعَمَ أَنَّ اللّهَ هو الذي أَوحى به إِليه : أَبْقى اسْمَ شهرِ الحَجّ " ذي الحجة " على اسْمِه الجاهلي ، وأَبْقى الإِحرامَ على صورتِه الجاهلية ، وأَبْقى التجارةَ في موسمِ الحَجِّ كما كانتْ عليه في الجاهلية ، وأَبْقى الإِفاضةَ من عرفاتٍ على ما كان يَفعلُه أَهْلُ الجاهلية!!.
ولو كانَ الحَجُّ تشريعاً من عندِ اللّه لأَلْغى كُلَّ هذه الأَعمالِ الجاهلية ، وأَمَرَ بأَعمالٍ إسلاميةٍ جديدة!!.
وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في هذا الأَمْر ، وبَيّنّا أَنَّ الحَجَّ ذو نَسَبِ إِيماني ، وأَنه سابِقٌ على العَرَبِ الجاهليّين ، وأَوَّلُ مَنْ حَجَّ هو إِبراهيمُ الخلَيلُ - عليه السلام - ، والعَربُ المشركونَ في الجاهليةِ تَوارَثوا أعمالَ وشعائِرَ الحَجِّ عن إبراهيم - عليه السلام - ، وأَضافوا لها الكثيرَ من ممارساتِهم الخاطئة ، التي تَقومُ على الشركِ باللّه ، فلما جاءَ الإِسلامُ أَزالَ الممارساتِ الجاهليةَ الخاطئةَ عن مناسكِ الحج ، وأَعادها إِلى أَصْلِها الإِيمانيِّ العريق ، وأَبقى الأَعمالَ النظيفةَ والشعائِرَ الصحيحةَ ، لأَنها إِيمانيةُ الأَصل ، كالوقوفِ بعَرَفَة والإِفاضة والإِحرام ، فهي ليستْ عاداتٍ وشعائرَ مأخوذةً من الجاهليةِ كما زَعَمَ الفادي الجاهل!.
***
حول توزيع الزكاة
حَدَّدَ اللّهُ الأَصنافَ الذين تُدْفَعُ لهم الزكاة ، وبَيَّنَ أَنها ثَمانيةُ أَصْنافٍ فقط! قال تعالى : *إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *60*.
وقد اعترضَ الفادي المفترِي على بَعْضِ مَصارفِ الزكاة ، واعتبرَ دَفْعَها لبعضِ الأَصنافِ المذكورين في الآية نوعاً من الرشوة ، التي لا تَتفقُ مع دينِ اللّه!
قال : " ومَعلومٌ أَنَّ الزكاةَ هي أَحَدُ أَركانِ الدينِ الإِسلاميِّ الخمسة ، التي هي : الصلاةُ والزكاةُ والصومُ والحَجُّ والشهادتان.
فهي من صميم الدينِ الإِسلامي ، وهي ليستْ مخصصَةً للفقراءِ والمساكين ، ولكن يُصْرَفُ منها في أَغراضٍ إِسلاميةٍ بحتة ، وصُرِفَ منها للمؤلَّفةِ قلوبُهم ، ولو كانوا أَغنياء ، لاستمالتِهم لقَبولِ الإِسْلام ، وتُصْرَفُ في شراءِ الأَسلحةِ وتَجهيزِ الجُنْدِ لقتال الكفار ، والجهادِ في سبيل الإِسلام ...
وللمسيحيّين كتابُهم المقَدَّس ، الذي يَقْضي بتقديم العُشورِ للصَّرْفِ على الفقراء ، وتَعمير الكنائس ، وإعالةِ رجال الدين ، ونَشْرِ الكتابِ المُقَدَّس ومبادئ المسيحية..
ويُحَرِّمُ الكتابُ المقَدَّسُ الدعوةَ للدّين باستخدامِ المال للاستمالة ، أَو السيفِ للإِرهاب ، فأَتْباعُ الدينِ المسيحيِّ قَدَّموا دعوتَه بالمحبةِ والشجاعةِ والتضحيةِ على مثال المسيح.. " *1*.
يَرى المفترِي أَنَّ إِعطاءَ المؤلَّفَةِ قلوبُهم من الزكاة خَطَأٌ " لأَنه لا يَجوزُ استخدامُ المال لنشْرِ الدعوةِ أَوْ ترغيبِ الآخَرين ، ويَذْكُرُ أَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُحَرِّمُ ذلك على المسيحيّين ، ويأمُرُهم بالدعوةِ بالمحبةِ والشجاعةِ والتضحية!.
وإِنَّ اللّهَ العليمَ الحكيمَ يَعلمُ أَثَرَ المال الإِيجابيَّ في بعضِ النًّفوس ، ولذلك أَجازَ تأْليفَ قُلوبِ بَعْضهم بجزءٍ من مالِ الزكاة ، إمّا بترغيبهم في الإسلام واستمالتِهم وتقريبِهم إِليه ، وإِمّا بتحييدِهم أَوْ تَقَليلِ عَداويهم للإِسلامِ والمسلمين.
وليس في هذا شيء ، فما زال الناسُ قَديماً وحَديثاً يُعْطون ويُهْدون ، ويُوَثّقونَ روابطهم وعلاقاتِهم بشيءٍ من المال يدفعونَه لهذه الغاية!.
ويَفْتَري القادي عندما يَزعمُ أَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ حَرَّمَ على النصارى
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :

120- تحليل الإغراء بالمال
إن فى القرآن أن من مصارف الزكاة *والمؤلفة قلوبهم* وهذا إغراء بالمال للدخول فى الإسلام.
الرد على الشبهة :
إذا كان الإحسان إلى الناس إغراء لهم بالدخول فى الإسلام. فما بال النصارى ينشئون المستشفيات والمبرات الخيرية فى بلاد المسلمين وفى غير بلاد المسلمين لغرض التنصير والصد عن سبيل الله ؟ وفى الدين الإسلامى أخذ الجزية من اليهود والنصارى إذا أصروا على ما نشأوا عليه. ولو كان التأليف إغراء ؛ لما أخذ المسلمون منهم أموال الجزية. ذلك قوله تعالى : *قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون * *1*.
وهل يسمى النصارى مكارم الأخلاق إغراء ؟ والمؤلفة قلوبهم هم الذين ألف الله بين قلوبهم لقوله : *وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم * *2* وللتأليف أسبابه. ومنها الإنفاق على طلاب العلم الذين يتولون هدايتهم إلى الله. وذلك بفتح دور للعلم فيها ليتعلم الطلاب لغات الأمم ، ثم ينتشرون لتعليمهم وإزالة شبه الشيطان عن دينهم ، ووضع القرآن بينهم ، وما شابه ذلك. وهذا يُنفق عليه من أموال الزكاة. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* التوبة : 29.
*2* الأنفال : 63.
استخدامَ المالِ للدعوةِ والاستمالةِ والتَبْشير ، فالجمعيّاتُ التنصيريةُ النصرانيةُ هي أَكثرُ الجمعياتِ استخْداماً للمالِ للتَّنْصير ، والرهبانُ أَكثرُ الناسِ دَفْعاً للأَموال تَرْغيباً في اعتناقِ النصرانية ، وتَرْصدُ الكنائسُ الملايينَ من الدولاراتِ لهذه الغاية ، وتنتشرُ مجموعاتُ التَّنْصيرِ في كلِّ بِلادِ العالم ، وتُرَكِّزُ على ممارسةِ التَّنْصِيرِ بينَ المسلمين على وَجْهِ الخصوص ، وتَقومُ على الدفعِ والإِغراءِ بالمال..
ويقولُ لنا الفادي المفترِي بعدَ ذلك : يَحرمُ على النصارى استخدامُ المالِ للدعوة.
وهم يَنْشرونَ دعوتَهم بالمحبةِ والتضحية!!.
كما يَرى الفادي المفترِي أَنَّ صرفَ جُزْءٍ من الزكاةِ لجهادِ وقتالِ الكفارِ خَطَأ ، ويعتبرُه نوعاً من سوءِ استخدامِ المال ، وإِنفاقِهِ للإِرْهاب !.
وكلامُه باطل ، فاللّهُ أَوْجبَ على المسلمين جهادَ الأَعداءِ الطّامعين فيهم ، والشِّد والغلظةَ في قتالِهم ، وإِيقافَ عُدْوانهم ، وإِبطالَ مكائِدِهم ومُخَطّطاتِهم ضدَّهم ، وَوَعَدَهم على ذلك جزيلَ الأَجْرِ والثواب!
ومعلومٌ أَنَّ الجهادَ في سبيلِ اللّهِ يَحتاجُ إِلى كثيرٍ من الأَموالِ للإِنفاقِ عليه ، ولذلك جعلَ اللّهُ الإِنفاقَ عليه سهماً من أَسهمِ الزكاةِ الثمانية ، واللّهُ عليمٌ حكيمٌ في تَشريعِه سبحانه!.
***
توجيه تفضيل الرجال على النساء
ذَكَرَ الفادي آيَتَيْنِ تَتَحَدَّثانِ عن الصلةِ بينَ الرجالِ والنِّساء.
هما قولُه تعالى : *وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ*.
وقولُه تعالى : *الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ*.
ونَقَلَ كَلاماً للبيضاويِّ في تفسيرِ الآيَتَيْن ، وبيانِ معنى القوامةِ والدرَجة ، وأسبابِ ذلك.
ثم عَلَّقَ على ذلك مُخطِّئاً القرآنَ والإسلام ، فقال : " ونحنُ نَسأل : لماذا يَهْضِمُ الإِسلامُ حُقوقَ المرأة ، فيعتبرُ من حَقِّ الرجلِ أَن يَملكَ نفسَها ، بينما لا تمتلكُ المرأةُ إِلّا نَصيباً منْ مالِه ؟
الطبيعيُّ أَنْ يكونَ جسدُ الرجلِ مِلْكَ المرأة ، وجَسَدُ المرأةِ مِلْكَ الرجُل ، ولماذا يستبدُّ الرجلُ بالفِراق ، ولا يُسمحُ للمرأَةِ بالفراق إِذا رَأَتْ ذلك ، في حالةِ خيانتِه ، وإِنْ كانَ من العيبِ أَنْ تَضربَ المرأةُ الرجلَ ، فلماذا تَسمحُ الشريعةُ الإِسلاميةُ للرجلِ أَنْ يَضربَ المرأة ؟ " *1*.
يَجِبُ أَنْ نُفرقَ أَوّلاً بينَ القوامةِ والتَّفْضيل ، فالقوامَةُ منزلةٌ دنيوية ، تَقومُ على المسؤوليةِ لمواهبَ وقُدُرات ، أَمّا التفضيلُ فهو منزلةٌ دينية إِيمانية ، يَرتفعُ بها صاحِبُهَا عندَ اللّه.
لقد جعل اللّهُ القوامةَ في الدنيا للرجالِ على النِّساء ، بمعنى أَنه أَعطى مسؤوليةَ إِدارةِ الأُسرةِ والبيتِ للرجُل ، فهو صاحبُ القِوامةِ والمسؤوليةِ والقيادةِ والحكمِ في هذه المؤسسة.
وذَكرت الآيةُ سَبَبَيْن لجعْلِ القوامةِ للرجال :
*الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ* ...
السببُ الأوَّل : ما منحهُ اللّهُ للرجالِ من مواهبَ وطاقاتٍ خاصّة ، تَمَيَّزوا بها عن النساء ، تُؤَهِّلُهم للقيامِ بواجبِ القوامة ، وإِدارةِ شُؤونِ الأُسْرَة ، وفَضَّلَهم اللّهُ بهذه المواهبِ تَفْضيلاً دُنيوياً.
السببُ الثاني : ما أَوجبهُ اللّهُ على الرجال من إِنفاقِ الأَموالِ على مُؤَسَّسةِ الأُسْرَة ، فالإِنفاقُ واجبٌ على الرجل ، ولا يَجبُ على امرأَتِه أَنْ تُنفقَ شيئاً ولو كانتْ تملكُ المالَ الكثير.
وكونُ القوامةِ الدنيويةِ بيدِ الرِّجالِ لا يَعْني أَنَّ جِنْسَ الرجالِ أَفْضلُ من جنس النساءِ عندَ اللّه ، فأَساسُ التفضيلِ عندَ اللّه ليس الجنسَ أَو اللون ، إِنما هو الإِيمانُ والتقوى ، كما قالَ اللّه تعالى : *إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ* ،فإذا كانت المرأةُ صالحةً تقيةً كانتْ أَفضلَ عندَ اللّه من زوجِها غيرِ التَّقِيّ ، أَو الأَدنى منها في التقوى.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
134- الرجال قوَّامون على النساء
الرد على الشبهة :
فى المدينة المنورة نزلت آيات " القوامة " قوامة الرجال على النساء.. وفى ظل المفهوم الصحيح لهذه القوامة تحررت المرأة المسلمة من تقاليد الجاهلية الأولى ، وشاركت الرجال فى العمل العام مختلف ميادين العمل العام على النحو الذى أشرنا إلى نماذجه فى القسم الأول من هذه الدراسة ؛ فكان مفهوم القوامة حاضراً طوال عصر ذلك التحرير.. ولم يكن عائقاً بين المرأة وبين هذا التحرير..
ولحكمة إلهيةِ قرن القرآن الكريم فى آيات القوامة بين مساواة النساء للرجال وبين درجة القوامة التى للرجال على النساء ، بل وقدم هذه المساواة على تلك الدرجة ، عاطفاً الثانية على الأولى ب " واو " العطف ، دلالة على المعية والاقتران.. أى أن المساواة والقوامة صنوان مقترنان ، يرتبط كل منهما بالآخر ، وليسا نقيضين ، حتى يتوهم واهم أن القوامة نقيض ينتقص من المساواة..
لحكمة إلهية جاء ذلك فى القرآن الكريم ، عندما قال الله سبحانه وتعالى فى الحديث عن شئون الأسرة وأحكامها :
*ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم * *1*.
وفى سورة النساء جاء البيان لهذه الدرجة التى للرجال على النساء فى سياق الحديث عن شئون الأسرة ، وتوزيع العمل والأنصبة بين طرفى الميثاق الغليظ الذى قامت به الأسرة الرجل والمرأة فإذا بآية القوامة تأتى تالية للآيات التى تتحدث عن توزيع الأنصبة والحظوظ والحقوق بين النساء وبين الرجال ، دونما غبن لطرف ، أو تمييز يخل بمبدأ المساواة ، وإنما وفق الجهد والكسب الذى يحصِّل به كل طرف ما يستحق من ثمرات..*ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليماً * ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيداً * الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم..* *2*.
ولقد فقه حبر الأمة ، عبد الله بن عباس [ 3ق هجرية 68 هجرية / 619 687م ] الذى دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم ربه أن يفقهه فى الدين فهم الحكمة الإلهية فى اقتران المساواة بالقوامة ، فقال فى تفسيره لقول الله ، سبحانه وتعالى - : *ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف* تلك العبارة الإنسانية ، والحكمة الجامعة : " إننى لأتزين لامرأتى ، كما تتزين لى ، لهذه الآية " !
وفهم المسلمون قبل عصر التراجع الحضارى ، الذى أعاد بعضاً من التقاليد الجاهلية الراكدة إلى حياة المرأة المسلمة مرة أخرى - أن درجة القوامة هى رعاية رُبّان الأسرة الرجل لسفينتها ، وأن هذه الرعاية هى مسئولية وعطاء.. وليست ديكتاتورية ولا استبدادا ينقص أو ينتقص من المساواة التى قرنها القرآن الكريم بهذه القوامة ، بل وقدمها عليها..
ولم يكن هذا الفهم الإسلامى لهذه القوامة مجرد تفسيرات أو استنتاجات ، وإنما كان فقهاً محكوماً بمنطق القواعد القرآنية الحاكمة لمجتمع الأسرة ، وعلاقة الزوج بزوجه.. فكل شئون الأسرة تُدار ، وكل قراراتها تُتَّخذ بالشورى ، أى بمشاركة كل أعضاء الأسرة فى صنع واتخاذ هذه القرارات ، لأن هؤلاء الأعضاء مؤمنون بالإسلام والشورى صفة أصيلة من صفات المؤمنين والمؤمنات *والذين يجتنبون كبائرالإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون *والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون * والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون* *3*.
فالشورى واحدة من الصفات المميزة للمؤمنين والمؤمنات ، فى كل ميادين التدبير وصناعة القرار.. والأسرة هى الميدان التأسيسى والأول فى هذه الميادين.. تجبُ هذه الشورى ، ويلزم هذا التشاور فى مجتمع الأسرة - لتتأسس التدابير والقرارات على الرضا ، الذى لا سبيل إليه إلا بالمشاركة الشورية فى صنع القرارات.. يستوى فى ذلك الصغير والخطير من هذه التدابير والقرارات.. حتى لقد شاءت الحكمة الإلهية أن ينص القرآن الكريم على تأسيس قرار الرضاعة للأطفال - أى سقاية المستقبل وصناعة الغد على الرضا الذى تثمره الشورى.. ففى سياق الآيات التى تتحدث عن حدود الله فى شئون الأسرة.. تلك الحدود المؤسسة على منظومة القيم.. والمعروف.. والإحسان.. ونفى الجُناح والحرج.. وعدم المضارة والظلم والعدوان.. والدعوة إلى ضبط شئون الأسرة بقيم التزكية والطهر ، لا " بترسانة " القوانين الصماء !.. فى هذا السياق ينص القرآن الكريم على أن تكون الشورى هى آلية الأسرة فى صنع كل القرارات : *والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير* *4*.
هكذا فهم المسلمون معنى القوامة.. فهى مسئولية وتكاليف للرجل ، مصاحبة لمساواة النساء بالرجال.. وبعبارة الإمام محمد عبده : " إنها تفرض على المرأة شيئاً وعلى الرجل أشياء ".
وكانت السنة النبوية فى عصر البعثة البيان النبوى للبلاغ القرآنى فى هذا الموضوع.. فالمعصوم صلى الله عليه وسلم الذى حمّله ربه الحمل الثقيل فى الدين.. والدولة.. والأمة.. والمجتمع - *إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلاً * *5*. هو الذى كان فى خدمة أهله - أزواجه - وكانت شوراهن معه وله صفة من صفات بيت النبوة ، فى الخاص والعام من الأمور والتدابير.. ويكفى أن هذه السنة العملية قد تجسدت تحريراً للمرأة ، شاركت فيه الرجال بكل ميادين الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية.. وحتى القتال.. كما كان صلى الله عليه وسلم دائم التأكيد على التوصية بالنساء خيراً..فحريتهن حديثة العهد ، وهن قريبات من عبودية التقاليد الجاهلية ، واستضعافهن يحتاج إلى دوام التوصية بهن والرعاية لهن.. وعنه صلى الله عليه وسلم تروى أقرب زوجاته إليه عائشة رضى الله عنها : " إنما النساء شقائق الرجال " رواه أبو داود والترمذى والدارمى والإمام أحمد وعندما سئلت :
ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل فى بيته ؟
قالت : " كان بشراً من البشر ، يغلى ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه " رواه الإمام أحمد يفعل ذلك ، وهو القَوَّام على الأمة كلها ، فى الدين والدولة والدنيا جميعاً !..وفى خطبته صلى الله عليه وسلم بحجة الوداع [ 10 هجرية / 632 م ] وهى التى كانت إعلانا عالميا خالداً للحقوق والواجبات الدينية والمدنية - كما صاغها الإسلام أفرد صلى الله عليه وسلم للوصية بالنساء فقرات خاصة ، أكد فيها على التضامن والتناصر بين النساء والرجال فى المساواة والحقوق والواجبات فقال : " ألا واستوصوا بالنساء خيراً ، فإنهن عوان عندكم ، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً.. فاتقوا الله فى النساء ، واستوصوا بهن خيراً ، ألا هل بلغت !. اللهم فاشهد " *6*.
هكذا فُهمت القوامة فى عصر التنزيل.. فكانت قيادة للرجل فى الأسرة ، اقتضتها مؤهلاته ومسئولياته فى البذل والعطاء.. وهى قيادة محكومة بالمساواة والتناصر والتكافل بين الزوج وزوجه فى الحقوق والواجبات ومحكومة بالشورى التى يسهم بها الجميع ويشاركون فى تدبير شئون الأسرة.. هذه الأسرة التى قامت على " الميثاق الغليظ " ميثاق الفطرة والذى تأسس على المودة والرحمة ، حتى غدت المرأة فيها السكن والسكينة لزوجها حيث أفضى بعضهم إلى بعض ، هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن ، فهى بعض الرجل والرجل بعض منها : *بعضكم من بعض* *7* - *ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون * *8* *هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن * *9* *وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا * *10*.
وإذا كانت القوامة ضرورة من ضروريات النظام والتنظيم فى أية وحدة من وحدات التنظيم الاجتماعى ، لأن وجود القائد الذى يحسم الاختلاف والخلاف ، هو مما لا يقوم النظام والانتظام إلا به.
فلقد ربط القرآن هذه الدرجة فى الريادة والقيادة بالمؤهلات وبالعطاء ، وليس بمجرد " الجنس " فجاء التعبير : *الرجال قوامون على النساء* وليس كل رجل قوّام على كل امرأة.. لأن إمكانات القوامة معهودة فى الجملة والغالب لدى الرجال ، فإذا تخلفت هذه الإمكانات عند واحد من الرجال ، كان الباب مفتوحاً أمام الزوجة إذا امتلكت من هذه المقومات أكثر مما لديه لتدير دفة الاجتماع الأسرى على نحو ما هو حادث فى بعض الحالات !..
هكذا كانت القوامة فى الفكر والتطبيق فى عصر صدر الإسلام.. لكن الذى حدث بعد القرون الأولى وبعد الفتوحات التى أدخلت إلى المجتمع الإسلامى شعوباً لم يذهب الإسلام عاداتها الجاهلية ، فى النظر إلى المرأة والعلاقة بها ، قد أصاب النموذج الإسلامى بتراجعات وتشوهات أشاعت تلك العادات والتقاليد الجاهلية فى المجتمعات الإسلامية من جديد..
ويكفى أن نعرف أن كلمةٍ " عَوَان " التى وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بها النساء ، فى خطبة حجة الوداع ، والتى تعنى فى [ لسان العرب ] : " النَّصَف والوسط " *11* أى الخيار وتعنى ذات المعنى فى موسوعات مصطلحات الفنون *12*.. قد أصبحت تعنى - فى عصر التراجع الحضارى - أن المرأة أسيرة لدى الرجل ، وأن النساء أسرى عند الرجال.. وأن القوامة هى لون من " القهر " لأولئك النساء الأسيرات !! حتى وجدنا إماماً عظيماً مثل ابن القيم ، يعبر عن واقع عصره العصر المملوكى فيقول هذا الكلام الغريب والعجيب : " إن السيد قاهر لمملوكه ،حاكم عليه ، مالك له. والزوج قاهر لزوجته ، حاكم عليها ، وهى تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير " *13* !!
وهو فهم لمعنى القوامة ، وعلاقة الزوج بزوجه ، يمثل انقلاباً جذريا على إنجازات الإسلام فى علاقة الأزواج بالزوجات !.. انقلاب جذريًّا فالعادات والتقاليد الجاهلية التى أصبحت تغالب قيم الإسلام فى تحرير المرأة ومساواة النساء للرجال..
ووجدنا كذلك فى عصور التقليد والجمود الفقهى تعريف بعض " الفقهاء " لعقد النكاح ، فإذا به : " عقد تمليك بضع الزوجة " !!.. وهو انقلاب على المعانى القرآنية السامية لمصطلحات " الميثاق الغليظ " و " المودة ".. والرحمة.. والسكن والسكينة.. وإفضاء كل طرف إلى الطرف الآخر ، حتى أصبح كل منهما لباساً له "..
هكذا حدث الانقلاب ، فى عصور التراجع الحضارى لمسيرة أمة الإسلام..
ولذلك ، كان من مقتضيات البعث الحضارى ، الحديث والمعاصر ، لنموذج الإسلام فى تحرير المرأة وإنصافها ، كبديل للنموذج الغربى الذى اقتحم عالم الإسلام فى ركاب الغزوة الاستعمارية الغربية لبلادنا والذى شقيت وتشقى به المرأة السوية فى الغرب ذاته كان من مقتضيات ذلك إعادة المفاهيم الإسلامية الصحيحة لمعنى قوامة الرجال على النساء.. وهى المهمة التى نهضت بها الاجتهادات الإسلامية الحديثة والمعاصرة لأعلام علماء مدرسة الإحياء والتجديد..
فالإمام محمد عبده ، قد وقف أمام آيات القوامة *ولهن مثل الذىعليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة* *14* فإذا به يقول :
" هذه كلمة جليلة جداً ، جمعت على إيجازها مالا يُؤَدى بالتفصيل إلا فى سفر كبير ، فهى قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل فى جميع الحقوق ، إلا أمراً واحداً عبّر عنه بقوله : *وللرجال عليهن درجة* وقد أحال فى معرفة ما لهن وما عليهن على المعروف بين الناس فى معاشراتهن ومعاملاتهن فى أهليهن ، وما يجرى عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم..
فهذه الجملة تعطى الرجل ميزانا يزن به معاملته لزوجه فى جميع الشئون والأحوال ، فإذا همّ بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه ، ولهذا قال ابن عباس ، رضى الله عنهما : إننى لأتزين لامرأتى كما تتزين لى ، لهذه الآية.
وليس المراد بالمثل المثل بأعيان الأشياء وأشخاصها ، وإنما المراد : أن الحقوق بينهما متبادلة ، وأنهما كفئان ، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها ، وإن لم يكن مثله فى شخصه ، فهو مثله فى جنسه ، فهما متماثلان فى الذات والإحساس والشعور والعقل ، أى أن كلا منهما بشر تام له عقل يتفكر فى مصالحه ، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به ، ويكره مالا يلائمه وينفر منه ، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر ويتخذه عبدا يستذله ويستخدمه فى مصالحه ، ولا سيما بعد عقد الزوجية والدخول فى الحياة المشتركة التى لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه..
هذه الدرجة التى رُفع النساء إليها لم يرفعهن إليها دين سابق ولا شريعة من الشرائع ، بل لم تصل إليها أمة من الأمم قبل الإسلام ولا بعده..
لقد خاطب الله تعالى النساء بالإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة ، فى العبادات والمعاملات ، كما خاطب الرجال ، وجعل لهن مثل ما جعله عليهن ، وقرن أسماءهن بأسمائهم فى آيات كثيرة ، وبايع النبى صلى الله عليه وسلم المؤمنات كما بايع المؤمنين ، وأمرهن بتعلم الكتاب والحكمة كما أمرهم ، وأجمعت الأمة على ما مضى به الكتاب والسنة من أنهن مجزيات على أعمالهن فى الدنيا والآخرة..
وأما قوله تعالى : *وللرجال عليهن درجة* فهو يوجب على المرأة شيئاً ، وذلك أن هذه الدرجة درجة الرياسة والقيام على المصالح ، المفسرة بقوله تعالى *الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم* *15*.
إن الحياة الزوجية حياة اجتماعية ، ولا بد لكل اجتماع من رئيس ، لأن المجتمعين لابد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم فى بعض الأمور ، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يُرجع إلى رأيه فى الخلاف ، لئلا يعمل كل ضد الآخر فتفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل النظام ، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة ، وأقدر على التنفيذ بقوته وماله ، ومن ثم كان هو المطالب شرعاً بحماية المرأة والنفقة عليها ، وكانت هى مطالبة بطاعته فى المعروف.
إن المراد بالقيام " القوامة " هنا هو الرياسة التى يتصرف فيها المرؤوس بإرادته واختياره ، وليس معناه أن يكون المرؤوس مقهورا مسلوب الإرادة لا يعمل عملا إلا ما يوجهه إليه رئيسه.
إن المرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد ، فالرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة البدن.
أما الذين يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة فى بيوتهم ، فإنما يلدون عبيدًا لغيرهم "*16* !!.
" وإذا كانت عصور التراجع الحضارى كما سبق وأشرنا قد استبدلت بالمعانى السامية لعقد الزواج المودة ، والرحمة ، والسكن والميثاق الغليظ " ذلك المعنى الغريب "عقد تمليك بُضع الزوجة " ! - وعقد أسر وقهر !. فلقد أعاد الاجتهاد الإسلامى الحديث والمعاصر الاعتبار إلى المعانى القرآنية السامية.. وكتب الشيخ محمود شلتوت [ 13101383 هجرية 1893 1963م ] فى تفسيره للقرآن الكريم تحت عنوان [ الزواج ميثاق غليظ ] يقول :
" لقد أفرغت سورة النساء على عقد الزواج صبغة كريمة ، أخرجته عن أن يكون عقد تمليك كعقد البيع والإجارة ، أو نوعا من الاسترقاق والأسر حيث أفرغت عليه صبغة " الميثاق الغليظ ".
ولهذا التعبير قيمته فى الإيحاء بموجبات الحفظ والرحمة والمودة. وبذلك كان الزواج عهدا شريفاً وميثاقاً غليظاً ترتبط به القلوب ، وتختلط به المصالح ، ويندمج كل من الطرفين فى صاحبه ، فيتحد شعورهما ، وتلتقى رغباتهما وآمالهما. كان علاقة دونها علاقة الصداقة والقرابة ، وعلاقة الأبوة والبنوة*هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن* *17* *ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون* *18*. يتفكرون فيدركون أن سعادة الحياة الزوجية إنما تُبنى على هذه العناصر الثلاثة : السكن والمودة والرحمة..
وإذا تنبهنا إلى أن كلمة *ميثاق* لم ترد فى القرآن الكريم إلا تعبيرًا عما بين الله وعباده من موجبات التوحيد ، والتزام الأحكام ، وعما بين الدولة والدولة من الشئون العامة والخطيرة ، علمنا مقدار المكانة التى سما القرآن بعقد الزواج إليها ، وإذا تنبهنا مرة أخرى إلى أن وصف الميثاق " بالغليظ " لم يرد فى موضع من مواضعه إلا فى عقد الزواج وفيما أخذه الله على أنبيائه من مواثيق*وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً* *19*. تضاعف لدينا سمو هذه المكانة التى رفع القرآن إليها هذه الرابطة السامية ".
ثم تحدث الشيخ شلتوت عن المفهوم الإسلامى الصحيح " للقوامة " فقال :
".. وبينت السورة الدرجة التى جعلها الله للرجال على النساء ، بعد أن سوى بينهما فى الحقوق والواجبات ، وأنها لا تعدو درجة الإشراف والرعاية بحكم القدرة الطبيعية التى يمتاز بها الرجل على المرأة ، بحكم الكد والعمل فى تحصيل المال الذى ينفقه فى سبيل القيام بحقوق الزوجة والأسرة ، وليست هذه الدرجة درجة الاستعباد والتسخير ، كما يصورها المخادعون المغرضون " *20*.
تلك هى شبهة الفهم الخاطىء والمغلوط لقوامة الرجال على النساء.. والتى لا تعدو أن تكون الانعكاس لواقع بعض العادات الجاهلية التى ارتدت فى عصور التراجع الحضارى لأمتنا الإسلامية فغالبت التحرير الإسلامى للمرأة حتى انتقلت بالقوامة من الرعاية والريادة ، المؤسسة على إمكانات المسئولية والبذل والعطاء ، إلى قهر السيد للمسود والحر للعبد والمالك للمملوك !.
ولأن هذا الفهم غريب ومغلوط ، فإن السبيل إلى نفيه وإزالة غباره وآثاره هو سبيل البديل الإسلامى الذى فقهه الصحابة ، رضوان الله عليهم للقوامه.. والذى بعثه من جديد الاجتهاد الإسلامى الحديث والمعاصر ، ذلك الذى ضربنا عليه الأمثال من فكر وإبداع الشيخ محمد عبده والشيخ محمود شلتوت.
بل إننا نضيف ، للذين يرون فى القوامة استبدادا بالمرأة وقهرا لها سواء منهم غلاة الإسلاميين الذين ينظرون للمرأة نظرة دونية ، ويعطلون ملكاتها وطاقاتها بالتقاليد أو غلاة العلمانيين ، الذين حسبوا ويحسبون أن هذا الفهم المغلوط هو صحيح الإسلام وحقيقته ، فيطلبون تحرير المرأة بالنموذج الغربى.. بل وتحريرها من الإسلام !.. أقول لهؤلاء جميعاً :
إن هذه الرعاية التى هى القوامة ، لم يجعلها الإسلام للرجل بإطلاق.. ولم يحرم منها المرأة بإطلاق.. وإنما جعل للمرأة رعاية - أى " قوامة " - فى الميادين التى هى فيها أبرع وبها أخبر من الرجال.. ويشهد على هذه الحقيقة نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالأمير الذى على الناس راع عليهم ، وهو مسئول عنهم ، والرجل راع على أهل بيته ، وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده ، وهى مسئولة عنهم.. ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن راعيته " رواه البخارى والإمام أحمد.
فهذه الرعاية "القوامة "-هى فى حقيقتها " تقسيم للعمل " تحدد الخبرةُ والكفاءةُ ميادين الاختصاص فيه.. فالكل راع ومسئول-وليس فقط الرجال هم الرعاة والمسئولون-وكل صاحب أو صاحبة خبرة وكفاءة هو راع وقوّام أو راعية وقوّامة على ميدان من الميادين وتخصص من التخصصات.. وإن تميزت رعاية الرجال وقوامتهم فى الأسر والبيوت والعائلات وفقاً للخبرة والإمكانات التى يتميزون بها فى ميادين الكد والحماية..فإن لرعاية المرأة تميزاً فى إدارة مملكة الأسرة وفى تربية الأبناء والبنات.. حتى نلمح ذلك فى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذى سبق إيراده - عندما جعل الرجل راعياً ومسئولاً على " أهل بيته " بينما جعل المرأة راعية ومسئولة على " بيت بعلها وولده "..
فهذة " القوامة " - توزيع للعمل ، تحدد الخبرة والكفاءة ميادينه.. وليست قهراً ولا قَسْراً ولا تملكا ولا عبودية ، بحال من الأحوال..
هكذا وضحت قضية القوامة.. وسقطت المعانى الزائفة والمغلوطة لآخر الشبهات التى يتعلق بها الغلاة.. غلاة الإسلاميين.. وغلاة العلمانيين.
فالطريق مفتوح أمام إنهاض المرأة بفكر متزن يرى أنها مع الرجل قد خلقا من نفس واحدة وتساويا فى الحقوق والواجبات واختلفت وظائف كل منهما إختلاف تكامل كتكامل خصائصهما الطبيعية لعمارة الدنيا وعبادة الله الواحد الأحد. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* البقرة : 228.
*2* النساء : 32-34.
*3* الشورى : 37 - 39.
*4* البقرة : 233.
*5* المزمل : 5.
*6* [مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة] ص283. جمعها وحققها : د. محمد حميد الله. طبعة القاهرة سنة 1956م.
*7* آل عمران : 195.
*8* الروم : 21.
*9* البقرة : 187.
*10* النساء : 21.
*11* ابن منظور [ لسان العرب ] طبعة دار المعارف. القاهرة.
*12* انظر : الراغب الأصفهانى [ المفردات فى غريب القرآن ] طبعة دار التحرير. القاهرة سنة 1991م. وأبو البقاء الكفوى [ الكليات ] ق2 ص287. تحقيق : د. عدنان درويش ، طبعة دمشق سنة 1982م.
*13* [ إعلام الموقعين ] ج2 ص106. طبعة بيروت سنة 1973م.
*14* البقرة : 228.
*15* النساء : 34.
*16* [ الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ] ج 4 ص 606 - 611- وج5 ص 201، 203. دراسة وتحقيق : د. محمد عمارة. طبعة القاهرة 1993م.
*17* البقرة : 187.
*18* الروم : 21.
*19* النساء : 21.
*20* [ تفسير القرآن الكريم ] ص 172 174. طبعة القاهرة 1399 هجرية 1979م.
وقد جَعَلَ اللّهُ للرجال على النساءِ درجةً ، بعدَما ساوى بينهما في الحقوق والواجبات ، وذلك في قوله تعالى : *وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ*.
والدرجةُ التي للرجال على النساء مرتبطةٌ بالقوامة ، فالذي له القِوامَةُ له على الطَّرف الآخر درجة.
فهذه الدرجةُ دنيوية ، متعلِّقَةٌ بدفعِ المهر والنفقة وغيرِ ذلك من الأُمورِ الماليةِ الدنيوية ، والدرجةُ الدنيويةُ لا تَعْني الدرجةَ الدينيةَ عند اللّه ، فقد تكونُ المرأةُ أَعْلى درجةً عند اللّه من زوجها لتَقْواها.
وقد أَكرمَ الإِسلامُ المرأةَ عندما نَصَّ على أَنَّ لها على زوجِها حقوقاً ، مثلَ ما عليها له من واجبات : *وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ*.
وبعدَ هذه الآيةِ الصريحةِ يأتي شَخْصٌ جاهِلٌ مثْلُ هذا الفادي ، ليقول :
لماذا يَهضمُ القرآنُ حُقوقَ المرأة ؟.
وإِنَّ الأَسئلةَ التي يَطرحُها الفادي دالَّةٌ على جَهْلِه وغَبائِه ، فهو يَقول :
لماذا يَملكُ الرجلُ المرأَةَ بينما هي لا تملِكُه ، إِنما تَملكُ جُزْءاً من مالِه ؟
وإِذا كان قَصْدُه من سؤالِه مِلْكَ الأَمْرِ والنهي والمسؤولية ، فإِنَّ هذا مرتبطٌ بالقِوامة ، ومؤسسةُ الأُسرةِ لا بُدَّ لَها من مسؤولَ ، والمسؤوليةُ للرجل ، والمرأةُ تابعةٌ له في المؤَسَّسة ، وهذا لا يُنقصُ منزلَتَها ، إِنما هو شَرَفٌ لها.
وإِذا كان قَصْدُهُ مِلْكَ التَّلَذُّذِ والاستمتاعِ وقَضاءِ الشهوة ، فكلٌّ منهما يملكُ جَسَدَ الآخَر ، الرجلُ يَملكُ جَسَدَ المرأةِ ويتلَذَّذُ ويَستمتعُ بها ، وهي تملكُ جَسَدَهُ وتتلذذُ وتستمتعُ به ، مع أَنَّ الرجلَ صاحبُ القوامةِ والدرجةِ الدنيوية.
ويُطالبُ الفادي الجاهلُ أَنْ يَكونَ الطلاقُ والفراقُ بيدِ المرأة ، مثلَ ما هو بيدِ الرجل!
وهذا خلافُ الفطرةِ وسُنَّةِ الحياة! فالذي يتزوجُ هو الذي يُطَلّقُ ، والذي يَدفعُ مهرَ الزواجِ هو الذي يَدفعُ نفقةَ الطلاقِ ، وصاحبُ القوامةِ في مؤسسةِ الأُسْرَةِ هو الذي يُطَلِّقُ ويُفارقُ ، ويَدفعُ ثَمَنَ فِراقِهِ وطَلاقِه*1*.
أَما انتقادُ الفادي في آخرِ كلامِه مبدأَ ضرْبِ الرجلِ لامرأتِه فقد سبقَ أَنْ ناقَشْناه فيه ، وَوَجَّهْنا الأَمْرَ ، وبَيّنّا حكمتَه وصَوابَه!.
__________
*1* وأين هو من الخُلْع الذي شرعه الإسلام للمرأة ، إذا أساء الزوج عشرتها؟؟!!!
هل صلاة المسلمين تقليد وثني ؟
وَضَعَ الفادي المفْتَري عنواناً استفزازيّاً مُثيراً ، اسْتَفَزَّ به مشاعِرَ
المسلمين : " الصلاةُ الإِسلاميةُ تَقليدٌ وثنيّ " !!.
ذَكَرَ في تَساؤُله قولَ اللّهِ - عز وجل - : *حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ *238*.
ثم زَعَمَ أَنَّ المسلمينَ أَخَذوا صَلَواتِهم الخمسَ عن الصابئين ، فقال : " فرضَ الإِسلامُ على المسلمين خمسَ صلواتٍ يومياً ، وهي : صلاةُ الفجرِ والظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاء.
وهي نفسُ مواقيتِ الصلاةِ عند اليهود والمسيحيّين والصابئين ...
وقالَ أَبو الفِداءِ في تاريخِه : للصَّابئين عبادات ، منها سَبْعُ صَلًوات ، منهنّ خمسٌ تُوافِقُ صلواتِ المسلمين ، والسادسةُ صَلاةُ الضحى ، والسابعةُ صلاةٌ يَكونُ وَقْتُها في تمامِ الساعةِ السادسةِ من الليل.
وصلاتُهم كصلاةِ المسلمين من النية ، وأَلّا يَخْلطَها المصلي بشيءٍ من غيرِها ، ولهم الصلاةُ على الميت ، بلا ركوع ولا سجود..
ونحنُ نسأل : لماذا اقتبسَ المسلمون نِظامَ صَلواتِهم من الصابئين ؟ ".
بَدَأَ الفادي كلامَه بكذبةٍ كُبْرى ، عندما زَعَمَ أَنَّ اليهودَ والنَّصارى والصابئين يُصَلّونَ كُلَّ يومٍ خَمسَ صَلَواتٍ مثلَ المسلمين!
وسُؤالُ أَي يهوديٍّ أَو نصرانيٍّ أَو صابئي كَفيلٌ ببيانِ كَذِبِ هذا المفْتَري.
ثم نَقَلَ كَلاماً أَوردَه أَبو الفِداء ، زَعَمَ فيه أَنَّ الصّابئين يُصَلّونَ سَبْعَ صلواتٍ في اليومِ والليلة ، وأَنَ كيفيةَ صَلاتِهم كَصلاةِ المسلمين ، من الركوعِ والسجودِ والتلاوة ، وأَنَّهم يُصَلّونَ على موتاهم كصلاةِ المسلمين على
موتاهم!!.
وأُعجبَ الفادي بكلامِ أَبي الفِداء ، وَوَظَّفَهُ دَليلاً على اتِّهامِ الإِسلام ، بأَنَّه أَرضيّ بَشَرِيٌّ ، وليسَ تشريعاً من عندِ اللّه ، وعَلَّقَ عليه بسؤالِه المثيرِ الخطير :
" لماذا اقتبس المسلمونَ نظامَ صَلَواتِهم من الصّابِئِين ؟ ".
كلامُ أَبي الفِداءِ غيرُ صحيح.
ولا أَدْري من أَيْنَ أَخَذَ كَلامَه ، وعلى أَيِّ مَصْدَرٍ اعتمد ، المهمُّ أَنه لم يأخُذْه من حديثٍ صحيحٍ مرفوعٍ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا من قولٍ صحيحٍ لصحابي أَو تابعيّ.
فليس صحيحاً أَنَّ الصابئين يُصَلّونَ سَبْعَ صلوات ، وأَنَّ صَلاتَهم كصلاةِ المسلمين ، وها هم الصابِئون " الميدانيّون " موجودون في العراق ، اسْأَلوهم عن عَدَدِ وكيفيةِ صَلاتِهم ، إِنْ كانَ في دينهم صلاةٌ أَصْلاً!.
وهذا معناهُ أَنَّ المسلمينَ لم يَأَخُذوا صلاتَهم عن الصابئين أَو غيرِهم ، وأَنَّ الصلاةَ الإِسلاميةَ ليستْ تَقْليداً وثنيّاً كما زَعَمَ هذا الكاذِبُ المفترِي.
الصلاةُ ركنٌ من أَركانِ الإِسلام ، واللّهُ هو الذي أَمَرَ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بها ، منذُ أَيامِ الدعوةِ الإِسلاميةِ الأُولى في مكة ، وفي ليلةِ المعراج أَمَرَ اللّهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بخمسِ صَلَواتٍ في اليومِ والليلة ، وهُنَّ خمْس صلواتٍ في العَدَدِ ، ولكنهنَّ خُمسونَ صلاةً في الأَجْر ، وثَبَتَ هذا عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فى الصحيحين وغيرهما من كُتُبِ السنن.
واللّهُ هو الذي حَدَّدَ مواقيتَ الصلوات ، وأَشارَ إلى هذا قولُه تعالى :
*أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا *78*.
وبَعَثَ اللّهُ جبريلَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحَدَّدَ له وَقْتَ كُلِّ صلاةٍ من الصلواتِ الخَمْس ، بدايةً ونهايَة..
واللّهُ هو الذي حَدَّدَ للرسولِ - صلى الله عليه وسلم – كيفيةَ كُل صلاة ، أَفعالَها وأَقوالَها وأَذكارَها وحَركاتِها ، وأَركانَها وسُنَنَها وهيئاتِها..
وأَمَرَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - المسلمين أَنْ يُصَلّوا مثْلَ صلاته ، فقال : " صَلّوا كما رأيتُموني أُصَلّي ".
إِنَّ كُلَّ ما يتعلَّقُ بالصلاةِ من قولٍ أَو فعل أَو حركةٍ من اللّه ، أَوحى به للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وإِنَّ الإِسلامَ اخْتَصَّ وتَمَيَّزَ وتَفَرَّد بالصلاة ، ولا يُصَلّي أَصحابُ أَيِّ دينٍ كما يُصَلّي المسلمون ، سواء كانوا يَهوداً أَو نصارى أَو صابئين أَو غيرَهم!.
***
حول التطهر بالتيمم
أَثارَ الفادي المفترِي عِدة إِشْكالاتٍ حولَ التَّطَهُّرِ بالتَّيمم ، وتَلاعبَ في حديثِه عن سببِ نُزولِ آيةِ التَّيمم ، وحَرَّفَ كَلامَ البيضاويِّ وغيرِه ، كعادتِه في التَّلاعبِ والتَّحريف ، والكذبِ والافتراء ، والزَّعْمِ والادِّعاء.
الآيةُ التي شَرَعت التيممَ هي قولُ اللّهِ - عز وجل - : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *6*.
وكانَ نزولُ هذه الآية في حادثةِ عائشةَ - رضي الله عنها - ، عندما أَضاعَتْ عِقْدَها.
ذَكَرَ الفادي روايةَ البخاري قائلاً : " روى البخاريّ عن عائشةَ قالَتْ :
سَقَطَتْ قِلادَةٌ لي بالبَيْداء ، ونَحنُ داخلونَ المدينة ، فأَناخَ محمدٌ ونَزَل ، فَثَنى رأسَه في حِجْري راقِدا ، وأَقبلَ أَبو بكر ، فَلَكَزني لَكْزَةً شديدة ، وقالَ : حَبَسْتِ الناسَ في قِلادة..
ثم إِنْ محمداً استيقظ..
وحَضَرت الصبْحُ ، فالْتُمِسَ الماءُ ، فلم يوجَدْ ، فاستعوَضَه بالتُّراب..
وعن عائشةَ قالت : لما كانَ من أَمْرِ عِقْدي ما كان ، وقالَ أَهلُ الإِفْكِ ما قالوا ، خرجْتُ معَ محمدٍ في غزوةٍ أُخْرى ، فسقَطَ أَيْضاً عِقْدي ، حتى حَبَسَ الناسَ عن الْتماسِه ، فقالَ لي أبو بكر : بُنَيَّة!
في كُلِّ سفر تكونينَ عَناءً وبَلاءً على الناس..
ولكنْ لما كانَتْ هي سببُ التيممِ رضيَ عَنْها أَبو بَكْر.. "
هل هذه روايةُ البخاري ؟
وهل كان الفادي أَميناً في النّقل ؟
لِنقرأ الروايةَ من صحيحِ البخاري ، ولْنقارنْ بينَ الكلامِ الذي فيه ، والكلامِ الذي نَقَلَهُ الفادي عنه.
روى البخاريُّ عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَتْ : " خَرَجْنا مع رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - في بَعْضِ أَسفارِه ، حتى إِذا كُنّا بالبَيْداء ، أَوْ بذاتِ الجَيْش ، انقطعَ عِقْدٌ لي ، فأَقامَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - على الْتماسِه ، وأَقامَ الناس معه ، ولَيْسوا على ماء..
فأَتَى الناسُ إِلى أَبي بكر الصّدّيق ، فقالوا : أَلا ترى ما صَنَعَتْ عائشةُ ؟
أَقامَتْ برسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - والناسِ ، ولَيْسوا على ماء ، وليس مَعهم ماءٌ.
فجاءَ أَبو بكر ، ورسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - واضع رأسَه على فَخِذي قَدْ نَام ، فقال : حَبَسْتِ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -
والنّاسَ ، ولَيْسوا على ماء ، وليسَ معهم ماء! فعاتبَني أَبو بكر ، وقالَ ما شاءَ اللّهُ أَنْ يَقول ، وجَعَلَ يَطْعَنُني بيدِه في خاصِرَتي ، فلا يَمنعُني من التحرُّكِ إِلّا مَكانُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - على فَخذي ، فقامَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حينَ أَصبحَ على غيرِ ماء ، فأَنزلَ اللّهُ آيةَ التيمّم ، فتيمموا..
فقال أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْر : ما هي بأولِ بركتِكم يا آلَ أَبي بكر ...
فَبَعَثْنا البعيرَ الذي كنتُ عليه ، فأَصَبْنا العِقْدَ تَحْتَه " *1*.
الفادي المفترِي حَريصٌ على حَذْفِ كلمةِ " رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - من الرواية ، ووضْع الاسمِ المجرَّدِ " محمد " مكانَها.
ولو كان أَميناً في النَّقْلِ لَنَقَلَ العبارةَ كما هي ، مع أَنه لا يُؤمنُ أَنَّ محمداً هو رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وصرَّحَتْ عائشةُ - رضي الله عنها - بأَنَّ اللّهَ أَنزلَ آيةَ التيمم في صَباحِ تلك الليلة ، فتيممَ المسلمونَ بعدَ نزولِ الآية.
والفادي المفترِي لا يُريدُ الإِخبارَ عن إِنزالِ الوحي من عندِ اللّه ، حتى لو كان يَنْقُلُ من نَصٍّ أَمامَه! ولذلك زَعَمَ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أَمرهم بالتيممِ من عندِ نفسه : " وحَضرت الصبحُ فالتُمِسَ
الماءُ فلم يوجَدْ ، فاستَعْوَضَه بالتُّراب " !
وهذه الجملةُ غيرُ مذكورةٍ في الأَصل!
لكنَّها من تلاعُبِ الفادي وتحريفه.
__________
*1* صحيح البخاري ، كتاب التيمم ، باب التيمم ، حديث رقم : *334* ؟
وصحيح مسلم ، كتاب الحيض ، باب التيمم ، حديث رقم : *367*.
ومِنْ تَلاعُبِ الفادي وتحريفه زَعْمُه أَنَّ أَبا بكر شَتَمَ ابنَتَه عائشة - رضي الله عنهما - ، وقالَ لها : " بُنَيَّة : في كلِّ سَفَرٍ تكونينَ بَلاءً وعناءً على الناس ! ".
ولا أَدري من أَينَ جاءَ المفترِي بهذه العبارة.
مع أَنَّ عائشةَ - رضي الله عنها - كانَتْ موضعَ ثَناء ، وانظرْ ما أَجْمَلَ ما قالَه أُسَيْدُ بنُ حُضيْرٍ - رضي الله عنه - : ما هي بأولى بركاتِكم يا آلَ أَبي بَكْر.
واللّهُ حَكيم ، فهو الذي قَدَّرَ أَنْ يُقطعَ عِقْدُ عائشةَ - رضي الله عنها - ، وقَدَّرَ أَنْ يَبْرُكَ عليه البَعيرُ ، وأَنْ يتَأَخَّرَ المسلمون في البحثِ عنه ، وذلك ليضطروا إِلى التيمم ، ويُنزل اللّهُ عليهم برحمتِه آيةَ التيمم ، واللّهُ عليمٌ حكيم! لكن هذا معنى لا يَنتبهُ له الفادي ؛ لأَنه محجوبٌ عن الله!!.
وقَدَّمَ الفادي حَديثاً غَريباً في التيمم ، لا أَدْري من أَينَ جاءَ به ، قال :
" جاءَ في الحديثِ : "الصَّعيدُ الطيبُ وضوءُ المسلم ، ولو إِلى عَشْرِ سنين ، حتى يَجِدَ الماءَ ، وإِذا وَجَدَهُ فَلْيُمسَّه جِلْدَه" !!.
وزعمَ المفترِي أَنَّ عائشةَ - رضي الله عنها - خَرَجَتْ مع رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - في غزوةٍ أُخرى ، وأَنها أَضاعَت فيها عِقْداً آخَرَ لها ، وأَنَّ اللهَ أَباحَ للمسلمينَ التيمم : " وعن عائشةَ قالَتْ : لما كانَ من أَمْرِ عِقْدي ما كان ، وقال أَهْلُ الإِفْكِ ما قالوا خَرَجْتُ مع محمدٍ في غزوةٍ أُخرى ، فسقطَ أَيضاً عِقْدي ، حتى حَبَسَ الناسَ عن التماسه..".
وعَلَّقَ المفترِي على هذه الحادثةِ بكلامٍ خَبيت ، فقال : " ونحنُ نسأَل :
كانَتْ عائشةُ سببَ مشكلةٍ لمحمدٍ في الغزوةِ التي اتُّهِمَتْ فيها مع صفوانَ بن المعَطّل ، فلماذا أَخَذَها معه في غزوةٍ أُخرى ؟! ".
وزَعَمَ الفادي المفترِي أَنهما حادثَتان مُختلفتان ، أَضاعَتْ عائشةُ في كُل حادثةٍ عِقْداً ، وأَنزل اللّهُ في كُلِّ حادثةٍ آية تبيحُ التيمم ، وهذا جهلٌ منه ، فلم تكنْ إِلّا حادثةً واحدة ، وهي التي رَواها البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشة - رضي الله عنها -.
وادَّعى المفترِي أَنَّ حادثةَ فَقْدِ العِقْدِ وإِنزال آيةِ التيمم هي نفسُ حادثةِ حَديثِ الإِفْك ، عندما اتَّهمَ المنافقونَ عائشةَ - رضي الله عنها - ، وهو ادِّعاءٌ باطل ، فحادثةُ فَقْدِ العِقْدِ غيرُ حادثةِ حَديثِ الإِفْك.
والعبارةُ التي ذَكَرَها المجرمُ في اتهامِ عائشةَ - رضي الله عنها - فاجرة ، أَرادَ بها تأكيدَ اتِّهامِها في عِرْضِها.
قال : " كانتْ عائشةُ سببَ مشكلةٍ لمحمدٍ في الغزوةِ التي اتُّهِمَتْ فيها مع صفوانَ بنِ المعَطّل ".
وصَفوانُ بنُ المعَطّل صحابيٌّ جَلِيلٌ - رضي الله عنه - ، وهو الذي اتَهَمَ المنافقونَ المجرمونَ عائشةَ - رضي الله عنها - به ، وقد أَنزلَ اللهُ براءةَ عائشةَ في آياتِ سورةِ النور ، وذَمَّ الذين اتَّهموها في عِرْضِها ، وأُقيمَ عليهم حَدُّ القَذْف.
وقد تكلمَ الفادي على التيمم بوقاحةٍ وسوءِ أَدَب.
قال : " ما معنى الاستعاضة عن الماءِ بالتراب ؟
أَليستْ هذه قذارة ومَدْعاة للمرضِ لا للصحة ؟
وأَيُّ عاقلٍ يَتصوَّرُ في الماءِ أَو الترابِ تكفيراً عن الذنوب ؟ ".
إِنه يُخَطِّئُ القرآنَ في تشريعِه التيممَ عند فَقْدِ الماء ، أَو العجزِ عن استعمالِه ، ويتهمُ التيممَ بأَنه قَذارةٌ ومَدْعاةٌ للمرض ، وهذا اتِّهامٌ للّهِ سبحانَه ، وتَخْطئةٌ له في أَحكامِه وتَشريعاتِه ، وتَكذيبٌ له في أَوامِرِه وتوجيهاتِه.
فاللّهُ يَقولُ في بيانِ حكمةِ التيمم : *مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *6*.
وهو يُكَذِّبُ كَلامَ اللّهِ فيقول : " وما معنى الاستعاضةِ عن الماءِ بالتراب ؟
أَليستْ هذه قذارة ومَدْعاة للمرضِ لا للصحة ؟ ".
والوُضوءُ أَو التيممُ تَطهيرٌ للمؤمن وتكفيرٌ له عن سيئاتِه وذُنوبه ، والفادي المفتري يَرفضُ ذلك قائلاً : " وأَيُّ عاقلٍ يَتَصَوَّرُ في الماءِ أَو الترابِ تكفيراً عن الذنوب ؟" وما درى الجاهلُ أَنَّ تَنفيذَ أَوامرِ اللّهِ تطهيرٌ ومغفرةٌ للذنوب.
وقد أَخْبَرَنا رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ الوضوءَ تكفيرٌ للذنوب.
روى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ ل به : أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال : " إِذا تَوَضَّاَ العبدُ المسلمُ ، فَغَسَلَ وَجْهَه ، خَرَجَ من وجهِه كُلُّ خَطيئةٍ نَظَرَ إِليها بعيْنَيْه ، معَ الماءِ ، أَو معَ آخَرِ قَطْرِ الماءِ ، فإِذا غَسَلَ يَدَيْه ، خرَجَ من يَدَيْه كُلُّ خطيئةٍ كانتْ بطشَتْها يَداهُ ، مع الماء ، أَو مع آخِرِ قَطْرِ الماءِ ، فإذا غَسَلَ رجْلَيْه ، خرجَتْ كُلُّ خطيئةٍ مَشَتْها رِجْلاه مع الماء ، أَو معَ آخرِ قَطْرِ الماء ، حتى يَخرجَ نقيّاً من الذُّنوب! ".
***
تفسير سياسي لتحويل القبلة
وَقَفَ الفادي أَمامَ حادثةِ تَحويلِ القبلة ، وتَحَدَّثَ عنها بسَفاهَةٍ وَوَقاحَة.
لما كانَ المسلمونَ في مكةَ كانَتْ قبْلَتُهم في صلاتِهم الكَعْبَة.
ولما هاجروا إِلى المدينة جَعَلَ اللّهُ قبلَتَهم بيتَ المقْدِس ، وبعدَ ستةَ عَشَرَ شَهْراً أَوْ سبعةَ عَشَرَ شَهْراً ، حَوَّلَ اللّهُ القبلة ، وأَعادَها إِلى الكعبة ، وجاءَ هذا التحويلُ صَريحاً في قولِه تعالى : *قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ*.
واعتبرَ القرآنُ أَنَّ الذينَ يَعترضونَ على تحويلِ القبلةِ سُفَهاء ، قال تعالى :
*سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *142*.
وتوقَّفَ الفادي السفيهُ مع آياتِ تَحويلِ القبلة من سورةِ البقرة ، ونَقَلَ بعضَ كلامِ البيضاويّ في تَفسيرِها.
ثم سَجَّلَ اعتراضَه على ذلك التحويل بِسَفاهة.
قال : " ونحنُ نسأل : إِذا كانَت القبلةُ شريعةً وركناً من أَركانِ الصلاة ، فلماذا تتغَيَّر ؟
هل هي لعبةٌ سياسيةٌ لاستمالةِ قُلوبِ العربِ تارة ، واستمالةِ قُلوب اليهودِ أُخْرى ؟
فاتَّجَهَ مع العربِ في مكةَ إِلى الكعبة ، ولما هاجَرَ إِلى المدينة حيثُ الكثيرُ من اليهودِ اتَّجَهَ إِلى بيتِ المقْدِس ، ولما هاجَمَهُ اليَهودُ جَعَلَ قبلَتَه الكعبةَ مَغ أُخْرى!
لقد كَانَ لتغييرِ القبلةِ طَنَّةٌ وَرَنَّةٌ ، حتى ارتَدَّ كثيرونَ عن الإِسلامِ إِلى اليهودية ، وقالوا : رَجَعَ محمدٌ إِلى دينِ آبائِه ، وتَرَكَ قبلةَ اليَهود ، التي هيَ حَقّ!..
وعَيَّرَ اليهودُ المسلمين ، فقالَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ وأَصحابُه من اليهود : أَخْبرونا عن صلاتِكم إِلى بيتِ المقْدِس : إِنْ كانَتْ على هدى ، فقد تخلَّيْتُم عنه ، وإِنْ كانَتْ على ضَلالَةٍ ، فقد دِنْتُم اللّهَ بها ، وَمَنْ ماتَ عليها فقد ماتَ على ضَلالة ...
فلماذا طَعَنَ محمدٌ في الذينَ اعْتَرَضوا عليه بأَنهم من السُّفهاء ؟
لقد كانَ لهم كُلُّ الحَقِّ أَنْ يَسْأَلوا ... ".
لم ينظر الفادي السَّفيهُ لمسألةِ تَحويلِ القبلة على أَنها تشريعٌ رباني ، وتوجيهٌ مباشِرٌ من اللّه سبحانه ، وحَلَّلَها تَحْليلاً تافِهاً سَفيهاً ، مرتبطاً مع نَظرتِه للقرآنِ والوحي..
إِنه لا يَعترفُ بنبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا بأَن القرآنَ وَحْيٌ من اللّه ، ولذلك اعتبرَ القبلةَ اختياراً خاصّاً من الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، فهو الذي يَختارُ ما يَشاء ، ويَجعلُه قِبْلَة ، ويأمُرُ أَتْباعَه بالتوجُّهِ حيثُ يَشاء! وهذا تأكيدٌ منه على بَشَريةِ القرآنِ والإِسلام!.
ثم يَنتقلُ المجرمُ إِلى جريمةٍ أُخرى ، حَيثُ يَجعلُ تَحويلَ القبلةِ " لُعْبَةً سياسية " من الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ...
فلما كانَ في مكةَ جَعَلَ قبلَتَه الكعبةَ ليَستميلَ العربَ الجاهليّين ، ولما هاجَرَ إِلى المدينةِ حَوَّلَ قبلَتَه إِلى اليهودِ ليَستميلهم ، ولما لم يَنجحْ في ذلك وغَضِبَ منهم أَعادَ قبلتَه إِلى الكعبة!!
بهذه السفاهةِ حَلَّلَ الفادي السفيهُ مَسألةَ تَحويلِ القبلة ، ودافَعَ عن السفهاءِ السابقين من أَمثالِه ، الذين اعْتَرَضوا على تحويلِ القبلة ، واعْتبروه تَلاعُباً ، ولما رَدَّ اللّهُ عليهم اعْتَبَرهم سُفَهاء.
قال الفادي مُدافعاً عَنْهم : " فلماذا طَعَنَ محمدٌ في الذينَ اعْتَرَضوا عليه بأَنهم من السُّفهاء ؟
لقد كانَ لهم كُلُّ الحَقِّ أَنْ يَسْأَلوا ".
اعتبرهم اللّهُ سُفهاءَ لاعتراضِهم على تَحويلِ القبلة ، والفادي المفتري رَدَّ كَلامَ اللّهِ ، واعْتَبرهم حُكَماء ، وعلى حَقٍّ فِي اعتراضِهم.
لِيَقُل الفادي السفيهُ عن تحويلِ القبلةِ ما يَشاء ، فكلامُه وتحليلُه مَردودٌ عليه ، ونحنُ نوقِنُ أَنَّ استقبالَ القبلةِ في الصلاة كانَ بأَمْرٍ من اللّه ، وأَنَّ تَحديدَ القبلةِ كانَ بأَمْرٍ من اللّه ، وأَنَّ تَحويلَ القبلةِ كان بأَمْرٍ من اللّه ، لتحقيقِ حكمةٍ أَرادَها اللّه..
إِنَّ اللّهَ هو الذي جَعَلَ القبلةَ في مكةَ الكعبة ، واللهُ هو الذي أَمَرَ المسلمينَ بعدَ الهجرةِ بالتوجُّهِ إِلى بيتِ المقدس ، لحكمةٍ يُريدُها سبحانه ، ولما تَحققتْ تلك الحكمةُ الربانيةُ هو الذي أَمرهم بالعودَةِ إِلى القبلة الأُولى
الكعبة..
فالأَمْرُ والتحويلُ والتوجيهُ من اللّهِ سبحانه ، الذي له الأَمْرُ والنَّهْي ، وما الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - إِلّا مُنَفّذٌ لأَمْرِ اللّه.
وقد كان هذا المعنى واضحاً صَريحاً في حديثِ القرآنِ عن تحويلِ القبلة.
قال تعالى : *سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *142* وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ *143* قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ *144* وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ *145*.
الدلالاتُ التي يمكنُ أَنْ تُؤْخَذَ من هذه الآياتِ الأَربعِ عديدة ، ليس هذا مكانَ الحديثِ عنها ، ونُشيرُ هنا إِشاراتٍ خاطفةً إِلى بعضِ حقائقِ الآياتِ حول القبلة :
1 - تَنُصُّ الآيات ُ على أَنَّ الذينَ يَعْترضونَ على تحويلِ القبلةِ سُفَهاء ، وهذا يَشملُ كُلَّ المعترِضين في أَيِّ زَمانٍ ومكان ، فالفادي المفْتَري سَفيهٌ من السفهاء : *سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا*.
2 - كانَ تحويلُ المسلمين إِلى بيتِ المقْدِس امتحانا من اللّهِ لهم : *وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ*.
3 - كانَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - يتمنّى أَنْ تَتَحَوَّلَ القبلةُ عن بيتِ المقدسِ إِلى الكعبة ، لكنه كان متأدِّباً مع اللّه ، فلم يَطْلُبْ منه ذلك ، وإِنما كان يُقَلِّبُ وجهه في السماء ، متمنِّياً أَنْ ينزل جبريلُ بالتوجُّهِ إِلى القبلةِ الجديدة : *قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ... *.
4 - تُصرحُ الآياتُ بأَنَّ اللّهَ هو الذي وَلّى رسولَه - صلى الله عليه وسلم - إِلى القبلةِ الجديدة :
*فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ*.
إِنَّ هذه التعبيراتِ الصريحةَ تُبَيِّنُ كَذِبَ وسَفَهَ الفادي المفترِي في اعتراضه
على تحويلِ القبلة ، وتحليلِه المتهافتِ لذلك التحويل!.
***
اعتراض على الصلوات الخمس
أَمَرَ اللّهُ المسلمينَ أَنْ يُصلّوا خمسَ صَلواتٍ في اليومِ واللَّيلة ، وحَثَّهم على المحافظةِ عليها في القرآنِ.
قال تعالى : *حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ *238*.
والصلاةُ الوسْطى المذكورةُ في الآيةِ هي صَلاةُ العصر ، لِما وَرَدَ في ذلك عن رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
واعترضَ الفادي الجاهلُ على تكليفِ المسلمينَ بالصلواتِ الخمس.
قال : " ونَحنُ نَسْأَل : ما فائدةُ الصلواتِ المتكررةِ يوميّاً خمسَ مَرّات ، وأُسبوعيّاً وشهريّاً وسنويّاً ، وإِلى ما شاءَ اللّهُ في الحياة ، بدونِ زيادةٍ ولا نُقصان ؟
إنَّ الصلاةَ تَعبيرٌ متجددٌ لمشاعرِ الإِنسانِ نحوَ اللّه.
قال المسيح : وحينَما تُصلّونَ لا تُكَرِّروا الكلامَ باطلاً كالأُمم ، فإِنهم يَظُنُّونَ أَنه بكثرةِ كلامِهم يُستجابُ لهم ، فلا تَتَشَبَّهوا بهم ".
إِنَّ هذا الجاهلَ يَرى أَنه لا فائدةَ من أَداءِ خَمْسِ صلواتٍ يوميّاً ، حتى انتهاءِ العمر ؟
لأَنه لا تَجديدَ فيها ، ولا تَفاعُلَ معها ، ولا بُدَّ أَنْ تُجَدِّدَ الصلاةُ مشاعرَ الإِنسان.
ولم يَذكر لنا الجاهلُ المفترِي كيفَ يُصَلّي هو - وأَهْلُ مِلَّتِه من النصارى ، وكيفَ يُجَدِّدُ هو وأَهْلُ مِلَّتِه مشاعِرَهم نحو اللّه ، وهل يَجْتَهدون ويُغَيِّرونَ ويُبَدِّلونَ في صَلاتِهم ، بهدفِ تَجديدِ مشاعرِهم ، أَم أَنهم يَستمرون على الكيفيةِ التي تَعَلَّموها ؟!.
إِن الصلاةَ عند المؤمنين عِبادةٌ وذكر للّه ، وتوثيقٌ لصلتِهم باللّه ، وهي ليستْ صلاةً جامدة ، تُؤَدّى بطريقةٍ روتينيةٍ رَتيبة ، وإِنما يَتفاعلُ المؤمنُ بها وهو يُؤَديها ، وينشطُ لها ، ويَسعدُ وهو يُناجي اللّهَ فيها! ...
صحيحٌ أَنه لا يَجوزُ التغييرُ والتبديلُ والزيادةُ والنقصانُ في أَوقاتِها وأَعدادِها وأَركانِها وأَدائِها ، لكنَّ التجديدَ في النظرةِ لها ، والتفاعلَ في أَدائِها ، وفي الحالةِ الإِيمانيةِ العاليةِ أَثناءَ أَدائِها ، وفي الثمراتِ والنتائجِ التي تُؤْخَذُ منها.
ويَكفينا قولُ اللّهِ تعالى : *وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ *45* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *46*.
ولذلك كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذا حَزَبَه أَمرٌ فَزعَ إِلى الصلاة..
وكانَ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ : " أَرِحْنا بها يا بِلال ".
ولمعرفةِ فَضْلِ الصلواتِ الخمسِ نتذكَّرُ ما رواهُ البخاريُّ ومسلم عن أَبي هريرةَ - رضي الله عنه - عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال : " أَرأَيْتُم لو أَنَّ نهراً ببابِ أَحَدِكم يَغتسلُمنه كلَّ يومٍ خمسَ مَرّات ، هل يَبْقى من دَرَنه شيء ؟
قالوا : لا يَبْقى من دَرَنه شيء..
قال : فكذلك مَثَلُ الصلواتِ الخمس ، يَمحو اللّهُ بهنَّ الخطايا ".
وإِنَّ اللّهَ العليمَ الحكيمَ أَوجبَ علينا الصلواتِ الخمس ، وجعلَ الصلاةَ ركناً مهمّاً من أَركانِ الإِسلام ؟
لأَنه يَعلمُ آثارَ الصلاةِ الإيجابيةَ في الشخصيةِ الإِسلامية.
قال تِعالى : *وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ*.
وبهذا نَعرفُ سَفَهَ الفادي عندما اعترضَ على الصلواتِ الخَمْس ، وجعلَ عنوان اعتراضِه استفزازيّاً : " تِكرارُ الصَّلاةِ باطلٌ " !!.
***
الصلوات وليلة المعراج
أَثارَ الفادي المفترِي اعتراضَه على فرضِ الصلواتِ الخمس ليلةَ المعراج ، وعَرَضَ الحادثةَ بتحريفٍ وتَغييرٍ وتَبديل!.
قال : " قالَ علماءُ المسلمين : لما أَسرى اللّهُ بمحمد ، ورأى حورَ العين ، وسَلَّمَ عليهنَّ ، وقابَلَ موسى ، سأَلَه موسى : ما فَرَضَ ربُّكَ عليك ؟
وقيل : إِنَّه سأَلَه : بمَ أُمِرْتَ ؟
قال : خمسينَ صلاة ، قال : ارجعْ إِلى رَبِّك فاسْأَلْه التخفيفَ.
وفي البخاري : إِنَّ أُمَّتَك لا تَستطيعُ خمسينَ صلاةً كُلَّ يَوْم ، وإِنّي واللّهِ جَرَّبْتُ الناسَ قَبْلَك ، وعالَجْتُ بني إِسرائيل أَشَدَّ المعالَجَة.
أَيْ : إِنَّه فُرِضَ عليهم صلاتان ، فما قاموا بهما ، رَكْعَتان بالغَداة ، ورَكْعتان بالعشِيِّ!
وفي تفسير البيضاوي أنه فُرِضَ عليهم خمسونَ صلاة ، غيرَ أَنَّ السيوطي قال : إِنَّ هذا باطل ...
ثم قالَ موسى : ارجعْ إِلى رَبِّكَ فاسْأَله التخفيفَ لأُمَّتِك.
قال : فرجعْتُ إِلى رَبّي ، فقلت : يا رَبِّ خَفِّفْ عن أُمتي.
فحَطَّ عَنّي خَمْساً. فرجَعْتُ إِلى موسى ، فقلْتُ : حَطّ عنّي خَمْساً.
قال : إِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطيقُ ذلك ، فارجِعْ إِلى رَبِّك فاسْأَلْه التَّخْفيف..
قال : فلم أَزَلْ أَرجع بينَ ربّي وبين موسى ، حتى قال اللّه : يا محمد! إنهنَ خمسُ صَلَواثٍ في كُلِّ يومٍ وليلة ، لكلِّ صلاةٍ عَشْرٌ ، فذلك خمسون.
قال : فنزلْتُ حَتى انتهيْتُ إِلى موسى فأَخَبرْتُه ، فقال : ارجِعْ إِلى رَبِّك فاسْأَلْه التخفيف.
قلتُ : قد رجعْتُ إِلى رَبّي حتى استحييتُ منه ! ".
ولْنقرأ الحادثةَ من صحيحِ مسلم.
فقد روى مسلمٌ عن أَنَسِ بنِ مالك - رضي الله عنه - ، عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنه حَدَّثَ عن ما جَرى في رحلةِ الإِسراءِ والمعراج ، ومن ذلك قوله : " ... فأَوحى اللّهُ إِليَّ ما أَوحى ، فَفَرَض عليَّ خمسين صلاةً في كُلِّ يومٍ وليلة ، فنزلتُ إِلى موسى عليه الصلاة والسلام ، فقال : ما فَرَضَ ربُّكَ على أُمَّتِك ؟
قلتُ : خمسينَ صلاة.
قال : ارجعْ إِلى رَبِّك فاسْأَله التخفيف ، فإِنّ أُمَّتَك لا يُطيقون ذلك ، فإني قد بلوْتُ بني إِسرائيلَ وخَبَرْتُهم.
فرجعْتُ إِلى رَبّي ، فقلْتُ : يا ربي! خَفَّفْ على أُمَّتي.
فَحَطَّ عَنّي خَمْساً.
فرجعْتُ إِلى موسى فقلت : حَطَّ عَنّي خَمْساً.
قال : إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطيقونَ ذلك ، فارْجِعْ إِلى رَبك ، فاسْأَلْهُ التخفيف.
فلم أَزَلْ أَرجعُ بينَ ربّي تَبارك وتَعالى وبينَ موسى - عليه السلام - ، حتى قال : يا محمد ، إِنهنَّ خمسُ صلواتٍ كُلَّ يومٍ وليلة ، لكلِّ صلاةٍ عَشْر ، فذلك خَمسونَ صلاة.
ومَنْ هَمَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلْها كُتبتْ له حَسَنَة ، فإِنْ عَمِلَها كُتبتْ له عَشْراً ، ومَنْ هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ شيئاً ، فإنْ عَمِلَها كُتبتْ سيئةً واحدة.
فنزلْتُ حتى انتهيتُ إِلى موسى - عليه السلام - فأَخبرتُه.
فقال : ارْجِعْ إِلى ربّك فاسأَلْه التخفيف..
فقلْتُ : قد رجعْتُ إِلى رَبّي فاستحييتُ منه " *1*.
وقد اعترضَ الفادي المفترِي على حادثةِ الصلواتِ الخمس ، وأَثارَ شُكوكَه حولَ الوحيِ والنبوةِ والإِسلام ، قال : " ونحنُ نَسأل : هل الأَنبياءُ أَكثرُ معرفةً بأَحوالِ الناسِ من اللّهِ سبحانه ؟
وهل يتبعُ اللّهُ رأيَ الناس ؟
أَليس هذا كلُّه ناشئاً عن عدمِ معرفةِ محمدٍ بصفاتِ اللّه ، وأَنَّ الصلاةَ أُنْسٌ باللّه ، وليستْ فرضاً ولا عبودية ؟
والمسلمُ الذي يهتمُّ بالوضوءِ ونظافةِ البدنِ أَكثر من نظافةِ القلب لا يُدرِكُ معنى الصلاة ؟
لأَنه يهتمُّ بالاتجاهِ للقبلةِ أَكْثَرَ من اتجاهِ ضميرِه للّه ، ويتمسكُ بأَلفاظٍ محفوظةٍ دونَ الاهتمامِ بالتعبير عن حاجاتِه الخاصة ، ويَعتبرُ أَنَّ الصلاةَ في ذاتِها حَسنةٌ تُذْهِبُ السيئة ، ويَهتَمُّ بالنَحْرِ مع الصلاة ، كقوله :
*فَصَل لِرَبِّكَ وَاَنحَر* ، دونما إِدراكٍ لمعنى كفارةِ المسيح ؟! ".
إِنه لجهلِه وغبائِه لا يَعرفُ الحكمةَ من تشريعِ الصلواتِ الخمس بهذه الطريقة ، ولذلك أَثارَ أَسئلتَه التهكُّمية ، وحَلَّلَ الحادثةَ تحليلاً استفزازياً ، شَتَمَ فيه الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - والإِسلامَ والمسلمين!.
__________
*1* مسلم ، برقم : *162*.
كلُّ الأَوامرِ والنواهي والتكاليفِ الشرعية كَلَّفَ اللّهُ بها رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بطريقةِ الوحي ، إِلّا الصلواتُ الخمس ، فإنه شاءَ سبحانَه وتعالى أَنْ يكَلِّفَه بها بهذه الطريقةِ الخاصة ، حيثُ استدعاهُ وعَرَجَ به إِلى السماء ، وكَلَّفَه بها ، وذلك لأَهميةِ الصلواتِ الخمس وعِظَمِ منزلتِها في هذا الدين ، وعِظَمِ مهمَّتِها وآثارها في حياةِ المسلمين.
وشاءَ اللّهُ العليمُ الحكيمُ أَنْ يكونَ التكليفُ بالصلواتِ الخمسِ على هذه الصورةِ المتدرجةِ اللطيفة ، ولو شاءَ أَنْ يُكَلِّفَه بخمسِ صَلَواتٍ من أَوَّلِ الأَمْرِ لفَعَل ، لكنَّه سبحانه وتعالى شاءَ أَنْ يُكلفَه بخمسينَ صلاةً أَولاً ،.
وأَنْ يُسْقِط بَعْضاً من أَعدادِها كلَّما ذَهَبَ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - إِلى موسى - صلى الله عليه وسلم - ثم عادَ إِليه ، حتى أَنزلَ أَعدادَها من خمسينَ إِلى خمس ، مع إِبقائِهن في الأَجْرِ خمسين ، أَيْ أَنهنَّ خمسٌ في العدد ، وخَمسونَ في الأَجْر.
فَعَلَ اللّهُ ذلك بالصلواتِ الخمس ، ليمتَنَّ على المسلمين بذلك ، ويُبَيِّنَ لهم رحمتَه بهم ، رحمتَه في تخفيضِهن من خمسينَ إِلى خمس ، ورحمتَه في إبقائِهنَّ على خمسينَ في الأَجرِ.
ولا نتصوَّرُ مقدارَ المشقةِ والحَرَج لو أَبْقاهُنَّ اللّهُ خمسينَ صلاةً في اليوم!
فإِذا كانَ بعضُ المسلمين قد يَتَثاقَلُ عن الصلواتِ الخمس ، فكيف لو كُنَّ خمسينَ صلاة ؟!.
إِنَّ اللّهَ الحكيمَ يتحببُ إِلى المسلمين ، ويقدمُ لهم مظاهرَ من رحمتِه ورأفتِه بهم ، وذلك ليعرفوا فضلَه وكرمَه وإِنعامَه ، ويتذوقوا مظاهرَ رحمتِه وبرِّه ومحبتِه ، وبذلك يزدادونَ محبةً له ، وذكراً وشكراً له ، ونشاطاً وحيويةً في عبادتِه وطاعتِه ومناجاتِه.
وإنَّ الجاهلَ السفيهَ محجوبٌ عن هذه المعاني الروحية ، لكفرِه وضَلاله ، ولذلك لم يَفهم الحكمةَ من فرضِ الصلواتِ الخمسِ بهذه الطريقةِ المحببة ، ومن ثم كَذَّبَ القرآنَ وكَذَّبَ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وأَثارَ أَسئلتَه الاستفزازية.
إِنَّ الجاهلَ الغبيَّ يسأَل : هل الأَنبياءُ أَكثرُ معرفةً بأَحوالِ الناسِ من اللّه ؟
أَيْ : كيفَ يَفرضُ اللّهُ خمسينَ صلاة ، وموسى - صلى الله عليه وسلم - يقولُ : إِنَّ الناسَ لا يتحملونَ ذلك ؟
لأَنه جَرَّبَ بني إِسرائيل! ؟.
لم يَقُلْ مسلمٌ عاقلٌ : إِنَّ موسى - صلى الله عليه وسلم - أَعرفُ بأَحوالِ الناسِ من اللّه ، فاللّه سبحانه وتعالى هو الأَعلم ، وعِلْمُه شاملٌ لكلِّ شيء ، ولكنَّ اللّهَ الحكيمَ شاءَ أَنْ يكونَ الإِنقاصُ في عددِ الصلواتِ بهذه
الطريقةِ التي حَلَّلْناها قبلَ قليل.
وكان الجاهلُ مجرماً عندما شتمَ نبيَّنا محمداً - صلى الله عليه وسلم - في قوله : " أليس هذا كلُّه ناشئاً عن عدمِ معرفةِ محمدٍ بصفاتِ اللّه ؟! ".
وإِذا كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - لا يَعرفُ صفاتِ اللّه فمن الذي يعرِفُها ؟!
هل هو هذا الجاهلُ الغبيُّ المتعالم ؟!..
لقد كان رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَعرفَ الناسِ باللّه ، وأَكثرَهم تقوى للّه ، وأَقربَ الناسِ إِلى اللّه.
ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : "أَلا إِنّي أَتْقاكُم للّه وأَخشاكُم له " !.
وكان المجرمُ ضالا بَذيئاً عندما شَتَمَ المسلمين ، واتهمَهم في نياتِهم وقلوبِهم وضمائِرِهم وإِخلاصِهم ، وكأَنه مُطَّلِعٌ على ما في قلوبهم ، ويَعلمُ ما في صدورِهم!!.
إِنَّ الإِسلامَ يَدْعو المسلمينَ إِلى الاهتمامِ بنظافةِ قلوبهم أَكثرَ من اهتمامهم بنظافةِ أَبدانِهم ، وإِنَّ الصلاةَ تزكيةٌ للنفس ، وتطهيرٌ للقلب ، وسُمُوُّ بالروح ، وعندما يُطَهِّرُ المؤمنُ بَدَنَه ، يُقبلُ على ربِّه في صلاته ، ويَسعدُ بذكْرِه ومناجاتِه..
ويكونُ حاضرَ العقلِ والقلبِ وهو يُصَلّي ويدعو ربَّه..
وما إِنْ ينتهي من صلاته حتى يكونَ قد تزوَّدَ بالزادِ الإِيمانيِّ العظيم.
***
حول فرض صيام رمضان
أَعادَ الفادي المفتري اعْتِراضَه على صيامِ رمضان ، ونفى عنه صفةَ الوَحْي ، وزَعَمَ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَه عن الصابئين.
ذَكَرَ خمسَ آياتٍ من سورةِ البقرة تتحدَّثُ عن بعضِ أَحكامِ الصيامٍ ، ثم نَقَلَ كلاماً من تفسير البيضاويّ ، ذَكَرَ فيه أَنَّ صومَ رمضان كان واجباَ على
__________
وفي صحيح مسلم برقم *4650* يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
"إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ".
النَّصارى ، وأنهم نَقَلوا الصومَ إلى الربيعِ ليكونَ أَسهلَ عليهم ، وزادوا عليه عشرينَ يوماً ، فصارَ صِيامُهم خمسينَ يوماً!! ثم نَقَلَ كَلاماً للمؤَرّخِ أَبي الفِداء ، ذَكَرَ فيهِ أَنَّ الصابئينَ كانوا يَصومونَ ثلاثين يوماً ، وكانَ صيامُهم من الفجرِ إِلى المغرب! " وقالَ أَبو الفداءِ في تاريخه : وللصّابئين عبادات ، منها سَبْعُ صَلَوات ، ويَصومون ثَلاثينَ يوماً ، وإِنْ نَقَصَ الشهرُ الهلاليُّ صاموا تسعاً وعشرين يوماً ، وكانوا يُراعون في صومِهم الفِطْرَ والهِلال ، بحيثُ يكونُ الفطرُ وقد دَخَلت الشمسُ الحَمَل ، ويَصومون من ربعِ الليلِ الأَخيرِ إِلى غروبِ قرصِ الشمس ".
ومعنى كلام أَبي الفِداء أَنَّ الصابئين كانوا يَصومونَ كصيامِ المسلمين ، فكانَ صيامُهم ثلاثين يوماً أَو تسعةً وعشرين يوماً ، وكانَ صيامُهم من الفجر إلى المغرب! وبما أَنَّ الصابئين كانوا قبلَ المسلمين ، فإِنَّ المسلمينَ أَخَذُوا أَحْكَامَ صيامِهم عن أولئك الصابئين!!.
وهذه هي النتيجةُ التي خَرَجَ بها الفادي المفتري!
قال : " ونحنُ نَسْأَل : إِنْ كانَ صيامُ رمضانَ ليس شرعاً جَديداً ، ولا هو من الدينِ السماويِّ في شيء ، بل هو مأخوذٌ من الصابئين في بلادِ العَرَب ، فكيفَ يَقول : إنَّ مَصدَرَه وحيٌ سماوي ؟
ولا يوجَدُ دليلٌ واحدٌ على صحةِ القول : إنَّ رمضانَ كُتِبَ أولاً على النَّصارى ".
لم يَثبتْ عندنا بحديثٍ صحيح أَنَّ صومَ رمضانَ كتِبَ على النصارى ، وما ذَكَرَهُ البيضاوِيُّ ليس عليه دَليل معتَمد ، ولذلك نتوقَفُ فيه ولا نَقولُ به.
وقد ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ اللّهَ كَتَبَ علينا الصيام كما كَتَبه على الذين من قبلِنا.
قال تعالى : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *183*.
وهذه إشارةٌ قرآنية مجملَة ، لم يَرِدْ حِديثٌ صَحيحٌ بتفصيلها ، فنُبْقيها على إجمالِها ، ولا نخوضُ في بيانِها ، لعدمِ وجودِ دليلٍ نعتمدُ عليه.
فكلُّ ما نقولُه : أَوجَبَ اللّهُ علينا الصيام ، كما أَوجبه على الذينَ من قبلِنا ، فكانَ المسلمون السابقونَ يَصومون ، أَمّا كيفَ كانوا يَصومون ؟
وكم كانوا يَصومون ؟
ومِنْ أَيِّ شهرٍ كانوا يصومونِ ؟
فعِلْمُ ذلك عندَ اللّه.
أَما ما ذَكَرَه أَبو الفداء في تاريخه عن صومِ الصابئين فإنه لا دَليلَ عليه عندنا ، حيث لم يَرِدْ فيه نقلٌ صحيحٌ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أو الصحابة ، ولذلك نتوقف فيه ولا نعتمدهُ ، ولا نَعرفُ كيف كان يَصومُ الصابئون!.
بعد هذا البيانِ ننظرُ في ما قالَه الفادي الجاهل : " ونحنُ نسأَل : إِنْ كانَ صيامُ رمضانَ ليس شَرْعاً جَديداً ، ولا هو من الدينِ الإِسلاميِّ في شيء ، بل هو مأخوذٌ من الصابئين في بلادِ العرب ، فكيفَ يقول : إِنَ مصدرَه وحيٌ سماوِي ؟ ".
إِنَّ هذا قولٌ متهافتٌ سخيفٌ ، مبنيٌّ على كلامٍ غيرِ صَحيح ولا مَقبول ، والمهمّ عند الفادي إِدانةُ القرآن ، واتِّهامُه بالخَطأ ، ونفيُ كونهِ من عندِ اللّه ، والزعمُ بأَنَّه من البشر ، ولذلك يَعتمدُ أيَّ كَلامٍ يُحققُ له هذا الهدفَ الخبيث ، حتى لو كانَ ذلك الكلامُ باطلاً مردوداً ...
وما بالُكَ في مَنْ يزعمُ أَنه باحِث ، وهو يَعتمدُ على كلامٍ غير صحيح ؟!.
إِنَّ صومَ شهرِ رمضان شرعٌ إسلاميٌّ جَديد ، خاصٌّ بالمسلمين ، واللّهُ هو الذي كَتَبَه عليهم وأَمَرَهم به ، كما وردَ في الآياتِ الصريحة ، وخَصَّهم بأحكامِه التشريعية..
ولا يَنفي هذه الحقيقة القاطعة تشبيهُ صيامِنا بصيامِ مَنْ قبلنا : *كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ* ، فوجْهُ الشَّبَهِ هو في وُجوبِ الصِيام ، وهو الامتِناعُ عن الطعامِ والشرابِ.
أما كيفيةُ الصيامِ وأحكامُه وعَدَدُ أيامِه ، فلكلِّ أُمَّةٍ تَشْرِيعُهَا الربانيُّ الخاصُّ بها ، كما قالَ اللّهُ تعالى : *لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا*.
حول حرمة الأشهر الحرم
أَوردَ الفادي عدةَ آياتٍ تتحدَّثُ عن القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم ، والأَشهرُ الأَربعةُ التي وادَعَ عليها رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - المشركين المعاهَدين.
والآياتُ التي ذَكَرَها سبعُ آياتٍ من سورة التوبة *1 - 5* و *36* و *37* ، وآية من سورة البقرة *194* ، وآيتان من سورة المائدة و *97*.
وبعد ذلك أَثارَ أَسئلتَه الاعتراضيةَ التشكيكية ، قال : " ونحنُ نسأل : لماذا يُحَرِّمُ القرآنُ القتالَ في الأَربعةِ أَشهرٍ الحُرُم فقط ، ويُحَلِّلُهُ في بقيةِ شُهورِ السَّنة ؟
أَليسَ الأَجدرُ أَنْ يُحَرمَ القتالَ دائماً ليحيا الناسُ في سَلام ؟
ولماذا يُخالفُ القرآنُ ما اصطلحَ عليه العربُ من منعِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم ، بعد اعترافِه أَنّ ذلك من شعائِرِ اللّه ؟
ويُلَطِّخُ الأَشهرَ الحُرُمَ بِسفْكِ الدِّماءِ ، مما جَعَلَ العربَ يُعَيِّرونَه بالغَدْر والخيانة ؟
وما بالُ القرآن بعد هذا يُدافعُ عن الأَشهر الحُرُم ، فيخلط بين السَّنَةِ القمريةِ والسَّنَةِ الشمسيَّة ، ويَزعمُ أَنَّ الاعتراف بالسَّنَةِ الشمسيةِ كُفْرٌ ؟
وإذا كانَت الأَشهرُ الحُرُمُ من شعائرِ اللّه ، فلماذا بَطَلَ اعتبارُها في جميعِ العالمِ الإسلاميِّ في الوقْتِ الحاضِر ؟ ".
يَعترضُ الفادي على تَحريمِ القِتالِ في الأَشهرِ الحُرمِ فقط ، ويَقترحُ تَعميمَ تَحريمهِ على أَشهرِ السَّنَةِ كُلِّها ، ليَعيشَ الناسُ في سَلام! في الوقتِ الذي يُخَطِّطُ فيه الأعداءُ لقتالِ المسلمين ، ولا يتوقَّفُ تَخطيطُهم أَو حَشْدُ جيوشِهم في أَيِّ شهرٍ من شُهورِ السَّنَة! فما معنى ذلك ؟
إِنها دعوةٌ خبيثة من هذا الفادي وأمثالِه ، لِيَقْتُلَ روحَ الجهادِ في نفوسِ المسلمين ، لكي لا يُواجِهوا الأعداءَ الحريصينَ على قِتالِهم!
وتَأَمَّلْ مَعَنا براءةَ دعوةِ الفادي : الأَعداءُ لا يتوقَّفون عن ضَرْبِنا ومواجهتِنا ، ويَجبُ على قرآنِنا أَنْ يُحَرِّمَ علينا قتالَهم!!.
ثم يَعترضُ الفادي على القرآنِ في حديثِه عن الأَشهرِ الحُرُم ، ويتهِمُه بالتناقُض! فبعدما اعترفَ القرآنُ أَنَّ الأَشهرَ الحُرُمَ من شعائرِ اللّهِ التي يَحرمُ القِتالُ فيها ، ونهى المسلمينَ عن استحلالِ القتالِ فيها ، وذلك في قوله تعالى :
*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ*.
عادَ وأَباحَ للمسلمين القتالَ في الشهرِ الحَرام ، وذلك في قوله تعالى : *الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ*.
مع أَنَّ الأَمْرَ ليس كما - فهمَه ذلك الجاهل ، وإِنَّنا نوقنُ أَنه لا تَعارُضَ بين - آياتِ القرآن.
فالقراَنُ حَرَّمَ على المسلمين بدءَ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم ؛ لأَنها من شعائر اللّه التي لا يَجوزُ استحلالُ القِتال فيها ، حتى العربُ في الجاهليةِ احترموها ولم يَتَقاتَلوا فيها ، ولذلك كان المسلمونَ أَكْثرَ احْتِراماً لها.
لكنَّ القرآنَ أَجازَ للمسلمينَ الرَّدَّ على قِتالِ الأَعداءِ لهم فيها ، ولا يُلامُ المسلمونَ على رَدِّ العُدوانِ في الأَشهرِ الحُرُم ، إِنما يُلامُ الأَعداءُ المعتَدون ، الذين انتهكوا حرمةَ تلك الأَشهر الحُرُم ، وليس من المعقولِ أَن يُهاجِمَ
الأَعداءُ المسلمين ، وأَن يسكتَ عليهم المسلمونَ بحجةِ حرمةِ القِتالِ في الأَشهُرِ الحُرُم! وعلى هذا قولُه تعالى : *الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ *194*.
وبهذا الجمع بين الآيات التي تُحَرِّمُ بَدْءَ القتالِ في الأَشهر الحُرُم ، والآياتِ التي تُبيحُ رَدَّ الاعتداءِ في الأَشهرِ الحُرُم نُدركُ حكمةَ التشريعِ الإسلاميِّ الجهادي.
والأَمْرُ في هذه المسألةِ مثلُ حُكْمِ القتالِ عند المسجدِ الحرام ، فاللّهُ حَرَّمَ على المسلمين البدءَ بقتالِ الكافرين عندَ المسجدِ الحرام ، لكنه أَجازَ لهم الرَّدَّ على قتالِهم.
قال تعالى : *وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ*.
ولكنَّ الفادي الجاهلَ مطموسُ البصيرة ، محجوبُ القلب ، لا يُوَفَّقُ لهذه المعاني لكفرِه وضَلالِه ، ولذلك يُسارعُ بتخطئةِ المرآنِ واتهامِه بالتناقُض!!.
ولم يفهم الغبيُّ حديثَ القرآنِ عن شهورِ السنة ، وما فيها من أَشهرٍ حُرُم ، وما كانَ يَفْعَلُهُ الجاهليّون من نَسيءٍ فيها.
قال تعالى : *إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ *36* إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ*.
المعتَمَدُ في الإِسلامِ هو الحسابُ القمري ، والسَّنَةُ القمريةُ اثْنا عَشَرَ شَهراً ، منها أَربعةُ أَشهرٍ حرم وهي : ذو القعدةِ ، وذو الحجةِ ، ومحرمٌ ، ورجب.
ودَعا اللّهُ المسلمين إِلى عدمِ ظُلْم أَنفسِهم بارتكابِ المعاصي ، ومنها انتهاكُ حرمةِ الأَشهرِ الحُرُم ، ببدءِ قِتالِ الأًعداءِ فيها ، فَإنْ قاتَلَهم الأَعداءُ فيها جازَ لهم قِتالُهم والرَّدُّ على عدوانِهم ، كما تُصرحُ آياتُ سورةِ البقرة وسورةِ التوبة : *الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ* و *وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً*.
تَذُمُّ الآياتُ بعدَ ذلك المشركينَ في الجاهلية ، لما كانوا يُمارسونَه من نَسيء ، وذلك بنقلِ حُرْمةِ شهرٍ حَرامٍ إلى شهرٍ آخر ، إِذا احتاجوا لقِتالِ الآخَرين فيه ، وقد زادَهم هذا النَّسيءُ والتلاعبُ كُفْراً وضلالاً.
هذا ما تقرره الآيتانِ *36 - 37* من سورةِ التوبة ، وكم كان الفادي الجاهلُ غبياً عندما استخرجَ منهما قولَه : " ما بالُ القرآنِ بعد هذا يُدافعُ عن الأَشهرِ الحُرُم ، فيخلطُ بين السَّنَةِ القمريةِ والسَّنَة الشمسية ، وَيزعمُ أَنَّ الاعترافَ بالسَّنَةِ الشمسيةِ كُفْر ؟ ".
لا أدري كيفَ خَلَطَ القرآنُ في الآيتَيْن السابقتَيْن بين السنةِ القمريةِ والسنةِ الشمسية! إِنَّ كلامَه هو عن السَّنَةِ القمرية ، ولم يَتكلمْ عن السَّنَةِ الشمسيةِ كلمةً واحدة!
ولا أَدري من أَينَ أخذ الغبيُّ أَنَّ القرآنَ اعتبرَ الاعترافَ بالسَّنةِ الشمسيةِ كفراً ، مع أَنه لم يَذْكُرْها أَصْلاً.
إِنه من السهلِ توزيعُ الاتهاماتِ جزافاً ، وقد يُخْدَعُ بها بعضُ الناسِ
أَحياناً ، لكن ماذا يكونُ موقفُ المفْتَري عندما تتلاشى اتهاماتُه ، ويعرفُ المراقبونَ والمتابعون تَفاهتها ؟!.
***
هل انتشر الإسلام بالسيف ؟
ذَكَرَ المفترِي قولَ اللّهِ - عز وجل - : *قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *16*.
ونَقَلَ كلاماً من تفسيرِ البيِضاويِّ في تفسيرِ الآية ، وَوَقَفَ أَمامَ جملةِ :
*تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ* ، ونَقَل تفسيرَ البيضاويِّ لها : " أَيْ : يكونُ أَحَدُ الأَمْرين : إِمّا الإِسلامُ أو المقاتَلَة ، لا غير..
ومَنْ عَداهُمْ يقاتَلُ حتى يُسلمَ أَو يعطيَ الجزية.
*فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا* هو الغنيمةُ في الدنيا ، والجنةُ في الآخرة ".
أَيْ أَنَّ المشركين في بلادِ العرب يُقاتَلون ، ولا يَتوقَّفُ قتالُهم إلَّا بإسْلامهم..
أَمّا أَهلُ الكتابِ من اليهودِ والنصارى فأَمامَهم خياران : إِمّا الإِسلامُ وإِما دَفْعُ الجزية ، وهو ما دَلَّ عليه قولُه تعالى : *قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *29*.
واعترضَ الفادي المفْتَري على هذه الدعوةِ القرآنية ، واعتَبَرَها دَليلاً على انتشارِ الإِسلامِ بالسيف.
قال : " ونحنُ نسأَلُ : هل يقومُ دينٌ صادِق إِلّا على الحُجةِ والبُرهان ، لا على الإرهابِ والاستبداد ؟
وإنْ كانتِ الآيات ُ المكيةُ تَحُضُّ على السِّلْم ، والآياتُ المدنيةُ تحضُّ على القتال ، فأَيُّ آياتٍ منها أَرسخُ وأَثبتُ ؟
وأَيُّها أَنسبُ من حيثُ الإيمانُ والثواب ؟.
إنَّ الإِرهابَ يَدْفَعُ للنفاق.
قالَ الشاعر :
أَسْلَمَ الكافِرونَ بِالسيْفِ قَهْراً ... وإذا ما خَلَوَا فَهُمْ مُجْرِمونَ
سَلِموا مِنْ رَواحِ مالٍ وَروحٍ ... فَلَا هُمْ سالِمونَ ولا مُسْلِمونَ
يَزعمُ المفترِي وُجودَ تَعارضٍ بينَ الآياتِ المدنيةِ والآياتِ المكيَّة ، فالآياتُ المكيةُ تحضُّ على السّلْم ، والآياتُ المدنيةُ تحضُّ على القِتال " فأَيُّها أَصْدقُ ؟ وأَيُّها يُتَّبَعُ" ؟ *1*.
وهذا زَعْمٌ باطل ، فالآياتُ المكيةُ سَكَتَتْ عن قِتالِ الكفار ، فكانَ قِتالُهم من الأمرِ المؤَجَّل ، الذي لم يَحِنْ وَقْتُ الحديثِ عنه ، وليس معنى هذا أَنَّ الآياتِ المكيةَ كانتْ تَنْهى عن القِتال ، وتحضُّ على السَّلام.
وبعدما أَقامَ المسلمونَ مجتمعَهم الإِسلاميَّ بعد الهِجرة ، واعتَدى عليهم الكافرون ، أَذِنَ اللّهُ لهم بالقِتال ، وأمرهم به ، وحَثَّهُم عليه.
وأشارَت الآيات ُ المدنيّةُ إِلى ما كانَ عليه المسلمونَ في مكة.
قال تعالى : *أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ*.
ويَقومُ سؤالُ الفادي على المغالطةِ والاتِّهام : " هل يقومُ دينٌ صادقٌ إلّا على الحُجَّةِ والبُرهان ، لا على الإرهاب والاستبداد ؟ "..
ومن المتفقِ عليه أَنَّ أَيَّ دينٍ لا يَقومُ إلّا على الحُجةِ والبرهان.
والإِسلامُ دينٌ يخاطبُ العقلَ والقلبَ والروح ، ويقدمُ للناسِ حقائِقَه بالحُجَّةِ والبرهان ، والدليلِ المقنعِ الذي يُخاطبُ العقل.
وانتشرَ الإسلامُ في العالمِ بالدعوةِ وليسَ بالسيفِ ، وقامَ على الحُجَّةِ
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
65- الإسلام انتشر بالسيف ، ويحبذ العنف
الرد على الشبهة :
وهى من أكثر الشبه انتشارًا ، ونرد عليها بالتفصيل حتى نوضح الأمر حولها :
يقول الله تعالى مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم : *وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين* *1*.
إن هذا البيان القرآنى بإطاره الواسع الكبير ، الذى يشمل المكان كله فلا يختص بمكان دون مكان ، والزمان بأطواره المختلفة وأجياله المتعاقبة فلا يختص بزمان دون زمان ، والحالات كلها سلمها وحربها فلا يختص بحالة دون حالة ، والناس أجمعين مؤمنهم وكافرهم عربهم وعجمهم فلا يختص بفئة دون فئة ؛ ليجعل الإنسان مشدوها متأملاً فى عظمة التوصيف القرآنى لحقيقة نبوة سيد الأولين والآخرين ، *وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين* رحمة عامة شاملة ، تجلت مظاهرها فى كل موقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه الكون والناس من حوله.
والجهاد فى الإسلام حرب مشروعة عند كل العقلاء من بنى البشر ، وهى من أنقى أنواع الحروب من جميع الجهات :
1- من ناحية الهدف.
2- من ناحية الأسلوب.
3- من ناحية الشروط والضوابط.
4- من ناحية الإنهاء والإيقاف.
5- من ناحية الآثار أو ما يترتب على هذه الحرب من نتائج.
وهذا الأمر واضح تمام الوضوح فى جانبى التنظير والتطبيق فى دين الإسلام وعند المسلمين.
وبالرغم من الوضوح الشديد لهذه الحقيقة ، إلا أن التعصب والتجاهل بحقيقة الدين الإسلامى الحنيف ، والإصرار على جعله طرفاً فى الصراع وموضوعاً للمحاربة ، أحدث لبساً شديداً فى هذا المفهوم ـ مفهوم الجهاد ـ عند المسلمين ، حتى شاع أن الإسلام قد انتشر بالسيف ، وأنه يدعو إلى الحرب وإلى العنف ، ويكفى فى الرد على هذه الحالة من الافتراء ، ما أمر الله به من العدل والإنصاف ، وعدم خلط الأوراق ، والبحث عن الحقيقة كما هى ، وعدم الافتراء على الآخرين ، حيث قال سبحانه فى كتابه العزيز : *لِمَ تَلبِسُونَ الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون * *2*.
ولقد فطن لبطلان هذا الادعاء كاتب غربى كبير هو توماس كارليل ، حيث قال فى كتابه " الأبطال وعبادة البطولة " ما ترجمته : " إن اتهامه ـ أى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ـ بالتعويل على السيف فى حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم ؛ إذ ليس مما يجوز فى الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس ، أو يستجيبوا له ، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم ، فقد آمنوا به طائعين مصدقين ، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها " *3*.
ويقول المؤرخ الفرنسى غوستاف لوبون فى كتابه " حضارة العرب " وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام فى عهده صلى الله عليه وسلم وفى عصور الفتوحات من بعده ـ : " قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة ، ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها ، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التى قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول ، وبلغ القرآن من الانتشار فى الهند ـ التى لم يكن العرب فيها غير عابرى سبيل ـ ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها.. ولم يكن الإسلام أقل انتشاراً فى الصين التى لم يفتح العرب أى جزء منها قط ، وسترى فى فصل آخر سرعة الدعوة فيها ، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا فى الوقت الحاضر " *4*.
هذا وقد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر عاماً ، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وقد كان نتاج هذه المرحلة أن دخل فى الإسلام خيار المسلمين من الأشراف وغيرهم ، وكان الداخلون أغلبهم من الفقراء ، ولم يكن لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثروة عظيمة يغرى بها هؤلاء الداخلين ، ولم يكن إلا الدعوة ، والدعوة وحدها ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تحمَّل المسلمون ـ لاسيما الفقراء والعبيد ومن لا عصبية له منهم ـ من صنوف العذاب وألوان البلاء ما تعجز الجبال الرواسى عن تحمله ، فما صرفهم ذلك عن دينهم وما تزعزعت عقيدتهم ، بل زادهم ذلك صلابة فى الحق ، وصمدوا صمود الأبطال مع قلتهم وفقرهم ، وما سمعنا أن أحداً منهم ارتدّ سخطاً عن دينه ، أو أغرته مغريات المشركين فى النكوص عنه ، وإنما كانوا كالذهب الإبريز لا تزيده النار إلا صفاء ونقاء ، وسنتكلم هنا على الجانبين التنظيرى والتطبيقى ، ونقصد بالتنظيرى ما ورد فى مصادر الإسلام *الكتاب والسنة* ، ونعنى بالتطبيقى ما حدث عبر القرون ابتداء من الحروب التى شارك فيها النبى صلى الله عليه وسلم ، وانتهاء بعصرنا الحاضر ، ثم نختم ببيان هذه النقاط الخمسة التى ذكرناها سابقاً.
أولاً : الجانب التنظيرى
ورد فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية آيات وأحاديث تبين شأن الجهاد فى الإسلام ، ويرى المطالع لهذه الآيات والأحاديث ، أن المجاهد فى سبيل الله ، هو ذلك الفارس النبيل الأخلاقى المدرب على أخلاق الفروسية العالية الراقية ؛ حتى يستطيع أن يمتثل إلى الأوامر والنواهى الربانية التى تأمره بضبط النفس قبل المعركة وأثناء المعركة وبعد المعركة ، فقبل المعركة يجب عليه أن يحرر نفسه من كل الأطماع ، وألا يخرج مقاتلا من أجل أى مصلحة شخصية ، سواء كانت تلك المصلحة من أجل نفسه أو من أجل الطائفة التى ينتمى إليها ، أو من أجل أى عرض دنيوى آخر ، وينبغى أن يتقيد بالشروط التى أحل الله فيها الجهاد ، وأن يجعل ذلك لوجه الله تعالى ، ومعنى هذا أنه سوف يلتزم بأوامر الله ، ويستعد لإنهاء الحرب فوراً ، إذا ما فقدت الحرب شرطاً من شروط حلها أو سبباً من أسباب استمرارها ، وسواء أكان ذلك الفارس منتصراً ، أو أصابه الأذى من عدوه ، فإن الله يأمره بضبط النفس ، وعدم تركها للانتقام ، والتأكيد على الالتزام بالمعانى العليا ، وكذلك الحال بعد القتال ، فإنه يجب عليه أن يجاهد نفسه الجهاد الأكبر ؛ حتى لا يتحول الفارس المجاهد إلى شخصٍ مؤذٍ لمجتمعه أو لجماعته أو للآخرين ، وبالرغم من أن لفظة الجهاد إذا أطلقت انصرف الذهن إلى معنى القتال فى سبيل الله. إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أسماه بالجهاد الأصغر ، وسمى الجهاد المستمر بعد القتال بالجهاد الأكبر ؛ لأن القتال يستمر ساعات أو أيام ، وما بعد القتال يستغرق عمر الإنسان كله.
وفيما يلى نورد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تحدثت عن هذه القضية ، ثم بعد ذلك نستخرج منها الأهداف والشروط والضوابط والأساليب ، ونعرف منها متى تنتهى الحرب ، والآثار المترتبة على ذلك :
أولاً : القرآن الكريم :
1- *وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين* *5*.
2- *فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين* *6*.
3- *كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون * *7*.
4- *يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل * *8*.
5- *وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * *9*.
6- *ولا تحسبن الذين قُتِلُوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يُرْزَقُون * *10*.
7- *فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم * *11*.
8- *فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل فى سبيل الله فيُقتل أو يَغِلب فسوف نؤتيه أجرا عظيماً * *12*.
9- *وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيراً * *13*.
10- *فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً * *14*.
11- *وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولوكره المجرمون * *15*.
12- *فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى * *16*.
13- *وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير* *17*.
14 *ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط* *18*.
15- *وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم * *19*.
16- *يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم الله فى قلوبكم خيرا يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم * *20*.
17- *فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم * وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون * *21*.
18- *إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فَيَقتُلُون وَيُقتَلُون * *22*.
19- *أُذِنَ للذين يُقَاتَلُون بأنهم ظُلِمُوا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخْرِجُوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا رَبُّنَا الله* *23*.
ثانياً : الأحاديث النبوية الشريفة :
1- عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " تكفل الله لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد فى سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذى خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة " *24*.
2- عن وهب بن منبه ، قال : سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت ، قال : اشترطت على النبى صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد ، وأنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقول : " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا " *25*.
3- عن سعد بن زيد بن سعد الأشهلى أنه أهدى إلى رسول صلى الله عليه وسلم سيفاً من نجران فلما قدم عليه أعطاه محمد بن مسلمة ، وقال : " جاهد بهذا فى سبيل الله فإذا اختلفت أعناق الناس فاضرب به الحجر ، ثم ادخل بيتك وكن حلساً ملقى حتى تقتلك يد خاطئة أو تأتيك منية قاضية. قال الحاكم : فبهذه الأسباب وما جانسها كان اعتزال من اعتزل عن القتال مع على ـ رضى الله عنه ـ وقتال من قاتله " *26*.
4- عن سعيد بن جبير قال : " خرج علينا أو إلينا ابن عمر فقال رجل كيف ترى فى قتال الفتنة فقال وهل تدرى ما الفتنة كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس كقتالكم على الملك " *27*.
5- عن عبد الله بن عمرو ـ رضى الله عنهما ـ قال : جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : إنى أريد الجهاد فقال : " أحى والداك ؟ قال : نعم. قال : ففيهما فجاهد " *28*.
ويتضح من هذه الآيات والأحاديث أن هدف الحرب فى الإسلام يتمثل فى الآتى :
1- رد العدوان والدفاع عن النفس.
2- تأمين الدعوة إلى الله وإتاحة الفرصة للضعفاء الذين يريدون اعتناقها.
3- المطالبة بالحقوق السليبة.
4- نصرة الحق والعدل.
ويتضح لنا أيضا أن من شروط وضوابط الحرب :
*1* النبل والوضوح فى الوسيلة والهدف.
*2* لا قتال إلا مع المقاتلين ولا عدوان على المدنيين.
*3* إذا جنحوا للسلم وانتهوا عن القتال فلا عدوان إلا على الظالمين.
*4* المحافظة على الأسرى ومعاملتهم المعاملة الحسنة التى تليق بالإنسان.
*5* المحافظة على البيئة ويدخل فى ذلك النهى عن قتل الحيوان لغير مصلحة وتحريق الأشجار ، وإفساد الزروع والثمار ، والمياه ، وتلويث الآبار ، وهدم البيوت.
*6* المحافظة على الحرية الدينية لأصحاب الصوامع والرهبان وعدم التعرض لهم.
الآثار المترتبة على الجهاد
يتضح لنا مما سبق أن الجهاد فى الإسلام قد اتسم بنبل الغاية والوسيلة معا ، فلا غرو أن تكون الآثار والثمار المتولدة عن هذا الجهاد متناسقة تماما فى هذا السياق من النبل والوضوح ؛ لأن النتائج فرع عن المقدمات ، ونلخص هذه الآثار فى النقاط التالية :
*1* تربية النفس على الشهامة والنجدة والفروسية.
*2* إزالة الطواغيت الجاثمة فوق صدور الناس ، وهو الشر الذى يؤدى إلى الإفساد فى الأرض بعد إصلاحها.
*3* إقرار العدل والحرية لجميع الناس مهما كانت عقائدهم.
*4* تقديم القضايا العامة على المصلحة الشخصية.
*5* تحقيق قوة ردع مناسبة لتأمين الناس فى أوطانهم.
يقول الله سبحانه وتعالى فى سورة الحج :
*الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز * *29*.
قال الإمام القرطبى عند تفسيره لهذه الآية :
*ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض* أى لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء ، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينته أرباب الديانات من مواضع العبادات ، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم فى الأمم ، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات ؛ فكأنه قال : أذن فى القتال ، فليقاتل المؤمنون. ثم قوى هذا الأمر فى القتال بقوله : *ولولا دفع الله الناس* الآية ؛ أى لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق فى كل أمة. فمن استشبع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه ؛ إذ لولا القتال لما بقى الدين الذى يذب عنه. وأيضاً هذه المواضع التى اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى ؛ أى لولا هذا الدفع لهُدمت فى زمن موسى الكنائس ، وفى زمن عيسى الصوامع والبيع ، وفى زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد. " لهدمت " من هدمت البناء أى نقضته فانهدم. قال ابن عطية : هذا أصوب ما قيل فى تأويل الآية " *30*.
ثانياً : الناحية التطبيقية
*1* حروب النبى صلى الله عليه وسلم :
*أ* الحرب ظاهرة اجتماعية :
الحرب ظاهرة إنسانية قديمة قدم الإنسان على ظهر هذه البسيطة ، فمنذ وُجد الإنسان وهو يصارع ويحارب ، وكعلاقة من العلاقات الاجتماعية الحتمية نشأت الحرب ، فالاحتكاك بين البشر لابد وأن يُوَلِّد صداماً من نوع ما ، لقد جبل الإنسان على غريزة التملك التى تدعوه إلى التشبث بما يملكه ، حيث إن هذه الغريزة هى التى تحفظ عليه البقاء فى الحياة ، وهى بالتالى التى تتولد عنها غريزة المقاتلة ، فى أبسط صورها دفاعاً عن حقه فى الاستمرار والحياة ، وقد تتعقد نفسية الإنسان وتصبح حاجاته ومتطلباته مركبة ، فلا يقاتل طالباً للقوت أو دفاعاً عنه فقط ، وإنما يقاتل طلباً للحرية ورفعاً للظلم واستردادا للكرامة. ويُفَصِّل العلامة ابن خلدون هذه الحقيقة فى مقدمته فيقول : " اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة فى الخليقة منذ برأها الله ، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته ، فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان ؛ إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع ، كانت الحرب وهو أمر طبيعى فى البشر ، إما غيرة ومنافسة وإما عدوان وإما غضب لله ولدينه ، وإما غضب للملك وسعى فى تمهيده " *31*.
*ب* الحرب فى الكتب المقدسة قبل الإسلام :
إذا ما تجاوزنا الأمم والحضارات البشرية ، وتأملنا فى الكتب السماوية المقدسة *التوراة ـ الإنجيل* ، نرى أن هذه الكتب المقدسة قد تجاوزت الأسباب المادية الغريزية التى يقاتل الإنسان من أجلها إلى أسباب أكثر رُقِيًّا وحضارة ، فبعد أن كان الإنسان يقاتل رغبة فى امتلاك الطعام أو الأرض ، أو رغبة فى الثأر الشخصى من الآخرين ، أو حتى ردا للعدوان ، نرى أن الكتب المقدسة قد أضافت أسباباً أخرى ، أسباباً إلهية تسمو بالبشرية عن الدنايا وظلم الآخرين ، إلى بذل النفس إقامة للعدل ، ونصرة للمظلوم ، ومحاربة للكفر والخروج عن منهج الله ، لقد حددت الكتب السماوية المناهج والأطر التى يُسْمَح فيها بإقامة القتال وعبرت بالإنسان مرحلة بناء المجد الشخصى المؤسس على الأنا ، إلى مرحلة التضحية من أجل المبادئ والمثل الإلهية العليا ، التى تعمل فى إطار الجماعة البشرية لا فى محيط الفرد الواحد.
الحرب فى العهد القديم :
وردت أسباب الحرب فى ست وثلاثين آية تقع فى ثمانية أسفار من أسفار العهد القديم هى : *التكوين ـ العدد ـ التثنية ـ يوشع ـ القضاة ـ صموئيل الأول ـ الملوك الثانى ـ حزقيال*.
*1* ففى سفر العدد ـ الإصحاح الثالث عشر ، ورد ما يفيد أن موسى ـ عليه السلام ـ بعد خروجه بقومه من مصر بعث رسلا يتحسسون أمر أرض كنعان ـ فلسطين ـ ليستقروا فيها :
" فساروا حتى أتوا موسى وهارون وكل جماعة بنى إسرائيل إلى برية فاران إلى قادش ، وردوا إليهما خبرًا وإلى كل الجماعة ، وأروهم ثمر الأرض وأخبروه ، وقالوا : قد ذهبنا إلى الأرض التى أرسلتنا إليها وحقا إنها تفيض لبناً وعسلاً وهذا ثمرها غير أن الشعب الساكن فى الأرض معتز والمدن حصينة عظيمة جداً وأيضا قد رأينا بنى عناق هناك " *32*.
*2* وجاء فى سفر صموئيل الأول ـ الإصحاح الخامس والعشرون :
" فأجاب نابال عبيد داود وقال : من هو داود ومن هو ابن يسى قد كثر اليوم العبيد الذين يقحصون كل واحد من أمام سيده ، أآخذ خبزى ومائى وذبيحى الذى ذبحت لجارى وأعطيه لقوم لا أعلم من أين هم ؟ فتحول غلمان داود إلى طريقهم ورجعوا وجاءوا وأخبروه حسب كل هذا الكلام ، فقال داود لرجاله : ليتقلد كل واحد منكم سيفه وتقلد داود سيفه وصعد وراء داود نحو أربعمائة رجل ومكث مائتان مع الأمتعة " *33*.
*3* وفى سفر الملوك الثانى ـ الإصحاح الثالث :
" وكان ميشع ملك موآب الثانى صاحب مواش ، فأدى لملك إسرائيل مائة ألف خروف ومائة ألف كبش بصوفها ، وعند موت آخاب عصى ملك موآب على ملك إسرائيل وخرج الملك يهورام فى ذلك اليوم من السامرة وعد كل إسرائيل وذهب وأرسل إلى يهو شافاط ملك يهوذا يقول : قد عصى على ملك موآب ، فهل تذهب معى إلى موآب للحرب ؟ " *34*.
*4* جاء فى حزقيال الإصحاح الواحد والعشرون :
" وكان إلى كلام الرب قائلا : يا ابن آدم اجعل وجهك نحو أورشليم وتكلم على المقادس وتنبأ على أرض إسرائيل وقل لأرض إسرائيل هكذا قال الرب هأنذا عليك وأستل سيفى من غمده فأقطع منه الصديق والشرير من حيث إنى أقطع منك الصديق والشرير فلذلك يخرج سيفى من غمده على كل بشر من الجنوب إلى الشمال فيعلم كل بشر أنى أنا الرب سللت سيفى من غمده لا يرجع أيضاً " *35*.
*5* وجاء فى سفر يوشع الإصحاح الثالث والعشرون :
" وأنتم قد رأيتم كل ما عمل الرب إلهكم هو المحارب عنكم انظروا : قد قسمت لكم بالقرعة هؤلاء الشعوب الباقين ملكاً حسب أسباطكم من الأردن وجميع الشعوب التى قرضتها والبحر العظيم نحو غروب الشمس والرب إلهكم هو ينفيهم من أمامكم ويطردهم من قدامكم فتملكون أرضهم كما كلمكم الرب إلهكم " *36*.
*6* وجاء فى سفر القضاة الإصحاح الأول :
" وحارب بنو يهوذا أورشليم وأخذوها وضربوا بحد السيف وأشعلوا المدينة بالنار وبعد ذلك نزل بنو يهوذا لمحاربة الكنعانيين سكان الجبل وسكان الجنوب والسهل ".
*7* وفى سفر القضاة الإصحاح الثامن عشر :
" فأما هم فقد أخذوا ما صنع ميخاً والكاهن الذى له وجاءوا إلى لايش إلى شعب مستريح مطمئن فضربوهم بحد السيف وأحرقوا المدينة بالنار ولم يكن مَنْ ينقذ لأنها بعيدة عن صيدون ولم يكن لهم أمر مع إنسان وهى فى الوادى الذى لبيت رحوب فبنوا المدينة وسكنوا بها ودعوا اسم المدينة دان باسم دان أبيهم الذى ولد لإسرائيل ولكن اسم المدينة أولا : لايش " *37*.
*8* وفى صموئيل الأول الإصحاح الرابع :
" وخرج إسرائيل للقاء الفلسطينيين للحرب ونزلوا عند حجر المعونة ، وأما الفلسطينيون فنزلوا فى أفيق واصطف الفلسطينيون للقاء إسرائيل واشتبكت الحرب فانكسر إسرائيل أمام الفلسطينيين وضربوا من الصف فى الحقل نحو أربعة آلاف رجل " *38*.
*9* وفى التكوين الإصحاح الرابع والثلاثون :
" فحدث فى اليوم الثالث إذ كانوا متوجعين أن ابنى يعقوب شمعون ولاوى أخوى دينة أخذ كل واحد منهما سيفه وأتيا على المدينة بأمن وقتلا كل ذكر وقتلا حمور وشكيم ابنه بحد السيف لأنهم بخسوا أختهم ، غنمهم وبقرهم وكل ما فى المدينة وما فى الحقل أخذوه وسبوا ونهبوا كل ثروتهم وكل أطفالهم ونسائهم وكل ما فى البيوت " *39*.
*10* وفى سفر التكوين الإصحاح الرابع عشر :
" فلما سمع إبرام أن أخاه سبى جر غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاثمائة وثمانية عشر وتبعهم إلى دان وانقسم عليهم ليلاً هو وعبيده فكسرهم وتبعهم إلى حوبة التى من شمال دمشق واسترجع كل الأملاك واسترجع لوطاً أخاه أيضاً وأملاكه والنساء أيضاً والشعب " *40*.
*11* وفى سفر العدد الإصحاح الواحد والعشرون :
" فقال الرب لموسى لا تخف منه لأنى قد دفعته إلى يدك مع جميع قومه وأرضه فتفعل به كما فعلت بسيحون ملك الأموريين الساكن فى حبشون فضربوه وبنيه وجميع قومه حتى لم يبق لهم شارد وملكوا أرضه " *41*
*12* وفى سفر العدد الإصحاح الخامس والعشرون :
" ثم كلم الرب موسى قائلا ضايقوا المديانيين واضربوهم لأنهم ضايقوكم بمكايدهم التى كادوكم بها " *42*.
*13* وفى سفر العدد الإصحاح الثالث والثلاثون :
تطالعنا التوراة ، أن الله قد أمر موسى ـ عليه السلام ـ أن يشن حرباً على أقوام قد عبدوا غير الله ـ سبحانه وتعالى ـ : " وكلم الرب موسى فى عربات مو آب على أردن أريحا قائلا : " كلم بنى إسرائيل وقل لهم : إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم " *43*.
*14* وشبيه به ما ورد فى سفر صموئيل الإصحاح السابع عشر آية 45 : 47
" فقال داود للفلسطينى : أنت تأتى إلى بسيف وبرمح وبترس ، وأنا آتى إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيرتهم 000 فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لإسرائيل " *44*.
*15* وفى سفر صموئيل الأول الإصحاح الثالث والعشرون :
" فذهب داود ورجاله إلى قعيلة وحارب الفلسطينيين وساق مواشيهم وضربهم ضربة عظيمة وخلص داود سكان قعيلة " *45*.
*16* فى سفر المزامير المزمور الثامن عشر :
يسبح داود الرب ويمجده لأنه يعطيه القوة على محاربة أعدائه : " الذى يعلم يدى القتال فتحنى بذراعى قوس من نحاس.. أتبع أعدائى فأدركهم ولا أرجع حتى أفنيهم أسحقهم فلا يستطيعون القيام ، يسقطون تحت رجلى تمنطقنى بقوة للقتال تصرع تحتى القائمين على وتعطينى أقفية أعدائى ومبغضى أفنيهم " *46*.
هذه بعض من حروب بنى إسرائيل التى سجلتها نصوص كتبهم وأسفارهم ، فمفهوم الحرب والقتال ، ليس مفهوماً كريهاً من وجهة النظر التوراتية ، وكأنها حروب مستمدة من الشريعة الدينية التوراتية ، وهى كانت دائما تتم بمباركة الرب ومعونته وكأن الرب ـ حسب تعبير التوراة ـ قد استل سيفه من غمده فلا يرجع *47*.
الحرب فى العهد الجديد :
كذلك نرى الإنجيل لم يهمل الكلام عن الحروب بالكلية ، بل جاء نص واضح صريح ، لا يحتمل التأويل ولا التحريف يقرر أن المسيحية على الرغم من وداعتها وسماحتها التى تمثلت فى النص الشهير " من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر " ـ إلا أنها تشير إلى أن السيد المسيح ـ عليه السلام ـ قد يحمل السيف ويخوض غمار القتال إذا دعته الظروف لذلك ؛ فجاء فى الإنجيل على لسان السيد المسيح :
" لا تظنوا أنى جئت لأرسى سلاماً على الأرض ، ما جئت لأرسى سلاماً ، بل سيفاً ، فإنى جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع أبيه ، والبنت مع أمها والكنة مع حماتها وهكذا يصير أعداء الإنسان أهل بيته " *48*.
ولعلنا نلاحظ التشابه الكبير بين هذه المقولة وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : [ بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده ] *49*.
مما سبق يتبين لنا واضحاً وجليا أن الحرب والقتال سنة كونية سرت فى الأمم جميعاً، ولم نر فى تاريخ الأمم أمة خلت من حروب وقتال ، ورأينا من استعراض الكتب المقدسة ـ التوراة والإنجيل ـ أنه سنة شرعية لم تخل شريعة من الشرائع السماوية السابقة على الإسلام من تقريره والقيام به كما مر.
لقد كان هذا القدر كافيا فى إثبات أن محمداً صلى الله عليه وسلم سائر على سنن من سبقه من الأنبياء ، وأن الجهاد لتقرير الحق والعدل مما يمدح به الإسلام ؛ لا مما به يشان ، وأن ما هو جواب لهم فى تبرير هذه الحروب وسفك الدماء كان جواباً لنا فى مشروعية ما قام به النبى صلى الله عليه وسلم من القتال والجهاد.
ولنشرع الآن فى تتميم بقية جوانب البحث مما يزيل الشبهة ويقيم الحجة ويقطع الطريق على المشككين ، فنتكلم عن غزوات النبى صلى الله عليه وسلم ، ممهدين لذلك بالحالة التى كانت عليها الجزيرة العربية من حروب وقتال وسفك للدماء لأتفه الأسباب وأقلها شأناً ، حتى يبدو للناظر أن القتال كان غريزة متأصلة فى نفوس هؤلاء لا تحتاج إلى قوة إقناع أو استنفار.
الحرب عند العرب قبل الإسلام
سجلت كتب التاريخ والأدب العربى ما اشتهر وعرف بأيام العرب ، وهى عبارة عن مجموعة من الملاحم القتالية التى نشبت بين العرب قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم ، وليس يعنينا سرد هذه الملاحم وتفاصيلها ولكن الذى يعنينا هنا أن نقف على بعض الجوانب التى تصلح للمقارنة *الأسباب ـ الزمن المستغرق ـ الآثار التى خلفتها هذه الحروب*.
قال العلامة محمد أمين البغدادى : " اعلم أن الحروب الواقعة بين العرب فى الجاهلية أكثر من أن تحصر ، ومنها عدة وقائع مشهورة لا يتسع هذا الموضع لذكرها ولنذكر بعضاً منها على سبيل الإجمال " *50*.
وقد ذكرت كتب التواريخ أياماً كثيرة للعرب *البسوس ـ وداحس والغبراء ـ يوم النسار ـ يوم الجفار ـ يوم الفجار ـ يوم ذى قار ـ يوم شعب جبلة ـ يوم رحرحان 000 إلخ* والمتأمل فى هذه الملاحم والأيام يرى أن الحماسة الشديدة والعصبية العمياء وعدم الاكتراث بعواقب الأمور والشجاعة المتهورة التى لا تتسم بالعقل ، كانت هى الوقود المحرك لهذه الحروب ، هذا فضلاً عن تفاهة الأسباب التى قامت من أجلها هذه المجازر ، والمدة الزمنية الطويلة التى استمرت فى بعضها عشرات السنين ، والآثار الرهيبة التى خلفتها هذه الحروب ، وعلى الرغم من أننا لم نقف على إحصاء دقيق لما خلفته هذه الحروب إلا أن الكلمات التى قيلت فى وصف آثارها من الفناء والخراب وتيتم الأطفال وترمل النساء 000 إلخ لتوقفنا على مدى ما أحدثته الحرب فى نفوس الناس من اليأس والشؤم ، ويصف لنا الشاعر زهير بن أبى سلمى طرفاً من ذلك فى معلقته المشهورة وهو يخاطب الساعين للسلام بين عبس وذبيان :
تداركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
فهو يقول للساعين للسلام : إنكما بتحملكما ديات الحرب من مالكما ، أنقذتما عبسا وذبيان بعدما يأسوا ، ودقوا بينهما عطر منشم ، ومنشم هو اسم لامرأة كانت تبيع العطر يضرب بها المثل فى التشاؤم ، دليل على عظم اليأس الذى أصاب نفوس الناس من انتهاء هذه الحرب *51*.
هذه إطلالة سريعة ومختصرة على الحروب وأسبابها لدى العرب قبل الإسلام والآن نشرع فى الكلام على تشريع الجهاد فى الإسلام ثم نتبع ذلك بتحليل موثق لغزوات النبى صلى الله عليه وسلم.
الجهاد فى شرعة الإسلام :
لما استقر النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأسس حكومته النبوية بها ، بعد ثلاثة عشر عاماً من الدعوة إلى الله وتحمل الأذى والعذاب فى سبيل ذلك تخللتها ثلاث هجرات جماعية كبيرة ـ هاجت ثائرة قريش وحقدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحرزه من استقرار ونجاح لهذه الدولة الوليدة ـ دون ظلم أو استبداد أو سفك للدماء ـ ولذلك فقد كان صلى الله عليه وسلم مقصوداً بالقتل ، إذ ليس معقولاً أن تنام أعينهم على هذا التقدم والنمو ، ومصالحهم قائمة على الزعامة الدينية فى جزيرة العرب ، وهذه الدولة الجديدة قائمة على أساس دينى ربما يكون سبباً فى زوال هذه الزعامة الدينية الوثنية الموروثة. وإذا كان الإسلام ديناً بلغت الميول السلمية فيه مداها فى قوله تعالى : *فاصفح عنهم وقل سلام * *53* إلا أن الميول السلمية لا تتسع لمنع القائمين بهذا الدين الجديد من الدفاع عن أنفسهم وعن دينهم الذى أنزله الله للإنسانية كافة ، فى عالم يضيع فيه الحق والعدل إن لم يكن لهما قوة تحميهما، فكان لا مناص من السماح للمسلمين بحماية أنفسهم ودينهم بالسلاح الذى يشهره خصومهم فى وجوههم ، ولذلك كان التعبير بقوله تعالى : *أُذِنَ للذين يُقَاتَلُونَ بأنهم ظُلِمُوا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز * *53*.
أقول : كان التعبير بالإذن الذى يدل على المنع قبل نزول الآية يدل على طروء القتال فى الإسلام وأنه ظل ممنوعاً طيلة العهد المكى وبعضاً من العهد المدنى.
" هذا ولم يغفل الإسلام حتى فى هذا الموطن ـ موطن الدفاع عن النفس والدين ـ أن ينصح لأتباعه بعدم العدوان ؛ لأن الموضوع حماية حق لا موضوع انتقام ولا شفاء حزازات الصدور ، وهذا من مميزات الحكومة النبوية ، فإن القائم عليها من نبى يكون كالجراح يضع مشرطه حيث يوجد الداء لاستئصاله ، مع عدم المساس بالأعضاء السليمة ، ومقصده استبقاء حياة المريض لا قتله ، والعالم كله فى نظر الحكومة النبوية شخص مريض تعمل لاستدامة وجوده سليماً قوياً.. إن طبيعة هذا العالم مبنية على التدافع والتغالب ليس فيما بين الناس فحسب ، ولكن فيما بينهم وبين الوجود المحيط بهم ، وبين كل فرد والعوامل المتسلطة عليه من نفسه ، ولا أظن أن قارئاً من قرائنا يجهل الناموس الذى اكتشفه دارون وروسل ولاس ودعوه ناموس تنازع البقاء وبنوا عليه كل تطور أصاب الأنواع النباتية والحيوانية والإنسان أيضاً " *54*.
" ألم تر كيف تصدى خصوم الدين النصرانى للمسيح ، وما كان يدعو إلا للصلاح والسلام حتى إنهم استصدروا أمراً بصلبه فنجاه الله منهم ، وما زالوا بالذين اتبعوه يضطهدونهم ويقتلونهم حتى مضت ثلاثة قرون وهم مشردون فى الأرض لا تجمعهم جامعة ، إلى أن حماهم من أعدائهم السيف على يد الإمبراطور قسطنطين الذى أعمل السيف فى الوثنيين من أعدائهم.. أفيريد مثيرو هذه الشبهة أن يقوم دين على غير السنن الطبيعية فى عالم مبنى على سنن التدافع والتنازع واستخدام القوة الحيوانية لطمس معالم الحق ودك صروح العدل " ؟" يقول المعترضون : وماذا أعددتم من حجة حين تجمع الأمم على إبطال الحروب وحسم منازعاتها عن طريق التحكيم ، وهذا قرآنكم يدعوكم إلى الجهاد وحثكم على الاستبسال فيه ؟
نقول : أعددنا لهذا العهد قوله تعالى : *وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم* *55*.
" هذه حكمة بالغة من القرآن ، بل هذه معجزة من معجزاته الخالدة ، وهى أدل دليل على أنه لم يشرع الحرب لذاتها ، ولكن لأنها من عوامل الاجتماع التى لابد منها ما دام الإنسان فى عقليته ونفسيته المأثورتين عنه ، غير أنه لم ينف أن يحدث تطور عالمى يتفق فيه على إبطال الحرب فصرح بهذا الحكم قبل حدوثه ليكون حُجة لأهله من ناحية ، وليدل على أنه لا يريد الحرب لذاتها من ناحية أخرى ، ولو كان يريدها لذاتها لما نوه لهذا الحكم " *56*.
ثانياً : نظرة تحليلية لغزوات النبى صلى الله عليه وسلم :
إذا تتبعنا هذه الغزوات وقسمناها حسب الطوائف التى ضمتها ، أمكننا التعرف على القبائل التى حدثت معها هذه المعارك وهى كالآتى :
*1* قريش مكة :
وهى القبيلة التى ينتمى إليها النبى صلى الله عليه وسلم ، حيث أن قريش هو فهر بن مالك ، وقيل النضر بن كنانة ، وعلى كلا القولين فقريش جد للنبى صلى الله عليه وسلم ، وكانت معهم الغزوات : سيف البحر ـ الرابغ ـ ضرار ـ بواط ـ سفوان ـ ذو العشيرة ـ السويق ـ ذو قردة ـ أحد ـ حمراء الأسد ـ بدر الآخرة ـ الأحزاب ـ سرية العيص ـ سرية عمرو بن أمية ـ الحديبية ـ سيف البحر الثانية 8هـ ـ فتح مكة.
*2* قبيلة بنو غطفان وأنمار :
غطفان من مضر ، قال السويدى : " بنو غطفان بطن من قيس ابن عيلان بن مضر ، قال فى العبر : وهم بطن متسع كثير الشعوب والبطون " *57* ، قال ابن حجر فى فتح البارى : " تميم وأسد وغطفان وهوازن جميعهم من مضر بالاتفاق " *58* ، أما أنمار فهم يشتركون فى نفس النسب مع غطفان ، قال ابن حجر : " وسيأتى بعد باب أن أنمار فى قبائل منهم بطن من غطفان " *59* ، أى أن أنمار ينتسبون إلى مضر أيضاً ونسبهم كالتالى : أنمار بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر *60*.
والغزوات التى ضمتها هى : قرقرة الكدر ـ ذى أمر ـ دومة الجندل ـ بنى المصطلق ـ الغابة ـ وادى القرى ـ سرية كرز بن جابر ـ ذات الرقاع ـ تربة ـ الميفعة ـ الخربة ـ سرية أبى قتادة ـ عبد الله بن حذافة *61*.
*3* بنو سليم :
قال السويدى : " بضم السين المهملة قبيلة عظيمة من قيس عيلان والنسبة إليهم سلمى ، وسليم من أولاد خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر *62* ، والغزوات التى خاضها صلى الله عليه وسلم مع بنى سليم هى : بئر معونة ـ جموم ـ سرية أبى العوجاء ـ غزوة بنى ملوح وبنى سليم *63*.
*4* بنو ثعلبة :
ثعلبة هو ابن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر *64* ، نسبه الدكتور على الجندى إلى مر بن أد هكذا : ثعلبة بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر *65* ، والغزوات التى غزاها صلى الله عليه وسلم معهم هى : غزوة ذى القصة ـ غزوة بنى ثعلبة ـ غزوة طرف ـ سرية الحسمى *66*.
*5* بنو فزارة وعذرة :
قال فى سبائك الذهب : " بنو فزارة بطن من ذبيان من غطفان ، قال فى العبر : وكانت منازل فزارة بنجد ووادى القرى ، ونسب فزارة : فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر.
أما بنو عذرة : بنوه بطن من قضاعة ، ونسبهم هكذا : عذرة بن سعد بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافى بن قضاعة *67*. ونسبهم إلى قضاعة أيضاً الدكتور على الجندى معتمداً على أنساب ابن حزم هكذا : عذرة بن سعد بن أسلم بن عمران بن الحافى بن قضاعة *68* ، وعلى هذا فبنو عذرة ليسو من مضر وإنما كانوا موالين لبنى فزارة وهم من مضر. وكان معهما الغزوات والسرايا الآتية :
سرية أبى بكر الصديق ـ سرية فدك ـ سرية بشير بن سعد ـ غزوة ذات أطلح *69*.
*6* بنو كلاب وبنو مرة :
أما بنو كلاب فهم : بنو كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، وبنو مرة هم أبناء كعب بن لؤى فيكون كلاب بطن من مرة ، وهذه نفس سلسلة النسب التى ذكرها الدكتور على الجندى معتمداً على أنساب ابن حزم *70* ، والغزوات التى كانت معهم : غزوة قريظة ـ غزوة بنى كلاب ـ غزوة بنى مرة ـ سرية ضحاك *71*.
*7* عضل والقارة :
قال فى سبائك الذهب : "عضل بطن من بنى الهون من مضر" ، ونسبهم هكذا : عضل بن الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، وأما القارة فلم يذكرها السويدى فى السبائك ولا الدكتور الجندى ، إلا أن الأستاذ الشيخ محمد الخضرى نسبها إلى خزيمة بن مدركة ، وذكر الفارة بالفاء الموحدة لا بالقاف المثناة *72* وقد غزاهم النبى صلى الله عليه وسلم غزوة واحدة هى غزوة الرجيع *73*.
*8* بنو أسد :
قال السويدى : " بنو أسد حى من بنى خزيمة ، ونسبهم هكذا : أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر *74* ، والغزوات التى غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هى : سرية قطن ـ سرية عمر مرزوق ـ غزوة ذات السلاسل *75*.
*9* بنو ذكوان :
قال السويدى : " بنو ذكوان بطن من بهتة من سليم ، وهم من الذين مكث النبى صلى الله عليه وسلم شهراً يقنت فى الصلاة يدعو عليهم وعلى رعل *76* ونسبهم هكذا : ذكوان بن بهتة بن سليم بن منصور بن عكرمة خصفة بن قيس عيلان بن مضر *77* ، ولم يغزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا غزوة واحدة هى غزوة بئر معونة.
*10* بنو لحيان :
من المعروف أن بنى لحيان من هذيل ، وهذيل هو : ابن مدركة بن مضر*78*، وغزاهم النبى صلى الله عليه وسلم غزوة واحدة هى : غزوة بنى لحيان *79*.
*11* بنو سعد بن بكر :
نسبهم : سعد بن بكر بن هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس عيلان بن مضر *80* ، وقد أرسل لهم النبى صلى الله عليه وسلم سرية واحدة هى سرية فدك.
*12* بنو هوازن :
بنو هوازن بطن من قيس عيلان ، ونسبهم هكذا : هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر *81*، وقد غزاهم صلى الله عليه وسلم غزوة ذات عرق.
*13* بنو تميم :
بنو بطن من طابخة ، قال فى العبر : " وكانت منازلهم بأرض نجد دائرة من هنالك على البصرة واليمن ، ونسبهم هكذا : تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر " *82*.
*14* بنو ثقيف :
بنو ثقيف بطن من هوازن اشتهروا باسم أبيهم ثقيف ، ونسبهم : ثقيف بن منبه بن بكر بن بهتة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر *83* ، وقد غزاهم النبى صلى الله عليه وسلم غزوتين هما : غزوة حنين ـ غزوة الطائف.
ونستطيع من خلال هذا التتبع أن نقول : إن هذه القبائل كانت جميعها تنتسب إلى مضر وهو جد النبى صلى الله عليه وسلم أو من والاهم ، وبالمعنى الأدق كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده ، أما اليهود فقد كانوا مع قريش حسب معاهدتهم معهم ، وبذلك ظهر جلياً أن الغزوات والسرايا التى خاضها أو أرسلها النبى صلى الله عليه وسلم ، كانت موجهة فى نطاق ضيق هو نسل مضر ، فلا يمكن أن يقال حينئذ : أن النبى صلى الله عليه وسلم قد أشعل نار الحرب ضد العرب جميعاً ، أو أنه خاض الحروب لإكراه الناس على اعتناق الإسلام ، ولو كان الأمر كما يقولون لوقعت حرب عدوانية أو دفاعية ضد أى قبيلة من مئات القبائل العربية ، وهذه الحقيقة تحتاج إلى مزيد من التعمق والتحليل فى بعض خصائص القبائل العربية ؛ إذ قد يقول قائل أو يعترض معترض : إن هذا الذى توصلنا إليه بالبحث ـ ألا وهو انحصار القتال مع المضريين ـ لم يحدث إلا اتفاقاً ، والأمور الاتفاقية لا تدل على شىء ولا يستخرج منها قانون كلى نحكم به على جهاد النبى صلى الله عليه وسلم ، إذ كان من الممكن أن يقاتل النبى صلى الله عليه وسلم ربيعة بدلاً من مضر ، أو يقاتل ربيعة ومضر معاً ، أو يقاتل القحطانية بدلاً من العدنانية أو يقاتلهما معاً ، وهكذا.
ذلك المتوقع أن تزيد الألفة والمودة بين أفراد وقبائل الجد الواحد لا أن تشتعل نار الحرب والقتال بينهم ، فما الذى عكس هذا التوقع وقلب الأمر رأساً على عقب ؟!
وللإجابة على هذه الشبهة نقول :
كان من أشهر الأمثلة العربية المثل المشهور " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " وقد كان العرب يطبقون هذا المثل تطبيقاً حرفياً ـ دون هذا التعديل الذى أضافه الإسلام عليه ـ فكانوا ينصرون إخوانهم وبنى أعمامهم نصراً حقيقياً على كل حال فى صوابهم وخطئهم وعدلهم وظلمهم ، وإذا دخلت قبيلتان منهم فى حلف كان لكل فرد من أفراد القبيلتين النصرة على أفراد القبيلة الأخرى ، وهذا الحلف قد يعقده الأفراد وقد يعقده رؤساء القبائل والأمر واحد فى الحالين.
بينما هم كذلك فى بنى أبيهم وفى حلفائهم ، إذ بك تراهم حينما تتشعب البطون قد نافس بعضهم بعضاً فى الشرف والثروة ، فنجد القبائل التى يجمعها أب واحد كل واحدة قد وقفت لأختها بالمرصاد تنتهز الفرصة للغض منها والاستيلاء على موارد رزقها ، وترى العداء قد بلغ منها الدرجة التى لا تطاق ، كما كان بين بطنى الأوس والخزرج ، وبين عبس وذبيان ، وبين بكر وتغلب ابنى وائل ، وبين عبد شمس وهاشم ، 000 إلخ ، فكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة ، تزيدها العصبية حياة ونمواً ، وكانت مفقودة تماماً بين القبائل المختلفة ؛ فكانت قواهم متفانية فى قتالهم وحروبهم ونزاعاتهم.
وقد علل الشيخ محمد الخضرى بك هذه الحقيقة العجيبة بأمرين :
الأمر الأول :
التنافس فى مادة الحياة بين بنى الأب الواحد ، إذ أن حياتهم كانت قائمة على المراعى التى يسيمون فيها أنعامهم ، والمناهل التى منها يشربون.
الأمر الثانى :
تنازع الشرف والرياسة ، وأكثر ما يكون ذلك إذا مات أكبر الإخوة وله ولد صالح لأن يكون موضع أبيه ، فينازع أعمامه رياسة العشيرة ولا يسلم أحد منهما للآخر ، وقد يفارق رئيس أحد البيتين الديار مضمراً فى نفسه ما فيها من العداوة والبغضاء ، وقد يبقيا متجاورين ، وفى هذه الحالة يكون التنافر أشد كما كان الحال بين الأوس والخزرج من المدينة ، وبين هاشم وأمية من مكة ، وبين عبس وذبيان من قيس ، وبين بكر وتغلب من ربيعة. ومتى وجد النفور بين جماعتين أو بين شخصين لا يحتاج شبوب نار الحرب بينهما إلى أسباب قوية ، بل إن أيسر النزاع كاف لنشوب نار الحرب وتيتم الأطفال وتأيم النساء ؛ لذلك كانت الجزيرة العربية دائمة الحروب والمنازعات *84*.
هذه الحقيقة التى توصلنا إليها ـ وهى أن نار الحرب سريعة النشوب بين أبناء الأب أو الجد الواحد ـ تدعم ما توصلنا إليه من أن الحرب إنما كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده ، وإذا كان الخلاف محصوراً فى السببين السابقين ، فأى سبب هو الذى أجج نار الغيرة والحقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ هل السبب هو التنافس فى مادة الحياة الدنيا ، أم الخوف من انتزاع الشرف والسيادة التى تؤول إلى النبى صلى الله عليه وسلم إذ هم أذعنوا له بالرسالة والنبوة ؟
أما عن السبب الأول فليس وارداً على الإطلاق ، فلقد ضرب كفار مكة حصاراً تجويعياً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى بنى هاشم وبنى عبد المطلب ، فانحازوا إلى شعب أبى طالب ثلاث سنوات كاملة ، عاشوا فيها الجوع والحرمان ما لا يخطر ببال ، حتى إنهم من شدة الجوع قد أكلوا ورق الشجر وكان يسمع من بعيد بكاء أطفالهم وأنين شيوخهم ، ومع ذلك فقد التزم النبى صلى الله عليه وسلم الصبر والثبات ، ولم يأمر أصحابه أن يشنوا حرباً أو قتالاً لفك هذا الحصار ، والخبير يعلم ما الذى يمكن أن يفعله الجوع بالنفس البشرية ، إن لم يصحبها نور من وحى أو ثبات من إيمان.
كان السبب الثانى إذن كفيلاً بإشعال هذه النار فى قلوب هؤلاء وعلى حد تعبير الأستاذ العلامة محمد فريد وجدى : " كان مقصوداً بالقتل من قريش ، وليس يعقل أن تغمض قريش عينها ، ومصلحتها الحيوية قائمة على زعامة الدين فى البلاد العربية ، وعن قيام زعامة أخرى فى البلاد كيثرب يصبح منافساً لأم القرى ، وربما بزها سلطاناً على العقول ، وكر على قريش فأباد خضراءها وسلبها حقها الموروث " *85* ، والذى يؤيد هذا ويقويه ذلك الحوار الذى دار بين الأخنس بن شريق وبين أبى جهل ؛ إذ قال له الأخنس : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ ـ يعنى القرآن ـ فقال ما سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء ، فمتى ندرك هذا ؟! والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه.
ليست الصدفة إذن ولا محض الاتفاق هما اللذان دفعا النبى صلى الله عليه وسلم لقتال أبناء أجداده من مضر دون ربيعة أو غيرها من العرب ، بل الطبيعة العربية المتوثبة دائماً ، لمن ينازعها الشرف والسيادة من أبناء الأب الواحد ـ على ما بيناه آنفاً ـ كانت هى السبب الرئيسى لاشتعال هذه الحروب ولولاها لما اضطر صلى الله عليه وسلم للقتال بعد ثلاثة عشر عاماً من الدعوة والصبر تخللها من المشاق والعنت ما الله به عليم ، ومع ذلك فقد كان هجيراه ـ بأبى هو وأمى ـ " اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون ".
وثمة أمر آخر ينبغى الإشارة إليه ، يتعلق بالآثار الناجمة عن هذا القتال ، من حيث أعداد القتلى التى نجمت عن هذه الغزوات والجدول الآتى يعطينا صورة بيانية عن هذه الآثار كالآتى :
الغزوة / شهداء المسلمين / قتلى المشركين / الملاحظة
بدر / 14 / 70 /
أُحد / 70 / 22 /
الخندق / 6 / 3 /
بنو المصطلق / ـ / 3 /
خيبر / 19 / لم يدخل اليهود فى هذه الإحصائية لأن لهم حكم آخر بسبب خيانتهم ، فهم قُتلوا بناء على حكم قضائى ، بسبب الحرب.
بئر مونة 69 / ـ /
مؤتة / 14 / 14 /
حنين / 4 / 71 /
الطائف / 13 / ـ /
معارك أخرى / 118 / 256 /
المجموع / 317 / 439 / 756 من الجانبين.
وبعد فقد بدا للناظرين واضحًا وجليًا أن الإسلام متمثلاً فى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد ما يكون عن حمل الناس على اعتناق الإسلام بالسيف ، وهو الذى قال صلى الله عليه وسلم لأعدائه بعدما قدر عليهم : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " هكذا دون شرط أو قيد ، أقول حتى دون اشتراط الإسلام.
والنتائج الحقيقية :
*1* تحويل العرب الوحوش إلى عرب متحضرين ، والعرب الملحدين الوثنيين إلى عرب مسلمين موحدين.
*2* القضاء على أحداث السلب والنهب وتعزيز الأمن العام فى بلاد تفوق مساحتها مساحة فرنسا بضعفين.
*3* إحلال الأخوة والروحانية محل العداوة والبغضاء.
*4* إثبات الشورى مكان الاستبداد *86*.
هذا وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ضوابط وقيود كان من شأنها أن تحدد وظيفة الجهاد فى نشر الإسلام فى ربوع المعمورة ، دون سفك للدماء ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
ومن هذه الضوابط قوله تعالى : *وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين * *87*.
فإن كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز للمسلمين الغدر حتى ينقضى الأمد ، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانة بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم ، فحينئذ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوى علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك.
ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم ، لأنه لم يخف منهم بل علم ذلك.
ودل مفهوم الآية أيضاً على أنه إذا لم يخف منهم خيانة بأن يوجد منهم ما يدل على عدم الخيانة ، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم ، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته *88*.
انتشار الإسلام
أ ـ معدلات انتشار الإسلام :
الذى يؤكد على الحقيقة التى توصلنا إليها ـ وهى أن انتشار الإسلام كان بالدعوة لا بالسيف ـ أن انتشار الإسلام فى الجزيرة العربية وخارجها ، كان وفق معدلات متناسبة تماماً من الناحيتين الكمية والكيفية ، مع التطور الطبيعى لحركة الدعوة الإسلامية ، ولا يوجد فى هذه المعدلات نسب غير طبيعية أو طفرات تدل على عكس هذه الحقيقة ، والجدول الآتى يوضح هذه النسب :
السنوات بالهجرى / فارس / العراق / سورية / مصر / الأندلس
نسبة المسلمين مع نهاية أول مائة عام / 5%/ 3%/ 2%/ 2%/أقل من 1%
السنوات التى صارت النسبة فيها 25% من السكان/ 185/ 225/ 275/ 275/ 295
السنوات التى صارت النسبة فيها 50% من السكان/ 235/ 280/ 330/ 330/ 355
السنوات التى صارت النسبة فيها 75% من السكان/ 280/ 320/ 385/ 385/ 400
* حسبت السنوات منذ عام 13 قبل الهجرة عندما بدأ تنزيل القرآن الكريم.
وتوضح معلومات أخرى أن شعب شبه الجزيرة العربية كان الشعب الأول فى الدخول فى الإسلام ، وقد أصبح معظمهم مسلمين فى العقود الأولى بعد تنزيل القرآن الكريم.
وهكذا كان عدد العرب المسلمين يفوق عدد المسلمين من غير العرب فى البداية ، ومهدوا الطريق للتثاقف الإسلامى والتعريب من أجل المسلمين غير العرب ، ولم يمض وقت على هؤلاء فى أصولهم من أديان ومذاهب متعددة من كل الأمم والحضارات السابقة.
كان على هؤلاء جميعاً أن يوظفوا بشكل موحد عمليات توأمية للتقليد والابتكار فى وقت واحد وذلك حسب خلفياتهم الأصلية تحت التأثير الثورى والمتحول الأكثر عمقاً للفكر الإسلامى ومؤسساته ، وقاموا عن طريق عملية التنسيق المزدوجة بتنقية تراثهم من علوم وتكنولوجيا وفلسفات عصر ما قبل القرآن الكريم وذلك إما بالقبول الجزئى أو الرفض الجزئى ، وقاموا كذلك بالابتكار من خلال انطلاقهم من أنظمتهم الفكرية الحسية وتراثهم فى ضوء القرآن الكريم والسنة.
ومن هنا ولدت العلوم الإسلامية والتكنولوجيا الإسلامية والحضارة الإسلامية الحديثة متناسبة مع الأيدولوجية والرؤية الإسلامية الشاملة *89*.
خصائص ذلك الانتشار :
ـ عدم إبادة الشعوب.
ـ جعلوا العبيد حكاماً.
ـ لم يفتحوا محاكم تفتيش.
ـ ظل اليهود والنصارى والهندوك فى بلادهم.
ـ تزاوجوا من أهل تلك البلاد وبنوا أُسراً وعائلات على مر التاريخ.
ـ ظل إقليم الحجاز ـ مصدر الدعوة الإسلامية ـ فقيراً إلى عصر البترول فى الوقت الذى كانت الدول الاستعمارية تجلب خيرات البلاد المستعمرة إلى مراكزها.
ـ تعرضت بلاد المسلمين لشتى أنواع الاعتداءات *الحروب الصليبية ـ الاستعباد فى غرب إفريقيا ـ إخراج المسلمين من ديارهم فى الأندلس وتعذيب من بقى منهم فى محاكم التفتيش* ونخلص من هذا كله أن تاريخ المسلمين نظيف وأنهم يطالبون خصومهم بالإنصاف والاعتذار ، وأنهم لم يفعلوا شيئاً يستوجب ذلك الاعتذار حتى التاريخ المعاصر.
1 ـ سرية سيف البحر ـ رمضان 1 هجرية ـ 30 راكب ـ حمزة بن عبد المطلب ـ 300أبو جهل ـ انصرف المسلمون بدون قتال ـ بعثت هذه السرية لدراسة أحوال مكة ووجد الأعداء أن المسلمين منتبهون فانصرفوا عنهم.
2 ـ سرية الرابغ ـ شوال سنة 1 هجرية ـ 60 ـ عبيدة بن الحارث ـ 200 عكرمة بن أبى جهل أو أبو صيان ـ انصرف المسلمون بدون قتال ـ بعثت هذه السرية لتفقد أحوال أهل مكة فرأت جمعاً عظيماً من قريش بأسفل ثنية المرة.
3 ـ سرية ضرار ـ فى ذى القعدة سنة 1 هجرية ـ 80 سعد بن أبى وقاص ـ خرج حتى بلغ الجحفة ثم رجع ولم يلق كيداً.
4 ـ غزوة ودان وهى غزوة الأبواب ـ صفر 2 هجرية ـ 70 ـ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ـ عاهد عمرو بن مخثى الضمرى على ألا يعين قريش ولا المسلمين.
5 ـ غزوة بواط ـ ربيع الأول 2 هجرية ـ 200 ـ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ـ 100 ـ أمية بن خلف ـ بلغ إلى بواط ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة لقى فى الطريق قريشاً وأمية ـ رضوى اسم جبل بالقرب من ينبع.
6 ـ غزوة صفوان أو بدر الأولى ـ ربيع الأول 2 هجرية ـ 70 ـ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ـ كرز بن جابر الفهرى ـ خرج فى طلب العدو حتى بلغ صفوان فلم يدركه ـ كان كرز بن جابر قد أغار على مواشى لأهل المدينة.
7 ـ غزوة ذى العشيرة ـ جمادى الآخرة 2 هجرية ـ 150 ـ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ـ وادع بنى مذلج وحلفائهم من بنى ضمرة ـ ذو العشيرة موضع بين مكة والمدينة من بطن ينبع.
8 ـ سرية النخلة ـ فى رجب 2 هجرية ـ 12 ـ عبد الله بن جحش ـ قافلة تحت قيادة بنى أمية ـ أطلق الأسيران وودى القتيل ـ أرسلوا لاستطلاعن قريش فوقع الصدام.
9 ـ غزوة بدر الكبرى ـ رمضان 2 هجرية ـ 313 ـ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ـ 1000 ـ أبو جهل ـ 22 ـ 70 ـ 70 ـ انتصر المسلمون على العدو ـ بين بدر ومكة سبعة منازل وبين بدر والمدينة ثلاثة منازل لما علم بخروج قريش إلى المدينة ارتحل دفاعاً عن المسلمين.
10 ـ سرية عمير بن العدى الخطمى ـ فى رمضان 2 هجرية ـ 1 ـ عمير ـ 1 ـ عصماء بن مروان ـ 1 ـ قتل عمير اخته التى كانت تحض قومها على الحرب ضد المسلمين.
11 ـ سرية سالم بن عمير الأنصارى ـ فى شوال 2 هجرية ـ 1 ـ سالم ـ 1 ـ الخطمية أبو عكفة ـ كان أبو عكفة اليهودى يستفز اليهود على المسلمين فقتله سالم.
12 ـ غزوة بنى قينقاع ـ فى شوال 2 هجرية ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ قبيلة بنى قينقاع ـ تم إجلائهم ـ أتوا بالشر فى المدينة حين كان المسلمون فى بدر فأجلوا لذلك.
13 ـ غزوة السويق ـ فى ذى الحجة 2 هجرية ـ 200 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ 200 ـ أبو سفيان ـ خرج النبى صلى الله عليه وسلم فى طلبه فلم يدركه ـ بعث أبو سفيان من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية منها فحرقوا فى أسوال من نخل ووجدوا بها رجلين فقتلوهما.
14 ـ غزوة قرقرة الكدر أو غزوة بنى سليم ـ محرم 2 هجرية ـ 70 ـ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ـ كرز بن جابر الفهرى ـ 1 ـ خرج العدو يغزو المدينة فانصرف حين رأى جمعاً من المسلمين ـ أسر عبد اسمه يسار فأطلق سراحه.
15 ـ سرية قررة الكدر ـ 2 هجرية ـ 1 ـ غالب بن عبد الله الليثى ـ قبيلة بنى غطفان وبنى سليم ـ 3 ـ قتل من الأعداء وفر الباقون ـ بعثت هذه السرية إكمالاً إذ اجتمع الأعداء مرة أخرى.
16 ـ سرية محمد بن مسلمة ـ ربيع الأول ـ 3 هجرية ـ محمد بن مسلمة الأنصارى الخزرجى ـ 1 ـ كعب بن الأشرف اليهودى ـ 1 ـ 1 ـ كان كعب بن الأشرف يحرض القبائل من اليهود ضد المسلمين ودعا قريشاً للحرب فوقعت غزوة أحد.
17 ـ غزوة ذى أمر أو غزوة غطفان أو أنمار ـ فى ربيع سنة 3 هجرية ـ 450 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ بنو ثعلبة وبنو محارب ـ اجتمعت بنو ثعلبة وبنو محارب للإغارة على المدينة فانصرفوا حين رأوا جمعاً من المسلمين ـ خرج النبى صلى الله عليه وسلم فى أصحابه حتى بلغ نجد وهنا أسلم وعثود الذى هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
18 ـ سرية قردة ـ فى جمادى الآخرة سنة 3 هجرية ـ 100 ـ زيد بن حارثة ـ أبو سفيان ـ 1 ـ خرج زيد بن حارثة فى بعث فتلقى قريشاً فى طريقهم إلى العراق ـ أسر فراء بن سفيان دليل القافلة التجارية فأسلم.
19 ـ غزوة أُحد ـ شوال 3 هجرية ـ 650 راجل ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ 2800 راجل ـ 200 راكب أبو سفيان الأموى ـ 40 ـ 70 ـ 30 ـ لحقت خسارة فادحة بالمسلمين ولكن فشل الكفار نتيجة لرعب أصابهم ـ بين أحد والمدينة ثلاثة أيمال كانوا الأعداء زحفوا من مكة إلى أُحد.
ـ غزوة حمراء الأسد ـ فى 7 من شوال المكرم سنة 3 هجرية ـ 540 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ 2790 ـ أبو سفيان ـ 2 أبو عزة ومعاوية بن المغيرة ـ خرج النبى صلى الله عليه وسلم مرعباً للعدو ـ لما آن الغد من يوم أُحد خرج المسلمون إلى معسكر العدو لئلا يغير عليهم ثانية ظاناً بهم ضعفاً ، أسر رجلان ، وقتل أبو عزة الشاعر لأن كان وعد فى بدر بأنه لا يظاهر أبداً على المسلمين ثم نقض عهده وحث المشركين على المسلمين.
21 ـ سرية قطن أو سرية أبى سلمة المخزومى ـ فى غرة محرم الحرام سنة 4 هجرية ـ 150 أبو سلمة المخزومى ـ طلحة وسلمة ـ لم يتمكنوا من الإغارة على المدينة بمظاهرة قام بها المسلمون ـ هو رئشيس قطاع الطريق أراد الإغارة على المدينة ولكن المسلمين تظاهروا فوصلوا إلى قطن وهو مسكنه فتفرق جمعه.
22 ـ سرية عبد الله بن أنيس ـ فى 5 من محرم الحرام سنة 4 هجرية ـ 1 ـ عبد الله بن أنيس الجهنى الأنصارى ـ 1 ـ سفيان الهذيلى ـ 1 ـ سمع عبد الله بأن سفيان استنفر قوماً ضد المسلمين بعرفى فوصل عليها وقتل بها أبا سفينان.
23 ـ سرية الرجيع ـ فى صفر 4 هجرية ـ 10 عاصم بن ثابت ـ 100 ـ من عضل والقارة ـ 10 ـ استشهاد عشرة قراء.
24 ـ سرية بئر معونة ـ 70 ـ منذر بن عمر ـ جماعة كبيرة ـ عامر بن مالك ـ 1 ـ 69.
25 ـ سرية عمر بن أمية الضميرى ـ ربيع الأول 4 هجرية ـ 1 ـ عمر بن أمية الضمرى ـ 2 قبيلة بنى كلاب.
26 ـ غزوة بنى النضير ـ ربيع أول 4 هجرية ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ قبيلة النضير ـ تم إجلائهم بأنهم هموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم.
27 ـ غزوة بدر الأخرى ـ ذى القعدة 4 هجرية ـ 1510 النبى صلى الله عليه وسلم ـ 2050 أبو سفيان ـ لم تحدث مواجهة ـ خرج أبو سفيان فى أهل مكة حتى نزل بناحية الظهران أو عسفان ولما علم النبى صلى الله عليه وسلم خرج إليه فرجع أبو سفينان رجع النبى أيضاً.
28 ـ غزوة دومة الجندل ـ سنة 5 هجرية ـ 1000 النبى صلى الله عليه وسلم ـ أهل الدومة ـ رجع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليها ولم يلق كيداً.
29 ـ غزوة بنى المصطلق ـ 2 شعبان 5 هجرية ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ الحارث بن ضرار سيد بنى المصطلق ـ 19 ـ 10 ـ انهزم العدو وأطلق الأسرى كلهم.
30 ـ غزوة الأحزاب أو الخندق ـ شوال 5 هجرية ـ 3000 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ 10000 أبو سفيان ـ 6 ـ 10 ـ انقلب العدو خاسراً.
31 ـ سرية عبد الله بن عتيك ـ ذى القعدة 5 هجرية ـ 5 ـ عبد الله بن عتيك الأنصارى ـ 1 ـ سلام بن أبى الحقيق ـ 1.
32 ـ غزوة بنى قريظة ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ بنو قريظة ـ 4 ـ 200 ـ 400 ـ من الأعداء من قتل ومنهم من أسر ـ قتلهم كان حكماً قضائياً بسبب الخيانة وكان هذا الحكم موافقاً لنصوص التوراة التى كانوا يؤمنون بها.
33 ـ سرية الرقطاء ـ 30 ـ محمد بن مسلمة ـ 30 ـ ثمامة بن آثال ـ 1 ـ أثر ثمالة فأطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كان ثمامة سيد نجد ، وأسلم بعد أن أطلق سراحه من الأسر.
34 ـ غزوة بنى لحيان ـ 6 هجرية ـ 200 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ بنو لحيا من بطون هذيل ـ تفرق العدو حين علم بمقدم المسلمون إليه ـ كانت الغزوة لتأديب أهل الرجيع الذين قتلوا عشرة من القراء.
35 ـ غزوة ذى قردة ـ 6 هجرية ـ 500 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ خيل من غطفن تحت قيادة عيينة الفزارى ـ امرأة واحدة ـ 3 ـ 1 ـ أغاروا على لقاح لرسول الله فخرج المسلمون ولحقوا بهم.
36 ـ سرية عكاشة محصن ـ 40 ـ عكاشة بن محصن الأسدى ـ بنو أسد ـ تفرق الأعداء ولم تحدث مواجهة ـ كان بنو أسد قد أجمعوا الإغارة على المدينة فبعثت إليهم هذه السرية.
37 ـ سرية ذى القصة ـ 6 هجرية ـ 10 ـ محمد بن مسلمة ـ 100 بنو ثعلبة ـ 1 جريح ـ 9 ـ استشهد تسعة من الدعاة وأصيب محمد بن مسلمة بجرح ـ كان عشرة من القراء ذهبوا للدعوة وبينما هم نائمون قتلهم بنو ثعلبة وذو القصة اسم موضع.
38 ـ سرية بنى ثعلبة ـ 6 هجرية ـ 40 ـ أبو عبيدة بن الجراح ـ بنو ثعلبة ـ 1 ـ انصرف العدو وغنم المسلمون ما كان لهم من متاع.
39 ـ سرية الجموم ـ 6 هجرية ـ زيد بن حارثة ـ بنو سليم ـ 10 ـ أسر مجموعة رجال وأطلقهم النبى صلى الله عليه وسلم.
40 ـ سرية الطرف أو الطرق ـ 6 هجرية ـ 15 ـ زيد بن حارثة ـ بنو ثعلبة ـ هرب الأعداء وأصاب المسلمون عشرين بعيراً ـ بعثت هذه السرية لمعاقبة المجرمين بذى القصة.
41 ـ سرية وادى القرى ـ 12 ـ زيد بن حارثة ـ سكان وادى القرى ـ 1 جريح ـ 9 ـ قتل من المسلمين تسعة رجال وجرح واحد ـ كان زيداً ذاهباً للجولة فحملوا عليه وعلى أصحابه.
42 ـ دومة الجندل ـ 6 هجرية ـ عبد الرحمن بن عوف ـ قبيلة بنى كلب ـ الأصبغ بن عمرو ـ تحقق نجاح ملموس فى مجال الدعوة ـ أسلم الأصبغ بن عمرو وكان نصرانياً وأسلم معه كثير من قومه.
43 ـ سرية فداك ـ 6 هجرية ـ 200 ـ على بن أبى طالب ـ بنو سعد بن بكر ـ هربت بنو سعد وأصاب المسلمون مائة بعير وألفى شاة ـ بلغ النبى صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون أن يمدوا يهود خيبر فقام علىّ رضى الله الله عنه بالمظاهرة عليهم.
44 ـ سرية أم فرقة ـ 7 هجرية ـ أبو بكر الصديق رضى الله عنه ـ بنو فزارة تحت قيادة أم قرفة ـ 2 ـ انهزم العدو ـ كانت بنو فزارة قد أغاروا على قافلة زيد بن حارثة.
45 ـ سرية عبد الله بن رواحة ـ 6 هجرية ـ 30 ـ عبد الله بن رواحة ـ 30 ـ أسير بن رزام اليهودى ـ 1 ـ 30 ـ وقع اشتباك لسوء فهم الفريقين فقتل اليهود جميعاً.
46 ـ سرية العرنيين ـ 6 هجرية ـ 20 ـ كرز بن جابر الفهرى ـ رجال من عكل وعريننة ـ 1 ـ 8 ـ قتلوا الراعى واستاقوا الإبل فأسروا ومثل بهم ـ استوخموا المدينة فشربوا من ألبان الإبل وأبوالها فصحوا ثم قتلوا يسارا راعى النبى صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل.
47 ـ سرية عمرو بن أمية الضمرى ـ 6 هجرية ـ 1 ـ عمرو بن أمية الضمرى ـ كان عمرو قد جاء إلى مكة ليقتل النبى صلى الله عليه وسلم ثم أسلم من حسن خلقه الشريف ثم ذهب إلى مكة يدعو أهلها.
48 ـ غزوة الحديبية ـ 6 هجرية ـ 1400 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ أهل مكة ـ سهيل بن عمرو القرشى ـ تم الصلح بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين ريش عشر سنوات ـ كان النبى قد خرج معتمراً فصدته قريش عن البيت فى الحديبية.
49 ـ غزوة خيبر 7 هجرية ـ 100 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ 10000 ـ يهود خيبر كنانة بن أبى الحقيق ـ 50 جريحاً ـ 18 ـ 93 ـ فتح الله للمسلمين فتحاً مبيناً ـ كان اليهود قد قاتلوا المسلمين فى أُحد والأحزاب ونقضوا عهدهم مع النبى صلى الله عليه وسلم فأفسد خططهم العدوانية.
50 ـ غزوة وادى القرى ـ المحرم 6 هجرية ـ 1382 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ اليهود من وادى القرى.
51 ـ غزوة ذات الرقاع ـ 7 هجرية ـ 400 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ بنو غطفان وبنو محارب وبنو ثعلبة وبنو أنمار ـ تفرق العدو ـ كانت بنو عطفان قد جمعوا جموعاً من القبائل للإغارة على المسلمين فلما قام المسلمون بحشودهم تفرقوا جميعاً.
52 ـ سرية عيص ـ فى صفر 7 هجرية ـ 72 ـ أبو جندل وأبو بصير ـ قافلة قريش ـ 9 ـ أخذ أموال العدو ثم ردها إليهم بأمر النبى صلى الله عليه وسلم.
53 ـ سرية الكديد ـ صفر 7 هجرية ـ 60 ـ غالب بن عبد الله الليثى ـ بنو الملوح ـ 1 ـ وقع اشتباك ـ كانت بنو الملوح قد قتلوا أصحاب بشير بن سويد فبعثت إليهم هذه السرية للتوبيخ.
54 ـ سرية فدك ـ فى صفر سنة 7 هجرية ـ غالب بن عبد الله الليثى ـ أهل فدك ـ قتل ناس من العدو.
55 ـ سرية حسمى ـ فى جمادى الآخرة 7 هجرية ـ 500 ـ زيد بن حارثة ـ 102 ـ الهنيد بن عوض الجزرى ـ 100 ـ 2 ـ انتصر المسلمون وقتل الهنيد مع ابنه وأطلق الباقون بعد توبتهم ـ كان دحية الكلبى محملاً ببعض الهدايا من قيصر فقابله الهنيد فى ناس وقطع عليه الطريق.
56 ـ سرية تربة ـ فى شعبان سنة 7 هجرية ـ عمر بن الخطاب ـ أهل تربة ـ تفرق العدو ـ بين تربة ومكة منزلان كان أهل تربة قد اصطلحوا مع بنى غطفان فقام المسلمون بالمظاهرة فى محالهم.
57 ـ سرية بنى كلاب ـ فى شعبان 7 هجرية ـ أبو بكر الصديق رضى الله عنه ـ بنو كلاب ـ انتصر المسلمون سبى من الأعداء جماعة وقتل آخرون ـ كانوا أجمعوا الهجوم على المسلمين مع بنى محارب وبنى أنمار.
58 ـ سرية الميفعة ـ رمضان 7 هجرية ـ غالب بن عبد الله الليثى ـ أهل الميفعة ـ وقع اشتباك ـ كانوا حلفاء أهل خيبر.
59 ـ سرية خربة ـ فى رمضان 7 هجرية ـ أسامة بن زيد ـ أهل خربة ـ بينما أسامة وأصحابه يمشون فى الطريق إذ هبط إليهم رجل من الجبل فقتله أسامة بعد أن قال لا إله إلا الله.
60 ـ سرية بنى مرة ـ شوال 7 هجرية ـ 30 بشير بن سعد ـ بنو مرة بالقرب من فدك ـ وقع اشتباك كانوا حلفاء أهل خيبر.
61 ـ سرية بشير بن سعد الأنصارى ـ فى شوال 7 هجرية ـ 30 بشير بن سعد ـ بنو فزارة وعذرة ـ جرح جميع المسلمين وأسر منهم رجلان ـ كانت بنو فزارة وعذرة قد ساعدوا اليهود فى خيبر فبعثت إليهم هذه السرية للترويع.
62 ـ سرية ابن أبى العوجاء ـ 7 هجرية ـ 50 ـ ابن أبى العوجاء ـ بنو سليم ـ 1 ـ 49 ـ أصيب ابن أبى العوجاء بجرح واستشهد الباقون ـ قام المسلمون بحشد قواهم فى محالهم لأنهم كانوا يجمعون للإغارة على المدينة.
63 ـ سرية ذات أطلح ـ 8 هجرية ـ 15 ـ كعب بن عمير الأنصارى ـ أهالى ذات أطلح بنو قضاعة ـ 14 ـ استشهد المسلمون جميعاً وبرأ واحد منهم ـ كانوا يجمعون فى عدد كبير للإغارة على المسلمين فبعث إليهم كتيبة لتخوفيهم فاستشهد المسلمون جميعاً.
64 ـ سرية ذات عرق ـ فى ربيع الأول 8 هجرية ـ 25 ـ شجاع بن وهب الأسدى ـ بنو هوازن أهالى ذا عرق ـ كانت هوازن قد مدّوا يد المعونة لأعداء المسلمين مراراً ثم اجتمعوا على مشارف المدينة فاحتشد المسلمون لتخويفهم.
65 ـ سرية مؤنة ـ فى جمادى الأولى سنة 8 هجرية ـ 3000 ـ زيد بن حارثة ـ مائة ألف ـ شرحبيل الغسانى ـ 12 ـ لم نعرف عدد المفقودين ـ انتصر المسلمون ـ كان شرحبيل قد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقعت لذلك الحرب وهزم ثلاثة آلاف مائة ألف.
66 ـ سرية ذات السلاسل ـ جمادى الآخرة 8 هجرية ـ 500 ـ عمرو بن العاص القرشى ـ بنو قضاعة ساكنوا السلاسل ـ هرب الأعداء بمظاهرة المسلمين ـ كانت قضاعة قد تجمعت للإغارة على المدينة.
67 ـ سرية سيف البحر ـ فى رجب 8 هجرية ـ 300 ـ أبو عبيدة ـ قريش ـ أقام المسلمون على الساحل أياماً ثم انصرفوا ـ كان الغرض من هذه السرية تشتيت همم قريش.
68 ـ سرية محارب ـ فى شعبان 8 هجرية ـ 15 ـ أبو قتادة الأنصارى ـ بنو غطفان ـ هرب العدو خائفاً وأصاب المسلمون أنعاماً ـ تجمع بنو غطفان بخضرة فأرسلت إليهم سرية مكونة من خمسة عشر رجلاً للاستطلاع.
69 ـ غزوة فتح مكة ـ رمضان 8 هجرية ـ 10000 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ قريش مكة ـ 2 ـ 12 ـ انتصر المسلمون ـ لم يتعرض للمسلمين أحد إلا كتيبة واحدة ثم دخل النبى صلى الله عليه وسلم مكة وجعل الناس كلهم طلقاء ولا تثريب عليهم.
70 ـ سرية خالد ـ فى رمضان 8 هجرية ـ خالد بن الوليد ـ الصنم العزى ـ كانت العزى صنم بنى كنانة فحطمها خالد رضى الله عنه.
71 ـ سرية عمرو بن العاص ـ 8 هجرية ـ عمرو بن العاس ـ الصنم سواع ـ كانت سواع صنم بنى هذيل فحطمها عمرو بن العاص رضى الله عنه.
72 ـ سرية سعد الأشهلى ـ رمضان 8 هجرية ـ سعد بن زيد الأشهلى الأنصارى ـ الصنم مناة ـ كانت مناة صنماً للأوس والخزرج فهدمها سعد الأشهلى رضى الله عنه.
73 ـ سرية خالد بن الوليد ـ شوال 8 هجرية ـ 350 ـ خالد بن الوليد ـ بنو جذيمة ـ 95 ـ قتل خمسة وتسعون رجلاً من بنى جذيمة ممن كانوا أسلموا فكره الرسول صلى الله عليه وسلم قتلهم وودى بهم الدية ـ كان خالد بن الوليد بعث داعياً وكانت بنو جذيمة قد أسلموا من قبل فشك خالد فى إسلامهم وقتل منهم رجالاً.
74 ـ غزوة حنين أو أوطاس أو هوازن ـ شوال 8 هجرية ـ 12000 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ بنو ثقيف وبنو هوازن وبنو معز وبنو أحسم ـ 6 ـ 6000 ـ 71 ـ انتصر المسلمون ـ أطلق النبى صلى الله عليه وسلم سراح جميع الأسرى وأعطاهم الكسوة كذلك.
75 ـ غزوة الطائف ـ شوال 8 هجرية ـ 12000 ـ النبى صلى الله عليه وسلم ـ بنو ثقيف ـ جمع كثير ـ 13 ـ جمع كثير ـ رجع النبى صلى الله عليه وسلم بعد محاصرة دامت شهراً ـ لما رفع النبى صلى الله عليه وسلم عنهم الحصار قدموا عليه وأسلموا.
76 ـ سرية عيينة بن حصن ـ فى محرم 9 هجرية ـ 150 ـ عيينى بن حصن الفزارى ـ قبيلة بنى تميم ـ 62 ـ تم القضاء على الثورة ـ قامت هذه القبيلة بإغراء القبائل التابعة لها ومنعتها عن أداء الجزية ولما خرج إليهم عيينى أسر منهم 11 رجلاً و21 امرأة و 20 ولداً فأطلقهم النبى صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه سيدهم.
77 ـ سرية قطبة بن عامر ـ فى صفر 9 هجرية ـ 20 ـ قطبة بن عامر ـ قبيلة خثم ـ أكثر من النصف ـ أكرهم ـ تفرقوا وانتشروا ـ كانوا يدبرون مؤامرة ضد المسلمين فجاء قطبة ببعضهم أسيراً فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
78 ـ سرية الضحاك ابن سفيان الكلابى ـ ربيع أول 9 هجرية ـ الضحاك رضى الله عنه ـ قبيلة بنى كلاب ـ بعث المسلمون إلى بنى كلاب داعين فاعترض لهم الكفار فوقع اشتباك.
79 ـ سرية عبد الله بن حذافة ـ ربيع أول 9 هجرية ـ 300 ـ عبد الله بن حذافة القرشى السهمى ـ القراصنة من الخثعميين ـ هربوا ـ كانوا قد اجتمعوا فى ساحل جدة يريدون الإغارة على مكة فتفرقوا حين رأوا هذه السرية.
80 ـ سرية بن طىء ـ 9 هجرية ـ 150 ـ على رضى الله عنه ـ بنى طىء ـ أسرت سفانة بنت حاتم وغيرها من الناس.
81 ـ غزوة تبوك ـ 9 هجرية ـ 3000 ـ الرسول صلى الله عليه وسلم ـ هرقل قيصر الروم ـ قام النبى صلى الله عليه وسلم بالتجمع مع أصحابه وأرهب الأعداء ثم رجع إلى المدينة.
82 ـ سرية دومة الجندل ـ 420 ـ خالد بن الوليد ـ أكيدر أمير دومة الجندل ـ أسر أكيدر وقتل أخوه ـ أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سراح أكيدر وعقد الحلف مع حكومات نصرانية أخرى. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* الأنبياء : 107.
*2* آل عمران : 71.
*3* حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ص 166 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب.
*4* غوستاف لوبون حضارة العرب ص 128 ، 129 ط الهيئة المصرية للكتاب.
*5* البقرة : 190-191.
*6* البقرة : 192، 193.
*7* البقرة : 216.
*8* البقرة : 217.
*9* آل عمران : 146.
*10* آل عمران : 169.
*11* آل عمران : 195.
*12* ، *13* النساء : 74 ، 75.
*14* النساء : 90.
*15* الأنفال : 7ـ8.
*16* الأنفال : 17.
*17* الأنفال : 39.
*18* الأنفال : 47.
*19* الأنفال : 61.
*20* الأنفال : 70.
*21* التوبة : 5ـ6.
*22* التوبة : 111.
*23* الحج : 39-40.
*24* رواه مسلم ـ كتاب الإمارة ـ باب فضل الجهاد والخروج فى سبيل الله.
*25* رواه أبو داود فى سننه ـ كتاب الخراج والإمارة والفئ ـ باب ما جاء فى خبر الطائف.
*26* رواه الحاكم فى مستدركه ـ كتاب معرفة الصحابة رضى الله عنهم ـ ذكر إسلام أمير المؤمنين على ـ رضى الله عنه ـ.
*27* رواه البخارى ـ كتاب التفسير ـ باب قول الله تعالى *وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة *.
*28* مصنف عبد الرازق ـ كتاب الجهاد ـ باب الرجل يغزو وأبوه كاره.
*29* الحج : 40.
*30* القرطبى ج 12 تفسير سورة الحج.
*31* تاريخ ابن خلدون 1 / 226 فصل فى الحروب ومذاهب الأمم فى ترتيبها.
*32* سفر العدد ـ الإصحاح الثالث عشر ـ الآيات : 26-29.
*33* سفر صموئيل الأول ـ الإصحاح الخامس والعشرون آية 10-14.
*34* سفر الملوك الثانى ـ الإصحاح الثالث ، الآيات 4 ـ 8.
*35* سفر حزقيال ـ أصحاح 21 آيات 1 ـ5.
*36* سفر يوشع ـ الإصحاح الثالث والعشرون ـ الآيات 3ـ5.
*37* سفر القضاة ـ الإصحاح الثامن عشر ـ الآيات 27ـ30.
*38* سفر صموئيل الأول ـ الإصحاح الرابع ، الآيات 1ـ4.
*39* سفر التكوين ـ الإصحاح الرابع والثلاثون ـ الآيات 25ـ29.
*40* سفر التكوين ـ الإصحاح الرابع عشر ـ الآيات 14 ـ 16.
*41* سفر العدد ـ الإصحاح الواحد والعشرون الآيتان 34ـ35.
*42* سفر العدد ـ الإصحاح الخامس والعشرون الآية 16.
*43* الإصحاح الثالث والثلاثون الآيات 50ـ53.
*44* سفر صموئيل ـ الإصحاح السابع عشر الآيات 45ـ47.
*45* سفر صموئيل الأول ـ الإصحاح الثالث والعشرون الآية 6.
*46* سفر المزامير ـ المزمور الثامن عشر الآيات 35-41.
*47* سفر حزقيال الإصحاح الواحد والعشرون آية 5.
*48* إنجيل متى ـ الإصحاح العاشر آية 34-36.
*49* رواه أحمد وأبو داود.
*50* سبائك الذهب 443.
*51* شرح المعلقات السبع للزوزنى ص 83 ، ط مصطفى الحلبى.
*52* الزخرف : 89.
*53* الحج : 39-40.
*54* السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة لمحمد فريد وجدى ص 164 ، 163 بتصرف.
*55* الأنفال : 61.
*56* السيرة النبوية لمحمد فريد وجدى 165 ، 166.
*57* سبائك الذهب ص 120 ط دار الكتب العلمية ، موسوعة القبائل العربية لمحمد سليمان الطيب 1 / 51 دار الفكر العربى.
*58* فتح البارى 6 / 543 دار المعرفة ـ بيروت.
*59* فتح البارى 7 / 424.
*60* تاريخ الأدب الجاهلى د. على الجندى 472.
*61* رحمة للعالمين للمنصور فورى ص 462.
*62* فى تاريخ الأدب الجاهلى 473.
*63* رحمة للعالمين للمنصور فورى ص 462.
*64* سبائك الذهب 8.
*65* تاريخ الأدب الجاهلى ص 470.
*66* رحمة للعالمين المنصور فوزى ص 462.
*67* سبائك الذهب 87.
*68* تاريخ الأدب الجاهلى ص 466.
*69* رحمة للعالمين للمنصور فورى ص 463.
*70* سبائك الذهب 295 ، تاريخ الأدب الجاهلى ص 467.
*71* رحمة للعالمين ص 463.
*72* تاريخ الدولة الأموية للشيخ محمد الخضرى ص 156.
*73* رحمة للعالمين ص 463.
*74* سبائك الذهب ص 256 ، تاريخ الأدب الجاهلى ص 467.
*75* رحمة للعالمين ص 463.
*76* سبائك الذهب ص 127.
*77* سبائك الذهب ص 126.
*78* تاريخ الأدب الجاهلى ص 467.
*79* رحمة للعالمين ص 463.
*80* سبائك الذهب ص 148 ، تاريخ الأدب الجاهلى ص 473.
*81* سبائك الذهب ص 124 ، وتاريخ الأدب الجاهلى ص 473.
*82* سبائك الذهب ص 85 ، 86 ، تاريخ الأدب الجاهلى ص 470.
*83* سبائك الذهب رقم 147 ، 148 ، تاريخ الأدب الجاهلى ص 473.
*84* تاريخ الدولة الأموية الشيخ محمد الخضرى بك ص 32 ، 33 ، ط دار القلم ، بيروت.
*85* السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة الأستاذ محمد فريد وجدى ص 162 ، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب.
*86* رحمة للعالمين ص 469.
*87* الأنفال : 58.
*88* تفسير ابن كثير 2 / 321.
*89* الفكر الإسلامى فى تطوير مصادر المياه والطاقة ، د. سيد وقار أحمد حسينى ـ عالم زائر فى جامعة ستانفورد 71-75 ، ترجمة د. سمية زكريا زيتونى طبعة : فصلت للدراسات والترجمة والنشر.
and emergence of a Muslim Society in Richard W. bulliet, Conversion of Islam Meier & ed. Nehemia Levtzion *New York Holmes Iran in Conversion to Islam, *Publ., Inc, 1979* Pp. 30-51, p31 for fig 1.1.
والبرهان ، وخاطَبَ الدعاةُ الناسَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة ، ودَخَلَتْ بِلادٌ واسعةٌ في الإِسلام.
لم تحدثْ فيها معركةٌ واحدة ، مثلُ أندونيسيا وماليزيا..
ولو انتشرَ الإِسلامُ بالسيف ، وأَسَلمَ الناسُ مُكْرَهين ، لارتَدّوا عن الإِسلام عندما ضَعُفَ سلطانُ المسلمينَ السياسي ، وتَقلَّصَ نفوذُ الإِسلامِ من المجتمعات.
وها هو الإِسلامُ يَكتسبُ عُقولاً وقُلوباً جديدةً في العالمِ الغربي ، ويُسلمُ أُناسٌ من قادةِ الفكْرِ والرأيِ والعلمِ والمعرفةِ عندهم ، مع أنه لا يوجَدُ للإِسلامِ دولةٌ تَتَبَنّاهُ بصدْق ، وتَدعو إليه بإِخلاص ، ومع اشتدادِ الهجمةِ الشرسة عليه من قِبَلِ قُوى البغيِ والعدوان ، بقيادَةِ اليهوديةِ الخبيثةِ والصليبيةِ الحاقدة ، فلو لم يُقَدِّمْ حقائِقَه بالحجةِ والبرهانِ لما أَثَّرَ في النّاس!.
والإِسلامُ لا يَقومُ على الإِرهابِ والاستبداد ، ولم ينتشرْ بالسيفِ والعُنْفِ والإِكراه.
وقد صَرَّحَ القرآنُ بعدمِ الإِكراهِ على اعتناقِ الإِسلام.
قال تعالى : *لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ*.
ولم يكن القتال وسيلةً للدعوةِ إِلى الإِسلام ونَشْرِه بينَ الناس ، إِنما القتالُ
وسيلةٌ لردِّ عُدْوانِ الكافِرين على الإِسلامِ والمسلمين ، ورَدِّ عُدوانِهم على بلادِ المسلمين ، ورَدِّ عدوانِهم على الدعاةِ المسلمين المنتشرين بين الشعوب ، يَدْعونَ إِلى الإِسلامِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة!.
إِنَّ القتالَ في الإِسلامِ قِتالٌ للقوةِ الماديةِ الكافرة ، التي تَقِفُ أَمامَ دينِ اللّه.
ولم يكنْ هدفُ القِتالِ إِدخالَ الناسِ بالإِسلامِ مُكْرَهِين ، كما يَزعمُ الفادي المفترِي ، إنما هَدَفُ القتالِ تَحطِيمُ قُوةِ الكفارِ العسكرية ، المتمثلةِ في الجيشِ والأَسلحةِ والعَتاد! هَدَفُه إِزالةُ النظامِ الكافر ، الذي يُحارِبُ بكل مؤسساتِه الإِسلامَ ، ويَمنعُ شَعْبَه من اعتناقِ الإِسلام عن بصيرة! هَدَفُه تَحريرُ الشعوبِ الكافرةِ المستعْبَدَةِ من قِبَلِ الحكامِ الطواغيت.
وبعدَما يُحققُ القتالُ هَدَفَه ويُحَطِّمُ القوةَ الماديةَ العسكريةَ ، ويُحررُ الشعوبَ المستعْبَدَة ، يُقَدِّمُ الإِسلامُ نَفْسَهُ إِلى هؤلاءِ المحَرَّرين ، ويُخاطبُهم
بالحجةِ والبرهان ويَدعوهم إِلى الدخولِ فيه عن قَناعةٍ واختيار..
فمن اقتنعَ ودَخَلَ فيه فقد فازَ في الدنيا والآخرة ، ومن رَفَضَ ذلك وأَصَرَّ على كفرِه تَرَكَهُ المسلمون ، وطالَبوه بدفعِ مبلغٍ من المال ، اسْمُه " الجزية " ، مُقابِلَ حمايتِهم له.
***
حول القصاص في القتل
وَقَفَ الفادي أَمامَ آيةِ القصاص في القَتْل ، وهي قولُ اللّهِ - عز وجل - *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ*.
وذَكَرَ تفسيرَ البيضاويِّ للآية ، واختلافَ المذاهبِ في قَتْلِ الحُرِّ بالعَبْدِ والذَّكَر بالأُنثى ، مع أَنَّ الآية لا تَدُلُّ على جوازِ ذلكِ ولا على مَنْعِه ، كما قال البيضاوي : " ولَا تدلُّ الآيةُ على أَنْ لا يُقْتَلَ الحُرُّ بالعَبْد ، والذكَرُ بالأُنثى ، كما لا تَدُلُّ على عكْسِه ".
فمسأَلَةُ قَتْلِ الحُرِّ بالعَبْدِ ، والذكْرِ بالأُنثى ، والمؤمنِ بالكافر ، لم يتكلَّمْ فيها القرآنُ كَلاماً صَريحاً ، وإِنما اختلفَ فيها العلماء والمذاهبُ اختلافاً كبيراً..
ومع ذلك اعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ فيها ، وخَطَّأَه وانْتَقَدَه ، مع أَنه لم يتكلَّمْ فيها!!
قال : " ونحنُ نسأل : لماذا سمحَ محمدٌ وأَبو بكر وعمرُ وعليٌّ للأَغنياءِ والسادةِ أَنْ يَقْتلُوا العبيدَ دونَ أَنْ يَقْتَصوا منهم ، وجَعلوا عَدَمَ قتْلِ الحُرّ بالعبدِ والمسلمِ بذي عَهْد سُنَةً أَقَرَّها المذهبُ المالكيُّ والمذهبُ الشافعي ؟
ولماذا لم يَعْتبِروا قول التوراةِ المحكيَّ في القرآنِ *النَّفْس بِالنَّفْسِ*
قانوناً إِلهياً واجبَ الاتِّباع ، مُدَّعين أَنَّ التوراةَ لا تَنسخُ القرآن ، رغمَ أَنَّ عبارةَ القرآنِ تُنافي قواعدَ العدلِ والمساواةِ بين البشر ؟
إِنَّ اللّهَ واحد ، وقانونَه واحد ، فلماذا يُحابي الإسلامُ الأَغنياء ، فلا يُطالبُ بدماءِ العبيدِ من أَعناقِ السادةِ ؟
ومن الغريبِ أَنَ الشرعَ الإِسلاميَّ يصرحُ أَنه لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بدمِ كافرٍ ، ولا بدَمِ ذي عَهْد.
أَلا يُعتبرُ هذا رخصةً من الإِسلامِ للعَبَثِ بأرواحِ جميعِ بني آدم ، واعتبارِ العهودِ قُصاصةً على وَرَق ؟ ! ".
اعتراضُ الفادي المفترِي على القرآن لا يتناسبُ مع موضوعِ كتابِه ، وكان الأولى به أَنْ لا يجعلَه في الكتاب ، لأنه خَصَّصَ الكتابَ لاكتشافِ الأَخطَاءِ في القرآن ، وهذا ليسَ موضوعاً قرآنياً ، ولكنه يُريدُ أَنْ يُسَجِّلَ كُلَّ ما يُثيرُ الشبهةَ والتشكيكَ في القرآن!.
إِنَّ مسألةَ الاختلافِ في قتلِ الحُرِّ بالعبدِ والذكَرِ بالأنثى والمؤمنِ بالكافرِ مسألةٌ فقهية ، وليستْ مسألةً قرآنية أَو حديثية ، والأَوْلى أَنْ تُبْحَثُ ضمنَ المباحثِ الفقهية ، وقد اختلفَ فيها الفقهاء.
فالشافعيةُ يرونَ أَنه لا بُدَّ من التكافؤ في القصاص ، بمعنى أَنْ يَكونَ القتيلُ مُكافِئاً للقاتلِ ليتمَّ القِصاص ، وبما أنه لا تَساويَ بين الحُرِّ والعبد ، والمؤمنِ والكافر ، والذكرِ والأُنثَى ، فلا قصاصَ بينهم ، فإذا قَتَلَ الحُرُّ عَبْداً ، أَو المؤمن كافراً ، أَو الرجلُ امرأة ، دفعَ القاتِلُ الدِّيَةَ ولم يُقْتَصَّ منه.
أَما الأَحنافُ فإنهم لا يشترطونَ التكافؤَ في القصاص ، ويَجوز قَتْلُ الأَعلى بالأَدنى ، أَيْ أَنه يُقْتَلُ عندهم الحُرّ إِذا قَتَلَ عَبْداً ، ويُقْتَلُ المؤمنُ إِذا قتَلَ كافراً ذِمِّيّاً معاهِداً ، ويُقْتَلُ الرجلُ إذا قَتَلَ امرأة.
ومع أَنَّ المسألةَ خلافية بين المذاهِب ، فيجوزُ أَخْذُ أَيّ قَوْل ، وتَرجيحُه
على الأَقوالِ الأُخْرى ، دودنَ ذَمٍّ لأَصحابِ الأَقوال الأُخرى ، أَو اتهامِ الإِسلامِ والقرآنِ بالخطأ أَو الظلمِ والمحاباة ، كما فعلَ الفادي المفترِي.
وإِنّني أَميلُ منذُ مُدَّة إلى ترجيح قولِ الأَحنافِ في هذه المسألة ، مع أَني شافعيُّ المذْهَب ، لأَنني أَراه أَكثرَ اتفاقاً مع المساواةِ وإنسانيةِ الإِنسان ، وتحقيقِ العدالةِ الإنسانية ، مع احترامي للأَقوالِ الأخرى فيها.
وإِنَّ عَدَمَ قتلِ الحُرِّ بالعبدِ كما يُقررُ المذهبُ الشافعي لا يعني مُحاباةَ الأَغنياءِ والسادة.
ولا يَعني ذهابَ دِماءِ العبيدِ هَدْراً ، لأَنَّ الحكم يَنتقلُ من
القِصاصِ إِلى الدِّيَة ، يَدْفَعُها أَهلُ القاتلِ إِلى أَهلِ القتيل.
والفادي المفترِي الذي شَنَّ على النَّسخِ هُجوماً شَديداً ، يَدْعو الآنَ إِلى اعتمادِه والقولِ بِه ، لأَنه يتفقُ مع هواه! فقد أَخْبَرَنا اللّه في القرآنِ عن حُكْمِهِ في التوراة بوجوب قَتْلِ أَيِّ نفسٍ بأَيّ نفس.
قال تعالى : *وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ*.
وعَلَّقَ الفادي على هذا بقوله : " ولماذا لم يَعْتَبِروا قولَ التوراةِ المحكيَّ بالقرآن : *النَّفْسَ بِالنَّفْسِ* قانوناً إِلهياً واجبَ الاتِّباعِ ، مُدَّعين أَنَّ التوراة لا تَنسخُ القرآن ! ".
وكيفَ يُريدُ للتوراةِ النازلةِ قبلَ القرآن بمئاتِ السِّنين أَنْ تنسخَه ، مع أَنه من المتفق عليه عند العُقَلاءِ أَنَّ السابقَ المتقدِّمَ لا ينسخُ اللاحقَ المتأَخِّر.
وإذا كان اللّهُ قد أَوجبَ القِصاصَ في التوراة ، وأَوجبَ قَتْلَ النفسِ بالنفس ، فقد أَوجبَ ذلك في القرآن ، عندما أَمَرَ بالقصاصِ في القَتْلى ، وفَصَّلَ ذلك بقولِه : *الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى*.
فهذه الحالاتُ الثلاثةُ في الآيةِ تفسيرٌ للنفسِ بالنفس.
أَما الجملةُ التي ذَكَرَها الفادي : " إِنَّ عبارةَ القرآنِ تُنافي قواعدَ العدلِ والمساواةِ بين البشر " فهي جملةٌ فاجرة ، شَتَم المجرمُ بها القرآنَ ، مع أَنَّ العبارةَ التي اعترضَ عليها لا تَتَنافى مع العدلِ والمساواةِ بينَ البَشَر ، وإِنما تَعْمَلُ على إقرارِها وسيادتِها.
وإِذا كانَ بعضُ المذاهبِ لا يُجيزونَ قَتْلَ المسلمِ بالذِّمّيّ قِصاصاً ؟
فإِنَّ مذاهبَ أُخرى أَجازَتْ ذلك ، وسبقَ أَنْ ذَكَرْنا أَنَّ المذهبَ الحنفيَّ يقولُ بذلك ، وأننا رجَّحْنا هذا القول.
وحتى عندَ الذينَ لا يَقْتُلونَ المسلمَ بالذِّمِّيِّ المعاهَدِ قِصاصاً ، فإِنَّ دَمَ الذِّمّيِّ القتيلِ لا يَذهَبُ هَدْراً ؟
لأَنَّ الواجبَ ينتقلُ إلى الديَة ، يدفعُها أَهلُ القاتلِ لأهلِ القتيل!.
وهذا لا يُؤَدّي إِلى اعتبارِ العهدِ في الإِسلامِ لا قيمةَ لها ، فالإِسلامُ دَعا إِلى الالتزام بالعهودِ والوَفاءِ بها ، والمسلمون من أَكثرِ النَّاسِ التزاماً وَوَفاءً بالعهود.
كما أنه يَعتبرُ المحافظةَ على الأَرواحِ والدّماءِ من مقاصدِه الأَساسية ، ولا يُجيزُ سَفْكَ دَمِ أَيِّ إنسانٍ أَو إِزهاقِ روحِه إِلَّا بسببٍ مَشْروع ، مثل الجهادِ للمُعتَدين ، أو تطبيقِ الحَدِّ الشرعيِّ على المجرمين.
***
حكم قتل المرتد
أَوردَ الفادي المفترِي آياتٍ تتحدَّثُ عن المرتدِّ عن الإِسلام ؟
منها قولُه تعالى : *وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *217*.
وأساءَ الفادي فهمَ قول اللّهِ - عز وجل - : *وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا *89*.
فهمَ منها أَنها تحكمُ بالكفرِ على المؤمنين الذين تثاقلوا عن الهجرةِ إلى المدينة.
قال : " والظاهرُ من سورة البقرة أَنَّ مَنْ يرتدّ عن الإِسلامِ إِلى أَيّ دينٍ آخَرَ يُعتبر كافراً.
والظاهرُ من سورة النساءِ أَنَّ الذين أَظْهَروا الإِسلامَ ثم قعدوا عن الهجرة ، أَوجبَ القرآنُ على المسلمين أَنْ يَقْتُلُوهم حيث وَجَدُوهم ، كسائرِ الكَفَرَةِ ، فَأَيْنَ حريةُ العقيدةِ والدين ؟!
إنها وصمةُ عارٍ أن يُقْتَلَ الذي يرى في الإسلامِ غيرَ الذي يرونه! " *1*.
إنَّ هذه الآيةَ من سورةِ النساءِ لا تَحكمُ بالكُفْر على مُسْلمين لأَنهم تَثَاقَلُوا عن الهجرة ، ولا تَأْمُرُهم بالقتْلِ لمجردِ هذا السَّبَب ، كما فهمَ الفادي
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
129- حد الردة
الرد على الشبهة :
إن الإسلام يقرر حرية اختيار الدين ، فالإسلام لا يكره أحداً على أن يعتنق أى دين يقول الله تعالى *لا إكراه فى الدين * *1*.
غاية ما هنالك أن الإسلام لا يقبل الشرك بالله ولا يقبل عبادة غير الله وهذا من صلب حقيقة الإسلام باعتبار كونه دين من عند الله جل وعلا ، ومع ذلك يقبل النصارى واليهود ولا يقاتلهم على ما هم عليه ولكن يدعوهم إلى الإسلام. كما أن الإسلام لا يبيح الخروج لمن دخل فى دين الله لا يكلف أحداً أن يجهر بنصرة الإسلام ، ولكنه لا يقبل من أحدٍ أن يخذل الإسلام ، والذى يرتد عن الإسلام ويجهر بذلك فإنه يكون عدوًّا للإسلام والمسلمين ويعلن حرباً على الإسلام والمسلمين ولا عجب أن يفرض الإسلام قتل المرتد ، فإن كل نظام فى العالم حتى الذى لا ينتمى لأى دين تنص قوانينه أن الخارج عن النظام العام له عقوبة القتل لا غير فيما يسمونه بالخيانة العظمى.
وهذا الذى يرتد عن الإسلام فى معالنة وجهر بارتداده ، إنما يعلن بهذا حرباً على الإسلام ويرفع راية الضلال ويدعو إليها المنفلتين من غير أهل الإسلام وهو بهذا محارب للمسلمين يؤخذ بما يؤخذ به المحاربون لدين الله.
والمجتمع المسلم يقوم أول ما يقوم على العقيدة والإيمان. فالعقيدة أساس هويته ومحور حياته وروح وجوده ، ولهذا لا يسمح لأحد أن ينال من هذا الأساس أو يمس هذه الهوية. ومن هنا كانت الردة المعلنة كبرى الجرائم فى نظر الإسلام لأنها خطر على شخصية المجتمع وكيانه المعنوى ، وخطرعلى الضرورة الأولى من الضرورات الخمس " الدين والنفس والنسل والعقل والمال ".
والإسلام لا يقبل أن يكون الدين ألعوبة يُدخل فيه اليوم ويُخرج منه غداً على طريقة بعض اليهود الذين قالوا : *آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون * *2*.
والردة عن الإسلام ليست مجرد موقف عقلى ، بل هى أيضاً تغير للولاء وتبديل للهوية وتحويل للانتماء. فالمرتد ينقل ولاءه وانتماءه من أمة إلى أمة أخرى فهو يخلع نفسه من أمة الإسلام التى كان عضواً فى جسدها وينقم بعقله وقلبه وإرادته إلى خصومها ويعبر عن ذلك الحديث النبوى بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه : [ التارك لدينه المفارق للجماعة ] *3* ، وكلمة المفارق للجماعة وصف كاشف لا منشئ ، فكل مرتد عن دينه مفارق للجماعة.
ومهما يكن جرم المرتد فإن المسلمين لا يتبعون عورات أحدٍ ولا يتسورون على أحدٍ بيته ولا يحاسبون إلا من جاهر بلسانه أو قلمه أو فعله مما يكون كفراً بواحاً صريحاً لا مجال فيه لتأويل أو احتمال فأى شك فى ذلك يفسر لمصلحة المتهم بالردة.
إن التهاون فى عقوبة المرتد المعالن لردته يعرض المجتمع كله للخطر ويفتح عليه باب فتنة لا يعلم عواقبها إلا الله سبحانه. فلا يلبث المرتد أن يغرر بغيره ، وخصوصاً من الضعفاء والبسطاء من الناس ، وتتكون جماعة مناوئة للأمة تستبيح لنفسها الاستعانة بأعداء الأمة عليها وبذلك تقع فى صراع وتمزق فكرى واجتماعى وسياسى ، وقد يتطور إلى صراع دموى بل حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس.
وجمهور الفقهاء قالوا بوجوب استتابة المرتد قبل تنفيذ العقوبة فيه بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية هو إجماع الصحابة ـ رضى الله عنه ـ وبعض الفقهاء حددها بثلاثة أيام وبعضهم بأقل وبعضهم بأكثر ومنهم من قال يُستتاب أبداً ، واستثنوا من ذلك الزنديق ؛ لأنه يظهر خلاف ما يبطن فلا توبة له وكذلك سابّ الرسول صلى الله عليه وسلم لحرمة رسول الله وكرامته فلا تقبل منه توبة وألَّف ابن تيمية كتاباً فى ذلك أسماه " الصارم المسلول على شاتم الرسول ".
والمقصود بهذه الاستتابة إعطاؤه فرصة ليراجع نفسه عسى أن تزول عنه الشبهة وتقوم عليه الحُجة ويكلف العلماء بالرد على ما فى نفسه من شبهة حتى تقوم عليه الحُجة إن كان يطلب الحقيقة بإخلاص وإن كان له هوى أو يعمل لحساب آخرين ، يوليه الله ما تولى. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* البقرة : 156.
*2* آل عمران : 72.
*3* رواه مسلم.
منها هذا ، وإِنما تتحدَّثُ عن مُنافقينَ كافِرينَ حقيقة ، وكُفْرُهم ليسَ بسببِ عَدَم الهجرة ، وإِنما كُفْرُهم بنفاقِهم ، والمنافقون كُفّارٌ في الحقيقة ، رغْمَ إِظهارِهم الإِسلام.
قال تعالى : *فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا *88* وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا *89*.
هم منافقونَ لقولِه : *فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ..*
وهم كفارٌ حقيقةً لقوله : *وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً*
وتَنهى الآياتُ المؤمنين عن اتخاذِ أولئك المنافقين الكافرين أَولياء ، حتى يُهاجِروا في سبيلِ اللّه ، ومعنى هجرتِهم في سبيل اللّه أَنْ يَدْخُلوا في الإِسلام أَوَّلاً ، ثم يُهاجِروا بعدَ ذلك ؛ لأَنَّ الهجرةَ مبنيةٌ على الإِسلام.
فإِنْ رَفَضوا الدخول في الإِسلام ، ورَفَضوا الهجرةَ في سبيلِ اللّه ، فعلى
المسلمينَ أَنْ يَأخُذوهُم ويَقْتُلوهُم حيث وَجدوهم ، والسببُ هو كفْرُهم ونفاقُهم وعداوتُهم للمسلمينَ وحربُهم لهم ، وهذه جرائمُ استحقّوا بها القَتْل!!.
وتباكى الفادي على المُرْتَدِّين الذينَ حارَبَهم أَبو بكر الصديقُ - رضي الله عنه - ، واعْتَبَرَهم مظلومين معتدى عليهم ، قال : " أَينَ حريةُ العقيدةِ والدين ؟
إِنها وصمةُ عارٍ أَنْ يُقْتَلَ الذي يَرى في الإِسلامِ غيرَ الذي يروْنَه..
أَلَمْ يُلَطخْ أَبو بكر الصَّدّيقُ يَدَيْه بِدماءِ أُلوفِ المرتدين ؟! ".
كما تباكى على جَبَلَةَ بنِ الأَيْهم آخرِ مُلوكِ الغساسنة ، الذي دَخَلَ في
الإِسلامِ بعدَ فتحِ بلادِ الشام ، ولم يكن إِسلامُه عن قَناعَة ، ولما حَكَم عمرُ - رضي الله عنه - أَنْ يَقْتَصَّ منه ذلك الأَعرابيُّ الذي لَطَمَه أَثناءَ الطواف ، اعتبرها جَبَلَةُ إِهانةً له ، وهَرَبَ من المدينة إِلى بلادِ الروم مرتدّاً عن الإِسْلام ، عائِداً إلى النصرانية!.
واعتراضُ الفادي المفترِي على قَتْلِ المرتَدّ لا يَتَّفِقُ مع موضوع كتابه ، الذي خَصَّصَه لانتقادِ وتخطئةِ القرآن ، وهذه المسألة مسألةٌ حديثية فقهية.
فالقرآنُ لم يتحدَّثْ عن قَتْلِ المرتَدِّ ، والذي أَمَرَ بذلك هو رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وذلك في قوله : " لا يَحِلُّ دَمُ امرئ مسلمٍ إلّا بإِحْدى ثلاث : النفسُ بالنفس ، والثَّيِّبُ الزَّاني ، والتاركُ لدينهِ المفارقُ للجماعة ".
مَن الذي أَمَرَ الإِسلامُ بقَتْله ؟
إِنه ليس الكافرَ أَصْلاً ، المصِرَّ على كُفْرِه ، ولكنه الكافرُ الذي دَخَلَ في الإِسلام ، ثُمّ خَرَجَ منه وعادَ إِلى الكفر.
إِنَّ الردةَ دليلٌ على التلاعبِ بالعقيدةِ والإِيمان ، والاستهزاءِ بالإِسلامِ والقرآن ، والكيدِ ضدَّ المسلمين.
إِنَّ المرتَدَّ يُعْلِنُ بردَّتِه خطأَ الإِسلامِ وبُطلانَه ، وهو بردَّتِه يَدعو المسلمين
إِلى الاقتداءِ به ، والارتدادِ عن الإِسلام مِثْله!.
والإِسلامُ حَقٌّ وصَواب ، ودعوةٌ للعالَمين جميعاً ، والمرتَدُّ عن الإِسلام
محاربٌ له بردَّتِه ، وصادٌّ عنه ، وهذه الجرائمُ استحَقَّ بها القَتْل.
والمرتَدُّ لا يُقْتَلُ فوراً ، إِنما يُناقَشُ أَوَّلاً ، وتُزالُ الشبهاتُ التي عنده ،
وتُقَدمُ له الحججُ والبراهينُ على الحَقّ ، وَيُدْعى للعودةِ إلى الإِسلامِ ، كل ذلك
بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة ، فإِنْ رَفَضَ هذا المنطقَ العقلانيَّ الدعوي ، وأَصَرَّ
على ارتدادِه وكُفْرِه ، فيكون هذا من بابِ العِنادِ والاستكبار ، ولا يَعتمدُ على دَليلٍ عقلي مُقْنِعٍ ، لأَنَّ الإِسلامَ حَقٌّ يتوافَقُ مع الفطرةِ والمنطقِ والعقلِ السَّليم ، وليس فيه ما يَتَصادَمُ أَو يتناقَضُ مع المنطق.
عند ذلك يكونُ ارتدادُه تَلاعُباً وكيداً وحَرْباً للإسلام ، ويكونُ جزَاؤُه
القتل.
إِنَّ حريةَ العقيدةِ والدين التي يَتَباكى عليها الفادي المفترِي ليستْ مع
هذا المرتَدِّ عن الإِسلام ، إِنما هي معَ الكافِر ، الذي لم يَدْخُلْ في الإِسلام
أصْلاً - ، فهذا يُدعى للدُّخولِ في الإِسلام بالمنطقِ والحجةِ والبرهانِ ، فإن اقتنعَ واعتنقَ الإِسلامَ يكونُ قد فازَ في الدنيا والآخرة ، وإِنْ رَفَضَ الدعوةَ وأَصرَّ على كفرِه تركَه المسلمون وشأنَه ، من بابِ حريةِ العقيدةِ والدين التي يُنادي بها الفادي ، ولا يُجْبِرونَه على الدخولِ في الإِسلام ، لأَنَ اللّهَ يقول : *لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ*
معَ اليقينِ بأَنَّ هذا الذي رفضَ الدخولَ في الإسلام كافرٌ ضالّ خاسِرٌ ، فاسقٌ ظالم مجرم ، ليس على هدى أو إِيمانٍ أو حق ، وهو في الآخرةِ مخلَّدٌ في نارِ جهنم.
***
حكم الزواج بالكتابيات
أَباحَ اللّهُ للمسلمينَ الزواجَ بالكتابيات ، قال تعالى : *الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ*.
وعَلَّقَ الفادي على هذا بقولِه : " يُجيزُ القرآنُ للمسلمينَ أَنْ يَتَزَوَّجوا المسيحيات..
بينما يُحَرِّمُ الإِنجيلُ تَحريماً باتّاً زواجَ المسيحياتِ بغيرِ المسيحيّين ، ويقول : " فهي حُرَّةٌ لكي تتزوج بمَنْ تُريُد ، في الرَّبِّ فقط "..
وهذا إِعلانٌ قرآنيّ باحترامِ الإِيمانِ المسيحيّ ، لأَنَّ الزوجةَ المسيحية سَتُرَبّي أَولاد الزوج المسلم ".
زَعَم الفادي أَنَّ الإِنجيلَ حَرَّمَ زواجَ النصرانيةِ منَ غيرِ النصراني ، فكيفَ تُوافقُ النصرانيةُ على الزواجِ من المسلم ؟
إِنها بذلك تُخالفُ أَحكامَ دينِها ، فما رأيُ الفادي في هذه المخالفة ؟
ولماذا يُجيزُ - وهو القِسّيسُ - للنصرانياتِ الزواجَ من المسلمين ؟
إنه يَعْتَبِرُ إِباحةَ زواجِ المسلم بالكِتابِيَّةِ إِعْلاناً قرآنياً باحترامِ الإِيمانِ المسيحي ، وتفويضَ المرأَةِ النصرانيةِ بتربيةِ أَولادِ زوجهما المسلمَ.
لقد أباحَ القرآنُ للمسلمِ الزواجَ بالكتابية ، لأَنها تؤمنُ بالتوراةِ أَو الإِنجيل ، وهما كتابان من كتبِ اللّه ، صحيحٌ أَنّ اليهود والنَّصارى حَرَّفوهما بعدَ ذلك ، لكنَّ أَصْلَهما من عندِ اللّه ، فهو يتعامَلُ معهما على هذا الأَساس.
ولا يَعني إِباحةُ الزواجِ من الكتابيةِ الاعترافَ بأَنها مؤمنةٌ مُوَحِّدَة ، بل هي كافرة ؛ لأَنّ مَنْ لم يكنْ مسلماً فهو كافرٌ بنصِّ القرآن.
قال تعالى : *وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ *85*.
ونُقَرِّرُ أَنَّ القرآنَ لم يُبحِ الزواجَ بالنصرانيةِ فقط ، وإِنما أَباحَ الزواجَ باليهوديةِ والنصرانيةِ ، لأنهما كتابيَّتانَ ، والزواجُ بهما مُباحٌ ، وليس واجباً أَو مندوباً أَو سُنَّةً مُتَّبَعَة ، والأَوْلى والأَفْضَلُ أَنْ لا يكون ، لكنه مُباحٌ لمن أَراده.
وهو ليس مباحاً مُطْلَقاً ، إِنما هو مباحٌ بشرطِ أَنْ تكونَ الكتابيةُ مُحْصَنَة لقوله تعالى : *وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ*.
والمرادُ بالإِحصانِ هنا العفةُ وإِحصانُ الفَرْج ، وعدمُ ارتكابِ فاحشةِ الزنى ، ولا بُدَّ للمسلمينَ الراغبينَ في الزواجِ من الكتابياتِ من أَنْ يكونوا مُحْصنين عَفيفين ، غيرَ زناةٍ مسافحين ولا متخذي أَخْدان.
والخلاصَةُ أَنَّ الزواجَ بالكتابياتِ اليهودياتِ والنصرانيات مُباحٌ إِباحة ، مع أَنَّ الأَولى أَنْ لا يكون ، وهو مباحٌ بشرْطِ الإِحْصانِ في الطرفين ، الإحصانُ في الرجلِ المسلمِ وعدمُ زِناهُ ، والإِحصانُ في المرأةِ الكتابيةِ وعَدَمُ زناها..
وفَتِّشْ عن امرأةٍ كتابيةٍ غربيةٍ محصَنَة غَيرَ زانيةٍ في هذا الزمان!.


من مواضيعي
0 قصة لقمان
0 الفداء والصلب خطة من ؟
0 حقيقة ما يسميه الرافضة بآية الولاية
0 هل تعلم؟ 2
0 وثائقي ضد التطور ( تجول الضفدع لامير ) مايكل دانتون - فيرنر جيت - د/سبتنر
0 إنفوجرافيك الجيشان السعودي والإيراني .. من الأقوى؟!
0 فَهمها سليمان
0 إنفوجرافيك هبوط حاد لأسعار السلع الأولية في العالم عام 2015

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المطاعن, التشريعية

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:59 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009