ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

نقض المطاعن العلمية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


نقض المطاعن العلمية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 04:06 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي نقض المطاعن العلمية

نقض المطاعن العلمية
هل لتمثال العجل خوار ؟
أَخبرَ اللّهُ أَنه في غيبةِ موسى - عليه السلام - عن بَنِي إِسرائيل ، فَتَنَهم وأَضَلَّهُم السامريُّ الكافر ، فأَخَذَ حُليَّهُم وزينَتَهم ، وصَنَعَ منها تمثالاً ذَهَبِيّاً ، على شَكْلِ عجل ، ودَعَاهُم إِلى عبادَتِه ، على أَنه إلهُهُم ، ومن بابِ فتنتِهم كان لهذا التمثالِ خُوَارٌ كخوارِ العِجْل.
قال تعالى : *وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ *148*.
وقال تعالى : *قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ *87* فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ*.
وقد اعترضَ الفادي على كلام القرآن ، واعتبرَه مُتَناقضاً مع حقائق العلم ، إِذْ كيفَ يُمكنُ للبشرِ أَنْ يَصْنَعُوا تِمثالاً ناطِقاً متكَلِّماً ؟
قال : " ونَحْنُ نَسأل : من أَينَ استقى القرآنُ هذا الخَبر ، الذي ليس له أَساسٌ تاريخي ؟
وهل من المعقولِ أَنَّ العجلَ الذهبيَّ يَخورُ كالعجلِ الطبِيعيّ ؟
وهل يتمنّى السامريُّ المزعومُ ذلك ، ويَطلبُه هارونُ من اللّه ، فيوافقُ اللّهُ على تَحسينِ الصَّنَمِ فيخورُ ، ليُغريَ الناسَ ليَعْبُدوهُ من دونِ اللّه ؟
وهل صارَ السامريُّ وهارونُ واللّهُ شركةً واحدةً في صُنعِ العجل ؟! ".
يتساءَلُ الفادي بخُبْث : " من أَينَ اسْتَقى القرآنُ هذا الخبرَ ؟
الذي ليس له أَساسٌ تاريخي ؟" إِنَّهُ بهذا التَّساؤُل يُريدُ أَنْ يُقَرِّرَ بشريةَ القرآن ، فلأَنَّه من عند البَشَر فلا بُدَّ أَنْ يكونَ لما يَقولُه مصدَرٌ يأخُذُه منه ، فمن أَينَ أَخَذَ القرآنُ فِكرةَ العجْلِ البشري ؟.
ونحنُ نوقنُ أَنَّ القرآنَ كلامُ اللّه ، وكلّه صادق ، لأَنَّه لا أَحَدَ أَصْدَقُ حَديثاً وَقْولاً من اللّه ، ولا يَجوزُ أَنْ نبحثَ عن مصدَرٍ بشري لما يذكُرُه القرآن ، ويَكفي ذِكْرُ الخبر في القرآنِ دَليلاً على تَصديقه.
ويُكَذِّبُ الفادي المفترِي القرآنَ عندما يَزعمُ أَنَّ إِخبارَه عن عجلِ السامريِّ ليس له أَساسٌ تاريخي ، ونقول له : مرجعيَّتُنا هي القرآن ، لأَنه كلامُ اللّه ، ويَجبُ أَنْ نؤمنَ بكلِّ ما وردَ فيه ، وَمَنْ كَذَّبَ شيئاً مما ذُكِرَ فيه ، فهو
مُكَذّبٌ للّه ، كافرٌ به.
وبعدَ ذلك نقول للفادي : لقد ذَكَرَ كِتَابُكَ المقَدَّسُ الذي تُؤمنُ به قصةَ صنْعِ العجل ، لكنَّ الحاخامات الذين أَلّفوا أَسفارَ العهد القديم كَذَبوا على اللّه وعلى هارونَ النبيِّ - عليه السلام - ، حيثُ زَعَموا أَنه هو الذي صنَعَه ، ودَعا قومَه إِلى عبادتِه!.
وَرَد في سِفْرِ الخُروجِ ما يلي : " ورأى الشعبُ أَنَّ موسى قد تَأَخَّرَ في النزول من الجبل ، فاجتمعَ الشعبُ على هارون ، وقالوا له : قُمْ فاصنعْ لَنا آلهةً تسيرُ أَمامَنا ، فإنَّ موسى ذلك الرجل الذي أَصْعَدَنا من أَرضِ مصر لا نَعلمُ ماذا أَصابَه!!.
فقال لهم هارون : انْزعوا حَلَقاتِ الذَّهَبِ التي في آذانِ نسائِكم وبَناتِكم وبَنيكم ، وأتوني بها ...
فَنَزَعَ كُلُّ الشَّعْبِ حَلَقاتِ الذَّهَبِ التي في آذانِهم ، وأَتَوْا بها هارون ...
فأَخَذَها وصَبَّها قالباً ، وصَنَعَها عِجْلاً مسبوكاً ...
فقالوا : هذه آلهتُكَ يا إِسرائيل ، التي أَصعدَتْكَ من أَرضِ مصر ، فلما رأى هارونُ ذلك بنى مَذْبحاً أَمامَ العجل ، ونادى قائلاً : غداً عيدٌ للرّبّ! فَبكَّروا في الغَدِ ، وأَصْعَدوا مُحَرَّقات ، وقَرَّبوا ذبائح ، وجَلَسَ الشعبُ يأكلُ ويشربُ ، ثم قامَ يَلْعَب ...
ولما عادَ موسى - عليه السلام - إلى قومِه غَضْبانَ أَسِفاً ، لامَ هارونَ لَوْماً شَديداً على ما فَعَلَه ، وقال له : ماذا صَنَعَ بك هذا الشعبُ ، حتى جَلَبْتَ عليهم خطيئةً عظِيمة.
فقالَ هارون : أَنتَ عارفٌ أَنه شعبٌ شِرّير ، قالَ لي : اصنَعْ لنا آلهةً تَسيرُ أَمامَنا ، فإنَّ موسى ذلك الرجل الذي أَصعَدَنا من أَرضِ مِصْر ، لا نَعْلمُ ماذا أَصابه..
فقلْتُ لَهم : مَنْ له ذَهَبٌ فلينزَعْه..
فأْتوني به ، فأَلقيتُه في النّار ، فخرجَ هذا العجل ...
" [سفر الخروج : 32/ 1 - 6 و : 32/ 21 - 24 ].
الفادي يقول : هل من المعقولِ أَنَّ العجلَ الذهبيَّ يَخورُ كالعجلِ الطبيعي ؟
ونقول : نَعَمْ من المعْقول ، إِذْ ليس في هذا ما يَتناقضُ مع العَقْلِ ، لأَنه لم يحدُثْ بفعلِ السّامريّ ، إِنما حَدَثَ بإرادةِ اللّه ، والسّامريُّ لم يخلقْ عجْلاً طبيعيّاً حقيقيَّاً ، لأَنَّ الخالقَ هو اللّه ، كلُّ ما فعلَه أَنه صَنَعَ من الذهبِ
والحِلِيّ عِجْلاً جَسَداً ، وتمثالاً مُجَسداً ، واللّهُ هو الذي جَعَلَ لهذا العجلِ التمثالِ خُواراً ، وجَعَلَ له صَوْتاً كصوتِ العِجْل ، مُبالغةً في ابتلاءِ وامتحانِ بني إِسْرائيل ، ولقد رَسَبوا في الامتحان ، وخَسِروا في الابتلاء ، وكانوا كُلَّما سَمِعوا خُوارَ العجلِ التمثالِ ازْدادوا إِقْبالاً عليه وفَرَحاً به!
ومن المعلوم أَن اللّه يَبْتَلي عبادَه بالخيرِ والشَّرّ ، كما قالَ تعالى : *كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ *35*.
ثم ما هو الذي يتعارَضُ مع العقلِ في خُوارِ العجلِ الجَسَد ؟
أَلا يُمكنُ تَقريبُ ما جرى من خلال تَذَكُّرِ آلاتِ العَزْفِ الموسيقية ، حيثُ يُخرجُ العازفُ أَلْحاناً موسيقيةً من ضربه على بعضِ الآلاتِ الجامدة ، أَو نَفْخِهِ في آلاتٍ أُخرى ؟
فإذا كانَ الإِنسانُ يَستطيعُ إِخْراجَ أَلَحانٍ مختلفةٍ من الآلاتِ التي يَتعامَلُ معها ، أَيعجِزُ اللّه سبحانه عن إِخراجِ صوتِ خُوارِ العجلِ من تمثالِ عجلٍ مجسَّد ؟!.
المشكِلةُ ليستْ في إِخْبارِ القرآنِ عن خُوارِ تِمثالِ العجل ، إِنما المشكلةُ في ما نَسَبَهُ الأَحبارُ الكُفارُ إِلى النبيِّ هارونَ - صلى الله عليه وسلم - من كفر! فهل يُعقلُ أَنْ يستجيبَ النبيُّ هارونُ - صلى الله عليه وسلم - إِلى طلباتِ قومِه الكافرة ، ويَصنعَ لهم من حُلِيِّهم عِجْلاً ، ويَقولُ لهم : إِنَّ هذا هو إِلهُكُم ، فتَعالوا واعْبُدوه ؟!.
وقد نَصَّ القرآنُ على أَنَّ هارونَ - صلى الله عليه وسلم - أَنكرَ عليهم عبادتَهم العجلَ ، قال تعالى : *وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي *90* قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى *91*.
أسطورة خاتم سليمان
حَمَّلَ الفادي المسلمين أُكذوبةَ خاتَمِ سليمانَ - عليه السلام - ، التي ذَكَرَها بعضُ المَفسِّرينَ ، الذينَ يَذْكرُونَ الإِسرائيلياتِ والخرافاتِ والأَساطير ، وذلك أَثناءَ تفسيرِهم لقولِ اللّه - عز وجل - : *وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ *34* قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *35*.
قالَ : " قالَ مفسرو المسلمين : إِنَّ سُليمانَ قَتَلَ مَلِكَ صَيْدون ، وأَخَذَ ابْنَتَهُ جَرادَةَ لجَمالِها ، فكانَتْ تَبْكي في بيتِ سليمانَ على أَبيها.
فأَوصى سليمانُ الشياطينَ ، فعَمِلوا تِمثالاً لأَبيها ، وضعَتْه أَمامَها ، وكانتْ تسجدُ له أَربعين يوماً ...
وكان لسليمانَ خاتمٌ يلبسُه ، وكان إِذا دَخَلَ للطهارةِ يُعْطِيه لزوجتِه أَمينة! فَمَرَّةً دخلَ للطهارة ، وظهَرَ الشيطانُ لأَمينَة في شكْلِ سُليمان ، وأَخَذَ الخاتم ، وجَلَسَ على سَريرِ الملِك ، وتَزَوَّجَ بنساءِ سليمان ، واستمرَّ في المُلْكِ أَربعين يوماً ، وسليمانُ مطرودٌ ، يستنكرُه كلُّ مَنْ رآه..
وطارَ الشيطان ، وسَقَطَ منه الخاتمُ في البحر ، وصادَ الصَّيّادون سَمَكاً ، وأَعْطوا سليمانَ سمكتَيْن أُجْرَةً له ، على خدمتِه في حَمْلِ السَّمَك ، فَوَجَدَ الخاتمَ في جوفِ السمكة ، ولما لبسَه عادَ إِليه المُلْك ! "..
وعَلَّق الفادي على هذه الأُسطورةِ بقوله : " فما معنى هذا الخاتم السحري ، الذي مَنْ يلبسُه من الإِنسِ أَو الجنِّ يَصيرُ مَلِكاً ؟
وكيفَ يتزوَّجُ الشيطانُ النِّساءَ وهو من الأَرواح ؟
ومتى كان سليمانُ الملكُ شَحّاذاً وحَمّالَ سَمَكٍ أَرْبعين يوماً ؟! ".
إِنَّ هذا الكلامَ مردودٌ مكذوب ، لم يَرِدْ في كتابِ اللّه ، ولا في حديثِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقلْه واحد من الصحابةِ أَو التابعين ، وهو من الإِسرائيلياتِ والخرافاتِ والأَساطيرِ الباطلة ، التي لا يَجوزُ أَنْ نُفَسِّرَ بها كلامَ اللّه..
وسامَحَ اللّهُ الإِخباريّينَ والرواةَ من المسلمين ، الذين أَجازوا لأَنفسِهم تفسيرَ كلامِ اللّهِ بهذا الهراءِ التافه ، حتى يأتيَ إِنسان مُغْرِض مثلُ الفادي يجعلُه مَطْعَناً يوجِّهُه إِلى كتابِ اللّه - عز وجل -.
ثم إِنَّ هذا الكلامَ الباطِلَ يَطعنُ في نبوةِ سليمانَ - صلى الله عليه وسلم - وعصمتِه وإِيمانه ، ويُصوِّرُهُ بصورةِ الذي يَرضى بالشِّرْكِ باللّه في بيته ، بل يَرضى أَنْ يَصنعَ الأَصنامَ لامرأتِه المشركة ، ويَدْعوها لعِبَادَتِها ، إِنَّ هذا لا يفعَلُه مسلمٌ عادي ، فكيفَ يفعلُه النبيُّ الملكُ القويُّ سليمانُ - صلى الله عليه وسلم - ؟!.
وما هو هذا الخاتمُ السحريُّ الذي كان يَحكمُ به سليمانُ الإِنسَ والجنّ ؟
وكيفَ يرضى اللّهُ أَنْ يُسْلَبَ سُليمانُ الملكَ ؟
وأَنْ يَحلَّ محلَّه شيطانٌ رجيم ؟
وكيفَ يَطَأُ ويُجامعُ هذا الشيطانُ الكافرُ أَزواجَ سليمانَ واحدةً واحدة ؟
وكيف ؟ وكيف ؟ و كيف ؟ ...
إِنَّنا نبرأُ إِلى اللّه من هذه الأُسطورةِ المكذوبة ، ونُبَرِّئُ سليمانَ - عليه السلام - منها!.
***
لماذا إنكار عذاب القبر ؟
يُنكرُ الفادي المفترِي عَذابَ القبر ، ويَعتبرُه مما لا يتفقُ مع العلم ، ومما يَتَناقَضُ مع العقل ، ويُخَطِّئُ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِه عنه.
وإِنَّ إِنكارَه عذابَ القبرِ لا يَتفقُ مع موضوعِ كتابِه ، الذي خَصَّصَه لانتقادِ القرآن ، وهو في هذا الموضوعِ يَنتقدُ حديثَ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - !.
ذَكَرَ قولَ اللّهِ - عز وجل - *قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *8*.
وذِكْرُه للآيةِ في معرضِ حديثِه عن عذابِ القبرِ دَليلُ جهْلِه ، فالآيةُ لا تتحدَّثُ عن عذابِ القبر ، وإِنما تتحدَّثُ عن الموت ، الذي لا بُدَّ أَنْ يُصيبَ الإِنسانَ مهما فَرَّ منه.
والآيةُ شبهُ الصريحةِ في عذابِ القبر هي قولُ اللّهِ - عز وجل - :
*وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ *45* النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ *46*.
وذكَرَ الحديثَ الذي رواهُ البخاريُّ عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ عجوزان من عجائزِ يهودِ المدينة ، فقالَتا : إِنَّ أَهلَ القُبورِ يُعَذَّبونَ في قبورِهم ، فكذَّبْتُهما ، فَخَرَجَتا..
ودَخَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقلْتُ له ما قلْتُ لهما ، وإِني لم أُصَدِّقْهما في ذلك ، فقال : " صَدَقَتا ، إِنهم يُعَذَّبون في قُبورِهم عذاباً تَسمعُه البهائمُ كلُّها.
فما رأيْتُه بعدَ ذلك في صلاةٍ إِلّا تعوَّذَ من عذابِ القبر ".
ثم ذَكَرَ حديثاً آخَرَ في تَعَوُّذِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - من العجزِ والكسلِ والجبنِ والبخلِ وعذابِ القبر ، وحَديثاً ثالثاً في سؤالِ الملَكَيْن لمن يوضَعُ في قبرِه.
وعَلَّقَ على تلك الأَحاديثِ الثلائة قائلاً : " ونحنُ نسأَل : إِذا كان الميتُ يَسمعُ ويتعذَّبُ في القبر ، فلماذا لا يَسمعُ عذابَ أَهلِ القبرِ إِلّا البهائم ؟
وإِذا كان أَهلُ المقابرِ الذين يَعترفونَ بنبوَّةِ محمدٍ يُعْفَوْنَ من العذاب ، فلماذا كان النبيُّ نفسُه دائماً يتعوَّذُ من عذابِ القبر ؟
لعلَّ خُرافةَ العجوزَيْن *اللتَيْن كذَّبَتْهما عائشة* تَعودُ إِلى أنهما سمعتا عن شخصٍ دُفِنَ بسرعةٍ بعدَ أَنْ ظَنّوه مات ، ولما أَفاقَ في القبرِ استغاث ، وليسَ مَنْ يُغيث ، فماتَ ، فخرجَتْ إِشاعَةُ أَنَّ أَهلَ القبورِ يُعَذَّبون!! ".
بهذا التفسيرِ الساذج ، الذي يدلُّ على الغَباء ، يُفَسِّرُ الفادي الجاهلُ عذابَ القبر : شابّ أُغْمِيَ عليه ، فظُنَّ أَنه مات ، فدُفِنَ في قبرِه ، وهناك استيقَظ ، فصاحَ وصَرَخَ واسْتَغاث ، وماتَ الموتَ الحقيقي..
ولما سمع الناسُ صُراخَه *ولا أدري كيفَ سمعوه* أَشاعوا إِشاعةَ عَذابِ القبر!!.
وكلامُ الفادي مردود ، ونحنُ نؤمنُ بأَنَّ عذابَ القبرِ حَقّ ، لأَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَخبرَ بذلك ، وإِذا صَحَّ الحديثُ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَجَبَ الأَخْذُ به ، والإِيمانُ بما وَرَدَ فيه.
***
حول ناقة صالح - عليه السلام -
لما بَعَثَ اللّهُ صالِحاً - عليه السلام - رسولاً إِلى قومِ ثَمودَ آتاهُ الناقةَ آية ، وطَلَبَ منهم أَنْ لا يَمَسّوها بسوء ، لكنَهم لم يَستجيبوا له ، ولما عَقَروها وَقَعَ بهم العَذاب..
قال تعالى : *وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *73*.
ولما أَرادَ الفادي أَنْ يتعرفَ على قصةِ الناقةِ ذَهَبَ إِلى المفسّرين المولَعين بذكْرِ التفاصيلِ المستمدَّةِ من الإِسرائيليات ، والتي لا دليلَ عليها من الكتابِ والسُّنَّة ، وأَخَذَ منهم تلك التفاصيل ، ثم رَدَّها وأَنكَرَها ، بحجَّةِ مخالفتِها للعلمِ والعَقْل ، وحَمَّلَها للقرآن ، وخَطَّأَه بسببها ، مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ بها!.
زَعَمَ هؤلاءِ أَنَّ قومَ ثمودَ طَلَبوا من صالحٍ - عليه السلام - آية ، فأَخْرَجَ لهم ناقَةً من الصَّخرة ، وأَخرجَ من الصخرةِ ابنَها ، فآمَنَ به بعضُهم وكَفَرَ به آخرون ، وكانت الناقةُ تُخيفُ أَنعامَهم ، وتَشربُ ماءَهم ، وهم في المقابلِ يَشْرَبون لَبَنَها ، فاتَّفَقوا على قَتْلِها واقتسام لَحْمها ، ولما قَتَلوها أَخْفَت الأَرضُ داخلَها ابنَها ، وبعدَ ثلاثةِ أَيام وَقَعَ بهم العذابُ ، وأَنْجى اللّهُ صالحاً - عليه السلام - إِلى فلسطين.
وعَلَّقَ الفادي على ذلكَ بقوله : " هل من المعقولِ أَنَّ الصخرةَ تَلِدُ ناقة ؟
وأَنَّ الناقةَ تَشربُ كُلَّ البئر ، وتُطعمُ كُلَّ المدينة ؟
وهل من المعقولِ أَنه عندما تتسبَّبُ الناقةُ في أَذِيَّة المدينة بَطرْدِ الأَنعامِ شِتاءً وصَيفاً ، فيذبَحُها الناس ، فيُهلكُ اللّهُ المدينةَ كُلَّها مقابلَ ذبْح نَاقة ؟
وهلْ من المعقولِ أَنْ تَسمعَ الصخرةُ رُغاءَ الفَصيل ، فتنشقَّ ويدخلَ فيها ، ويَعودَ جُزْءاً من الصخرة كما كان ؟
أَليسَ هذا أَشبهَ بحكاياتِ أَلْفِ لَيْلَةٍ ولَيْلَة ؟! " *1*.
الواجبُ علينا أَنْ نبقى مع حديثِ القرآنِ عن ناقةِ صالح - عليه السلام - ، لا سيما أَنه لا يوجَدُ حَديثٌ صحيحٌ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُفَصِّلُ ما أَجْملَه القرآنُ عنها ، ولا يجوزُ لنا أَنْ نَذهبَ إِلى الأَساطيرِ والرواياتِ غير الصحيحة ، كما فَعَلَ الفادي الجاهل!.
لم يَقُل القرآنُ : إِنَّ الناقةَ خرجَتْ من الصخرة ، وأَنَّ ابْنَها خَرَجَ منها بَعْدَها ، ولم يَقُل القرآن : إِنّ الناقةَ كانت تُلاحِقُ وتُطارِدُ أَنعامَ ثَمود ، ولم يَقُل القرآنُ : إِنَّ ابْنَها عادَ إِلى الصخرةِ بعدَ ذبْحِ أُمِّه ، ولم يُفَصل القرآنُ كيفيةَ ذبْحِ الناقة ، ولم يَقُل القرآنُ : إِنَّ وجوهَ قومِ ثمودَ اصْفَرَّتْ في اليومِ الأَوَّلِ بعدَ ذبْح الناقة ، واحمَرَّتْ في اليومِ الثاني ، واسْوَدَّتْ في اليومِ الثالث.
وبهذا تُصبحُ كلّ الأَسئلةِ الإِنكاريةِ التي أَثارَها الفادي لاغية ، لأَنَّها تُوَجَّهُ إِلى التفاصيلِ الأُسطورية ، ولا تُوَجَّهُ إِلى القرآن!.
كُلُّ ما قالَه القرآنُ : إِنَّ اللّهَ جَعَلَ الناقةَ آيةً لقومِ ثمود ، ولا نَعرفُ كيفَ كانَتْ آية ، وأَنهم لم يَلْتَزِموا بتحذيرِ صالحٍ لهم من ذَبْحها ، وأَنهم عُذِّبوا بعدَ ثَلاثةِ أَيامٍ من ذَبْحِها !!.
***
حول إهلاك قوم مدين
أَخبرَ اللّهُ عن قصةِ قومِ مَدْيَن مع نبيّهم شعيبٍ - عليه السلام - ، ووردَتْ قصتُهم في أَكثرَ من سورةٍ في القرآن.
__________
*1* لا وجه لما استبعده هذا الفاسق الفاجر ، فالكلام في عن معجزة أيد الله بها نبيه صالحاً - عليه السلام - وهي أمر خارق للعادة ، ومن ثَمَّ فلا وجه للاستبعاد ولا الإنكار إلا إذا تعارض مع نص الكتاب العزيز أو السنة المطهرة. والله أعلم.
وقد ذَكَرَ الفادي خمسَ عشرةَ آيةً تحدثَتْ عن قصةِ قومِ مَدْيَنَ في سورةِ
الشعراء [الشعراء : 176 - 190] ، ثم ذَكَرَ كلاماً مَنْسوباً لابنِ عباسٍ في كيفيةِ إِهلاكِ قومِ مدين ، خُلاصتُه أَنَّ اللهَ بَعَثَ عليهم حَرَّاً شديداً من جَهَنَّم ، بحيثُ لم ينفَعْهم ظِلّ ولا ماء ولا سِرْداب ، فَهَرَبوا إِلى البريَّة ، فأَرسلَ اللّهُ لهم سَحابَةً أَظَلَّتْهم ، فوجَدوا لها بَرْداً ونَسيماً ، ولما تَنادَوْا إِليها وصاروا تَحْتَها ، جَعَلَها اللّه عليهم ناراً فأَحرقَتْهم!.
وعَلَّقَ الفادي على ذلك بقولِه : " ونحنُ نسأل : لا نَجِدُ في الكتابِ المقَدَّسِ كلمةً عن رجلٍ اسْمُه شُعَيب ، أُرسلُ إِلى مَدْيَن ، ولا أَنَّ مَدْيَن هلكَت بالنّار ، وهل من المعقولِ أَنَّ سَحابة تَبعَثُ نَسيماً عَليلاً وهَواءً طيباً ، وهي نارٌ
حاميةٌ تَحرقُ المدُنَ فتُفْنيها ؟ ".
إِنّ الفادي المفترِي يُكَذِّبُ كلامَ القرآنِ عن نبوَّةِ شُعيبِ - عليه السلام - ، وعن إِهْلاكِ مَدْيَن ، لأَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ الذي يؤمنُ به لم يَذْكُرْ ذلك ، ونحنُ نؤمنُ بأَنَّ شُعَيباً - عليه السلام - هو رسولُ اللّهِ إِلى مَدْيَن ، وأَنهم لما كَذَّبوه أَهلكَهم اللّه ، لأَنَّ اللّهَ ذَكرَ ذلك في القرآن.
والخلافُ بَيْنَنا وبين الفادي في المرجعية ، إِنَّ مرجعيَّتَه هي ما يسمِّيه بالكتابِ المقَدَّس ، وهو يؤمنُ بكلِّ ما وَرَدَ فيه ، ويُكَذِّبُ كُلَّ ما لَم يَرِدْ فيه ، لأَنه عنده كلامُ اللّه! ونحنُ لا نُؤمنُ بذلك ، لأَنَّ اللّهَ أَخْبَرَنا أَنَّ اليهودَ حَرَّفوا التوراة ، وأَنَّ النصارى حَرَّفوا الإِنجيل ، فكَثيرٌ مما ذُكِرَ في أَسفارِ الكتاب المقَدَّس من كَلامِ الأحبارِ والرُّهبان المشكوكِ فيها!.
ومرجعيتُنا نحنُ هي القرآن ، لأَنه كلامُ اللّه ، وكلُّ ما وردَ فيه نؤمنُ به ونصَدِّقُه ، ولكنَّه يُنكرُ أَنْ يكونَ القرآنُ من عندِ اللّه ، ولذلك يُكَذِّبُ ما وَرَدَ فيه!.
نحنُ نؤمنُ أَنَّ اللّهَ بَعَثَ شُعَيْباً - عليه السلام - نبيّاً رسولاً إِلى قومِ مَدْيَن ، وأَنَّ معظمَهم كَذَّبوه وكَفَروا به ، فعذَّبَهم اللّهُ بالرجفةِ والظُّلَّةِ فأَهلَكَهم وقَضى عليهم.
ولا دليلَ على ما ذَكَرَهُ الفادي من تَفْصيل عَذابِهم بالحَرّ ، ولم يَصِحَّ هذا الكلامُ إِلى ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - ، ولذلك نحنُ لا نَقولُ به ونَرُدُّه ، فلم يَبعثْ لأَهْلِ مَدْيَنَ سَحابةً منعشةً فوقَهم ، نسيمُها طَيِّبٌ وظِلُّها لطيف ، فلما تجمعوا تَحتَها تَحَوَّلَ ذلك النَّسيمُ إِلى لهب وتَحَوَّلَت السحابةُ إِلى نارٍ حارقة! لا نَقولُ بذلك لأنه لم يُذْكَرْ في القرآنِ الكريم ، ولا في حديثِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
ثم مَنْ قالَ : إِنَّ اللّهَ عَذبَ قومَ مَدْيَن بالظُّلَّةِ *السحابةِ الباردة* ، فلما تَجَمَّعوا تَحْتَها حَوَّلَها اللّهُ إلى نارٍ حارقة ؟!.
لقد أَخبرَ اللّهُ أنه أَهلكَ قَوْمَ مدينَ بالرَّجفَةِ والصيْحةِ والظُّلَّةِ :
قالَ تعالى : *فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ *91*.
والرَّجْفَةُ هي حركةُ الأَرضِ من تحتِهم ، حيثُ زُلزلتْ ورَجفتْ وتَحركتْ واضْطربتْ.
وقال تعالى : *وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ *94*.
والصيحةُ هي الصوتُ العالي المدَوّي ، الناتجُ عن زلزالٍ أَو انفجارٍ هائل.
وقال تعالى : *فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *189*.
والظُّلَّةُ هي السَّحابة ، وكانت تلك السحابةُ سحابةً بركانيةً حارقة ، وليستْ باردةً أَو منعشة.
وقد يَتهمُ بعضُهم القرآنَ بالتناقضِ في حديثهِ عن إِهلاكِ قومِ مَدْيَن ، فسورةُ الشعراءِ تُخبرُ أَنَّ إِهْلاكَهم كانَ بالظُّلَّة ، وسورةُ الأَعرافِ تُخبرُ أَنَّ إِهلاكَهم كانَ بالرجفة ، وسورةُ هودٍ تُخبرُ أَنَ إِهلاكَهم كان بالصيحةِ! فبماذا
كان إِهلاكُهم ؟
ولماذا تَناقضت السُّوَرُ الثلاثُ في حديثِها عن إِهلاكِهم ؟.
وعند تدبُّرِ الآيات ِ في السورِ الثلاث ، المتحدثةِ عن إِهلاكِهم ، فإِننا لا نَجدُ فيها تَعارضاً أَو تَناقضاً ، إِنما نَجِدُ فيها تَكامُلاً في الإِخبارِ عن ما جَرى.
لقد كان إِهلاكُهم على ثَلاثِ.
مراحلَ مُتدرّجةٍ مُتَعاقبة ، وتحدثَتْ كُلُّ سورةٍ عن مرحلةٍ منها ، ولا بُدَّ من جَمْعِ المراحلِ والخطواتِ الثلاث :
المرحلةُ الأُولى : في سورةِ الأَعراف..
حيثُ أَخبرتْ أَنهم أُهْلِكوا بالرَّجْفَة ، وهي الزلزلة ، حيث زَلْزَل اللّهُ الأَرضَ من تحتِهم ، فَرَجَفَتْ وتحركَتْ واضطربَتْ وانشَقَّتْ.
المرحلةُ الثانية : في سورة هود..
حيثُ أَخبرتْ أَنهم أُهلكوا بالصيحة ، وهي الصوتُ المدَوِّي العالي ، الذي يَصُمُّ الآذان من شدَّتِهِ وعُلُوِّه ، وهذه الصيحةُ ناتجةٌ عن الرجفةِ والزلزلة ، فلما انشَقَّتِ الأَرض ، حَدَثَ انفجارٌ بركانيٌّ كبير مُدَوٍّ ، وسَمعوا صوتَ ذلك الانفجارِ ، فأُصيبوا بالفَزَع والهَلَع!!.
المرحلة الثالثة : في سورةِ الشعراء..
حيثُ أَخبرتْ أَنهم أهلكوا بالظُّلَّة ، وهي السحابةُ التي أَظَلَّتْهم ، وهي ليستْ سحابةً عاديةً كباقي السُّحُب ، ولكنها سحابَةٌ بركانيةٌ نارية حارقة ، وهذه السحابةُ ناتجةٌ عن ذلك الانفجارِ البركانيِّ الضخْم ، الذي قَضى عليهم.
فالرجفةُ في الأَرض ، أَحْدَثَتْ صيحةً مُدَوّيَةً ، ونتجَ عنها ظُلَّة نارية حارقة.
أَين هذا من الأَساطيرِ التي يذكُرُها الفادي ، ثم يَنسبُها للقرآنِ ، ويُخَطِّئُهُ بسببِها ؟!.
***
كيف مُسخ اليهود قردة ؟
ذَكَرَ القرآنُ قصةَ أَصحابِ القريةِ من اليهود ، الذين اعْتَدَوْا في السَّبتَ ، وخالَفوا حُكْمَ اللّهِ في تحريمِ صيدِ السَّمَكِ يومَ السَّبْتَ ، ولم يَستَمِعوا لنُصْحِ إِخْوانِهم ، الملْتَزِمينَ بحكمِ اللّه ، فأَوقعَ اللّهُ بهم العِقاب ، وأَنجى إِخوانَهم الملْتَزِمين الناصحين!.
وكانَ عِقابُهم اَيةً من آياتِ اللّه ، حيثُ مَسَخهم اللّهُ قردةً خاسِئين " قال تعالى : *فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ *165* فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ *166*.
ونَقَلَ الفادي الجاهلُ من تفسيرِ البيضاويِّ كَلاماً في تفسيرِ مَسْخِهم قردَةً ، ثم عَلَّقَ على ذلك مُنْكِراً حُصولَه ، لأَنه يتعارضُ مع العقلِ والعلمِ الحديثِ.
قال : " ونحنُ نسأل : هل من المعقولِ أَنْ نُقابِلَ إِنْساناً مُسِخَ قِرْداً أَو خِنزيراً ؟
أَلا تُعَلِّمُنا الطبيعةُ أَنَّ كُلَّ شيءٍ يُبْذَرُ بِذْراً كجنْسِه ؟
أَليسَ مَنْ يَقولُ : إِنَّ القمحَ صارَ شعيراً ، وإِنَّ العِنَبَ صارَ تيناً ، كمنْ يَقولُ : إِنَّ الإِنسانَ صارَ قِرداً أَو خِنزيراً ؟ ".
وللرَّدِّ على استغرابِ الفادي وإِنكارِه نَقول : ذَهَبَ بعضُ المفَسِّرين إِلى أَنَّ مَسْخَ اليهود قِرَدَة ، لم يَكُنْ مسخاً حقيقيّاً ، أَيْ لم يَتَحَوَّلوا من بَشَرٍ إِلى قُرود ، وِإنما مُسخَتْ أَرواحُهم وقُلوبُهم ، بمعنى أَنهم تَخَلّوا عن فطرتِهم الإِنسانية ، ومشاعِرِهم واهتماماتِهم العالية ، وصارُوا كالقُرودِ في الاكتفاءِ بالطعامِ والشَراب.
وممن قالَ بهذا القولِ المفسّرُ التابعي مجاهدُ بنُ جَبْر.
ولَسْنا مع الإِمام مجاهدٍ في قولِه بالمسْخ المعنويّ ، ونحنُ مع جمهورِ المفسّرين في أَنَ المسخَ كانَ مَسْخاً حقيقيّاً ، بحيثُ حَوَّلَهم اللهُ من بَشَر آدَميّين إِلى قُرود ، عقاباً لهم على عُدوانِهم في السبت.
والراجحُ أَنُ هؤلاء القُرودَ لم يُعَمِّروا طويلاً ، وإِنما تُوُفُّوا بعدَ المسخِ مباشرة ، فالقرودُ الموجودةُ هي حيواناتٌ حقيقية ، وليستْ يَهوداً مُتحوِّلينَ إِلى قرود.
واعتراضُ الفادي على هذا المسخ دَليلُ جَهْلِه وغَبائِه ، وتَساؤُلُه في غيرِ مَحَلّه ، والمثالُ الذي ذَكَرَهُ هنا لا يَنطبقُ على المَسخ ، لأَنَّ القمحَ لا يَصيرُ شَعيراً ، والعنبَ لا يَصيرُ تيناً ، في الوضع الطبيعي ، لأَنَّ القمحَ قمحٌ ، والشَّعيرَ شعيرٌ..
لكن لو أَرادَ اللّهُ أَنْ يَجعَل القمح شعيراً فَعَل ، فلا رادَّ لمشيئته.
والإِنسانُ لا يَصيرُ قِرْداً في الوضع الطبيعي ، لأَنَّ الإِنسانَ إِنْسان ، والقِردَ قِرْد ، واليهودُ سكانُ تلك القريةِ لم يَكونوا أَصلاً قُروداً ، ولم يَصيروا قُروداً برغبتِهم واختيارِهم وإِرادتِهم.
إِنَّ اللّهَ هو الذي مَسَخَهم قُروداً ، وحَوَّلَهم من بَشَرٍ إِلى قُرود ، ومَنْ نَظَر إِليهم رآهُم قُروداً ، وكان هذا المسخُ والتحويلُ خارقةً من الخوارق ، وآيةً من آياتِ اللّه ، ولذلك لا يَدْعو الأَمْرُ إِلى الاستغرابِ والإنكار والاعتراض ، ومرجعيّتنا هي القرآنُ الكريم ، وكلُّ ما وردَ فيه نؤمنُ به ، ونصَدقُه ، وبما أَنَّ اللّهَ قالَ لأولئك القومِ : كُونوا قردةً خاسئين ، فقد صاروا قردةً خاسئين ، لأَنَّ اللّهَ يَقول : *إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *82*.
***
حول عالم الجن
للفادي المفترِي موقفٌ خاص من الجنّ ، فهو يَرفضُ وُجودَ هذا العالَم الخَاصّ ، الذي أَخبرَ عنه القرآن ، ولذلك هو يُخَظَئُ القرآنَ في كلامِه عنه..
وقد سَجَّلَ الفادي آياتٍ من سبعِ سورٍ تتحدَّثَ عن الجن : سورةُ الحجر : 27 ، وسورةُ هود : 119 ، وسورةُ ا لأَحقاف : 29 - 30 ، وسورةُ الذاريات : 56 ، وسورةُ الجن : 1 - 17 ، وسورةُ سبأ : 12 - 13 ، وسورة النمل : 17 و 38 - 39.
وقالَ بعدَ تلك الآيات : "يُخبرُ القرآنُ بوجودِ خليقةٍ غيرِ الشياطينِ اسْمُها الجنُّ والعَفاريت ، مخلوقونَ من نارِ جهنّم ، وهم يأكُلونَ ويَشربون ، ويتزوَّجون ، ويَحيون ويَموتون ، ومنهم المسلمونَ الذينَ كانوا يزدَحِمون حول محمدٍ عندَ قراءَتِه القرآن ، وأَنهم كانوا مُسَخَّرين من سليمانَ لبناءِ الهيكل والقصور والتماثيل وغير ذلك ". وقد أَخطأَ الفادي عندما قالَ عن المادَّةِ التي خَلَق اللّهُ منها الجنّ ، حيثُ قال : " وهم مخلوقونَ من نارِ جَهَنَّمَ " ! وكأَنه لا نارَ إِلّا نارُ جهنَّم!!.
خَلَقَ اللّهُ الجنَّ من نارِ السَّموم ، لقوله تعالى : *وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ *27*.
ولكنَّ هذه النارَ الحارةَ الحاميةَ نارٌ في الدُّنيا ، وليستْ نارَ جَهَنَّمَ..
وكأَنَّ الفادي الجاهلَ لا يَرى إِلّا نارَ جَهَنَّمَ!! إِنهما ناران : نارُ
الدنيا المعروفَة..
ونارُ جَهَنَّمَ التي أَعَدَّها اللّهُ للكافرين.
والنارُ التي خَلَقَ اللّهُ منها الجنَّ هي نارُ الدنيا.
وعَلَّقَ على ذلك بأَسئلتِه التشكيكيةِ التي أَثارَها : " ونحنُ نسأل : إِن كانت العفاريتُ مخلوقةً من نار ، وهي روحانيةٌ تَصْعَدُ وتَنزل ، وتخترقُ جميعَ الأَماكن ، فكيفَ تتزوَّجُ ؟ وكيفَ تموت ؟ ".
إِنه يريدُ أَنْ يَقيسَ عالَمَ الجنِّ على عالَمِ الإِنس ، فعالَمُ الإِنسِ عالَمٌ مادِّيّ مشاهَدٌ محسوس ، يأكلُ ويَشرب ، ويَتزوجُ ويَعملُ ويَتحرك..
لكنَّ عالَمَ الجنِّ عالمٌ آخَرُ خاصٌّ ، وهو عالمٌ غيبيّ ، له مقاييسُه الغيبيةُ الخاصَّة ، التي لا تُقاسُ على مقاييسِ عالَمِ الإِنسِ الماديّ.
وطريقُنا إِلى معرفةِ عالمِ الجنِّ الغيبيِّ هي النَّصّ ، القائمُ على آياتِ القرآن ، وما صَحَّ من حديثِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، فما قالَه اللّهُ عن عالَمِ الجنِّ يَجبُ قبولُه وأَخْذُهُ والإيمانُ به.
وللإِجابةِ على تَساؤُلاتِ الفادي الجاهلِ نَقول : خَلَقَ اللّهُ الجِنَّ من مارجٍ من نار ، وهم ذُكورٌ وإِناث ، ولذلك يَتَزوَّجون ويَتَناسَلونَ ويَتكاثرون ، وهم يَأكلونَ ويَشربون ، ويَصْعَدون ويْنزِلون ، ويَعْمَلون ، ويَتحركون ، ويعيشونَ ويموتون..
ومنهم المؤمنودن الصالحون ، ومنهم الكافرون المجرمون ، وهم مُكَلَّفونَ مِثْلَنا بكلّ تكاليفِ الإِسلام ، فمنهم مَنْ يُطيعُ ويُنفِّذُ ، ومنهم مَنْ يَعصي ويُخالف..
وليس في الإِيمانِ بِالجنِّ ما يُخالِفُ العلمَ ، أَو يتناقَضُ مع العقل!.
حول التداوي بالعسل
أَخبرَ اللّهُ أَنَّ في العسل شِفاءً للناس ، قال تعالى : *وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ *68* ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *69*.
واعترضَ الفادي المفترِي على الآية ، وعلى حديت لرسول اللّهِ - عليه السلام - بشأنِ العَسَل.
وارتكبَ المجرمُ أَثَناءَ اعتراضِه جريمةَ التحرِيفِ والافتراء ، فلما ذَكَرَ حديثَ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يذكُرْه كامِلاً ، وإِنما اجتزأ منه ما وَظَّفَهُ ضدَّ القرآن ، وحَذَفَ منه ما لا يَتفقُ مع ذلك ، وأَوهم القارئَ أَنه لم يَحذفْ منه شيئاً.
قال : " عن قتادةَ : أَنَّ رَجُلاً جاءَ إِلى رسول اللّهِ - عليه السلام - فقال : إِنَّ أَخي يَشتكي بَطْنَه.
فقال : اسْقِهِ العسل ، فَذَهَبَ ثم رجعَ ، فقال : قد سقَيْتُه فما نَفَعَ ، فقال : اذْهَبْ واسْقِه عَسَلاً ، فقد صَدَقَ اللّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك ".
وعَلَّقَ على الحادثةِ مُكَذِّباً القرآن ، ومكَذِّباً رسول اللّهِ - عليه السلام - فقال : " ونحنُ نسأَل : إِذا كانَ المريضُ لم يَنَل الشِّفاء ، فكيفَ يُصَدَّق اللّهُ ويُكَذَّبُ بَطْنُه ؟
وهل هذا الرَّدُّ يُبَيِّنُ صِدْقَ محمد ؟
أَمْ صِدْقَ تَأْثيرِ العَسَل ؟ ".
يُريدُ المفترِي أَنْ يُخبِرَنا أَنَّ الرجلَ لم يتمَّ شِفاء بَطنِه ، رغمَ أَنه شرِبَ العَسَلَ مرتَيْن ، وهذا معناهُ أَنَّ العسلَ ليس فيه شفاءٌ للناس كما ذَكَر القرآن!
ولذلك كان تَعليقُ المفترِي على الحديثِ خَبيثاً ، فبما أَنَّ المريضَ لم يَنَل الشّفاء ، فكيفَ يُصَدَّقُ اللّهُ وتُكَذَّبُ بَطْنُ أَخيه ؟.
فهل بقيَ بَطْنُ المريضِ بدونِ شِفاء ؟
أَمْ شفي بعدَ شُرْبِ العَسَلِ ؟
لِنَنْظُر : روى البخاري ومسلم عن أَبي سعيدٍ الخدريِّ - رضي الله عنه - : أَنَّ رَجُلاً أَتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال : أَخي يَشْتَكي بَطْنَه.
فقال : " اسْقِه عَسَلاً! ثم أَتاهُ الثانية ، فقال : اسْقِهِ عَسَلاً ، ثم أَتاهُ الثالثة ، فقال : اسْقِهِ عَسَلاً.
ثم أَتاهُ ، فقال : قد فَعَلْت!
فقال : صَدَقَ اللّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أَخيك.
اسْقِه عَسَلاً..
فسَقاهُ فَبَرَأ ".
أُصيبَ ذلك الرجلُ بمرَضٍ في بطْنهِ ، حيثُ أُصيبَ بالإِسهال - *استطلَقَ بطْنُه* في روايةٍ ثانيةٍ للحديث - ومعلومٌ أَنَّ المصابَ بالإِسهال يُمْنَعُ عنه الشَرابُ الحُلْو ، والعَسَلُ شَرابٌ حلو.
فلما ذَكَرَ أَخو الرجلِ الأَمْرَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، طَلَبَ منه أَنْ يَسقيَه عَسَلاً ، على اعتبارِ أَنَّ في العسلِ شِفاءً ، ولكنَّ إِسهالَ الرجلِ ازداد ، فأَمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُسقى عَسلاً للمرةِ الثانية ، ثم للمرةِ الثالثة ، ولكنَّ الإِسهَال لم يتوقَفْ بل ازداد.
فأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُسقى عَسَلاً للمرةِ الرابعة ، وقال للرجل : صَدَقَ اللّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أَخيك!..
فلما أُسقيَ العسلَ للمرةِ الرابعة بَرأَ!!.
وكأَنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يُريدُ أَنْ يَقول للرجل : لقد أَخبرَ اللّهُ أَنَّ في العسلِ شِفَاءً للناس ، وهو صادِقٌ في إِخبارِه ، وبَطْنُ أَخيك كاذب ، لأَنه لم يَشْفَ بعدَ شُرْبِ العسلِ ثَلاثَ مَرّات ، ولا بُدَّ أَنْ يَشفى! ولعلَّ السببَ في أَنَّه لم يَشْفَ إِلّا في المرةِ الرابعةِ أَنَّ الميكروباتِ المسبِّبَةَ للإِسهال كانت متمكِّنَةً من بَطْنِه ، فاحتيجَ إِلى جرعاتٍ كثيرةٍ من العسل للقَضَاءِ عليها.
وتُعْجِبُكَ الثقةُ المطلقةُ من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن ، بحيثُ أَيْقَنَ يَقيناً جازماً أَنَّ العسلَ لا بُدَّ أَنْ يشفيَ للرجلِ بَطْنَه بإِذْنِ اللّه ، وبما أَنَّ بَطْنَه لم يتجاوَبْ مع العسل فهو كاذب! وقد بَرَأَ الرجلُ بعدَ ذلك ، لما قضى العسلُ على المسبِّبِ للإِسْهال.
ونحنُ نَقْتَدي برسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - في تصديقِنا المطلَقِ بالقرآن ، فنقول : صَدَقَ اللّهُ وكَذَبَ الفادي المفتري! ففي العَسَلِ شِفاءٌ للناس.
وبقيَ أَنْ نُشيرَ إِلى أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ : إِنَّ العسلَ شفاءٌ لكلِّ الأَمراض ، إِنما ذَكرَ أَنه شِفاءٌ لبَعْضِ الأَمراض : *فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ* ، ولو كانَ العسلُ شِفاءً لكُلِّ الأَمراضِ لقال : " هو الشِّفاءُ للناس " ! *1*.
__________
*1* من الأمراض ما يحتاج إلى تكرار الدواء - حسب حالة المريض - وليقرأ هذا الفاسق الكذوب الأبحاث العلمية المتعلقة بعسل النحل.
أين شهود الإسراء والمعراج ؟
وَقَفَ الفادي المفترِي أَمامَ قولِ اللّهِ وَبَئ : *سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ*.
ونَقَلَ من تفسيرِ البيضاويِّ خُلاصَةَ حادثةِ الإِسراءِ برسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - من المسجدِ الحرامِ في مكةَ إِلى المسجدِ الأَقصى في بيت المقدس ، ثم عروجِه إِلى السمواتِ العُلى ، ثم عودَتِه إِلى مكة ، واستغرابِ المشركين الحادثة ، وتصديقِ المؤمنين بها.
وعَلَّقَ على ذلك بقولِه : " ونحنُ نسأل : مَنْ هم شُهودُ معجزةِ الإِسراءِ
المحمدية ؟
إِنَّ من شروطِ المعجزةِ أَنْ تكونَ أَمامَ شُهود ، وأَنْ تَكونَ ذاتَ فائدة ، وهذا ما لا يتوفَّرُ للإِسراءِ والمعراج ، كما أَنَّ المسجدَ الأَقصى لم يكنْ مَوْجوداً زمنَ محمد ، بل بُنِيَ بعدَ موتِه بنحوِ مئةِ سنةِ ، فكيفَ صَلّى فيه وَوَصَفَ أَبوابَه ونوافذَه ؟! ".
يُكَذِّبُ المفترِي الحادثة ، ويُنْكِرُ وُقوعَها ، ويُخَطِّئُ القرآنَ في حديثهِ عنها ، - لأَنَّها تَتَعارَضُ مع العقلِ والعلمِ في زَعْمِه ، إِذ كيفَ يَنتقلُ إِنسان قبلَ خمسةَ عشرَ قَرْناً من مكةَ إِلى القُدس ، بدونِ وسيلةِ نَقْل ، ثم يَصعَدُ إِلى السماء ، ثم يَعودُ إِلى مكة ، في جزءٍ من الليل ؟.
ونقولُ له : نَعَمْ. الأَمْرُ مُستحيل! أَنْ يَنتقلَ شخص من مكةَ إِلى القدس ، ثم يَصعَدَ إِلى السماء السابعة ، ثم يهبطَ من السماءِ السابعةِ إِلى القُدس ، ثم يعودَ إِلى مكة ، بدونِ وسيلةِ نَقْل!! ولو زَعَمَ أَحَدٌ أنه فعلَ ذلك بنفسِه لحكَمْنا عليه بالكذب!.
والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - لم يَدَّعِ ذلك ، والقرآنُ لم ينسبْ ذلك لرسولِ - صلى الله عليه وسلم -.
فإِذا كانَ الحَدَثُ قد تَمَّ بأَمْرِ اللّه ، القادرِ على كُلِّ شيء ، فليس فيه ما يَدْعو إِلى الاستغراب أَو الاعتراضِ أَو التكذيب ، لأَنَّ اللهَ فَعّالٌ لما يُريد ، ولا يُعجزُه شيءٌ في الأَرضِ ولا في السماء.
أَسندَ القرآنُ الحادثةَ إِلى اللّهِ سبحانَهُ : *سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ... * ، فاللّهُ هو الذي أَسْرى بعبدِه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، ثم عَرَجَ به إِلى السماء ، ثم أَعادَهُ إِلى مكة ، ولا يُسْتَبْعَدُ صدورُ ذلك الحدَثِ عن اللّهِ العليِّ العظيم.
وإِنكارُ الفادي المفترِي للحَدَث ، تكذيبٌ منه للّهِ وللرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وللقرآن ، وهذا كُفْرٌ منه باللّه - عز وجل -.
أَمّا نحنُ فإننا نؤمنُ أَنَّ الحَدَثَ وَقَع ، كما أَخْبَرَ اللّهُ عنه.
ومن أَدِلَّةِ الفادي على عَدَمِ وُقوعِ حادثةِ الإِسراءِ والمعراج عَدَمُ وُجودِ شُهود ، شاهَدوا الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - عندَ إِسرائِه ومِعْراجِه ، ومن شروطِ المعجزةِ عندَه حتى يُؤْخَذَ بها أَنْ يشاهدها الناسُ ويَشْهَدوا عليها!.
ولا أَدري من أَيْنَ جاءَ المفترِي بهذا الشَّرْط! فهناكَ مُعجزاتٌ شاهدَهَا أُناس ، وهناك معجزات لم يُشاهِدْها أَحَد.
إِنَّ نُزولَ جبريلَ بالوحي على أَيّ رسولٍ من رسلِ اللّهِ معجزةٌ شخصية ، لم يُشاهِدْها أَحَد ، ومع ذلك آمَنَ بها المؤمن!.
ويكفي لثُبوتِ المعجزةِ عندنا ذِكْرُها في القرآن ، أَو فيما صَحَّ من حديثِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
فصحةُ النقل عندَنا هي شرطُ المعجزة ، وبما أَنَّ معجزةَ الإسراءِ والمعرَاجِ مذكورةٌ في القرآنِ والسنة فنُثبتُ وُقوعَها ونَجزمُ بذلك.
وخَطَّأَ المفترِي القرآنَ في ذِكرِه المسجدَ الأَقصى : *أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا ... *.
فكيفَ يجعلُه مَسْجِداً ولم يكنْ له وجودٌ ليلةَ الإِسراء ، وكيفَ يكونُ رسولُ - صلى الله عليه وسلم - قد صَلّى فيه ، ورأى أَبوابَه ولم يَكُنْ مَبْنِيّاً ، لأَنه بُنِيَ في خلافةِ الوليدِ بنِ عبدِ الملك ؟.
وتَخطئَتُه دَليلُ جهْلِه فلم يكنْ بِناءُ المسجدِ الأَقصى زمنَ الوليدِ بنِ عبدِ الملك ، وإِنما كانَ بناؤُه قبلَ الإِسلامِ بمئاتِ السّنين.
الراجحُ أَنَّ الذي بَنى المسجدَ الأَقصى هو إِبراهيمُ - عليه السلام - ، وقد أَخْبَرَنا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ أَوَّلَ مسجدٍ بُنِيَ هو المسجدُ الحرام ، وأَنّ الثاني هو المسجدُ الأَقصى..
روى مسلم عن أَبي ذَر الغفاريِّ - رضي الله عنه - قال : قلْتُ : يا رسولَ اللّه!
أَيُّ المساجِدِ بُنِيَ أَوَّلاً ؟
قال : " المسجدُ الحرام ".
قلت : ثم أَيّ ؟
قال : " المسجدُ الأَقصى ".
قلتُ : كم بَيْنَهما ؟
قال : " أَربعونَ سَنَة! ".
وأَوَّلُ مَنْ بنى المسجدَ الحرامَ هو إِبراهيمُ وابنُه إِسماعيلُ - عليهما السلام -.
قال تعالى : *وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ*.
فإذا كانَ إِبراهيمُ هو باني المسجدِ الحرامِ يكونُ هو الذي بنى المسجدَ الأَقصى بعدَ ذلك بِأَربعينَ سَنَة!.
وقد عَدَت العوادي على المسجدِ الأَقصى بعدَ ذلك ، وتَأَثَّرَ بالأَحداث ، فَهُدِمَ ، ثم أُعيدَ بِناؤُه ، ثم هُدِمَ ، ثم أُعيدَ بِناؤُه ...
ومن الذين أَعادوا بناءَه بعدَ ذلك النبيُّ الملكُ سليمانُ بنُ داود عليهما الصلاة والسلام ، حيث جَدَّدَ بناءَ المسجدِ الأَقْصى ، ولم يَبْنِ الهيكلَ المزعوم ، الذي يزعُمُه اليهود.
فلما أُسريَ برسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان المسجدُ الأَقصى مُتَهَدِّماً ، ولكنْ كانَتْ بعضُ معالِمه وأَطلالِه موجودة ، فالأَرضُ هي أَرضُ المسجِد ، وبعضُ حجارتِه مُتَناثرَة عليها ، وبعضُ جدرانِه وأَعمدتِه موجودة ، وبعضُ أَبوابِه موجودة ، ولكنَّ البناءَ مُتَهَدِّم..
ولما نَزَلَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن "البُرَاقِ " - الدابَّةِ التي ركبَها في الإِسراء - رَبَطَهُ في حلقةِ بابِ المسجدِ الأَقصى ، حيث كانَ الأَنبياءُ يَربطونَ دوابَّهم ، وصَلَّى في المسجدِ بالأَنبياء ، الذين جَمَعَهم اللّهُ له.
وعند الفتحِ الإِسلاميِّ لبيتِ المقْدِس كانت أَطلالُ المسجدِ قائمة ، ولما دَخَلَ عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - القدسَ وَقَفَ على أَطلالِ المسجدِ وصارَ يُنَظِّفُه..
ثم بنى الخليفةُ الأَمويّ الوليدُ بنُ عبدِ الملك المسجدَ الأَقصى.
أَوْ قُلْ : جَدَّدَ بناءَ المسجدِ الأَقصى الذي بَناهُ إِبراهيمُ - عليه السلام - من قبل.
حول مهمة الهدهد زمن سليمان - عليه السلام -
تَحدثَتْ آياتُ سورةِ النملِ عن قصةِ سليمانَ - عليه السلام - ، وأَخبرتْ أَنه وَرِثَ أَباهُ داودَ - عليه السلام - في النبوَّةِ والملك ، وأَنَّ اللّهَ عَلَّمَهُ منطقَ الإِنسِ والجِنِّ والطيرِ والحَشَرات ، وكانَ جنودُه من الإِنسِ والجِنِّ والطير ، فَسارَ بهم يوماً حتى أَتَوْا على وادي النَّمل ، وسمعَ سليمانُ - عليه السلام - نملةً تنصحُ باقي النملِ ، أَنْ يَدخُلوا مساكنَهم تحتَ الأَرض ، لئلا يَحطمَهم جنودُ سليمانَ وهم لا يَشْعُرون!
ولما سمعَها سليمانُ - عليه السلام - تَبَسَّمَ ضاحِكاً من قولها..
ثم تفقدَ الطيرَ في جيشِه ، فلم يَجد الهدهدَ ، فهدَّدَه بالعذابِ إِنْ لم يُبَرّرْ غيابَه ، ولما عادَ الهدهدُ أَخبرَ سليمانَ - عليه السلام - عن مملكةِ سبأ وملكتِها وعرشِها ، وإِشراكِ أَهْلها باللّه ، فأَرسلَ سليمانُ معه رسالةً إِلى ملكةِ سَبَأ ، يطلبُ منها الإِيمانَ بِه ، والإِسلامَ معه للّهِ ربِّ العالَمين ، ولما استشارت الملكةُ قومَها ، ووكلوا الأَمْرَ إِليها ، قَرَّرَتْ أَنْ تُرسلَ هديةً رشوةً لسليمان ، ولما وصلتْ إِليه ردَّها وهَدَّدَ القومَ بغزوِ بلادهم ، وطلبَ من رجالِ حاشِيتِه أَن يُحْضِروا له عرش ملكةِ سبأ ، فعرضَ عفريت من الجنِّ أَنْ يأتيَ بالعرشِ قبلَ أَنْ يقَومَ سليمانُ من مقامِه ، وعَرَضَ الذي عنْدَه علم من الكتابِ أَنْ يأتيَ بالعرشِ قبل أَنْ ترمش عينُه ، وما هي إِلّا لحظةٌ حتى رأى سليمانُ - عليه السلام - عرش ملكةِ سبأ أَمامَه ، فحمدَ اللّهَ على ذلك.
ولما توجَّهتْ ملكةُ سبأ إِلى سليمانَ طلبَ أَنْ يُنَكِّروا لها عَرْشَها ، ولما رأَتْه سُئلَتْ : أَهكذا عرشُكِ ؟
قالتْ : كأَنَّه هو.
وأَعَدَّ سليمانُ - عليه السلام - لها مفاجأةً أُخرى ، حيث جعلَ لها بركةَ ماءٍ مغطاةً بالزُّجاج ، ولما طُلِبَ منها اجتيازُ البركةِ حَسِبَتْها لجةَ ماء ،
فكشفَتْ عن ساقَيْها فقيل لها : إِنّه صَرْحٌ من زجاج!!
عند ذلك اعترفَتْ لسليمانَ بالنصرِ والقوة ، وقالَتْ : رَبّ إِنّي ظلمْتُ نفسي وأَسْلَمْتُ مع سليمانَ للّهِ ربِ العالمين.
وتحدثَتْ عن قصةِ سليمانَ - عليه السلام - مع النملةِ والهدهدِ وملكةِ سبأ آياتُ سورةِ النمل : *15 - 44*.
واعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ في إخباره عن ذلك ، واعتبرَه يَتعارضُ مع العقل.
قال : " ونحنُ نسأَل : كيفَ يتصوَّرُ عاقلٌ أَنْ تكونَ حاشيةُ سليمانَ الملك من الجنِّ والطُّيور ؟
وكيفَ يكونُ الهدهدُ أَكثرَ حكمةً وعلماً ، ويتحدّى سليمانَ قَائلاً : أَحطتُ بما لم تُحِطْ به ، وجئْتُكَ من سبأ بنبأ عظيم ؟
وكيفَ يهجو الهدهدُ عِبادَةَ الأَوثانِ ويمتدحُ الوحدانية ؟
وكيفَ يقوم الهدهدُ بدوْرِ المراسلة ؟
وكيفَ يتصرفُ الهدهدُ في مملكة سليمان تَصَرُّفاً يفوقُ تَصرُّفَ الملوكِ والوزراءِ والفلاسفة ؟ ".
زعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ جَعَلَ حاشيةَ سليمانَ - عليه السلام - مكوَّنَةً من الجنّ والطيور ، واعتبرَ هذا كلاماً لا يُصدِّقُه عاقل! وهو بهذا يُكذِّبُ قولَ اللّه - عز وجل - : *وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ *17*.
ولم يَجعل القرآنُ حاشيةَ سليمانَ من الجِنّ والطيورِ فقط ، والكلامُ في الآيةِ عن جَيْشِ سليمان ، حيثُ كانَ مُكَوَّناً من " الجِنِّ والإِنْسِ والطير ".
ولا غَرابَةَ في هذا ، فاللّهُ أَخْضَعَ له الجنّ ، وجَعَلَهم يُنَفّذونَ أَمْرَه ، واللّهُ عَلَّمَه لُغَةَ الجنِّ والطيرِ! فالأمْرُ أَمْرُ اللّه ، وليس على اللّهِ شيءٌ غريب ، فهو الفَعّالُ لما يريدُ ، سبحانه.
وحَديثُ القرآنِ عن الهدهد لا يَدْعو للاستغراب ، وليسَ فيه ما يتناقَضُ مع العلمِ والعقل ، وأسئلةُ المفترِي حولَه مردودَةٌ عليه!
فالهدهدُ طائرٌ من خَلْقِ اللّه ، مؤمنٌ باللّه ، مُسَبِّحٌ بحمدِ اللّه ، كَباقي المخلوقاتِ الِحية التي خلَقها اللّهُ مُسَبّحَةً ساجدةً له.
قالَ اللّه - عز وجل - : *تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ*.
وقالَ أيضاً : *أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ*.
وهذا الهدهدُ المؤمنُ باللّهِ جَعَلَ اللّهُ عندَه بعضَ العلمِ والحكمة ، وبعضَ الجهدِ والاهتمامِ ، وبعضَ الفهمِ والإِدراك ، وبعضَ الحرصِ في الدعوةِ إِلى اللّه ، وكانَ هذا معجزةً من اللّهِ ، جعلَها في هذا الطائر ، ومَيَّزَهُ بهذا عن باقي " الهَداهِدِ " الطيورِ ، ليقومَ بهذه المهمةِ الخاصَّةِ ، ويَكتشفَ مملكةَ سبأ ، لتدخُلَ بعد ذلك في الإِسلام! لقد أَرادَ اللّهُ الحكيمُ أَنْ يَعرفَ سليمانُ - عليه السلام - مملكةَ سبأ عن طريقِ ذلك الهدهد ، وليس عن طريقِ الوحيِ المباشر ...
وأَخبرَنا اللّهُ عن مهمةِ الهدهدِ ودوْرِه في الدعوةِ إِلى اللّه ، ليكونَ هذا عبرةً لنا ، وليوجِدَ عندَنا نوعاً من الباعثِ على الدعوة ، والاقتداءِ بذلك الهدهدِ الداعية!.
ولم يكن الهدهدُ أَكثرَ علماً وحكمةً من سليمانَ - عليه السلام - ، فكلامُ الفادي عنه باطل ، وذلك عندما تَساءَل : " كيفَ يكونُ الهدهدُ أَكثرَ حِكْمَةً وعلماً ؟! ".
سليمانُ رسولٌ كريمٌ عليه الصلاةُ والسلام ، وهو الأَكثرُ عِلْماً وحكمة ، وعِلْمُ الهدهدِ خاصٌّ بمملكةِ سَبَأ! وعَلَّمَهُ اللّهُ ذلك ليتعلَّمه سليمانُ - عليه السلام - ، فهو وسيلةٌ ربانيةٌ لتعليمِ سليمانَ - عليه السلام -.
وقالَ المفترِي الجاهل : " كيفَ يَتَحَدّى الهدهدُ سليمانَ قائلاً : أَحطتُ بما لم تُحِطْ به.. " ؟
ولا أَدري كيفَ فهمَ الفادي تَحَدّي الهدهدِ لسليمانَ - عليه السلام - ،
عندما أَخْبرَهُ عن مملكةِ سبأ ، وهو المهَدَّدُ بالتعذيبِ لغيابِه ؟
قال تعالى : *وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ *20* لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ *21* فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ *22*.
إنَّه يُخاطِبُ سليمانَ - عليه السلام - بافتخارٍ واعتزاز ، وليسَ بتَحَدٍّ وتَكَبُّر ، ويُخبرُهُ أَنَّ اللّهَ عَلَّمَه عِلْماً لم يُعَلِّمْه سليمانَ - عليه السلام - : *أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ* ، ولم يُنكرْ سليمانُ - عليه السلام - عليه قولَه ، ولم يُعاقِبْه عليه ، وهو القائِدُ الحازم ، لأَنه فهمَ الإِشارةَ من الهدهد ، فعليه أَنْ " يَتَواضَعَ " بينَ يديه ، وهو النبيُّ المعَلِّمُ - عليه السلام - ، ويَعترفَ بقُصورِ عِلْمِه ، فاللّهُ أَعطى الهدهدَ عِلْماً لم يُعْطِه منه وهو النبي!!.
ويَستغربُ الفادي من ذَمِّ الهدهدِ لشركِ ملكةِ سبأ وقومِها باللّه ، وعبادتِهم للشمسِ من دونِ اللّه ، فلم يَستوعبْ عَقْلُه " الصغيرُ " فهمَ طائرٍ للإِيمانِ والشرك ، ودعوتِه إِلى وحدانيةِ اللّهِ والسجودِ له وحْدَه! ولقد قُلْنا : إِنه هدهدٌ خاصٌّ ، عَلَّمَهُ اللّهُ وفَهَّمَه بتعليمٍ وتفهيم خاص ، وأَخْبَرَنا عن بيانِه الدعويّ في قولِه تعالى : *إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ *23* وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ *24* أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ *25* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *26*.
ونقول : لقد كانَ هذا الهدهدُ المؤمنُ أَكثرَ عِلْماً من الفادي المفترِي ، وأَعمقَ إِيماناً وتَوحيداً للّه منه ، فهذا الفادي المتعالمُ المتفلسفُ لا يَتبعُ الحَقَّ الموجودَ في الإِسلام ، ويُصِرُّ على الإِيمانِ بالأَقانيمِ الثلاثة : الآبِ والابنِ والروحِ القُدُس ، ويجعلُ المسيحَ - عليه السلام - ابْناً للّه ، وها هو الهدهدُ يَدْعو إِلى توحيدِ اللّهِ بهذا المنطقِ الدعويّ الرائعِ ، وهذا الحماسِ الإيمانيِّ المؤَثِّر!!
ويتساءل الفادي الجاهلُ بإِنكار ؟" كيفَ يَقومُ الهدهدُ بدوْرِ المراسَلَة ؟! ".
وقد سبقَ أَنْ قُلْنا : إِنه هدهدٌ خاصٌّ ، عَلَّمَه اللّهُ ومَيَّزَهُ عن باقي الطيور ، ومَكَّنَهُ من أَنْ يَقومَ بمهمتِه الدعويةِ في مملكةِ سبأ ، فَحَمَلَ الرسالةَ الخاصة ، وقَطَعَ المسافَةَ الطويلة ، وأَلقى الرسالةَ إِلى ملكةِ سَبَأ ، وتوقَّفَ عندَ قَصْرِها يُراقبُ ويَرصد ، ويَرى ماذا سيكون رَدُّ فعْلِها هي وقومُها! إِنه ليسَ مجرَّدَ طائر ، ولكنّه هدهدٌ خاصّ ، جعلَ اللّهُ فيه فهماً وإدراكاً خاصّاً!! وقد أَخبرَ اللّهُ عن مهمةِ الهدهد ، والكتاب الذي حَمَلَه.
قال تعالى : *قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *27* اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ *28* قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ *29* إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *30* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ *31* قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ *32* قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ *33* قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *34* وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ *35*.
ولا تَدُلُّ مهمةُ الهدهدِ الدعويةُ على أَنَه أَعلى منزلةً من كُلِّ الوزراءِ عند
سليمان - عليه السلام - ، وكان الفادي غبيّاً في تَساؤُلِه : " وكيفَ يتصرَّفُ الهدهدُ في مملكةِ سليمانَ تَصرُّفاً يَفوقُ تَصَرفَ الملوكِ والوزراءِ والفلاسفة ؟!".
فمن غيرِ المعقولِ أَنْ يُعَيِّنَ سليمانُ - عليه السلام - الهدهدَ الطائرَ وَزيراً عنْدَه ، مَسؤولاً عن الوزراءِ البَشَر..
كلُّ ما في الأَمْرِ أَنَّ هذا الهدهدَ قامَ بمهمةٍ دعويَّة ، أَعانَهُ اللّهُ على القيامِ بها ، ووفَّقَهُ إِليها ، ونتجَ عنها دخولُ ملكةِ سبأ وشعْبِها في الإِسلام ، ومتابعةِ النبيِّ الملكِ سليمانَ - عليه السلام -.
***
ما هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان ؟
تحتَ عنوان : " دابةٌ بينَ الأَنبياء " اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن الدابَّةِ التي تَخرجُ في آخِرِ الزمان ، وذلك في قولِه تعالى : *وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ *82*.
وقد نقلَ الفادي من تفسير البيضاويِّ كَلاماً عن الدابةِ ، يَذكرُ فيه كيفيةَ ومَكانَ خروجِها ، ويُقَدِّمُ لها بعضَ المواصفات ، ويَنسبُ لها بعضَ الأَعمالِ عند خُروجِها ، وبعضُ ذلك الكلامِ مَسْنَدٌ إِلى رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
ثم عَلَّقَ على ذلك بقوله : " ونحنُ نسأل : هل من المعقولِ أَنْ نتصوَّرَ دابَّةً لها أَربع قوائمَ مثلُ الحيوان ، وريشٌ وزغبٌ وجناحان مثلُ الطيور ، وتتكلمُ مثلَ الإِنسان ، وتعظُ مثلَ الأَنبياء ، بسلطانِ موسى ، وحكمةِ سليمان ، وأَنها تحتفظُ بعصا موسى وخاتمِ سليمان ؟! ".
المشكلةُ عنْدَ الفادي المفترِي هي جَهْلُه وغَباؤُه ، وعدمُ اعترافِه بذلك ، وادِّعاؤُه العلمَ والمعرفة ، وتعالُمُ الجاهلِ جريمةٌ مزدوجة ، جَمَعَ فيها بينَ الجهلِ والتَّعالُم!.
لم يقف الجاهلُ عند - حديثِ القرآنِ عن الدَّابّة ، وذهبَ إِلى بعضِ الكتبِْ التي لا تتحرَّى الصحيحَ فيما تَذْكُر ، وتَجمعُ كُلَّ ما وصلَ إِليها من أَخبارٍ وروايات ، ولو لم تصحّ ، وأَخَذَ منها تلكَ الخرافاتِ التي نرفضها نحنُ أَيضاً ، وحَمَّلَها للقرآنِ ، وأَدانَه وخَطَّاَه بسببِها!.
لم يصحّ حديثٌ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حولَ الدّابّةِ وخُروجِها وصِفاتِها وأَعمالِها ، ونتوقَّفُ في الرواياتِ غيرِ الصحيحة التي تحدَّثُ عنها ، والتي ذَكَرَها بعضُ المفسِّرين سامَحهم اللّه ، ولا نَعتمدُها لعدمِ ثُبوتِها.
وهذا معناهُ أَنْ نبقى مع القرآنِ في إِشارتِه لها ، ولا نَزيدُ عليه شيئاً آخَر.
ونقولُ للفادي الجاهل : ليس في كلامِ القرآنِ عِن الدَّابّة ما يَتَعارَضُ مع العقلِ والعلم ، لأَنَّ اللّهَ هو الذي سيخلقُ هذه الدابة في آخرِ الزمان ، قُبيلَ قيامِ الساعة ، وسيجعلُ لها مهمَّةً خاصَّة ، وبما أَنَّ الأَمْرَ أَمْرُه ، والفعلَ فعلُه سبحانَه ، فلا غرابةَ فيه ، ولا اعتراضَ عليه.
يُخبرُ اللّهُ أَنه : *وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ* :
أَي اقتربَ وقْتُ تحقُّقِ ما أَخبرَ اللّهُ عنه ، وَوَعَدَ الناسَ به ، وهو قربُ انتهاءِ الحياةِ الدُّنيا ، وقيامِ الساعة.
*أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ* : اللّهُ هو الذي سيُخرجُ للناسِ تلك الدابة ، وهو الفَعّالُ لما يُريدُ سبحانَه ، ولا يُعجزُهُ أَيُّ شيءٍ في الأرضِ ولا في السماء.
ولقد أَبهمَ القرآنُ صفال الدابَّة ، فلم يذكُرْ عنها شيئاً ، واكتفى بذكْرِ كلمةِ " دابّة " نَكِرَة ، وتَنكيرُها لإِبهامِها ، وهذا التنكيرُ دعوةٌ لنا لعدمِ الخوضِ في الدابة ، وعدمِ محاولةِ معرفةِ ذلك.
لعدمِ وجودِ دليلٍ عليه ، ولعدمِ تَحَقُّقِ الفائدةِ منه.
وهذه الدابَّةُ سيُخرجها اللّهُ من الأَرض ، بدونِ تَحديدِ مَكانِ خُروجها أَو كيفيةِ خروجِها.
وهذه الدابةُ ستكلمُ الناسَ الأَحياءَ وَقْتَ خُروجِها : *تُكَلِّمُهُمْ* ، واكتفى القرآنُ بذكْرِ أَنَّ الدابةَ ستكلمُ الناس ، ونَبقى عندَ حديثِ القرآنِ عن كلامِها ، ولا نُجاوزُهُ إِلى غيره ، فهي ستكلمهم والسّلام! ولا نَعرفُ كيفَ تُكلمُهم ، ولا بأيّ لغة ستكَلّمُهم ، ولا بأَيّ جزءٍ من جِسْمِها ستكلّمُهم ، ولا كيفَ سيسمَعون كلامَها ، فعِلْمُ ذلك كلّه عندَ اللّهِ وحدَه!.
واللّهُ الذي خَلَقَ الدابَّة ، وأَخرجَها من الأَرضِ ، هو الذي جَعَلَها تتكلَّم ، وبما أَنَّ الدابَّة لا تتكلمُ بقدرتِها الذاتية ، وإِنما بأَمْرِ اللّهِ ، فلا غرابةَ في ذلك.
واللطيفُ أَنَّ القرآنَ الذي أَبهمَ الكلامَ عن صفاتِ وأَعمالِ الدابة ، أَخبرَ عن ما سَتُكَلِّمُ الدابةُ الناسَ به ، وما ستَقولُه لهم : *تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ *82*.
أَيْ : أَنَّ الناسَ يَكْفُرون بآياتِ اللّه ، ويُنكرونَ ما أَخبرتْ عنه تلكَ الآيات ، ومن ذلك بَعْثُ الناسِ بعدَ الموت ، وإِخبارُ الدابة بذلك قُبيلَ قيامِ الساعة من بابِ ذَمّ الكفارِ الموجودين عند خروجها ، لأَنهم ذاهبون إِلى الموت ، ثم البعثِ بعده!.
وبهذا نَعرفُ غَباءَ الفادي الجاهلِ في أَسئلتِه التي اعترضَ بها على القرآنِ ، في إخباره عن الدابة ، ونعرفُ سفاهَتَه في عنوانِه : " دابَّة بين الأَنبياء " ، فمنْ قالَ : إِنَ تلك الدابةَ ستكونُ بين الأَنبياء ؟
ومَن الذي جمَع بين الدابةِ الحيوان وبينَ الأَنبياءِ الذين هم أفضلُ الناسِ عندَ اللّه ؟!.
***
حول موت سليمان - عليه السلام -
اعترضَ الفادي المفترِي على حديثِ القرآنِ عن موتِ سليمانَ - عليه السلام - ، وجَعَلَ عنوانَ اعتراضِه : " مَيِّت يتوكَّأُ على عَصا مدةَ سَنَة " !.
قالَ اللّهُ عن وفاةِ سليمانَ - عليه السلام - : *فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ *14*.
أَخبرَ اللّهُ أَنه لما قَضى على سليمانَ - عليه السلام - الموتَ وَحانَ أَجَلُه ، تَوفّاهُ اللّهُ وقبضَ روحَه ، ولم يَعْلم الجنُّ بوفاتِه إِلّا بعدَ أَنْ أَكلتْ دابَّةُ الأَرضِ مِنْسَأَتَه ، وهي عصاهُ التي كان يستعملُها ، فبعدَما أَكلتْ دابَّةُ الأَرض عَصاه ، خَرَّ سليمانُ - عليه السلام - على الأَرض ، وسَقَطَ جثةً هامدة ، ففوجئَ الجِنُّ بذلك وثبتَ لهم أَنهم لا يعلمونَ الغيب ، فلو كانوا يَعلمونَ الغيبَ لعَرَفوا بموتِه.
وذهبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي ليأخذَ منه تفسيرَ الآية ، وأَخَذَ منه كَلاماً لم يَثبت ، وقَدَّمَ تفصيلاتٍ لموتِ سليمان - عليه السلام - ليس عليها دليلٌ صحيح.
تقولُ تلك الروايات : " بَدَأ داودُ - عليه السلام - بناءَ الهيكلِ في بيتِ المقْدِس ، لكنّه ماتَ قبلَ إِتمامِ البِناء ، فتولَّى ابنهُ سليمانُ - عليه السلام - إِتمام البناء ، واستخدم الجنَّ في البناء ، وكانَ شَديداً عليهم ، ودَنا أَجلُه ، وخشيَ إِنْ ماتَ قبلَ إِكمالِ البناء ، أَنْ يتوقَّفوا عن العمل ، فأَمرهم أَنْ يَبْنوا له بَيتاً من زُجاج ، ليسَ له باب ، ودَخَلَ سليمانُ البيتَ الزجاجي ، وقامَ يُصلّي وهو مُتَّكِئٌ على عصاه ، وهم يَعمَلونَ في البناء..
ومات وهو متكئٌ على عَصاه ، وهم يرونَه يَنظرُ إِليهم.
وبقيَ مُتَّكئاً على العَصا حتى أَكَلَتْها الأَرَضَةُ ، عند ذلك سَقَطت العصا ، فخرَّ على الأَرض ، ولما حَسَبَ الجنُّ الزمنَ وَجدوه قد مات قبلَ سنة ، فتعَجَّبوا! ".
وعَلَّقَ الفادي على هذه الأُسطورةِ بقوله : " ونحنُ نسأَل : كيفَ يَموتُ سليمانُ الملك ، ويَستمرُّ سَنَةً دونَ أَنْ يَعلمَ به أَحَد ؟
أَينَ نساؤُه ؟ وأَينَ أَولادُه ؟ وأَينَ حاشيتُه ؟ وأَينَ شعبُه ؟
ألا يوجَدُ واحدٌ من هؤلاء يَسأَلُ عنه ؟
وهل يتصوَّرونَه قائماً يُصَلّي على عَصاهُ سَنَةً كاملةً ، بدونِ نومٍ ولا أكلٍ ولا شربٍ ولا اسْتِحْمام ؟
وكيفَ لما ماتَ على عَصا لم يَسْقُط ؟
أَلم يتحلَّلْ جسدُه ويُصِبْهُ النَّتنُ والتَّعفنُ ؟
ولما أَكلت الأَرَضَةُ جُزْءاً من العصا أَلَمْ يختلّ توازُنُه ويَسْقُط ؟
أَليس تآكلُ العَصا في يوم يَكفي لسقوطِ الميتِ ، كتآكُلِها إِلى آخِرِها لمدةِ سَنَة ؟
وإِذا كان سليمانُ قد بنى على نفسِه صَرْحاً من قواريرَ لِيُعَمِّي عينَ الإِنسِ والجنِّ عن موتِه ، فلماذا لم يَعلمْ مُقدَّماً الدور الذي ستَلْعبُه الأَرَضَة ؟ ".
الأَسئلةُ التي يُثيرُها الفادي هنا وجيهةٌ ومَعْقُولة ، نحنُ معه في إِثارتِها ، ولكنَّها لا تُوَجَّهُ إِلى القرآنِ في حديثِه عن موتِ سليمانَ - عليه السلام - ، وإنما تُوَجَّهُ إِلى تلك الأَسطورةِ ، التي صَوَّرَتْ موتَ سليمانَ - عليه السلام - بهذه الصورةِ غير المعقولة ، والتي يرفضُها كُلُّ عاقل.
إِنَّ هذه الأَسطورةَ التي أَخَذَها الفادي من تفسيرِ البيضاوي ، والتي أَخذَها البيضاويُّ من بعضِ التفاسيرِ السابقة ، التي لا تَتَحَرّى الصحةَ فيما تُورده ، هذه الأَسطورةُ مرفوضةٌ عندنا لأَنها لم تَصحّ عن رسولِ اللّه - عليه السلام - ، ولا عن أصحابِه الكرام.
وقد سبقَ أَنْ قَرَّرْنا أَن قَصصَ السابقين لا تُؤْخَذُ تفاصيلُها إِلّا من آياتِ القرآنِ الصريحة ، وأَحاديثِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة.
والمشكلةُ عندَ الفادي المفترِي هي جهْلُه ، فهو يَعتمدُ كَلاماً غيرَ مقبولٍ عندَ العلماء والمحققين ، ثم يُحَمِّلُ القرآنَ تِبعتَه ، ويُخَطِّئُ القرآنَ بسببِه ، مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْه ، وبذلك تتهاوى أَسئلةُ الفادي الجاهل.
إِنَّ القرآنَ لا يتحمَّلُ إِلّا ما يذكُرُه هو في آياتِه ، وما يَذكُرُه لا خَطَأَ فيه ولا اعتراضَ عليه ، أَمّا الفهمُ البشريُّ لآياتِه الذي صَدَرَ عن المفَسِّرين فلا يتحمَّلُه القرآن ، لأَنَّ هذا الفهمَ البشريَّ قد يكونُ خاطئاً!.
لا بُدَّ أَنْ نفهمَ الآية التي تحدَّثَتْ عن موتِ سليمانَ - عليه السلام - فَهْماً - صحيحاً ، لا سيما أَنه لا يوجَدُ عندنا حديثٌ صحيحٌ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يُضيفُ جَدِيداً إِلى ما ذَكَرَتْه الآيَة.
أَرادَ اللّهُ أَنْ يَجعلَ موتَ سليمانَ - عليه السلام - آيةً وعبرةً للإِنسِ والجِنّ ، ودَليلاً على عدمِ عِلْمِهم بالغيب ، لأَنَّ عِلْمَ الغيبِ خاصّ باللّهِ سبحانه..
فقد كانَ سليمانُ - عليه السلام - يَحكمُ الإِنْس والجِنَّ والطير ، وكانَ يُسَخِّرُ الجِنَّ في الأَعمالِ الكبيرة ، وكان مَلِكاً حازماً يَهابُهُْ الذين يَعملونَ عنده من الإِنْسِ والجِنّ.
ولما حانَ أَجَلُ سليمانَ - عليه السلام - ، كان الجنُّ يَعملونَ بينَ يَدَيْه ، وكانَ هو واقفاً أَمامَهم ، مُتَّكِئاً على عصاه ، يُراقِبُهم ويَضبطُهم ، وهم يَنْشَطونَ في العمل ، ولا يَرْفَعونَ رؤوسهم ناظِرينَ إِليه هيبةً له.
وشاءَ اللّهُ الحكيمُ أَنْ يَقبضَ روحَ سليمانَ - عليه السلام - وهو متكئٌ على عَصاه..
وبقيَ متكئاً على عَصاهُ بعد خروجِ روحه ، والجنُّ منهمكون في العَمَل ، لا يَعلمونَ بموتِه..
وَوَجَّهَ اللّهُ دودةَ الأَرض " الأَرَضة " إِلى عصاهُ فأَكَلَتْها ونَخَرَتْها ، وكُسِرت العصا وسَقَطَتْ ، وخَرَّ سليمانُ - عليه السلام - جُثَّةً هامِدة..
وفوجئَ الجنُّ بذلك ، وعَرفَوا قُصورَ علمِهم ، فهم لا يَعلمونَ الشهادة ، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَعْلَموا الغيب ، فها هو سليمانُ ماتَ أَمامَهم وهم لا يَعلمونَ بموتِه !!.
والفترةُ الزمنيةُ بين موتِه وسقوطِه لم تكنْ سَنَواتٍ ولا سَنَة ، ولم تكنْ شُهوراً أَو أَياماً ، إِنما كانَتْ فترةً قصيرةً ، ونحن لا نحاولُ تحديدَ تلكَ الفترة ، لأَننا لا نجدُ دَليلاً على ذلك ، فَنَكِلُ العلمَ بها إلى اللّه سبحانه وتعالى إ!.
***
رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل
اعترضَ الفادي المفترِي على إِخبارِ القرآنِ عن رَفْعِ جَبَلِ الطّورِ فوقَ بني إِسرائيل ، وجعلَ عنوانَ اعتراضِه : " جَبَل يُحَلِّقُ في الجَوّ! " وهو عنوانٌ للتهكمِ والاستهز اء.
والآيةُ التي اعترضَ عليها ، واعْتَبَرَها متناقضةً مع العلمِ والعقل ، هي قولُ اللّهِ - عز وجل - *وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *171*.
وبعدَما نَقَلَ المفترِي بعضَ ما ذكَرَه البيضاويُّ في تفسيرِ الآية ، استبعدَ ما ذكَرَتْه فقالَ : " ونحنُ نسأل : هَلْ من المعقول أَنْ يَخْلَعَ اللّهُ جَبَلاً من الأَرض ، يَعْلو في الفضاء ، ويَظَلُّ مُعَلَّقاً على لا شيء ، ليُخيفَ الناس ، ويُرغمَهم ليَقْبَلوا شريعتَه ؟
وهل يوافِقُ هذا علميّاً ناموسَ الجاذبية ؟
وأَدَبِيّاً ناموسَ المحبةِ الإلهِية ؟ ".
لم يَستوعِبْ عَقْلُ الفادي الصغيرُ أَنْ يخلعَ اللّهُ جَبَلاً من الأَرض ، وأَنْ يرفعَه إلى الأَعلى وأَنْ يوقفَه فوقَ مجموعة من الناس! وكيفَ يَحصلُ هذا ؟
ولماذا لم يَقعْ على رؤوسهم ؟
فما ذكَرَه القرآنُ - في رأْيه - غيرُ صَحيح!!.
لو زَعَمَ إِنسانٌ قويٌّ أَنه خَلَعَ جبلاً ورَفَعَه في الجو لما صَدَّقْناه ، لأَنَّ القوةَ البشريةَ محدودة ، ولا تَستطيعُ قوةُ أَيِّ شخصٍ أو دولةٍ فعلَ ذلك ، مهما عَظمَتْ.
أما قوةُ اللّهِ فإِنَّها مُطْلَقَة ، لا حُدودَ لها ، ولا قُيودَ عليها ، وقُدْرَتُه نافذةٌ فاعلة ، لا يوقِفُها أَيُّ شيء ، فاللّهُ قويٌّ قادرٌ على قَلْعِ الجبلِ من الأَرضِ ، وإِيقافِه في الجوِّ بين السماءِ والأَرض ، بدونِ أَعمدة ، وإِعادتِه مكانَه ، يَفعلُ هذا ، ويفعلُ ما هو أَكْبرُ منه! وبما أَنه أَخْبَرَنا عن ذلك في القرآن ، فإِننا نجزمُ أَنَّ ذلك حَصَل ، لأَننا نُصدِّقُ كُلَّ ما وَرَدَ في القرآن!.
ولا أَدري لماذا يَستبعدُ الفادي ذو العقلِ الصغيرِ هذه الحادثة ، وقد وَرَدَ في كتابِه المقَدَّسِ حوادِثُ أَكبرُ منها ، وهو يؤمنُ بها لأَنها واردةٌ في كتابِه.
من ذلك شَقُّ البحرِ لموسى - عليه السلام - ، ونجاتُه هو وأَتباعه من بني إِسرائيل ، عندما لحقَهم فرعونُ وجنودُه.
وقد أخبرَنا اللّهُ عن ذلك في القرآن ، قال تعالى : *فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *61* قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ *62* فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *63* وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ *64* وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ *65* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ *66*.
موسى - عليه السلام - يقفُ أَمامَ البحر ، ويأْمُرُه اللّهُ أَنْ يضربَه بعصاه ، ولما فَعَلَ فَلَقَ اللّهُ البحرَ فلقتَيْن ، وقَسَمَه إِلى قِسْمَيْن ، بينهما فاصِلٌ من الأرضِ الصلبةِ اليابسة ، ووقفَ الماءُ على الجانبَيْنِ كالجبلِ العظيم ، لا يمسكُه سَدّ أَو حاجِز!
فمن الذي فَعَلَ ذلك ؟
ومَن الذي أَوجَدَ الطريقَ اليَبَسَ ليَمُرَّ عليه موسى ومَنْ معه ؟
ومَن الذي أَمسكَ الماءَ على الجانبين فلم يُغْلِقِ الطريقَ ولم يجتمعْ مع بعضه ؟
إِنه اللّه!.
أَيهما أَوضحُ وأَكبرُ معجزةً ، وأَعظمُ وأَضخمُ آيةً ؟
شَقّ البحرِ أَمْ رفعُ الجبلِ ، إِنَّ شَقّ البحر أَضخمُ وأَعظمُ.
فلماذا آمَنَ الفادي به وكَذَّبَ وأَنكرَ ما دونَه ؟
أَلأنَّه وَرَدَ في كتابه صَدَّقَه ، ورفعُ الجبل لم يَرِدْ في كتابِه فاعتَبره مُسْتَحيلاً
عقليّاً ؟
أَيْنَ المنهجيةُ والموضوعيةُ التي ادَّعاها في بحثِه ؟
ولماذا لم يَقِسْ رَفْعَ الجبل على شَقِّ البحر ؟.
أَما نحنُ المسلمين فإِننا نؤمنُ بشَقِّ البحر ورفْعِ الجبل ، لأَنَّ اللّه ذكَرَ المعجزتَيْن في القرآن ، ولأَنهما من فعلِ اللّه ، واللّه فَعّالٌ لما يُريدُ سِبحانهَ.
***
هل تتكلم الجبال ؟!
تحتَ عنوان : " جَبَلٌ يتكلَّم " !
اعترضَ الفادي على إِخبارِ القرآنِ عن تَكَلّمِ الجبال ، وقد ذَكَرَ القرآنُ ذلك مرتَيْن.
المرةُ الأولى : في حديثِه عن قصةِ داودَ - عليه السلام - ، فعندما كانَ يُسَبِّحُ اللهَ سبحانَه كانت الجبالُ والطيورُ تُسَبِّحُ معه.
قال تعالى : *وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ*.
ومعنى *أَوِّبِي* : رَدّدي ورَجِّعي مَعَه.
أَيْ : سَبِّحي مَعَه عندما يُسَبّحُ.
فكانَ داودُ - عليه السلام - عندما يُسَبِّحُ اللّهَ يَسمعُ الجبالَ تُسَبِّحُ اللّهَ معهِ ، ويَسمعُ الطيورَ تُسَبّحُ اللّهَ مَعَه!!.
إِنَّ اللّهَ هو الذي سَخَّرَ الجبالَ للتسبيحِ معه ، وأَمَرَ الطيرَ أَنْ تُسَبّحَ معه.
قال تعالى : *اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ *17* إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ *18* وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ *19*.
ولم يُصَدِّق الفادي المفترِي القرآنَ في إخبارِه عن ذلك ، واعْتَبَرَه مما يتناقَضُ مع العِلْمِ والعَقْل.
قال : " وهل للجبالِ عَقْلٌ وتَمييزٌ وعَواطفُ ، لِتُرَدّدَ صلواتِ واعترافاتِ وتسابيحَ داودَ ؟! ".
ونَقولُ له : نَعَم.
إِنَ اللّهَ خالِقَها هو الذي أَرادَ أَنْ تُسَبحَ ، وأَمَرَها أَنْ تُسَبِّح ، فنفَّذَتْ أَمْرَه سبحانه وسَبحَتْ ، ولا نَدري كيفَ سَبَّحَتْ ، وهي الجمادُ الذي لا عَقْلَ عندَه ولا إِدْراك.
المهمُّ أَنَّ اللّهَ هو الذي أَوجَدَ عندَها القدرةَ على التسبيح فَسَبَّحَتْ!
والأَمْرُ ليس غريباً على اللّه ، وليس مستَبْعَداً عند اللّه ، فهوعلى كُلًّ شيء قدير!.
والمرةُ الثانية : في حديثِه عن الأَمانةِ التي حَمَلَها الإِنسانُ الظَّلومُ الجَهول.
قال تعالى : *إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا *72*.
عَرَضَ اللّهُ أَمانَةَ التكليفِ على السمواتِ والأَرضِ والجبال ، لكنهنَّ أَبينَ أَنْ يحملْنَها ويُكَلَّفْنَ بِها ، لأنهنَّ أَشفقْن منها ، وخِفْنَ من التقصيرِ فيها.
ولما عُرِضَت الأَمانةُ على الإِنسانِ استَعَدَّ أَنْ يَحملَها ، رغمَ المسؤوليةِ والتبعةِ والحساب ، وهو بذلك ظلوم جهول!!.
وقد اعترضَ الفادي على ذلك ، فقال : " ونحنُ نَسأَل : هل للجبالِ فَهْمٌ ، يَجعلُها تُدركُ ما لا يُدركُه أَكثرُ البَشَر ، فترفضُ الأَمانَةَ المعروضة عليها ؟! ".
ونَقولُ له : وما المانعُ العقليُّ من ذلك ؟
إِنَّ اللّهَ هو الذي جعلَ فيها نوعاً من الإِدْراك ، بحيثُ تَسمعُ وتَفهمُ وتُجيب ، وهو ليسَ كسَماعِنا وفَهْمِنا وإدْراكِنا وكَلامنا وجوابِنا ، وإِنما نوعٌ خاصٌّ على مُستواها ، وهو ليس أمْراً عاديّاً ، وإنما هو خارقةٌ من الخوارق ، ومعجزةٌ من المعجزات!! واللّهُ يَفعلُ ما يشاء ، ويوجِدُ فيه ما يَشاء ، ولا شيءَ مستحيلٌ على إِرادةِ اللّه.
ولماذا يَستبعدُ الفادي ذو العقلِ الصَّغيرِ كلامَ الجبال ، ويَجعلُهُ مُستحيلاً عَقْلاً ، ولم يَستبعدْ تحويلَ العَصا اليابسةِ إِلى أَفْعى فيها روحٌ وحياة!..
كانَ موسى - عليه السلام - يُمسكُ عَصا يابسةً بيدِه ، ولما أَلْقاهَا بأَمْرِ اللّهِ جَعَلَ اللّهُ فيها حياة ، وحَوَّلها إِلى أَفعى تَسعى ، وَحَمَلها موسى بيدِه وهي حَيَّة ، ولما أَلْقاها على الأَرضِ ثانيةً أَعادَها اللّهُ عصا يابسة!! وكان هذا كُلّه بأَمْرِ اللّهِ ، فالذي جَعَلَ العصا الخشبيةَ حَيَّة تَسعى هو نفسُه الذي جعلَ الجبالَ تتكلم.
وليستْ هذه أَوَّلَ مَرَّةٍ يَجعلُ اللّهُ في السمواتِ والأَرضِ والجبال قُدرةً على الفهم والكلامِ والجَوابِ على السُّؤال - على مُسْتَواها الضعيف المحدود - ، فلما خَلَقَها اللّهُ خاطَبَها وأَجابَتْ ؟
قال تعالى : *ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *11* فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ*.
سَمعت السمواتُ والأَرضُ خِطابَ اللّهِ لهما ، وفَهِمَتاهُ على طريقَتِهما ، وأَجابَتا اللّهَ قائلَتَيْن : أَتَيْنا طائِعين!
ولا نَدري كيفَ حَصَلَ ذلِك ، لأَنَّ هذا معجزةٌ من اللّه ، أَوجَد فيهما سبحانَه إِدْراكاً خاصّاً ، وسَماعاً خاصّاً وفَهماً خاصّاً ، وأَجابَتا جَواباً خاصّاً أَيضاً!
فالأَمْرُ أَمْرُه ، والإِرادَة إِرادَتُه - عز وجل -.
***
اللّه يلين الحديد لداود - عليه السلام -
تَحتَ عنوانِ : " الحَديدُ يَلينُ كالشَّمْع "
اعترضَ الفادي على كَلامِ القرآنِ عن إِلانَةِ الحَديدِ لداودَ - عليه السلام -.
وذلك في قولِه تعالى : *وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ *10* أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *11*.
وذَكَر كلامَ البيضاويِّ في تفسير الآية : " قالَ البيضاوي : *وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ* جعلناهُ في يَدِه كالشمع يُصَرِّفُهُ كيفَ يشاء ، من غيرِ إِحْماءٍ وطَرْقٍ بآلاتِه أو بقُوَّتِه ".
وعَلَّقَ على ذلك بقوله : " ونحنُ نسأل : كيفَ يُغَيِّرُ الحديدُ خاصِّيتَه بينَ يَدَيْ داودَ ، فيفقدُ صلابَتَه ، ويتحوَّلُ إِلى لُيونَةِ ومُرونَةِ الشمعِ ، بغرِ إِحماءٍ أَو طَرْق ؟
وما هو الهَدَفُ من هذهِ المعجزةِ التي لو كانَتْ قد جَرَتْ فِعْلاً لَذَكَرَتْها التوارةُ المقَدَّسَة ؟.
اكتفى القرآنُ بقولِه : *وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ*.
ولم يَقُل القرآنُ : جعلْنا الحديدَ في يَدِه كالشمعِ ، يُصرِّفُه كيفَ يَشاء ، من غيرِ إِحماءٍ وطَرْقٍ بآلاتِه.
والذي قالَ هذا هو البيضاوي فإِذا اعتَرضَ الفادي على كلامِ البيضاويّ ، فلْيعترضْ عليه ، والبيضاويُّ هو الذي يتحمَّلُ مسؤوليةَ وتبعةَ كلامِه ، فلماذا يُحَمِّلُ الفادي القرآنَ مسؤوليةَ كَلامٍ لم يَقُلْه ؟.
علينا أَنْ نَبقى مع القرآن ، ولا نُضيفَ عليه شَيْئاًْ ، إِلّا ما صَحَّ من حديثِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وفي موضوعِ إلانةِ الحديدِ لداودَ - عليه السلام - ، أجملَ القرآنُ الكلامَ عنها ، ولم يُفْصِّلْه ، والأَولى أَنْ نُبقيهِ على إِجمالِه ، وأَنْ لا نَخوضَ في تفصيلِه ، لعدم وُجودِ دَليلٍ صَحيحٍ معتمدٍ عليه في ذلك.
إِنَ الفعلَ *وَأَلنًّا لَهُ الْحَدِيدَ* مُسْنَدٌ إِلى اللّه ، فاللّهُ هو الذي أَلانَ الحديدَ لداودَ - عليه السلام - ، وعَلَّمَه صنعَ الصناعاتِ الحديدية منه : *أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ... * وهذه الجملةُ تفسيرٌ للإِلانة ، وبيانٌ لما نتجَ عنها من أَعمالٍ وصناعات! وهي متعلِّقَةٌ بفعلٍ مُقَدَّر ، تقديرُه : وأَلَنّا له الحديد ، وقُلْنا له : اعملْ سابغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْد.
و *سَابِغَاتٍ* : صفة لموصوفٍ محذوف ، تقديرُهِ : دُروعاً سابغاتٍ ، ومَعنى *سَابِغَاتٍ* طويلة ، بحيثُ تُغَطِّي الجسمَ كُلَّه ، وذلك ليَقِيَ أجسامَ الجنودِ في الحربِ من الخَطَر و *وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ* : بمعنى إِتقانِ صُنْع الدروعِ السابغاتِ الحربية ، وتوصيلها بالمسامير ، وذلك بأَنْ يكونَ هناك تَناسُبٌ بينَ المسمارِ وفَتْحَتِه ، فلا تكونُ تلك الفتحةُ أَكبرَ منه ، بحيثُ لا تتماسَكُ أَجزاءُ الدّرع ، ولا تكونُ أَصغرَ منه فلا يُحْكَمُ الصُّنْع!!.
وبمعنى هذه الآيةِ قولُ اللّه وَبَئّ : *وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ *80*.
ويُفهمُ من الآية : *أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ*.
أَنَّ لداودَ - عليه السلام - جُهْداً في الدروعِ الحديديةِ التي صَنَعَها ، فهو يَصنعُ المسامير ، ويَقُصُّ الحديدَ ، ويَفتحُ فيه فتحاتٍ مقدَّرةً ، مناسبةً للمسامير.
أَما إِنكارُ الفادي المفترِي لهذه الآية ، لعدمِ ذِكْرِها في التوارة ، فهو مردودٌ عليه ، لأَنَّ القرآنَ أَضافَ كثيراً على المذكورِ في الكتابِ المقَدَّسِ فيما يتعلَّقُ بقَصَصِ الأَنبياء ، وهذا مَعناهُ أَنَّهُ لا يَجوزُ إِنكارُ الخَبَر الذي ذَكَرَهُ القرآن إِذا لم يَذْكُرْهُ الكتابُ المقَدَّس ، فذِكْرُه في القرآنِ كافٍ لقَبولِه!.
***
حول نوم أصحاب الكهف
ذَكَرَ اللّهُ قصةَ أَصحابِ الكهفِ في ثماني عشرةَ آيةً من سورةِ الكهف ، وقد سَجَّلَ الفادي المفترِي آياتِ القصة ، ثم اعترضَ عليها بقولِه : " ونحنُ نسأل : كيفَ يَتسَنّى لسبعةِ غِلمانٍ وكلبِهم أَنْ يَعيشوا ثلاثمئةٍ وتسعَ سنين ، بدونِ أَكْلِ ولا شُربٍ ولا مَشْيِ ولا تَبَوُّلٍ ولا تَبَرُّز ، تحسبُهم أَيقاظاً وهم رُقود ، يتقلًّبونَ ذاتَ اليمينِ وذاتً الشّمال ، وكلبُهم باسط ذراعيه بفناء المغارة ؟
وما هو الدرسُ المستفادُ من هذه القصةِ لنا اليوم ؟ ".
يَنظرُ المفترِي للمعجزاتِ المذكورةِ في القرآن نظرةً ماديَّةً دائماً ، ويَقيسُها بالأُمور العاديّة المألوفة للناس ، وبما أَنها لا تُقاسُ بها لأَنها معجزات ، لذلك يُنكرُ وُقوعَها ويُكذِّبُ بها ، وبما أَنَّ القرآنَ ذَكَرَها ، لذلك يُخَطِّئُ القرآنَ ويَعترضُ عليه ، ويتهمُه بذكْر أَشياءَ لم تَحْدُث ، وعَرْضِ أُمورٍ لا يُصَدّقُها العقل!
أَما المعجزاتُ المذكورةُ في كتابِه المقَدّس فإِنه يؤمنُ بها ، مع أَنها لا تُقاسُ بالأمور العادية! فلماذا يَكيلُ المفْتَري بمكيالَين ، وَيُصَدِّقُ المذكورَ في كتابِه المقدس ، ويُكَذِّبُه إِذا ذُكِرَ في القرآن ؟
مع أَن الموضوعَ فيها واحد!!
إِنه التحاملُ على القرآن!.
ذَكَر القرآنُ قصةَ أصحابِ الكهف الذينَ جعلَهم اللّه آيةً وعبرة ، وأَكرمَهم ببعضِ الكراماتِ المعْجزات ، في مقدمتِها أَنه جعلَهم يَنامونَ ثلاثَمئةٍ وتسعَ سنوات ، بدونِ موتٍ أَو تَعَفُنٍ أَو فساد ، ثم أَيقَظَهم من نومِهم لفترةٍ قصيرة ، ثم أَماتَهم الموتَ الحقيقي.
قال تعالى : * وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا *25*.
ويُنكِرُ الفادي المفترِي صحةَ ذلك ، ويَعْتَبِرُه مُتَناقِضاً مع العلمِ والعَقْل ، إِذْ كيفَ يَنامونَ ثلاثمئةٍ وتسعَ سنوات ، بدونِ أَكْلٍ ولا شُرْبِ ولا مَشْيٍ ولا تَبَولٍ ولا تَبَرُّز ؟!.
ولو كانَ الأَمْرُ عادياً وفقَ مألوفِ الناسِ وعاداتِهم لقُلْنا : هذا مستحيلٌ وغيرُ معقول.
ولكنَّه من أَمْرِ اللّه ، واللّهُ فَعَّالٌ لما يريد ، وهو معجزةٌ خارقةٌ للعادة ، ولو لم تكن خارقةً لما كانَتْ معجزة.
شاءَ اللّهُ أَنْ يُبْقِيهم نائمينَ هذه المدةَ الطويلة ، وهَيَّأَ الأَمورَ حولَهم لئلا يَبْلوا ويَتَعَفَّنوا ، فضربَ على آذانِهم ، وفَتَحَ عيونَهم ، وجعلَ الشمسَ تَميلُ عنهم في الصباحِ ذاتَ اليمينِ ، وتبتعدُ عنهم عند المساءِ ذاتَ الشمال ، حتى لا تُؤْذيهم بأَشعتِها وحرارتِها ، وقَلَّبَهم على الأرضِ ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال ، لئلا تَقْضي عليهم الرطوبةُ والعَفَن ...
ثم بَعَثَهم بعدَ ذلك من نومِهم وأَيقظَهم ...
وطالما أَنَّ الأَمْرَ معجزةٌ خارقة ، من فِعْلِ اللّهِ سبحانه ، فلا استبعادَ أَو إِنكارَ له.
والفادي المفترِي دائمُ الافتراءِ والتلاعب والتحريف ، فاللّهُ يقولُ عن أَصحابِ الكهف : *وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ* ، وقد أَسندت الآيةُ تَقْليبَهم إِلى اللّه ، لأَنَ الأمْرَ معجزةٌ وليس عادياً..
ولكنَّ الفادي أَسندَ التقليبَ إليهم ، فقال : تحسبُهم أَيقاظاً وهم رُقود ، يتقلَّبون ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال!! وفَرْقٌ بعيدٌ بين قولِ اللّه تعالى : *وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ* ، وبينَ قولِ المفتري المتلاعِب : " يَتَقَلَّبونَ ذاتَ اليمين.. " !!
حول الريح المسخرة لسليمان - عليه السلام -
ذَكَرَ القرآنُ الريحَ التي سخَّرَها اللّهُ لسليمانَ - عليه السلام - قال تعالى : *وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ *81*.
وقال تعالى : *وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ*.
وقال تعالى : *فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ *36*.
ونَقَلَ الفادي كعادتِه من تفسيرِ البيضاويِّ بعضَ كلامِه عن الريح.
قال : *الرِّيحَ عَاصِفَةً* : شَديدَة الهُبوب ، من حيثُ إنها تَبْعُدُ بكرسِيِّه في مدَّةٍ يَسيرة ، كما قال تعالى : *غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ*.
وكانت *رُخَاءً* في نفسِها طيبة.
وقيل : كانَتْ رُخاءً تارة وعاصفةً أُخرى ، حسبَ إِرادتِه.
*إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا* إِلى الشام.
وعَلَّقَ على ذلك مُشَكِّكاً فيه ، فقال : " ونحنُ نسأل : ما الفائدةُ من تسخيرِ الريحِ لسليمان ، فتحملُ عرشَه مَتى شاء إِلى أَينَ شاء ، وتشتَدُّ إِذا رَغِب ، وتَلينُ إِذا رَغب ؟
وما هو الهدَفُ من كُلِّ هذا ؟
ماذا عادَ على بَني إِسرائيل أَو عَلى مملكةِ اللّهِ من كلِّ هذا ؟ ".
أَخَذَ الخُرافةَ ، وحَمَّلَها للقرآن ، وكَذَّبَه وخَطَّأَهُ بسببها!.
ذَهَبَ رُواةُ الخرافاتِ والرواياتِ غيرِ الصحيحة إِلى أَن الريح كانَتْ خاصَّةً لسليمانَ - عليه السلام - ، فقد كانَتْ تَحملُ عرشَه وكُرْسِيَّه وهو جالسٌ عليه ، وتَطيرُ به في الجَوِّ ، وتأْخُذُه حيثُ يَشاء ، وهو راكب على " بِساطِ الريح " ! وهي تُشبة طيرانَ الطائراتِ وسفنِ الفضاءِ في زماننا!.
ولذلك اعتبرَ الفادي هذه الريحَ بدونِ فائدةٍ لبني إِسْرائيل ، فهي كأَنها طائرةٌ شخصيةٌ لسليمانُ - عليه السلام - ، يُسافِرُ عليها إِلى مختلفِ البلدان ، ولذلك قال : " ما هو الهَدَفُ من كُلِّ هذا ؟
وماذا عادَ على بني إِسرائيل ومملكةِ اللّهِ من كُلِّ هذا ؟ ".
ونقول للفادي : المستفيدُ من هذه الريحٍ هم بنو إِسْرائيل ، ولم تكن الريحُ تَطيرُ بسليمانَ - عليه السلام - وعرشِه وكرسِيِّه ، إِنما كانتْ تأَتي بالغيثِ والمَطَر ، وتَحملُ معها الرّخاءَ والخصْب..
وكانت تبقى ومعَها الغيثُ فوقَ الأَرضِ المباركةِ مُدَّةً طويلة ، متمثلةً في منخفضٍ جَوِّيٍّ عمَيق ، وتستمرُّ شهراً في غُدُوِّها ، وشهراً في رَواحِها ، نعمةً من اللّهِ على سليمان - عليه السلام - وقومِه.
***
حول أصحاب الفيل والطير الأبابيل
اعترضَ الفادي المفترِي على سورةِ الفيل ، التي تَحدثَتْ عن أَصحابِ الفيل ، وسَجَّلَ اعتراضَه وتساؤُلَه تحتَ عنوان : " الطيرُ تُحاربُ بالحجارة "!.
وأَخَذَ من تفسيرِ البيضاويِّ خُلاصَة حادثةِ أَصحابِ الفيل ، التي أَشارَتْ لها السورة ، والمعروفةُ للباحثين والدارسين..
ثم عَلَّقَ على ذلك بإِثارةِ أَسئلةِ تافهة ، فقال : " ونحنُ نسأل : كيفَ آثَرَ الفيلُ أَنْ يُعاوِنَ الوثنيّين ، ويَهْرُبَ من معاونة المسيحيّين ، فكلَّما وجَّهوه لكعبةِ الأَوثانِ رَفَضَ السير ، وكلَّما وَجَّهوهُ إِلى اليمنِ هَرْوَل ؟
وكيفَ أَدركت الطيرُ ذلك ، فاشتركَتْ في الحربِ معِ الوثنيِّين ضدَّ المسيحيّين ؟
وكيف تفاهَمت جماعاتُ الطير ، وعرفَتْ مكانَ المعركة ، وأحضرت الحجارة ، وملأَتْ أَفواهَها وأَرجلَها ، ورمَتْ بها جيشَ المسيحيينَ دون الوثنيّين ؟
وكيفَ انحازَ الرَّبُّ للفيلِ وللطيرِ ، ولأَصحابِ الكعبةِ الوثنيين ضدَّ المسيحيين ؟
وكيفَ يَنزل الحجرُ الذي هو أَصغرُ من الحمصةِ من فمِ الطائرِ إِلى رأْسِ الرجلِ ، فيخرقُ رأْسَه وعنُقَه وصَدْرَه وبَطنَه ، ويَخرجُ من دُبُرِه ؟! ".
التساؤلاتُ التي أَثارَها المفترِي على الحادثةِ تُفيدُ إِنكارَه لها ، وتكذيبَه لوقوعِها ، مع أَنَّ القرآنَ كانَ صريحاً في إِثباتِها : *أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ *1* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ *2* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ *3* تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ *4* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ *5*.
لقد صوَّرَ له عقْلُه الصغيرُ أَنَّ المعركةَ كانت بينَ الأَحباشِ النَّصارى وبين العرب الوثنيّين ، والنَّصارى أَقربُ إِلى اللّهِ منِ الوثنيّين ، فكيفَ انحازَ اللّه ُ إِلى الوثنيّين ضدَّ النَّصارى المؤمنينَ به ؟!
هذا غيرُ معقول ، وأَخْطَأ القرآنُ في القولِ به!!
والكعبةُ عندَه " كعبة الأوثان " وبَيْت تُجْمَعُ فيه الأَصنام ، فكيفَ يُدافعُ اللّهُ عنها ؟!.
وكيفَ آثَرَ الفيلُ أَنْ يكونَ مع العربِ الوثنيّين ضدَّ النَّصارى ؟
إِنَ هذا غيرُ معقولٍ !
وكيفَ تداعَتْ جَماعاتُ الطيرِ واشتركَتْ في المعركة ، وانحازَتْ إِلى الوثنيّين ، وحارَبَت النَّصارى المؤمنين بالحجارة ؟
هذا كلّه لا يُصَدِّقُه العَقْل ، ولذلك لم يَحدث!!.
إِنَّ الأَمْرَ ليس على هذه الصورةِ التي فَهِمَها الفادي خَطأ ، وإنَ اللّهَ لم يَنْحَزْ للعربِ الوثَنيّين ضد المسيحيّين ، إِنما دافَعَ اللّهُ عن بيتِه المحَرَّمِ المعَظَّم.
لقد توجهَ أَبرهةُ بجيشِه وفيلِه ليهدِم الكعبة ، لا ليقاتِلَ قُرَيْشاً ، فمعركَتُه ليستْ ضدّ قريشٍ الوثنيّين ، وإنما هي ضدَّ البيتِ المحرَّم! ولذلك لما وَصَلَ إِلى ضواحي مكةَ لم يشتبكْ في حَرَبٍ مع قُرَيْش ، ورِجالُ قريشٍ عَرَفوا هذا ، حيثُ أَخْلَوْا له مَكَّة ، وصَعَدوا إِلى الجبالِ ، يُراقبونَ ما سيَحْدُث ، ولما راجَع عبدُ المطلبِ زعيمُ مكة أَبرهةَ بشأَنِ إِبلِهِ التي أَخَذوها منه ، قال له : أَنا رَبُّ الإِبل ، وللبيتِ رَبّ يَحْميه!!.
وإنَّ اللّهَ يَعلمُ أَنَّ قريشاً مَلؤوا الكعبة بالأصنام ، التي عَبَدوها وجَعَلوها آلِهَة ، وهو سبحانه لم يُدافِعْ عنهم ولا عن أَصنامِهم.
إِنَّ حادثةَ الفيلِ كانتْ دِفاعاً عن الكعبةِ المُشَرَّفَة ، حمى اللّهُ فيها الكعبةَ من الهَدْم ، هذه الكعبةُ ضمنَ بيتِ اللّهِ الحرام ، أَوَّلِ بيتٍ بُنِيَ في الأَرضِ لعبادَةِ اللّه ، والذي بَناهُ إِبراهيمُ وإِسماعيلُ - عليهما السلام - لعبادَةِ اللّه ، وستكونُ هذه الكعبةُ المشرفَةُ قِبْلَةً للأُمةِ المسلمةِ القادمة ، التي سَيستخلِفُها اللّهُ على الأُمم ، وسيولَدُ بالقربِ من الكعبةِ محمدُ بنُ عبدِ اللّه ، الذي سيكونُ النبيَّ الخاتم - صلى الله عليه وسلم -.
ومن أَجْلِ هذه المعاني حمى اللّهُ الكعبةَ من جيشِ أَبْرَهَة ، لا من أَجْلِ قريشٍ الوثنيّين ، وأَمَرَ اللّهُ الفيلَ أَنْ لا يَستجيبَ لأَمْرِ أَبرهَةَ بالسيرِ نحو الكَعْبَة ، ونَفَّذَ الفيلُ أَمْرَ رَبِّه ، وكان ذلك الفيلُ أَعْقَلَ من هذا الفادي صاحبِ العَقْلِ الصَّغير الذي أَنكرَ الحادثة!.
ولم تتوجّه الطيرُ الأَبابيلُ إِلى أَصحابِ الفيلِ بنفسها ، إِنما اللّهُ هو الذي وَجَّهَها وأَرسَلَها ، واللّهُ هو الذي حَمَّلَها الحجارةَ من سِجّيل ، وأَمَرَها أَنْ تقصفَ بها أَصحابَ الفيل.
إِنَّ الأَفعالَ في سورةِ الفيلِ مسنَدَة إِلى اللّه ، فاللّهُ هو الذي فَعَلَ بأَصحابِ الفيل ما فَعَل ، وهو الذي أَرسلَ عليهم الطيرَ الأَبابيل ، وهو الذي أمَرَها أَنْ تَرميهم بالحِجارة ، وهو الذي أَهْلَكَ أَصحابَ الفيل ، وهو الذي جَعَلَهم كعصفٍ مأكول ...
وكانت حادثةُ أَصحابِ الفيل " إِرْهاصاً " ومُقَدّمَةً للإِسلام ، وتهيئَةً له ، والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - وُلِدَ عام الفيل ، وبَعَثَهُ اللّه ُ نبيّاً بعدَ أَربعينَ سنةً من الحادثة.
ولذلك ذَكَرَها اللّهُ في القرآن ، باعتبارِها آيةً من آياتِه.
***
هل خاف يعقوب على أبنائه من العين ؟
عندما تَوَجَّهَ أَبناءُ يَعقوبَ الأَحَدَ عَشَرَ إِلى عَزيزِ مِصر - الذي هو أَخوهم يوسُفُ وهم لا يَعرفونَه - طَلَبَ منهم أَبوهم أَنْ لا يَدْخُلُوا من بابِ واحد ، وإِنما يَدخلونَ من أَبوابٍ متفرقَة ، قالَ اللّهُ - عز وجل - : *وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ*.
لماذا طلبَ يعقوبُ - عليه السلام - من أَبنائِه هذا الطَّلَب ؟
أَتْعَبَ بعضُ المفَسِّرينَ والإِخباريّين أَنفسَهم في محاولةِ معرفةِ ذلك..
وذَهَبَ الفادي كعادَتِه إِلى تفسير البيضاوي ، ونَقَلَ منه قولَه : " قال البيضاوي : لأَنهم كانوا ذَوي جَمالٍ وأُبَّهَة ، مُشْتَهرينَ في مِصرَ بالقُرْبِ والتَّكريمِ عندَ الملِك ، فخافَ عليهم أَنْ يَدْخُلوا كوكبةً واحدةً فَيُعانُوا - أَيْ يُصابُوا بالعَيْن - ولعَلَّهُ لم يُوصِهِم بذلك في المرةِ الأَولى لأَنهم كانوا مَجْهولين حِينئذٍ ، أَو كانَ الداعي إِليها الخَوْف على بُنْيامين..
وللنفس آثارٌ منها العين ... ".
وعَلَّقَ الفادي على كلامِ البيضاويِّ بقوله : " ونحنُ نسأل : مِنْ أَينَ جاءَ القرآنُ بهذه القصَّةِ التي لم تَذْكُرْها التوراة ، فَنَسَبَ لواحدٍ من أَنبياءِ اللّهِ خُرافَةً تُنافي العِلْم ، وتُنافي الإِيمانَ بعنايةِ اللّه ؟! ".
مَن الذي أَخبرَ رُواةَ الإِسرائيلياتِ أَنَّ يَعقوبَ - عليه السلام - كان يَخشى على أَبنائِه أَنْ يُصابُوا بالعين ، لجَمالِهم وكثرتِهم وتَقريبِ العَزيزِ لهم ؟
وحتى يَنْجوا من شَرِّ العَيْن أَمْرَهُم أَنْ يَدْخُلوا من أَبواب متفرقَة! لم يُذْكَرْ هذا التعليلُ في حديثٍ صحيحٍ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولهذا نتوقًّفُ في قَبولِ هذا التعليل!.
وقد أَبهمَ القرآنُ الحديثَ عن ذلك ، ودَعا إِلى عَدَمِ الخوضِ فيه ، لِعَدَمِ وُجودِ دليلٍ عليه.
ولْنقرأ هاتَيْنِ الآيتَيْن بإِمعانٍ ، قالَ تعالى : *وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ *67* وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *68*.
قالَ يَعقوبُ - عليه السلام - لأَبنائِه مُعَلِّلاً دُخولَهم من أَبوابِ متَفَرّقة : *وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ*.
أَيْ : دُخولكُم من أَبوابٍ متفرقَةٍ لاَ يُغْني عنكم شيئاً من اللّه ، ولا يَدْفعُ عنكم شَيْئاً من قَدَرِ اللّه ، ومهما حَذِرْتُم فإِنَّه لا يُغْني حَذَرٌ من قَدَر!.
وأَكملَ كلامَه لهم بالإِشارةِ إِلى أَنَّ الحُكْمَ حُكْمُ اللّه ، نافذ على عبادِه ، وهو متوكَلٌ على الله ، مُسَلّم أَمْرَهُ لها : *إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ*.
وأَشارَ القرآنُ إِلى أَنَّ يَعقوبَ - عليه السلام - قَضى وحَقَّقَ حاجَةً في نفسه ، عندما نَفَّذَ أَبناؤُه طَلَبَه ، ودَخَلوا من حيثُ أَمَرَهم : *وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا*.
وإِبهامُ القرآنِ لتلك الحاجةِ دَعوة لنا لعَدمِ البحثِ فيها ، وعَدَمِ مُحاولةِ بَيانِها ، ومعرفَتُها لا دلَيلَ عليها ولا فائدة منها ، ولا يَضيرُنا الجهلُ بها ، ولو علمَ اللّهُ في ذِكْرِها خَيْراً لنا لَذَكَرَها.
وليتَ الذينَ حَدَّدوا تلك الحاجةَ فَهموا هذه الإِشارة القرآنية ، ولم يُتْعِبوا أَنفسَهم في تحديدِ تلك الحاجةِ بأَنها لدفْعِ العَيْن!.
وبهذا نعرفُ أَنَّ يعقوبَ - عليه السلام - كان كل متوكّلاً على اللّه عندما طَلَبَ من أَبنائِه أَنْ يَدْخلُوا من أَبوابٍ متفرقة ، وأَنَّ هذا ليس خرافةً تُنافي العلْمَ والإِيمان ، كما زَعَمَ المفْتَري.
وقد نفى الفادي هذه الحادثة ، رَغْمَ وُرودِها في القرآن لأَنها لم تُذْكَرْ في التوراة وهذا باطل ، ومرجَعِيَّتُنا ليست التوراة ، إِنما هي القرآن ، وذِكْرُ الحادثةِ في القرآن يَكفي لقَبولِها والإِيمانِ بها ، سواءٌ ذَكَرَتْها التوراةُ أَمْ لا.
***
حول بقرة بني إسرائيل
ذَكَرَتْ سورةُ البقرةِ قصةَ بقرةِ بني إسرائيل في سَبْعِ آياتٍ منها 67 - 73.
وخُلاصَتُها أَنه قُتِلَ قَتيلٌ من بني إِسْرائيل ، زَمَنَ موسى - عليه السلام - ، ولم يُعْرَف القاتل ، ولما رَفَعوا القضيةَ إِلى موسى - عليه السلام - ، أَخْبَرَهم بأَمْرِ اللهِ لهم أَنْ يَذْبَحوا بقرة ، فعَجِبوا من ذلك ، وظَنّوهُ يَهزأُ بهم ما فنفى ذلك ، ولما سَأْلوهُ عن عمرِها ولونِها وعملِها أَخبرهم ، عند ذلك ذَبَحوها مُكْرَهين.
وضُربَ القَتيلُ بجزءٍ من تلك البقرة ، فأَحياهُ اللّهُ وأَخبرَ عن القاتِل!!.
وقد رَفَضَ الفادي المفترِي ما قالَه القرآنُ عن قصةِ البقرة ، واتَّهمَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بأَخْذِ القصةِ من التوراة ، لأَنَّ القرآنَ عندَه ليس كلامَ اللّه ، وإِنما هو من تأليفِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَهُ من مصادرَ بشرية ؟
قال : " وتَاريخُ بني إِسرائيل من أَوَّلِه إِلى آخرِه خالٍ من هذه القصة.
ولعلَّ صاحبَ القرآنِ أَخَذَ طَرَفاً من روايتِه من التوراة ".
القصةُ عندَه غيرُ صَحيحة ، لأَنها لم تَرِدْ في التوراة ، ومرجعيَّتُه هي التوراة ، فما ذُكِرَ فيها فهو الصواب ، وما لم يُذْكَرْ فيها فهو الخَطَأ..
مع العلمِ بأَنَّ التوراةَ مُحَرَّفَة ، أَضافَ الأَحبارُ فيها كلامَ البشرِ إِلى كلامِ اللّه ...
أَما نحن المسلمين فإِنَّ القرآنَ هو مرجعيَّتُنا ، ما ذُكِرَ فيه نجزمُ بأَنه هو الصوابُ والصحيح ، وما لم يُذْكَرْ فيه نتوقَّفُ في قَبولِه! وما خالَفَه نجزمُ بأَنه خَطَأ.
وبما أَنَّ قصةَ البقرةِ مذكورةٌ في سورةِ البقرة ، فإِننا نجزمُ بوقوعِ أَحداثِها التي ذَكَرَها القرآن ، ولْيَقُل الفادي ما شاء!!.
ولاحِظْ عبارةَ الفادي القبيحة : " ولعلَّ صاحبَ القرآنِ أَخَذَ طَرَفاً من روايتِه من التوراة " ، فقد صَرَّحَ فيها بأَنَّ القرآنَ من كلام البشر ، وليس كلامَ اللّه.
وبعدَما استعرضَ بعضَ كَلامِ التوراة حولَ القتلِ وأَحكامِه أَجرى مقارنَةً بين كلامِ التوراة وما وَرَدَ في القرآن.
قال : " فهذه هي شريعةُ التوراة ، التي تبيّنُ بَشاعةَ القَتْل ، وتُعلنُ اعترافَ شيوخِ الشعبِ أَنهم لا يَعرفون القاتِل ، بغسْلِ أيديهم على الذبيحةِ رمز البَراءَة ، ثم يَطلبونَ الغُفْرانَ لتلك الخطيةِ المجهولَةِ الفاعِل! وهذا كُلُّه مَعْقول.
ولكنْ هل من المعقولِ أَنَّ قطعةَ لَحْمٍ من العجلةِ يُضْرَبُ بها القتيل ، فيَحيا ويَتَكَلَّم ؟! ".
يُنكرُ الفادي المعجزةَ في قصةِ البقرة ، وهي التي أَشارَ لها قولُه تعالى :
*فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *73*.
بعدما ذَبَحوا البقرة ، أَخذوا قطعةَ لَحْمٍ منها ، وضرَبوا القَتيل بها ، فأَحياهُ اللّه ، وعَرَّفَ على قاتِلِه ثم مات.
وهذا غيرُ معقول عند الفادي الجاهل ، لأَنه يَظُنُّهُ فِعْلاً عاديّاً ، كباقي أَفعال البشر..
لأَنه لا يُفَرِّقُ بينَ الفعلِ البشريِّ العادي ، وبين المعجزةِ الربانية ، التي يُجريها اللّه ، ويَجعلُها آيةً لعباده ، وهذه المعجزةُ لا بُدَّ أَنْ تكونَ خارقةً لعاداتِ البشر!.
***
هل الرعد ملاك ؟
وَقَفَ الفادي المفترِي أمامَ قولِ اللّهِ - عز وجل - *وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ*.
ونَقَلَ كلامَ البيضاوي في تفسيرِ الآية ، الذي ذَكَرَ فيه بعضَ الرواياتِ عن الرعد ، بأَنه مَلَكٌ من الملائكة ، ومعه مخاريقُ من نارٍ يَسوقُ بها السَّحاب ، والبرقَ بأَنه مَلَكٌ آخُر من الملائكة!.
وعَلَّق الفادي على ما نَقَلَه عن البيضاويِّ بقولِه : " ونحنُ نَسأل : إِذا كانَ الرعدُ والبرق من الظواهر الطبيعيةِ الناتجةِ عن احتكاكِ السَّحابِ ببعضها ، فكيفَ يقولونَ إِنها ملائكة ؟! ".
إِنَّ البرقَ والرعدَ من الظواهرِ الطبيعيةِ الجوية ، ولَيْسا مَلَكَيْنِ من الملائكةِ يَسوقانِ السحاب ، وما نَقَلَه البيضاويُّ في تفسيرِه إِنما هو أَقوالٌ ذَكَرَها بعضُ السابقين ، الذين لا يُقَدِّمونَ الدليلَ على ما يَقولون ، ولا يَتَحَرَّونَ الدقةَ فيما يَنْقُلون..
وما نَقَلَه من أَحاديث عن رسولِ اللّه - عليه السلام - لم تَصحّ.
وبما أَنه لم يثبُتْ شيءٌ عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - في أَنَّ الرعدَ والبرقَ مَلَكان من الملائكة ، فإِننا لا نقولُ بذلك!.
واعتراضُ الفادي على الآيةِ مردود ، واتهامُه للقرآنِ بأَنه يجعلُ الرعْدَ مَلَكاً مردودٌ أَيضاً ، لأَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ بذلك.
الذي قالَه القرآنُ أَنَّ الرعْدَ يسبحُ بحمدِ اللّه ، لأَنَّ الرعدَ مخلوقٌ من مخلوقاتِ اللّه ، وكُلُّ المخلوقاتِ تُسَبِّحُ اللّهَ ، قال تعالى : *تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ*.
وليس معنى إِسناده التسبيح للرَّعْد أَنْ يكونَ الرعْدُ مَلَكاً يُسَبِّحُ ، بل هذا من حيويةِ التعبيرِ القرآني ، الذي يستخدمُ طريقةَ التصوير ، حيث قَدَّمَ الرعد في صورةٍ حيةٍ شاخصة ، في صورةِ رجلٍ خاشعٍ عابدٍ يسبحُ اللّهَ - عز وجل -.
***
حول سحر الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وَقَفَ الفادي أَمامَ سورةِ الفَلَق ، وما قيلَ في سببِ نُزولِها ، من أَنَّها نزلَتْ في سِحْرِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -..
ونَقَلَ كلامَ البيضاويِّ في تفسيرِ السورة..
" رُويَ أَنَّ يهوديّاً سَحَرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في إِحْدى عشرةَ عُقْدَة ، في وترٍ دَسَّهُ في بئْر ، فمرضَ النبيُّ ، ونزلتِ المعوِّذَتَان..
وأَخبرَه جبريلُ بموضعِ السِّحْر ، فأَرسلَ عليّاً ، فجاءَ به ، فقرَأهما عليه ، فكانَ كُلَّما قَرَأ آيةً انحلَّتْ عُقْدَة ، وَوَجَدَ بعضَ الخِفَّة..
ولا يوجبُ ذلك صِدْقَ الكَفَرَةِ في أَنه مَسْحور ، لأَنهم أَرادوا به أَنه مجنون بواسطةِ السحر ".
ثم ذَكَرَ الفادي الآيةَ التي تتحدَّثُ عن قصةِ هاروتَ وماروت ، وفيها قولُه تعالى : *فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ*.
وتَدُلّ الآيةُ على أَنَّ السِّحْرَ قد يَضرُّ المسحورَ بإِذْنِ اللّه ، وأَنَّ السحرةَ قد يُؤْذونَ الإِنسان ، ويُفَرِّقونَ بين المرْءِ وزوْجِه.
وذَكَرَ الفادي أقوالاً من الكتابِ المقَدَّس ، تَنْهى عن تَعَلُّمِ السِّحر ، منها أَقوالٌ لبولُسَ وبطرس.
وخرجَ من ذلك بأَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليس رسولَ اللّه ، لأَنَّه لو كانَ رسولَ اللّه لما أَثَّرَ فيه السحرُ ، ولنهى عن السحر كما نهى عنه بولُسُ وبطرس! قال : " ونحنُ نسأَلُ : كيفَ يُصيبُ السحرُ المؤمنَ المحفوظَ بعنايةِ اللّه ؟..
ولقد نهتْ شريعةُ اللّهِ عن السحر.. " ...
وبعدما ذَكَرَ أَقوالَ بولسَ وبطرسَ في النهيِ عن السحرِ قال :
" هذه هي شريعةُ اللّهِ حقّاً ، وهؤلاء هم الرسلُ اللّهِ فِعْلاً ، يَنتهرون السَّحَرَةَ ، ويُعطلونَ أَعمالَهم ، وقوةُ اللّه فوقَ قوى السَّاحرين ".
حادثةُ سِحْرِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثابتةٌ في الحديثِ الصحيح.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ - رضي الله عنها - ، قالت : سَحَرَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يهوديّ من يَهودِ بني زريق ، يُقالُ له : لَبيدُ بنُ الأَعْصَم ، حتى كانَ يُخَيَّلُ إليه أَنه يفعلُ الشيءَ ، وما يَفْعَلُه ...
حتّى إِذا كانَ ذاتَ يوم ، دعا رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ثم دَعا ، ثم دَعا ، ثم قالَ : " يا عائشة! أَشَعَرْتِ أَنَّ اللّهَ أَفْتاني فيما استفتيتُه فيه ، أَتاني رَجُلان ، فقعدَ أَحَدُهما عندَ رأسي ، والآخَرُ عند رجْلَي.
فقالَ الذي عند رأسي للآخَر : ما بالُ الرجل ؟
قال : مَطْبوب.
قال : ومَنْ طَبَّهُ ؟
قالَ : لَبِيدُ بنُ الأَعْصَم.
قالَ : في أَي شيء ؟
قال : في مِشْطٍ ومُشاطَة.
قال : أَيْنَ ؟
قال : في جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ ، تحتَ راعوفةٍ في بئرِ ذَرْوان ".
قالَتْ عائشة : فأَتى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - البئرَ في أُناسٍ من أَصحابِه ، حتى استخرجَه..
ثم قالَ : " يا عائشةُ! هذه البئرُ التي أُريتُها ، وكأَنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنَّاء ، وكأَنَّ نَخْلَها رؤوسُ الشياطين.. ".
فقلتُ : يا رسولَ اللّه ، أَفلا أَحْرَقْتَه!
قال : " لا ؟
أَمّا أَنا فقد عافاني اللّهُ ، وكرهتُ أَنْ أُثيرَ على الناسِ شَرّاً..
فأَمَرْتُ بها فدُفِنَتْ ... ".
خُلاصَةُ حادثةِ سِحْرِ رسولِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ اليهوديَّ لَبيدَ بنَ الأَعْصَمِ كان ساحِراً ، وأَرادَ أَنْ يسحر رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، فأَخَذَ مِشْطاً كان يَمتشِطُ فيه رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَخَذَ " مُشاطة " - وهي بقايا الشَّعْرِ الذي كان يَسقطُ من رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ويَبْقى في المشْط - ونَفَثَ في ذلك المشطِ والمُشاطة ، ولَفَّهُما على سِحْرِه ، ووضَعَهما في " جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَر " ، وهو الغِشاءُ الذي يَكونُ على طَلْعِ النخل ، ثم وَضَعَ الوعاءَ تحتَ راعوفةٍ في بئرِ ذَروان ، والرّاعوفةُ هي الحجرُ الكبيرُ تكونُ في قَعْر البئر ، يَنزلُ الإِنسانُ إِليها ، ويَقِفُ عليها ، إِذا احتاجَ إِلى النزولِ للبئر ...
وبئرُ " ذَرْوان " واقعةٌ في بستانٍ في المدينة.
وشاءَ اللّهُ أَنْ يُؤَثِّرَ هذا السحرُ في الجانبِ البشري لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ولَفْظُ الحديثِ دَقيق : " حتى كانَ يُخَيَّلُ إليه أنه يَفعلُ الشيءَ ، وما يَفعلُه "..
أَي : كانَ أَثَرُ السحرِ على بَصَرِه فَقَط - صلى الله عليه وسلم - ، بحيثُ يدفعُه إِلى مجردِ التخيُّلِ بالبَصَر!.
ولم يستمرّ هذا طَويلاً ، فلما أَحسَّ رسولُ اللّهِ بالتخيُّل على بَصَرِه لَجَأَ إِلى اللّهِ بالدُّعاء ، فدعاهُ - صلى الله عليه وسلم - ثم دَعاهُ ، ثم دَعاهُ ، وطَلَبَ منه أَنْ يُزيلَ عنه ما يَجدُه..
واستجابَ اللّهُ دعاءَ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - وأَزالَ عنه أَثَرَ السحر بفضْلِه سبحانه ، ولم يَعُدْ يتخيَّلُ ببصرِه غيرَ الموجود..
وأَحَسَّ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - بذلِك فحمدَ اللّهَ ، ثم قالَ لعائشةَ - رضي الله عنها - : "لقد أَفْتاني اللّهُ فيما استَفْتَيْتُه " ، أَيْ : عافاني ممّا أَجِدُه ، واستجابَ دعائي!.
وأَرسلَ اللّهُ اثنَيْنَ من الملائكةِ في صورةِ رجلَيْن ، فقعَدَ أَحَدُهُما عند رأسِه ، وقَعَدَ الآخرُ عند رجلَيْه ، وتحاوَرا فيما بينَهما ليَسمعَ كلامَهما ، فعرفَ منهما أَنه مَسْحور ، وأَنَّ الذي سَحَرَهُ هو اليهوديُّ لبيدُ بنُ الأَعصم ، وعَرَف مكانَ السحْر..
فذهبَ مكل مجموعةٍ من الصحابةِ فاستخرجَه.
وقد اقترحَتْ عائشةُ - رضي الله عنها - عليه أَنْ يحرقَه ، ولكنَّه أَبى ذلك ، حتى لا يُثيرَ على الناس شَرّاً.
وأَمَرَ به فدُفِنَ في الأَرض.
وإِنَّ حَادِثةَ سِحْرِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - دليلٌ على بشريَّتِه ، وأَنه تُؤَثّرُ فيه الأَحْداثُ ، ويَجري عليه قَدَرُ اللّه ، كما أَنها تَدُل على أَنَّ السحْرَ يَضُرُّ بإِذْنِ اللّه.
ولا إِشكالَ في سحرِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنَّ جانبَ النبوةِ لم يَتَأَثَّرْ بالسِّحر ، فهو محفوظٌ بحفظِ اللّه ، إِنما كانَ تأثيرُه على حاسَّةِ بصرِه فقط ، بحيثُ كان يتخيَّلُ أَنه فَعَلَ الشيءَ ، مع أَنه لم يفعَلْه ، أَما عقْلُه وقلْبُه وروحُه وأَعصابُه فقد بقيَتْ سليمة ...
وسرعانَ ما أَزالَ اللّهُ عن بَصَرِه أَثرَ السحر ، بعد أَنْ دَعاهُ وتَضَرَعَ إِليه.
وقد كانَ الفادي جاهلاً عندما وَظَّفَ حادثةَ سِحْرِه - صلى الله عليه وسلم - دَليلاً على عدم نبوَّتِه ، وذلك عندما تساءَلَ بخُبْث : " كيف يُصيبُ السحرُ المؤمنَ المحفوظَ بعناية اللّه ؟! ".
إِنَّ اللّهَ يَحفظُ عبادَه المؤمنين ، ومع ذلك يَبْتَليهم بالضّرِّ ، ويَأْذَنُ أَنْ يُصابوا بالأَذى ، وليس وقوعُ هذا بهم دليلاً على عدمِ محبَّتِه لهم ، أَو تخلّيه عنهم..
وهم عندما يُصابونَ بالضُّرِّ والأَذى يلجؤون إِليه ، ليكشفَ عنهم ما بهم..
وبذلك يَزدادونَ قُرْباً منه سبحانه.
وهذا ما حَصَلَ مع رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنَّ الفادي مطموسٌ على قلبه ، لذلك يجهلُ هذه الحقائق والمعاني والدروسَ والدلالات! *1*.
__________
*1* قال الله تعالى في حق موسى - عليه السلام - *قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى *65* قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى *66* فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى *67* قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى *68* وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى *69*.


من مواضيعي
0 دليل ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم
0 أنجيل الطفولة
0 معرفة دين الحق (الإسلام)
0 لماذا لا يدخل كل الناس الجيدين إلى الجنة
0 العهد الجديد - ترجمة بين السطور - [يوناني - عربي]
0 العلاج بالمغناطيس
0 أم سُلَيْمٍ رضي الله عنها
0 انفوجرافيك أطعمة للعناية بالبشرة في الشتاء

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المطاعن, العلمية

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:22 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009