ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

نقض المطاعن الجغرافية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


نقض المطاعن الجغرافية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 04:16 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي نقض المطاعن الجغرافية

نقض المطاعن الجغرافية
هل تَغيبُ الشمسُ في بئرِ ماء ؟
زَعَمَ " الفادي " أَنَّ القرآنَ أَخطأَ في حديثِهِ عن مَغيبِ الشمس ، حيثُ أَخبرَ أَنَّ الشمسَ تَغيبُ في بئْرِ ماء!.
وذلك في قولهِ تعالى عن رحلةِ ذي القرنَيْنِ الأُولى نحوَ مغربِ الشمس :
*وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا *83* إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا *84* فَأَتْبَعَ سَبَبًا *85* حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ... *.
نَسَبَ الفادي إِلى " البيضاويِّ " أَنه قالَ في تفسيرِه عن ذي القرنين : " إِنَّ اليهودَ سأَلوا محمداً عن إِسكندر الأَكبر ؟
فقال : إِنَّ اللّهَ مَكَّنَ له في الأَرض ، فسارَ إِلى المكانِ الذي تَغربُ فيه الشمس ، فَوَجَدَها تغربُ في بئرٍ حَمِئَة ، وحولَ البئْرِ قومٌ يَعْبُدونَ الأَوثان! ".
هل كان الفادي أَميناً في النقلِ عن البيضاوي ؟
هل هذا الكلامُ موجودٌ في تفسيرِ البيضاوي ؟
لِننظرْ!.
قال البيضاوي : " ... واخْتُلِفَ في نبوةِ ذي القَرْنَين ، مع الاتفاقِ على إِيمانِه وصَلاحِه..
والسائلونَ هم اليهود ، سأَلوهُ امتحاناً ، أَو مشركو مكة ... ".
لم يكن الفادي أَميناً في النقل ، وإِنما كان مُحَرِّفاً ، ونَسَبَ إِلى البيضاويِّ ما لم يَقُلْه ، وكَذَبَ على رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم.
ذَكَرَ البيضاويُّ قولَيْن في الذينَ سأَلوا رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن ذي القرنين ، هل هم اليهودُ أَو المشركون ؟
والراجحُ أَنَّ الذينَ أَوْصَوْا أَنْ يُسْأَلَ عن ذي القرنين والذين صاغوا السؤالَ هم اليهود ، وأَنَّ الذينَ وَجَّهوا له السؤالَ هم مشركو مكة ، فلا تعارضَ بين القولَيْن اللذين ذَكرهما البيضاوي ، مع أَنَّ الأَوْلى أَنْ نَعتبر السائلين مشركي مكة ، لأنهم هم الذين وَجَّهوا له السؤالَ مباشرة!.
ولما سُئِلَ عن ذي القرنين انتظرَ حتى يأْتيَه الجوابُ من اللّه ، لأَنه لم يكنْ يعلمُ عنه شيئاً ، وآتاهُ اللّهُ الجوابَ في قوله تعالى : *وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا *83*.
وقد تلاعَبَ الفادي في كلام البيضاوي وحَرَّفَه ، لحاجةٍ في نفسِه ، فَزَعَمَ أَنَّ اليهودَ سألوا رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن الإِسكندر الأكبر ، مع أَنهم سأَلوهُ عن ذي القرنين ، وليس عن الإِسكندرِ الأَكبر ، والراجحُ عند علماءِ المسلمين أَنَّ ذا القرنَيْن ليس هو الإِسكندرَ الأَكبر!.
وافترى الفادي على رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، عندما نَسَبَ له حَديثاً موضوعاً ، لم يَقُلْه ، وهو : " إِنَّ اللّهَ مَكَّنَ له في الأَرض ، فسارَ إِلى المكانِ الذي تَغربُ فيه الشمس ، فوجَدَها تَغربُ في بئرٍ حَمِئَة ، وحولَ البئرِ قومٌ يَعبدونَ الأَصنام ".
ونَشهدُ أَن رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - لم يَقُلْ هذا الكلامَ الذي نَسَبَهُ له الفادي المفترِي ، فهو ليسَ حَديثاً صَحيحاً ولا حَسَناً ولا ضَعيفاً ، وإِنما هو مكذوبٌ موضوع.
وبعدما كَذَبَ الفادي المفترِي على رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، افترى على البيضاويِّ فَنَسَبَهُ له ، مع أَنه لا يوجَدُ في تفسيرِه إ!.
وتابَعَ المفترِي افتراءَه على رسولِ إللّه - صلى الله عليه وسلم - وعلى البيضاوي ، عندما قال : " ...
وَسارَ إِلى المكانِ الذي تَطلعُ منه الشمس ، فاكتشفَ أَنها تطلعُ على قومٍ لا يَسترُهم من الشمسِ بُيوتٌ أَو ثياب! وسارَ في طريقٍ معترضٍ بين مطلع الشمسِ ومغربها إلى الشمال ، فوجَدَه يَنْتَهي إِلى جَبَلَيْن ، فصَبَّ بينَهما رَدْماً من الحدِيد ، وكَوَّنَ بذلك سَدّاً مَنيعاً ، لا يُدرِكُه إِلّا اللّه يومَ قيامِ الساعة.. " !!
وهذا كلامٌ مفترىً ، لم يَقُلْه رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يَذْكُرْه البيضاوي..
ونَقَلَ الفادي عن تفسيرِ البيضاوي قولاً آخر ، وذلك في قولِه : " وقال البيضاوي : إِنَّ ابنَ عباس سمعَ معاويةَ يَقرأُ " حامِيَة " ، فقالَ : *حمَئَةٍ* فبعثَ معاويةُ إِلى كعبِ الأَحبار : كيفَ تجدُ الشمسَ تَغرُب ؟
قال : في ماءٍ وطين.. ".
وكانَ الفادي مُفْتَرِياً على البيضاوي في هذا النقلِ أَيْضاً ، فالذي في تفسيرِ البيضاوي هو : " في عينٍ حَمِئَة : ذاتِ حَمَأ..
من : حَمِئَت البئرُ " إِذا صارَتْ ذاتَ حَمْأَة..
وقرأَ ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيّ وأَبو بكر : " حامِيَة ".
أَيْ : حارَّة..
ولا تَنافي بينَهما ، لجَوازِ أَنْ تكونَ العينُ جامعةً للوصْفَين ...
ولعلَّه بلغَ ساحلَ المحيطِ فرآها كذلك..
وقيلَ : إِنَّ ابْنَ عباسٍ سمعَ معاويةَ يقرأُ " حامِيَة " ، فقال : *حمَئَةٍ*..
فبعثَ معاويةُ إِلى كعبِ الأَحبار : كيفَ تجدُ الشمسَ تَغْرُبُ ؟
قال : في ماءٍ وطين ، كذلك نجدُه في التَّوراة! " *1*.
وأَدْعو إِلى المقاربةِ بينَ كلامِ البيضاوي ، والكلامِ الذي نَسَبَهُ له الفادي ، لمعرفةِ افترائِه وتَحريفِه وتَلاعُبه.
الإِمامُ البيضاويُّ يُريدُ أَنْ يُفَسِّرَ كلمةَ *فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ*.
فقال : إِنَها عينٌ ذاتُ حَمَأ.
وذَكَرَ مِثالاً على هذا المعنى للتَّوضيح.
فقال : " يقال : حَمِئَت البئر ؟
إِذا صارَتْ ذاتَ حمأة ".
والحَمَأُ هو : الطينُ الأَسودُ المنتنُ المتغَير.
ويُقال : حَمِئَ الماءُ حَمَأً : إِذا كَثُرَ فيه الحَمَأُ ، وهو الطِّين ، فَتَكَدَّرَ وتَغَيَّرَتْ رائحتُه.
ويقال : حَمَأَت البئرُ :
أَيْ : أَخْرَجَتْ حَمْأَتَها.
والعينُ الحَمِئَةُ هي : التي فيها الحَمَأُ.
وهو الطّين.
وقد أَخْبَرَنا اللّهُ أَنه خَلَقَ الإِنسانَ من حَمَأ ، فقال تعالى :
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
44- حول غروب الشمس فى عين حمئة ومخالفة ذلك للحقائق العلمية
تغرب الشمس فى عين حمئة ، حسب القرآن [ الكهف : 86 ] وهذا مخالف للعلم الثابت. فكيف يقال إن القرآن لا يتناقض مع الحقائق العلمية الثابتة ؟ *انتهى*.

الرد على الشبهة :
فى حكاية القرآن الكريم لنبأ " ذو القرنين " حديث عن أنه إبان رحلته : *حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين حمئة ووجد عندها قومًا.. * *1*.
والعين الحمئة ، هى عين الماء ذات الحمأ ، أى ذات الطين الأسود المنتن.
ولما كان العلم الثابت قد قطعت حقائقه بأن الأرض كروية ، وأنها تدور حول نفسها وحول الشمس ، فإن غروب الشمس ليس اختفاء فى عين أو غير عين ، حمئة أو غير حمئة.. والسؤال : هل هناك تعارض بين حقائق هذا العلم الثابت وبين النص القرآنى ؟.
ليس هناك أدنى تعارض - ولا حتى شبهة تعارض - بين النص القرآنى وبين الحقائق العلمية.. ذلك أن حديث القرآن هنا هو عن الرؤية البصرية للقوم الذين ذهب إليهم ذو القرنين ، فمنتهى أفق بصرهم قد جعلهم يرون اختفاء الشمس - غروبها - فى هذه البحيرة - العين الحمئة - .. وذلك مثل من يجلس منا على شاطئ البحر عند غروب الشمس ، فإن أفق بصره يجعله يرى قرص الشمس يغوص - رويدًا رويدًا - فى قلب ماء البحر.
فالحكاية هنا عما يحسبه الرائى غروبًا فى العين الحمئة ، أو فى البحر المحيط.. وليست الحكاية عن إخبار القرآن بالحقيقة العلمية الخاصة بدوران الأرض حول الشمس ، وعن ماذا يعنيه العلم فى مسألة الغروب.
وقد نقل القفال ، أبو بكر الشاشى محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر [429 - 507ه - /1037 - 1114م] عن بعض العلماء تفسيرًا لهذه الرؤية ، متسقًا مع الحقيقة العلمية ، فقال : " ليس المراد أنه [ أى ذو القرنين ] انتهى إلى الشمس مشرقًا ومغربًا حتى وصل إلى جِرْمها ومسَّها.. فهى أعظم من أن تدخل فى عين من عيون الأرض ، بل هى أكبر من الأرض أضعافًا مضاعفة. وإنما المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة [ أى البقاع المعمورة والمأهولة ] من جهة المغرب ومن جهة المشرق ، فوجدها فى رأى العين تغرب فى عين حمئة ، كما أنا نشاهدها فى الأرض الملساء كأنها تدخل فى الأرض ، ولهذا قال : *وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سِترا * *2*. ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسّهم وتلاصقهم ، بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم.. " *3*.
فالوصف هو لرؤية العين ، وثقافة الرائى.. وليس للحقيقة العلمية الخاصة بالشمس فى علاقتها بالأرض ودورانها ، وحقيقة المعنى العلمى للشروق والغروب.
فلا تناقض بين النص القرآنى وبين الثابت من حقائق العلوم.. اهـ *شبهات المشككين*
__________
*1* الكهف : 86.
*2* الكهف : 90.
*3* القرطبى [ الجامع لأحكام القرآن ] ج11 ص 49 ، 50 - مصدر سابق - .
*وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ *26*.
والحَمَأُ المسْنونُ هو الطينُ الأَسودُ المتغَيِّرُ.
فالعينُ الحمئةُ هي العينُ ذاتُ الحَمَأ ، أَي التي اخْتَلَطَ فيها الماءُ بالطين.
وذَكَرَ الإِمامُ البيضاويُّ البِئْرَ لتَوضيحِ معنى الحمأ ، فقال : مِن حَمِئَتِ البِئْر ، إِذا صارَتْ ذاتَ حمأ.
أَي : اخْتَلَطَ ماءُ البئرِ بالطينِ ، فصارت البئْرُ حَمِئَة ، اخْتَلَطَ ماؤُها بالطين!.
وذَكَرَ البيضاويُّ أَنَّ في " حَمِئَة " قراءَتَيْن :
الأُولى : قراءةُ نافع وابنِ كثير وأَبي عمرو ويعقوب ورواية حفص عن عاصم : *حِمَةٍ* بالهمز ، ومَعْنى : *فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ* : عينٍ اخْتَلَطَ ماؤُها بالحَمَأِ والطين.
الثانية : قراءةُ ابنِ عامر وحمزة والكسائي وخلف وأَبي جعفر ورواية أَبي بكر عن عاصم : " حامِيَة ".
ومعنى : " في عينٍ حامِيَة " : عينٍ حارَّةٍ.
وذكرَ البيضاويُّ : أَنَّ ابنَ عباسٍ كان يقرأُ : *فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ* بالهمزة ، بينما كانَ معاويةُ بنُ أَبي سفيان - رضي الله عنهما - يقرأُ : " في عينٍ حامِيَة ".
وروى البيضاويُّ : أَنَّ معاويةَ - رضي الله عنه - بعثَ إِلى كعبِ الأَحبارِ يسأَلُه : كيفَ تجدُ الشمسَ تغرب ؟
قال : " تغربُ في ماءٍ وطين ، كذلك نجدُه في التوراة ".
وبدأَ البيضاويُّ الروايةَ بصيغةِ " قيل " ، وهي صيغةٌ دالَّةٌ على التمريضِ والتضعيف! ومعناها أَنَّ الروايةَ لم تَثْبُتْ!!.
ولما نَقَلَ الفادي المفترِي الروايةَ حَذَفَ من كلامِ كعبِ الأَحبار الجملةَ الأَخيرة : " كذلك نجدُهُ في التوراة " ، لئلا يُثبتَ هذا الكلامَ في التوراة!! مع أَنَّ الروايةَ لم تَثبت كما قلنا!!.
وبهذا نعرفُ أَنَّ الفادي كاذبٌ مُفْتَرٍ ، عندما نَسَبَ للبيضاوي قولَه : إِنَّ الشمسَ تغربُ في ماءٍ وطين ، وهذا معناهُ أَنها تَغيبُ في بئرٍ حمئة! مع أَنَّ البيضاويَّ لم يَقُلْ ذلك أَبَداً.
وبهذا نعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ : إِنَّ الشمسَ كانتْ تَغيبُ في بئْرٍ حَمِئَة ، والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - لم يَقُلْ : إِنها كانتْ تَغيبُ في بئْرٍ حمئة!.
وبهذا نعرفُ أَنَّ الفادي خبيثٌ مُغْرِض ، عندما طَرَحَ سؤالَه المشَكِّكَ قائلاً : " ونحنُ نسأل : إِذا كانت الشمسُ أَكبرَ من الأَرضِ مليوناً وثلاثمئة أَلْف مَرَّة ، فكيفَ تَغْرُبُ في بئرٍ رآها ذو القَرنين ، ورأى ماءَها وطينَها ، ورأى النّاسَ الذينَ عندها ؟ ! ".
إِنَّ هذه الأُكذوبةَ الخُرافيةَ لم تَرِدْ في القرآن ، ولم يَقُلْها أَحَدٌ من المسلمين ، وإِنما اخْتَلَقَها الفادي المفترِي ، وجَعَلَها خطأً جغرافياً في القرآن!.
بَقِيَ أَنْ نُبينَ معنى قوله تعالى : *حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ*.
عندما توجَّهَ ذو القرنين نحوَ الغربِ تابَعَ سيرَه حَتّى وَصَلَ إِلى مكانٍ تَلْتَقي فيه اليابسةُ مع الماء ، ولعلَّ هذا كان عندَ شاطئ أَحَدِ البِحار ، ولا دَليلَ على تحديد ذلك المكان ، فهو من مبهماتِ القرآن!.
ولعلَّ المكانَ الذي وَقَفَ فيه ذو القرنين كان عندَ مَصَبِّ أَحَدِ الأَنهارِ في ذلك البَحر ، ويبدو أَنَّ ماءَ النهر في ذلك اليوم كان مختَلِطاً بالتراب ، فكانَ " حَمِئاً ".
ولما وقفَ ذو القرنَين في ذلك المكان ، نَظَرَ أَمامَه إِلى الشمسِ وهي تَغربُ وَتَغيب ، فرآها *تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ*.
أَيْ أَنَّ قُرْصَ الشمسِ سَقَطَ أمامَه في الماءِ المختلطِ بالتراب ، الذي يَقذفُه النهرُ في البَحر ، وبذلك رآها تغربُ في عينٍ حَمِئَة!.
وهذا أَمْرٌ لا يَدعو للعجب أَو الغرابةِ أَو الإِنكار.
وقد عَلَّقَ الإِمامُ البيضاويُّ على ذلك بقوله : " ولعلًّه بَلَغَ ساحلَ المحيط ، فرآها كذلك ، إِذْ لم يكنْ في مَطمحِ بَصَرِه غيرُ الماء ، ولذلك قال : *وَجَدَهَا تَغرُبُ* ولم يَقُل : كانتْ تَغْرُب..".
وبهذا نعرفُ كَذِبَ وافتراءَ الفادي ، عندما اتَّهَمَ القرآنَ والرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقول بأَنَّ الشمس " تغرب في بئر حمئة ".
ثم طرحَ سؤالَه التشكيكي الخَبيث ، والقرآنُ مُنَزَّهٌ عن ادِّعاءِ وافتراءِ الفادي ، حتى البيضاوي لم يقلْ ما نسبَه له ادعاءً وافتراءً.

هل الأرض ثابتة لا تتحرك ؟
زَعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ أَخطأَ في حديثِه عن خَلْقِ الأَرْض ، عندما قال :
إِنَّ الأَرضَ ثابتةٌ لا تَتَحرك! وهذا خطأٌ جغرافيٌّ فَلَكي ، لأَنَّ دورانَ الأَرضِ بدهيةٌ مُسَلَّمة!.
وأَوردَ الفادي آياتٍ من سور : الرعد وَالنحل والحجر والأنبياء ولقمان ، كلُّها تُقرِّرُ ثَباتَ الأَرضِ وعدمَ حركتِها أَو دورانِها!.
قال : " جاءَ في سورةِ لقمان : *خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ*.
وجاءَ في سورةِ الرعد : *وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ*.
وجاءَ في سورةِ الحجر : *وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ *19*.
وجاءَ في سورةِ النحل : *وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *15*.
وجاءَ في سورةِ الأَنبياء : *وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ *31*.
اختارَ الفادي خمسَ آياتٍ من خمسِ سُوَر ، تتحدثُ عن الجبال الرواسي ، التي ثَبَّتَ اللّهُ بها الأَرض ، لئلا تَميدَ وتضطربَ بأَهْلِها.
ورجعَ إِلى تفسيرِ البيضاوِيّ ليأخذَ منه تفسيرَ الآيات.
قال : " وقال البيضاويّ تفسيراً لآيةِ الأَنبياء : *أَن تَمِيدَ بِكم* " كراهةَ أَنْ تَميدَ بهم ".
وقال تفسيراً لآيةِ الرعد : *وَهُوَ اَلَذِى مَدَّ اَلارضَ* : " بَسَطَها طولاً وعَرْضاً ، لتَثبتَ عليها الأَقدام ، ويتفلَّبُ عليها الحيوان ".
وأَجملَ البيضاويّ تفسيرَ هذه الآياتِ بما فَسَّرَ به آية سورة النحل ، فقال : *وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ* : أَي : كراهةَ أَنْ تَميلَ بكم وتضطرب.
لأَنَّ الأَرضَ قبلَ أَنْ تُخْلَقَ فيها الجبالُ كانت كُرَةً خفيفةً ، بَسيطةَ الطبع ، وكانَ من حَقِّها أَنْ تتحركَ بالاستدارةِ كالأفلاك ، أَو أَنْ تتحركَ بأَدنى سببٍ للتحريك..
فلما خُلقت الجبالُ على وجهِها تَفاوتَتْ جوانبُها ، وتوجهَت الجبالُ نحو المركز ، فصارَتْ كالأَوتادِ التي تمنَعُها عن الحركة ...
وقيل : لما خَلَقَ اللّهُ الأَرضَ جَعَلَتْ تَمور ، فقالَت الملائكة : ما هي بِمَقَرّ أَحَدٍ على ظهرِها ، فأَصبحتْ وقد أُرسيتْ بالجبالِ ...
الآياتُ الخمسُ التي أَوردَها الفادي صريحةٌ في أَنَّ اللّهَ جَعَلَ الجبالَ رواسيَ مُثَبِّتَةً للأَرض ، لئلّا تَميدَ الأَرضُ وتضطربَ وتتحركَ بأَهلها ، ولولا هذه الجبالُ لاضطربَت الأَرضُ بأَهْلِها.
فهي رَواسٍ تستقرُّ بها الأَرض ، وهي أَوتادٌ تُثَبّت الأَرض.
قال تعالى : *أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا *6* وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا *7*.
ونتحفَّظُ على كلامِ الإِمامِ البيضاويّ ، الذي ذَكَرَ فيه أَنَّ الأَرضَ كانت تَمورُ وتتحرك ، لأَنه لا دليلَ له على ذلك ، لا من القرآن ولا من السنّة ، كما نتحفظُ على كلامِه الذي نَسَبَ فيه للملائكةِ قولَهم : إِنَّ الأَرضَ لا تصلحُ أَنْ تكونَ مَقَرًّاً لأَحَدٍ على ظهرِها! لأَنه لا دليلَ له على هذا الكلام الذي نَسَبَه لهم ، لا من القرآنِ ، ولا من السنّةِ الصحيحة! ومعلومٌ أَنَّ أَنباءَ الماضي لا تُؤْخَذُ إِلّا من آيةٍ صريحة ، أَو حديثٍ صحيحٍ مرفوعٍ للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد صَدَّرَ البيضاويُّ كلامَه بصيغةِ " قِيلَ " ، الدالة على التشكيكِ والتَّوْهين!.
وبعدَ ذلك سَجَّلَ الفادي تَساؤُلَه الخَبيث ، فقال : " ونحنُ نسأل : إِذا كان واضحاً أَنَّ الأَرضَ تَدورُ حولَ نفسِها مرةً كُلَّ أَربعٍ وعشرينَ ساعة ، وينشأُ عن تلك الحركةِ الليلُ والنهار ، وتَدورُ حولَ الشمسِ مع كل سنة وينشأُ عن ذلك الدورانِ الفصولُ الأربعة ، فكيفَ تكونُ الأَرضُ ممدودةً مبسوطةً ثابتةً لا تتحرك ، وأَنَّ الجبالَ تَمنَعُها عن أَنْ تَميد ؟! ...
وهَدَفُ الفادي من طرحِ سُؤالِه تَخْطِئَةُ القرآنِ ، في حديثِهِ عن الجبالِ المثَبِّتَةِ للأَرض ، التي تَمْنَعُها عن الحركة ، لأَنَّ الأَرضَ تتحركُ حولَ نفسها ، وتَدورُ حولَ الشمس!!.
والفادي جاهلٌ باللغةِ وبالعلمِ وبالفلك ، عندما اعتبرَ القرآنَ مُخطئاً ، في حديثهِ عن الجبالِ الرواسي ، التي ثَبَّتَ اللّهُ بها الأَرض ، لئلّا تَميدَ وتضطربَ بأَهْلِها.
لقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ الجبالَ مثبتةٌ للأَرض ، حيثُ جعلَها اللّه رواسيَ وأَوتاداً لئلّا تَميدَ الأَرضُ ، كما نَصَّتْ على ذلك الآيات ُ السابقة.
وهذا هو الصوابُ بعينِه ، فالجبالُ عاملُ تَوازنٍ في الأَرض ، ولولاها لمادَت الأَرضُ واضطربَتْ ، ولذلك سَمّاها اللّهُ رواسيَ وأَوتاداً.
وسُمِّيتْ " رواسيَ " لأَنها أَشبهُ ما تكونُ برواسي السَّفينة ، التي تحفظُ تَوازُنَها.
وسُميتْ " أَوتاداً " لأَنها أَشبهُ ما تكونُ بِأَوتادِ الخيمة ، التي تُرْبَطُ بها حِبالُها ، فتحفظُ تَوازُنَها ولا تَسقط.
فالجبالُ تحفظُ تَوازُنَ الأَرض ، فلا تَميدُ ولا تَضطرب ، ولا تَميلُ ولا تتأرجح..
وليس معنى هذا أَنَّ القرآنَ يُخبرُ أَنَّ الأَرضَ ثابتةٌ ، لا تَتحركُ ولا تَجري ولا تَسير ، كما فَهمَ ذلك الفادي الجاهل ، واعتَبَرَه خَطَأً جغرافيّاً فلكيّاً في القرآن ، واعْتَبَره متعارضاً مع دورانِ الأَرضِ حولَ نفسِها وحولَ الشمس ، الذي هو " بدهية فلكية " في العصرِ الحديث.
لقد صَرَّح القرآنُ بأَنَّ الجبالَ تَحفظُ تَوازنَ الأَرض ، فلا تَميدُ بأَهْلِها.
ولذلك خاطبَ الناسَ بذلك : *وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ*.
فَمنْعُ المَيْدِ والاضطرابِ خاصّ بالبَشَر ، ولكنَّ هذا لا يمنَعُ دورانَ الأَرضِ حولَ نفسِها وحولَ الشمس ، وكونُ الجبالِ رواسيَ وأَوتاداً لا يَعني أَنها لا تَدورُ دورانَها المعْروف ، إِنَّنا نوقنُ أَنَّ الأَرضَ تدورُ حولَ نفسِها مرةً
كُلَّ أَربعٍ وعشرين ساعة ، فينتجُ عن ذلك الليلُ والنهار ، كما أَنَّنا نوقنُ أَنَّها تَدورُ حولَ الشمسِ مرةً كُل سنة ، فينتجُ عن ذلك الفصولُ الأَربعة.
ولكنَّ الأَرضَ ثابتةٌ أَثناءَ دورانِها وحركتِها ، وهي " متوازنةٌ " أَثناءَ هذا الدوران اليوميّ والسَّنَوي ، والذي جعلَها ثابتةً متوازنة في دورانِها هو الجبالُ الرواسي الأَوتاد.
فدورانُها لا يمنعُ توازُنَها ، وتَوازُنُها لا يُلغي دورانَها ، فهي ثابتةٌ متوازنةٌ ، متحركةٌ جارية ، وليستْ ثابتةً ساكنةً ، واقفةً جامدة!!.

كيفَ تُرْجَمُ الشياطينُ بالنجوم ؟
خَطَّأَ الفادي المفترِي القرآن ، لأَنه صَرَّحَ بأَنَّ اللّهَ جعلَ النجومَ رُجوماً للشياطين.
وقد نَصَّ القرآنُ على ذلك.
قال تعالى : *وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ *5*.
وقال تعالى : *إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ *6* وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ *7* لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ *8* دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ *9* إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ *10*.
وقال تعالى : *وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ *16* وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ *17* إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ *18*.
تَذْكُرُ هذه الآياتُ وظيفتَيْن من وظائفِ النجومِ والكواكب :
الأُولى : تَزيِينُ السماءِ الدُّنيا وتَجميلُها ، فهي في الليلةِ الصافيةِ تكونُ مضيئةً متلَأْلِئَة ، تُرْسِلُ أَضواءَها الجميلة ، فتبدو السماء في أَفضلِ أَحوالِها ، وأَجملِ صُوَرِها : *وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ*.
*إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ*.
الثانية : حِفْظُ السماءِ من صُعودِ الشياطينِ إِليها ، فالشياطينُ يُريدونَ الصعودَ إِلى السماءِ الدنيا ، لِيَتَسَمَّعوا إِلى الملأ الأَعْلى الذينَ فيها من الملائكة ، لعلَّهم يَسمعونَ منهم كلمةً مما أَمرهم اللّهُ بإِنفاذِه في عالَمِ البشر ،
فَيهبطون فَوراً إِلى الأَرض ، ويُقَدمونَ ما سَمِعوه إِلى أَعوانِهم من الكهنةِ والسحرةِ والدَّجّالين ، فيُخبرونَ الناسَ بذلك ، ويوهمونَهم بأَنهم يعلمونَ الغيب.
وحتى لا ينجحَ الشياطينُ في استراقِ السمع ، فإِنَّ اللّهَ جَعَلَ على السماءِ حُرّاساً من الملائكة ، يَحْفَظونها من الشياطين ، وإِذا حاولَ أَحَدُ الشياطين الاقترابَ من السماءِ قَذَفوهُ بشهابٍ ثاقب من تلك النجومِ والكواكب ، بأَنْ
يَأخُذوا قطعةً من النجمِ المُشْتَعِل ، فيضربوا بها الشيطان ، فيَحترقَ ويَموت!!.
فمعنى قوله تعالى : *وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ* أَنَّ اللّهَ يأمرُ الملائكةَ الحُرَّاسَ على السماءِ الدنيا أَنْ يَأخُذوا رُجوماً وحجارةً وشُهُباً مشتعلةً من النجوم ، ويَرْجُموا ويَرْموا بها الشياطين.
ومعنى قوله تعالى : *وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ *7* لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ *8* دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ *9* إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ* :
أَنَّ اللّهَ حفظَ السماءَ بالنجومِ من كلِّ شيطانٍ مارد ، وبذلك امتنعَ الشياطينُ من التَّسمُّعِ لكلامِ الملائكةِ في الملأ الأَعلى ، فإِذَا حاوَلوا التسمُّعَ فإِنَّ الملائكةَ الحُرّاسَ يَقْذِفونهم بالشُّهُبِ الثاقبةِ من كُلِّ جانب ، وإِذا هَرَبَ شيطانٌ بكلمةٍ خَطَفَها فإِنَّ الحُرّاسَ يَتْبَعونَه ويَرْمونَه بشهابٍ ثاقبٍ من تلك النجومِ فيحترق.
فالآياتُ صريحةٌ في أَنَّ حُرّاسَ السماءِ الدنيا من الملائكة يَرْجُمونَ الشياطينَ بشُهُبِ ثاقبةٍ مشتعلة من النجوم.
وهذا بَعْدَ نبوةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أَمّا قبلَ نُبُوَّتِه فلم يكنْ ذَلك ، وقد وَرَدَ هذا صريحاً في القرآن ، عندما أَخْبَرَنا عن كلَامِ الجِنِّ المؤمنين.
قال تعالى : *وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا *8* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا *9* وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا *10*.
يُخبرُ الجنُّ أَنَّهم كانوا يَقْتَرِبون من السماء ، ويَتَسَمَّعونَ كلَامَ الملأ الأَعلى فيها ، ويُبَلِّغونَ ما يَسمعونَ إِلى الكهنةِ والسحرة ، فلما بَعَثَ اللّهُ محمداً نبياً - صلى الله عليه وسلم - حاوَلوا الاقترابَ من السماءِ للتَّسَمُّعِ ، فَمُنِعوا من ذلك ، وَوَجَدوها مليئةً بالحَرَسِ الأَشدّاءِ من الملائكة ، وبالشُّهُبِ المشتعلةِ من النجوم ، يَضربونَ بها مَنْ يُحاولُ الاقترابَ من السماء.
وبهذا المعنى فَسَّرَ ابنُ عباس - رضي الله عنهما - الآيات.
روى الترمذيُّ والنَّسائيُّ وأَحمد عن ابنِ عباس قال : " كان الجِنُ يَصْعَدونَ إِلى السماء ، يَسْمَعونَ الوحي ، فإِذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تِسْعاً ، فأَمَّا الكلمةُ فتكونُ حَقّاً ، وأَمّا ما زادَ فيكونُ باطلاً ، فلما بُعثَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُنِعوا مَقاعِدَهم ، فذَكَروا ذلك لإِبليس ، ولم تكن النُّجومُ يُرْمى بها قبلَ ذلك ، فقالَ لهم إِبليسُ : ما هذا إِلّا من أَمْرٍ قد حَدَثَ في الأَرض ، فَبَعَثَ جُنودَه ، فوَجدوا رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - قائِماً يُصَلِّي بينَ جبلَيْنِ بمكة ، فأَتوهُ فأَخْبَروه ، فقال : هذا الذي حَدَثَ في الأَرض ...
وهذه الحقيقةُ القرآنيةُ لم تُعجب القِسّيسَ الفادي ، واعْتَبَرَها لجهلِه خَطأً جغرافياً وَقَعَ فيه القرآن ، لأَنه يَتعارضُ مع عِلْمِ الفَلَك ، وبعدَ أَنْ أَوردَ كلاماً للبيضاويِّ في تفسيرِ الآياتِ السابقةِ طَرَحَ سؤاله التشكيكيَّ ، فقال : " ونَحنُ نَسألُ : إِذا كانَ كُلُّ كوكبٍ هو عالم ضخم ، والكواكبُ هي ملايينُ العوالمِ الضخمة ، تَسْبَحُ على أَبْعادٍ شاسعةٍ في فَضاءٍ لا نَهائِيّ ، فكيفَ نتصوَّرُ الكواكبَ كالحجارة ، يُمسكُ بها مَلاكٌ في حَجْمِ الإِنسان ، ليضربَ بها الشيطان ، مَنْعاً له من استماعِ أَصواتِ سُكانِ السماء ؟
هل كلّ هذه الأَجرامِ السماويةِ خُلِقَتْ لتكونَ ذَخيرةً أَو عَتاداً حربيّاً كالحجارةِ لرجْمِ الشيطان ، حتى اشْتَهَرَ اسْمُه بالشَّيْطانِ الرجيم ؟
! وكيفَ يَطْرَحُ الملائكةُ الكواكبَ ؟
وكيفَ يُحْفَظُ توازُنُ الكونِ إِذا سارَتْ في غير فَلَكِها ؟! ".
وقد طَرَحَ الفادي أَسئلتَه الاعتراضيةَ التشكيكيةَ بأُسلوبٍ تَهَكُّميٍّ ، ولهجةٍ ساخرة ، تدلُّ على تهكُّمِه بالقرآن ، وعَدَمِ احترامِه له ، وعَدَمِ أَدَبِه معه ، وهذا أُسلوبٌ لا يَليقُ به ، باعتبارِه قِسّيساً ورجلَ دينٍ نصرانياً!.
واعتراضُه على كَلامِ القرآنِ يَدُلُّ على جَهْلِه ، حيثُ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ النجومِ والكواكبِ في الفضاءِ حجارةٌ وعَتادٌ حربي ، لضَرْبِ الشياطين التي تُحاولُ الصعودَ إِلى السماء ، وظَنَّ أَنّ الملَكَ الحارسَ بحجْمِ الإِنسان ، أَيْ أَنَّ حَجْمه لا يَكادُ يَزيدُ على مئةِ كيلوغرام ، فكيفَ يَحملُ بين يَدَيْه نَجْماً ، يَزِنْ مَلايين الكيلوغرامات ؟!.
إِنَّ هذا الظَّنَّ السخيفَ يدلُّ على غَباءِ الفادي وسخافةِ تفكيره..
لقد ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ الملائكةَ الحُرّاسَ يَقْذِفونَ على الشياطينِ الصاعدةِ شُهُباً ثاقِبَة ، ولم يَقُلْ : إِنَ أَحَدهم يَحملُ كوكباً يَزِنُ ملايينَ الأَطْنان!.
*إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ *10*.
فمعَ المَلَكِ شِهابٌ مُشْتَعِلٌ ، وهذا الشِّهابُ يكونُ مأخوذاً من النجمِ المشتعل.
وهناك نجومٌ مشتعلةٌ ملتهبةٌ مثْلُ الشمس ، وهناك نُجومٌ باردةٌ مظلمةٌ مثْلُ القَمَر ...
فلم يَقُل القرآنُ : إِنَّ كُلَّ النجومِ والكواكبِ التي تُعَدُّ بالمليارات حجارةٌ لضَرْبِ الشياطين ، إنما أَخْبَرَ أَنَّ معَ الملائكةِ الحُرّاسِ شُهُباً مُبينَةً مُشْتَعِلَة ، مأْخوذةً من النجوم النارية..
والشِّهابُ صَغيرُ الحجمِ يَقْدِرُ الطفلُ على حَمْلِه ، فما بالك بالمَلَكِ الضخمِ القويِّ ؟!.
ومَن الذي قالَ للفادي : إِنَّ حَجْمَ المَلَكِ بحَجْمِ الإِنسان ؟
إِنَّ المَلَكَ ضخمٌ كَبيرٌ عظيم ، كما قل تعالى : *الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *1*.
وبما أَنَّ اللّهَ أَخْبَرَنا في القرآنِ أَنه جعلَ النجومَ رُجوماً للشياطين ، وأَنَّ الملائكةَ الحُرّاس يأخُذونَ منها الشُّهُبَ الثاقبة يَرْمونَ بها الشياطين ، فهو الكلامُ الصحيحُ الصائب ، ولا نَجِدُ فيه خَطَأً فَلَكياً أَو جغرافياً ، ولا يَتَعارَضُ مع العقل *1*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
67- هل النجوم رجوم الشياطين ؟

الرد على الشبهة :
إن الإسلام دين ، وهو موحى به من رب العالمين يخبرنا عن صدق ويقين ، وهو القائل سبحانه : *ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا * *1*. والإسلام ليس بدعاً من الأديان ولذلك نرى أن الكتب المقدسة تذكر ذلك ؛ فإن الله تعالى يقول :
*وأنا لمسنا السماء فوجدناها مُلئت حرساً شديداً وشهباً * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصدا * *2*. قال ذلك حكاية عن الجن. وليس المعنى كما فهم المؤلف ، وإنما المعنى هو أن الله جعل على السماء حراساً من الملائكة ، وخلق لهم أدوات عقاب تناسب أجسام الشياطين. وهى الشهب. فإذا جاء شيطان رماه أحد الملائكة بشهاب وليست الشهب كواكب كالقمر والشمس ، وإنما هى أدوات عقاب كالسيف فى يد الجندى المحارب.
وفى الإصحاح الثالث من سفر التكوين ؛ أن الله لما طرد آدم من الجنة وهى جنة عدن ، ليعمل الأرض التى أُخذ منها ، أقام شرقى جنة عدن ملائكة تسمى الكروبيم ، ووضع لهيب سيف متقلب فى أياديهم لحراسة طريق شجرة الحياة : " فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التى أُخذ منها ؛ فطرد الإنسان ، وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم ، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة " *3*.
ويقول المفسرون : " إن الكروبيم من الملائكة المقربين. وهو فى الفارسية بمعنى الحارس ". وكان عملهم وقت طرد آدم هو " حراسة الفردوس ؛ لئلا يرجع الإنسان إليه ".
وفى القرآن تفسير الشهب بشواظ من نار. فى قوله تعالى : *يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان * فبأى آلاء ربكما تكذبان * يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * *4*.
فقد جعل للجن غير ما جعل للإنس من أدوات العقاب. ولم يجعل للجن كواكب تُرمى بها كالقمر والشمس ، وإنما جعل للجن " شواظ " أى " شهب ". اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* الكهف : 51.
*2* الجن : 8 - 9.
*3* تك 3 : 23-24.
*4* الرحمن : 33 - 35.
وبهذا نَعرِفُ أَنَّ اعتراضَ الفادي في غيرِ مكانِه ، وأَنَّ تَهَكُّمَه على
القرآنِ لعيبٍ فيه ، وأَنَّهُ خَطَّأَ الصّوابَ!!.

هل السموات سبع والأراضي سبع ؟
اعترضَ الفادي على كونِ السمواتِ سَبْعاً ، وأَنَّ كلَّ سماءٍ منها سقفٌ أَملسُ على وشَكِ السُّقوط ، كما اعترضَ على كونِ الأَراضي سَبْعاً ، واعتبرَ هذا خطأً في القرآن.
أَوردَ آياتٍ صريحةً في أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السمواتِ سَبْعاً ؟
منها قولُه تعالى :
*هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *29*.
ومنها قولُه تعالى : *فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ...
ومنها قولُه تعالى : *اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ*.
واعترضَ لجهلِه على كونِ السمواتِ سَبْعاً ، فقال : " واضحٌ من هذه الآيات ، معَ تفسيرِ البيضاويِّ لها ، أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السماءَ التي فوقَنا ، وهي سقْفٌ أَمْلَسُ واسع ، وفوقَهُ ستّ سموات ، كالسُّقوف ، بعضُها فوق بعض..
فكيفَ يكونُ الفضاءُ اللّامتناهي سَقْفٌ أَمْلس ، وأَنه يوجَدُ فوقه سبعةُ سُقوفٍ من هذا النوع ؟! " *1*.
واعتراضُه على هذه الحقيقة دال على جهلِه ، واعتبارُه هذا خطأً فلكياً في القرآن بسببِ تحامُلِه وحقدِه على القرآن.
وقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اللّهَ خَلَقَ سبعَ سموات ، وجاءَ هذا التصريحُ القرآنيُّ في سبعِ آياتٍ صريحة ، وهذا " التَّوافُقُ العدديّ " مقصودٌ في القرآن!.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
68- القرآن يتناقض مع العلم
إنه جاء فى القرآن أن الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن. فكيف يقول عن أرضنا وهى واحدة من ملايين الكواكب - إنه يوجد سبعة مثلها ؟
وفى القرآن : *أن السماء سقفاً محفوظاً* ، وأن الله يمسكها لئلا تقع. فكيف يقول عن الفضاء غير المتناهى : إنه سقف قابل للسقوط ؟
وفى القرآن أن الله زين السماء الدنيا بمصابيح. فكيف يقول عن ملايين الكواكب التى تسبح فى هذا الفضاء غير المتناهى إنها مصابيح ؟

الرد على الشبهة :
هذا السؤال مكون من ثلاثة أجزاء :
الجزء الأول : هو أنه ليس فى العالم سبعة أرضين. فكيف يقول عن الأرض : إنها سبعة كما أن السموات سبعة ؟ وقول المؤلف إن الأرض سبعة ؛ أخذه من بعض مفسرى القرآن الكريم. وهو يعلم أن المفسرين مجتهدون ، ويصيبون ويخطئون. والرد عليه فى هذا الجزء من السؤال هو : أن نص الآية هو : *الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل شىء علماً * *1*.
إنه أتى ب - *مِنْ* التى تفيد التبعيض ؛ لينفى العدد فى الأرض. وليثبت المثلية فى قدرته. فيكون المعنى : أنا خلقت سبع سموات بقدرتى ، وخلقت من الأرض مثل ما خلقت أنا السماء بالقدرة. ولهذا المعنى علّل بقوله : *لتعلموا أن الله على كل شىء قدير *.
وبيان التبعيض فى الأرض : هو أن السماء محكمة ، وأن الأرض غير محكمة. وهى غير محكمة لحدوث الزلازل فيها ، وللنقص من أطرافها.
وقد عبّر عن التبعيض فى موضع آخر فقال : *أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها * *2*. والنقص من الأطراف يدل على أن الباقى من الأرض ممسوك بقدرة الله ، كما يمسك السماء كلها.
والجزء الثانى : هو أن السماء سقف قابل للسقوط.
والرد عليه فى هذا الجزء من السؤال هو : أن كل لغة فيها الحقيقة وفيها المجاز. والتعبير على المجاز. فإن السماء شبه سقف البيت ، والمانع للسقف من السقوط على الحقيقة هو الأعمدة ، وعلى المجاز هو الله ؛ لأن كل شىء بقدرته. ولذلك نظير فى التوراة وفى الإنجيل : " بالكسل يهبط السقف ". وفى ترجمة أخرى : " من جراء الكسل ينهار السقف. وبتراخى اليدين يسقط البيت " [ جامعة 10 : 18 ] يريد أن يقول : إن الكسل يؤدى إلى الفقر ، والفقر يؤدى إلى خراب البيوت. وعبر عن الخراب بانهيار السقف. والسقف لا ينهار بالكسل ، وإنما بهدّ الأعمدة التى تحمله. وفى سفر الرؤية : " فسقط من السماء كوكب " [ رؤ 8 : 10 ] كيف يسقط كوكب من السماء بغير إرادة الله ؟ وفى سفر الرؤية : " ونجوم السماء سقطت " *رؤ 6 : 13 ] ، ويقول عيسى عليه السلام : إن العصفور لا يقع إلى الأرض إلا بإرادة الله : " أما يباع عصفوران بفَلْس واحد. ومع ذلك لا يقع واحد منهما إلى الأرض خفية عن أبيكم " [ متى 10 : 29 ]. وفى الرسالة إلى العبرانيين : " حقاً ما أرهب الوقوع فى يدى الله الحى ؟ " [ عب 10 : 31 ].
والجزء الثالث : وهو أنه كيف يقول عن الكواكب إنها مصابيح ؟ والمؤلف دل بقوله هذا على إنكار الواقع والمشاهد فى الحياة الدنيا ، ودل أيضاً بقوله هذا على جهله بالتوراة وبالإنجيل. ففى سفر الرؤية : " كوكب عظيم متقد كمصباح "[رؤ 8 : 10]، "وأمام العرش سبعة مصابيح "[رؤ 4 : 5]، وجاء المصباح على المجاز فى قول صاحب الأمثال : " الوصية مصباح والشريعة نور " [ أم 6 : 23 ]. اهـ *شبهات المشككين*
__________
*1* الطلاق : 12.
*2* الأنبياء : 44.
ولا يَعرفُ العلمُ البشريُّ القاصرُ إلّا شيئاً قليلاً عن السماءِ الدنيا ، وهو لا يَعرفُ شيئاً عن السمواتِ السِّتِّ الأُخرى التي فوقَها ، لأَنه غَيْرُ مُؤَهَّل للبحث فيها ، ويجبُ عليه أَنْ يعترفَ بعَجْزِه وقُصوره ، وأَنْ يَكِلَ العلمَ بتلك السمواتِ السِّتِّ إِلى اللّهِ العليم الخبير ، وأَنْ يأخذ ما ذكرَه اللّهُ عنها في القرآن بالقَبولِ والتسليم ، وأَنْ لا يُكَذِّبَ بما لا علْمَ له به!.
فالسمواتُ سبْعٌ طِباق ، كلُّ سماء سقفٌ لما تحتَها ، وأَساسٌ لما فوقَها.
قالَ تعالى : *الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ*.
وقال تعالى : *أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا*.
وقالَ تعالى : *وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا *12*.
ولم يَخترق السمواتِ السبعَ إِلّا رسولُنا - صلى الله عليه وسلم - ، عندما أَسرى اللّهُ به من المسجدِ الحرامِ إِلى المسجدِ الأَقصى ، ثم عَرَجَ به إِلى السماء ، وَوَصَلَ به إِلى سدرةِ المنتهى..
وَوَصفَ لنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - السمواتِ السَّبْعَ في أَحاديثَ صحيحة!
وعلينا أَنْ نأخذَ المعلوماتِ الغيبيةَ المذكورةَ في القرآن ، وأَنْ نَتَلَقّاها بالقَبولِ والتسليم ، وأَنْ نعترفَ بقُصورِ علْمِنا ، بدلَ أَنْ " نَتَعَالَمَ " على القرآن ، ونُخَطّئ ما فيه من صواب ، كما فَعَلَ هذا الفادي!.
وكما خَطَّأَ الفادي القرآن في كلامِهِ عن السبعِ سموات خَطَّأَهُ في إِشارتِه إِلى أَنَّ الأَرْضَ سبعُ أَرَضينَ أَيضاً.
ولم تَرِدْ هذه الإِشارةُ إِلّا مَرَّةً واحدةً في القرآن ، ودْلك في قولهِ تعالى : *اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ*.
واعترض على الآيةِ بقولِه : " وخَلَقَ اللّهُ الأَرضَ ، التي نحنُ عليها ، ولسِتَّ أَراضٍ مِثْلَها.. فجملةُ السمواتِ والأَراضي أَربع عَشرة ...
فكيفَ يقولُ القرآنُ : إِنَّ أَرضنا - وهي واحدةٌ من ملايينِ الكواكب والسياراتِ والأَقمارِ والشُموس - يوجَدُ سبعةٌ مثْلُها ؟" ، لقد فهمَ الجاهلُ من قولِه تعالى : *وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ* أَنَّ القرآنَ يقولُ بوجودِ سَبْع أَرضين ، كلُّ واحدةٍ كوكبٌ مثلُ كوكَبنا ، وأَرضٌ مثْلُ أَرْضنا ، وكلُّ واحدةٍ مستقلَّةٌ عن الأُخْرَياتِ مثلُ أَرضِنا ، وكلُّ واحدةٍ صالحةٌ للحياةِ مثلُ أَرضِنا ، وكلّ واحدةٍ عليها أَحياءٌ مِثْلُنا!! وهذا ما لم يَقُلْهُ القرآن!.
كلُّ ما قالَه القرآنُ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ سبعَ سموات ، وأَنه خَلَقَ من الأَرْضِ مِثْلَهن : *وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ*.
ونرى أَنَّ هذه الجملةَ ليستْ نَصاً قرآنيّاً صريحاً في أَنَّ اللّهَ خَلَقَ الأَرضَ سَبْعَ أَرَضين ، كما خَلَقَ السماءَ سَبْعَ سمواتٍ طباقاً ، ولهذا اختلفَ المفسرون في فهم هذه الجملةِ القرآنية!!.
وفي المرادِ بالمثليةِ في قولِه تعالى : *وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ* قولان :
الأَول : هي مثليةٌ في الخَلْق.
فاللّهُ خَلَقَ سَبْعَ سموات ، وخَلَقَ الأَرضَ مثْلَهن : *اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ*.
وعلى هذا القولِ يكونُ حرفُ الجَرِّ " مِنْ " للبَيان.
وتكونُ *الْأَرْضِ* مجرورةً لفظاً ، منصوبةً مَحَلّاً ، لأَنها معطوفةً على *سَبعَ* المنصوبةِ قبلَها ، لأَنها مفعولٌ به.
و *مِثْلَهنَّ* : حالٌ منصوب.
وصاحِبُ الحالِ هو " الأَرض ".
والتقدير : اللّهُ الذي خَلَقَ سبعَ سموات ، وخَلَقَ الأَرضَ مثْلَهن.
ووجْهُ الشبهِ بينَ السمواتِ السبعِ والأَرضِ هو الخلق ، والمثليَّةُ هنا هي المثليةُ في الخَلْق.
فالسمواتُ السبعُ مخلوقة ، والأَرضُ مثلهن مخلوقة!.
الثاني : هي مثليةٌ في العَدَدِ ، بالإِضافةِ إِلى المثليةِ في الخَلْقِ.
فاللّهُ خَلَقَ السماءَ سَبْعَ سمواتٍ طِباقاً ، وخَلَقَ الأَرضَ مثْلَ السماء ، وجعلَها سبعَ أَرَضِين!.
ومع أَن الجملةَ تحتملُ القولَيْن ، ولكنَّنا نرى أَنَّ القولَ الأَولَ هو الراجح ، أَما القولُ الثاني فإِنه مرجوح.
فالراجحُ أَنَّ الأَرضَ كلَّها كتلةٌ واحدة ، وأَرضٌ واحدة ، وأَنها – مخلوقة مثل السمواتِ السبع ، وأَنَّ اللّه هو الذي خَلَقَ السمواتِ وخَلَقَ الأَرض.
وقد وردَ حديثٌ عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - " يُشيرُ إِلى أَنَّ الأَرَضينَ سَبْعٌ.
فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنه قال : " مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبرٍ من الأَرض ، طُوقَهُ من سَبْعِ أَرَضين "..
وفي روايةٍ أُخرى : " خُسِفَ به إِلى سبعِ أَرَضين ".
وقد يُفْهَمُ الحديثُ على أَنه من بابِ الترهيبِ من الظلم وتهديدِ الظالمِ بالعذاب ، وقد يُؤْخَذُ الحديثُ على ظاهرِه ، ويُعْتَبَرُ دَليلاً على أَنَّ الأَرضَ هي سبعُ أَرضين.
وإِذا قُلْنا بأَنَّ الأَرضَ سبعُ أَرَضين ، فهي سَبْعُ أَرَضينَ متصلةٌ ببعضِها ، ليس بينها فَراغ ، أَمّا السمواتُ فهي سبعُ طبقاتٍ منفصلَة ، بين كُل سماءٍ وسماءٍ مسافةٌ بعيدة لا يَعلمُها إِلا الله.
وبهذا نَعرفُ خطأَ وجهلَ القسيس الفادي ، عندما اتَّهَمَ القرآنَ بالقولِ إِنَّ الأَرَضين السبعَ هي سبعُ كُراتٍ أَرضيةٍ مستقلة ، مثلُ كرتنا الأَرضيةِ التي نحنُ عليها!.
واعترضَ الجاهلُ أيضاً على القرآنِ في إِخبارِه أَنَّ اللّهَ هو الذي يمسكُ السماءَ لئلَّا تقعَ على الأَرض ، وذلك في قوله تعالى : *وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ*.
وسَجَّلَ اعتراضَه في قوله : " ونحنُ نتساءَل : كيفَ يَقولُ عن الفَضاءِ المتسامي سُمُوّاً لا مُتَناهي فَوقَنا : إِنه سَقْفٌ أَمْلَس قابلٌ للسقوط ؟ .. !.
واعتراضُه على القرآنِ دَليلُ جهْلهِ ، ولم يُخطئ القرآنُ في إِخبارِه عن هذه الحقيقة ، وهَدَفُ الآيةِ تقريرُ حقيقةِ أَنَ كُلَّ شيءٍ في الكونِ إِنما يتمُّ بأَمْرِ اللّه ، وأَنَّ اللّهَ هو الذي يُدَبِّرُ أَمْرَ الكونِ وما فيه ، فهو سبحانه الذي خَلَقَ الأَرضَ والسماء ، وهو الذي جَعَلَ السماءَ فوقَ الأَرض ، وهو الذي جعلَ الكواكبَ والنجومَ في الفضاء ، وحَدَّدَ لكل منها سَيْرَه ومدارَه ومكانَه.
وهذا واضح في الآية : *أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ *65*.
وأكد القرآن على هذه الحقيقة في آياتٍ عديدة ؟
منها قولُه تعالى :
*وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ *37* وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *38* وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ *39* لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ *40*.
وليسَ معنى قولِه تعالى : *وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ*
أنَّ السماءَ على وَشَكِ الوقوعِ على الأَرض ، وأَنها قابلةٌ للسقوط ، كما فهمَ الجاهل ، وإِنما مَعْناها أَنَّ اللّهَ هو الذي يُمسِكُ السماءَ القويةَ المتينةَ المحْكَمَة ، ولولاهُ سبحانَه لوقَعَتْ على الأَرض ، ولولاهُ لزالت السماءُ والأَرض ، ولولاهُ لَدُمِّرَت النجومُ والكواكبُ في الفضاء..
ولا يوجَدُ مخلوقٌ في الوجودِ يَقْدِرُ على الإِمساكِ بالنظامِ الكونيِّ المتوازن ، الذي يُنَظّمُ السماءَ والأَرض والكواكبَ في الفضاء.
قال تعالى : *إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا *41*.
- تُشيرُ الآيةُ إِلى القوةِ المتوازنةِ التي جعلَها اللّهُ في الكون ، والتي تمسكُ ما فيه من نجومٍ وكواكب ، وهي قوةُ " الجاذبيةِ " العجيبة.
وعندما يَحينُ وَقْتُ إِنهاءِ هذا الكون وما فيه ، يُزيلُ اللّهُ قوةَ الجاذبية ، فتتناثَرُ النجومُ والكواكب ، ويكونُ الانفطارُ والانشقاقُ والتكويرُ والانكدارُ والتسييرُ والتسجيرُ والتفجير!
وهذه مصطلحاتٌ قرآنيةٌ تتحدَّثُ عن يومِ القيامة!.

ما هو النسيء ؟
اعتبرَ الفادي حديثَ القرآنِ عن النَّسيءِ خَطَأً جُغرافيّاً فَلكيّاً وَقَعَ فيه القرآن ، واعترضَ على آيتَيْنِ تَتَحدثان عن عِدةِ شهورِ السنة وعن النسيء ؟
وهما قولُ اللّهِ - عز وجل - : *إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ *36* إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ *37*.
ولم يَفْهَم الجاهلُ معنى النسيء ، ولذلك طَرَحَ سؤالاً دالّاً على جَهْلِه وغَبائِه ، فقالَ : " ونحنُ نسأَلُ : يُؤَزخُ جَميعُ العلماءِ بالسَّنَةِ الشمسية ، التي تَفْرُقُ عن السنةِ القمريةِ شَهْرَ النَسيء ؟
فهل في هذا كُفْرٌ ؟
وكيفَ نَعتبرُ الحسابَ الفلكيَّ الطبيعيَّ كُفْراً ؟.
كان الفادِي كاذِباً مَفْتَرِياً عندما زَعَمَ أَنَّ جميعَ العلماءِ يُؤَرِّخونَ بالسنةِ الشمسية ، فمن المعلومِ أَنَّ هناكَ تقويمَيْن للتاريخ : التقويمَ الشمسيَّ ، وهو الذي يَتبعهُ العالمُ الغربيُّ ، والذي أَخَذَه عن الرومان..
والتقويمَ القمريَّ ، وهو الذي أَرَّخَ به المسلمون ، منذُ هجرةِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - إِلى المدينة..
وإذا كان الغربيّون قد دَخَلوا في القرنِ الحادي والعشرين الميلاديّ الشمسي ، فإِنَّ المسلمينَ قد دَخَلوا في الربع الثاني من القرنِ الخامس عشر الهجريِّ القمري.
وكانَ الفادي جاهلاً عندما جَعَلَ الفرقَ بينَ السنةِ الشمسيةِ والسنةِ القمريةِ شَهْراً ، أَيْ أَنَّ السنةَ الشمسيةَ تَزيدُ على السنةِ القمرية شهراً كاملاً!! وهذا ما لم يَقُلْه أَحَدٌ إ!.
إِن السنةَ الشمسيةَ تَزيدُ على السنةِ القمريةِ ما بينَ عشرةِ أَيامٍ إِلى أَحَدَ عَشَرَ يوماً.
قالَ المؤرخُ الإِسلامِيُّ المعاصر أحمد عادل كمال في الفرقِ بينَ التقويم الشمسيِّ والتقويم القمري : " يزيدُ اليومُ الشمسيُّ عن اليومِ القمريّ ثَلاثَ دقائق ، وخَمْساً وخمسين ثانية ، وتسعةً في العشرةِ من الثانية! *9 ، 3 : 55*!
واليومُ عندَ العرب يبدأُ من غروبِ الشمس ، ويمتدُّ إِلى غُروبِها في اليوم التالي!..
والشهرُ القمريُّ : *588 530 ، 29* يوماً! والسنةُ القمريةُ *354*
يوماً ، وثماني ساعات ، و *48* دقيقة ، و *36* ثانية! أَما السنةُ الشمسيةُ فإِنَّها *365* يوماً ، وستُّ ساعات ، وتسعُ دقائق ، و *5.9* ثانية!!
فالفرقُ بين السنةِ الشمسيةِ والسنةِ القمريةِ حوالي أَحَدَ عَشَرَ يوماً! ".
فكيفَ يقولُ القسيس بعد هذا الضبطِ الدقيقِ لجزءٍ من الثانية إِنَّ الفرقَ بينَ التقويمَيْن شهرٌ كامل ، وليس أَحَدَ عشر يوماً ؟
وكيفَ يقعُ في هذا الخطأ الحِسابيّ الفلكيِّ الشنيع ؟
وكيفَ يدخُلُ في ما لا يَعرفُهُ ؟
ويَتَعالَمُ بعد ذلك على القرآن!.
وانتقلَ الجاهلُ الذي يُريدُ أَنْ يُخَطِّئَ القرآنَ من خطئِه في الحساب إِلى خَطَأ أَقبَح ، حيثُ لم يَفْهَمْ معنى " النسيء " في الآية ، فاعتبرَ النسيءَ هو " التأريخ بالسنةِ الشمسية " ، ولذلك تَساءَلَ بغَباء : كيف نَعتبرُ الحسابَ الفلكي الطبيعيَّ كُفراً ؟.
ولا يَقولُ عاقل : إِنَّ النسيءَ هو التاريخُ الشمسي ، وإِنَّه كفر! فضلاً عَنْ أَنْ يقولَ القرآنُ بذلك!!
" النسيءُ " في قوله تعالى : *إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ* اسْم ، بمعنى التأخير ، مُشْتَقٌّ من " نَسَأَ " بمعنى : أَخَّرَ.
ونَسْءُ الشيءِ تَأخيرُه.
وهو في الآيةِ تأخيرٌ خاص ، إِنَّه " نَسيء" في حرمةِ الأَشهرِ الحُرُم ، كانَ يمارسُه الكفارُ في الجاهلية.
لقد جَعَلَ اللّهُ أَربعةَ أَشْهُبر حُرُماً ، من شهورِ السنةِ الاثْنَي عَشَر : *إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ... *.
وهي أَربعةُ أَشهر ، لأَنَّ اللّهَ حَرَّمَ فيها القتال ، وجعلَها أَشْهُرَ أَمْنٍ وأَمان ، وَسْطَ باقي الشهور ، القائمةِ على القتل والسَّلْبِ والنهبِ والعُدوان.
والأَشهرُ الحُرُمُ هي : ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب.
ويُلاحَظُ أَنَّ الأَشهرَ الثلاثةَ مُتَتابعة ، أَمّا الشهرُ الرابعُ رجب فهو مُتَأَخّرٌ عنها.
وكان الكفارُ في الجاهليةِ يَتَعاملونَ مع الأَشهرِ الحُرُمِ بالهوى والمزاجية ، ويَتَلاعَبونَ فيها ، فإِنْ دَخَلَ عليهم شَهْرٌ من الأَشهرِ الحُرُم ، وَوَجَدوا لهم مصلحةً في انتهاكِ حرمتِهِ وقتال الآخَرين فيه ، " نَسَؤُوه " : أَيْ : نَقَلوا حرمَتَهُ إِلى شهرٍ آخَرَ بعْدَه ، واسْتَباحوا القتال فِيهِ.
شَهْرُ " مُحَرَّم " مَثَلاً من الأَشهرِ الحُرُم ، فإِنْ دَخَلَ عليهم شهرُ مُحَرَّم حَرُمَ عليهم قِتال الآخرين فيه ، فإِن وَجَدوا لهم مصلحةً في القتال فيه قالوا : نَنْقُلُ حرمَتَهُ إِلى شهرِ " صفر " بعدَه ، ونُقاتلُ أَعداءَنا فيه ، فهو " نَسيءٌ " ، بهذا الاعتبار!!.
الذين وهذا تلاعُبٌ منهم بأَحكامِ اللّه ، يقودُ إِلى زيادةٍ في كُفرِهم وجرائِمهم وضلالِهم ، فهو ليس مجردَ كُفْر ، وإِنما هو زيادةٌ في الكفر! وعلى هذا قولُه تعالى : *إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ *37*.
وقد فَسَّرت الآيةُ معنى النَّسيء ، وذلك في جملةِ *يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا* أَيْ أَنهم كانوا يُحِلُّونَ القتال في أَحَدِ الأَشهرِ الحُرُمِ عاماً ، ويُحَرِّمونَ القتال في نفسِ ذلك الشهرِ الحرامِ عاماً اَخر!.
ومعنى قوله : *لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ* : أَنهم كانوا يقولون : نحنُ نلتزمُ بعدَدِ الأَشهرِ التي حَرَّمَها اللّه ، فالمهمُّ أَنْ نُحَرّمَ في السنةِ أَربعةَ أَشهر ، ولا يُهِمُّ عندنا أَسماؤُها أَيَّ أَشهرٍ تَكون.
كانوا يُريدونَ أَنْ " يُواطِئوا " ويُوافِقوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، أَربعةُ أَشهرٍ بأربعةِ أَشهر ، ومع هذه المواطأةِ والموافقةِ كانوا يُحِلّونَ ما حَرَّمَ اللّه ، فكانوا يُحِلّونَ القتالَ في شهر ذي القعدة أَحياناً ، ويُحِلّونَه في شهر ذي الحجةِ أَحياناً أُخرى.
وبهذا نَعرفُ معنى " النسيءِ " الذي كان يفعلُه المشركونَ في الجاهلية ، وأَنه قائم على معنى التأْخيرِ والنقلِ والتلاعبِ والتغييرِ والتبديل! وليس بمعنى تركِ التاريخِ بالحسابِ القمري ، والتاريخِ بالحسابِ الشمسي ، وأَنَّ استعمالَ الحسابِ الشمسيِّ في التقويمِ والتاريخِ حرامٌ وكفر! كما فهم ذلك الجاهلُ المتعالم! وصَدَقَ فيه قولُ الشاعر :
وكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلاً صحيحاً ... وآفَتُهُ هي الفهمُ السقيم

بماذا تروى مصر ؟
اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن رِيّ أَرضِ مصر! وذلك في قولِه تعالى : *ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ *49*.
وقد فَهِمَ الفادي لجهلهِ الآيةَ فَهْماً خاطئاً ، واعْتَبَرَها خطأً جغرافياً ، وقالَ في تخطئتها : " الإِشارةُ هنا إِلى القحطِ الذي أَصابَ مصرَ سبْعَ سنينَ متواليةً ، أَيامَ يوسف ، فيُبشّرُهم بالخَصْبِ بعدَ الجَدْب ، ويقولُ : إِنه في عام الخَصْبِ يُمْطَرون ، فكأَنَّ خَصْبَ مصر مُسَبَّبٌ عن الغيثِ أَو المطر.
وهذا خِلافُ الواقعِ ، فالمطرُ قَلَّما يَنزلُ في مِصر ، ولا دَخْلَ له في خَصْبِها الناتجِ عن فيضانِ النِّيل ، فكيفَ يُنْسَبُ خَصْبُ مِصرَ للغيثِ والمطرِ ؟ " *1*.
إِنَّ الآيةَ التاسعةَ والأَربعينَ من سورةِ يوسفَ مرتبطةٌ مع الآياتِ التي قَبْلَها ، والتي أَخبرتْ عن رؤيا رآها ملكُ مصر في زمنِ يوسفَ - صلى الله عليه وسلم - ، وطَلَبَ من الملأ حولَه أَنْ يعبروها له ، ولما عَجَزوا عن تعبيرها ، تَوَجَّهوا إلى
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
70- رىّ مصر بالغيث !
إن أرض مصر تُروى بالنيل ، ولا تروى بالمطر. وفى القرآن : *ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون * *1*.
وهذا يدل على غوثهم بالمطر. فكيف ينسب خصب مصر للغيث والمطر ؟
الرد على الشبهة :
هنا كلمتان :
1- *يغاث *
2- *يعصرون *.
وكلمة الغوث على الحقيقة تدل على نزول ماء من السماء. وكلمة العصر على الحقيقة تدل على عصير العنب. لأن الشائع بين الناس فى العصر هو العنب. والمؤلف يوجه النقد على المعنى الحقيقى فى نزول المطر ، ولم يوجه النقد لعصير العنب. وكلمة الغيث جاءت على الحقيقة مثل : " فامتنع الغيث ولم يكن مطر " [ إرمياء 3 : 3 ] ، وجاءت على المجاز مثل : " لأعرف أن أغيث المعيى " [ إشعياء 50 : 4 ]. أما على المجاز فالشبهة منتفية. وأما على الحقيقة فهذا هو غرض المعترض وهو مغرض فى ذلك.
وذلك لأن الأمر كله خارج على المألوف. وبيان خروجه على المألوف : أن المدة خمس عشرة سنة. سبع شداد يأكلن سبعًا سمانًا أو : سبع سمان يأكلهن سبع عجاف. والسنة الأخيرة يأتى فيها الخير قليلاً. والمناسب لقلة الخير ؛ نزول المطر. وقلة المياه تكفى لرى العنب والفواكه فى أماكن زراعته ، وتكفى لإنبات قمح يكون بذره بذرا للسنوات الآتية التى سيكثر فيها ماء النيل. وهذا أمر غير مستبعد فى العقل. فكيف يكون شبهة ؟
أما عن العصر. فإنه يكون على الحقيقة مثل : " فأخذت العنب وعصرته فى كأس فرعون، وأعطيت الكأس فى يد فروع " [تكوين 40 : 11]، ويكون على المجاز مثل : " فألقاه إلى معصرة غضب " [ رؤية14 : 19 ].
وإذا ثبت وجود العصر ، وليس لماء النيل وجود. فكيف حيى النبات وعاش ؟ وفى السنوات السبع العجاف كانت سنابل القمح تخرج من الأرض خروجاً هزيلاً. فكيف خرجت وهى هزيلة والنيل لا يروى الأراضى ؟
لابد من القول بوجود مصدر للمياه غير النيل. إما آبار عيون ، وإما مطر. ففى حلم فرعون : " وهو ذا سبع سنابل طالعة فى ساق واحد سمينة وحسنة. ثم هو ذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها " [تكوين 41 : 5-6]، وكرر الكلام وقال فيه : " نابتة وراءها "[تك 41 : 23] كيف تكون نابتة وليس لماء النيل من سواقى؟. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* يوسف : 49.
يوسفَ - صلى الله عليه وسلم - ليعبرها ، ففعل.
وقد رأى الملكُ سَبْعَ بقراتٍ سمانٍ يأكُلُهن سبعٌ عِجافٌ وسبْعَ سنبلاتٍ خضر وأُخَرَ يابسات.
قال تعالى : *وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ *43* قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ *44* وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ *45* يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ *46* قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ *47* ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ *48* ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ *49*.
لما عَبَّرَ يوسفُ - عليه السلام - رؤيا الملكِ أَخبرَ أَنَّ مصْرَ ستمرُّ بدورتَيْن ، كُلُّ دورةٍ منها سبعُ سنوات..
السبعُ سنوات الأُولى سنواتُ خَصْب ، يستغلّونَها في الزراعةِ والإِنتاجِ : *قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ *47*..
والسبعُ سنوات الثانية سنواتُ جَدْبٍ وقَحْطٍ ومَحْل : *ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ *48*.
والسنةُ الخامسة عشرة ستكونُ عاماً للغيثِ والرّيّ : ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ *49*.
ولا يلزمُ من قولِه : *فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ* أَنْ يكونَ الغيثُ ناتِجاً عن أَمطارٍ غزيرة ، تهطُلُ عليهم من السماء ، حتى يعترضَ الفادي على ذلك ، ويعتبرَهُ خَطَأً ، لأَنَّ المَطَرَ قَلَّما يَهطُل على مصر.
إِننا نعلمُ أَنَّ رِيَّ مصرَ يكونُ من مياهِ نهرِ النيل ، الذي يكونُ فَيَضانُه سَبَباً في زيادةِ كمياتِ الأَراضي المروية ، وفي زيادةِ الإِنتاجِ الزراعي ، ونعلمُ أَنَّ الأَمطارَ قَلَّما تنزل على مصر.
إِنَّ غيثَ مصرَ من مياهِ نهرِ النيل ، وستكونُ مياهُ النيلِ في العامِ الذي أَخبرَ عنه يوسفُ - صلى الله عليه وسلم - غَزيرة ، وسيكونُ فيضانُ النيلِ فيه غَوْثاً لمصْر.
وقد يكونُ الغيثُ بمياهِ الأَمطارِ النازلةِ من السماء ، وهذا هو الأَكْثَرُ والأَغلب ، وقد يكونُ بمياهِ الأَنهار ، وهذا قليل في البلدان ، كما هو غيثُ مصرَ بمياهِ النيل.
فاعتراضُ الفادي على الآيةِ في غيرِ مكانِه ، وهو لجهلِه خَطَّأَ الصوابَ الذي في الآية!!.

هل الرعد ملك من الملائكة ؟
وكيف يسبح اللّه ؟
اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن الرَّعْد.
والذي وردَ في قولِه تعالى : *وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ *13*.
كيفَ يُسبحُ الرعْدُ بحمدِ اللّه ؟ وهل هو مخلوقٌ حَيّ يَتحركُ ويَتكلمُ ويُسبحُ اللّهَ بلسانِه ؟.
رَجَعَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي ، ونَقَلَ عنه كَلاماً عَجيباً! قال :
قالَ البيضاوي : " عن ابنِ عباس : سُئِلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن الرَّعْد ، فقال : " هو مَلَك مُوَكَّلٌ بالسَّحاب ، معه مخاريقُ من نار ، يَسوقُ بها السحابِ "..
*وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ* : من خوفِ اللّهِ وإِجلاله..
وقيل : الضميرُ للرعد..
وأَخرجَ الترمذيُّ عن ابنِ عباس : " أَقبلت اليهودُ إِلى محمد ، فقالوا : أَخْبِرْنا عن الرَّعد ، ما هو ؟
قال : هو مَلَكٌ من الملائكة ، مُوَكَّلٌ بالسَّحاب ، معه مَخاريقُ من نار ، يَسوقُه بها حيثُ يَشاءُ اللّه.
قالوا : فما هذا الصوتُ الذي يُسْمَعُ ؟
قال : زَجْرُه السَّحاب ، حتى تَنْتَهي حيث أُمِرَتْ.
قالوا : صَدَقْتَ ".
ونحنُ نَسأل : إِذا كانَ الرَّعْدُ هو الكهرباءَ الناشئةَ عن تَصادمِ السحاب ، فلماذا يقول : إِنَّ الرعدَ هو أَحَدُ الملائكة ؟ ! "*1*.
لم يكن الفادي أَميناً في النقلِ عن البيضاوي.
حيث أسقط من كلامِه قِسْماً مُهِمّاً ، وأَبْقى قِسْماً يوافقُ هدفَه في تخطئةِ القرآنِ.
قالَ البيضاويُّ : *وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ* : أَيْ : يُسَبحُ سامعوه.
*بِحَمْدِهِ * : ملْتَبِسين به ، فيضجّونَ بسبحانَ اللّهِ والحمد لله أو يدلُّ الرعدُ بنفسِه على وحدانيةِ اللّه وكمالِ قدرتِه ، ملْتَبِساً بالدلالةِ على فضْلِه ونزولِ رحمتِه ...
هذا هو رأيُ البيضاويِّ في معنى تسبيحِ الرعدِ بحمدِ اللّه ، فإِمّا أَنْ يكونَ المعنى أَن الناسَ الذين يَسمعونَ الرعدَ يُسَبّحونَ اللّه ، ويكونُ تسبيحُهم ملْتَبِساً ومقروناً بحمدِ اللّه ، فيقولون : سبحانَ اللّه والحمدُ اللّه ، وإِمّا أَنْ يكونَ صوتُ الرعدِ دالّاً على وحدانيةِ اللّهِ وكمالِ قُدرتِه ، ملْتَبِساً بالدلالةِ على فَضلِ اللّهِ ونزولِ رحمتِه.
وهذا هو التفسيرُ الصوابُ لتسبيحِ الرعدِ بحمدِ اللّهِ ، وهو الذي يَقولُ به البيضا وي.
وبعدما قَرَّرَ البيضاويُّ التفسيرَ الصوابَ أَرادَ أَنْ يذكُرَ قولاً آخَرَ هو عنده مرجوح ، فأَوردَ روايةً عن ابنِ عباس رفعَها للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ذَكَرَ فيها أَنَّ الرعدَ أَحَدُ الملائكةِ ، يسوقُ السحابَ وهو يَذْكُرُ اللّهَ ويسبِّحُه.
ونَسَبَ الفادي إِلى البيضاويِّ روايةً لم يوردْها في تفسيرِه ، وهي التي أَخرجَها الترمذيُّ في سننهِ ، والتي فيها جوابُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - لسؤالِ اليهودِ عن أَنَّ الرعْدَ أَحَدُ الملائكة ، وصوتُ الرعدِ هو صوتُ الملَكِ يَزجُرُ به السحاب.
هذه الروايةُ لم تُذْكَرْ في تفسيرِ البيضاوي ، وكان الفادي مفترياً عندما زَعَمَ وُجودَها في تفسيره.
لم يذكر القرآنُ أَنَّ الرعْدَ مَلَكٌ يُسَبِّحُ اللّهَ بلسانِه ، - وأَنه يسوقُ السحاب ، ويَصْرُخُ فيه ويَزْجُرُه ، وهذا الزجْرُ والصراخُ هو الصوتُ الذي نسمعُه منه!.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
71- الرعد ملك من الملائكة
إن فى القرآن أن الرعد يسبح الله. وإن فى الأحاديث النبوية أن الرعد ملك من ملائكة الله. ونحن نعلم أن الرعد هو الكهرباء الناشئة عن تصادم السحاب فكيف يكون الرعد ملكاً ؟
الرد على الشبهة :
إن المؤلف لا ينكر تسبيح الرعد لله ؛ وذلك لأن فى التوراة أن الرعد يسبح لله. وكلُّ شىء خلقه ؛ فإنه يسبحه. وإنما هو ينكر كون الرعد مَلَكاً. فمن أكّد له أن الرعد ملك ؟ ليس فى القرآن أنه ملك. والأحاديث النبوية تذكر أن للرعد ملكًا ؛ وليس أن الرعد ملك ، والفرق واضح. ففى التوراة عن التسابيح لله : " شعب سوف يُخلق ؛ يسبح الرب " ؛ يقصد شعب محمد صلى الله عليه وسلم [مزمور 102 : 18] ،وفى سفر الزبور : " تسبحه السموات والأرض والبحار وكل ما يدب فيها " [مز 69 : 34]. وفى سفر الزبور : " سبحوا الرب من السموات ، سبحوه فى الأعالى ، سبحوه يا جميع ملائكته ، سبحوه يا كل جنوده ، سبحيه يا أيتها الشمس والقمر ، سبحيه يا جميع كواكب النور ، سبحيه يا سماء السموات ، ويا أيتها المياه التى فوق السموات. لتسبح اسم الرب. لأنه أمر فخُلقت ، وثبتها إلى الدهر والأبد. وضع لها حداً فلن تتعداه.
سبحى الرب من الأرض يا أيتها التنانين وكل اللجج. النار والبرد. الثلج والضباب. الريح العاصفة كلمته ، الجبال وكل الآكام ، الشجر المثمر وكل الأَرز. الوحوش وكل البهائم ، الدبابات والطيور ذوات الأجنحة. ملوك الأرض وكل الشعوب ، الرؤساء وكل قضاة الأرض. الأحداث والعذارى ، أيضًا الشيوخ مع الفتيان. ليسبحوا اسم الرب ؛ لأنه قد تعالى اسمه وحده. مجده فوق الأرض والسموات " [مزمور 148].
وفى الأناجيل الأربعة : " يسبحون الله بصوت عظيم " [لوقا 19 : 37] ، " وهم يمجدون الله ويسبحونه " [لو 2 : 20] ، " وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين : المجد لله فى الأعالى ، وعلى الأرض السلام ، وبالناس المسرة " [لو 2 : 13] ، وكان عيسى - عليه السلام - يسبح الله تعالى مع الحواريين. ففى مرقس : " ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون " [مر 14 : 26] ، وفى متى : " ثم سبّحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون "[ متى 26 : 30]. ومن يسبح الله كيف يكون هو الله أو إله مع الله ؟.
وفى القرآن الكريم : *سبح اسم ربك الأعلى * *1* ، وفى الزبور : " سبحوا اسم الرب. سبحوا يا عبيد الرب " إلى أن قال : " كل ما شاء الرب صنع فى السموات وفى الأرض. فى البحار وفى كل اللجج. المصعد السحاب من أقاصى الأرض. الصانع بروقا للمطر. المخرج الريح من خزائنه *2*.. " [مز 135]. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* الأعلى : 1.
*2* فى سورة الحجر : *وأرسلنا الرياح لواقح* [آية رقم 22] - *وإن من شئ إلا عندنا خزائنه* [آية رقم 21].
وإنما وردَ هذا في روايةٍ منسوبةٍ لابنِ عباس ، رَفَعها بدورِه لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وهذه الروايةُ تَحتاجُ إِلى تخريج ، المهمُّ أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ ذلك!.
وأَسْنَدَ القرآنُ إِلى الرعْدِ التسبيح ، على طريقةِ القرآنِ المعجزةِ في التعبير ، وهي " التصوير " ، يَعرضُ فيها الأَفكارَ والمعاني بطريقةٍ مُصَوَّرَة ، كأَنَّ القارئَ يرى أَمامَه صُوَراً حيةً متحركة ، وليسَ مجردَ كلماتٍ وعبارات.
الرعْدُ صوتٌ مسموعٌ من السحاب ، وهو ظاهرةٌ جويةٌ معروفة ، ناشئةٌ عن تصادُمِ السحبِ في الجَوّ ، وارتطامِها بعضها ببعض ، وهو غيرُ ملموسٍ ولا مُجَسَّم ، لكنَّ الآيةَ عرضَتْه بصورةٍ مجسَّمةٍ شاخصةٍ متخيَّلَة ، حيثُ حَوَّلَتْه إِلى جسمٍ مادي ، وشخصٍ حيّ ، يتحركُ ويَتكلم ، وله لسانٌ يُسَبِّحُ به ربَّه ويَحمدُه!
وليس مجردَ صوتٍ قاصف ، ناتجٍ عن ارتطامِ السُّحُب!!.
وعندما يَسمعُ المسلمُ الآية ، يَتَخَيَّلُ في خيالِه الرعد ، رَجُلاً جالِساً وسْطَ السحاب ، يَذْكُرُ اللّهَ ويُسَبِّحُه ويَحمدُه ، بصوتٍ عالٍ مرتفع!.
فالقرآنُ لم يُخطئْ عندما تكلَّمَ عن الرعد بهذه الطريقةِ المعجزة ، وعَرَضَهُ في هذه الصورةِ الحيةِ المتحركة.
لكنَّ الفادي الجاهلَ لا يَعرفُ طريقةَ القرآنِ في التعبير ، ولا يستمتعُ بما فيه من روائعِ التصوير!! *1*.
أَما حديثُ الترمذيِّ عن ابنِ عباس فقد اختلفَ فيه العلماء ، فمنهم مَنْ ضَعَّفَه ، ومنهم مَنْ صَحَّحَه ، وهذا أَمْرٌ حديثيّ لا يَعنينا هنا ، لأَنَّ موضوعَنا هو القرآن!!.

بين وادي طوى وجبل حوريب
اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن المكانِ الذي سمعَ فيه موسى - صلى الله عليه وسلم - كلامَ اللّه ، لأَنَّه يتعارضُ مع ما وردَ في الكتابِ المقَدّس!.
قال اللّه - عز وجل - : *فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى *11* إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى *12*.
وقال وَجمسَّ : *هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى *15* إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى *16* اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *17*.
__________
*1* الراجح عند المحققين أن تسبيح الرعد على وجه الحقيقة لا المجاز بدليل قوله تعالى : *تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا *44*.
ولا شأن لنا باعتراض هذا الجاهل فلا شبهة له فيه فضلا عن دليل. والله أعلم.
تُصرحُ هذه الآياتُ بأَنَّ اسْمَ الوادي الذي نادى اللّهُ فيه موسى - صلى الله عليه وسلم - هو " طُوى ".
وكانَ اسْمُه " طُوى " في زمنِ موسى - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا معناهُ أَنه اسْمُ علمٍ أَعجمي ، وليس عربيّاً مشتقّاً ، فلا نبحثُ له عن معنى في العربية.
ووادي " طوى " المقدسُ بجانبِ جبلِ الطّور ، وهو في جانبهِ الأَيمنِ.
قال تعالى : *وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا *52*.
وقال تعالى : *فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ *30*.
ولكنَّ الفادي يرفضُ كلامَ القرآن ، ويَعتبرُه خَطَأً جغرافيّاً ، يَتَعارضُ مع ما وردَ في العهدِ القديم ، الذي هو جزءٌ من دينِ القِسّيسِ الفادي.
وقد اعترضَ على كلامِ القرآنِ قائِلاً : " قالَ المفسرونَ المسلمون : إِنّ " طُوى " اسْمُ الوادي.
ولكنَّ الكتابَ المُقَدَّسَ يُعَلِّمُنا أَنه لما كانَ موسى يَرعى غَنَمَ يَثْرونَ حَمِيه كاهنِ مِدْيان ، سادقَ الغَنَمَ إِلى ما وراء البريّة ، وجاءَ إِلى جبلِ اللّهِ حوريب ، وظَهَرَ ملَاكُ الرَّبِّ بلهيب نارٍ من وَسَطِ عُلّيقَةَ ، ونظر ، وإِذا بالعُلّيقة تتوقَّدُ بالنَّارِ دونَ أَنْ تحترق..
فَناداهُ الرَّب ، وقال له : " لا تَقتربْ إِلى هاهُنا ، اخْلَعْ حِذاءَك من رِجْلَيْك ، لأَنَّ الموضعَ الذي أَنتَ واقفٌ عليه أَرضٌ مُقَدَّسَة "خروج 3 : 1 -
5 ".
إِذَنْ موسى كانَ في جبلِ اللّهِ حوريب ، فمن أَيْنَ جاءَ القرآنُ باسْم طوى ، مع أَنَّ حوريبَ اسْمُ جبلٍ مشهورٍ في شبهِ جزيرةِ سيناء ؟ ! ".
ذَكَرَ العهدُ القديمُ أَنَّ اسْمَ الجبل " حوريب " ، وذكرَ القرآنُ أَنَّ اسْمَه " الطور " ، والقِسيسُ الفادي يرفضُ اسْمَ القرآن ، ويَعتمدُ اسْمَ العهدِ القديم ...
أما نحنُ المسلمين فإننا نؤمنُ بالقرآن ، ونعتمدُ الاسْمَ المذكورَ فيه ، ونرفضُ أَيَّ اسْم آخَرَ يَختلفُ معه ، لأَنَّ القرآنَ هو الذي تَكَفَّلَ اللّهُ بِحِفْظِهِ ، فكلُّ ما فيه حَقّ وصَواب ، أَما الكُتُبُ الأُخرى فقد عَدَتْ عليها يَدُ التحريفِ فلا يوثَقُ بها.
اسْمُ الجبلِ الذي وَقَعَتْ بجانبهِ الحادثةُ هو جبلُ الطور ، كما صَرَّحَ القرآن ، ولا أَدري من أَيْنَ أَتى اليهودُ والنَصارى باسم " جَبَلِ حوريب ".
واسْمُ الوادي الواقعِ بجانبِ جبلِ الطورِ هو وادي " طوى " ، ولا يَجوزُ تركُ ما وَرَدَ في القرآنِ صريحاً!.
والواجبُ اعتمادُ ما وَرَدَ في القرآن ، وَرَدّ كُلِّ ما يتعارضُ معه! *1*.

هل في طور سيناء زيتون ؟
اعترضَ الفادي على القرآن ، في حديثِه عن شجرةِ الزيتون ، التي تَخرجُ من طورِ سَيْناء ، واعتبرَ هذا خطأً جغرافياً في القرآن.
والآيةُ التي أَخبرتْ عن ذلك هي قولُ اللّهِ : *فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ *19* وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ *20*.
تتحدثُ الآيَتانِ عن بعضِ النّعَمِ التي تَنشأُ عن إِنزالِ الماءِ من السَّماء ، ويتنَعَّمُ بها النّاسُ على وجْهِ الأَرض ، منها الفواكهُ الكثيرةُ التي يأكلونَ منها ، ومنها جَنّاتُ النخيل وجَنّاتُ الأَعناب.
ومن تلك النعمِ شجرةُ الزيتون المباركة ، التي تَخرجُ من طورِ سَيْناء ، والتي يُؤْخَذُ منها الزَّيْت ، الذي يَصلُحُ أَنْ يكونَ دُهْناً للشَّعَر والجِسْم ، ويَصلحُ أَنْ يَكونَ صِبْغاً للآكلين ، يَصبغُ به الآكِلونَ طعامَهم ، ويَأكلونَه مع الزعتر أَو غَيْرِه.
وخَطّأَ الفادي هذا الكلام ، فقال : " ونحنُ نَسأل : لَمْ تشتهرْ صَحراءُ سيناء الجرداءُ بِشَجَرِ الزيتون.
أَلم يكن الأَجْدَرُ أَنْ تُذْكَر فلسطينُ بزيتونِها ،
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
72- الوادى طوى
إنه لا يوجد وادى اسمه " طوى " فى سيناء. فمن أين جاء به القرآن ؟.
الرد على الشبهة :
إنه فهم من قوله تعالى : *إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * *1* أن *طوى* اسم للوادى المقدس. وفهمه خاطئ. وذلك لأن الله لما عبر عن السموات بأنها *مطويات بيمينه * *2* يعنى بذلك : أن لا إله غيره يملك من أمر السموات من شىء. عبر عن الأرض بأنها فى ملكه وليس لإله آخر فيها من شىء. فالطى فى السماء كناية عن القدرة والطى فى الأرض كناية عن القدرة. والكناية مناسبة للواد المقدس ؛ والمقصود الأرض كلها لئلا يُظن أن التقديس لغيره. وكرر الله المعنى فى السموات فقال : *يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب * *3*. وشبهه أن تكون الأرض *طوى* أى فى قبضته.
وفى الرسالة إلى العبرانيين : " وأنت يا رب فى البدء أسست الأرض ، والسموات هى عمل يديك. هى تبيد ولكن أنت تبقى وكلها كثوب تبلى ، وكرداء تطويها؛ فتتغير، ولكن أنت أنت، وسنوك لن تفنى " [عب 1 : 20 - 22] فقد عبر عن طيها بطى الرداء.
فيكون المعنى *إنك بالوادى المقدس *الذى سيصير *طوى* بمعنى مطوى كما أن السماء ستكون مطوية بقدرته.
وهنا هو لا يعترض على القرآن بل على التفاسير ، وهو جانب آخر من إعجاز القرآن يزيد فى إثباته وذلك أن كلام البشر من العلماء والمفسرين قد يختلف ويؤخذ منه ويُرد ؛ ولكن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، شىء عجيب حقاً ذلك القرآن الذى يقف أمام هؤلاء جميعاً بكل ذلك الفهم الخاطئ والتصيد المستمر وإذ به يتعالى عليهم ويبقى فى عليائه معجزاً للبشر إلى يوم الدين. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* طه : 12.
*2* الزمر : 67.
*3* الأنبياء : 104.
لا سيناءُ التي من قَحْطِها أَرسلَ اللّهُ لبني إِسرائيل فيها المَنَّ من السماء ؟ *1*.
نقول بداية : المرادُ بطورِ سَيْناءَ في الآية شبهُ جزيرةِ سيناءَ المعروفة ، وفيها جبلُ الطورِ المعروف ، الذي ناجى موسى - صلى الله عليه وسلم - ربَّه عليه.
وذُكرتْ " سَيْناءُ " مَرَّتَيْن في القرآن : المرةُ الأُولى في سورةِ المؤمنون ، والمرةُ الثانيةُ في سورة التين ، في قول اللّه - عز وجل - : *وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ *1* وَطُورِ سِينِينَ *2* وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ *3*.
و " سَيْناءُ " الآنَ صحراءٌ في معظمِها ، وفيها مناطقُ زراعيةٌ خَصْبَة ، وفي هذه المناطقِ الزراعيةِ أَشجارُ زيتونٍ جيدة ، فزراعةُ الزيتونِ ناجحةٌ فيها.
واعتراضُ الفادي على الآية مردود ، لوجودِ أَشجارِ زيتونٍ حتى الآنَ في الأَراضي الزراعيةِ في سيناء ، ووجودُ هذه الأَشجارِ حتى الآنَ يدل على أَنَّ منطقةَ سَيْناءَ كانتْ منطقةَ زَيْتونٍ في الماضي البعيد ، يوم كانَتْ أَراضيها خصبة ، قبلَ أَنْ تتحوَّل إِلى صحراء!.
والدليلُ على هذا كلماتُ الآيةِ نفسِها ، حيثُ قال تعالى : *وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ*..
إِنَّ كلمةَ " شجرةً " منصوبة ، لأَنها معطوفة على " جَناتٍ "
قبلَها ، التي هي مفعول به لفعْلِ " أَنشانا ".
في قوله : *فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ* والتقديرُ : أَنشانا لكم بالماءِ جناتٍ من نخيل ، وأَنشأنا لكم به شجرةً خارجةً من طورِ سَيْناء!.
وإِنشاءُ الشيءِ إِيجادُه من العَدَمِ أَوَّل مَرَّة.
واختيارُ فعْلِ " أَنشأَ " في الآيةِ مقصود ، لأَنه يشيرُ إِلى أَول مَرَّةٍ في التاريخ ، ظهرتْ فيها جناتُ النّخيل والأَعناب وأَشجارِ الزيتون ، ولعلَّ إِنشاءَ أَشجارِ الزيتون على الأَرضِ كانَ قبلَ خَلْقِ آدمَ - صلى الله عليه وسلم - بفترةٍ طويلة.
ولا يَعلمُ إِلّا اللّهُ كيفَ كانَتْ " سيناء " عندما أُهبطَ آدمُ إِلى الأَرض!!.
فالآيةُ تتحدثُ عن إِنشاءِ شجرةِ الزيتونِ لأَوَّل مَرَّة ، وليس عن المناطقِ والأَراضي التي تَنبتُ فيها شجرةُ الزيتونِ في هذا الزمان.
ثم إِنَ حرفَ الجَرِّ " مِنْ " في الآيةِ يُقَرِّرُ هذا المعنى ، فهو هنا للابتداء ،
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
73- هل الزيتون يخرج من طور سيناء ، وهو يخرج من فلسطين ، فكيف ذلك ؟
الرد على الشبهة :
أن سيناء من فلسطين وفلسطين والشام هى شمال مصر ، وهذا المعنى يوجد فى التوراة ففى سفر الزبور : [ سينا فى القدس ] مز 68 : 17.
ولا تعتمد التقسيمات السياسية الحديثة التى فصلت الديار بعضها عن بعض بل إن مصر فى الأصل كانت تمتد إلى هذا الحد ، أما تقسيمات سايكس بيكون فلا يمكن تفسير النصوص المقدسة عليها. اهـ *شبهات المشككين*.
والمرادُ به الابتداءُ الزماني.
والمعنى : كان ابتداءُ إِنشاءِ وإِخراجِ شجرةِ الزيتون في منطقة سيناء : *وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ*.
وهذا الابتداءُ كانَ قبلَ آدمَ - صلى الله عليه وسلم -.
فاعتراضُ الفادي على الآيةِ دليلُ جهلِه وغبائِه ، لأَنه " أَسيرُ " هذا الزمان ، الذي رأيْنا فيه سيناءَ صحراءَ جرداء.
حتى الكتابُ المقَدَّسُ الذي يؤمنُ به القِسّيسُ الفادي يُخبرُ أَنَّ الزيتونَ كان منتشراً مَعْروفاً من قديمِ الزمان ، وذَكَرَ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوينِ من العهدِ القديم أَنَّ الزيتونَ كان مَعْروفاً قبل الطوفان ، وزَعَموا أَنه بينما كان نوحٌ - صلى الله عليه وسلم - في السفينة ، والطوفانُ قد غَطّى كُلَّ شيء حتى قمم الجبال ، أَرادَ أَنْ يَعرفَ ماذا جرى خارجَ السفينة ، فأَطلقَ الحمامةَ من السفينة ، فعادَتْ لأَنها لم تجدْ مكاناً تقفُ عليه ، وبعد فترةٍ أَطلقَ الحمامةَ مرةً ثانية ، فعادَتْ وفي فمِها " غُصْنُ زيتون " ، ومن يومِها سُمِّيت الحمامةُ حمامةَ السلام ، وصارَ شعارُ السلامِ الحمامةَ وغصنَ الزيتون!! فعودةُ الحمامةِ زمنَ نوحٍ - صلى الله عليه وسلم - ومعها غصنُ زيتونٍ دليل على أَنَّ الزيتونَ كان معروفاً زمنَ نوحٍ - صلى الله عليه وسلم -.
إِنَّ قولَه تعالى : *وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ* يُشيرُ إِلى ابتداءِ إِنشاءِ الزيتونِ في التاريخِ البعيد ، وأَنَّ بدايةَ هذه الشجرة كانَتْ عندَ طورِ سيناء ، ثم انتشرَتْ من هناكَ إِلى باقي بلدانِ حوضِ البحرِ الأَبيضِ المتوسط ، في شمالِه وجنوبِه وشرقِه! وهذا يُشيرُ إِلى أَنَّ " سَيْناء " كانتْ أَراضِيَ زراعيةً خصبة ، ثم صارتْ صحراءَ جرداءَ بعد ذلك! ولعلَّ تَحَولَها إِلى صحراءَ كان في زمنِ تدميرِ قومِ لوطٍ - عليه السلام - ، الذي نشأَ عنه جيولوجياً حفرةُ " الانهدام " الكبير ، الذي يبدأُ من شمالِ سورية ، مروراً بسهْلِ الغاب ، ونُزولاً إِلى الغور ، ثم البحرِ الميت ، ثم وادي عربة ، فالبحر الأحمر ، حتى مضيقِ بابِ المندب والقرنِ الإفريقي!!.
وهناك صلةٌ وثيقةٌ بين كونِ شجرةِ الزيتون المباركة ، تَنشأُ وتَخرجُ لأَوَّلِ مرةٍ من أَرضِ سيناءَ ، وجبلِ الطور المقدَّسِ فيها ، وبجانبِه وادي طُوى المقَدَّس!!.

هل الشمس ثابتة ؟
وقفَ الفادي وقفةً غبيةً أمامَ حديثِ القرآنِ عن جريانِ الشمس ، الذي وَرَدَ صريحاً في قوله تعالى : *وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ *37* وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *38* وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ *39* لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ *40*.
نَقَلَ من تفسيرِ البيضاوي خمسةَ أَقوالٍ في معنى اللّامِ في جملةِ :
*وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا* ، وفي بيانِ معنى هذه الجملةِ القرآنية :
1 - الشمسُ تَجْرِي لحدٍّ معينٍ يَنْتهي إِليه دَوْرُها.
2 - أَو : الشمسُ تَجري لكبدِ السماء ، فإِنَّ حركَتَها هناكَ أَبطأُ ، بحيثُ يُظَنُّ أَنَّ لها وقْفَة.
3 - أَو : الشمسُ تجري لاستقرارٍ لها على نَهْجٍ مخصوص.
4 - أَو : الشمسُ تَجري لمنتهى مقدَّرٍ لكلِّ يومٍ من المشارقِ والمغارب.
5 - أَو : الشمسُ تجري لمنقطعِ جَرْيِها عند خرابِ العالَم!.
والأَقوالُ الخمسةُ متقاربةٌ في المعنى.
و " مُسْتَقَرٌّ " : اسْمُ مكان ، وهو مكانُ استقرارِ الشمس.
والشمسُ لا تستقرُّ إِلّا عندما تتوقَّفُ عن الجريانِ والسَّيْر ، وهذا يكونُ عند قيامِ الساعة!.
والراجحُ أَنَّ اللامَ في : *لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا* بمعنى " إِلى " ، وحرفُ " إِلى "
يدلُّ على الغايةِ والنهاية ، فمعنى الآية : آيةٌ للناسِ في الشمس وجريانِها ، فهي تجري بسرعةٍ محدَّدَة ، منذُ أَنْ خَلَقها اللّه ، وستَبْقى تَجْري بنفسِ السرعةِ التي حَدَّدَها لها اللّه ، إِلى أَنْ تَبلغَ مُسْتَقَرَّها ، وتَصلَ إِلى مكانِ استقرارِها ، وهو ما سيكونُ عند قيامِ الساعة!.
وهذا ما قصدَه الإمامُ البيضاويُّ بقولهِ : " *وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا* : " لحَد مُعَيَّنٍ يَنتهي إِليه دورُها ، شُبِّهَ بمستقَرِّ المسافرِ إِذا قَطَعَ مَسيرَه..
وقولِه : " أَو لمنقطعِ جَرْيها عندَ خَرابِ العالم ".
إِنَّ الآيةَ تصرحُ بأَنَّ الشَّمْسَ تَجْري وتَتَحركُ وتَسير ، وتَسيَحُ في الفضاء ، وهي في حالةِ جَرَيانٍ دائم ، بدونِ تَوَقُّف ، إِلى أَنْ تَصِلَ مُسْتَقَرَّها ، وتبلغَ نهايتَها ، وهذا عندَ قيامِ الساعة.
وهذا كلامٌ لا يُوافقُ عليه القِسّيسُ الفادي ، ويَعتبرُه خَطَأً في القرآن ، لأَنَّه يرى أَنَّ الشمسَ ثابتة لا تَجْري ولا تَتحرك.
ولذلك اعترضَ عليه قائلاً : " ونحنُ نَسْأَل : الشمسُ ثابتة ، تَدورُ حولَ نفسِها ، ولا تَنتقلُ من مكانها ، والأَرضُ هي التي تَدورُ حولَها ، فكيفَ يَقولُ القرآنُ : إِنَّ الشمسَ تَجْري ، وإِنَّ لها مُسْتَقَرَّاً تَسيرُ إِليه ؟ ! ".
وما يقولُه الفادي يُخالفُ مقرراتِ الفَلَكِ المعاصِرِ ، فقد كانَ علماءُ الفَلَكِ السابقونَ يَظُنّونَ أَنَّ الشمسَ ثابتة في مكانِها ، لا تَجري ولا تَتحرك..
ولكنْ ثَبَتَ في الفَلَكِ حَديثاً أَنَّ الأَرضَ تَجري ، وأَنَّ الشمسَ تَجري ، وأَنَّ الكواكبَ تَجري ، وأَنَّه لا أَحَدَ ثابتٌ واقفٌ في مكانِه ، وكلّ في فَلَكٍ يَسْبَحون ، وسَيَبْقى جَرَيانُ هذه الكواكبِ إِلى أَنْ تَبْلُغَ مستقرَّها ، فتتوقَّفَ عن الجَرَيان ، وهذا عندَ قيامِ الساعة!.
إِنَّ الفادي هو الذي أَخْطَأَ خَطَأً جُغْرافياً فَلَكيّاً عندما زعمَ أَنَّ الشمسَ ثابتة ، لا تنتقلُ من مكانِها ، وأَنَّ القرآنَ أَخْطَأَ عندما أَخبرَ أَنها تَجري لمستقَرٍّ لها ...
فما قالَه القرآن فهو الصواب ، المتفقُ مع آخرِ مُقَرَّراتِ علْمِ الفَلَكِ الحديث ، وما قالَه الفادي فهو الخطأُ ، المتعارضُ مع تلك المقَرَّرات!!.
واتفاقُ القرآنِ مع اَخرِ مُقَرَّراتِ عِلْمِ الفَلَكِ الحديث يدل على أَنَّ القرآنَ من عندِ اللّه.
ووقعَ الفادي في مُغالطةٍ مفضوحة ، عندما نَقَلَ عن تفسيرِ البيضاوي قولاً بوجودِ قراءةٍ أُخرى في قولِه تعالى : *تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا*.
قالَ البيضاوي : " وقُرِئ " : " لا مُسْتَقَرَّ لها ".
أَيْ : لا سُكونَ لها ، فإِنها متحركةٌ دائماً ، ولا مستقرَّ لها ، على أَنَّ " لا " بمعنى : " ليس ".
وعَلَّقَ الفادي على ذلك بقوله : " وأَمّا القولُ بوجودِ قراءةٍ في القرآن : أَنَّ الشمسَ تَجْري ولا مستقرَّ لها ، فيدلُّ على اختلافِ قراءاتِ القرآن اختلافاً يُغَيِّرُ المعنى ، مما يَطعنُ في سَلامةِ القرآنِ وصحَّتِه.. ".
الفادي جاهل ، لا علْمَ له بالقراءات ، ومع ذلك يَتَعالَمُ على القرآنِ وقراءاتِه.
إِن من البدهيّاتِ المقَرَّرةِ أَنَ القراءاتِ الصحيحةَ " توقيفيةٌ " من عندِ اللّه ،
واللّهُ هو الذي أَنزلَها على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَذِنَ أَنْ تُقْرَأَ بما تُقْرَأُ به!!.
ولا تُقْبَلُ أيةُ قراءةٍ قرآنية إِلّا إِذا اجتمعَتْ فيها شروطٌ ثلاثة :
1 - أَنْ تكونَ القراءةُ صحيحةَ السَّنَد ، منقولةً عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم.
2 - أَنْ تكونَ القراءةُ موافقةً لرسْمِ المصحفِ العثماني.
3 - أَنْ تكونَ القراءةُ موافقةً لقواعِدِ اللغةِ العربية.
فإِذا اخْتَلَّ شرطٌ من هذه الشروطِ كانت القراءةُ شاذَّةً مردودة ، وليستْ قرآناً.
وقد سَجّلَ العلماءُ القراءاتِ الصحيحةَ المقبولة ، التي توفرتْ فيها الشروطُ الثلاثة.
والقراءاتُ الصحيحةُ عَشْرُ قراءات ، منسوبةٌ لأَئمتها القُرّاء ، وهي : قراءةُ نافع ، وقراءةُ عاصم ، وقراءةُ الكسائي ، وقراءةُ حمزة ، وقراءةُ ابن كثير ، وقراءةُ ابن عامر ، وقراءةُ أبي عمرو ، وقراءةُ أبي جعفر ، وقراءةُ يعقوب ، وقراءةُ خلف.
وأَشهرُ القراءاتِ الشاذة أربعة ، وهي : قراءةُ الحسن البصري ، وقراءةُ الأَعمش ، وقراءةُ ابن محيصن ، وقراءةُ اليزيدي.
وقد أَجمعَ القراءُ العشرةُ على قراءةِ قولِه تعالى : *وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا* بكسرِ اللّامِ والتنوين في " لِمُسْتَقَرٍّ " ، فليس فيها قراءةٌ صحيحةٌ أُخرى..
وما ذَكَرَه البيضاويُّ من القِراءةِ بحرفِ : " لا " : " لا مُسْتَقَرَّ لها " ،
ليستْ قراءةً صحيحة ، ولا من القراءاتِ الأَربعِ الشاذَّة ، وإِنما هي موضوعةٌ باطلة ، وليستْ قرآناً!.
ولقد كان الفادي جاهِلاً عندما اعتمدَ هذه القراءةَ الموضوعةَ الباطلة ، واعتبرها قرآناً! وكان مُتَحاملاً مُغْرِضاً عندما بنى على هذا الكلام الباطل نتيجةً باطلة ، وذلك في قوله : " وأما القولُ بوجودِ قراءةٍ في القرآن أَنَّ الشمسَ تَجري ولا مستقرَّ لها ، فيدلُّ على اختلافِ قراءات القرآنِ اختلافاً يُغَيِّرُ المعنى ، مما يَطعنُ في سلامةِ القرآنِ وصحَّته ".
إِنَ الفادي المفترِي يَزعُمُ أَنَّ اختلافَ القراءاتِ في القرآن يُغَيِّرُ المعْنى ، وهذا زَعْمٌ مردود ، وكلُّ مسلم له علمٌ بالقراءاتِ يَعلمُ بُطْلانَ هذا الزعم ، ويوقنُ أَنَّ الاختلافَ بين القراءاتِ العشرِ الصحيحةِ اختلافٌ يَسير ، لا يُغيرُ
المعْنى ، ولا يُؤَدّي إِلى التعارض والتناقضِ والاضطراب ، وإِنما تَلْتَقي كُلُّ القراءاتِ على تقريرِ المعنى.
وهذا علمٌ نفيس ، من أنفسِ علومِ القرآن ، يُسَمّى " علْم توجيهِ القراءات " !.
ويريدُ الفادي المفترِي الوصولَ إِلى هدفِه الخبيث ، وهو الطعْنُ في سلامةِ القرآنِ وصحتِه ، ورفْضِ كونِه من عندِ اللّه ، فالاختلافُ في المعنى يطعنُ في سلامةِ القرآنِ وحفْظِه! ووجودُ الأَخطاءِ في القرآن يَنفي كونَه وَحْياً من عندِ اللّه!
إِن القرآنَ كلامُ اللّه ، وقد حَفِظَه اللّه ، ونَزَّهَه عن التغييرِ والتبديلِ ، والزيادةِ والنقص ، فلا خَطَأَ في القرآن ، ولا تَعارُضَ بين قراءاتِه ، ولا تَناقُضَ في معانيه.

القمر كالعرجون القديم
ذَكَرَ الفادي آيتيْنِ من سورةِ يس تتحدَّثان عن القمر ، وهما قولُ اللّهِ - عز وجل - : *وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ *39* لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ *40*.
اكتفى الفادي بذكْرِ تَفسير البيضاويِّ لهاتَيْنِ الآيَتيْن ، وذَكَرَ منازِلَ القمر الثمانيةَ والعشرين ، التي ينزلُ فيها خلالَ الشهر ، وبيان معنى العرجونِ القديم ، وكلُّ كوكبِ من الكواكبِ في فَلَكٍ يَسبحُ فيه في الفضاء.
ولمَ يُسجل اعتراضَه على الآيَتيْن ، ولم يذكُرْ ما رآهُ خَطَأً جغرافياً فلكيّاً فيها ، فبقيَ الاعتراضُ في بطنِه! ولا نعرفُ ما الذي لا يُعجبُه من الآيات ، حتى نردَّ عليه ونبينَ سوءَ فهمه.
والعُرجونُ جَريدُ النخل " الشِّمْراخ " الدقيقُ الرفيعُ القديمُ العتيقُ اليابس ، ومنازلُ القمر هي التي ينزل فيها على مدارِ الشهرِ القمري!.

أسطورة جبل قاف
اعترضَ الفادي على القرآنِ لورودِ كلمةِ " قاف " فيه.
وهي المذكورةُ في أَولِ سورة " قَ " ، في قوله تعالى : *ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ *1*.
واعتبرَ القرآنَ كتابَ أَساطيرٍ وخرافات ، لوجودِ هذه الكلمةِ " قاف " فيه.
ونَقَلَ عن كتاب " عرائسِ المجالس " للثَّعْلَبِيّ أَنَّ اللّهَ خلقَ جبلَ " قاف " ، من زبرجدةٍ خضراء ، وجعلَه جَبَلاً عظيماً ، مُحيطاً بالأَرضِ كُلِّها!!.
ونقلَ عن كتابِ " قصص الأَنبياء " - هو نفسهُ " عرائسُ المجالسِ " للثَّعْلَبِيّ -
أَنَّ عبدَ اللّهِ بنَ سلام - رضي الله عنه - سأَلَ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن أعلى جبلٍ في الأَرض ؟
فأَخبره أَنه جبلُ " قاف " ، وأَنَ ارتفاعَه مسيرةُ خمسمِئة سنة ، وأَنَّ طولَه مسيرةُ أَلفي سنة ، وأَنه مخلوقٌ من زمردٍ أَخضر.
وعَلَّقَ الفادي على هذا بأَنَّ أَوَّلَ مَنْ تكلمَ عن جبلِ قافِ المحيطِ بالأَرضِ هو الكتابُ الدينى اليهودي " حَكيكاه " ، عندما فَسَّرَ كلمةَ : " توهو بوهو " المذكورةَ في أَولِ جملةٍ في سِفْرِ التكوين ، الذي هو أَولُ أَسفارِ العهدِ القديم.
ونقلَ عن " حَكيكاه " أَنَّ معنى كلمةِ " توهو " العبرية هو : الفضاءُ والفراغ.
وأَنَّ المرادَ بها الخطُّ الأَخضرُ المحيطُ بجميعِ العالَم..
ولما أَرادَ العربُ تَعريبَ كلمةِ " توهو " العبريةِ سَمّوها " قاف ".
وبَعدما ذَكَرَ هذه الخرافةَ الأُسطورية ، نَسَبَها إِلى القرآن ، وقال : " فالكلمةُ العبريةُ المترجمةُ " الخَط " هي " تاء " ، ولما سَمِعَها الصحابةُ لم يَعْرِفوا معناها أَنَّهُ الخَطّ ، وتوهموا أَنّها سلسلةُ جبالٍ عظيمةٍ اسْمُها " قاف " !!.
فكيفَ يَعتبرُ القرآنُ ما نُسَمّيه " الأُفُق " أوهو خَطّ وَهْمِيٌّ ، جَبَلاً حقيقياً ؟ " *1*.
إِنَّ كتابَ الثعلبيّ " عرائس المجالس في قصص الأنبياء " مرفوضٌ عند العلماء ، ولا يَصلحُ أَنْ يكونَ مرجعاً في كتبِ التفسير وقَصصِ الأَنبياء ، ومعظمُ الحكاياتِ والأَخبارِ والرواياتِ التي فيه موضوعة ومردودة ، وهي خُرافاتٌ وأَساطير ، مأخوذةٌ عن الإِسرائيلياتِ المردودةِ الباطلة.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
74- جبل قاف المحيط بالأرض كلها
إنه جاء فى القرآن الكريم : *ق. والقرآن المجيد * ونقل من كتاب عرائس المجالس : أن معنى *ق* جبل يقال له جبل قاف. ونقل من كتاب قصص الأنبياء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن أعلى قمة فى الأرض هى جبل قاف.
وقال المؤلف : إن الكلمة العبرانية " تاو " ومعناه " الخط " لما سمعها الصحابة لم يعرفوا أن معناها " الخط " بل توهموا أنها سلسلة جبال عظيمة اسمها قاف. فكيف يعتبر بعض القرآن ما نسميه الأفق - وهو خط وهمى - جبلاً حقيقياً ؟
الرد على الشبهة :
إن كلام مؤلف عرائس المجالس ليس حُجة على صحة القرآن ، وإن الأحاديث الموضوعة ليست حُجة على صحة القرآن. ولم يجمع المسلمون على معنى *ق* فإن لهم فى المعنى آراء كثيرة. منها أن *ق* حرف من حروف الهجاء مثل الألف والياء والتاء.. إلخ. فاعتراض المؤلف على القرآن ليس فى موضعه. اهـ *شبهات المشككين*.
وما أَخَذَه الفادي منه باطلٌ ومردود ، لأَنه ضمنَ الخرافاتِ والأَساطير التي مَلَأَتْ كتابَه! ولا يتحملُ القرآنُ ما في " عرائسِ المجالس " من أَخطاءٍ وخرافاتٍ وأباطيل!.
وما أَوردَه الثعلي من حوارٍ بينَ عبدِ اللّه بن سلام - رضي الله عنه - وبينَ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - مردود ، لأَنه روايةٌ موضوعةٌ باطلة.
وحكايةُ جبلِ " قاف " الأَخضرِ المحيطِ بالأَرضِ كلها ، خُرافةٌ وأُسطورة ، باطلةٌ مردودة ، لم يَقُلْ بها أَحَدٌ من العلماءِ المسلمين المحَقِّقين!!.
ونحنُ مع الإِمامِ الحافظِ المفسِّر ابنِ كثير - رحمه الله - في رَدّ هذه الخرافة.
قال : " وَقَدْ رُوِيَ عن بعضِ السلف أَنهم قالوا : قاف : جبلٌ محيطٌ بجميعِ الأَرض ، يُقالُ له : " جَبَلُ قاف ".
وكأَنَّ هذا - واللّهُ أَعلم - من خُرافاتِ بني إِسرائيل ، التي أَخَذَها عنهم بعضُ الناس ، لِمَا رأوا من جوازِ الروايةِ عنهم مما لا يُصَدَّقُ ولا يُكَذَّب ... وعندي أَنَّ هذا وأَمثالَه وأَشباهَه من اختلاقِ بعضِ زَنادقتِهم ، يُلَبِّسونَ به على الناسِ أَمْرَ دينهِم ، كما افْتُرِيَ في هذه الأُمةِ مع جلالةِ قدرِ علمائِها وحُفّاظِها وأَئمتِها أحاديثُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما بالعهدِ من قِدم ، فكيفَ بأُمَّةِ بني إِسرائيل ، مع طولِ المدى ، وقلةِ الحُفّاظِ النّقّادِ فيهم ، وشُرْبِهم الخمور ، وتحريفِ علمائِهم الكلمَ عن مواضعِه ، وتبديلِ كتبِ اللّهِ وآياتِه..
وإِنما أَباحَ الشارعُ الروايةَ عنهم في قوله : " وحَدّثوا عن بني إِسرائيلَ ولا حَرَجَ " فيما قد يُجَوِّزُهُ العقل ، فأما فيما تُحيلُه العقول ، ويُحْكَمُ فيه بالبطلان ، ويَغلبُ على الظنونِ كذبُه ، فليس من هذا القبيل..
واللّهُ أَعلم.. ".
إِنَّ ابنَ كثير يرفضُ أُسطورةَ " جبلِ قاف " المحيطِ بالأَرض ، ويَعتبرُها من رواياتِ بني إِسرائيل ، ويجعلُها خُرافةً تَتناقضُ مع العقل!.
وبما أَنها مرفوضةٌ مردودة ، فإِنَّ القرآنَ لا يَحْملُ وِزْرَها ، ولا يُسْتَشْهَدُ بها على وجودِ الخَطأ في القُرآن ، كما فَعلَ المفترِي المتحامل!!.
و " ق " الذي بَنى عليه الفادي أُسطورتَه وخُرافتَه ليس اسْماً لجَبَل ، وإِنما هو أَحَدُ حروفِ الهجاء ، سَمَّى اللّهُ به هذه السورة ، وافتتحها به ، ثم أَقسمَ بعد ذلك بالقرآن على صدْق نبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - : *ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ *1* بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ *2*.
ومن المعلومِ أَنَّ اللّهَ افتتحَ بعضَ سورِ القرآنِ ببعضِ حُروفِ الهجاء ، مثل سور : ن ، و : ق ، و : ص ، و : يَس ، و : طه ...


من مواضيعي
0 من أسرار النفس البشرية
0 انفوجرافيك العوائد للميناء البحري لقطاع غزة الذي يتم التفاوض عليه
0 الرد علي معظم التاقضات المزعومه في القران
0 قصة إسلام ثاني أكبر قسيس في غانا
0 انفوجرافيك هدر النفايات المنزلية في السعودية
0 الصراع بين الكنيسة والعلم أسبابه وآثاره
0 بولس والمسيحية
0 واما ينسينك الشيطان .. الأنعام68

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المطاعن, الجغرافية

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:43 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009