ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

نقض المطاعن اللغوية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


نقض المطاعن اللغوية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 04:11 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي نقض المطاعن اللغوية

نقض المطاعن اللغوية
ذكر المرفوع بعد المنصوب
قالَ اللّهُ وَبَئّ : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *69*.
خَطَّاَ الفادي الجاهلُ الآية ، لأَنَّ كلمةَ *وَالصَّابِئُونَ* فيها مرفوعةٌ بالواو ، مع أَنها معطوفة على اسم " إِنَّ " المنصوب ، ولذلكَ جَعَلَ عنوانَ تخطئتِه : " رَفْعُ المعطوفِ على المنصوب " ، وهذا خَطَأ نحويّ ؟
لأَنَّ المعطوفَ على المنصوبِ منصوب ، وقالَ الجاهلُ في تخطئتِه : " وكانَ يجبُ أَنْ يُنْصَبَ المعطوفُ على اسم " إِنّ " فيقول : " والصابئين " كما فعلَ هذا في سورةِ البقرةِ وسورةِ الحج ... ".
لقد ذَكَرَ القرآنُ أَصحابَ الدياناتِ المعروفةِ في ثلاثٍ من سُوَرِه :
1 - قال تعالى : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *62*
2 - وقال تعالى : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ*.
3 - وقال تعالى : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا ... *.
ولا إِشكالَ على آيةِ سورةِ البقرة ؟
لأَنَّ *الَّذِينَ آمَنُوا* في محلِّ نَصْب اسمِ " إنَّ " و *الَّذِينَ هَادُوا* معطوفةٌ عليها في محلِّ نَصْب ، و *النَّصَارَى* معطوفةٌ
*إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *62*
2 - وقال تعالى : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ*.

عليها منصوبة ، و *الصَّابِئِينَ* : معطوفَةٌ عليها منصوبةٌ بالياء.
وخَبَرُ " إِنَّ " اسْمُ الموصولِ *مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ*.
والتقدير : إِنَّ المؤمنين واليهودَ والنَّصارى والصابئين المقبولُ منهم هو المؤمنُ باللّهِ واليومِ الآخِر.
ولا إِشكالَ على آيةِ سورةِ الحج ؟
لأَنَّ : *وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا* معطوفَة على اسمِ " إِنَّ " ، وهو *الَّذِينَ آمَنُوا* ، وخَبَرُ " إِنَّ " جملةُ *إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ* والتقدير : إِنَّ المؤمنينَ واليهودَ والصابئين
والنَّصارى والمجوسَ والمشركين مَفْصولٌ بينهم يومَ القيامة.
والمشكلةُ في آيةِ سورةِ المائدة ، لأَنَّ ظاهِرَها عَطْفُ المرفوعِ *وَالصَّابِئُونَ* على المنصوبِ *الَّذِينَ آمَنُوا* الذي هو اسْمُ " إِنَّ " ، وهذا لَا يَجوزُ في اللغةِ والنحو ، ولذلك اعْتَبَرَهُ الفادي خطأً نحوياً!.
والراجحُ أَنَّ آيةَ سورةِ المائدةِ مُكَوَّنَةٌ مَن جملتَيْن :
الجملةُ الأُولى : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا*.
وهي تتحدَّثُ عن المؤمنينَ المسلمينَ من أُمَّةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وتُقَرِّرُ فَلاحَهم عندَ اللّه.
والراجحُ أَنَّ خبرَ " إِنَّ " محذوف ، والتقديرُ : إِنَّ المؤمنين مفلحون.
الجملةُ الثانية : *وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ*.
والراجحُ أَنَّ الواوَ في *وَالَّذِينَ هَادُوا* حرفُ استئنافٍ وليستْ حَرْفَ عَطْف ، والجملةُ بَعْدَها استئنافيةٌ وليستْ معطوفةً على ما قبلَها ، والراجحُ أَنَّ *وَالَّذِينَ هَادُوا* في محلّ رفْع مبتدأ.
والواوُ في *وَالصَّابِئُونَ* حرفُ عطف ، *وَالصَّابِئُونَ* مرفوعةٌ لأَنَّها معطوفةٌ على المبتدأ *الَّذِينَ آمَنُوا* ،
*وَالنَّصَارَى* مرفوعة لأَنها معطوفة على المبتدأ.
والراجحُ أَنَّ خَبَرَ المبتدأ هو اسْمُ الموصول *مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ*.
والتقدير : واليهودُ والصابئون والنَّصارى المؤمنون باللّه واليومِ الآخِرِ منهم هم المفلحون!!.
وعلى هذا التوجيهِ يكونُ مَعْنى الآية : المؤمنونَ من أُمَّةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم.
مُفْلِحون فائزون.
واليهودُ والصابئون والنصارى لا يُقْبَلُ منهم إِلَّا مَنْ آمَنَ باللّهِ واليومِ الآخر.
وبهذا نعرفُ أَنه لا خَطَأَ نحوياً في الآية ، وأَنها ليستْ من عَطْفِ المرفوعِ على المنصوب كما فهمَ الفادي الجاهل ، وإِنما هي من استئنافِ جملة بعدَ جملة!.

الفاعل لا يكون منصوباً
قال تعالى : *وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ *124*.
زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ *الظَّالِمِينَ* في جملةِ *لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ*
فاعلُ الفِعْل *يَنَالُ* ، وبما أَنه فاعلٌ فلا بُدَّ أَنْ يَكونَ مَرْفوعاً ، ولا بُدَّ أَنْ تَكونَ الجملةُ هكذا : لا يَنالُ عهدي الظالمون!
وقد أَخْطَأَ القرآنُ في نَصْبِ *الظَّالِمِينَ* لأَنَّ الفاعلَ لا يكونُ منصوباً!.
وهذا الكلامُ دَلَّ على جَهْلِ الفادي باللغةِ العربيةِ وقواعدِها.
إِنَّ *عَهْدِي* هو الفاعل ، و *الظَّالِمِينَ* مفعولٌ به منصوب.
ومَعْنى *يَنَالُ* هنا : يَصِلُ ويُصيبُ.
أَيْ : لا يَصِلُ عهدي الظالمين من ذريتِك.
وليسَ مَعْنى *يَنَالُ* هنا : يَأخذ ، إِذْ لو كانَ كذلك لكانَ فاعِلُه " الظالمون " ، ولكان المعنى : لا يَأْخُذُ عَهْدي الظالمون.
فجملةُ *لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ* تُريدُ أَنْ تُقَرِّرَ أَنَّ عَهْدَ اللّهِ لا يَصِلُ الظالمين.
***
المبتدأ مؤنث والخبر مذكر
قال تعالى : *إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ*.
خَطَّأَ الفادي الجاهلُ الآيةَ لأَنَّ خَبَرَ " إنَّ " مُذَكَّرٌ *قَرِيبٌ* ، مع أَنَّ اسْمَها مُؤَنَّث
*رَحْمَتَ اللَّهِ* ، والأَصْلُ أَنْ يَتْبَعَ الخَبرُ المبتدأَ في التذكيرِ والتأنيث ، فالأَصْلُ أَنْ تكونَ الآيةُ هكذا : إِنَّ رحمةَ اللّه قريبةٌ من المحسنين.
ولتَوجيهِ تَذْكيرِ خَبَرِ " إِنَّ " في الآية نَقول : يَجبُ أَنْ يَتبعَ الخَبَرُ المبتدأَ في التذكيرِ والتأْنيث ، إِذا كانَ المبتدأُ مُؤَنَّثاً تَأْنيثاً حَقيقياً ، ولم يَفْصِلْ فاصلٌ بينَ المبتدأ والخَبَر.
تَقُولُ : عائشةُ قريبة منا.
فإِذا كانَ تأنيثُ المبتدأ غيرَ حقيقيّ جازَ في خَبَرِه التَّذكيرُ والتَّأْنيث.
وتَأنيثُ *رَحْمَتَ* غيرُ حقيقيّ ؟
لأَنها ليستْ أُنثى حقيقية.
وقد فَصَلَ لَفْظُ الجلالةِ *اللّهَ* بين اسْمِ " إِنَّ " وخَبَرِها : *إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ*.
وهذه الآيةُ كقولِه تعالى : *وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا* ، فتأنيثُ الساعةِ غيرُ حقيقي ، وفَصَلَ فعلُ *تكونُ* بين الكلمتَيْن ، فجاءَتْ
كلمةُ *قَرِيب* مُذَكَّراً وليستْ مؤنثة!.
وهناكَ حكمة أُخْرى لتذكيرِ خَبَرِ " إِنَّ " في الآية ، وهي أَنَّ كلمةَ *قَرِيب*
مجاورةٌ لكلمةِ " اللّه " ، فمن غيرِ المناسب أَنْ تُؤَنَّث *قَرِيب* ، لهذه المجاورة اللفظية ، من بابِ تنزيهِ اللّهِ عن شُبهةِ التأَنيثِ اللفظي!!.

تأنيث العدد وتذكير المعدود
قالَ اللّهُ عن أَسباطِ بني إِسرائيل : *وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا*.
العددُ في الآيةِ مُؤَنَّث *اثْنَتَيْ عَشْرَةَ*.
والمعدودُ مذكَّر *أَسْبَاطًا* لأَنَه جمعُ " سِبْط " وهو مذكَّر.
وقد خَطَّأَ الفادي الجاهلُ الآية ، وقال : " كانَ يَجبُ أَنْ يُذَكِّرَ العَدَدَ ويَأتي بالمعدود مُفْرَداً ، فيقول : وقَطَّعْناهم اثْنَتي عَشَرَ سِبْطاً ".
والراجحُ أَنَّ *اثْنَتَيْ عَشْرَةَ* حال منصوب ، وصاحبُ الحالِ ضميرُ " هُمْ "
الذي هو في مَحَلِّ نَصْب مفعول به ، في *وَقَطَّعْنَاهُمُ* ، وهو يَعودُ على بني إسرائيل.
والراجحُ أَنَّ *أَسْبَاطًا* بَدَل من *اثْنَتَيْ عَشْرَةَ* منصوب.
أَيْ : قَطَّعْناهم أَسباطاً..
والراجحُ أَنَّ *أمُما* بَدَل من *أَسْبَاطًا* منصوب.
أَيْ : قَطَّعناهم أُمماً.
ولا تَصلحُ *أَسْبَاطًا* أَنْ تَكونَ تَمييزاً للعَدَدِ *اثْنَتَيْ عَشْرَةَ* لأَنَّ شَرْطَ تمييزِ العَدَد أَنْ يَكونَ مُفْرَداً ، فالراجحُ أَنَّ تمييزَ العددِ محذوف ، والتقدير :
قَطَّعناهم اثنتي عَشْرَةَ فرقةً أَو قبيلةً أَو أمَّةً.
وبما أَنَّ التمييزَ المحذوفَ مؤنَّثٌ مُفْرَد ، فقد زالَ اعتراضُ الفادي.
وصارَ تركيبُ الآيةِ هكذا : وقَطَّعْناهم اثْنَتَي عشرةَ فِرْقَةً أَسباطاً أُمماً..
واتَّفَقَ العددُ مع المعدودِ في التأنيث ، وجاءَ المعدودُ التمييزُ مفرداً ، فلا إِشكالَ في الآية *1*.

جمع الضمير العائد على المثنى
قال تعالى : *هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ*.
خَطَّأَ الفادي صياغَةَ الآية ، فكلمةُ *خَصْمَانِ* مُثَنَى ، والجملةُ الفعليةُ بَعْدَها صفة لها ، والفاعلُ في *اخْتَصَمُوا* واوُ الجماعة يَعودُ على المثَنّى *خَصْمَانِ* قال : " وكانَ يَجِبُ أَنْ يُثَنّى الضميرُ العائدُ على المُثنّى ، فيقول :
هذانِ خصمانِ اخْتَصَمَا في ربهما ... ".
*هَذَانِ* : اسْمُ إِشارةٍ مُثَنّى في مَحَلّ رفْع مبتدأ.
و *خَصْمَانِ* خَبَرُه مرفوع ، والكلمتانِ مُثَنّى لَفْظاً ، لكنهما تُشيرانِ إِلى جَمْع ، لأَنهما ليسا رَجُلَيْن مُخْتَصِمَيْن ، وإِنما فَريقان مختصمان ، وكلُّ فريق مُكَونٌ من عِدَّةِ أَفْراد ، فريقُ الكافرين وفريقُ المؤمنين.
__________
*1* قال السمين :
قوله تعالى : { وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ } : الظاهر أن « قطعناهم » متعدٍّ لواحد لأنه لم يُضَمَّنْ معنى ما يتعدى لاثنين ، فعلى هذا يكون « اثنتي » حالاً من مفعول « قطَّعناهم » ، أي : فَرَّقْناهم معدودِين بهذا العدد. وجوَّز أبو البقاء أن يكون قَطَّعْنا بمعنى صَيَّرنا وأن « اثنتي » مفعولٌ ثانٍ ، وجزم الحوفي بذلك.
وتمييز « اثنتي عشرة » محذوف لفهم المعنى تقديره : اثنتي عشرة فرقة و « أسباطاً » بدل من ذلك التمييز. وإنما قلت إن التمييز محذوف ، ولم أجعل « أسباطاً » هو المميِّز لوجهين ، أحدهما : أن المعدودَ مذكرٌ لأن أسباطاً جمع سِبْط ، فكان يكون التركيبُ اثني عشر. والثاني : أن تمييز العدد المركب وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر مفرد منصوب ، وهذا كما رأيت جمعٌ. وقد جعله الزمخشري تمييزاً له معتذراً عنه فقال : « فإن قلتَ : مميِّز ما عدا العشرةَ مفردٌ فما وجهُ مجيئه جمعاً؟ وهلا قيل : اثني عشر سِبْطاً. قلت : لو قيل ذلك لم يكن تحقيقاً لأن المرادَ : وقطَّعْناهم اثنتي عشرة قبيلة ، وكلُّ قبيلة أَسْباط لا سِبْط ، فوضع أسباطاً موضع قبيلة. ونظيرُه :
2315 ... بين رماحَيْ مالكٍ ونَهْشَلِ
قال الشيخ : » وما ذهب إليه من أن كل/ قبيلة أسباط خلافُ ما ذكره الناس : ذكروا أن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب ، وقالوا : الأسباط جمع [ سبط ] ، وهم الفرق والأسباط في ولد إسحاق كالقبائل في ولد إسماعيل ويكون على زعمه قولُه تعالى : { وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط } معناه : والقبيلة. وقوله وهو نظير قوله « بين رماحَيْ مالك ونهشل » ليس بنظيره ، لأن هذا من باب تثنية الجمع وهو لا يجوز إلا في ضرورة ، وكأنه يشير إلى أنه لو لم يُلْحَظْ في الجمع كونُه أريد به نوعٌ من الرماح لم تَصِحَّ التثنية ، كذلك هنا لُحِظ في الأسباط وإن كان جمعاً معنى القبيلة فَمُيِّزَ به كما يُمَيَّزُ بالمفرد «.
وقال الحوفي : » يجوز أن يكونَ على الحَذْف ، والتقدير : اثنتي عشرة فرقةً أسباطاً ، ويكون « أسباطاً » نعتاً لفرقة ، ثم حُذف الموصوفُ وأقيمت الصفة مُقامه. وأمم نعتٌ لأسباط ، وأنَّث العددَ وهو واقعٌ على الأسباط وهو مذكر وهو بمعنى فرقة أو أمة كما قال :
2316 ثلاثة أنفس ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
يعني رجلاً. [ وقال : ]
2317 ... ... ... ... ... . عشرُ أَبْطُنْ ... ... ... ... ... ... .
بالنظر إلى القبيلة. ونظيرُ وصفِ التمييز المفرد بالجمع مراعاةً للمعنى قول الشاعر :
2318 فيها اثنتان وأربعون حَلوبةً ... سُوداً كخافيةِ الغراب الأَسْحَمِ
فوصف « حلوبة » وهي مفردةٌ لفظاً ب « سُوْداً » وهو جمع مراعاةً لمعناها ، إذ المرادُ الجمع «.
وقال الفراء : » إنما قال « اثنتي عشرة » والسِّبط مذكر لأنَّ ما بعده أممٌ فذهب التأنيث إلى الأمم ، ولو كان اثني عشر لتذكير السبط لكان جائزاً « واحتجَّ النحويون على هذا بقول الشاعر :
2319 وإنَّ قريشاً هذه عشرُ أبطنٍ ... وأنت بريءٌ من قبائلها العشرِ
ذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة ، لذلك أنَّث والبطن ذَكَر.
وقال الزجاج : « المعنى : » وقَطَّعناهم اثنتي عشرة فرقةً أسباطاً ، من نعتِ فرقة كأنه قال : جَعَلناهم أسباطاً وفَرَّقْناهم أسباطاً « ، وجوَّز أيضاً أن يكون » أسباطاً « بدلاً من » اثنتي عشرة « وتبعه الفارسيُّ في ذلك.
وقال بعضهم : » تقدير الكلام : وقطعناهم فرقاً اثنتي عشرة ، فلا يُحتاج حينئذٍ إلى غيره. وقال آخرون : جَعَل كلَّ واحد من الاثنتي عشرة أسباطاً ، كما تقول : لزيد دراهم ولفلان دراهم ولفلان دراهم ، فهذه عشرون دراهم ، يعني أن المعنى على عشرينات من الدراهم. ولو قلت : لفلان ولفلان ولفلان عشرون درهماً بإفراد « درهم » لأدَّى إلى اشتراك الكل في عشرين واحدة والمعنى على خلافه. وقال جماعة منهم البغوي : « وفي الكلام تقديمٌ وتأخير تقديرُه : وقطعناهم أسباطاً أمماً اثنتي عشرة ».
وقوله { أُمَماً } : إمَّا نعتٌ لأسباطاً ، وإمَّا بدل منها بعد بدل على قولنا : إن أسباطاً بدلٌ من ذلك التمييزِ المقدر. وجَعَلَه الزمخشري أنه بدل من اثنتي عشرة قال : « بمعنى : وقَطَّعناهم أمماً لأن كل أسباط كانَتْ أمةً عظيمة وجماعة كثيفة العدد » وكلُّ واحدة تَؤُمُّ خلافَ ما تَؤُمُّه الأخرى لا تكاد تأتلف « انتهى. اهـ *الدر المصون*.
ولذلك جاءَ الخَبَرُ *خَصْمَانِ* مثنى مراعاةً لاسم الإِشارةِ المثَنّى " هذان " ،
وجاءَ الضميرُ العائدُ عليه جمعاً *اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ* مراعاةً لعَدَدِ أفرادِ الفريق ، والفريقُ جَمْع.
ولذلك جاءَ بعد ذلك قولُه : *فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ... *
بصيغة الجمع!.

اسم الموصول المفرد العائد على الجمع
قال تعالى : *وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا*.
اعترضَ الفادي على الآيةِ بقوله : " كانَ يجبُ أَنْ يَجمعَ اسْمَ الموصول العائدَ على ضميرِ الجمعِ ، فيقول : خُضتُم كالذينَ خاضوا ".
ولا مَعْنى لاعتراضِه ، لأَنَّ شبْهَ الجملةِ *كَالَّذِى* صفةٌ لمفعول مطلقٍ محذوف ، والتقدير : خُضْتُم خَوْضاً كالذي خاضوه.
أَيْ : خُضتُم خَوْضاً كخوضِ الذينَ من قبلِكم.
وبهذا يكونُ اسْمُ الموصول " الذي " عائداً على مُفرد ، وليس على جَمْع ، وبهذا تَناسَقَ الموصول وما عادَ عليه ، فلا إِشكال في صياغةِ الآية والخوضُ في الآية معطوفٌ على الاستمتاع قبلَه.
قال تعالى : *كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا*.
والمعنى : استمتَعْتُم بخَلاقِكُم استمتاعاً كاستمتاعِ الذينَ من قبلِكم ، وخضْتُم خَوْضاً كخوضِ الذينَ من قبلكم.
وبهذا نعرفُ جَهْلَ الفادي بقواعدِ اللغة *1*.
__________
*1* قال السمين :
قوله : { كالذي خاضوا } الكافُ كالتي قبله. وفي » الذي « وجوهٌ أحدُها : أن المعنى : وخضتم خوضاً كخوض الذين خاضوا ، فحُذفت النونُ تخفيفاً ، أو وقع المفردُ موقعَ الجمع. وقد تقدم تحقيق هذا في أوائل البقرة ، فحُذِفَ المصدرُ الموصوفُ والمضافُ إلى الموصول ، وعائدُ الموصول تقديرُه : خاضوه ، والأصلُ : خاضوا فيه؛ لأنه يتعدى ب » في « فاتُّسع فيه ، فَحُذِفَ الجارُّ فاتصل الضميرُ بالفعل فساغ حَذْفُه ، ولولا هذا التدريجُ لَمَا ساغ الحذف؛ لِما عرفت ممَّا مرَّ أنه متى جُرَّ العائد بحرف اشتُرِط في جواز حَذْفِه جَرُّ الموصولِ بمثل ذلك الحرف ، وأن يتحدَ المتعلَّق ، مع شروط أُخَرَ ذكرتُها فيما تقدَّم.
الثاني : أنَّ » الذي « صفةٌ لمفردٍ مُفْهِمٍ للجمع أي : وخضتم خوضاً كخوضِ الفوج الذي خاضُوا ، أو الفريق الذي خاضوا. والكلامُ في العائد كما سَبَق قبلُ.
الثالث : أنَّ » الذي « من صفةِ المصدرِ والتقدير : وخضتم خوضاً كالخوضِ الذي خاضوه. وعلى هذا فالعائدُ منصوب من غير وساطةِ حرفِ جر. وهذا الوجهُ ينبغي أن يكونَ هو الراجح إذ لا محذورَ فيه.
الرابع : أن » الذي « تقعُ مصدريةً ، والتقدير : وخضتم خوضاً كخوضهم ومثله :
2514 فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاك مِنْ حسنٍ ... في المُرْسلين ونَصْراً كالذي نُصِروا
أي : كنَ‍صْرهم. وقول الآخر :
2515 يا أمَّ عمروٍ جزاكِ اللَّهُ مغفرةً ... رُدِّي عليَّ فؤادي كالذي كانا
أي : ككونِه. وقد تقدَّم أن هذا مذهب الفراء ويونس ، وتقدَّمَ تأويلُ البصريين لذلك. قال الزمخشري : » فإن قلتَ : أيُّ فائدة في قوله : { فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ كَمَا } ، وقوله : { كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } مُغْنٍ عنه كما أغنى « كالذي خاضوا » [ عن أن يقال : وخاضُوا فَخُضْتُمْ كالذي خاضُوا ] ؟ قلت : فائدتُه أَنْ يَذُمَّ الأوَّلين بالاستمتاع بما أُوتوا ورِضاهم بها عن النظر في العاقبة وطلبِ الفلاحِ في الآخرة وأن يُخَسِّسَ أمر الاستمتاع ، ويُهَجِّن أمرَ الراضي به ، ثم يشبه حال المخاطبين بحالهم.
وأمَّا « وخُضْتُمْ كالذي خاضوا » فمعطوفٌ على ما قبله ، ومسندٌ إليه مُسْتَغْنٍ بإسناده إليه عن تلك المقدمة « يعني أنه استغنى عن أَنْ يكونَ التركيبُ : وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا.
وفي قوله : { كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ } إيقاعٌ للظاهر موقع المضمرِ لنُكْتةٍ : وهو أن كانَ الأصلُ : فاستمتعتم فخَلاقكم كما استمتعوا بخلاقِهم ، فأبرزهم بصورةِ الظاهر تحقيراً لهم كقوله تعالى : { لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً } [ مريم : 44 ] وكقوله قبل ذلك : { المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ } ثم قال : { إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة : 67 ]. وهذا كما يدل بإيقاع الظاهر موقعَ المضمرِ على التفخيم والتعظيم يدلُّ به على عكسِه وهو التحقير. اهـ *الدر المصون*.
جزم فعل معطوف على منصوب
اعترضَ الفادي على تركيبِ وصياغةِ قولِه تعالى : *وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ *10*.
قال في اعتراضِه على الآية : " وكان يَجبُ أَنْ يُنْصَبَ الفعلُ المعطوفُ على المنصوب : " فَأَصَّدَقَ وأَكونَ ".
أَيْ أَنَّ فعْلَ " أَكُنْ " معطوفٌ على فعْلِ " أَصَّدقَ " وبما أَنَّ المعطوفَ عليه منصوبٌ فيجبُ أَنْ يُنْصَبَ المعْطوف.
ولذلك كان جَزْمُ المعطوفِ خَطَأً نحويّاً وَقَعَ به القرآن!! ".
في قولِه : *فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ* قراءتان صحيحتان :
الأُولى : قراءةُ أَبي عَمْرو البَصْري بِنصْبِ الفعلِ المعطوف : " فَأَصَّدَقَ وأَكونَ " ، وتوجيهُ هذه القراءةِ أَنَّ " أَكونَ " معطوفٌ على " أَصَّدَّقَ " منصوبٌ مثْلُه.
لأَنَّ المعطوفَ على المنصوبِ منصوبٌ.
الثانية : قراءةُ القراءِ التسعةِ بجَزْمِ الفعلِ " أَكُنْ ".
وهو ليس معطوفاً على " أَصَّدَّقَ "
لأَنه لا يَجوزُ عَطْفُ المجزومِ على المنصوب.
ولكنه معطوفٌ على مَحَلِّ " أَصَّدَقَ " الذي هو الجَزْم.
لأَنه في معنى جوابِ الشرط ، ففعْلُ " أَصَّدَّقَ " منصوبٌ لفظا لكنه مجزومٌ مَحَلًّا!.
إِنَّ فعْلَ " أَصَّدَّقَ " منصوبٌ بحرفِ " أَنْ " المصدريِّ المقَدَّر ، وهو واقعٌ في جوابِ التمنّي ، فالجملةُ هكذا : *مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ*.
*يَأْتِيَ* : فعلٌ مضارعٌ مَنْصوبٌ بحرفِ " أَنْ " ، و " يَقَول" : مضارعٌ منصوبٌ لأَنه معطوفٌ على *يَأْتِيَ*.
و *لَوْلَا* : حرفٌ للتَّمني.
وجوابُ التَّمَنّي جملة : *فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ*.
والتقديرُ : لولا أَخَرْتَنى إِلى أَجَلٍ قريب فأَنْ أَصَّدَّق.
ومع أَنَّ " أَصَّدَّق" منصوبٌ لَفْظاً بحرفِ " أَنْ " ، إِلَّا - أَنه مجزومٌ مَحَلًّا ، على أنه جوابُ الشَّرط ، فالجملةُ للتَّمَنّي في الظاهر ، لكنَّها جملةٌ شرطيةٌ في الحقيقة ، والتقدير : إِنْ أَخّرتني إِلى أَجَلٍ قريبِ أَصَّدَّقْ.
وعلى هذا يكونُ *أَكن* مجزوماً ، َ لأَنه معطوف على مَحَلِّ "أَصَّدَّق".
الذي هو جوابُ الشرطِ في الحقيقة ، والتقدير : إِنْ أَخَّرْتَني إِلى أَجَلٍ قريبِ
أَصَّدَّق ، وأَكُنْ من الصالحين.
أَيْ أَنَّ الكافرَ يتعهَّدُ بفعْلِ أَمْرَيْن اثْنَيْن إِنْ أَخَّرَ اللّهُ أَجَلَه : يتصدَّقُ في سبيلِ اللّه ، ويكونُ من الصالحين *1*.

عود ضمير الجمع على المفرد اعترضَ الفادي على قولِ اللّهِ - عز وجل - : *مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ *17*.
اعتراضه على ضمير الجمع في *بِنُورِهِمْ*، فكيفَ جاءَ بصيغةِ الجمعِ مع أَنَّهُ يَعودُ على المفرد ، وهو الضميرُ المستتر في *اسْتَوْقَدَ*.
قال : " وكانَ يَجِبُ أَنْ يَجْعَلَ الضميرَ العائدَ على المفردِ مُفْرَداً ، فيقول : استوقد ناراً فلما أَضاءتْ ما حوله ذهبَ اللّهُ بنورِه ".
واعتراضُ الفادي دليلُ جَهْلِه بأَساليبِ التعبيرِ الرائعةِ البليغةِ في اللغةِ العربيةِ الشاعرة.
إِنَّ التشبيهَ في الآيةِ تَشبيهٌ تَمثيليّ ، شَبَّهَ حالاً بحال ، حالَ المنافقينَ في عدمِ انتفاعِهم بالإِيمانِ ، بحالِ الذي استوقَدَ ناراً ثم أَطْفَأَها اللّهُ ، فلم ينتفعْ هو بها.
__________
*1* قال السمين :
قوله : { وَأَكُن } : قرأ أبو عمروٍ « وأكونَ » بنصب الفعل عطفاً على « فأصَّدَّقَ » و « فأصَّدَّقَ » منصوبٌ على جوابِ التمني في قوله : « لولا أَخَّرتني » والباقون « وأكُنْ » مجزوماً ، وحُذِفَتِ الواوُ لالتقاء الساكنين. واختلفت عبارات الناس في ذلك ، فقال الزمخشري : « عطفاً على محلِّ » فأصَّدَّقَ « كأنه قيل : إنْ أخَّرْتَني أصَّدَّقْ وأكنْ ». وقال ابنُ عطية : « عطفاً على الموضع؛ لأنَّ التقديرَ : إنْ أخَّرتني أصَّدَّقْ وأكن ، هذا مذهب أبي علي الفارسي : فأمَّا ما حكاه سيبويه عن الخليلِ فهو غيرُ هذا وهو أنه جزمٌ على توهُّمِ الشرطِ الذي يَدُلُّ عليه التمني ، ولا موضعَ هنا لأن الشرطَ ليسَ بظاهرٍ ، وإنما يُعْطَفُ على الموضع حيث يَظْهَرُ الشرطُ كقولِه : { مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ } [ الأعراف : 186 ] فمَنْ جَزَمَ عَطَفه على موضع { فَلاَ هَادِيَ لَهُ } لأنه لو وقع موقعَه فِعْلٌ لانجزم » انتهى. وهذا الذي نَقَله عن سيبويهِ هو المشهورُ عند النَّحويين. ونَظَّر سيبويه ذلك بقول زهير :
4268 بَدا ليَ أني لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى ... ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائيا فخفضَ « ولا سابقٍ » عطفاً على « مُدْرِكَ » الذي هو خبر ليس على توهُّمِ زيادةِ الباء فيه؛ لأنه قد كَثُرَ جَرُّ خبرِها بالباء المزيدة ، وهو عكسُ الآيةِ الكريمةِ؛ لأنه في الآية جُزِمَ على توهُّمِ سقوط الفاء ، وهنا خُفِضَ على تَوَهُّمِ وجودِ الباءِ ، ولكنَّ الجامعَ توهُّمُ ما يَقْتضي جوازَ ذلك ، ولكني لا أُحِبُّ هذا اللفظَ مستعملاً في القرآن ، فلا يُقال : جُزم على التوهُّم ، لقُبْحه لفظاً. وقال أبو عبيد : « رأيتهُ في مصحف عثمان » وأكُنْ « بغير واوٍ. وقد فَرَّق الشيخ بين العطفِ على الموضعِ والعطفِ على التوهُّمِ بشيءٍ فقال : » الفرقُ بينهما : أنَّ العاملَ في العطف على الموضع موجودٌ ، وأثرُه مفقودٌ ، والعاملُ في العطفِ على التوهُّمِ مفقودٌ ، وأثرُه موجودٌ « انتهى. قلت : مثالُ الأول : » هذا ضاربُ زيدٍ وعمراً « فهذا من العطفِ على الموضع ، فالعاملُ وهو » ضارب « موجودٌ ، وأثرُه وهو النصبُ مفقودٌ. ومثالُ الثاني ما نحن فيه؛ فإنَّ العاملَ للجزمِ مفقودٌ ، وأثُره موجودٌ. وأَصْرَحُ منه بيتُ زهير فإنَّ الباءَ مفقودةٌ وأثُرها موجودٌ ، ولكن أثرَها إنما ظهر في المعطوفِ لا في المعطوفِ عليه ، وكذلك في الآية الكريمة. ومن ذلك بيتُ امرىء القيس :
4269 فظلَّ طُهاةُ اللحمِ مِنْ بينِ مُنْضِجٍ ... صَفيفِ شِواءٍ قَديرٍ مُعَجَّلِ
فإنهم جعلوه مِن العطفِ على التوهُّم؛ وذلك : أنه توهَّم أنه أضاف » منضج « إلى » صَفيف « ، وهو لو أضافَه إليه لَجَرَّه فعطفَ » قدير « على » صفيف « بالجرِّ تَوَهماً لجرِّه بالإِضافة.
وقرأ عبيد بن عمير » وأكونُ « برفع الفعل على الاستئناف ، أي : وأنا أكونُ ، وهذا عِدَةٌ منه بالصَّلاح. اهـ *الدر المصون*.
وجاءَ ضمير " هُمْ " في قوله : *ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ* جَمْعاً ، مراعاةً للحالِ المشَبَّهَة ، وهي حالُ المنافقين ، وليس الحالَ المشَبَّهَ بها ، وهي حالُ المستوقِدِ ناراً ، لأَنَّ الهدفَ من هذا التشبيهِ التمثيلي هو المَشبَّهُ وليس المشَبَّه به ، وبيانُ عَدَمِ استفادةِ المنافقين من الهدى والنور.
لقد عادَ ضميرُ " هم " في *بِنُورِهِمْ* على ضميرِ " هُمْ " في *مَثَلُهُمْ* ، والمرادُ بهذا الضميرِ المنافقون.
ولو عادَ الضميرُ على المفردِ ، وقالَ : " ذهب اللّه بنوره وتركه في ظلمات "
لكانَ التركيزُ على التشبيهِ والتمثيل ، وهذا ممكِن ، ولكنه ليسَ فصيحاً.
إِنَّ الأَفصحَ والأَبلغَ الانتقالُ من التمثيل والتشبيهِ إِلى الحقيقة ، ليدُلَّ على أَنَّ اللّهَ أَذهبَ نورَ الإِيمانِ من قلوبِ المنافقين ؟
لأَنَّ هذا هو المقصودُ من التشبيه.
وصارَ التقدير هكذا : مَثَلُ المنافقين في عَدَمِ استفادتِهم من الإِيمانِ كَمَثَلِ رجلٍ استوقدَ ناراً ، فلما أَضاءَتْ ما حولَه ، ذهبَ اللّهُ بنارِه ، فلم يَسْتَفِدْ منها ، وكذلك المنافقون ذَهَبَ اللّهُ بنورِهم ، فلم يستفيدوا من الإِيمان.
وقد جاءَ ضميرُ الجمعِ في *بِنُورِهِمْ* بين ضميرَيْ جَمْع : الضميرِ في *مَثَلُهُمْ* قبلَه.
والضمير في *وَتَرَكَهُمْ* بعدَه!!.
وعلى هذا يكونُ اعتراضُ الفادي لا معنى له ، فالأَفصحُ والأَبلغُ هو ما وردَ في القرآن! *1*.

هل يجوز نصب المعطوف على المرفوع ؟
اعترضَ الفادي على قولِ اللّهِ - عز وجل - : *لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا *162*.
__________
*1* قال السمين :
والأَوْلى أن يقال إن « الذي » وقع وصفاً لشيء يُفْهِم الجمعَ ، ثم حُذِفَ ذلك الموصوفُ للدلالةِ عليه ، والتقديرُ : مَثَلهم كَمَثَل الفريق الذي استوقد أو الجمعِ الذي استوقَدَ ، ويكون قد رُوعي الوصفُ مرةً ، فعادَ الضميرُ عليه مفرداً في قوله : « استوقد » و « حَوْلَه » ، والموصوفُ أخرى فعاد الضميرُ عليهِ مجموعاً في قوله : « بنورِهم ، وتركَهم ». اهـ *الدر المصون*.
خَظَأَ نَصْبَ *وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ* لأَنها في نَظَرِهِ القاصِرِ معطوفة على *الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ* ، والأَصْلُ أَنْ تَكونَ مرفوعة : لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ... والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة ...
وتَخطئةُ الفادي للآيةِ دَليلُ جهلِه بقواعِدِ اللغةِ العربية.
الآيةُ مُكَوَّنَةٌ من الجملِ التالية :
الأُولى : الجملةُ الاسمية : *لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ* : *لَكِن* : حرفُ استدراكٍ مُلْغى لأَنه مُخَفَّف.
*الرَّاسِخُونَ* : مبتدأٌ مرفوع.
*وَالْمُؤْمِنُونَ* : مَعطوفٌ على ما قبله مرفوع.
والجملةُ الفعليةُ *يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ* في مَحَلِّ رفْع خَبَر.
والتقدير : الراسخونَ في العلمِ والمؤمنون هم المؤمنونَ بما أُنزلَ إِليك.
الثانية : الجملةُ الفعليةُ : *وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ*.
وهي معطوفةٌ على الجملةِ السابقة.
*وَالْمُقِيمِينَ* منصوبٌ على المدْح.
أَيْ أَنَّه مفعولٌ به لفعْلٍ محذوف ، تَقديرُه : أَمْدَحُ المقيمين الصَّلاةَ ، *الصَّلَاةَ* مفعولٌ به منصوبٌ لاسْم الفاعل *وَالْمُقِيمِينَ*.
الثالثة : *وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا*.
وهي معطوفَةٌ على الجملةِ الأُولى : *لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ*.
*وَالْمُؤْتُونَ* : مبتدأ مرفوع.
ومي آلزكًؤةَ* : مفعولٌ به لاسْمِ الفاعل *وَالْمُؤْتُونَ*.
*وَالْمُؤْمنونَ* معطوفٌ على *وَالْمُؤْتُونَ* مرفوع.
وجملةُ *أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا* في محلِّ رفْع خَبَرِ المبتدأ *وَالْمُؤْتُونَ*.
وبهذا نَعرفُ أَنَّ *وَالْمُقِيمِينَ* ليستْ معطوفةُ على *الرَّاسِخُونَ* ، من بابِ عَطْفِ كلمةٍ على كلمة ، لتكونَ مرفوعةً مثلَها.
والعَطْفُ من بابِ عَطْفِ جُملةٍ على جُمْلَة.
والعُدولُ عن الجملةِ الاسمية إِلى الجملةِ الفعلية ، ونَصْبُ اسْمِ الفاعلِ بفعْلٍ مُقَدَّرٍ ، جَمالٌ رائع في الأُسلوبِ القرآني ، وتَعبيرٌ بَليغٌ معجزٌ رَفيع.
لكنَّ الجاهلينَ من أمثالِ الفادي لا يَرْتَقون إِلى مستوى فهمِه فيُخَطِّئونَه! *1*.

هل ينصب المضاف إليه ؟
خَطَّا الفادي نَصبَ *ضَرَّاءَ* في قوله تعالى : *وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ *10*.
وبما أَنَّ *بَعدَ* ظَرْفُ زَمان ، وهي مضاف ، فإِنّ *ضَرَّاءَ* مُضافٌ إِليه.
والمضافُ إِليه مجرور ، فلا بُدَّ أَنْ تَكونَ كلمةُ *ضَرَّاءَ* مجرورةً بالكسرة!!.
إِنَّ اعتراضَ الفادي على الآيةِ وتَخْطِئَتَه لها دليلٌ على جَهْلِه المطبقِ بأَبسطِ قواعدِ اللغةِ العربية.
إِنه لا يَعرفُ الشيءَ المسَمّى " الممنوع من الصرف ".
وهو الاسْمُ الذي لا يَلْحَقُه التَّنْوين ، والذي يُجَرُّ بالفتحةِ بَدَلَ الكسرة.
وتَحكمُ الممنوعَ من الصرفِ قواعدُ وضوابط دقيقة.
ومن الأَسماءِ الممنوعةِ من الصَّرْفِ كُلُّ اسمٍ مُؤَنَّثٍ مختومٍ بأَلِفٍ ممدودةٍ بَعْدَها همزة ، على وَزْنِ " فَعْلَاءَ ".
وفي الآيةِ التي خَطَّاَها الجاهلُ كَلِمتَانِ مَمْنوعَتان من الصَّرْفِ هما *نَعْمَآءَ* ، *ضَرَّاءَ*.
وهما كلمتانِ مُتَقابلتان.
*نَعْمَآءَ* : مفعولٌ به ثانٍ للفعْلِ *أَذَقنَاهُ*.
وهو منصوبٌ بالفتحةِ وليس بالتنوين ؟
لأَنه ممنوعٌ من الصرف.
و *ضَرَّاءَ* في قوله : *بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّته* مضافٌ إِليه مجرورٌ بالفتحةِ بَدَلَ الكسرة ، لأَنه ممنوعٌ من الصَّرْف.
ولكنْ أَنّى للفادي الجاهلِ أَنْ يَعرفَ هذه القواعد ؟
ومع ذلك نَصَّبَ نَفْسَه قاضياً على القرآن!!.
__________
*1* قال السمين :
قوله : والمقيمين « قراءةُ الجمهورِ بالياء ، وقرأ جماعة كثيرة » والمقيمون « بالواو منهم ابن جبير وأبو عمرو بن العلاء في رواية يونس وهارون عنه ، ومالك بن دينار وعصمة عن الأعمش ، وعمرو بن عبيد ، والجحدري وعيسى بن عمر وخلائق. فأما قراءة الياء فقد اضطربت فيها اقوال النحاة ، وفيها ستةُ أقوال ، أظهرهما : وعزاه مكي لسيبويه ، وأبو البقاء للبصريين - أنه منصوبٌ على القطع ، يعني المفيدَ للمدح كما في قطع النعوت ، وهذا القطعُ مفيدٌ لبيان فضل الصلاة فَكَثُر الكلامُ في الوصفِ بأن جُعِل في جملة أخرى ، وكذلك القطعُ في قوله { والمؤتون الزكاة } على ما سيأتي هو لبيانِ فَضْلِها أيضاً ، لكن على هذا الوجه يجب أن يكونَ الخبرُ قولَه : » يؤمنون « ولا يجوز أن يكون قوله { أولئك سَنُؤْتِيهِمْ } لأن القطع إنما يكونَ بعد تمامِ الكلام. قال مكي : » ومَنْ جَعلَ نَصْبَ « المقيمين » على المدحِ جَعَلَ خبرَ « الراسخين » : « يؤمنون » ، فإنْ جَعَل الخبر « أولئك » سنؤتيهم « لم يجز نصب » المقيمين « على المدح ، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام » وقال الشيخ : « ومَنْ جعل الخبرَ : أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيفٌ » قلت : هذا غيرُ لازمٍ ، لأنه هذا القائلَ لا يَجْعَلُ نصبَ « المقيمين » حينئذٍ منصوباً على القطع ، لكنه ضعيفٌ بالنسبةِ إلى أنه ارتكبَ وجهاً ضعيفاً في تخريج « المقيمين » كما سيأتي. وحكى ابنُ عطية عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القطع من أجلِ حرف العطف ، والقطعُ لا يكونُ في العطف ، إنما ذلك في النعوت ، ولما استدلَّ الناسُ بقول الخرنق :
1674- لا يَبْعَدَن قومي الذين همُ ... سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ النازلين بكلِّ معتَركٍ ... والطيبون معاقدَ الأزْرِ
على جواز القطع فَرَّق هذا القائلُ بأن البيت لا عطفَ فيه؛ لأنها قطعت « النازين » فنصبته ، و « الطيبون » فرفعَتْه عن قولِها « » قومي « ، وهذا الفرقُ لا أثرَ له؛ لأنه في غيرِ هذا البيت ثبت القطع مع حرف العطف ، أنشد سيبويه :
1675- ويَأْوي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ ... وشُعْثاً مراضيعَ مثلَ السَّعالِي فنصب » شعثاً « وهو معطوف.
الثاني : أن يكونَ معطوفاً على الضمير في » منهم « أي : لكن الراسخون في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاة. الثالث : أن يكون معطوفاً على الكاف في » إليك « أي : يؤمنون بما أُنْزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياء. الرابع : أن يكونَ معطوفاً على » ما « في » بما أُنْزِل « أي : يؤمنون » بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وبالمقيمين ، ويُعْزَى هذا الكسائي. واختلفت عبارة هؤلاء في « المقيمين » فقيل : هم الملائكة قال مكي : « ويؤمنون بالملائكة الذين صفتُهم إقامةُ الصلاةِ كقوله : { يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء : 20 ]. وقيل : هم الأنبياء ، وقيل : هم المسلمون ، ويكون على حَذْفِ مضافٍ أي : وبدين المقيمين. الخامس : أن يكونَ معطوفاً على الكاف في » قبلك « أي : ومِنْ قبلِ المقيمين ، ويعني بهم الأنبياءَ أيضاً. السادس : أن يكونَ معطوفاً على نفسِ الظرف ، ويكونَ على حَذْفِ مضاف أي : ومن قبل المقيمين ، فحُذِف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامه. فهذا نهايةُ القولِ في تخريجِ هذه القراءةِ.
وقد زعم قومٌ لا اعتبارَ بهم أنه لحنٌ ، ونقلوا عن عائشة وأبان بن عثمان أنها خطأ من جهةِ غلط كاتبِ المصحف ، قالوا : وأيضاً فهي في مصحفِ ابن مسعود بالواو فقط نقله الفراء ، وفي مصحف أُبيّ كذلك ، وهذا لا يَصحُّ عن عائشة ولا أبان ، وما أحسن قولَ الزمخشري رحمه الله : » ولا يُلتفت إلى ما زعموا مِنْ وقوعِه لَحْناً في خط المصحف ، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب الكتاب ومَنْ لم يعرف مذاهبَ العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان ، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلُهم في التوراة ومثلُهم في الانجيل كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرة عن الاسلام وذَبَّ المطاعنِ عنه من ان يقولوا ثُلْمَةً في كتاب اله ليسُدَّها مَنْ بعدهم ، وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يلحق بهم « وأمَّا قراءةُ الرفعِ فواضحةٌ.
قوله : { والمؤتون } فيه سبعةُ أوجهٍ أيضاً. أظهرها : أنه على إضمار مبتدأ ، ويكون من باب المدحِ المذكورِ في النصب. الثاني : أنه معطوفٌ على » الراسخون « ، وفي هذا ضَعْفٌ؛ لأنه إذا قُطِع التابعُ عن متبوعِه لم يَجُزْ أن يعودَ ما بعده إلى إعراب المتبوع فلايُقال : » مررت بزيدٍ العاقلَ الفاضلِ « بنصب » العاقل « وجر » الفاضل « فكذلك هذا.
الثالث : أنه عطفٌ على الضمير المستكنِّ في « الراسخون » ، وجاز ذلك للفصل. الرابع : أنه مطعوفٌ على الضمير في « المؤمنون » الخامس : أنه معطوفٌ على الضمير في « يؤمنون » السادس : أنه معطوفٌ على « المؤمنون » ، السابع : أنه مبتدأ وخبره « أولئِك سنؤتيهم » فيكون « أولئك » مبتدأ ، و « سنؤتيهم » خبره ، والجملةُ خبرُ الأولِ ، ويجوزُ في « أولئك » أن ينتصِبَ بفعلٍ محذوفٍ يفس‍ِّرُه ما بعده فيكونَ من باب الاشتغال ، إلا أنَّ هذا الوجهَ مرجوحٌ من جهةِ أنَّ « زيدٌ ضرتبه » بالرفع أجودُ مِنْ نصبه ، لأنه لا يحوج إلى إضمار ، ولأنَّ لنا خلافاً في تقديم معمول الفعل المقترن بحرف التنفيس في نحو « سأضربُ زيداً » مَنَعَ بعضهم « زيداً سأضرب » ، وشرطُ الاشتغالِ جوازُ تسلُّط العامل على ما قبله ، فالأَوْلى أَنْ نَحْمِلَه على ما لا خلاف فيه.
وقرأ حمزة : « سيؤتيهم » بالياء مراعاةً للظاهر في قوله : { والمؤمنون بالله } والباقون بالنون على الالتفات تعظيماً ، ولمناسبةِ قوله : « وأعتدْنا » وهما واضحتان. اهـ *الدر المصون *.
جمع الكثرة بدل جمع القلة
خَطَّأَ الفادي الإِتيانَ بجمعِ الكثرةِ بَدَل جمعِ القِلَّة ، في قولِ اللّه - عز وجل - : *وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً*.
قالَ في اعتراضِه على الآية : " وكانَ يَجبُ أَنْ يَجْمَعَها جمعَ قِلَّة ؟
لأَنَّهم أَرادوا القِلَّة ، فيقول : أَياماً معدودات ".
يَرى الفادي أَنَ " معدودات " جمعُ قِلَّة ، وأَنَ *مَعْدُودَةً* جمعُ كثرة!
وهذا الكلامُ باطل ، فالصّيغَتان جمعُ قِلَّة.
لكنَّ *مَعْدُودَةً* تدلُّ على عددٍ أَقَلَّ من " معدودات ".
فإذا أَريدَ العددُ الأَقَلُّ ذُكِرَتْ صيغةُ *مَعْدُودَةً* ، وإِذا أُريدَ العددُ الأَكثرُ ذُكِرَتْ صيغةُ " معدودات ".
وهذا عكسُ ما قالَه الفادي الجاهلُ باللغةِ العربية.
والآيةُ التي خَظَأَها الجاهلُ تتحدَّثُ عن اليهود ، واستخفافِهم بعذابِ اللّه ، وادِّعائهم أَنهم أَبناءُ اللّهِ وأَحِبّاؤه.
قال تعالى : *وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً*.
واللطيفُ في التعبيرِ القرآنيِّ المعجزِ أَنَه أَوْرَدَ الصيغتَيْن " معدودة ، ومعدودات"
في نفسِ الموضوع ، وهو زَعْمُ اليهودِ عدمَ تعذيبِهم إِلّا أَيّاماً قليلةً في جهنَّم.
قال تعالى : *وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ *80*.
وقال تعالى : *أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ *23* ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ *24*.
*وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً*
*ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ*
ما حكمةُ وَصْفِ الأَيّامِ في سورةِ البقرة بالصيغةِ الدالَّةِ على العَدَدِ الأَقَلّ :
*أَيَّامًا مَعْدُودَةً* ، وَوَصْفِ الأَيّام نفسِها في سورةِ آل عمران بالصيغةِ الدالةِ على العددِ الأكثر : *أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ* ؟
مع أَنَّ الأَيّامَ في السورتَيْن واحدة ، والقائلين فيهما اليهود ؟.
إِنَّ السياقَ هو الحَكَم ، وهو في سورةِ البقرة غيرُه في سورةِ آل عمران!.
إِنَّ الكلامَ في سورةِ البقرة مختَصَر ، والهدفُ منه ذِكْرُ زَعْمِ اليهودِ ثم الرَّدُّ عليه بإِيجاز ، ولذلك وُصِفَت الأَيّامُ بالصيغةِ الدالَّةِ على القِلَّة ، لِتَتَناسَبَ مع الهدفِ من الكلامِ ، وهو الاختصارُ الدالُّ على التقليل : *وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً*.
أَمّا الكلامُ في سورةِ آل عمران فإنه مُفَصَّلٌ مُطَوَّل قليلاً ، فهو لا يَكتفي بمجردِ تسجيلِ زَعْم اليهود ، وإِنَّما يَدْعو إِلى التعجبِ من موقفِ اليهودِ الاستعلائي ، فإِنهم عندما يُدْعَون إِلى الاستجابةِ لحُكْمِ اللّه ، يَرْفُضون تلكَ
الدعوة ، ويَتَوَلُّونَ ويُعْرضون ، ويُصرّونَ على باطِلهم ، والسببُ في هذا زَعْمُهم أَنهم لن يُعَذَّبوا في النارِ إِلّا أَياماً معدودات ، واغترارُهم في دينهم ، وتصديقُهم مزاعِمَهم.
وبما أَنَّ الكلامَ في سورةِ آلِ عمران مُطَوَّلٌ مُفَصَّل ، في عَرْضِ بعضِ صفاتِ اليهودِ وتصرفاتِهم وأَقوالِهم ، جاءَ بالصيغة الدالَّةِ على تكثيرِ الأيام ، لتتناسبَ مع السياقِ الذي وَرَدَتْ فيه : *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ* *1*.

جمع القلة بدل جمع الكثرة
بناءً على تَفريقِ الفادي الجاهلِ بينَ *مَعْدُودَةً* و *مَعْدُودَاتٍ* على أَنَّ *مَعْدُودَةً* جمعُ كَثْرَة ، و *مَعْدُودَاتٍ* جمعُ قِلَّة ، تابَعَ اعتراضه على القرآن ، فأَثارَ سُؤالَه السابعَ عَشَرَ بعد المئة ، وجَعَلَه تابعاً لسؤالِه السابق ، الذي ناقَشْناهُ فيه.
__________
*1* قال السمين :
وجاء هنا « معدودات » بصيغة الجمع ، وفي البقرة : { مَّعْدُودَةً } [ الآية : 80 ] تفنُّناً في البلاغة ، وذلك أنَّ جَمْعَ التكسيرِ غيرَ العاقلِ يجوزُ أَنْ يعامَلَ معاملةَ الواحدةِ المؤنثة تارةً ومعاملةَ جمعِ الإِناث أخرى ، فيقال : « هذه جبالٌ راسيةٌ » وإن شئت : « راسيات » ، و « جِمال ماشية » وإن شئت : « ماشيات ». وخُصَّ الجمعُ بهذا الموضعِ لأنه مكانُ تشنيع عليهم بما فعلوا وقالوا ، فأتى بلفظِ الجمعِ مبالغةً في زَجْرِهم وزجرِ مَنْ يعملُ بعملهم.
اهـ *الدر المصون*.
قال : " جاء في سورة البقرة : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *183* أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ* ، وكانَ يَجِبُ أَنْ يَجمعَها جمعَ كَثْرَة ، حيثُ إِنَّ المرادَ جمعُ كثرةٍ عِدَّتُه
ثَلاثون يوماً ، فيقول : أَياماً معدودةً ".
ومعنى اعتراضِه أَنَّ شَهْرَ رمضانَ الواجبَ صيامُه ثلاثون يوماً ، وهي أَيامٌ كثيرة ، فمن غيرِ المناسبِ أَنْ توصَفَ أَيّامُهُ بجمعِ القِلَّة *مَعْدُودَاتٍ* ، وإِنما توصَفُ بجمْعِ الكثرةِ : *مَعْدُودَةً*.
وعلى هذا يكونُ القرآنُ - في نظرِ الفادي - قد أَخْطَأَ ، عندما قال عن أَيامِ رمضان : *أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ* ، وكان الواجبُ أَنْ يَقول : أَياماً معدودة!!.
وقد سبقَ أَنْ ناقَشْناهُ في المبحثِ السابق ، ورَفَضْنا كلامَه أَنَّ *مَعْدُودَاتٍ*
جمعُ قلة ، و *مَعْدُودَةً* جمعُ كثرة ، وذَكَرْنا أَنَّ اللفظَيْن جمعُ قِلَّة.
وأَنَّ *مَعْدُودَةً* تُستعملُ مع العددِ الأَقَل ، و *مَعْدُودَاتٍ* مع العَدَدِ الأَكْثَر!.
نقول مثلاً : هذه عشرةُ أيامٍ معدودةٍ.
وتقول : هذه ثلاثون يوماً معدودات!!.
ولذلك ذَكَرَ القرآنُ صفةَ " معدوداتٍ " مع أَيامِ شهرِ رمضان الثلاثين :
*أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ*.

هل يجمع الاسم العلم ؟
ذَهَبَ الفادي إِلى أَنَّ القرآنَ جَمَعَ اسْمَ العَلَمِ المفردَ الأَعجميّ ، وهذا لا يَجوزُ في اللغة ، ولذلك خَطَّأَ القرآنَ.
قال : " جاءَ في سورةِ الصافات : *سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ *130* إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *131* إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ *132*.
*سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ*
فلماذا قال : *إِلْ يَاسِينَ* بالجمع عن " إِلياس " المفرد ؟
فمِنَ الخَطَأِ لغويّاً تَغييرُ اسمِ العَلَمِ حُبًّا في السَّجْعِ المتَكَلَّف.
وجاءَ في سورةِ التين : *وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ *1* وَطُورِ سِينِينَ *2* وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ *3*.
فلماذا قال : *سِينِينَ* بالجمعِ عن سيناء ؟
فمِن الخطأ لغويّاً تَغييرُ اسْمِ العَلَمِ حُبًّا في السَّجْع المتكَلَّف ؟ ".
*إِلْ يَاسِينَ* في نظرِ الفادي جمعُ الاسْمِ الأَعجميِّ " إِلياس ".
و *سِينِينَ* جمعُ الاسمِ الأَعجميّ *سَيْنَآء* ، فهل هذا صحيح ؟.
نَقفُ أَمامَ كلمةِ *إِلْ يَاسِينَ* أَوَّلاً.
في كلمةِ *إِلْ يَاسِينَ* قراءَتان صحيحتان :
الأُولى : قراءةُ نافع وابنِ عامر : " سلام على آل ياسين ".
بإضافة " آل " إِلى " ياسين ".
و " ياسين " هو " إِلْياس ".
و " آل ياسين " هم أَتَبْاعُهُ المؤمنون الذين آمَنوا به ودَخَلوا في دينِه.
والسَّلامُ على آلِ ياسين سَلامٌ على إِلْياس نفسِه ، لأَنَّه هو السببُ في هدايتِهم!.
الثانية : قراءةُ عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وأبي عمرو : *سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ* بكسْرِ الأَلفِ وسكونِ اللّام.
و *إِلْ يَاسِينَ* ليس جمعَ إِلْياس ، وإِنما هو لغةٌ ثانيةٌ في " إِلْياس " ، تقول :
إِلْياس وإِلْياسين ، كما نقول : إِسماعيل وإِسماعين ، وجبرائيل وجبرائين ، وميكائيل وميكائين ، وإِسرائيل وإِسرائين.
فتُقْلَبُ اللامُ نوناً في هذه الأَسماءِ بهدفِ التسهيل.
وفي إِلْياس ، أُضيفَتْ له الياءُ والنونُ للتسهيلِ وليس للجمع.
وقد يُرادُ بكلمةِ *إِلْ يَاسِينَ* آلُ إِلياس الذين آمَنوا به واتَّبعوه.
وعلى هذا تكونُ *إِلْ يَاسِينَ* جمع ، مفردُه " إِلْيَاسِيٌّ " بياءِ النِّسْبَة.
تقول : إِلْياس.
وعندما تَنْسِبُ إِليه مَن اتبعَه تقولُ : إِلْياسِيٌّ.
كما تقول : شافِع ، ومع الياء تقول : شافِعِيّ.
وجمعُ " إِلْياسِيّ " : " إِلْياسِيّون " بالياءِ المشَدَّدَة.
كما تقول في "شافِعيّ " شافِعِيّونَ".
ثم حُذِفَتْ إِحدى الياءَيْنِ للتَّسهيل ، فصارت الكلمةُ " إِلْياسون "
وعندما جُرَّتْ بحرفِ الجَرِّ صارَتْ : *سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ*.
والمرادُ بكلمةِ *إِلْ يَاسِينَ* على هذا التوجيه " آل إِلْياس " ، فآل إِلياس هم " إلْياسون " ، وهم المؤمنونَ به *1*.
أَمَّا *وَطُورِ سِينِينَ* : فهو اسْمٌ مكَوَّنٌ من جزأَيْن : *طُورِ* : وهو اسْمُ جَبَلِ الطورِ الذي ذُكِرَ عدةَ مراتٍ في القرآن ، وهو الموجودُ في سيناء ، وناجى عليه موسى - عليه السلام - رَبَّه.
و *سِينِينَ* : وهو اسْمٌ لصحراءِ سيناءَ المعروفة ، التي تَفْصِلُ بينَ مصرَ وفلسطين.
وهي المرادَةُ في قوله تعالى : *وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ *20*.
وبالجمعِ بينَ آيةِ سورةِ المؤمنون *طُورِ سَيْنَاءَ* وآيةِ سورةِ التين *وَطُورِ سِينِينَ* نعرفُ أَنَّ للصحراءِ الواقعةِ بينَ مصرَ وفلسطين اسْمَيْنِ في القرآن :
سيناء ، وسينين ، والكلمتان أَعجميتان.
وبهذا نعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يَجْمَع اسْمَ العلمِ الأَعجميِّ المفرد ، لأَنَّ هذا لا يَجوزُ في اللغة ، وأَنَّه لم يَفعلْ ذلك حُبًّا في السَّجْعِ المتكَلَّف ، كما اتَهمه الفادي الجاهلُ بذلك!! *1*.

بين اسم الفاعل والمصدر
اعترضَ الفادي على صياغةِ قول اللّهِ : *لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ*.
واعتراضُه على جملةِ *وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ* ، حيثُ جاءَ خَبَرُ " لكنَّ " اسْمَ موصول ، والموصول وصلتُه هنا بمعنى اسم الفاعل.
والتقدير : ولكنَّ البرَّ المؤمنُ باللّه!.
__________
*1* قال السمين :
قوله : { على إِلْ يَاسِينَ } :
قرأ نافعٌ وابن عامر { على آلِ يَاسِينَ } بإضافةِ « آل » بمعنى أهل إلى « ياسينَ ». والباقون بكسرِ الهمزةِ وسكونِ اللامِ موصولةً ب « ياسين » كأنه جَمَعَ « إلياس » جَمْعَ سلامةٍ. فأمَّا الأُوْلى : فإنَّه أراد بالآل إلياسَ وَلَدَ ياسين كما تقدَّم وأصحابَه. وقيل : المرادُ بياسين هذا إلياسُ المتقدمُ ، فيكونُ له اسمان. وآلُه : رَهْطُه وقومُه المؤمنون. وقيل : المرادُ بياسينَ محمدُ بن عبد الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فقيل : هي جمعُ إلياس المتقدمِ. وجُمِعَ باعتبارِ أصحابِه كالمَهالبةِ والأَشاعثةِ في المُهَلَّبِ وبنيه ، والأَشعثِ وقومِه ، وهو في الأصلِ جمعُ المنسوبين إلى إلياس ، والأصلُ إلياسيّ كأشعَريّ. ثم اسْتُثْقِل تضعيفُهما فحُذِفَتْ إحدى ياءَي النسَب/ فلمَّا جُمِعَ سَلامةٍ التقى ساكنان : إحدى الياءَيْن وياءُ الجمعِ ، فحُذِفَتْ أولاهما لالتقاءِ السَّاكنين ، فصار إلياسين كما ترى. ومثلُه : الأَشْعَرُون والخُبَيْبُون. قال :
3820 قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِيْ ... وقد تقدَّم طَرَفٌ من هذا آخر الشعراء عند « الأَعْجَمِيْن ».
إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ قد رَدَّ هذا : بأنَّه لو كان على ما ذُكِر لَوَجَب تعريفُه بأل فكان يُقال : على الإِلياسين.
قلت : لأنه متى جُمِعَ العَلَمُ جَمْعَ سَلامةٍ أو ثُنِّي لَزِمَتْه الألفُ واللامُ؛ لأنه تَزُوْلُ عَلَميَّتُه فيقال : الزيدان ، الزيدون ، الزينبات ولا يُلْتَفَتُ إلى قولهم : جُمادَيان وعَمايتان عَلَمَيْ شهرَيْن وجبلَيْن لندورِهما.
وقرأ الحسن وأبو رجاء « على إلياسينَ » بوصلِ الهمزةِ على أنه جَمْعُ إلياس وقومِه المنسوبين إليه بالطريق المذكورة.
وهذه واضحةٌ لوجودِ أل المعرفةِ فيه كالزيدِيْن. وقرأ عبد الله « على إدْراسين » لأنَّه قرأ في الأول « وإنَّ إدْريَس ». وقرأ أُبَيٌّ « على إيليسِيْنَ » لأنه قرأ في الأول « وإنَّ إيليسَ » كما حَرَّرْتُه عنه. وهاتان تَدُلاَّن على أن إلياسينَ جَمْعُ إلياس. اهـ *الدر المصون*.
*2* قوله : { وَطُورِ سِينِينَ } : الطُّور جَبَلٌ. وسينين : اسم مكانٍ فأُضيف الجبل للمكان الذي هو به. قال الزمخشري : « ونحو سِينون يَبْرُوْن في جواز الإِعرابِ بالواو والياء والإِقرارِ على الياءِ وتحريكِ النونِ بحركات الإِعراب » وقال أبو البقاء : « هو لغةٌ في سَيْناء » انتهى. وقرأ العامَّةُ بكسرِ السين. وابنُ أبي إسحاق وعمرو بن ميمون وأبو رجاءٍ بفتحها ، وهي لغةُ بكرٍ وتميم. وقرأ عمر بن الخطاب وعبد الله والحسن وطلحة « سِيْناءَ » بالكسر ، والمد ، وعمرُ أيضاً وزيدُ بن علي بفتحِها والمدِّ ، وقد ذُكِرا في المؤمنين ، وهذه لغاتٌ اختلفَتْ في هذا الاسمِ السُّرْيانيِّ على عادةِ العرب في تلاعُبها بالأسماء الأعجميةِ. وقال الأخفش : « سينين شجرٌ ، الواحدةُ سِيْنِية » وهو غريبٌ جداً غيرُ معروفٍ عن أهلِ التفسير. اهـ *الدر المصون *.
قال : " والصوابُ أَنْ يُقال : " ولكنَّ البِرَّ أَنْ تُؤمِنوا باللّه " ، لأَنَّ البِرَّ هو الإِيمانُ وليس المؤمنَ ".
صَحيح أَنَّ البِرَّ هو الإِيمانُ وليس المؤمنَ ، ولكنَّ الخَبَرَ في الحقيقةِ ليس اسْمَ الموصول " مَنْ " ، وإِنما هو مَحذوف ، و " مَنْ " في الحقيقةِ مضافٌ إِليه لمضافٍ محذوف.
والتقدير : ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللّه.
أي : ولكنَّ البِرَّ بِرُّ المؤمن.
فلم يأتِ اسْمُ الفاعل " المؤمن " في الآية بَدَل المصدر ، كما فَهم الفادي الجاهل ، وإِنما هو مُضاف إِليه لمضافٍ مَحْذوف : ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمن *1*.

لا يُعطف المنصوب على المرفوع
اعترضَ الفادي على صياغةِ قولِه تعالى : *وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ*.
واعتبرَ *وَالصَّابِرِينَ* المنصوب معطوف على *وَالْمُوفُونَ* المرفوع ، وهذا خَطَأ.
قال : " وكانَ يجبُ أَنْ يُرفعَ المعطوفُ على المرفوع ، فيقول : والموفونَ بعهدِهم ... والصابرون ... ".
*وَالصَّابِرِينَ* ليستْ معطوفةً على *وَالْمُوفُونَ* ، وإِلّا لكانَتْ مرفوعة ، لأَنه لا يَجوزُ عَطْفُ المنصوبِ على المرفوع.
إِنَّ *وَالصَّابِرِينَ* مفعولٌ به منصوبٌ بالياء ، لفعلٍ محذوف ، تقديرُه :
" أَمدح " أَي : وأَمدحُ الصابرين في البأساء والضراء.
وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في آيةٍ قريبةٍ من هذه الآية ، وهي قولُه تعالى : *لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ*.
__________
*1* قال السمين :
قوله : { ولكن البر مَنْ آمَنَ }
في هذهِ الآيةِ خمسةُ أوجهٍ ، أحدُها : أنَّ « البِرَّ » اسمُ فاعلٍ من بَرَّ يَبَرُّ فهو بِرٌّ ، والأصلُ : بَرِرٌ بكسرِ الراءِ الأولى بزنة « فَطِن » ، فلما أُريد الإِدغام نُقِلَتْ كسرةُ الراءِ إلى الباءِ بعد سَلْبِها حركتَها ، فعلى هذه القراءةِ لا يَحتاج الكلامُ إلى حَذْفٍ وتأويلٍ لأنَّ البِرَّ من صفاتِ الأعيان ، كأنه قيل : ولكن الشخصَ البِرِّ مَنْ آمن.
الثاني : أنَّ في الكلامِ حذفَ مضافٍ من الأولِ تقديرُه : « ولكنَّ ذا البِرَّ مَنْ آمن ».
الثالث : أن يكونَ الحذفُ من الثاني ، أي : ولكن البِرَّ بِرُّ مَنْ آمن ، وهذا تخريجُ سيبويه واختيارُه ، وإنما اختارَه لأنَّ السابق إنما هو نفيُ كونِ البر هو تَوْلِيَةُ الوجهِ قِبَل المشرقِ والمغربِ ، فالذي يُسْتَدْرك إنما هو من جنس ما يُنْفَى ، ونظيرُ ذلك : « ليس الكرمُ أن تَبْذُلَ درهماً ولكن الكرمَ بَذْلُ الآلاف » ولا يناسِبُ « ولكن الكريم مَنْ يبذُلُ الآلاف ».
الرابع : أن يُطْلَقَ المصدرُ على الشخصِ مبالغةً نحو : « رجلٌ عَدْلٌ ». ويُحكى عن المبردِ : « لو كنتُ مِمَّن يقرأُ لقرأتُ : » ولكنَّ البَرَّ « بفتح الباء وإنما قال ذلك لأن » البَرَّ « اسم فاعل تقول : بَرَّ يبَرُّ فهو بارٌّ وبَرٌّ ، فتارةً تأتي به على فاعِل وتارة على فَعِل.
الخامس : أن المصدرَ وقع مَوْقِع اسمِ الفاعلِ نحو : « رجل عَدْل » أي عادل ، كما قد يَقَعُ اسمُ الفاعلِ موقعه نحو : « أقائماً وقد قعد الناس » في قولٍ ، وهذا رأيُ الكوفيين.
والأَوْلَى فيه ادِّعاءُ أنه محذوفٌ من فاعل ، وأن أصلَه بارٌّ ، فجُعل « بِرَّاً » ك « سِرّ » ، وأصلُه : سارٌّ ، وربٌّ أصله رابٌّ. وقد تقدَّم ذلك.
وجَعَلَ الفراء « مَنْ آمَنَ » واقعاً موقِعَ « الإِيمان » فأوقَعَ اسمَ الشخصِ على المعنى كعكسه ، كأنه قال : « ولكنَّ البِرَّ الإِيمانُ بالله ». قال : « والعربُ تَجْعَلُ الاسمُ خبراً للفعلِ وأنشد :
825 لَعَمْرُك ما الفتيانُ أن تَنْبُت اللِّحى ... ولكنما الفتيانُ كلُّ فتىً نَدِي
جَعَلَ نباتَ اللحيةِ خبراً للفتيانِ ، والمعنى : لَعَمْرُكَ ما الفتوةُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحى.
وقرأ نافع وابن عامر : » ولكنْ البِرُّ « هنا وفيما بعد بتخفيف لكن ، وبرفع » البرُّ « ، والباقون بالتشديد ولنصب ، وهما واضحتان ممَّا تقدَّم في قولِه : { ولكن الشياطين كَفَرُواْ } [ البقرة : 102 ] ، وقرىء : » ولكنَّ البارَّ « بالألف وهي تقوِّي أنَّ » البِرَّ « بالكسرِ المرادُ به اسمُ الفاعلِ لا المصدرُ.
وَوَحَّد » الكتابَ « لفظاً والمرادُ به الجمعُ ، وحَسَّن ذلك كونُه مصدراً في الأصلِ ، أو أرادَ به الجنسَ ، أو أراد به القرآنَ ، فإنَّ مَنْ آمنَ به فقد آمَنَ بكلِّ الكتبِ فإنَّه شاهدٌ لها بالصحةِ. اهـ *الدر المصون*.
حيث ظَنَّ الفادي أَنَّ *وَالْمُقِيمِينَ* منصوبٌ لأَنَّه معطوفٌ على المرفوعِ قبلَه : *وَالْمُؤْمِنُونَ* ، مع أَنه منصوبٌ ؟
لأَنَّه مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ تقديره : أَمْدَحُ المقيمين الصلاة *1*.

حكمة وضع المضارع بدل الماضي
اعترضَ الفادي على قولِ اللّهِ تعالى : *إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *59*.
قالَ في اعتراضه : "كانَ يَجِبُ أَنْ يُعتبرَ المقامُ الذي يَقْتَضي صيغةَ الماضي لا المضارع ، فيقول : ثم قالَ له : كُنْ ، فكان ".
الكلامُ في الجملةِ عن خَلْقِ أَبي البشر آدمَ - عليه السلام - ، فاللّهُ خَلَقَه بكلمتِه التكوينية ، ولَمّا سَوّاهُ من تُراب ، قالَ له : *كُنْ* ، فكان ، وصارَ إنساناً حَيًّا.
و *كُنْ* فعْلُ أَمْرٍ تامّ ، يَحتاجُ إِلى فاعلٍ فَقَط ، وهو ضميرٌ مستترٌ تَقديرُه : أَنْتَ.
وهو بمعنى الوجودِ والتكوين.
أَيْ : تَكوَّنْ وتَشَكَلْ كما نُريدُ.
والفاءُ في *فَيَكُونُ* حَرْفُ عطف.
وجملةُ *يَكُونُ* معطوفةٌ على جملةِ *كُنْ*.
و *يَكُونُ* فعلٌ مضارع تامٌّ ، وفاعلُه تقديرُه " هو " وجملةُ " يكونُ " في محلِّ رَفْعٍ خبر لمبتدأ محذوف ، تقديرُه : فهو يَكون.
أَيْ : قالَ له : كُنْ ، وتَكَوَّنْ ، فهو كائِنٌ مُتَكَوِّنٌ كما أَمَرَهُ اللّه.
وكانَ المتوقَّعُ أَنْ يُعَبِّرَ بالماضي : ثم قالَ له : كُنْ فكان.
لأَنه أَخْبَرَ عن خَلْقِ آدَمَ - عليه السلام - في بدايةِ تاريخِ البشريةِ ، لكنَّهُ عَدَل عن الماضي إِلى المضارع ، فقال : ثم قالَ له : كُنْ ، فيكون.
وذلك لكي نستحضرَ نحنُ في خيالِنا خَلْقَ أَبينا آدمَ - عليه السلام - لأَنَّ المضارعَ يدل على التجدّدِ والاستمرارِ ، والحيويةِ والتفاعل *2*.
__________
*1* قال السمين :
قوله : { والموفون } في رفعه ثلاثةُ أوجه :
أحدُها : - ولم يذكر الزمخشري غيرَه - أنه عطفٌ على « مَنْ آمن » ، أي : ولكنَّ البِرَّ المؤمنون والموفون. والثاني : أن يَرْتفعَ على خبرِ مبتدأٍ محذوفٍ ، أي : هم المُوفون. وعلى هذينِ الوجهين فنصْبُ « الصابرين » على المدحِ بإضمارِ فعلٍ ، وهو في المعنى عَطْفٌ على « مَنْ آمن » ، ولكنْ لَمَّا تكرَّرت الصفاتُ خُولف بين وجوه الإِعرابِ.
قال الفارسي : « وهو أبلغُ لأنَّ الكلامَ يَصِيرُ على جملٍ متعددةٍ ، بخلافِ اتفاق الإِعراب فإنه يكونُ جملةً واحدةً ، وليس فيها من المبالغةِ ما في الجملِ المتعددةِ.
فإن قيل : لِمَ لا يجوزُ على هذين الوجهين أن يكونَ معطوفاً على » ذوي القربى « أي : وآتى المالَ الصابرين؟
قيل : لئلاَّ يلزمَ من ذلك محذورٌ وهو الفصلُ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه الذي هو في حكمِ الصلة بأجنبي وهو الموفون. والثالث : أن يكونَ » الموفون « عطفاً على الضمير المستتر في » آمَنَ « ، ولم يُحْتَجْ إلى التأكيدِ بالضميِر المرفوعِ المنفصلِ لأنَّ طولَ الكلامِ أغنى عن ذلك. وعلى هذا الوجهِ يجوزُ في » الصابرين « وجهان ، أحدُهما : النصبُ بإضمارِ فعلٍ كما تقدَّم ، والثاني : العطفُ على » ذوي القربى « ، ولا يَمْنَعُ من ذلك ما تقدَّم من الفصلِ بالأجنبي ، لأنَّ الموفين على هذا الوجه داخلٌ في الصلةِ فهو بعضُها لا أجنبيٌّ منها.
وقوله : { إِذَا عَاهَدُواْ } » إذا « منصوبٌ بالموفُون ، أي : الموفون وقتَ العهدِ من غيرِ تأخيرِ الوفاءِ عن وقتِهِ.
وقرأ الحسنُ والأعمشُ ويعقوبُ : » والصابرون « ، وحكى الزمخشري قراءَة : » والموفين « و » الصابرين «.
قال الراغب : وإنما لم يَقُلْ : » وأوفى « كما قال » وأقام « لأمرين ، أحدُهما : اللفظُ ، وهو أنَّ الصلةَ متى طالت كان الأحسنُ أن تُعْطَفَ على الموصولِ دون الصلة لئلا تطولَ وَتَقْبُحَ. والثاني : أنه ذكر في الأولِ ما هو داخلٌ في حَيِّز الشريعةِ وغيرُ مستفادٍ إلاَّ منها ، والحكمةُ العقليةُ تقتضي العدالةَ دون الجَوْر ، ولمَّا ذكرَ وفاءَ العهدِ وهو مِمَّا تقضي به العُقولُ المجردةُ صار عطفُهُ على الأولِ أحسنَ ، ولَمَّا كان الصبرُ من وجهٍ مبدَأَ الفضائِلِ ومن وجهٍ جامعاً للفضائلِ إذ لا فضيلَةَ إلا وللصبرِ فيها أثرٌ بليغٌ غَيَّر إعرابَهُ على هذا المَقْصِد » وهذا كلامٌ حَسَنٌ طائِلٌ. اهـ *الدر المصون*.
*2* قال الإمام الفخر الرازي :
والجواب : تأويل الكلام ، ثم قال له {كُنْ فَيَكُونُ} فكان.
واعلم يا محمد أن ما قال له ربك {كُنَّ} فإنه يكون لا محالة. اهـ *مفاتيح الغيب. 8 / 68*.
وجاء في الروض الأنف للسهيلي ما نصه :
تَأْوِيلُ { كُنْ فَيَكُونُ }
ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُمْ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمّدُ يَعْنُونَ عِيسَى ، فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى : { إِنّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ } إلَى قَوْلِهِ { كُنْ فَيَكُونُ } وَفِيهَا نُكْتَةٌ فَإِنّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ فَيَعْطِفُ بِلَفْظِ الْمَاضِي عَلَى الْمَاضِي ، وَالْجَوَابُ أَنّ الْفَاءَ تُعْطِي التّعْقِيبَ وَالتّسْبِيبَ فَلَوْ قَالَ فَكَانَ لَمْ تَدُلّ الْفَاءُ إلّا عَلَى التّسْبِيبِ وَأَنّ الْقَوْلَ سَبَبٌ لِلْكَوْنِ فَلَمّا جَاءَ بِلَفْظِ الْحَالِ دَلّ مَعَ التّسْبِيبِ عَلَى اسْتِعْقَابِ الْكَوْنِ لِلْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ مَهَلٍ وَأَنّ قَالَ لَهُ كُنْ فَإِذَا هُوَ كَائِنٌ وَاقْتَضَى لَفْظُ فِعْلَ الْحَالِ كَوْنَهُ فِي الْحَالِ فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى : إنّ آدَمَ مَكَثَ دَهْرًا طَوِيلًا ، وَهُوَ طِينٌ صَلْصَالٌ وَقَوْلُهُ لِلشّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ يَقْتَضِي التّعْقِيبَ وَقَدْ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَهِيَ سِتّةُ آلَافِ سَنَةٍ فَأَيْنَ قَوْلُهُ كُنْ فَيَكُونُ مِنْ هَذَا ؟
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنّ قَوْلَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ كُنْ يَتَوَجّهُ إلَى الْمَخْلُوقِ مُطْلَقًا وَمُقَيّدًا ، فَإِذَا كَانَ مُطْلَقًا كَانَ كَمَا أَرَادَ لِحِينِهِ وَإِذَا كَانَ مُقَيّدًا بِصِفَةِ أَوْ بِزَمَانِ كَانَ كَمَا أَرَادَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ الزّمَانِ الّذِي تَقَيّدَ الْأَمْرُ بِهِ فَإِنْ قَالَ لَهُ كُنْ فِي أَلْفِ سَنَةٍ كَانَ فِي أَلْفِ سَنَةٍ وَإِنْ قَالَ لَهُ كُنْ فِيمَا دُونَ اللّحْظَةِ كَانَ كَذَلِكَ. اهـ *الروض الأنف للسهيلي. 3 / 5 : 6*.
حكمة حذف جواب الشرط
اعترضَ الفادي على صياغةِ قولِه تعالى : *فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ *15*.
وتساءَلَ عن جوابِ " لَمّا " وقال : " أَينَ جوابُ لَمّا ؟
ولو حَذَفَ الواوَ التي قبلَ *وَأَوْحَيْنَا* لاستقام المعنى ".
اعتراضُه على حَذْفِ جوابِ " لَمّا ".
واقترحَ على القرآنِ حَذْفَ الواوِ من جملةِ *وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ* ، لتكونَ هي جوابَ الشرط ، فيكونَ التقديرُ : فلما ذهبوا به وأَجْمَعوا أَنْ يَجْعَلوهُ فِي غيابةِ الجُبِّ أَوحينا إِليه!!.
واعتراضُه متهافت ، والأَفصحُ والأَبلغُ حذفُ جوابِ الشَّرْط ...
إِنَّ " لَمّا " ظَرْفُ زمان للماضي ، يتضمَّنُ مَعْنى الشرط.
وجملةُ *ذَهَبُواْ بِهِ* فعلُ الشرط.
وجملةُ *وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ* معطوفة عليها.
وجوابُ الشرطِ محذوف ، تقديرُه : جَعَلوهُ في غيابةِ الجُبِّ.
وجملةُ *وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ* استئنافية ، ولا تَصْلُحُ أَنْ تكونَ جوابَ الشرط.
فيكون معنى الآية : لما ذَهَبَ الإِخوةُ بأَخيهم الصغيرِ يوسف ، وأَجْمَعوا على التخلُّصِ منه ، نَفَّذوا ما أَجْمَعوا عليه ، وَوَضَعوه في غيابة الجب.
ولما استقَرَّ الصغيرُ يوسفُ في غيابةِ الجُبِّ واسَيْناهُ وطَمْأَنّاه ، وأَوحينا إليه بأنه سيتجاوزُ تلك المحنة ، ويكونُ في وضعٍ مُريح ، حيثُ سَيُنَبِّئُهم بأَمرهم هذا وهم لا يشعرونَ به ، ولا يتوقَّعونَ أَنْ يكونَ هو.
وقد يكونُ من البلاغةِ ذِكْرُ جوابِ الشرطِ في الجملة ، ولكنَّه قد يكونُ حَذْفُ جوابِ الشرطِ أحياناً هو الأَفصحَ والأَبلغَ.
وبهذا يكونُ اعتراضُ الفادي على حَذْفِ جواب الشرط دليلَ جهلِه وغبائِه.
توهم الاضطراب بسبب عودة الضمائر
اعترضَ الفادي على قولِ اللّهِ - عز وجل - : *إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *8* لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا *9*.
ولْنقرأْ ما سَجَّلَه في اعتراضِه وانتقادِه وتخطئتِه.
قال : " وهُنا نَرى اضطراباً في المعنى ، بسببِ الالتفات ، من خِطابِ محمدٍ إِلى خطابِ غيره.
ولأَنَّ الضميرَ المنصوبَ في قولِه : *وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ* عائدٌ على الرسولِ المذكورِ آخِراً ، وفي قوله : *وَتُسَبِّحُوهُ* عائدٌ على اسمِ الجَلالةِ المذكورِ أَوَّلاً.
هذا ما يَقتضيهِ المعْنى ، وليسَ في اللفظ ما يُعَيِّنُهُ تَعييناً يُزيلُ اللَّبْس.
فإِنْ كَانَ القولُ : *وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا*
عائداً على الرسولِ يكونُ كُفْراً ؟
لأَنَّ التَّسبيحَ للّه فقط.
وإِنْ كانَ القولُ : *وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا* عائداً على اللّهِ يَكونُ كُفْراً ؟
لأَنَّه تعالى لا يَحتاجُ لمنْ يُعَزِّرُهُ ويُقَوِّيه.. ".
المشكلةُ عند الفادي في عودةِ الضمائرِ في الأَفعالِ الثلاثة : *وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ* ، لأَنَّ الضمائرَ في الأَفعالِ الثلاثةِ لا بُدَّ أَنْ تَعودَ على
واحِد ، إِمّا اللّهُ وإِمّا رسولُه ، المذكوران في : *لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... *
فإنْ عادت الضمائرُ الثلاثةُ على الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ القرآنُ مُخْطِئاً ، لأَنَه يَدعو المؤمنينَ إِلى تسبيحِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وتَسبيحُ البَشَرِ كُفْر ...
وإِنْ عادت الضمائرُ الثلاثةُ على اللّهِ كانَ القرآنُ مُخْطِئاً ، لأَنه يَدعو إِلى تعزيرِ اللّه وتوقيرهِ ، وهذا كُفْرٌ ، لأَنَه يدلُّ على أَنَّ اللّه يَحتاجُ إِلى تعزيرٍ وتَوقيرٍ واحْتِرام!.
وقبلَ حَلِّ المشكلة نَقول : إِنَّ تَعزيرَ اللّهِ وتَوقيرَه سبحانه ليسَ كفراً " لأَنَّ التعزيرَ مَعْناهُ النَّصْرُ والتأييد ، والتوقيرَ مَعْناهُ التعظيمُ والإِجلال ، وهل نَصرُ اللّه وتَأييدُه كُفْر ؟
وهل تَعظيمُ اللّهِ وإِجلالُه كُفْر ؟!.
لقد دَعا اللّهُ المؤمنين إِلى نَصرَه ، ورَبطَ نَصرَهُ لهم بنصرِهم له ، فقال تعالى : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ *7*.
فهل معنى هذا أَنَّ اللّهَ ضَعيفٌ يَحتاجُ إِلى مَنْ يَنصُرُه ؟
حاشَ للّه.
وهكذا نَفهمُ تَعزيرَ اللّهِ وتأييدَه ، فهو لا يَحتاجُ إِلى تعزيرِ وتَأييدِ أَحَد ، والإِنسانُ هو المستفيدُ عندما يُعَزِّرُ اللّهَ ويُؤَيِّدُه ويَنصرُه.
ولقد ذَمَّ اللّهُ الكفارَ الذين لم يَقْدُروهُ حَق قَدْرِه.
قال تعالى : *وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ*.
وأَنكرَ نوحٌ - عليه السلام - على قومِه الكافرين عَدَمَ توقيرِ اللّهِ.
قال تعالى : *مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا *13* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا *14*.
وهذا مَعناهُ أَنَّ توقيرَ اللّهِ وتعظيمَه وإِجلالَه واجب.
بعد هذا البيانِ نَقول : للعلماءِ قولان في مَنْ عادَتْ عليه الضَّمائِرُ الثلاثة :
القولُ الاوَّلُ : عادَ الضميرُ الأَوَّل والثاني على الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - *تُعَزِّوهُ وَتُوَقِّرُوُه*.
بمعنى نَصْرِه واحترامِه وتوقيرِه وتَقديره.
أَمّا الضميرُ الثالث : *وَتُسَبِّحُوهُ* فإِنَّهُ يَعودُ على اللّه ، لأَنَّ التسبيحَ لا يَكونُ إِلّا للّه. فتكونُ الواوُ في *وَتُسَبِّحُوهُ* حرفَ استئناف وليستْ حَرْفَ عَطْف " لأَنَّ *وَتُسَبِّحُوهُ* ليسَ مَعْطوفاً على *وَتُوَقِّرُوُه* ، فالتَّعزيرُ والتوقيرُ للرسولِ - صلى الله عليه وسلم.
أَمَّا التَّسبيحُ فإِنَّه للّه.
القولُ الثاني : الضمائرُ الثلاثةُ تَعودُ على اللّه : *وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا* ، والأَفعالُ الثلاثةُ معطوفةٌ على *لتُؤْمِنُواْ*.
ويكونُ المعْنى دعوةً إِلى الإِيمانِ باللّه ، وتَعْزيرِه ، وتَوقيرِه ، وتَسبيحه.
والراجحُ هو القولُ الثاني ، فنحنُ مأمورونَ بالإِيمانِ باللّه وتعزيرِه وتوقيرِه وتسبيحِه ، على المعْنى الذي ذَكَرْناهُ في التعزيرِ والتوقير.
وبهذا يكونُ الفادي جاهلاً عندما ادَّعى اضطرابَ معنى الآية ، وخَطَّأَ تَركيبَها وعودةَ ضمائرِها ، وكان جاهلاً عندما ادَّعى أَنَّ توقيرَ اللّهِ وتَعْزيرَه كفْر!!.

هل صرف القرآن الممنوع من الصرف ؟
اعترضَ الفادي على تنوينِ *قَوَارِيَرْا* في قوله تعالى : *وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا *15* قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا *16*.
كما اعترضَ على تنوينِ *سَلَاسِلًا* في قولِه تعالى : *إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا *4*.
يرى الفادي أَنَّ *قَوَارِيَرا* ممنوعةٌ من الصرف ، لأَنَّها على وَزْنِ " مَفاعيل " ،
مثلُ " مصابيح ".
والممنوعُ من الصرفِ لا يُنَوَّن ، إلّا بشروط ، لذلك أَخْطَأَ القرآنُ ، في نظر الفادي في تنوين *قَوَارِيَرا* وصَرْفِها ، كذلك أَخْطَأَ القرآنُ في - نظر الفادي - في تنوينِ وصَرْفِ *سَلَاسِلًا*، مع أَنها ممنوعةٌ من الصَّرْف ،
لأَنها على وَزْنِ " مفاعل ".
وتوجيهُ تَنوينِ الكلِمَتَيْن الممنوعتَيْن من الصَّرْفِ " سلاسل " و " قواريرَ "
سهل.
في كلمةِ " سلاسلَ " قراءتان صحيحتان :
الأُولى : قراءةُ نافع والكسائي وأَبي جعفر المدني ، وروايةُ أَبي بكرٍ عن عاصم ، وهشام عن ابنِ عامر : " سلاسلاً " بالتنوين.
والكلمةُ مُنَوَّنَةٌ على هذه القراءة ، مع أَنها ممنوعةٌ من الصرفِ في الأَصْلِ ، لوقوعِ كلمتَيْن مصروفتَيْن بعدها : *إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا* ، وحكمةُ تنوينها وصرفها مراعاةُ المزاوجةِ والجوار ، ومراعاةُ المزاوجةِ طريقةٌ فصيحةٌ بليغةٌ ملحوظة ، ولا تُسَمّى خطأً نحويّاً في اللغةِ والقرآن ، كما زَعَمَ الفادي الجاهل!.
*وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا *15* قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا *16*
الثانيةُ : قراءةُ ابنِ كثير وحمزةَ وأَبي عمرو ويعقوب وخلف وروايةُ حفصٍ عن عاصم : " سَلاسِلَ " بالفتحة فقط.
على أَنه ممنوعٌ من الصَّرْف ، لأَنه على صيغةِ منتهى الجموع.
وعليه يكونُ اعتراضُ الفادي الجاهل مَرْدوداً ، فالكلمةُ ممنوعَةٌ من
الصَّرْفِ على القراءتين ، لكنها مُنَوَّنَةٌ على القراءةِ الأُولى للمزاوجةِ والمجاورة.
وفي كلمةِ قوارير في قوله تعالى : "وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا *15* قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ* ثَلاثُ قراءات :
الأُولى : قراءةُ نافع والكسائي : *قَوَارِيرَا*.. *قَوَارِيَرْا* بتنوينِ الكلمتَيْن ، والوقوفِ عليهما بالأَلفِ ، اتِّباعاً لرسْمِ المصحف ، لأَنَّ الكلمتَيْن مكتوبَتان في المصحفِ بالأَلِف.
وتوجيهُ هذه القراءةِ أَنَ تنوين " قواريرا " الأُولى ليس صَرْفاً لها ، لأَنها ممنوعةٌ من الصَّرف ، وإِنما تنوينُها مراعاةً للفاصلةِ في الآياتِ التي قَبْلَها وبَعْدَها ، حيثُ خُتمتْ آياتُ السورةِ الواحدةُ والثلاثون كلُّها بكلماتٍ مُنَوَّنَة ، فمن غيرِ المناسبِ أَنْ تأْتِيَ " قواريرَ " وَحْدَها ممنوعةً من الصَّرْف ، وسْطَ ثلاثينَ آيةً مُنَونَة! وهذا من روائعِ التناسقِ في السياقِ القرآني ، وليس مَأْخَذاً عليه!
وأَمَّا تَنوينُ *قَوَارِيَرْا* الثانية فلمجاوَرَتِها *قَوَارِيَرْا* الأُولى المنَوَّنَة.
الثانية : قراءةُ ابنِ كثير وخَلَف : *قَوَارِيَرْا* الأُولى بالتنوين.
و *قَوَارِيَرْا* الثانية بالفتحةِ وليسَ بالتنوين.
وحُجَّةُ تَنوينِ الأُولى موافقتُها للفاصلةِ في آيات السورةِ كما قَرَّرْنا ، وحُجَّةُ عدمِ تنوينِ الثانيةِ عدمُ الاعتدادِ بالمجاورةِ والمزاوجة ، واعتمادُ المنع من الصرف.
الثالثة : قراءةُ أَبي عمرو وابن عامر وحمزة ، وروايةُ حفصٍ عن عاصم بعدمِ التنوينِ في الكلمتين : *قَوَارِيَرْا* ... *قَوَارِيَرْا*.
واعتمادِ القاعدةِ في منعِ الكلمتَيْن من الصرف.
وتقديمِ القاعدةِ النحوية على رؤوس الآياتِ والمجاورةِ.
ولكنهم وقفوا على *قَوَارِيَرْا* الأُولى بالأَلفِ ، لأَنها رأسُ آية : *وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا* *1*.
__________
*1* قال الشخ الطاهر ابن عاشور :
وكتب { سلاسلا } في المصحف الإِمامِ في جميع النسخ التي أرسلت إلى الأمصار بألف بعد اللام الثانية ولكن القراء اختلفوا في قراءته ، فنافع والكسائي وهشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر قرأوا { سَلاسلاً } منوناً في الوصل ووقفوا عليه كما يوقف على المنون المنصوب ، وإذ كان حقه أن يمنع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجمع تعين أن قراءته بالتنوين لمراعاة مزاوجته مع الاسمين اللذيْن بعده وهما { أغلالاً } و { سعيراً } ، والمزاوجة طريقة في فصيح الكلام ، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم لنساءٍ " ارجِعْنَ مَأزورات غير مأجورات " فجعل «مأزورات» مهموزاً وحقه أن يكون بالواو لكنه هُمز لمزاوجة مأجورات ، وكذلك قوله في حديث سؤال الملكين الكافر «فيقال له : لاَ درَيْت ولا تلَيْت» ، وكان الأصل أن يقال : ولا تَلوت.
ومنه قول ابن مُقْبِل أو القَلاَّحُ:
هتَّاكُ أخْبيَةٍ وَلاَّجُ أبْوِبَةٍ ...
يُخَالطُ البِرُّ منه الجِدَّ واللِّينا
فقوله * أبوبة * جمع باب وحقه أن يَقول أبواب.
وهذه القراءة متينة يعضدها رسم المصحف وهي جارية على طريقة عربية فصيحة.
وقرأه الباقون بدون تنوين في الوصل.
واختلفوا في قراءته إذا وقفوا عليه فأكثرهم قرأه في الوقف بدون ألف فيقول { سلاسلْ } في الوقف.
وقرأه أبو عمرو ورويس عن يعقوب بالألف على اعتباره منوناً في الوصل.
قرأه البَزي عن ابن كثير وابنُ ذكوان عن ابن عامر وحفصٌ عن عاصم في الوقف بجواز الوجهين بالألف وبتركها.
فأما الذين لم ينونوا { سلاسلا } في الوصل ووقفوا عليه بألف بعد لامه الثانية.
وهما أبو عمرو ورويس عن يعقوب فمخالفة روايتهم لرسم المصحف محمولة على أن الرسم جرى على اعتبار حالة الوقف وذلك كثير فكتابة الألف بعد اللام لقصد التنبيه على إشباع الفتحة عند الوقف لمزاوجة الفواصل في الوقف لأن الفواصل كثيراً ما تعطى أحكام القوافي والأسجاع.
وبعدُ فالقراءات روايات مسموعة ورسم المصحف سُنة مَخصوصة به وذكر الطيبي : أن بعض العلماء اعتذر عن اختلاف القراء في قوله : { سَلاسلا } بأنه من الاختلاف في كيفية الأداء كالمَدّ والإِمالة وتخفيف الهمزة وأن الاختلاف في ذلك لا ينافي التواتر. اهـ
وقال رحمه الله عند قوله تعالى { قَوَارِيرَا *15* قَوَارِيرَ } ما نصه :
وكتب في المصحف { قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا } بألف في آخر كلتا الكلمتين التي هي علامة تنوين.
وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر { قواريرا } الأول والثاني منونين وتنوين الأول لمراعاة الكلمات الواقعة في الفواصل السابقة واللاحقةِ من قوله { كافوراً } [ الإنسان : 5 ] إلى قوله { تقديرا } وتنوين الثاني للمزاوجة مع نظيره وهؤلاء وقفوا عليهما بالألف مثل أخواتهما وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : { سلاسلا وأغلالاً } [ الإنسان : 4 ].
وقرأ ابن كثير وخلف ورويس عن يعقوب { قوايراً } الأول بالتنوين ووقفوا عليه بالألف وهو جار على التوجيه الذي وجهنا به قراءة نافع والكسائي.
وقرآ { قواريرا } الثاني بغير تنوين على الأصل ولم تراع المزاوجة ووقفا عليه بالسكون. اهـ *التحرير والتنوير. للطاهر ابن عاشور*
بهذا التوجيهِ للقراءاتِ الثَّلاثِ نَعرفُ خَطَأَ وجهلَ الفادي المفترِي في اعتراضه على القرآن ، وأَنه تكلَّمَ بشيء لا يَعرفُ عنه شيئاً ، ورحمَ اللّهُ امرءًا عَرَفَ قَدْرَ نفسه!.

حول تذكير خبر الاسم المؤنث
اعترضَ الفادي الجاهلُ على قولِ اللّهِ - عز وجل - : *اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ *17*.
وقال في اعتراضِه : " لماذا لم يُتْبعْ خَبَرَ " لَعَلَّ " اسْمَها في التأنيث ؟
ولماذا لم يَقُلْ : " قَريبة " ؟ ".
*السَّاعَةَ* مُؤَنَّثَة ، وهي في الآية : *وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ* اسمُ " لَعَلَّ " منصوب.
و : *قَرِيبٌ* : خَبَرُ " لَعَلَّ " مرفوع.
والإِشكالُ عند الفادي في تَذكير الخبرِ *قَرِيبٌ* مع أَنَّ الاسْمَ *السَّاعَةَ* مُؤَنَّث ، ولا يَجوزُ أَنْ نَقولَ : الساعَةُ قَريب ، وإِنما نقولُ : الساعةُ قَريبة ، ولذلك أَخْطَأَ القرآنُ - في زَعْمِه - لإِخبارِه عن المَؤنَّثِ بالمذكَّر!.
وفي توجيهِ هذا قولان :
الأَول : *قَرِيبٌ* في الجملة : *وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ* ليسَ خَبَرَ " لَعَلَّ " ، ومن ثم ليس إِخْباراً عن الاسمِ المؤَنَّثِ *السَّاعَةَ*.
وإِنما هو خَبَرٌ لمبتدأ محذوف ، تقديرُه : موعد.
فتكونُ جملةً اسميةً من مبتدأ وخبر : موعِدُها قريبِ.
وهذه الجملةُ الاسميةُ في محلِّ رَفْع خَبَرِ " لعلَّ ".
فيكونُ السياقُ هكذا : وما يدريكَ لَعَلَّ الساعةَ موعِدُها قريب.
الثاني : *قَرِيبٌ* في القرآنِ وَصْفٌ لم يَأتِ إِلَّا مُذَكَّراً ، فهو وَصْفٌ على وَزْنِ " فعيل " ، لكنَّه بمعنى " فاعِل " : أَيْ : قارِب.
ولذلك جاءَ مُذَكَّراً ، سواءٌ كانَ المخبَرُ عنه مُذَكَّراً أَو مُؤَنَّثاً.
ولم تَأتِ صفةُ " قريبة " المؤنثةُ في القرآن.
ومن مجيئِه وَصْفاً لمذَكَّرٍ في القرآن قولُه تعالى : *أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ *214*.
أَيْ : أَلّا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ موعدُه قريب.
ومن ذلك أَيضاً قولُه تعالى : *وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا *51*.
ومن مجيئِه وَصْفاً لمؤَنَّث ، على تقديرِ كلمةٍ محذوفةٍ قولُه تعالى : *وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا *63*.
أَيْ : يكونُ موعدُها قريباً.
ومن ذلك أَيضاً قولُه تعالى : *إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ *56*.
ويمكنُ الجمعُ بين القولينِ بأَنَّه بما أَنَّ *قَرِيبٌ* لم يأْتِ إِلَّا مُذَكَّراً في القرآن.
فهو صفة لموصوفٍ مذكَّرٍ محذوف ، هو " موعِد ".
أي : موعدُه قريب.
ولكنَّ الفادي الجاهلَ لا يَعرفُ أُسلوبَ القرآن ، ولا مظاهرَ التعجيرِ فيه.

هل القرآن يوضح الواضح ؟
اتَّهَمَ الفادي القرآنَ بأَنَّه يُوَضِّحُ الواضِحَ ، وهذا مَطْعَن فيه ، فما الدّاعي لذلك.
واستشهدَ على ذلكَ بقولِه تعالى : *فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ*.
قال : " فلماذا لم يَقُلْ : " تلكَ عشرة " مع حَذْفِ " كامِلَة " ، تلافياً لإِيضاحِ الواضح ؟
ومَنْ يَظُنُّ أَنَّ العشرةَ تِسْعَة ؟! ".
تتحدثُ الآيةُ عن الواجبِ على مَنْ حَجَّ مُتَمتِّعاً ، أَيْ يُؤَدّي مناسكَ العمرةِ من طَوافٍ وسَعْي ، ثم يتحلَّل ، وَيلبسُ ملابِسَه العادِيّة ، ثم يُحرمُ بالحَجِّ يومَ الثامنِ من ذي الحجة ، ويتوجَّهُ مع الحُجّاجِ إِلى عَرَفَة ، فهذا يَجِبُ عليه أَنْ يَذبحَ هَدْياً ، فإِنْ لم يَجِدْ ثَمَنَ هَدْي انتقلَ للصيام ، بأَنْ يَصومَ في مكةَ ثَلاثةَ أَيام ، وإِذا عادَ إِلى بَلَدِه صامَ سبعةَ أًيام ، فيكونُ المجموعُ عشرةَ أَيام ، يَصومُها كاملة.
قال تعالى : *فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ*.
ومعلومٌ أَنَّ ناتجَ الثلاثةِ معَ السبعةِ عشرةٌ ، فلماذا قال : *تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ* ؟
وهل هذا من بابِ تحصيلِ الحاصلِ وتوضيحِ الواضح ؟.
الإِشارةُ في *تِلْكَ* إِلى حاصلِ جَمْعِ الثلاثةِ والسبعة.
والتقديرُ : نتيجةُ جمع الأَيامِ الثلاثةِ والسبعة هي عشرةُ أَيّام.
وحكمةُ ذكْرِ الجملةِ : *تِلْكَ عَشَرَةٌ* ، هي التوكيدُ ، ولإِفادةِ تَقريرِ الحكمِ
مَرَّتَيْن : مرةً بالتفريقِ : *فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ* ، ومرةً بالجمع : *تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ*.
وهذا كقولك : كتبتُ بيدي.
فإضافَةُ شبْهِ الجملةِ " بيدي " للتوكيد ، لأَنَّ الكتابةَ لا تكونُ إِلّا باليد ، فهو يُريدُ التأكيدَ على الكتابةِ الحقيقيةِ الحسية.
ولذكْر الجملةِ حكمةٌ أُخرى ، وهي نفيُ التخيير ، والتأكيدُ على الإيجابِ والإلزامِ بصيامِ العشرة أيام ، لأَنَّ تَفريقَ الأَيام : ثلاثة وسبعة قَد يَتَوَهَّمُ منه بعضُهم بأَنَّ المرادَ التخييرُ بين الثلاثةِ والسبعة ، فنفت الجملةُ الأَخيرةُ التخيير ، وأَكَّدَتْ على أَنَّ المرادَ هو الإِيجاب ، فليست الرخصةُ في إِنْقاصِها عن عشرة ، وإِنما الرخصةُ في تفريقها بين ثَلاثَةٍ وسَبعة.
ووصْفُ العشرةِ بأَنها كاملة : *تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ* ليسَ من بابِ توضيحِ الواضح ، كما فَهمَ الفادي الجاهل ، وإِنما من بابِ الحَثّ على صيامِها كُلِّها كاملة ، وعدمِ إِنقاصِ أَيِّ يومٍ منها ، فإِنْ أَنقصَ يوماً منها لم تَكُن العشرةُ كامِلَة.
فالمرادُ بكَمالِها كَمال صيامِها ، وليس كمال عَدِّها ، ولن يكونَ عَدُّها كامِلاً إِلّا أَنْ يكونَ صيامُها كاملاً ، فكمال عَدِّها بكمال صيامِها! *1*.

هل يأتي فاعلان لفعل واحد ؟
اعترضَ الفادي على قول اللّهِ وَبَئ : *وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ*.
__________
*1* قال الإمام الفخر الرازي :
أما قوله تعالى : {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فقد طعن الملحدون لعنهم الله فيه من وجهين أحدهما : أن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة فذكره يكون إيضاحاً للواضح والثاني : أن قوله : {كَامِلَةٌ} يوهم وجود عشرة غير كاملة في كونها عشرة وذلك محال ، والعلماء ذكروا أنواعاً من الفوائد في هذا الكلام الأول : أن الواو في قوله : {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} ليس نصاً قاطعاً في الجمع بل قد تكون بمعنى أو كما في قوله : {مثنى وثلاث وَرُبَاعَ} [ النساء : 3 ] وكما في قولهم : جالس الحسن وابن سيرين أي جالس هذا أو هذا ، فالله تعالى ذكر قوله : {عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} إزالة لهذا الوهم النوع.
الثاني : أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالاً من المبدل كما في التيمم مع الماء فالله تعالى بين أن هذا البدل ليس كذلك ، بل هو كامل في كونه قائماً مقام المبدل ليكون الفاقد للهدي المتحمل لكلفة الصوم ساكن النفس إلى ما حصل له من الأجر الكامل من عند الله ، وذكر العشرة إنما هو لصحة التوصل به إلى قوله : {كَامِلَةٌ} كأنه لو قال : تلك كاملة ، جوز أن يراد به الثلاثة المفردة عن السبعة ، أو السبعة المفردة عن الثلاثة ، فلا بد في هذا من ذكر العشرة ، ثم اعلم أن قوله : {كَامِلَةٌ} يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه أحدها : أنها كاملة في البدل عن الهدي قائمة مقامه وثانيها : أنها كاملة في أن ثواب صاحبه كامل مثل ثواب من يأتي بالهدي من القادرين عليه وثالثها : أنها كاملة في أن حج المتمتع إذا أتى بهذا الصيام يكون كاملاً ، مثل حج من لم يأت بهذا التمتع.
النوع الثالث : أن الله تعالى إذا قال : أوجبت عليكم الصيام عشرة أيام ، لم يبعد أن يكون هناك دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيام عن هذا اللفظ ، فإن تخصيص العام كثير في الشرع والعرف ، فلو قال : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، بقي احتمال أن يكون مخصوصاً بحسب بعض الدلائل المخصصة ، فإذا قال بعده : تلك عشرة كاملة فهذا يكون تنصيصاً على أن هذا المخصص لم يوجد ألبتة ، فتكون دلالته أقوى واحتماله للتخصيص والنسخ أبعد.
النوع الرابع : أن مراتب الأعداد أربعة : آحاد ، وعشرات ، ومئين ، وألوف ، وما وراء ذلك فأما أن يكون مركباً أو مكسوراً ، وكون العشرة عدداً موصوفاً بالكمال بهذا التفسير أمر يحتاج إلى التعريف ، فصار تقدير الكلام : إنما أوجبت هذا العدد لكونه عدداً موصوفاً بصفة الكمال خالياً عن الكسر والتركيب.
النوع الخامس : أن التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب ، كقوله : {ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور} [ الحج : 46 ] وقال : {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [ الأنعام : 38 ] والفائدة فيه أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة ويعرف بالصفات الكثيرة ، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه بالعبارة الواحدة ، فالتعبير بالعبادات الكثيرة يدل على كونه في نفسه مشتملاً على مصالح كثيرة ولا يجوز الإخلال بها ، أما ما عبر عنه بعبارة واحدة فإنه لا يعلم منه كونه مصلحة مهمة لا يجوز الإخلال بها ، وإذا كان التوكيد مشتملاً على هذه الحكمة كان ذكره في هذا الموضع دلالة على أن رعاية العدد في هذا الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها ألبتة.
النوع السادس : في بيان فائدة هذا الكلام أن هذا الخطاب مع العرب ، ولم يكونوا أهل حساب ، فبين الله تعالى ذلك بياناً قاطعاً للشك والريب ، وهذا كما روي أنه قال في الشهر : هكذا وهكذا وأشار بيديه ثلاثاً ، وأشار مرة أخرى وأمسك إبهامه في الثالثة منبهاً بالإشارة الأولى على ثلاثين ، وبالثانية على تسعة وعشرين.
النوع السابع : أن هذا الكلام يزيل الإبهام المتولد من تصحيف الخط ، وذلك لأن سبعة وتسعة متشابهتان في الخط ، فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الاشتباه.
النوع الثامن : أن قوله : {فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام ، على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة ، حتى يكون الباقي عليه بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين ، فإذا قال بعده تلك عشة كاملة زال هذا الإشكال ، وبين أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة.
النوع التاسع : أن اللفظ وإن كان خبراً لكن المعنى أمر والتقدير : فلتكن تلك الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام على ما قال : {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ} وهذه الصيامات جبرانات للخلل الواقع في ذلك الحج ، فلتكن هذه الصيامات صيامات كاملة حتى يكون جابراً للخلل الواقع في ذلك الحج ، الذي يجب أن يكون تاماً كاملاً ، والمراد بكون هذه الصيامات كاملة ما ذكرنا في بيان كون الحج تاماً ، وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن التكليف بالشيء إذا كان متأكداً جداً فالظاهر دخول المكلف به في الوجود ، فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به ، ومبالغة الشرع في إيجابه.
النوع العاشر : أنه سبحانه وتعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج ، فليس في هذا القدر بيان أنه طاعة عظيمة كاملة عند الله سبحانه وتعالى ، فلما قال بعده : {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} دل ذلك على أن هذه الطاعة في غاية الكمال ، وذلك لأن الصوم مضاف إلى الله تعالى بلام الاختصاص على ما قال تعالى : {الصوم لي} والحج أيضاً مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص ، على ما قال : {وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ} وكما دل النص على مزيد اختصاص لهاتين العبادتين بالله سبحانه وتعالى ، فالعقل دل أيضاً على ذلك ، أما في حق الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق على النفس جداً ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاة الله تعالى ، والحج أيضاً عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق جداً لأنه يوجب مفارقة الأهل والوطن ، ويوجب التباعد عن أكثر اللذات ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاته ، ثم إن هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعاً بين شيئين شاقين جداً ، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من شاق إلى شاق ، ومعلوم أن ذلك سبب لكثرة الثواب وعلو الدرجة فلا جرم أوجب الله تعالى صيام هذه الأيام العشرة ، وشهد سبحانه على أنه عبادة في غاية الكمال والعلو ، فقال : {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فإن التنكير في هذا الموضع يدل على تعظيم الحال ، فكأنه قال : عشرة وأية عشرة ، عشرة كاملة ، فقد ظهر بهذه الوجوه العشرة اشتمال هذه الكلمة على هذه الفوائد النفيسة ، وسقط بهذا البيان طعن الملحدين في هذه الآية والحمد لله رب العالمين. اهـ *مفاتيح الغيب. 5 / 133 - 135*
وفَهِمَ الجاهلُ من الآيةِ اجتماعَ فاعِلَيْن لفعْلِ " أَسَرَّ " ، وهما واوُ الجماعة ، واسْمُ الموصولِ *الَّذِينَ*.
واقترحَ على القرآنِ حَذْفَ الواوِ من *أَسَرُّوا* ، والاكتفاءَ باسمِ الموصولِ فاعلاً!.
بدايةً نَقولُ : لا يجُوزُ ورودُ فاعِلَيْنِ لفِعْلٍ واحِد ، إِلّا على رأيِ ضَعيفٍ في اللّغَة ، يُسَمّى لغةَ " أَكَلوني البَراغيث ".
والقرآنُ المعجِزُ يُوَجَّهُ إِلى أَقوى اللغاتِ وأَفصحِ الاختيارات ، وأَرجحِ الاحتمالات ، ويُرْبَأُ به عن اللغاتِ الضعيفةِ ، والتَأْويلات المتكَلَّفَة!.
وفي توجيهِ وُقوعِ الموصولِ بعدَ الضميرِ في "وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا*
أَقوالٌ عديدة ، تَعَرَّضَ لها معظمُ الذين فَسَّروا القرآنَ وأَعْرَبوه.
والراجحُ أَنَّ *الَّذِينَ* في مَحَلّ رفع بَدَلٍ من الضمير الفاعلِ في *أَسَرُّواْ*.
و *ظَلَمُوا* صلةُ المو صول.
والتقدير : وأَسروا النَّجوى الظالمون.
وبِما أَنّها بَدَلٌ فإِنَّه يُمكنُ ذِكْرُها بَدَلَ الفاعِل ، فيصحُّ أَنْ تَقولَ : أَسَرَّ الذينَ ظَلَموا النجوى.
أَيْ : أَسَرَّ الظالمون النجوى.
واللطيفُ في الآية مجيءُ كلمتَيْنِ بَدَلَيْن من قبلِهما : *وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ*.
فجملةُ *الَّذِينَ ظَلَمُوا* بَدَلٌ من الفاعل.
وجملة *هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ* بَدَلٌ من المفعول به *النَّجْوَى* ولو وَضَعْنا البَدَلَيْنِ مَكانَ المبْدَلِ منهما لكانَ التقدير : وأَسَرَّ الظالمونَ قَوْلَهم : هل هذا إِلّا بشرٌ مثلكم!.
وأنّى للفادي الجاهلِ أَنْ يَتَذَوَّقَ هذا التعبيرَ القرآنيَّ الرائع! ولأَنه عجزَ عن الارتقاءِ إِلى مستواهُ قامَ بانتقادِه وتخطئتِه *1*.

اعتراض على الالتفات :
ْاعترَضَ الفادي الجاهِلُ على قولِ اللّهِ - عز وجل - : *هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ *22*.
__________
*1* قال السمين :
قوله : { وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ }
يجوزُ في محلِّ » الذين « ثلاثةُ أوجهٍ : الرفعُ والنصبُ والجرُّ. فالرفعُ مِنْ أوجهٍ ، أحدها : أنه بدلٌ من واو » أَسَرُّوا « تنبيهاً على اتِّسامهم بالظلمِ الفاحش ، وعزاه ابن عطية لسيبويه ، وغيره للمبرد.
الثاني : أنه فاعلٌ. والواوُ علامةُ جمعٍ دَلَّتْ على جمعِ الفاعل ، كما تَدُلُّ التاءُ على تأنيثه ، وكذلك يفعلون في التثنية فيقولون : قاما أخواك. وأنشدوا :
يَلُوْمونني في اشتراء النَّخي ... لِ أهلي فكلُّهُمُ أَلْوَمُ
وقد تقدَّمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى : { ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ } [ الآية : 71 ] وإليه ذهب الأخفش وأبو عبيدة. وضعَّف بعضُهم هذه اللغةَ ، وبعضُهم حَسَّنها ونسبها لأزد شنوءة ، وقد تقدمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى : { ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ }.
الثالث : أن يكونَ » الذين « مبتدأً ، و » أَسَرُّوا « جملةً خبريةً قُدِّمَتْ على المبتدأ ، ويُعْزَى للكسائي.
الرابع : أن يكون » الذين « مرفوعاً بفعلٍ مقدرٍ فقيل تقديره : يقولُ الذين. واختاره النحاس قال : » والقول كثيراً ما يُضْمَرُ. ويَدُلُّ عليه قولُه بعد ذلك : { هَلْ هذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ }. وقيل : تقديرُه : أَسَرَّها الذين ظلموا.
الخامس : أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه : هم الذين ظلموا.
السادس : أنه مبتدأٌ. وخبرُه الجملةُ من قوله : { هَلْ هذآ إِلاَّ بَشَرٌ } ولا بُدَّ من إضمار القولِ على هذا القول تقديرُه : الذين ظلموا يقولون : هل هذا إلاَّ بَشَرٌ ، والقولُ يُضمر كثيراً.
والنصبُ مِنْ وجهين ، أحدُهما : الذمُّ. الثاني : إضمار أعني. والجرُّ من وجهين أيضاً : أحدهما : النعت ، والثاني : البدلُ ، من « للناس » ، ويعزى هذا للفراءِ وفيه بُعْدٌ.
قوله : { هَلْ هذآ } إلى قوله : { تُبْصِرُونَ } يجوز في هاتَيْن الجملتين الاستفهاميتين أَنْ يكونا في محلِّ نصب بدلاً من « النجوى » ، وأَنْ يكونا في محلِّ نصبٍ بإضمار القول. قالهما الزمخشريُّ ، وأَنْ يكونا في محلِّ نصبٍ على أنهما محكيَّتان بالنجوى ، لأنها في معنى القولِ. { وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } جملةٌ حاليةٌ مِنْ فاعل « تَأْتُون ». اهـ *الدر المصون*.
قالَ الفادي : " لماذا الْتَفَتَ عن المخاطَب إِلى الغائبِ قبلَ تمامِ المعنى ؟
والأَصَحُّ أَنْ يَستمرَّ على خطابِ المخاطب ! ".
بَدَأَت الآيةُ بالخطاب : *هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ* ، والخطابُ للنّاسِ جميعاً ، الذين يَسيرونَ في البَرِّ ، ويَسيرونَ في البَحْر ، سواء كانوا مسلمين أَو كافرين.
وعَرضت الآيَةُ مَشْهداً لهم وهم يَركبونَ في السفينةِ في البَحْرِ : *حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ* ، وهذا المشهدُ يشملُ كُلّ الذين فى السفينة ، سواء كانوا مسلمين أَو كافرين.
وخطابُهم من بابِ الامتنانِ عليهم ، وذِكْرِ نعمةِ اللّهِ عليهم بتَسْييرِهم في البَرِّ والبَحْر.
ثم انتقلت الآيةُ للإِخبارِ عن الكفارِ ، وموقِفِهم من الخَطَرِ والكَرْب :
*وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ *22* فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا*.
والدليلُ على أَنَّ الكلامَ عن الكفار ، في قولِه : "وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ*
قولُه في آخر المشهد : *فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ* ، والمؤمنون لا يَفْعلونَ ذلك.
والوقفةُ الآن أَمامَ الجملةِ التي اعترضَ عليها الفادي : *وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ*.
الالتفاتُ فيها من المخاطب : *إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ* إِلى الغائبِ :
*وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا*.
واللطيفُ في صياغةِ الآيةِ أَنَّ أَوَّل جملتَيْن فيها بصيغةِ الخِطاب : *هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ* ، ولعلَّ الخطابَ فيهما دَعوةُ السامعين إلى تَصَوُّرِ المشهدِ وتَخَيُّله واستحضارِه ، فإِذا استَحْضَروه وتَخَيَّلوه ، جاءَ الكلامُ بصيغةِ الغائب ، لأَنَّ السامعين مُراقبونَ مُشاهدونَ ، رُواة مُخْبِرون ، وجاءَتْ سِتُّ جُمَل للروايةِ والإخبار : *وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ*.
والمشهدُ المعروضُ يناسبُه الإِخبارُ بصيغةِ الغائب ، وليس الخطابَ المباشر.
واللطيف في الآية أَيْضاً أَنَّ فِعْلَ الشرط جاءَ بصيغةِ الخِطاب : *حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ* ، وجوابَ الشرطِ جاء بصيغةِ الغائِب : *جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ.
وهذا مَعناهُ أَنَّ القرآنَ المعجزَ " يُنَوِّعُ " في أَساليبِ تعبيرِه ، و " يتفنَّنُ " في تَصويرِه وتَأَثيرِه *1*.

حكمة إفراد الضمير العائد على المثنى
اعترضَ الفادي على عودةِ ضميرٍ مفردٍ على اثْنَيْن مذكورَيْنِ @قَبْلَه.
قال :
جاء في سورة التوبة : *وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ* ، فلماذا لم يُثَنِّ الضميرَ العائِدَ على الاثنَيْن ، اسمِ الجلالةِ ورسوله ، فيقول : " أنْ يُرْضوهما ".
__________
*1* قال الحافظ السيوطي في المعترك ما نصه :
*وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ*.
والأصل بكم ، ونكتةُ العدول عن خطابهم إلى حكاية
حالهم لغيرهم التعجّبُ من كفرهم وفعلهم ، إذ لو استمر على خطابهم لفاتت
تلك الفائدة.
وقيل : لأن الخطاب أولاً كان مع الناس مؤمنهم وكافرهم ، بدليل :
**هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ* ، فلو كان : وجَرَيْن بكم
للزم الذم للجميع ، فالتفت عن الأول للإشارة إلى اختصاصه بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم في آخر الآية عدولا من الخطاب العام إلى الخطاب الخاص.
قلت : ورأيتُ عن بعض السلف في توجيهه عكسَ ذلك ، وهو أن الخطاب
أوله خاص وآخره عام ، فأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في قوله : *هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ* - قال : ذكر الحديثَ عنهم ، ثم حدث عن غيرهم ، ولم يقل : " وجَرَيْنَ بكم" ، لأنه قصد أن يجمعهم وغيرهم وجَرَيْن بهؤلاء وغيرهم من الخلق ، هذه عبارته.
فلله درُّ السلف ، ما كان أوقعهم على المعاني اللطيفة التي يَدْأب المتأخرون فيها زماناً طويلاً ، ويُفنون فيها أعمارهم ، ثم غايتهم أنْ يحومُوا حول الحمى.
ومما ذُكر في توجيههم أيضاً أنهم وقت الركوب حضروا لأنهم خافوا الهلاكَ وغلبة الريح ، فخاطبهم خطاب الحاضرين ، ثم لما جرت الرياح بما تشتهي السفن ، وأمنوا الهلاك ، لم يبق حضورُهم كما كان ، على عادة الإنسان أنه إذا أمن غاب قلبه عن ربه ، فلما غابوا ذكرهم الله بصيغة الغيبة ، وهذه إشارة صوفية. اهـ *معترك الأقران في إعجاز القرآن. 1 / 288*.
وقال السمين :
قوله : { وَجَرَيْنَ } يجوز أن يكونَ نسقاً على « كنتم » ، وأن يكونَ حالاً على إضمار « قد ». والضميرُ عائدٌ على « الفلك » ، والمرادُ به هنا الجُمع ، وقد تقدَّم أنه مكسرَّ ، وأن تغييره تقديريٌّ ، فضمَّتُه كضمةِ « بُدْن » ، وأنه ليس باسم جمع ، كما زعم الأخفش.
وقوله : { بِهِم } فيه التفاتٌ من الخطابِ إلى الغَيْبة. قال الزمخشري : / « فإن قلت : ما فائدةُ صَرْفِ الكلامِ عن الخطابِ إلى الغَيْبة؟ قلت : المبالغةُ كأنه يَذْكُرُ لغيرهم حالَه ليُعْجِبَهم منها ويَسْتدعي منهم الإِنكارَ والتقبيح ». وقال ابن عطية : « بهم » خروجٌ من الخطاب إلى الغَيْبة وحَسُنَ ذلك لأن قوله : { كُنتُمْ فِي الفلك } هو بالمعنى المعقول ، حتى إذا حَصَلَ بعضُكم في السفن « انتهى. فقدَّر اسماً غائباً وهو ذلك المضافُ المحذوف ، فالضميرُ الغائب يعود عليه. ومثلُه { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ } [ النور : 40 ] تقديره : أو كذي ظلمات » وعلى هذا فليس من الالتفات في شيءٍ. وقال الشيخ : « والذي يَظْهر أنَّ حكمةَ الالتفاتِ هنا هي أن قولَه { هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ } خطابٌ فيه امتنانٌ وإظهارُ نعمةٍ للمخاطبين ، والمسيَّرون في البر والبحر مؤمنون وكفَّار ، والخطابُ شاملٌ ، فَحَسُن خطابُهم بذلك ليستديمَ الصالحُ الشكرَ ، ولعلَّ الطالحَ يتذكر هذه النعمةَ ، ولمَّا كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نَجَوا بَغَوا في الأرضِ عَدَلَ عن خطابهم بذلك إلى الغَيْبة لئلا يخاطب المؤمنين بما لا يليق صُدورُه منهم وهو البغيُ بغير الحق ». اهـ *الدر المصون*.
تَذُمُّ الآيةُ المنافقين " لأَنَّهم يَحْرِصونَ على إرضاءِ المسلمين ، فيحْلفونَ لهم الأَيْمانَ يَتَبَرَّؤُوُنَ فيها من أَقوالٍ قالوها ، وهم يَكْذِبونَ في تلك الأَيْمان ، فترشدُهم الآيةُ إِلى أَنه كانَ الأَوْلى بهم أَن يَحْرِصوا على إِرضاءِ اللّهِ ورسولِه.
لفظُ الجلالةِ *اللَّهُ* مبتدأ. و *رَسُولُهُ* معطوفٌ عليه مرفوع.
وأَفعلُ التفضيل : *أَحَقُّ* خبرٌ مرفوع.
والمفَضلُ عليه محذوف ، والتقديرُ : منكم.
أيْ : اللّهُ ورسولُه أَحَقُّ منكم أَنْ يُرْضوهُما.
والمصدرُ المؤَوَّلُ من *أَنْ يُرْضُوهُ*
في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ من المبتدأ والمعطوفِ عليه.
والتقديرُ : إِرضاءُ اللّهِ ورسولِه أَحَقُّ من إِرْضائِكم!.
ويُخَطِّئُ الفادي الآيَةَ لأَنَّ الضميرَ المفْرَدَ " الهاء " في *يُرْضُوهُ* عادَ على الاثنَيْن : اللّهُ ورسولُه.
والأَوْلى عندَه أَنْ يَجيءَ الضميرُ مُثَنّى : " أَنْ يُرْضوهُما ".
أَيْ : اللّهُ ورسولُه أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُما.
وكلامُه مَرْدود ، وهو دَليلُ جَهْلِه بقواعِدِ اللغةِ العربية ، وأَساليبِ البيانِ فيها.
فالهاءُ في *يُرْضُوهُ* لا يعود على *وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ* معاً ، وإِنما يَعودُ على لفظِ الجلالةِ *اللَّهُ* أَوَّلاً ، لأَنَّه أَوَّلُ المذكورَيْن ، ثم يَعودُ على *ورَسُولُه* بعدَ ذلك..
على أَنَّ العَطْفَ في *وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ* ليسَ من عَطْفِ الكلمات ، وإِنما من عَطْفِ الجُمَل! وهذا هو الأَرْوَع والأَبْلَغ!.
إِنَّ جملةَ *وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ* جُملَتان في الحقيقة ، والتقدير :
اللّهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ ، ورسولُه أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ.
ولذلك عَبَّر بالضميرِ المفرد *يُرْضُوهُ* ليعودَ على كُلِّ جملةٍ على حِدَة!!.
وهناكَ حِكْمَةٌ أُخْرى للتعبيرِ بالضميرِ المفرد *يُرْضُوهُ* ، وهي الإِشارَةُ إِلى
التفرقةِ بين الإِرضاءَيْن : إِرضاء اللّهِ وإِرضاء رسولِه! فإِرضاءُ اللّهِ هو الأَساس ، وإِرضاءُ الرسولِ متفرِّعٌ عنه وتابعٌ له.
ومن غيرِ المناسبِ التعبيرُ بالضميرِ المثَنْى ، العائد على اللّهِ ورسولِه ، لأَنه يَجمعُ بين الخالقِ والمخلوقِ بضمير تثنيةٍ واحد ، وهذا لا يَليقُ بتوحيدِ اللّهِ - عز وجل - ، ولذلك كانَ التقدير : اللّهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ ، والرَّسولُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ.
وقد سمعَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - خطيباً يقول : " مَنْ يُطعِ اللّهَ ورسولَه فقد رَشَد ، ومَنْ يَعْصهِما فقد غَوى! " فغضبَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْه وخاطَبَه قَائِلاً : " بئسَ خَطِيبُ القومِ أَنتَ.
وَيْحَك ، أَجَعَلْتَني للّهِ نِدّاً ؟
قُلْ : ومَنْ يَعْص اللّهَ ورسولَه فقد غَوى!! ".
فالرسولُ - صلى الله عليه وسلم - اعترضَ على الخطيبِ عندما عَبَّرَ عن اللّهِ ورسولِه بضميرِ التثنية ، ودعاهُ إلى التعبير بالاسمِ الظاهرِ لكُلٍّ منهما.
وهذا معنى ذَوقيّ توحيدي ، لا يَعرفُه الفادي ، الذي تَقومُ عقيدتُه على المزْج بين الأُلوهيةِ والعبوديةِ في مبدأ التثليث ، ولذلك دَعا القرآنُ إِلى التعبيرِ بضميرِ التثنيةِ الجامعِ بين اللّهِ ورسولِه!!.
***
كم قلباً للإنسان ؟
اعترضَ الفادي على آيةٍ جمعَتْ قلْبَي امرأَتَيْن ، وعَنْوَنَ لاعتراضِه بقولِه :
" أَتى باسم جَمْعٍ بَدَلَ المثَنّى ".
ومما جاءَ في اعتراضِه قولُه : " جاء في سورةِ التحريم : *إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا* ، والخطابُ *كما يقولُ البيضاوي* موجَّهٌ لحفصةَ وعائشة.
فلماذا لم يَقُلْ : " صَغت قَلْباكما " ، بَدَلَ *صَغَتْ قُلُوبُكُمَا*، إذ إِنَّه ليسَ للاثنتَيْن أَكثرُ من قَلْبَيْن ؟ "

تَتحدَّثُ الآياتُ عن مشكلةٍ وَقَعَتْ بينَ ثلاثةٍ من أُمَّهاتِ المؤمنين ، هُنَ :
حفصةُ وعائشةُ وزينبُ رضي اللّه عنهن ، حيث تآمَرَتْ حفصةُ وعائشةُ على زينب ، وأَشاعَتا حديثاً لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فهدَّدَهما اللّهُ بالعقاب ، ودَعاهما إلى المسارعةِ إِلى التوبة.
قال تعالى : *وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ *3* إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ *4*.
والذي أَثارَ اعتراضَ الفادي إِسنادُ القلوبِ للاثنَتَيْن : حفصةَ وعائشةَ رعِيهنما : *إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا*.
وإذا كان لكلِّ واحدةٍ قلبٌ واحد ، فكان المتوقَّعُ أَنْ يُعَبِّرَ بالمثنى ، فيقول : فقد صَغَا قَلْباكما! ولذلك خَطَّأَ الفادي القرآن ؟
لأَنه ذَكَرَ الجمعَ بَدَلَ المثَنّى!.
وحكمةُ العُدول عن المثنى إلى الجمع : *قُلُوُبكُمَا* هي الرغبةُ في التخفيف والتسهيل ، وكراهةُ اجتماعِ مُثَنَّيَيْن ، فلو قالَ : " قلباكما " لاجتمعَ مُثَنَّيان : الاسْمُ البارزُ " قَلْبا " ، وضميرُ التثنيةِ ص المضافُ إِليه " كُما ".
والكلمةُ ثَقيلةٌ في النطق ، وثَقيلةٌ على الأُذُن ، فَعَدَلَ إِلى الجَمْع *قُلُوبُكُمَا* طَلَباً للخِفَّة.
والقاعدةُ النحويةُ تُقَرِّرُ أَنه إِذا أُضيفَ المثَنَّى إِلى المثَنّى ، فإِنَّ المثَنى
الأَوَّلَ المضافَ يَصيرُ جَمْعاً للتخفيف : تقول : قلوبُكما ، بَدَل : قَلْباكُما.
وتقول : بيوتُكُما ، بَدَل : بَيْتاكُما ، وتقول : رؤوسُكما ، بَدَل : رأَساكُما!!.
ثم إِنَّ المرادَ بالجَمْعِ *قُلُوُبكُمَا* المثنى ، لأَنَّ صيغةَ الجمعِ قد تُطْلَقُ على الاثنين ، لأَنَّ أَقَل الجمع اثْنان!.
وعندما يَقرأُ القارئُ قولَ اللّه : *إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا* علم أَنَّ المرادَ قَلْبان وليسَ قُلوباً ، لأَنَّ الخِطابَ لاثنَتَيْن ، وبذلك أُمِنَ اللَّبسُ.
وهذه المعاني لا يَعرفُها الفادي الجاهلُ في اللغة ، ولذلك اعترضَ على القرآنِ في استعمالِه الأَفصحَ والأَبلغَ *1*.
__________
*1* قال السمين :
قوله : { أَيْدِيَهُمَا } جمعٌ واقعٌ موقعَ التثنيةِ لأمْنِ اللَّبْس ، لأنه معلومٌ أنه يُقْطَعُ مِنْ كلِّ سارقٍ يمينه ، فهو من باب { صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ] ، ويدل على ذلك قراءةُ عبد الله : « فاقطعوا أيمانَهما » واشترط النحويون في وقوعِ الجمع موقعَ التثنية شروطاً ، ومن جملتها : ان يكون ذلك الجزءُ المضافُ مفرداً من صاحبِه نحو : « قلوبكما » و « رؤوس الكبشين » لأمن الإِلباس بخلافِ العينين واليدين والرجلين ، لو قلت : « فَقَأْتُ أعينَهما » وأنت تعني عينيهما ، و « كَتَّفْتُ أيديَهما » وأنت تعني « يديهما » لم يَجُزْ لِلَّبْسِ ، فلولا أنَّ الدليل دَلَّ على أن المراد اليدان اليمنيان لَما ساعَ ذلك ، وهذا مستفيضٌ في لسانهم - أعني وقوعَ الجمعِ موقعَ التثنيةِ بشروطِه - قال تعالى : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ].
وَلْنذكر المسألةَ فنقول : كلُّ جزأين أضيفا إلى كُلَّيْهما لفظاً أو تقديراً وكانا مفردَيْنِ من صاحبيهما جازَ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ : الأحسنُ الجمعُ ، ويليه الإِفرادُ عند بعضِهم ، وليله التثنيةُ ، وقال بعضُهم : الأحسنُ الجمعُ ثم التثينةُ ثم الإِفرادُ نحو : « قَطَعْتُ رؤوسَ الكبشين ورأسَ الكبشين ورأسَيْ الكبشين » ، قال :
1726- ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ... ظهراهُما مثلُ ظهورِ التُّرْسَيْنْ فقولي : « جزآن » تَحَرُّزٌ من الشين المنفصلين ، لو قلت : قبضت دارهمكما « تعني : دِرْهميكما لم يَجُزْ لِلَّبْس ، فلو أُمِنَ جاز كقوله : اضرباه باسيافِكما » « إلى مضاجعكما » وقولنا « أُضيفا » تحرُّزٌ من تفرُّقهما كقوله : { على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ } [ المائدة : 78 ] ، وقولنا « لفظاً مثالُه : فإنَّ الإِضافةَ فيه لفظيةٌ.
وقولُنا » أو تقديراً « نحو قوله :
1727- رأيت بني البكري في حومة الوغى ... كاغِرَي الأفواهِ عند عَرِين فإنَّ تقديره : كفاغري أفواهما. وقولنا « مفردين » تحرزٌ من العينين ونحوهما : إنما اختير الجمع على التثنية وإن كانت الأصل لاستثقال توالي تثنيتين ، وكان الجمعُ أولى من المفرد لمشاركةِ التثنيةِ في الضم ، وبعده المفردُ لعدم الثقل ، هذا عند بعضِهم قال : « لأنَّ التثنيةَ لم تَرِدْ إلا ضرورةً كقوله :
1728- هما نَفَثا في فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما ... على النابحِ العاوي أشدَّ رِجامِ بخلافِ الإِفراد فإنه وَرَدَ في فصيحِ الكلامِ ، ومنه : » مَسَح أذنيه ظاهرَهما وباطنَهما «. وقال بعضُهم : » الأَحسنُ الجمعُ ثم التثنيةُ ثم الإِفراد كقوله :
1729- حمامةَ بطنِ الواديَيْن تَرَنَّمي ... سَقاكِ من الغُرَِّ الغوادِي مطيرُها
وقال الزمخشري : « أيديهما : يديهما ، ونحوه : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ] اكتفى بتثنيةِ المضاف إليه عن تثنيةِ المضاف ، وأريد باليدين اليُمْنَيان ، بدليلِ قراءة عبد الله : » والسارقون والسارقات فقطعوا أَيْمانهم « وردَّ عليه الشيخ بأنهما ليسا بشيئين ، فإنَّ النوعَ الأول مطردٌ فيه وضعُ الجمعِ موضعَ التثينةِ ، بخلافِ الثاني فإنه لا ينقاس ، لأن المتبادَرَ إلى الذهن من قولك : » قَطَعْتُ آذانَ الزيدين : أربعة الآذان « وهذا الردُّ ليس بشيءٍ لأنَّ الدليلَ دَلَّ على أن المراد اليمنيان. اهـ *الدر المصون*.


من مواضيعي
0 الرد علي القس منيس عبد النور ج2
0 إنفوجرافيك العلاقات الاقتصادية الروسية التركية على المحك
0 كيف نفهم نظرية التطور
0 انفوجرافيك حدود تويتر
0 حجة الامام الغزالي ( الحجة الكلامية ) ضد الالحاد - وليم كريج
0 قصة مؤثرة جدا لطالبة أمريكية ملحدة اعتنقت الإسلام
0 شبهة التعارض بين آيتين حول تكريم الإنسان
0 آداب الطعام

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
اللغوية, المطاعن

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:07 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009