ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى الرد علي مواقع و مؤلفات
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟ إبراهيم عوض (مهداة إلى القمص المنكوح)

ملتقى الرد علي مواقع و مؤلفات


أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟ إبراهيم عوض (مهداة إلى القمص المنكوح)

ملتقى الرد علي مواقع و مؤلفات


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-16-2017, 01:30 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟ إبراهيم عوض (مهداة إلى القمص المنكوح)

أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟
إبراهيم عوض
(مهداة إلى القمص المنكوح)
http://ibrawa.coconia.net/index.htm
بين حين وآخر يرسل لى القُمّص المنكوح رسالة مملوءة بكتب سخيفة تافهة فى التطاول على الله ورسوله كلها كذب وتدليس يطلب منى أن أقرأها وأرد عليها، حتى أصبح عندى من هذه الكتب بضع عشرات لو فكرت فى الرد على كل ما فيها لاحتجت أعمارا فوق عمرى ولانشغلت عما أخطّط لكتابته حسبما أراه من أولويات. ثم إن المنكوح، فى نهاية المطاف، لن يسلم بالحقيقة التى تفقأ عينه ودبره، ولن ينوبنى من وراء ذلك إلا تضييع الوقت مع سخافات منكوح مثله وسخ الدبر والخُلُق. وقد سبق أن رددت بالتفصيل الشديد على عدد من شبهاته المضحكة وأمثالها مما تعج به المواقع النصرانية المهجرية، إذ كان الرد يستغرق على الأقل مائة صفحة من القطع المتوسط، وبعض الردود امتد إلى مائة وخمسين أو يزيد، ولم يحاول أن يرد على شىء مما كتبته أنا أو غيرى. إن هدفه تشتيت جهود كل من يفضحه من خلال شَغْله بموضوعات يحددها هو له ويتحداه أن يرد عليها، وهى موضوعات لا تستند إلى أى أساس سوى الرغبة فى إحداث أكبر قدر من الضجة لشَغْل المسلم وتبديد انتباهه ووضعه دائما موضع المتَّهَم الذى يجب عليه أن يدافع عن نفسه، مع أن ذلك المنكوح الوثنى هو الذى ينبغى أن يقف هذا الموقف كما صككته فى دبره بهذا الكلام، إذ قلت له مرةً فى الرد على رسالة من رسائله الوسخة المنتنة مثل دبره: أمثلك، أيها الوثنى، يظن أنه يستطيع أن يضعنى أنا الموحِّد فى موضع الدفاع عن دينى؟ والواقع أن مَثَل المنكوح كمَثَل مومسٍ قحبةٍ كانت كلما رأت فتاة حرة شريفة اتهمتها فى عِرْضها وتحدتها أن تصاحبها إلى طبيب ليكشف عليها إذا أرادت أن تثبت عذريتها. وكانت كلما أطاعتها الفتاة وشهد لها الطبيب أنها عذراء طاهرة خرجت من لدنه القحبة وزعمت رغم ذلك أنه كذاب وأنه إنما أخذ على شهادته تلك رشوة، رغم أنها هى التى اختارته بنفسها... وهكذا دواليك، إلى أن تنبهت الفتيات الحرائر العفيفات لحِقْد القحبة عليهن بسبب دنس سيرتها وسلوكها وطهارة أذيالهن، وفهمن لعبتها، وهى هى ذاتها لعبة القمص المنكوح بقضّها وقضيضها، فلم يعدن يطاوعنها، فأخذت منذ ذلك اليوم تقف فى الشارع ليلا ونهارا وتأخذ فى الصياح كالمجانين تتهمهن وتتحداهن، وهن ولا كأنهن هنا! يا أيها المنكوح، أنصحك أن تذهب وتبحث لك عن واحد يشفيك من دائك الذى فيك حتى تهدأ قليلا!
لكن ماذا نقول؟ لقد هُزِلَتْ حتى سَامَها كل مفلس من العلم والخلق والدين كذلك الأبله المنكوح ذى الدبر المقروح. ذلك أن أسلوبه فى شَغْل الآخرين بتكديس الاتهامات الضحلة التى يوجهها إلى الإسلام ومطالبتهم بالرد عليها هو منهج متواصًى عليه بين نصارى المهجر بوَحْىٍ من جهة عليا تقف وراءهم وتوجههم فينفذون توجيهاتها بغباءٍ آلىٍّ منقطع النظير. والمسألة لا تكلفهم أكثر من إمطارهم، بالرسائل المتتابعة، أىّ كاتب يتناول دينهم بالدراسة الموثقة يتحدَّوْنه فيها بطائفة بعد طائفة من الكتب طالبين منه الرد على كل ما جاء فى كل منها، وهى مسألة عبثية لأنهم لا يكفون عن إرسال تلك الكتب، وفى ذات الوقت لا يبالون بما يكتبه الكاتبون فى الرد على ما لديهم من تنطع وضحولة، إذ إن هدفهم (كما قلت) هو شَغْل الكتّاب الذين يمثلون لهم إزعاجا لا يُحْتَمَل، لما فى كتاباتهم من دقة وإحكام وقوة وإفحام، عن المضى فى طريقهم ووضعهم موضع الدفاع، مع أن العكس هو الذى ينبغى أن يكون. ومن هنا أرفع صوتى منبهًا الكتاب المسلمين من الشباب المتحمس الذى يظن أن عليه الرد على كل ما يبعث به المنكوح المقروح وصبيانه الذين يطرقونه طرقا عنيفا فى دبره ألا ينساقوا وراء هذه اللعبة ويضيعوا وقتهم على النحو الذى يريده القُمّص الحمار ذو الدبر الهرّار.
وقد قلت مرة أخرى للمنكوح المقروح لماذا لا يرد هو على ما كتبته أنا وغيرى ما دام يريد منا أن نرد على كل ما يثيره من سخف لا ينتهى. فجاء جوابه كالآتى نصًّا: "رُدّ على تساؤلاتى لا أكثر ولا أقل: "سورة العاديات- دراسة نقدية"، "نساء النبى"، "النيك أح" (يقصد "النِّكَاح" كما يكتبها هو وينطقها بشَبَقٍ لا يشعر به إلا مأبونٌ محترقٌ مثله تهرشه استه فيكاد يُجَنّ)، "إبليس المفترى عليه"، "خصائص محمد"، و"الناسخ والمنسوخ" وغيرها. عقيدتى غلط، لكن ألا يزعجك أن تكون عقيدتك غلط؟ أجب". فكان تعليقى هو أنه ما دامت عقيدتك أيها الوثنى غلطا كما اعترفتَ بعظمة لسانك، فكيف تجرؤ على مطالبتى بالرد على كلامك المنطلق من هذه العقيدة التى أقررت أنت بأنها عقيدة غلط؟ ولا يَظُنَّنّ القارئ أن القمص المنكوح قال إن عقيدته غلط من باب التسليم الجدلى فقط، بل لأنه يعرف جيدا أنه لا يستطيع الرد، ولهذا يريد أن يشغل الخصم عن ثغرات دينه وتهافت كتابه وتخلف منطقه، فإذا انكشفت لعبته اضْطُرَّ إلى الإقرار بغلط دينه كما قال بالحرف الواحد، بيد أنه كالقحبة التى إن تابت احترفت القِوَادة، فتراه رغم إقراره بضعف دينه لا يكفّ فى ذات الوقت عن إثارة الشبهات ظنا منه أنها كفيلة بشَغْل الطرف الآخر عنه، ولكن هيهات!
وهذه الدراسة التى بين يدى القارئ هى فى الرد على كتاب من الكتب التى تمتلئ بها مواقع النصارى المهجريين يتحدَّوْن بها المسلمين، وعنوانه: "من هو الأعظم؟ المسيح أم محمد؟ سؤال لا بد من جوابه. رواية دينية بعد حادث واقعي". إلا أن هناك فرقا بين مؤلف ذلك الكتاب (الذى رمز إلى اسمه بــ"عبد المسيح وزملائه") وبين القمص المنكوح، ذى الدبر المقروح، الذى منه النتانة تفوح، ألا وهو أن أسلوبه أصح من أسلوب المنكوح، وإن لم يخل مع ذلك من الأخطاء، كما أنه مؤدب رغم أن الغرض واحد، وهو التشكيك فى الإسلام عن طريق الزعم بأن الرسول الكريم لا يستطيع الصمود فى ساحة المقارنة بالسيد المسيح، لأن هذا رب، وذاك بشر. والملاحظ أن عبد المسيح وزملاءه يتكلمون عن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، لا على أنه دَعِىٌّ كذاب، بل على أنه نبى كبير وعظيم من عظماء التاريخ، بل على أنه ثانى أعظم عظيمين هما المسيح ومحمد عليهما السلام. ومن هنا يرى القارئ أن أسلوب ردى على الكتاب مختلف عن ردودى على المنكوح، إذ لا يُعْقَل أن أسىء إلى مؤلف لم تَفْرُط منه إساءة وضيعة ظاهرة إلى الإسلام أو رسوله العظيم، وإن لم يمنعنى هذا من التنبيه التفصيلى لكل الثغرات التى فى كتاب عبد المسيح وزملائه. وقد قمت فى الدراسة التى نحن بصددها الآن بتقسيم كتاب عبد المسيح وزملائه إلى عدة أقسام، موردًا أولاً كل قسم من هذه الأقسام مظلَّلاً باللون الأصفر، ثم مُتْبِعًا إياه بالرد المطول على ما فيه، لكن دون تظليل. وبعد هذا التوضيح أترك القارئ مع الكتاب والرد عليه ليحكم بنفسه لنفسه فى هذا الموضوع الهام.
* * * * *
من هو الأعظم؟ المسيح أم محمد ؟
سؤال لا بد من جوابه- رواية دينية بعد حادث واقعي
عبد المسيح وزملاؤه
تمهيد:
* نعيش في عصر السرعة حيث قرّبت الطائرات السريعة القارات البعيدة، وتحرك فيضان الكتب وبرامج التلفزيون قلوب الشعوب، وتختلط القبائل والأجناس تلقائيًا. وتطفو الأسئلة وتدور الأبحاث، فينبغي على الجميع أن يتساءلوا: ما هو الحق الأزلي؟ وما هي الأفكار البناءة التي نقبلها بضمير صالح وبدون اشمئزاز؟ فكل من يتعلم الاستماع والإصغاء لآراء الآخرين يكتسب أفقًا أوسع من محيطه المحدود.
** ونحن مع عبد المسيح وزملائه فى أن يفتح الناس جميعا عقولهم وقلوبهم لمعرفة ما فى أيدى الآخرين وتقليب البضاعة التى يعرضونها قبل أن يصدروا حكما عليها، إذ الحكم على الشىء فرع من تصوره. أما إذا كان التصور غير موجود أصلا لأن الإنسان لم يطلع على ذلك الشىء، فهل يا ترى من المستطاع له أن يصدر حكما بشأنه؟ بالطبع لا. والمعروف أنه فى كل مرة من المرات التى كان الكفار يعترضون على نبينا الكريم كان القرآن يدخل معهم فى حوار ويجادلهم ويعرض ما عنده فى سعة صدر، ويفنّد ما عندهم بمنطق مفحم، ويطلب منهم دائما تشغيل مخهم وعرض كل شىء على عقولهم قبل أن يرفضوه. ولم يقع قط أن صادر حقهم فى التفكير ولا فى القبول والرفض. كذلك يعلن القرآن فى مواضع متعددة منه أن العقل هو أساس الإيمان، وأن كل إنسان حر فى أن يؤمن بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أو يكفر، فهذه مسؤوليته الشخصية، لا دخل لأحد سواه فيها، ولا حساب عليه إلا فى حدود الوُسْع. وعلى هذا ينبغى أولا أن يُعْرَض الإسلام عليه عرضا حسنا يُبْدِى عما فيه من روعة وإبداع، وإلا فكيف يمكن أن يكون هناك حساب لمن لم يعرف شيئا عن الإسلام، أو عرفه ولكن بطريقة مشوهة تستر محاسنه وتضفى عليه عيوبا لا يعرفها ولا تعرفه، وليس ثمة وسيلة يمكنه بها أن يعرف الحقيقة فى أمر ذلك الدين؟ قال سبحانه وتعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، "لا إكراه فى الدين. قد تبيَّن الرشد من الغَىّ"، "وإنا أو إياكم لعلى هُدًى أو فى ضلال مبين"، "قل: لا تُسألون عما أجرمنا ولا نُسْأَل عما تعملون"، "كذلك زيّنّا لكلِّ أمةٍ عملَهم، ثم إلى ربِّهم مَرْجِعُهم فينبّئهم بما كانوا يعملون"، "وقل: الحقُّ مِنْ ربّكم، فمن شاء فلْيُؤْمِنْ، ومن شاء فلْيَكْفُرْ"، "قل: إنى أعظكم بواحدةٍ: أن تقوموا لله مَثْنَى وفُرَادَى، ثم تتفكروا: ما بصاحبكم من جِنّة. إنْ هو إلا نذيرٌ لكم بين يَدَىْ عذابٍ شديد". خلاصة القول أننا نوافق تماما عبد المسيح وأصحابه فيما يدعون إليه فى هذه الفقرة التمهيدية.
1- السؤال المثير:
* اعتاد أحد خدام الرب زيارة السجون في إحدى البلدان العربية ليُعْلِن طريق الحياة للمساجين. وكان يحصل على رخصة رسمية من دوائر الحكومة لزيارة كل من يريد أن يسمع بشارة الحق والسلام التي تطهّر القلوب وتغيّر الأذهان. وكان خادم الرب هذا يدخل الزنزانة بدون مرافقة حارسٍ، رافضًا الحراسة ومتأكدًا أن البحث الصريح لا يجري مع المسجونين تحت المراقبة، فكان يتقدم منفردًا إلى غرف المجرمين ويجلس معهم. دخل مرة إلى جماعة من السجناء محكوم عليهم بالسجن أكثر من عشر سنوات، وكانوا قد عرفوه من زياراته السابقة وتعوّدوا أن يستمعوا إلى إرشاداته للحق وبشرى الخلاص. وكانوا يتباحثون بعد خروجه حول خطاباته بشدة وحماس لا نظير لهما. لما دخل هذه المرة إلى زنزانتهم أقفلوا فورًا الباب وراءه قائلين له: إنك لن تخرج من هذه الغرفة إلا إذا جاوبتنا جوابًا قاطعًا وصريحًا على سؤالنا، فردّ خادم الرب عليهم قائلا: إنّي آتي إليكم طوعًا وبدون حارس مسلح وأقدم لكم أجوبة من كلمة الله بقدر إمكانياتي، وما لا أعرفه لا أقوله. فأجابوه: لا ننتظر منك أسرارًا عن النجوم ولا أساليب السحر بل نطلب منك كرجل دين جوابًا قاطعًا ونهائيًّا على السؤال المتداول بيننا: من هو الأعظم؟ محمد أم المسيح؟ لما سمع خادم الرب هذا السؤال قال في نفسه وهو في حيرة: إن قلت إنّ محمدًا هو الأعظم يهاجمني السجناء المسيحيون، لأنّ الجالسين في هذه الزنزانة كانوا مجرمين وبلا ضمير. وإن قلت إن المسيح هو الأعظم لربما يقوم أحد المسلمين عليّ ويكسر رقبتي من شدة غيظه، علمًا أن كل من يهين محمدًا أو يشتمه يُعتبر عند بعض المسلمين مجدّفًا يستحق الموت. فصلى خادم الرب في قلبه سائلاً ربه ليُلهمه الإجابة الحكيمة المقنعة لهؤلاء السجناء. وكل من يسأل إرشاد الرب في الأوقات الحرجة ينل منه الجواب فورًا. فألهم الروح القدس هذا الخادم المتضايق، وهو خلف الباب المغلق، جوابًا واضحًا قدمه بتواضع. ولما تباطأ خادم الرب أثناء صلاته الصامتة للإجابة على هذا السؤال قال له المساجين: لا تتهرب من مسؤوليتك، ولا تكن جبانًا، بل اعترف بالحق كله. فنتعهد لك بأن نتركك بلا إهانة ولا مضايقة مهما قلت لنا. فلا تكذب ولا تُخْفِ أفكارك، بل أخبرنا بالحق الكامل. فابتدأ رجل الله يقول: أنا مستعد أن أقول لكم الحق الصريح، إنما السؤال المطروح أمامي ليس هو الموضوع الذي أعددته لكم اليوم من الكتاب المقدس، ولكن إن صمّمتم على أن تسمعوا المقارنة بين محمد والمسيح فلا أُخْفِي عنكم الحقيقة. إنما لست مسؤولاً على ما ينتج عن شروحاتي، بل أنتم المسؤولون لأنكم تجبرونني على إجابة سؤال لم أطرحه وما نويته إطلاقًا. فهذا هو ردّي: لا أقرر أنا من هو الأعظم، بل أترك القرآن والحديث أن يُعطيَكم جوابًا مقنعًا. تأملوا في القرآن بأعين الحق فتعرفوا الحق المخفيّ، والحق يحرركم.
** بالنسبة لهذه القصة يؤسفنى أن أقول إنها لا تدخل العقل، بل هى من اختراع المؤلف أو المؤلفين، اخترعوها لتكون إطارا فنيا مشوقا متوسمين أن يكون الإقناع بها على هذا النحو أشد وأفعل فى نفس القارئ، وإلا فأية دولة عربية تسمح لواحد من غير ضباط السجن وجنوده أن يدخل زنازين المسجونين، فضلا عن أن يترك المسؤولون فى السجن باب الزنزانة وراء الوعاظ ليقوم المساجين بإغلاقه بأنفسهم من الداخل (الله أكبر!) أو تركه مفتوحا حسبما يحلو أو يعنّ لهم لا حسبما يريد المسؤولون فى السجن؟ إن المتَّبَع فى مثل تلك الحالة هو إخراج المساجين من زنازينهم إلى قاعة كبيرة حيث تتم أمثال تلك المقابلات، أما فى الزنزانة فلم نسمع بمثل هذا فى آبائنا الأولين! ثم كيف يا ترى يمكن أن نصدق لجوء المسلمين لواحد من القسس لحسم السؤال موضوع القصة؟ وهل يشك المسلم فى هذه القضية، بَلْهَ أن يلجأ إلى قسيس يعلم هو قبل غيره أنه سيختار المسيح بطبيعة الحال؟ وكيف لم يلجأوا إلى عالم مسلم يستفتونه فى هذه المسألة إن ثار فى أذهانهم مثل هذا السؤال أصلا؟ ذلك أن المسلمين يؤمنون بكل الأنبياء والمرسلين ويحترمونهم كلهم. وهم، وإن آمنوا بأن محمدا هو أفضل الأنبياء، لا يجعلون منها قضية يدخلون بسببها فى مجادلات ومماريات مع كل من هب ودب.
ولنلاحظ التفرقة التى صور بها الكاتب أو الكتاب رد الفعل عند كلا الفريقين: فأقصى ما سيفعله النصارى بالقسيس إن اختار النبى محمدا أنهم سيهاجمونه. وليأخذ القارئ باله من أنهم "سيهاجمونه" وكَفَى دون أن يكون هناك تحديد لنوعية هذا الهجوم، وهو ما قد يعنى العمل على ضربه دون أن يشفعوه بالتنفيذ بالضرورة. فهذا ما يفد على الذهن حين نسمع كلمة "يهاجمونه". أما عندما وصف استجابة المسلمين لتفضيله المفترض للسيد المسيح فقد قال تحديدا: "وإن قلت إن المسيح هو الأعظم لربما يقوم أحد المسلمين عليّ ويكسر رقبتي من شدة غيظه، علمًا أن كل من يهين محمدًا أو يشتمه يُعتبر عند بعض المسلمين مجدّفًا يستحق الموت". والفرق واضح للأعمى، وهو يعنى أن الكاتب أو الكتاب يصف المسلمين بالقسوة والفظاظة، بخلاف النصارى، فإن أقصى ما يُتَوَقَّع من مجرميهم عديمى الضمائر أن يهاجموه، لكن دون أن يكسر أحد منهم رقبته على الإطلاق. كما أنه فى الوقت الذى ينص على أن الموت ينتظر من يشتم النبى محمدا فإن النصارى لا يفكرون فى شىء من هذا البتة. ولم لا، وهم ناس متحضرون حتى لو كانوا مساجين مجرمين بلا ضمير؟
ولكن قبل ذلك كله كيف يريد منا مؤلف القصة الاقتناع بأن أمثال هؤلاء المجرمين عديمى الضمير (كما يسمونهم) يمكن أن تشغل عقولهم فى السجن (مرتع الجرائم والفساد كله) مثل تلك القضايا الترفية التى لا تفد إلا على أذهان من ارتَقَوْا فى تدينهم وقطعوا فى ذلك أشواطا بعيدة؟ ثم قبل قبل ذلك كيف تسمح السلطات فى بلد من البلاد أن يدخل واعظ من دينٍ ما الزنزانة على جميع المساجين من كل الأديان دون أن تفرز أبناء دينه على حدة فيكلمهم براحته فى شؤون دينهم دون أن يزعجوا الآخرين بما يقولون، بل بما يمكن أن تقوم بسببه فتنة فى الزنازين لا يعلم مدى فداحتها إلا الله وحده؟ بل هل يمكن أن يقبل العقل ترك السلطات المسلمة فى السجن واعظا نصرانيا يدخل على مساجين مسلمين يبشرهم بدينه مع أبناء طائفته؟ الحق أن هذا كلام لا يهضمه العقل مثلما لا يهضم العقلُ معكوسَ هذا الوضع من سماح السلطات فى بلد نصرانى لواعظ مسلم بالدخول على المساجين النصارى يعرض عليهم دينه ويعمل على إدخالهم فيه! وأخيرا فمنذ متى يحسن المجرمون عديمو الضمير أن يقولوا مثل هذه العبارة المتنوّقة: "لا ننتظر منك أسرارًا عن النجوم ولا أساليب السحر بل نطلب منك كرجل دين جوابًا قاطعًا ونهائيًا على السؤال المتداول بيننا: من هو الأعظم؟ محمد أم المسيح؟"؟ وهل يا ترى سوف يقتنع المسلمون بما سيقوله واعظ نصرانى عن تفضيل المسيح؟ وكيف يعرفون أنه صادق فى حكمة أو كاذب؟ ما معيار الصدق والكذب هنا؟ إنه، لدى السائلين فى قصتنا، هو أن محمدا الأفضل، وما عدا هذا لن يكون فى نظرهم صدقا على الإطلاق!
ونصل إلى العبارة الأخيرة، وهى تكشف أن القصة كلها، كما قلت آنفا، قصة مخترعة، فها هو ذا القسيس يقول إنه سوف يترك القرآن والحديث يعطيانهم جوابا مقنعا. أى أن الكلام موجه إلى المسلمين وحدهم، وهو من ثم لا يريد أن يقدم لهم دليلا من خارج الكتاب والسنة اللذين لا يؤمنون إلا بهما. فأين ذهب النصارى إذن؟ أولم يكونوا ضمن من كانوا يتباحثون فى تلك القضية وسألوه الجواب فيها، وخاف هو نفسه منهم أن يهاجموه إذا أجابهم بما لا يتوقعونه ولا يريدونه؟ ثم إن قوله: "إن قلت إنّ محمدا هو الأعظم يهاجمني السجناء المسيحيون" لهو دليل آخر على أن القصة مخترعة مفتراة، إذ كيف يتصور أن من المستطاع إقناعنا بأنه يمكن أن يصدر الحكم منه لصالح محمد، وهو الذى يؤمن بأن المسيح إله أو ابن الإله، ومحمد على أحسن تقدير هو مجرد نبى؟ فمن يا ترى يضع النبى البشر قبل الإله؟ اللهم إلا إذا أراد أن يقول لنا إنه كان واعظا تجريديا لا ينتمى إلى أى دين، بل يدعو إلى الفضيلة المطلقة دون ربطها بعقيدة أو عبادة معينة. لكن هذا الافتراض يكذبه تسميته بـــ"عبد المسيح" تكذيبا شديدا! كذلك فإن الواعظ النصرانى يعلن أنه سوف يتخذ معياره من القرآن والحديث النبوى، فهل سيفى بوعده فعلا ويلتصق بكتاب الله وسنة نبيه لا يخرج عنهما، أو سوف ينسى هذا الوعد ويخرج عنهما إلى العهد الجديد ولو بين الحين والحين، علاوة على تفسيره نصوص القرآن والسنة بما لا يقبلانه من تفسير؟ لن نسارع بالجواب الآن، وعما قليل سوف نرى ما يفعله "خادم الله" بنفسه.
2- ولادة محمد والمسيح:
* يعرف الجميع أن أبا محمد هو عبد الله، وأمه هي آمنة. فكان محمد إنسانًا حقًّا من والد معروف وأم محترمة. لم يذكر القرآن ولا يقول علماء الإسلام إن محمدًا وُلِد بطريقة غير طبيعية، فلم تخلقه بشارة ملاك، ولا وُلِد من كلمة الله، بل وُلد بطريقة طبيعية مثل باقي الناس من أبيه عبد الله وأمه آمنة. ويخبرنا القرآن مرارًا أن المسيح لم يولد بطريقة طبيعية كسائر البشر، ولم يكن أبوه بشرًا، فوُلِد من مريم العذراء بدون تدخّل أي رجل لأن الله نفخ من روحه فيها. فالمسيح هو الإنسان الوحيد الذي وُلِد من روح الله- سورة النساء 4:171، وسورة الأنبياء 21:91، وسورة التحريم 66:12. ليس المسيح إذن إنسانًا عاديًا بل روح إلهي وبنفس الوقت جسد عادي، إذ وُلد من روح الله ومن مريم العذراء. لم يولد محمد من روح الله، إنما وُلِد من أب حق وأم حقة، فهو جسد عادي فقط لا روح إلهي.
** فأما أن محمدا قد وُلِد من أب وأم معروفين ومحترمين فهذا مما لا يخالف فيه أحد، وإن كان قد ظهر بين الحمقى الموتورين من المبشرين الأقباط فى الفترة الأخيرة من يستبله ويشكك فى هذا كتشكيكهم فى كل ما هو ثابت فى الإسلام لم يكن موضع شك أو جدال يوما من الأيام، لكنها الخطط التبشيرية الخبيثة ودعاياتها الفِجّة التى يظن أصحابها أنها يمكن أن توصلهم إلى شىء بعدما ذاقوا مرارة عجزهم عن أن ينالوا من المسلمين منالا، فكان لا بد لهم من اللجوء إلى الكذب، كالقمص المنكوح، الذى يأتى فى برنامجه ببعض المعاتيه من شبان النصارى ممن لا يحسنون شيئا سوى طَرْقه ودَقّه ويسمى كلا منهم بــ"الأخ محمد"، وكأن كل مسلم اسمه "محمد"، وكأن المبشرين النصارى يتركون أى متنصر على اسمه القديم، فضلا عن أن يكون هذا الاسم هو "محمدا"، الذى لا يوجد فى الدنيا كلها اسم يسبب لهم هرشا فى الجلد وانتفاخا فى القولون وصداعا فى الرأس مثله! كما يلجأ القمص المنكوح ذو الدبر المقروح إلى رفع "دائرة المعارف الإسلامية" الاستشراقية التبشيرية بيده فى وجه المشاهدين كلما ظهر فى برنامجه قائلا: انظروا! أنا لا آتى بشىء من عندى، بل أستقى كلامى من الموسوعة الإسلامية، موهما الجهلة الذين ليس عندهم نبأ من الأمر أن تلك الموسوعة إنما كتبها مسلمون لا يهود ونصارى وملاحدة غربيون يكرهون محمدا ودين محمد كراهية العمى، بل كراهية الموت. وهو أسلوب لا يليق بمن يزعم أنه يتكلم باسم الله ويدعو الناس إلى الصراط المستقيم، على حين أن صراطه كله التواء وخبث وكيد شيطانى، وإن كان مفضوحا لدى كل من لديه ذرة من العلم بتلك الأمور. لكن مؤلف الكتاب الذى بين أيدينا لا ينتهج منهاج القمص المنكوح وأضرابه وضاربيه وطارقيه، بل يقف عند حدود الأدب، أو على الأقل: حدود المجاملة، وهو ما نشكره له ونبادله بمثلها كلما وجب ذلك ولم يتعارض مع أى من اعتقادات ديننا أو مبادئه، فشكرا له على هذا وعلى كل ما قاله فى الكتاب، وهو غير قليل، أيا ما كان باعثه على ذلك، أى سواء قاله من قلبه وضميره أو كان الدافع له هو مجرد المجاملة كما قلت، ومنه أن محمدا نبى كريم، وأن دينه دين عظيم وما إلى ذلك، مما نعيد شكره عليه محاولين أن نرد بنفس الأسلوب ما أمكن، وهو ما يدل على أننا لا ننتهج نفس الطريقة مع جميع المجادلين من أتباع الديانات الأخرى، بل نميز بين مجادلٍ مهذَّبٍ، فهذا نحافظ على مشاعره، وخنزيرٍ نجسٍ دنسٍ حقير، فهذا ليس له عندنا إلا الحذاء القديم لرقعه به على استه المنتنة كذلك القمص المنكوح، ذى الدبر المقروح، الذى منه النتانة تفوح.
وأما أن محمدا لم يولد بطريقة غير طبيعية فهذا صحيح، إذ وُلِد كما يولد سائر البشر من أب وأم بشريين، وإن كان هناك من علماء المسلمين من أحاط مولده صلى الله عليه وسلم بطائفة من الأعاجيب كالبشارة التى تلقتها أمه وهى نائمة بأنها بسبيل ولادة طفل لا نظير له، وكتصدع إيوان كسرى وانبلاج نورٍ أضاء ما بين الشام ومكة، وغير ذلك من المعجزات التى لا يصدّق بها إلا بعض علماء المسلمين لا كلهم، وبخاصة أن القرآن لم يذكر شيئا من هذا ولا السنة النبوية الصحيحة. وهو مما يُحْسَب للإسلام ونبيه، الذى لو كان نبيا زائفا كما يتهمه الحَقَدة من مروِّجى الأكاذيب لزعم المزاعمَ حول ميلاده وشخصيته، لكنه لم يفعل، لسبب بسيط: هو أنه ليس مؤلف الدين، بل مجرد رسول نزل عليه القرآن فبلّغه كما هو للعالمين دون زيادة أو نقصان أو تحريف.
وأما أنه عليه السلام لم يُولَد بكلمة الله فهذا ما لا نواقق عليه بطل القصة المخترعة، إذ ما من شىء فى الدنيا إلا وقد أتى إلى الوجود بكلمة الله: "كن، فيكون". قال عز شأنه: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن، فيكون"، "إنما أَمْرُنا لشىء إذا أردناه أن نقول له: كن، فيكون". كما نص القرآن على أن مولد عيسى، وإن اختلف قليلا عن الوضع الطبيعى لتوفر الأم فيه دون الأب، فهو لا يختلف عن ميلاد آدم من حيث إن كليهما تم بكلمة الله: "كن فيكون": "إن مَثَل عيسى عند الله كمَثَل آدم. خلقه من ترابٍ ثم قال له: كن، فيكون". بل إن أمر آدم أعجب وأدعى إلى الدهشة بالنسبة لنا نحن الذين تعودنا على أن نرى المواليد يأتون من جراء اللقاء الجنسى بين رجل وامرأة، لا من تراب، وهو يزيد بما لا يقاس عن ميلاد المسيح من مريم فقط عليها السلام مما يفسره اليهود الملاعين بأنه ثمرة الخطيئة بين الأم ورجل من البشر يقولون تارة إنه يوسف النجار، وتارة إنه جندى رومانى، وهو ما يرفضه المسلمون تماما ويعدون القول به كفرا بواحا لا ريب فى ذلك. ووجه الإيغال فى العجب والدهشة فى أمر آدم أنه خُلِق من تراب، لا من أب وأم ولا من أم فحسب، بل من تراب. وهو أدعى إلى العجب والدهشة من أمر ميلاد المسيح كما هو واضح وضوح الشمس.
وأما قوله إن "القرآن يخبرنا مرارًا أن المسيح لم يولد بطريقة طبيعية كسائر البشر، ولم يكن أبوه بشرًا، فوُلِد من مريم العذراء بدون تدخّل أي رجل لأن الله نفخ من روحه فيها. فالمسيح هو الإنسان الوحيد الذي وُلد من روح الله: سورة النساء/ 171، وسورة الأنبياء/ 91، وسورة التحريم/ 12" ففيه، وفيه: فالمسيح فعلا لم يولد بالطريقة الاعتيادية التى يولد بها سائر البشر من بعد آدم وحواء، لكن القرآن لم يقل إنه لم يولد من أب بشرى بما يومئ إليه هذا الكلام من مغزى، بل الذى فيه أنه لم يولد من أب بشرى أو غير بشرى، وإلا فليدلنا أىٌّ كان على أى نص فى كتاب الله يقول إن عيسى قد ولد من أب غير بشرى. القرآن واضح الدلالة فى أن عيسى هو ابن مريم فقط، ولهذا سُمِّىَ كثيرا فى القرآن بـــ"عيسى بن مريم" أو "المسيح عيسى بن مريم"، وهو ما ليس له من معنى إلا أنه ابن امرأة فحسب، ولا أب له على الإطلاق لا بشرى ولا غير بشرى. وأى قول بأنه هو ابن الله كما يُلْمِح الواعظ هنا من طَرْفٍ خَفِىٍّ هو كفر وشرك صراح لا جدال فى ذلك. وهذه النقطة هى أحد الفروق الجوهرية بين الإسلام والنصرانية، ولكل إنسان أن يؤمن بما يريد لا مشاحّة لأحد سواه فى ذلك، لكن هذا شىء، والتلميح بأن القرآن يقول ببنوة المسيح عليه السلام لله شىء آخر مختلف تمام الاختلاف، ولا يتماشى مع عقيدة الإسلام ولا نصوص القرآن والسنة فى قليل أو كثير. وأى محاولة للتضليل فى هذا السياق هى محاولة مقضىٌّ عليها بالفشل ولا تجدى صاحبها فتيلا، فلا داعى لها إذن. المسيح فى الإسلام هو عبد الله ورسوله لا غير، مثله مثل نوح وإبراهيم وموسى وزكريا ويحيى وعيسى وهود وصالح وشعيب لا أكثر ولا أقل، مع اختلاف الدرجات من رسول إلى آخر، وزعيمهم كلهم هو محمد عليه السلام، إذ هو رسول للعالمين جميعا وخاتم النبيين والمرسلين، كما أنه لم يكن رسولا فقط، بل وضع مبادئه موضع التطبيق، فكان رئيس دولة وقاضيها، وكذلك قائدها العسكرى فى معظم الأحيان.
ويبقى قوله إن المسيح هو الإنسان الوحيد الذى وُلِد من روح الله، وهذا أيضا قول لم يقل به القرآن المجيد، بل قال إن البشر جميعا قد نُفِخ فيهم من روح الله، إذ جاء فى سورة "السجدة": "ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (9)"، وفى سورة "الحجر": "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)"، وفى سورة "ص": "إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)". بل جاء أيضا فى القرآن قوله تعالى إن الله سبحانه قد أوحى إلى محمد روحا من أمره: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)". فهل بعد هذا يمكن المجادلة بأن عيسى هو الوحيد الذى وُلِد من روح الله؟ لا إخال هذا ممكنا أبدا! وعلى ذلك فقول الواعظ فى آخر الفقرة السابقة: "ليس المسيح إذن إنسانًا عاديًّا بل روح إلهي، وبنفس الوقت جسد عادي، إذ وُلد من روح الله ومن مريم العذراء. لم يولد محمد من روح الله إنما وُلِد من أب حق وأم حقة، فهو جسد عادي فقط لا روح إلهي" هو كلام لا يمكن التسليم به لأنه تَقَوُّلٌ على الله والقرآن بغير حق كما رأينا معا. كذلك فقوله إن المسيح عليه السلام، حسبما جاء فى القرآن، روح الله، هو كلام خاطئ تماما، فالقرآن يقول إن الله نفخ فى مريم من روحه، ولم يقل إن عيسى هو روح الله، مثلما قال إن الله نفخ فى الطين من روحه فكان الإنسان الذى هو آدم وحواء وأولاد آدم وحواء إلى يوم يبعثون. لو أنه قال إنه وقومه يؤمنون بهذا فلا تثريب عليه، إذ هو حر فى اعتقاده رغم أننا نراه مخطئا فى هذا الاعتقاد. كما أنه قد أخطأ فى نسبة هذا الاعتقاد إلى القرآن، ولن نقول إنه "كَذَبَ" فى ذلك، جريًا على ما قلناه قبل قليل من أننا سوف نتمسك بأهداب المجاملة إلى أقصى حد ما دمنا لن نخرج على مقتضيات إيماننا بالله وبرسوله وكتابه المجيد.
3- الوعود الإلهية عن محمد والمسيح:
* نقرأ في القرآن بخصوص المسيح أن الله بشرّ مريم العذراء أنه سيُولَد المسيح منها. فالقرآن يقول: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ -سورة آل عمران 45. فالقدوس نفسه منح لمريم البشرى السارّة عن ولادة المسيح وسمّاه: كلمة منه. لقد استمع كل الأنبياء الصالحين إلى كلمة الله ونقلوها بإخلاص مهما كلّفهم الأمر. أما المسيح فلم يسمع الوحي، بل هو كلمة الله المتجسّد. وحلّ فيه سلطان الكلمة الإلهية بقوتها الخالقة الشافعة الغافرة المعزّية والمجدّدة. فلأجل ذلك أعلن الله مسبقًا ولادة المسيح لمريم العذراء شخصيًّا مؤكدًا لها الأعجوبة العظمى. لم نقرأ في القرآن عن محمد أنه كلمة الله المتجسد، إنما نقرأ أنه تلقى الوحي ونقله إلى مستمعيه. ولم يبشر الله أمه آمنة بشارة خاصة، ولم ينفخ روحه فيها، أما مريم العذراء فواجهها الملاك جبرائيل المرسل من الله فقبلت منه روح القدس. وأصبحت المختارة بين النساء كقول القرآن: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ- سورة آل عمران 42. وقد ورد اسمها في القرآن 34 مرة، بينما لم يرد اسم أم محمد ولو مرة واحدة.
** لا خلاف على ما قاله الواعظ عن تبشير الملائكة مريم بولادة المسيح، إذ الواعظ لم يزد على أن نقل ما نقرؤه فى القرآن عنه عليه السلام، ولذلك لن نقف أمامه، بل سننتقل لما قاله الواعظ بعده من أن عيسى هو كلمة الله المتجسد، وهو ما لا وجود لشىء منه فى القرآن البتة. ولو كان هذا كلامًا يعبر به الواعظ عن اعتقاده فى السيد المسيح لكان حُرًّا فيه، أما أن ينسب ذلك للقرآن فلا بد أن نقف ونوقفه قائلين له إنه قد أخطأ خطأ فاحشا، إذ ليس فى القرآن فى أى موضع منه أن عيسى عليه السلام هو كلمة الله المتجسد، فالله فى الإسلام يستحيل أن يتجسد لأنه ليس كمثله شىء، ومعروف أن هناك أشياء متجسدة لا تقع تحت الحصر والإحصاء، ومن ثم فالله لا يشبهها ولا يتجسد تجسدها. كما أنه سبحانه هو الأول، فلا شىء قبله، والآخِر، فلا شىء بعده، أما الأشياء المتجسدة فلها بداية ونهاية، ووجودها محدود، وليست أول شىء ولا آخره. كما أن قوله إن عيسى (طبقا لما ورد فى القرآن) لم ينزل عليه وحى هو قول خاطئ لا أدرى من أين أتى به، ففى سورة "النساء" يطالعنا قوله عز وجل: "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)". وفى هذا النص نقرأ أن الله قد أوحى إلى عيسى كما أوحى إلى محمد وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأيوب ... إلخ. ومثله قوله عز شأنه من سورة "المائدة": "وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)"، فــ"إتيان" عيسى الإنجيل هو هو نفسه "وَحْيه" إليه. أما لو قال واعظنا إن هذا هو اعتقاده لخَرَجَ بذلك من العهدة وأراحنا وأراح نفسه، أما أن يعزو شيئا إلى القرآن ليس فى القرآن فدون ذلك خَرْط القَتَاد كما كان العرب يقولون. ومثل ذلك قوله جلت قدرته: "وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ" (البقرة/ 87)، "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ" (المائدة/ 110)، فالله أرسل روح القدس لتأييد عيسى عليه السلام، وهو ما يشبه قوله سبحانه فى سورة "النحل" وسورة "الشعراء" على التوالى عن القرآن الذى أنزله سبحانه على محمد عليه الصلاة والسلام: "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)"، "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)". ولا شك أن تخصيص القرآن سورة كاملة فيه لمريم عليها السلام وعدم تخصيص مثلها لأم الرسول الكريم ولا لأحد من زوجاته إنما هو برهان لا يُصَدّ ولا يُرَدّ على أنه رسول الله حقًّا وصدقًا من رب العالمين، وإلا لتحول الأمر عنده إلى منافسة شرسة فغطَّى على ذِكْر مريم وصَنَع بدلا منه شهرةً لنسائه وأمه. فيا لعظمة النبى الكريم!
وعلى ذلك فكل ما رتبه الواعظ على هذا هو عندنا مرفوض رفضا باتا جملة وتفصيلا، فسلطان الله وقدرته وقوته الخالقة لم تحلّ فى عيسى قط، وما كان لها أن تحل، لأنه عليه السلام فى القرآن ليس أكثر من عبد ورسول. أما إذا كان قد أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى فإننا لا نشاحّ فى هذا، لكن القرآن واضح فى ذلك تمام الوضوح ولم يتركه مائعا، إذ قال إنه إنما كان يصنع من ذلك ما يصنع بإذن الله لا بإذنه، كما أكد القرآن أنه عليه السلام لا يملك لنفسه ولأحد غيره من الأمر شيئا. ثم إن غيره من الأنبياء صنع معجزات مثلما صنع. بل إن العلى الجبار سوف يوقفه أمامه يوم الحساب ويسأله كما يسأل عباده جميعا، وسوف يتنصل ساعتها من الخطيئة العظمى التى اجترحها بعض البشر حين نَسُوا أو تناسَوْا أنه عبد واتخذوه إلها. جاء فى سورة "المائدة": "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)"، "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)"، "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)". وفى سورة "مريم" وسورة "الزخرف" نقرأ تباعا: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)"، "وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64)".
4- براءة محمد والمسيح:
* لمّا كان محمد فتىً أتى إليه ملاكان وطهرا قلبه. وفي هذا يقول القرآن: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ- سورة الانشراح 1- 3. ومنذ ذلك الوقت أصبح له اللقب الشريف المصطفى، فلم يكن صافيًا وطاهرًا في ذاته، إنما أخذ الملاكان الوِزْر من قلبه تطهيرًا. لقد احتاج محمد إلى عملية جراحية للقلب لتنقية فؤاده قبل أن يصبح نبيًّا ورسولا لله. نقرأ عن ابن مريم في القرآن إنها ستلد غلامًا زكيًّا حسب الآية: أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا- سورة مريم 19. وأجمع المفسرون العلماء مثل الطبري والبيضاوي والزمخشري أن كلمة "زكيًّا" تعني: صافيًا ونقيًا وبلا خطية. فقبل ولادة المسيح أعلن الوحي أنه يولد طاهرًا ويعيش بلا إثم. لم يكن محتاجًا إلى تطهير قلبه لأنه كان قدوسًا أصلا. ولم يستمع ابن مريم إلى كلمة الله فحسب، بل كان هو الكلمة ذاته. فلا فرق بين رسالته وسلوكه، إذ عاش ما قاله، وثبت بلا لوم وبدون خطية. يشهد القرآن أن لكل الأنبياء والرسل خطايا معينة، ويذكر الأخطاء لبعضهم، ما عدا المسيح، فكان دائمًا بريئًا وطاهرًا. لقد حفظه روح الله منذ ولادته في القداسة الكاملة رغم طبيعته البشرية، فلم يسقط في التجربة لأنه كان روح الله المتجسد. اعترف محمد شخصيًا ثلاث مرات في القرآن بأن كان يجب عليه استغفار ربه: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار- غافر 55. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ- محمد 19. وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهُ مَفْعُولاً- الأحزاب 37. ويظهر أن أكثرية المسلمين يرفضون هذه الحقيقة ويؤولونها. إنما القرآن هنا واضح ويتكلم بصراحة. كان محمد إنسانًا طبيعيًّا مولودًا من والدين طبيعيّين، فعاش حياة الفِطرة، وأخطأ مثلنا واستغفر ربه عن ذنوبه وخطاياه، أما المسيح فوُلد من روح الله، وهو كلمة الله المتجسِّد، وعاش قدوسًا وطاهرًا منذ حداثته.
** إن ما قاله الواعظ النصرانى عن غسل الملاك قلب سيدنا محمد عليه السلام لهو شهادة عظيمة فى حقه، إذ معنى ذلك أن الرسول قد أصبح طاهرا من حظ الشيطان، أما المسيح فلم يصنع به الله شيئا من هذا، وهو ما يمكن أن يتعلل به من يريد مجادلة الواعظ، لكننا لن نفعل لأن غايتنا هى بلوغ الحقيقة أو على الأقل: الاقتراب منها. فلنضرب الآن إذن عن هذا صفحا، ولسوف نعود إليه فيما بعد، وليكن المسيح عليه السلام بلا خطيئة كما قال واعظنا، أفيجعل هذا منه إلها أو ابن إله؟ الواقع أنه لا صلة بين هذا وذاك. وما دمنا بصدد الاستدلال بالقرآن فكيف يصح تجاهل قوله تعالى مما سبق ذكره فى الفقرات الماضية: "قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا"، "مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ* قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، "إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ"... إلخ؟ كما أنه سبحانه لم يقل فى حق عيسى مثل ما قاله فى حق محمد فى الآيات التالية: من سورة "القلم": "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)"، وسورة "الانشراح": "وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)"، وسورة "النساء: "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)"، وسورة "الحجرات": "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)"، وسورة "الأحزاب": "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)" مثلا. وبالمثل لم يقرن سبحانه اسمه باسم نبيه عيسى كما قرن بينه وبين اسم نبيه محمد، ومنه ما نقرأ فى سورة "الأحزاب": "إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)"، وسورة "الفتح": "إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ... (10)"، وسورة "النساء": "وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)"، "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ... (80)". كما تكرر فى القرآن القول بأن محمدًا رسولٌ للناس كافة، على حين أن عيسى رسولٌ لبنى إسرائيل ليس إلا. فأما فيما يخص محمدا فقد جاء فى سورة "الأنبياء": "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)"، وفى سورة "سبأ": "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (28)"، وفى سورة "التكوير": "إِنْ هُوَ (أى القرآن) إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27)". وأما بالنسبة لعيسى فنقرأ فى سورة "آل عمران": "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ... (49)"، وفى سورة "الصف": "وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)".
وأما وصفه تعالى لعيسى بأنه "غلام زكىّ" فهو نفسه ما وُصِف به "الغلام" الذى قتله العبد الصالح فى قصة سورة "الكهف"، إذ وُصِف بأنه "نفسٌ زكيّة": "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)". فما الفرق إذن مما يعطى للواعظ الحق فى الطنطنة التى يطنطنها؟ إن كل الأطفال يولدون أطهارا أنقياء كلهم أجمعين أكتعين أبصعين، حتى الذين سيصيرون فيما بعد من عتاة المجرمين والقتلة والجبارين المستبدين والزناة العاهرين. أم هناك من يجادل فى ذلك؟ ولهذا يقال: الأطفال أحباب الله! أما لماذا وصف الله عيسى هنا بأنه غلام زكى ما دام الأطفال كلهم يولدون دون خطيئة كما هو معروف، إذ ينزلون من بطون أمهاتهم، ونفوسهم وقلوبهم صفحات بيضاء، علاوة على أنهم عند مولدهم يكونون خالين من الإرادة، خيرا كانت هذه الإرادة أو شرا، ومن ثم لا يمكن نسبة الشر إليهم، فالجواب على ذلك هو أن قول روح القدس لمريم حسبما ورد فى السورة المسماة باسمها الكريم: "إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (17)" هو رد على ما كانت قد قالته له تصده عنها خشية أن يكون رجلا من الرجال جاء للاعتداء على عِرْضها والزنا بها رغم أنفها، وهو: "إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18)". فكان رده ذاك تطمينا لها أنه ليس بشرا، وأنه لم يأت للاعتداء عليها، وأن الغلام من ثم سيولد ولادة طاهرة، أى أنها ستُرْزَقه من الحلال لا من الحرام. ومعروف أننا لكى نفهم الكلام لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار السياق الذى قيل فيه هذا الكلام، وإلا أخطأنا معناه كله أو بعضه أو الظلال المحيطة به. وهذا هو سياق تلك العبارة التى وردت على لسان روح القدس كاملا: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)". ولنلاحظ أن رد الملاك عليها حين استغربت أن يكون لها ولد دون أن تعرف أحدا من الرجال هو نفس الرد على زكريا عندما بُشِّر بأنه سيولد له ولد رغم تقدمه فى العمر ورغم عقم زوجته، إذ سألت مريم روح القدس قائلة: "أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا"، فأجابها بقوله: "كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ"، وهو ما أجيب به زكريا قبيل ذلك فى نفس السورة: "يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ... (9)". وانظر الآيتين 40، 47 من سورة"آل عمران" ففيهما نفس المعنى، وهو ما يدل على أن مولد المسيح، رغم كل شىء، لا يختلف عن مولد واحد كيحيى. وبالمثل نبَّه القرآن أيضا فى الآية التاسعة والخمسين من سورة "آل عمران" إلى أنه لا يختلف عن خلق آدم. أى أنه لا ربوبية فيه عليه السلام بأى معنى من المعانى، إنما هو عبد لله مثل بقية العباد.
ولنفترض بعذ هذا كله أنه "غلامٌ زَكِىٌّ" بالمعنى الذى فهمه الواعظ النصرانى، فهل معنى هذا أن الغلام الزكى لا يجوز عليه الخطأ قط؟ ترى لو قلنا إنه فلانا ذكىٌّ أو وقورٌ أو مُجِدٌّ، أيكون معنى هذا أنه هكذا فى كل صغيرة وكبيرة وفى كل لحظة؟ لا، بل المقصود أن هذا هو الغالب عليه وأنه لا يحيد عن هذا إلا على سبيل الاستثناء. وقد بينا أنه عليه السلام كان ينفعل ويلعن ويشتم، ويتحدث إلى أمه فى لهجة خشنة لا احترام فيها، ويأكل من الحقول دون إذن أصحابها، كما كان ينظر إلى نظافة اليد والفم قبل الأكل على أنها أمر معيب، مؤكدا أن الأفضل تناول الإنسان طعامه دون غسل يديه أو فمه... إلخ حسبما كتب مؤلفو الأناجيل، وإن كنا نحن المسلمين لا نصدق كثيرا مما ينسبه إليه أولئك المؤلفون من تصرفات خاطئة لا تليق برسل الله، صلوات الله عليهم أجمعين! وحتى لو قبلنا أنه كان إلها كما يقولون، فالرد هو أنه لم يكن إلها نقيا، بل كان إلها متجسدا فى هيئة إنسان، ومن ثم كان مهيأ للخطإ بين الحين والحين بصفته الإنسانية مثلما كان يخضع للجوع والعطش والحاجة إلى دخول الحمام، ومثلما كان يقلق ويحزن ويغضب ويجزع من الألم لذات السبب! بل حتى لو قلنا إن "الزكىّ" هو الذى لا يرتكب خطيئة قط، فالواقع أن هذا ليس خاصا بعيسى وحده صلى الله عليه وسلم. كيف ذلك؟ الجواب نأخذه من النص التالى الذى يتحدث فيه المسيح ذاته، وليس أحدا سواه، عن الدماء الزكية بين البشر بوصفها شيئا كثيرا غير موقوف عليه وحده، وهو موجود فى الإصحاح الخامس والعشرين من متى: "29وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ الصِّدِّيقِينَ، 30وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ الأَنْبِيَاءِ. 31فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ. 32فَامْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ. 33أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟ 34لِذلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ، 35لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ". وقد تكررت فى الكتاب المقدس تلك العبارة أو ما يشبهها، ومنها ما نقرؤه فى الإصحاح السادس والعشرين من سفر إرميا من تحذير ذلك النبى لقومه من الإقدام على قتله لمجرد أنه بلغهم رسالة ربه بما ينتظرهم من دمارٍ جراء عصيانهم وكفرهم واصفًا دمه الذى سيريقونه عندئذ بــ"الدم الزكىّ": "15لكِنِ اعْلَمُوا عِلْمًا أَنَّكُمْ إِنْ قَتَلْتُمُونِي، تَجْعَلُونَ دَمًا زَكِيًّا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى هذِهِ الْمَدِينَةِ وَعَلَى سُكَّانِهَا، لأَنَّهُ حَقًّا قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ إِلَيْكُمْ لأَتَكَلَّمَ فِي آذَانِكُمْ بِكُلِّ هذَا الْكَلاَمِ»".
ثم لقد تكرر فى القرآن المجيد الكلام عن تزكِّى هذا الشخص أو تزكيته بوصفه أمرا ممكنا جدا وليس فيه شىء خارق: ففى سورة "الشمس": "وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاّهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)"، وفى سورة "الليل": "فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لا يَصْلاهَا إِلاّ الأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلاّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى (20)". بل إن القرآن ليذكر أن النبى عليه السلام يزكّى الآخرين، أى يمنح الناس زكاة النفوس. قال تعالى فى سورة "البقرة": "كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)"، وفى سورة "آل عمران: "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164)"، وفى سورة "التوبة": "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)"، وفى سورة "الجمعة": "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2)". ثم إن فضل القرآن على عيسى عليه السلام لهو فضل عظيم، فهو الكتاب الوحيد الذى برّأ مريم عليها السلام مما شنّع اليهود به عليها وافْتَرَوْا على عرضها الافتراءات النجسة مثلهم، ووسمو ابنها بالجنون والسحر، فتصدى القرآن لهم ومجّدها وابنها أيما تمجيد، وإن لم يَعْدُ بهما رغم هذا حدود البشرية والعبودية لله الواحد الأحد، وكفّر من يؤلههما تكفيرا.
ويقول الواعظ النصرانى إنه "لا فرق بين رسالة عيسى وسلوكه، إذ عاش ما قاله، وثبت بلا لوم وبدون خطية"، إلا أن كتبة الأناجيل لهم، فيما يبدو، رأى آخر، إذ ذكروا مثلا أنه كان مارا هو وتلاميذه بحقل من الحقول، فانقضوا عليه يأكلون ملء بطونهم دون إذن من صاحبه الذى كان غائبا! وبالإضافة إلى ذلك نجده، صلى الله عليه وسلم، يأمر أحد الرجال أن يذهب إلى إحدى الحظائر ويأخذ الأتان المربوطة هناك ويأتيه بها دون إذن من صاحبها، كى يركبها عند دخوله القدس! كما أن أولئك الكتبة يجعلون أول معجزة يجريها عليه السلام هى تحويل الماء إلى خمر، أى استبدال شراب الشيطان بشراب الفطرة! وهناك موقف غير مقبول البتة نسبوا إليه فيه احتقار امرأة كنعانية أو فينيقية احتقارا مزريا غير إنسانى بالمرة، إذ أتته تلك المرأة ليشفى لها ابنتها، بيد أنه رفض لأنها، كما قال، غير إسرائيلية، وهو لم يُبْعَث إلا إلى خراف بنى إسرائيل الضالة، وقال لها فى تجبر وتكبر مهين إن الطعام الذى يحتاجه الأولاد يحرم على الكلاب، فما كان منها إلا أن قالت فى لهفة وحرقة وذلة ضارعة كى تنقذ ابنتها إن للكلاب أيضا نصيبا من الفتات المتساقط من المائدة تحت الأرجل، فعندئذ وعندئذ فقط رضى أن يشفى لها ابنتها، مع أن الشفاء لم يكن يكلفه شيئا ولا يقتضيه نَصَبًا، فهو معجزة ربانية يجريها الله على يديه دون أى مجهود! وهناك إلى جانب هذا وذاك وذلك شتائمه المجلجلة لليهود ولعنه لهم وقلبه موائدهم فى الهيكل واستخدام السوط فى إخراجهم منه، ونفيه الإيمان فى أكثر من مناسبة عن تلاميذه، و بالذات بطرس، وجفاؤه فى كلامه إلى أمه وعنها كما تقدمت الإشارة. فأين قوله الشهير عن محبة أعدائنا ومباركة لاعنينا وإدارة الخد الأيسر لمن يصفعنا على الخد الأيمن وترك الإزار بالمرة لمن يَغْصِبنا الرداء حتى نمشى فى الشوارع عرايا تماما وبلابيص نستعرض عوراتنا وسوآتنا مباهين بها؟ واضح أن هناك فجوة هائلة بين المبدإ والتطبيق ينفى صحة كل ما قاله الواعظ عن التطابق التام بين الدعوة والسلوك عنده عليه السلام. وليس هذا الكلام من لَدُنّا، بل من الأناجيل نفسها، وكل دورنا منحصر فى الإشارة إلى ما فيها هى دون تدخل من جانبنا، وإن كنا نحن المسلمين لا نصدق ما يقال عنه صلى الله عليه وسلم مما يسىء إلى صورته الكريمة.
وفى إنجيل الطفولة (THE ARABIC GOSPEL OF THE INFANCY OF THE SAVIOUR ) نُلْفِى الغلام عيسى يتصرف تصرفات مخيفة تدل على قسوة وغلظة وشراسة تتناقض مع ما يدعيه الواعظ النصرانى له صلى الله عليه وسلم. وليس المسلمون هم الذين كتبوا هذا الإنجيل، بل بعض النصارى الذين أردوا تمجيده عليه السلام والزعم بأنه إله: فمن ذلك أنه، عندما ضرب أحد صبيان اليهود الغيورين على السبت بركة الماء الصغيرة التى صنعها عيسى بيده فى ذلك اليوم المقدس عند اليهود للعب عندها وشكّل بعض التماثيل الطينية حولها كما يفعل الأطفال، قام عيسى بتجفيفه وإماتته عقابا له على ضَرْبه بقدمه الحوض الصغير وتجفيف مائه، مع أن الخطأ الذى ارتكبه هذا الصبى اليهودى ليس بالخطإ الجسيم، بل هو من وجهة نظر المتدينين باليهودية، وعيسى لم يأت بنص كلامه لينقضها بل ليكملها، إنما هو عمل محمود. فما القول فى هذا؟ وكيف يمكن الادعاء إذن بأنه، عليه السلام، كان مثالا للوداعة والتسامح وطيبة القلب والعطف على ضعف البشر؟ وهَبْ أن ذلك تصرف خاطئ من الصبى اليهودى، أكذلك تكون عقوبة ذلك الخطإ الهين، إن صح تسميته خطأ أصلا؟ ومن ذلك أيضا أن طفلا اصطدم به فى الطريق دون قصد وهو يجرى فأوقعه، فما كان منه إلا أن توعده أنه سيقع فى الأرض كما أوقعه وأنه لن يقوم من سقطته ثانية. وقد كان، إذ وقع الولد ميتًا فى الحال! فيا للتسامح والصبر والمرحمة! أترى ينبغى أن نعلل ذلك بأنه لم يكن وقتئذٍ إلها ناضجا عنده خبرة تساعده على الفهم والتسامح؟ لكنْ هل الآلهة تكبر وتنضج، وفى خلال ذلك تنقصها الخبرة مثلنا وتتخذ قراراتها فى عصبية وقسوة وضيقِ عَطَنٍ كصبيّنا الإله؟ يا لها من ألوهية هزيلة! وهاتان هما القصتان كما قرأتهما فى الترجمتين الإنجليزية والفرنسية لذلك الإنجيل:
A- "46. Again, on another day, the Lord Jesus was with the boys at a stream of water, and they had again made little fish-ponds. And the Lord Jesus had made twelve sparrows, and had arranged them round His fish-pond, three on each side. And it was the Sabbath-day. Wherefore a Jew, the son of Hanan, coming up, and seeing them thus engaged, said in anger and great indignation: Do you make figures of clay on the Sabbath-day? And he ran quickly, and destroyed their fish-ponds. But when the Lord Jesus clapped His hands over the sparrows which He had made, they flew away chirping. Then the son of Hanan came up to the fish-pond of Jesus also, and kicked it with his shoes, and the water of it vanished away. And the Lord Jesus said to him: As that water has vanished away, so thy life shall likewise vanish away. And immediately that boy dried up. 47. At another time, when the Lord Jesus was returning home with Joseph in the evening. He met a boy, who ran up against Him with so much force that He fell. And the Lord Jesus said to him: As thou hast thrown me down, so thou shall fall and not rise again. And the same hour the boy fell down, and expired".
B-" XLVI. - Un autre jour, le Seigneur Jésus se trouvait encore avec des enfants sur le bord de l'eau, et ils avaient détourné l'eau de ce ruisseau par des fossés, se construisant de petites piscines; et le Seigneur Jésus avait fait douze moineaux, et les avait arrangés, trois de chaque côté, autour de sa piscine. Or, c'était un jour de sabbat; et le fils du Juif Hanani, s'approchant et les voyant agir de la sorte: Est-ce ainsi, dit-il, qu'un jour de sabbat vous faites des figures de terre? Et accourant promptement, il détruisait leurs piscines. Mais lorsque le Seigneur Jésus eut frappé des mains sur les moineaux qu'il avait faits, ils s'envolaient en criant. Ensuite le fils d'Hanani s'approchant aussi de la piscine de Jésus pour la détruire, son eau s'évanouit, et le Seigneur Jésus lui dit: Comme cette eau s'est évanouie, de même votre vie s'évanouira; et sur-le-champ cet enfant se dessécha. XLVII. - Dans un autre temps, comme le Seigneur Jésus retournait le soir à la maison avec Joseph, il fut rencontré par un enfant qui, courant rapidement, le heurta et le fit tomber. Le Seigneur Jésus lui dit: Comme vous m'avez poussé, de même vous tomberez, et ne vous relèverez pas; et, à la même heure, l'enfant tomba et expira".
بل إنه حين بلغه مقتل أستاذه ومُعَمِّده يحيى عليه السلام نجده، حسبما يذكر مؤلفو الأناجيل أيضا، ينصرف إلى البَرِّيّة هو وتلاميذه دون أية مبالاة حيث قَضَوْا هناك وقتا يأكلون ويشربون خفيفى النفوس والضمائر لم يذرفوا عليه دمعة، وكأن شيئا لم يحدث! وفوق كل هذا فإن الشيطان قد طمع فيه وفى إغوائه، فقاده هنا وههنا وأخذ يتنقل به من رأس الجبل إلى قلب البرية إلى قمة المعبد طالبا منه هذا وذاك من المطاليب الغريبة المخالفة للإيمان مما يقول النصارى عنه إنه كان تجريبا من الشيطان له! فكيف بالله يطمع إبليس فيه كل هذا الطمع؟ أترى أبا الشياطين كان قد طعن فى السن وضعف بصره فلم يعد يميز المرئيات ولم يدرك أنه إنما يتعامل مع الله نفسه لا مع واحد من البشر؟ فكيف لم ينبهه الرب ويقول له: "يا أخى، خَلِّ فى وجهك حصاة ملح، فهذا عيب لا يليق"، ثم يصفعه قلمًا على وجهه يجعل عينيه تطقّان شررا، وحينئذ يعرف أن الله حق ولا يعود لمثلها أبدا؟ بل كيف يطيع هو أبا الشياطين ويتبعه أينما أخذه وحيثما ساقه؟ بل كيف يصرح عليه السلام بأنه ما جاء لينقض الناموس، ثم ينقض على الناموس فى التو واللحظة ناسخًا هذا التشريع أو ذاك من التشريعات التى أتى بها موسى؟ وكل ذلك معروف لمن قرأ الأناجيل، ولسنا نحن المسلمين الذين قلنا هذا، بل كتبة العهد الجديد. وقبل ذلك كله فإنه، عليه السلام، قد خالف أشد المخالفة أساس دينه وجوهره والمحور الذى يحور هذا الدين إليه ويدور عليه، وذلك حين وضعه أعداؤه على الصليب طبقا لما ورد فى الأناجيل لا لما نؤمن نحن المسلمين به، إذ يعتقد النصارى أنه، عليه الصلاة والسلام، قد جاء ليفدى البشر جميعا (البشر جميعا لا بنى إسرائيل، الذين تكرر منه القول بأنه إنما أتى لهم وحدهم، ولكى يعلّمهم لا ليكفّر عنهم خطيئاتهم ولا يحزنون!)، لكننا ننظر فنراه يجزع قبلها ويقلق ويملؤه الهم والكرب، وفوق الصليب يصرخ ويجأر مستغيثا ولا مغيث، بما يفيد أنه نسى مهمته التى نزل من أجلها على الأرض أو على الأقل: لم يستطع أن يرتفع إلى مستواها. ومعنى هذا أن سلوكه لم يكن مطابقا لما ينادى به. فإذا أضفنا ما يقوله النصارى عن ربوبيته تبين لنا أن الطامة أفظع وأفدح، إذ معنى ذلك أن هذا الرب أضعف من أن يتجنب الخطأ، مع أنه هو الذى خلق، فيما خلق، الخطأ، وكان يستطيع أن يعفى نفسه من اجتراح هذا الخطإ، وأضعف كذلك من أن يتحمل العذاب والألم، مع أنه هو الذى خلق، فيما خلق، العذاب والألم، وكان يستطيع أن يعفى نفسه من الشعور بذلك العذاب والألم، وهذا إن كان الآلهة يخطئون ويألمون ويتعذبون. وعلى يد من؟ على يد المجرمين من مخلوقاتهم! عجبا! وبالمناسبة فمن المسلمين الأوائل والأواخر من تعرضوا لمثل هذا التعذيب وتحملوه وراحوا ضحيته دون طنطنة كهذه من زملائهم ومحبيهم!
وبالمناسبة أيضا فإننا لم نكن لنحب أن نعقد مثل هذه المقارنة، ونعتقد أن الرسول الكريم ما كان لينشرح صدره بمثل هذا الكلام، لولا... نعم لولا أن بعض النصارى يتحدَّوْن المسلمين بهذه المقارنة: فتجد مثلا هذا الكتاب الذى نحن بصدده الآن منشورا فى المواقع النصرانية المختلفة، كما أن بعض القمامصة المناكيح يستفزوننا فى رسائلهم المشباكية للرد عليه وعلى أمثاله، مع التهور السفيه فى التباذؤ بحق الرسول الكريم، وإن كان مؤلفو هذا الكتاب (وهذه شهادة حق) حريصين على ألا ينزلوا إلى هذا المستنقع المنتن، وهو ما نحمده لهم ويظهر أثره فى ردنا عليهم كما لا بد أن القراء قد لاحظوا. فنحن إذن مضطرون إلى الرد على مثل تلك الاستفزازات والتحديات بين الحين والحين حتى لا يظن القراء الذين لا يحيطون بالأمر من جميع جوانبه أنه تحدٍّ صعب، مع أنه كما يرون بأنفسهم الآن ليس فيه من الصعوبة قليل أو كثير، وإن كنت أشعر بشىء من الحرج لما أسببه من ألم دون قصد لبعض الأصدقاء النصارى الذين يكاتبوننا ويبادلوننا المودة لأن هذا الكلام لا بد أن يكون له تأثير غير طيب فى نفوسهم مهما كانت سعة صدروهم وعقولهم. لكننا نعتمد رغم ذلك على حسن إنصافهم، فالهجوم على سيد المرسلين قد أضحى شغلة كل سافل لا شغلة له ولا مشغلة، وبخاصة القمص المنكوح الذى يمطرنى كل قليل بطوائف من الكتب يتحدانى أن أرد عليها جميعا، وكلما فَنَّدْتُ له بعض ما يرسله من سخافات وجهالات ولم أترك فيه قطعة متصلة بقطعة أخرى على مدى عشرات الصفحات فى منطق محكمٍ باترٍ قال ببساطة دون أن يكلف نفسه الرد على شىء مما كتبناه: دعنا من هذا وتعال إلى شىء آخر، أو إن هذا الذى كتبتَه لا يقنعنى. هكذا فى "كلمتين وبَسْ"، وكان الله يحب المحسنين! فنرجو من هؤلاء الأصدقاء أن يعذرونا ولا يظنوا أننا مغرمون بإيلامهم، بل كل ما هنالك أننا نرد على بعض هذه التحديات التى أشرنا إليها، بعضها فقط مما نرى أنه يغنى عن الباقى، وليس كلها، وإلا فلن نفرغ من الكتابة والكلام، ولن نستطيع رغم ذلك أن نغطى ولا واحدا على الألف مما يُطْرَح من استفزازات. كما أن الطرف الآخر لا يجشم نفسه الرد على ما نقول، وإذا فعل فإنه يلجأ إلى الكذب والافتراء والتلاعب بالنصوص، ولا يفصّل القول تفصيلا كما نفعل نحن دائما بحيث لا نترك ثغرة فى الموضوع دون أن نسدها فلا تبقى فاغرةً كدبر القمّص المشروم! سلامات يا قمّص!
ومما يحاول الواعظ النصرانى أن يميز به بين السيد المسيح وزملائه الأنبياء قوله: "يشهد القرآن أن لكل الأنبياء والرسل خطايا معينة، ويذكر الأخطاء لبعضهم ما عدا المسيح، فكان دائمًا بريئًا وطاهرًا". ولقد كنا نود لو أنه ذكر الخطايا التى ادعى أن القرآن سجلها على الأنبياء، لكنه لم يفعل، وهو لم يفعل لأنه لا يذكر الحقيقة، لا نقول: كذبا منه وبهتانا، بل نقول: نسيانا منه أو خلطا بين القرآن والكتاب المقدس، الذى ينسب لهم كل طامّة وطامّة من النوع الثقيل الذى لا يحتمل، وكأن الأنبياء والرسل هم عصابة من المجرمين العتاة: فمنهم القاتل، ومنهم الزانى، ومنهم السِّكّير، ومنهم المخادع، ومنهم مُضاجِع المحارم، ومنهم المشارك فى الوثنية، ومنهم المُهَـئُِّ جوها ومباركها لمن يريد ممارستها من زوجاته، ومنهم من يَنْظِم الغزل الشهوانى الفاجر الداعر، ومنهم من يجدّف فى حق الله... وهلم جرا، بخلاف القرآن، الذى لم يذكر شيئا إلا عن موسى حين قتل المصرى عن غير عمد واستغفر ربه فى الحال فغفر له جل وعلا، وإلا ما قاله فى حق ذى النون عندما ضاق ذرعا بقومه يأسا من صلاح حالهم فتركهم ومضى، فكانت النتيجة أن التقمه الحوت حيث بقى فى بطنه يعانى بُرَحاء الهم والكرب إلى أن تجلى الله عليه برحمته. وهذه أو تلك، كما نرى، ليست خطيئة، إذ إن قَتْل المصرى لم يكن مقصودا، بل كان على سبيل الخطإ، وتدارَك موسى الأمر فى الحال فاستغفر ربه من أعماق قلبه نادما مرتجفا مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم عازما على أن يكون أكثر تنبها فى المرات القادمات وألا يكون ظهيرا للكافرين البتة. وكان الله عند حسن ظنه به فغفر له لمعرفته سبحانه أنه غير ملوم. كما أن ذا النون لم يقترف خطيئة ولا خطأ، بل كل ما وقع منه أنه ترك قومه يأسا منهم بعدما ذاق الأمرين فى دعوتهم إلى دينه دون ثمرة، وكان ينبغى ألا يفارقهم إلا بعد أن يأذن الله له. وهذا كل ما هنالك، فلا خطيئة إذن. ذلك أن الأنبياء والرسل هم صفوة خلق الله الذين اختارهم سبحانه من بين البشر، فلا يعقل أن يكونوا بهذا الخلق الإجرامى المنحط، وإلا فقل: على النبوة العفاء. وهذا منطقى تماما، لأنه إذا كان الأنبياء لا يتميزون عن سواهم من الناس وكانوا قابلين للوقوع فى الجرائم والخطايا (لا الأخطاء التافهة التى لا يمكن البشر الفكاك منها مطلقا) فلا داعى إذن ولا معنى لشىء اسمه النبوة. ولينصرف كل نبى إلى حال سبيله ليصلح من شأنه، وهيهات! وعلى هذا فسكوت القرآن عن ذكر خطايا عيسى لا يعنى أنه انفرد من بين إخوانه الرسل بهذا، بل هذا هو موقف القرآن منهم جميعا بوجه عام.
ونعود، كما وعدنا، إلى قول واعظنا عن النبى محمد عليه الصلاة والتسليم: "لما كان محمد فتىً أتى إليه ملاكان وطهرا قلبه. وفي هذا يقول القرآن: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ - سورة الانشراح 1- 3. ومنذ ذلك الوقت أصبح له اللقب الشريف المصطفى فلم يكن صافيًا وطاهرًا في ذاته، إنما أخذ الملاكان الوزر من قلبه تطهيرًا. لقد احتاج محمد إلى عملية جراحية للقلب لتنقية فؤاده قبل أن يصبح نبيًّا ورسولا لله. اعترف محمد شخصيًا ثلاث مرات في القرآن بأن كان يجب عليه استغفار ربه: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار- غافر 55. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ- محمد 19. وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهُ مَفْعُولاً- الأحزاب 37. ويظهر أن أكثرية المسلمين يرفضون هذه الحقيقة ويؤولونها. إنما القرآن هنا واضح ويتكلم بصراحة. كان محمد إنسانًا طبيعيًّا مولودًا من والدين طبيعيّين، فعاش حياة الفِطرة، وأخطأ مثلنا واستغفر ربه عن ذنوبه وخطاياه. أما المسيح فوُلد من روح الله، وهو كلمة الله المتجسِّد، وعاش قُدّوسًا وطاهرًا منذ حداثته".
ونبدأ بتفسير الواعظ لقوله تعالى: "أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ"، الذى فسره بأن الملاكين قد جاءاه وهو صبى صغير فى كَنَف حليمة السعدية حسبما يروى بعض كتاب السيرة، فاستخرجا قلبه وغسلاه وطهراه وأعاداه مكانه الأول. والحق أنه لو كان الأمر كذلك فمعنى هذا أن محمدا قد تم تطهيره قبل أن يرتكب أى خطإ، ومعنى هذا بدوره أنه صلى الله عليه وسلم كان أحسن حظا من أخيه عيسى، الذى ظل دون عماد (أى ظل يعيش فى كنف الخطيئة) إلى أن تجاوز الثلاثين حسب كلام كتاب الأناجيل. ذلك أن التعميد فى النصرانية إنما هو لتطهير المتعمِّد من الخطايا ومساعدته على التوبة. وهذا واضح تماما من النص التالى الذى ننقله من بداية الإصحاح الثالث من إنجيل متى: "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ 2قَائِلاً: «تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ. 3فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً». 4وَيُوحَنَّا هذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ. وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا. 5حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ، 6وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ. 7فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ:«يَاأَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ 8فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. 9وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ. 10وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. 11أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. 12الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ».13حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ. 14وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلاً: «أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!» 15فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ. 16فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، 17وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً:« هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ»".
وأرجو أن نلاحظ معا كيف أنه لم يتم اعتراف السماء ببنوّة عيسى لله حسب اعتقاد النصارى إلا بعد التعميد، أى بعد أن تم تطهيره وتوبته، أما قبل ذلك فلا. كما أنه، بعد أن وقع التطهير من الخطايا، جاء الشيطان ليجربه فثَبَتَ، من خلال عصيانه لهذا الشرير، أن التعميد قد أتى بمفعوله، وإن لم يمنعه هذا من اللامبالاة فيما بعد بالقبض على يحيى (أستاذه ومعمِّده) وحبسه وقتله، إذ انطلق هو وحواريوه بعد قطع رقبة يحيى عليه السلام إلى البرّية يأكلون ويشربون دون أن يذرفوا عليه دمعة أو يقولوا عنه كلمة تدل على أنه محط اهتمامهم، وكأن يحيى لم يُجْزَرْ على مقربة منهم شرَّ جَزْر! كما أن تعميده، عليه السلام، لم يمنعه مثلا من توضيح أنه ما جاء لينقض الناموس (الذى أكد أنه لن يزول حرف واحد أو حتى نقطة على حرف منه إلى أن تزول السماوات والأرضون، أى إلى يوم القيامة)، لينقضّ فى الحال على عدد من أحكامه فيلغيها إلغاء كما هو مسجل فى الإصحاح الخامس من متى، مناقضا بذلك نفسه مناقضة لا يمكن تسويغها بأى حال، ومدينا نفسه إدانة لا تغتفر حسب كلامه هو ذاته، إذ قال إن من ينقض أحد أحكام ذلك الناموس يكون أصغر فرد فى ملكوت السماوات: "17«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. 18فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. 19فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. 20فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ". وهذه خطيئة، وأى خطيئة! كذلك فإنه، عليه السلام، فى الوقت الذى شدد فيه على تلاميذه أنه يجب عليهم أن يحبوا أعداءهم ويباركوا لاعنيهم ولا يكتفوا بحب من يحبونهم فقط، نراه عقب ذلك فى نفس الخطبة يلتفت إليهم وإلى من تبعه من الجموع متهما لهم بقلة الإيمان (متى/ 6/ 31، و8/ 26)، ومناديا كل واحد منهم بــ"يا مرائى" (7/ 5)، وواصفا إياهم بأنهم "أشرار" (7/ 11). وقد تكرر منه هذا وأشباهه وأشد منه فى مواضع مختلفة من الأناجيل كما نعلم جميعا. ثم إنه كان يصلى ذات مرة فسأله أحد تلاميذه أن يعلمهم كيف يصلون فعلمهم الصلاة على النحو التالى كما فى الإصحاح الحادى عشر من إنجيل لوقا: "1وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ، لَمَّا فَرَغَ، قَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: «يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا عَلَّمَ يُوحَنَّا أَيْضًا تَلاَمِيذَهُ». 2فَقَالَ لَهُمْ:«مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ، لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ. 3خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا كُلَّ يَوْمٍ، 4وَاغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا نَغْفِرُ لِكُلِّ مَنْ يُذْنِبُ إِلَيْنَا، وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ»"، فما معنى أمره لهم بأن يقولوا مثله: "وَاغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا"؟ معناه أنه كان يطلب من الله أن يغفر له خطاياه. وعلى كل فقد حسمها المسيح عليه السلام عندما صرح قائلا: "11اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (متى/ 11). أى أن يحيى، حسب حكمه هو، أفضل منه. أليس عيسى واحدا من الذين ولدتهم النساء؟ كذلك حسمها عليه السلام عندما "18سَأَلَهُ رَئِيسٌ قِائِلاً:«أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» 19فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" (لوقا/ 18).
والآن ما هى الذنوب التى ارتكبها محمد عليه الصلاة والسلام فى نظر واعظنا الموقَّر؟ لنتركه يقول ما عنده بنفسه: "اعترف محمد شخصيًا ثلاث مرات في القرآن بأن كان يجب عليه استغفار ربه: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار- غافر 55. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ- محمد 19. وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهُ مَفْعُولاً- الأحزاب 37. ويظهر أن أكثرية المسلمين يرفضون هذه الحقيقة ويؤولونها". هذا ما قاله الواعظ، والآن إلى القارئ الكريم تعليقنا على هذا الذى قاله: فأولا محمد عليه الصلاة والسلام لم يعترف فى القرآن بشىء، بل هو كلام الله لا كلام الرسول. وثانيا ما هى يا ترى تلك الذنوب التى عزاها الواعظ إلى رسول الله تحديدا؟ الواقع أنه لا يوجد شىء من هذا القبيل على الإطلاق، فلا الرسول قد زنى مثلا ولا أراق دما زكيا ولا كذب على أحد ولا حقد عليه ولا أوقع بين أحد من البشر ولا تهاون فى تبليغ الدعوة التى كُلِّف بها ولا حاد عنها وقَبِل من الوثنيين وثنيتهم ولا شرب خمرا ولا سرق ولا استبد بالناس وروّعهم ولا أجحف بحقوقهم ولا ولا ولا مما لم يترك مؤلفو الكتاب المقدس أحدا من الأنبياء إلا زَنُّوه بشىء منه أو أكثر كما يعرف كل من قرأ ذلك الكتاب، وإلا فليدلّنا الواعظ النصرانى على أى مصدر يقول إن الرسول قد أتى أمرا من هذه الأمور! الحق أنه لا يوجد شىء من ذلك لا فى القرآن ولا فى الأحاديث ولا فى كتب السيرة والتاريخ.
إن استغفار الإنسان ربه إنما هو دليل الإيمان القوى به والخشية الشديدة منه والرجاء الكبير فيه سبحانه، وليس شرطا حينئذ أن يكون قد اجترح إثما، بل يمكن جدا أن يكون، كما فى حالة الرسول محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، قد اجتهد فلم توافقه السماء على اجتهاده، كما حدث مثلا حين أتاه أحد المسلمين وهو يحادث بعض الكفار العتاة فى جلسة هادئة رجا منها أن يكونوا أفضل إنصاتا، ومن ثم أحرى أن يهتدوا إلى الحق بعيدا عن مؤثرات الجماهير وأصوات العصبية، فبان فى وجهه صلى الله عليه وسلم شىء من عدم الارتياح ظنا منه أنه سيفسد جو الجلسة التى لم يكن يطمع فى أفضل منها، فنزل القرآن معاتبا له عليه السلام. فإن شئت أن تأخذ بما يقوله بعض المفسرين من أن الكلام فى الآيات موجه له فليكن، فهذا كل ما يمكن أن يقال عن الذنب الذى وقع منه صلى الله عليه وسلم مما ينبغى أن يستغفر ربه منه، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين كما يقال. وهو، كما نرى، أمر من التفاهة بمكان، لكن الرسول إنما يحلق فى أفق آخر لا نظير له فى السمو والسموق، فكان لا بد من الاستغفار. وهذا إن أخذنا بذلك التفسير، ولم يكن الانتهار موجها إلى أحد الكفار الحاضرين لا إليه صلى الله عليه وسلم كما يقول بعض العلماء الآخرين.
أما مسألة زينب وزواجه صلى الله عليه وسلم بها فلنفترض أسوأ ما يمكن أن يكون قد حصل، وهو أنه عليه السلام قد رآها فوقعت فى نفسه وأحبها، فما الذى حدث عندئذ؟ الذى حدث هو أنه صلى الله عليه وسلم كتم هواه، ولم يستجب للعرض الذى عرضه عليه زيد زوجها بأن يطلقها ليتزوجها هو. فما وجه الخطإ هنا؟ هل يلام عليه السلام فى شىء لا مسؤولية فيه عليه؟ إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، ولا تدخل فى سلطان صاحبها ولا تخضع لسيطرته، ومن ثم فلا ملام عليه فيما يشعر به فى مجال المشاعر والعواطف، والمهم ألا يستجيب لدواعى الشهوة فينغمس فى الحرام أو على الأقل: فيما لا يليق. فهل صدر عنه صلى الله عليه وسلم شىء من هذا؟ لا ثم لا ثم لا. فما المشكلة إذن؟ وهذا إن كان الأمر كما افترض بعض من يظنون أنهم يستطيعون الإساءة إليه، وسايرتُهم أنا فيما افترضوه.
لكن الحكاية الحقيقية تختلف عن هذه تماما، إذ كانت العلاقة بين زيد وزوجته يسودها التوتر منذ البداية لأنها كانت تشعر أنها من أعز قبيلة عربية، وهى قبيلة قريش، بينما زيد من قبيلة بنى كلب المغمورة، فضلا عن أنه خَبَرَ الرِّقّ فى بعض أطوار حياته، فكان زيد يخبر النبى بأنه لم يعد يرى فى الاستمرار فى الزواج أى معنى، لكن النبى كان يَثْنِيه عن عزمه هذا، على حين تريد السماء منه أن يتزوج زينب بعد تطليق زيد لها حتى يقضى على التقليد الغريب الذى كان يرى فى الابن المتبنَّى نفس حقوق الابن الطبيعى وما يترتب على وضعه من أحكام تشريعية وأوضاع اجتماعية، وهو ما كان النبى يخشاه، خوفا من انتقاد المنتقدين وتشنيع المشنّعين. وهنا نزلت الآية الخاصة بذلك الموضوع من سورة "الأحزاب" والتى تعاتبه على أنه يخشى الناس والله أحق أن يخشاه. وتمامها: "فلما قضى زيدٌ منها وَطَرًا (أى تزوجها ونال منها ما يناله الرجل من زوجته) زوّجْناكها لكيلا يكون على المؤمنين حَرَجٌ فى أزواج أدعيائهم إذا قَضَوْا منهن وَطَرًا". فواضح من الآية أنه لا علاقة بينها وبين ما يتقوله المتقولون على النبى عليه السلام مما لا مطعن فيه مع ذلك عليه، بل له الشرف كل الشرف أنْ استطاع أن يكتم مشاعره ولم يسمح لها بالاشْرِئْباب رغم ما عرضه عليه زيد من تطليق زينب كى يتزوجها عليه السلام. نخرج من هذا كله بأن أقصى ما يمكن أن نتصور وقوعه منه صلى الله عليه وسلم مما استوجب استغفار ربه هو تصرفه نحو ابن أم مكتوم حين عبس وتولى بوجهه رجاء أن ينصرف ويأتيه فى وقت آخر لا يكون حاضرا فيه ذلك النفر من المشركين الذين كان يطمع فى حسن إصغائهم لما يقول وإيمانهم به، على حين يستطيع ابن أم مكتوم أن يطرق بابه فى أى وقت آخر ليسأله عما يريد. أما هؤلاء المشركون فنادرًا ما كانت تتاح له معهم مثل تلك الفرصة السانحة! وهذا، بكل يقين، أقل بكثير مما ذكرنا وقوعه من المسيح عليه السلام.
5- الوحي لمحمد والمسيح:
* تلقى محمد الوحي بواسطة الملاك جبرائيل الروح الأمين. ورد في الأحاديث الصحيحة أنه كان إذا نزل عليه الوحي يُغْشَى عليه. وفي رواية: يصير كهيئة السكران. يعني: يقرب من حال المغشي عليه لتغيّره عن حالته المعهودة تغيّرًا شديدًا حتى تصير صورته صورة السكران. وقال علماء المسلمين إنه كان يُؤخذ من الدنيا. وعن أبي هريرة: كان محمد إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة. وفي رواية: كرب لذلك وتربَّد له وجهه وغمّض عينيه، وربما غطّ كغطيط البكر. وعن عمر بن الخطاب: كان إذا نزل عليه الوحي يُسْمَع عند وجهه كدويّ النحل. وسُئل محمد: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّ عليّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال . وأجمع علماؤهم على أن محمدًا كان يجد ثقلا عند نزول الوحي ويتحدر جبينه عرقًا في البرد كأنه الجُمَان، وربما غط كغطيط البكر، محمرة عيناه . وعن زيد بن ثابت: كان إذا نزل الوحي على محمد ثقل لذلك. قال: ومرة وقع فخذه على فخذي، فوالله ما وجدت شيئًا أثقل من فخذ محمد. وربما أُوحِيَ إليه وهو على راحلته فترعد حتى يظن أن ذراعها ينقسم، وربما بركت . فالله لم يكلم محمدًا شخصيًّا، بل أوحى له بواسطة الملاك جبرائيل فقط، فكان الله بعيدًا عنه حتى أثناء الإيحاء. لم يرسل الله الملاك جبرائيل إلى المسيح البتَّة، ولم يتقبل المسيح وحيًا بواسطة شخص ثالث، لأنه كان نفسه قول الحق المتجسد- سورة مريم 19:34، وكلمة الله الأزلي، وروحًا منه، منبثقًا من الله نفسه عارفًا إرادته. فإن أراد أحد أن يتعمق في مشيئة الله فليدرس سيرة المسيح لأنه كلمة الله القدير المتجسد. يخبرنا القرآن أن الله ذاته علَّم المسيح قبل تجسده الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ والتَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ- آل عمران 3. فلم يتكلم إلا بكلام الله، وكان ينطق حسب القرآن بالوحي فورًا بعد ولادته معزيًا أمه ومرشدًا إياها: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا- سورة مريم 24- 26. لقد تكلم المسيح حسب القرآن بكلمة الله وهو طفل بغير حاجة إلى ملاك أو وسيط لأنه كان فم الله وروحه ووحيه شخصيًا. لذلك عملت قوة الله في ابن مريم ظاهرة في الخلق والشفاء والغفران والتعزية والتجديد. إن خلاصة الوحي لمحمد في القرآن والحديث هي الشريعة التي تتضمن الأوامر والنواهي الإلهية: فوحي محمد أتى بكتاب: القرآن والشريعة، أما خلاصة الوحي للمسيح فهي ذاته لأن إنجيله ليس شريعة بل إعلان حياته وأقواله ووصف شخصيته. وقد منح المسيح أتباعه قوة روحه القدوس لإتمام وصاياه. فأتباع المسيح لا يؤمنون بالدرجة الأولى بكتاب ولا بدين ولا يعيشون تحت الشريعة، بل يؤمنون بشخص فريد، ويتعلقون بالمسيح شخصيًّا ويتبعونه. فالمسيح هو وحي الله بالذات.
** هذه الفقرة مملوءة باللخبطات والتناقضات والكلام الكبير الذى ليس وراءه طائل: ولنبدأ على بركة الله: أولا الملاك جبريل، أى الروح الأمين حسبما جاء فى كلام الواعظ، هو هو الروح القدس، فقد جاء فى سورة "الشعراء" خطابا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)"، وهو نفسه ما نقرؤه فى سورة "النحل" حيث يقول رب العزة لرسوله محمد عليه الصلاة والسلام: "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)". والآن هل صحيح أن الروح القدس لم يكن له دور فى حياة السيد المسيح كما يزعم الواعظ هنا؟ سأترك "دائرة المعارف الكتابية" نفسها تتولى الجواب على هذا السؤال، إذ نقرأ فى مادة "الروح القدس" ما يلى:
"بدأ عصر الانجيل بتحرك خاص من الروح القدس، فنقرأ عن يوحنا المعمدان السابق للمسيا أنه "من بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" (لو 1: 15 و80)، وبوحي من الروح أدرك سمعان الشيخ ظهور المسيا في شخص الطفل يسوع (لو 2: 52)، كما أن الملاك أعلن ليوسف أن الذي حُبِل به في مريم "هو من الروح القدس" ( مت 1: 20)، وبذلك تأيدت العبارة السابقة: "وُجِدَتْ حبلى من الروح القدس (مت 1: 18). وهكذا قال الملاك للعذراء مريم: "الروح القدس يحلّ عليك، وقوة العَلِيّ تُظِلّك. فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى: ابن الله" (لو 1: 35). وعندما كان يسوع في الثلاثين من عمره جاء ليعتمد من يوحنا المعمدان، وكما حُبِل بيسوع بالروح القدس فولد "قُدُّوسا" هكذا نزل عليه، عند المعمودية، الروح القدس "بهيئة جسمية مثل حمامة" إعلانا بأنه المسيا القدوس (مت 3: 16 ، لو 3: 22). ولعل الرسول بطرس كان يشير إلى هذه الحادثة في حديثه الأول للأمم عن "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة" (أع 10: 38 ). ويشير يوحنا إلى ذلك بالقول: "لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله، لأنه ليس بكيل يعطي الله الروح" (يو 3: 43). وكانت قوة الروح القدس واضحة في حياة يسوع وخدمته، فبعد صعوده من الماء مباشرة أخرجه الروح إلى البرية حيث واجه المجرب (مت 3: 1 – 3، مرقس 1: 12 و13، لو 4: 1 – 3)، وغلبه بقوة الروح القدس باعتباره "آدم الأخير"، أي الإنسان الكامل. وقد نسب الرب قدرته على إخراج الأرواح النجسة إلى الروح القدس (مت 12: 28). وهكذا كان الأمر بالنسبة لتعليمه، فقد مسحه الروح القدس ليبشر المساكين ولينادي للمأسورين بالإطلاق (لو 4: 18). وطوال خدمته هنا على الأرض كان الناس ينبهرون من تلك القوة العجيبة التي له حتى قالوا: "إنه مختل" (مرقس 3: 21)، كما "بهتوا من تعليمه لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان" (مرقس 1 : 21). كما كان يبدو أحيانا متجاهلاً لحاجاته الجسدية (يو 4: 31) حتى قال البعض عنه: "إنه سامري، وبه شيطان" (يو 8: 48). وعندما رجع السبعون من جولة كرازية ناجحة "تهلل يسوع بالروح" (لو 10: 21). وقد يسأل البعض هذا السؤال: إذا كان يسوع هو الله الابن، فلماذا كان في حاجة إلى قوة الروح القدس لإتمام خدمته؟ ويرجع جانب من الجواب إلى ناسوته الكامل الذي أخذه في تجسده، فلم يقلل من ناسوته كونه الله، فلم تحجب قدرته الالهية ناسوته، فهو كإنسان كامل عاش معتمدًا على روح الله. فيسوع، إذ صار إنسانا، كان يعتمد على روح الله الحالّ فيه، ولهذا فهو في تدبير الخلاص أخذ دور المسيا، أي الذي مسحه روح الله، وفي نفس الوقت كان مدركا لسلطانه الإلهي المطلق، فهو لم يكن كسائر الأنبياء، فلم يقل: هكذا يقول الرب، بل: الحق الحق أقول لكم".
ومن هذا النص الذى اعتمد تمام الاعتماد على ما ورد فى العهد الجديد، وبالذات الأناجيل، نرى أن الروح القدس لم يترك عيسى بن مريم بتاتا فى أى أمر من أموره، على عكس ما يقول واعظنا الطيب الذى على نياته (وأكتفى بهذا فلا أصفه بشئ آخر)، حتى إن كاتب المادة يقول بعظمة لسانه: "إذا كان يسوع هو الله الابن، فلماذا كان في حاجة إلى قوة الروح القدس لإتمام خدمته؟"، وهو سؤال لا معنى له إلا أنه المسيح رغم كونه إلها كان بحاجة إلى الروح القدس! فلماذا، يا واعظنا الطيب الذى على نياته، ترى أن نزول روح القدس على سيدنا محمد هو نقصٌ فيه وفى رسالته، وهو الذى لم يدَّعِ يوما ولا ادّعى عنه أتباعه أنه إله أو ابن للإله أو فيه شىء مما يختص به الإله، فى الوقت الذى يحتاج المسيح (الإله أو ابن الإله حسب اعتقادكم) إلى الروح القدس فى كل خطوة من خطواته، وهذا إن كان الآلهة يمشون ويَخْطُون؟ فهل ترى أن محمدا يفترق عن الإله عندكم؟ ولسوف نرى أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل سيتبين أن محمدا، رغم الأخوة التى تربطه بعيسى وكل الأنبياء، قد فضّله الله على جميعهم، بما فيهم عيسى، بأشياء لا يمكن لمن عنده بعض إنصاف أن يمارى فيها. ولْننتظر، فكل شىء بأوانه. ومع ذلك كله فليس نزول الوحى على محمد أو على عيسى عليهما السلام عن طريق الروح القدس معناه أن الله كان بعيدا عنهما، فالله ليس بعيدا عن أى من مخلوقاته، بل هو سبحانه لا يوصف فى الحقيقة بقرب ولا بعد، لأنه فوق الزمان والمكان، إذ هو خالقهما، وهو سبحانه وتعالى أقرب لنا جميعا من حبل الوريد، وهو معنا حيثما كنا، فكيف برسله الـمُصْطَفَيْنَ الأخيار؟ أما أن محمدا عليه السلام كان يعانى عند نزول الوحى فلنعرف أنه على قدر ضخامة المسؤولية يكون العناء، ولم تكن رسالة محمد، كما هو الحال فى دين عيسى طبقا لما نقرؤه فى الأناجيل، بعضا من المواعظ الأخلاقية الخالية من التشريعات والتوجيهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، أو رسالة قبلية أو قومية مؤقتة، بل كانت رسالة شاملة لكل مناحى الحياة، وموجهة إلى البشر جميعا منذ أن نزلت إلى يوم يُبْعَثون.
ونأتى إلى قول واعظنا الطيب الذى على نياته: "لم يرسل الله الملاك جبرائيل إلى المسيح البتَّة، ولم يتقبل المسيح وحيًا بواسطة شخص ثالث، لأنه كان نفسه قول الحق المتجسد- سورة مريم 34، وكلمة الله الأزلي، وروحًا منه، منبثقًا من الله نفسه عارفًا إرادته. فإن أراد أحد أن يتعمق في مشيئة الله فليدرس سيرة المسيح لأنه كلمة الله القدير المتجسد. يخبرنا القرآن أن الله ذاته علَّم المسيح قبل تجسده الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ والتَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ- آل عمران 48". فأما الجزء الأول من كلامه فقد أثبتنا من كلام علماء النصارى فى "دائرة المعارف الكتابية" أنه غير صحيح البتة، وتبقى دعواه بأن القرآن يقول عن عيسى عليه السلام فى سورة "مريم" إنه "قول الحق المتجسد"، فهل هذا صحيح؟ تعالَوْا نقرا معا ما جاء فى تلك السورة:
"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)".
والمعنى، كما يفهمه الناطقون بالعربية، أن ما روته الآيات هنا عن السيد المسيح إنما هو قول الحق لا ما يقوله الممترون المؤلهون له الزاعمون أنه الله نفسه أو ابن الله. أى أن هذا هو وضع عيسى حسب قول الحق لا أن عيسى نفسه هو قول الحق. ومن هنا عقَّبت الآيتان اللتان تليان ذلك بقولهما على لسان عيسى ذاته: "مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)". لكن الواعظ الطيب الذى على نياته يحاول أن يحرف المعنى عن مواضعه، وهيهات! فعيسى ينفى أن يكون الله قد اتخذ ولدا أو يمكن أن يتخذ ولدا، كما يؤكد عليه السلام أن الله هو ربه ورب البشر جميعا وليس أباه، فضلا عن أن يكون هو هو نفسه! ومع ذلك فإن نيافة الواعظ الطيب الذى على نياته يظن أنه من الذكاء بحيث يستطيع خداع المسلمين عما يقوله القرآن. فهل هذا يصح يا نيافة الواعظ المبجَّل؟ ولنفترض أن عيسى هو نفسه قول الحق، فما الذى يترتب على ذلك مما يريد واعظنا الطيب الذى على نياته أن يرتبه له؟ لا شىء، فنحن كلما استشهدنا بنص قرآنى ردّدْنا عبارة "قال الله تعالى"، بما يعنى أن الآية أو الآيات القرآنية المستشهد بها هى "قول الله"، لكن هذا لا يجعل قول الله ذاك هو الله ذاته، مثلما أننا نحن البشر خلق الله، لكن هذا لا يجعلنا نحن الله. إن إضافة الشىء هنا إلى الله لا يجعل ذلك الشىء هو الله نفسه كما هو واضح وضوح الشمس! فقول الله ليس هو الله، وخلق الله ليس هو الله! بل نحن هنا أمام طرفٍ فاعلٍ وطرفٍ مفعولٍ لا أمام طرفٍ واحدٍ وذاته، ولا أدرى أى شيطان قد سوَّل لذلك الواعظ أن يهرف بما لا يستقيم فى العقل ولا فى اللغة!
كذلك فإن قول واعظنا المبجل إن "القرآن يخبرنا أن الله ذاته علَّم المسيح قبل تجسده الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ والتَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ- آل عمران 48" هو أيضا قول غير صحيح، إذ ليس فى القرآن هنا ولا فى أى مكان آخر منه أى كلام عن التجسد لتناقضه الأبلق مع دعوته التوحيدية السمحة المستقيمة. ولنرجع إلى سورة "آل عمران" التى نقل منها الواعظ ما نقل لنقرأ النص فى سياقه كاملا: "إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)". والآن هل يستطيع عاقل أن يجد فى تلك الآيات أى كلام أو حتى مجرد إشارة إلى التجسد، أو أى شىء يمكن أن يفهم منه، ولو على سبيل التوهم من بعيد، أن الله قد علم عيسى التوراة والإنجيل وهو لا يزال فى بطن أمه؟ ترى هل فى بطون الأمهات كتاتيب ورياض أطفال ومدارس وجامعات؟ ليس فى النص أى شىء يستدل به على أن ذلك التعليم تم قبل ولادة عيسى عليه السلام، بل النص واضح الدلالة على أن وجاهته وتكليمه الناس فى المهد وفى الكهولة وتعليمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإرساله إلى بنى إسرائيل، كل ذلك سوف يتم بعد ولادته. ولنلاحظ، فيما يخص تعليمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، أنه معطوف على تكليمه الناس فى المهد وفى الكهولة، وتكليمه الناس فى المهد وكهلا لم يتم إلا بعد نزوله بطن أمه، كما أن الفعل هنا هو نفسه هناك، ألا وهو الفعل المضارع بما لا يمكن أن يقال معه إن لكل من الأمرين زمنا خاصا يختلف عن زمن وقوع الآخر، كما أن المضارع لا يدل على الزمان الماضى فى مثل هذا السياق أبدا. وهذا كله مما يستحيل معه أن يكون تعليم الله لعيسى الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل قد تم وهو لا يزال فى عالم الرحم ولم ينزل إلى الدنيا! ثم كيف يتم تعليم قبل أن يوجد المتعلم؟ إن هذا لهو المستحيل بعينه. لا بد أن يوجد المتعلم أولا ليكون ثَمّ تعليمٌ ثانيا. هذه بديهية لا يغتفر تجاهلها! لكن متى كان القوم يراعون البديهيات أو يحترمون المنطقيات؟
وبالنسبة إلى ما ذكره الواعظ فى المقارنة بين الدينين: دين محمد ودين عيسى، وما جاء به هذان العظيمان، نقول إننا لا نختلف معه كثيرا فيما قاله من أن "وحي محمد أتى بكتاب: القرآن والشريعة، أما خلاصة الوحي للمسيح فهي ذاته لأن إنجيله ليس شريعة بل إعلان حياته وأقواله ووصف شخصيته". ذلك أن الإسلام شريعة وليس مجرد عبادة أو مجموعة من الأخلاق، وهذه الشريعة تغطى كل جوانب الحياة وأنشطة الحضارة البشرية كما هو معلوم، أما دين عيسى فلا يعدو بعض الوعظيات المغرقة فى المثالية والتى لا تصلح لأى بناء اجتماعى أو حضارى على الإطلاق. ومن هنا نفهم تأكيد السيد المسيح بأن مملكته ليست من هذا العالم، فهى عبارة صادقة، إذ إن ما نسبه إليه مؤلفو الأناجيل من مواعظ أخلاقية هى كلمات لا تسمن ولا تغنى من جوع، كما أن التصرفات المضافة له هناك من شأنها أن تقوض المجتمعات التى تحاول أن ترتكن إليها: فمثلا كيف يقوم مجتمع أو حضارة على نبذ العمل والمال تماما طبقا لما كان عيسى يأمر به أتباعه؟ أو كيف يقوم مجتمع أو حضارة على أساس التسليم للمجرمين لا بما يريدون فقط بل بأزيد مما كانوا يحلمون بحيث إذا هاجمك لص مثلا وأراد غَصْبك رداءك فعليك أن تتنازل له عن الإزار أيضا... إلى آخر ما نعرفه عن موعظة الجبل وما يشبهها من الكلام المنمَّق الجميل فى الأناجيل الذى لا يؤكّل عيشا. وبالمناسبة فالإزار هو قطعة الملابس التى تغطى الجزء الأسفل من الجسم، ومن هنا يرانى القارئ أقول دائما إن عليه فى هذه الحالة أن يمشى "بلبوصا"! ومعنى هذا أن من يهاجم رجلا يتمشى على شاطئ النيل بصحبة امرأته وابنته وخطف منه البنت "وطلع يجرى" أن ينادى عليه ويعطيه امرأته أيضا، ثم يخلع هدومه ويتسلق سور النيل ويلقى بنفسه فى اليم فبغرق ويستريح. وأخيرا فلسنا نحب أن يفوتنا التنبيه إلى قول الواعظ، وهو يتخبط فى كلامه عن المسيح من فقرة إلى أخرى، بل من سطر إلى سطر أحيانا، إن "المسيح هو وحي الله بالذات"، وهو ما يفيد أنه عليه السلام ليس هو الله. ذلك أن وحى الله شىء، والله شىء آخر. أم هناك من يُقِلّ عقله ويمارى فى هذا؟ وعلى كل حال فالحمد لله الذى لا يحمد على مكروه ولا محبوب سواه أن اختزل الواعظ الكريم السيد المسيح بجلالة قدره إلى مجرد وحى!
وعلى كل حال فليس عيسى هو وحده الذى كان "يقول"، بل هذا أمر عام عند الأنبياء الآخرين، إذ كانوا هم أيضا "يقولون". وهذه بعض شواهد: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (الأنعام/ 74)، "فَلَمَّا رَأَى (أى إبراهيم) الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ* وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ" (الأنعام/ 78- 82)، "لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قَالَ الْمَلا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ* أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ* وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ* قَالَ الْمَلا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ* قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ* أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ* فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ* وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ" (الأعراف/ 59- 74)، "وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ* حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (الأعراف/ 104- 105)، "قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" (الأعراف/ 128- 129).
أما بالنسبة للرسول محمد فإلى القارئ الآيات القرآنية التالية: "وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آَلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ* بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ" (آل عمران/124- 125)، "وَلَئِنْ قُلْتَ (يا محمد) إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ" (هود/ 7)، "قَالَ (أى النبى محمد) رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (الأنبياء/ 4)، إلى جانب آيات أخرى يأمر فيها الله سبحانه نبيه محمدا أن يقول لقومه كذا وكذا، وهى آيات كثيرة جدا. وهذا فى القرآن، والأناجيل إنما تشبه سيرة النبى، ومن ثم فكلام عيسى بن مريم فيها لا يناظر ما جاء منسوبا للنبى محمد فى القرآن، بل يناظر كلامه عليه السلام فى السيرة وفى الأحاديث. ومعروف أن الأغلبية الساحقة من أحاديثه صلى الله عليه وسلم تبدأ بعبارة "قال رسول الله"، وكلها فى العقيدة والتشريع والتوجيه الأخلاقى والسلوكى. ولو قمنا بعمل مقارنة بين عدد الأحاديث والخطب النبوية ونظائرها عند السيد المسيح عليه السلام لرجحت كفة النبى محمد بلا أدنى جدال. وإذا أردنا عبارة "أقول لكم" التى وردت فى كلام السيد المسيح فها هى ذى بعض الشواهد على ذلك: "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: إني لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذره قومه. لقد أنذر نوح قومه، ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه..."، "ضربت امرأة ضَرّتها بحجر وهي حبلى فقتلتها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في بطنها غُرّة، وجعل عقلها على عصبتها. فقالوا: أَنَغْرَم من لا شرب ولا أكل ولا استهلّ، فمثل ذلك يُطَلّ. فقال: أسجع كسجع الأعراب؟ هو ما أقول لكم"، "إن الله يأجركم على تلاوته (أى القرآن) بكل حرف عشر حسنات. أما إني لا أقول لكم: "ألم" حرف، ولكن أَلِفْ حرف، ولام حرف، وميم حرف: ثلاثون حسنة"، "إياكم والبِغْضَة، فإنها هي الحالقة. لا أقول لكم: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين". كما أن قول السيد المسيح فى الأناجيل: "الحق أقول" قد ورد على لسان الخضر فى حديث من أحاديث "الزَّهر النَّضْر" رواه ابن حجر العسقلانى، ونص العبارة كاملة: "نعم، الحقَّ أقول: لقد سألتَني بأمر عظيم. أمَا إني لا أخيّبك. بوجه ربي بِعْنِي". وهناك حديث يشهد فيه النبى لعمر على النحو التالى: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". وفى حديث آخر نسمع أبا ذر الغفارى رضى الله عنه يقول عن الرسول عليه السلام: "وأوصاني أن أقول الحق، وإن كان مرا"، وهى كعبارة "الحق أقول"، إلا أنها جَرَتْ على التركيب الأصلى من سَبْق الفعل للمفعول به.
ثم إن بولس قد استخدم هو أيضا هذه العبارة: "وَالآنَ أَقُولُ لَكُمْ: تَنَحَّوْا عَنْ هؤُلاَءِ النَّاسِ وَاتْرُكُوهُمْ!" (أعمال الرسل/ 5/ 38)، "هَا أَنَا بُولُسُ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا!" (رسالة بولس إلى أهل غلاطية/ 5/ 2، وهو كلام خطير كما يرى القراء، إذ لو كان عيسى إلها فكيف يجرؤ بولس، مهما كانت الأسباب، على القول بأنه لن ينفع عباده بشىء؟)، "وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ. عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ. حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ" (رسالة بولس إلى أهل غلاطية/ 19- 21). بل لقد ردد قول المسيح بنصه: "اَلْحَقَّ أَقُولُ فِي الْمَسِيحِ وَلاَ أَكْذِبُ، مُعَلِّمًا لِلأُمَمِ فِي الإِيمَانِ وَالْحَقِّ" (رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس/ 2/ 7)، فهل نقول إنه هو أيضا إله أو ابن للإله؟ كما أن المسيح قد استعمل بدوره عبارة "قال الرب" التى ينكر الواعظ الطيب الذى على نياته أن يكون قد قالها: "وَقَالَ لَهُمْ (أى المسيح) أَيْضًا مَثَلاً فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ، قِائِلاً:«كَانَ فِي مَدِينَةٍ قَاضٍ لاَ يَخَافُ اللهَ وَلاَ يَهَابُ إِنْسَانًا. وَكَانَ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَرْمَلَةٌ. وَكَانَتْ تَأْتِي إِلَيْهِ قَائِلَةً: أَنْصِفْنِي مِنْ خَصْمِي!. وَكَانَ لاَ يَشَاءُ إِلَى زَمَانٍ. وَلكِنْ بَعْدَ ذلِكَ قَالَ فِي نَفْسِهِ: وَإِنْ كُنْتُ لاَ أَخَافُ اللهَ وَلاَ أَهَابُ إِنْسَانًا، فَإِنِّي لأَجْلِ أَنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ تُزْعِجُنِي، أُنْصِفُهَا، لِئَلاَّ تَأْتِيَ دَائِمًا فَتَقْمَعَنِي!». وَقَالَ الرَّبُّ:«اسْمَعُوا مَا يَقُولُ قَاضِي الظُّلْمِ. أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟ َقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُنْصِفُهُمْ سَرِيعًا! وَلكِنْ مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ، أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟»" (لوقا/ 18/ 1- 8). فماذا إذن؟ إن المسألة، كما هو واضح، لا تستحق كل هذه الطنطنة!
6- آيات محمد وآيات المسيح
* العجائب التي وهبها الله لمحمد هي آياته الفريدة في سور القرآن، فليست آيات محمد أعمالا بل كلامًا. ويشهد القرآن للمسيح بكلمات محدودة، إنما يبرز أعماله العجيبة وشفاءاته المتعددة. لم يلعن المسيح أعداءه، ولم يتصرف كجبار شقي، بل أظهر نفسه أنه ينبوع اللُّطف ومصدر المحبة والرحمة، وعظمت قوة الله فيه بآيات متعددة عجيبة.
الطبيب الأعظم المبارك
أ- لقد برهن القرآن أن المسيح شفى العُمْي بدون عملية جراحية وبلا أدوية، وأبرأهم بكلمته القوية، وتضمنت كلماته قوة شافية آنذاك وحتى اليوم. فالمسيح هو المبارك أينما يكون ومنبع البركة لجميع الناس في كل العصور - سورة آل عمران 49، وسورة مريم 31.
ب- لم يَخَفْ ابن مريم من الأبرص بل لمس جلده وشفاه بكلمة سلطانه، فالمسيح هو الطبيب الأعظم في كل أوان. أحب المساكين وقبل المرضى وخلق فيهم رجاءً وإيمانًا بقدرته، وشفى كل مريض تقدم إليه.
محيي الموتى
ج- وأعظم عمل قام المسيح به هو إقامة الموتى المشهود له من الإنجيل والقرآن. لقد أقام ابن مريم طفلة صغيرة، وشابًّا راشدًا، ورجلاً بالغًا من الموت. فمن يقدر أن يقيم الأموات ويعيدهم إلى الحياة إلا الله؟! فيجب علينا إدراك عمق هذا المعنى في الآيات القرآنية أن المسيح استطاع إقامة الموتى مرارًا. ويقول الناقد إن ابن مريم لم يقدر أن يقوم بآية ما من تلقاء نفسه، بل الله هو الذي أيده بروح القدس ليستطيع أن يتمم مشيئة الله. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ- سورة البقرة 2:87. تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ- البقرة 2:253. إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ والتَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي... فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ- سورة المائدة 5:110. فيا للعجب! القرآن يشهد مراراً بتعاون الله مع المسيح وروحه القدوس! فالثلاثة اجتمعوا وتعاونوا في آيات المسيح في وحدة متكاملة، فقوة الله عاملة في ضعف جسد ابن مريم بسلطان إلهي.
الفتى الخالق
د- ونقرأ في القرآن أن المسيح، وهو طفل، خلق من الطين كهيئة الطير ونفخ فيه فأصبح حيًّا طائرًا في الفضاء. أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ- آل عمران 3:49. نجد في هذه الآية العبارة المدهشة: "أخْلُقُ" الدالة على أن المسيح هو خالق مقتدر. لا يقدر إنسان أن يخلق من العدم شيئًا ولا أن يُعِيد المادة الميتة إلى الحياة، إلا المسيح. ويشهد القرآن بقدرة المسيح الخالقة بواسطة نفخته المحيية. فنفخ في هيئة الطير فأصبحت طائرًا حيًّا كما أن الله نفخ نسمته في آدم سابقًا. فكان المسيح قادرًا أن يبث الحياة في الطين الميت.
الرزاق اللطيف
هـ- لاحظت الجماهير قدرة ابن مريم فتبعته حتى إلى الصحراء ناسية المكان والزمان وباقية معه حتى الليل. فالقرآن يشهد بأن المسيح أنزل لأتباعه مائدة من السماء وسط الصحراء وأشبع أتباعه المخلصين. إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الَّلهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَاِئدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ- سورة المائدة 112-115. يبحث البعض في نوعية أطعمة السماء على المائدة أكثر من أن يتعمقوا ببحثهم في شخصية وهّاب الهبة العجيبة. لقد أشبع المسيح حسب الإنجيل خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد من خمسة أرغفة وسمكتين، فأظهر بذلك قدرته الخالقة بطريقة عملية. لم يتفوّه بكلام فارغ بل عمل ما قاله وشفى وفعل أعمالا حقيقية.
كاشف الأسرار
و- استاء محمد من بعض أتباعه في المدينة لأنهم خبأوا في بيوتهم أطعمة وكنوزًا ولم يشاركوا فيها المهاجرين من مكة، فأنذرهم قائلا إن المسيح سيأتي عن قريب وسينبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم لأن له عينًا خارقة، ويبصر خلال الجدران ويخبر المنافقين بما يخبئون حسب قول المسيح في القرآن: وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- آل عمران 49. يعرف المسيح الحقيقة ويقرأ أفكار القلوب، ويعلم أيضًا أسرارك بالتفصيل، وسوف يعلن لك أعمالك السيئة والصالحة. هو العليم بما في صدور الناس وليس أحد بارًّا أمامه.
المشرّع العظيم
ز- ونقرأ أيضا في القرآن أن المسيح حلل لأتباعه ما حُرِّم عليهم في شريعة موسى، ولم يأمرهم أن يحفظوا الشريعة كاملة. ويقول الإنجيل إن المسيح وضّح لحوارييه بخصوص أنواع الأطعمة أن ما يدخل في جوفهم لا ينجسهم، بل ما يخرج من قلوبهم هو نجس، لأن من القلب تخرج أفكار شريرة: الزنى. القتل. البغض. الكبرياء. الكذب. الحقد. والطمع. لقد أعلن المسيح بهذا الانقلاب الفكري والشرعي أنه هو المشرّع الذي يحق له بسلطانه أن يكمل الشريعة. لقد أثبت القرآن هذا الامتياز الفريد موضحًا أن المسيح لم يعش تحت الشريعة لتنفيذها، بل إنه قائم فوقها لتكميلها. لقد كان موسى وكل الناس في العهد القديم يعيشون تحت الشريعة، وكان عليهم أن يتمموا الوصايا. أما المسيح فكان له السلطان أن يعدل الشريعة، وأعلن حسب الإنجيل: قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إلى مُبْغِضِيكُمْ. وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ - متى 5:38 و44.
ح- طُوبَى لمن يُدرك أن المسيح ليس إنسانًا عاديًّا ولا مجرد نبي، بل هو المشرّع بسلطان الله. ولم يكن ابن مريم محتاجًا لأن يسأل أهل العهد القديم ما هي أسرار الناموس وما هي تفاصيل أحكامه كما أُوحِيَ لمحمد إذ كان في شك مما أُنْزِل إليه- سورة يونس94. أما المسيح فكان الشريعة المتجسد، وطلب الطاعة لنفسه. وهكذا قال: اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- سورة آل عمران 50. فلم يرشد المسيح البشر إلى التسليم لله فحسب، بل طلب منهم أن يتبعوه مُطبّقين تعاليمه. لذلك يسمي القرآن تلاميذ المسيح بأحسن الألقاب: حواريّين، وأنصار الله، ومسلمين مؤمنين، وخاصة أتباعه. ونقرأ عن أتباعه في سورة الحديد: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً- الحديد 27. وفي سورة آل عمران إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ- آل عمران 55. فيظهر أن أتباع المسيح هم طبقة خاصة مميزة من البشر لأنهم متواضعون ولا يستكبرون، كما هو مكتوب في سورة المائدة: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ- المائدة82. إن هذه الشهادة القرآنية تدل على أعظم آية من آيات المسيح. إنه لا يغير الأحوال السياسية والاجتماعية بواسطة حروب وحيل، بل يجدد خطاة عصاة ويغيرهم من أنانيين إلى محبين، ومن أسياد متباهين إلى خدام الرب المتواضعين. كما أنه شخصيًّا لم يأت ليُخْدَم بل ليَخْدُم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين- متى 20:28. كل من يقارن آيات محمد بآيات المسيح يرى أن آيات محمد في القرآن هي كلمات كثيرة، ولكن آيات المسيح وعجائبه هي أعمال المحبة وخدمات الرحمة التي لا تُعَدّ.
** نبدأ بقول الواعظ إن "العجائب التي وهبها الله لمحمد هي آياته الفريدة في سور القرآن، فليست آيات محمد أعمالا بل كلامًا. ويشهد القرآن للمسيح بكلمات محدودة، إنما يبرز أعماله العجيبة وشفاءاته المتعددة. لم يلعن المسيح أعداءه، ولم يتصرف كجبار شقي، بل أظهر نفسه أنه ينبوع اللُّطف ومصدر المحبة والرحمة، وعظمت قوة الله فيه بآيات متعددة عجيبة"، وهو قول يدل على أن العقل قد غاب تماما عن الرجل. كيف؟ إن وضع الكلام على هذا النحو يعنى أن المسيح لم يتكلم، وأن محمدا لم يعمل. فهل هذا صحيح؟ بل هل يدخل هذا عقل عاقل أو حتى مجنون؟ الواقع أن كلا النبيين الكريمين قد قال وعمل. لقد جاء محمد بالقرآن من عند الله، وكانت له أحاديث تشرح القرآن أو توضح كيفية تطبيقه أو تضيف له تفصيلات لم يتطرق إليها تاركا الكلام فيها له عليه السلام أو تضيّق أو توسّع نطاق أحكامه حسب السياقات والظروف المختلفة... إلخ. وبالمثل جاء عيسى بالمواعظ وضرب الأمثال التى تملأ الأناجيل. وإذا كان عيسى قد أتى ببعض المعجزات فلسنا ننكر شيئا من ذلك. وكيف نفعل، والقرآن الكريم قد ذكرها، بل ذكر بعضا آخر منها لم توردها الأناجيل المعتمدة عند النصارى؟ لكن الانطلاق من ذلك إلى الزعم بأن محمدا لم يفعل شيئا هو (هل أقول: "كذبٌ صُرَاح، وتدليسٌ وَقَاح"، وأنا الذى قلت فى بداية الدراسة إننى سأكون هادئا هذه المرة؟ لا لا، لا داعى، بل سأكتفى بالقول بأن ذلك) خطأٌ بيّن. ألم يعمل الرسول بكل طاقته على إخراج الناس من ظلمات الشرك والوثنية إلى نور الإيمان الساطع؟ بلى. ألم يهاجر النبى من مكة إلى المدينة بعد أن وجد أنه قد وصل مع البيئة القرشية إلى طريق مسدود؟ بلى. ألم يعقد معاهدة بين المسلمين واليهود فى يثرب تنظم العلاقات السياسية والاجتماعية والدينية بين الفريقين؟ بلى. ألم يأت بتشريعات لم تغادر شيئا من شؤون الحياة إلا ونظمته وقننته على أحسن ما يكون التناغم مع فطرة البشر وأوضاع حياتهم وظروف مجتمعاتهم جامعة بين المثالية العاقلة الكريمة والواقعية الطاهرة الحكيمة؟بلى. ألم يبن دولة ناجحة فى المدينة استطاعت، فى غضون عدة عقود لا راحت ولا جاءت فى حساب التاريخ، أن تتحول إلى إمبراطورية اكتسحت معاقل الشرك والتثليث وعبادة النار والبقر والبشر؟ بلى. أوهذا كله كان مجرد كلام لا يُشْبِع من جوع ولا يُرْوِى من ظمإ؟ أويظن الواعظ المحترم أن معجزات السيد المسيح على جلالها أنفع للعباد من هذه الإنجازات المحمدية بكل ما تشتمل عليه من تشريعات وأنشطة سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية وعسكرية وقانونية؟ كلا وحاشا، فإن الذى يعطى الجائع صنارة ويعلّمه كيف يصنع ما شاء من الصنانير، ثم يشرح له كيف يقوم بعملية الصيد ليسد جوعته ويدخر بعضا من السمك المصطاد ليبيعه لغيره مقابل شىء مما عند ذلك الغير لا يملك مثله هو، فيَطْعَم ويغتنى، ويُطْعِم ويُغْنِى بدوره مَنْ حوله، لأفضل ألف مرة من تزويد غيره بأكلة سمك مرة أو مرتين، ثم يتركه بعد ذلك للجوع والضياع والبطالة والانقضاض على حقول الآخرين ليأكل منها دون إذن من أصحابها، وبخاصة أنه ليس عنده وقت لتلبية حاجات كل جائع، وأنه عاجلا أو آجلا مغادره إلى الأبد ومُبْقِيه وجهًا لوجهٍ مع أمعائه الخاوية وزوجته وأطفاله الصارخين لا يعرفون كيف يتصرفون ولا كيف يواجهون هذا المأزق العسير!
ومن المضحك أن يقول الواعظ الذكى إن "المسيح لم يلعن أعداءه، ولم يتصرف كجبار شقي، بل أظهر نفسه أنه ينبوع اللُّطف ومصدر المحبة والرحمة"، إذ الأناجيل إنما تقول لنا شيئا مخالفا لهذا الذى يقوله واعظنا. فالمسيح، بحسب تلك الأناجيل، لم يكن يلعن أعداءه فقط، بل كان يلعن أصدقاءه أيضا، وكذلك المدن والأشجار فوق البيعة. وإلى القارئ طائفة من تلك اللعنات والشتائم التى كان يسوط بها الظهور والوجوه والأقفاء والـجُنُوب بحيث لا يترك موضعا دون أن يجود عليه بنصيب: فمن ذلك رده على أب استغاث به ليعالج ابنه الذى يصيبه الصَّرْع ويرهقه قائلا له فى نفاد صبر وضجر: "أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُلْتَوِي إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ وَأَحْتَمِلُكُمْ؟". ومنه كذلك قوله للمرأة الفينيقية التى كانت ترجو شفاءه لابنتها: "دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلاً يَشْبَعُونَ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ". يقصد بالبنين بنى إسرائيل، وبالكلاب إياها وقومها وأمثالهم من الأمم الأخرى. وكان فى مجمعٍ يهودىٍّ يوم سبت، وشفى امرأة من مرضها مما ساء رئيس المجمع لأنه رأى فى هذا اعتداء فى السبت، فما كان من عيسى بن مريم إلا أن سبه قائلا: "يَا مُرَائِي!". ودعاه أحد هؤلاء الفريسيين للطعام فلاحظ أنه، عليه السلام، لم يغسل يده وكلمه فى ذلك، فما كان منه إلا أن نزل عليه بسوط لسانه يلهبه بكل ما عنده من عزم: "أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ، وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا وَخُبْثًا.يَا أَغْبِيَاءُ، أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضًا؟ بَلْ أَعْطُوا مَا عِنْدَكُمْ صَدَقَةً، فَهُوَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ نَقِيًّا لَكُمْ. وَلكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالسَّذَابَ وَكُلَّ بَقْل، وَتَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَقِّ وَمَحَبَّةِ اللهِ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُحِبُّونَ الْمَجْلِسَ الأَوَّلَ فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ مِثْلُ الْقُبُورِ الْمُخْتَفِيَةِ، وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهَا لاَ يَعْلَمُونَ!". ولست أدرى كيف طاوعته نفسه على شتم مُضَيِّفه الذى أراد أن يحتفى به. وحتى لو كان باعث الفَرِّيسىّ على ملاحظته هذه هو الحذلقة والتنوّق الشكلى فى أمور الدين، أفهناك من يقول إن النظافة شىء يعاب؟ لقد كان يمكنه لفت نظر الفريسى إلى أن النظافة الخارجية لا تكفى، بل لا بد معها من نظافة القلب والضمير، أما أن يندفع فى نوبة سباب وتهديد فهذا آخر ما كان يتوقعه الشخص منه صلى الله عليه وسلم! ومن ذلك أيضا سبابه للفريسيين بهذه العبارة الرهيبة: "34يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِالصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟".
وفى مناسبة أخرى انهال عليهم بمطارق الكلام التى تفلق الرؤوس بل تحطمها تحطيما: "1حِينَئِذٍ خَاطَبَ يَسُوعُ الْجُمُوعَ وَتَلاَمِيذَهُ 2قَائِلاً:«عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، 3فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ. 4فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ، 5وَكُلَّ أَعْمَالِهِمْ يَعْمَلُونَهَا لِكَيْ تَنْظُرَهُمُ النَّاسُ: فَيُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُمْ وَيُعَظِّمُونَ أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْ، 6وَيُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَوَّلَ فِي الْوَلاَئِمِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، 7وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ، وَأَنْ يَدْعُوَهُمُ النَّاسُ: سَيِّدِي سَيِّدِي! 8وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ، وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ. 9وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. 10وَلاَ تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ. 11وَأَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِمًا لَكُمْ. 12فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ. 13«لكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ. 14وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ، ولِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ. لِذلِكَ تَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ. 15وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا. 16وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ! الْقَائِلُونَ: مَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَب الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ. 17أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ! أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلذَّهَبُ أَمِ الْهَيْكَلُ الَّذِي يُقَدِّسُ الذَّهَبَ؟ 18وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ. 19أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ! أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلْقُرْبَانُ أَمِ الْمَذْبَحُ الَّذِي يُقَدِّسُ الْقُرْبَانَ؟ 20فَإِنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِكُلِّ مَا عَلَيْهِ! 21وَمَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِالسَّاكِنِ فِيهِ، 22وَمَنْ حَلَفَ بِالسَّمَاءِ فَقَدْ حَلَفَ بِعَرْشِ اللهِ وَبِالْجَالِسِ عَلَيْهِ. 23وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ. 24أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ! الَّذِينَ يُصَفُّونَ عَنِ الْبَعُوضَةِ وَيَبْلَعُونَ الْجَمَلَ. 25وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ، وَهُمَا مِنْ دَاخِل مَمْلُوآنِ اخْتِطَافًا وَدَعَارَةً. 26أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّ الأَعْمَى! نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضًا نَقِيًّا. 27وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. 28هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا، وَلكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِل مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْمًا. 29وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ الصِّدِّيقِينَ، 30وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ الأَنْبِيَاءِ. 31فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ. 32فَامْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ. 33أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟ 34لِذلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ، 35لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ. 36اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا كُلَّهُ يَأْتِي عَلَى هذَا الْجِيلِ!".
وفى موقف آخر جرى حوار بينه وبين بطرس كبير حوارييه فأسمع المعلّمُ تلميذَه كلاما فى منتهى العنف والقسوة: "وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ. وَقَالَ الْقَوْلَ عَلاَنِيَةً. فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ. فَالْتَفَتَ وَأَبْصَرَ تَلاَمِيذَهُ، فَانْتَهَرَ بُطْرُسَ قَائِلاً: اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا ِللهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ". حتى أمه يكلمها بنبرة تخلو من أى احترام أو عطف، إذ كان ذات مرة فى عرسٍ بقانا الجليل ونَفِدَت الخمر، فلفتت أمه انتباهه إلى هذا كأنها تطلب منه أن يجد حلا، فرد عليها فى خشونة جافية: "مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟". وأنكى من ذلك أنه قام بعدها بتحويل الماء الموجود فى العرس إلى خمر، وكانت أول معجزة له، فيا لها من معجزة تليق بالأنبياء وأبناء الآلهة! وعلى أية حال أفلم يكن ينبغى أن يفعل هذا من البداية بدلا من هذه الخشونة التى لا تصح ولا تليق؟ حتى المدن يتهددها ويلعنها فى شراسة وحنق: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَ ذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا!"، "20حِينَئِذٍ ابْتَدَأَ يُوَبِّخُ الْمُدُنَ الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ: 21«وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيمًا فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ. 22وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكُمَا. 23وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ. 24وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ»".
وحتى التينة التى توقّع عليه السلام أن يجد فيها فاكهة يأكلها من جوع، ولم يكن الوقت أوان ثمر، حتى هذه التينة قد لعنها حين لم يجد فيها تينا، ودعا عليها ألا تثمر إلى الأبد، فيبست فى الحال. بالله ما ذنب التينة المسكينة إن كان لها عقل وإدراك؟ وإذا لم يكن لها عقل وإدراك فهل هناك معنًى للعنها؟ أم هل هناك معنى لتيبيسها وحرمان الآخرين من ثمرها إلى الأبد؟ أَوَهكذا يعلّمنا السيد المسيح الحفاظ على البيئة؟ لو كان تيبيسها فى مصلحة عامة ما قلنا شيئا. ثم أى إله هذا الذى يجوع؟ بل أى إله هذا الذى لا يدرى أذاك موسم التين أم لا ويطلب ثماره فى غير إبّانه؟ فماذا ترك لنا نحن البشر الغَلابَى إذن؟ ألا يرى القارئ أن الأمر كله عبث فى عبث؟ وفى النهاية أسوق هذا الكلمة التى قالها السيد المسيح عليه السلام وسجلها مؤلفو الأناجيل: "جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟ وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟ أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَّلاَّ، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ، وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا، وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا". والآن أظن أن هذا يكفى.
أما أن القرآن قد قال على لسان المسيح: "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ" (آل عمران/ 50)، فهذا صحيح، لكن الواعظ تجاهل الآية التالية لهذه الآية، وهى صريحة الدلالة على أن عيسى بن مريم ليس إلا عبدا لله باعترافه هو نفسه، لا إلها ولا ابنا للإله: "إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ"، وهو ما يصُكّ شبهته فى وجهها صَكّةً تفتته تفتيتا. ثم إن هذه العبارة التى يظن الواعظ الطيب الذى على نياته أنها تؤسس وضعا خاصا بعيسى بوصفه ابن الله قد قالها بنصها نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، ويمكن القارئ الرجوع حسبما نقرأ فى الآيات 108، 110، 126، 131، 144، 150، 163، 179 من سورة "الشعراء"، إلى جانب الآية الثالثة من سورة "نوح"، فضلا عن الآية التالية التى وردت على لسان هارون: "وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي" (طه/ 90). ذلك أن وجوب طاعة الرسول ليس أمرا خاصا بعيسى بن مريم وحده، بل هو حق للرسل جميعا: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ" (النساء/ 64). وقد جاء مثله وأقوى منه فى محمد عليه الصلاة والسلام، والشواهد عليه كثيرة، بيد أننى أكتفى بالآيات التالية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ" (النساء/ 59)، "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ" (النساء/ 80)، "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ" (المائدة/ 92)، "وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (النور/ 56)، "إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا* خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا* يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا" (الأحزاب/ 64- 66). والغريب أننى، وأنا فى أكسفورد فى سبعينات القرن الماضى، قد قرأت مرة لبعض المبشرين الإنجليز يعيبون على النبى محمد عليه الصلاة والسلام أنه يقرن بين اسمه واسم الله تعالى فى مثل تلك الآيات، فقلت فى نفسى إن هؤلاء الناس لا يعجبهم العجب ولا الصيام فى رجب: فإذا ظنوا أن القرآن لا يحتوى على تلك الآيات التى تتحدث عن محمد سارعوا إلى القول بأن هذا دليل على أن عيسى هو وحده الذى قيل فى حقه ذلك، ومن ثم فهو ابن الله، وإن تنبهوا إلى أن القرآن قد ذكر فى حق محمد هذا قالوا إنه يتأله على أتباعه، مع أنه لا قول عيسى هذا يعنى ألوهيته بأى حل من الأحوال، ولا القرن بين طاعة الله وطاعة محمد يعنى أنه يضع نفسه مع الله على قدم وساق، إذ القرآن واضح تمام الوضوح فى تأكيد عبوديته له سبحانه! على أية حال فكتاب الله، كما هو واضح، لم يقرن فى مسألة الطاعة بين الله سبحانه وبين أى نبى من أنبيائه، اللهم إلا فى حالة محمد عليه الصلاة والسلام.
وبالمثل فإن استشهاد الواعظ بقوله تعالى فى الآيتين التاليتين: "ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً" (الحديد/ 27)، "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ" (آل عمران/ 55) لا يوصله إلى شىء: ذلك أنه فى الآية الأولى قد حذف بقيتها، وهى كالآتى: "وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ". ومن الواضح أن الصفات الكريمة التى جعلها الله فى قلوب أتباع عيسى لم تَبْقَ نقية كما أرادها الله، بل سرعان ما انحرف كثير من أتباعه بها فاستحقوا أن يصفهم الله بأنهم "فاسقون". كما أن قوله تعالى فى سورة "المائدة": "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ" لا علاقة له بالقسيسين والرهبان من حيث إنهم قسيسون ورهبان، بل من واقع أنهم قد أسلموا واتبعوا النبى محمدا مُوفِين بذلك بما أخذه الله من ميثاق على أهل التوراة والإنجيل أنهم متى جاءهم رسول من عند الله لَيُؤْمنُنّ به ولَيَنْصُرُنّه. فهم إذن مسلمون من أتباع محمد لا قسيسون ورهبان نصارى، فضلا عن أن تكون نصرانيتهم نصرانية مثلثة. وكى يكون القارئ متابعا لما نقول سوف أورد الآية المذكورة فى سياقها كاملا: "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ" (المائدة/ 82- 86). ومن الواضح أنهم ما إن سمعوا النبى محمدا وهو يتلو عليهم بعضا من الذكر الحكيم حتى فاضت أعينهم خشوعا وإيمانا بالقرآن والإله الذى أنزله والرسول الذى جاء به. والقصة معروفة فى أسباب نزول القرآن، إذ سمع نفر من رجال الدين النصارى بعض آيات القرآن فتأثرت قلوبهم وأخبتوا إلى ربهم فسارعوا إلى إعلان إيمانهم بالرسالة الجديدة وصاحبها. مرة أخرى نؤكد أن الآيات لا تمدح أحدا من النصارى بوصفه نصرانيا، بل تمدح نصارى تركوا نصرانيتهم وأصبحوا مسلمين من أتباع محمد عليه السلام.
7- موت محمد وموت المسيح
* يروي ابن هشام في كتابه عن سيرة النبي أنّ محمدًا مات بعد حمى شديدة، وقال إن سمّ اليهود كسّر قلبه. لقد دسّت امرأة يهودية السمّ في طعامه فمات الضيف عند محمد، ولكنه لاحظ السمّ وبصق الطعام قبل بلعه. إنما دخل قليل من السم في جوفه وأدى إلى وفاته. فمات محمد موتًا غصبًا عنه على صدر زوجته عائشة في المدينة المنوّرة. لم يمت المسيح حسب القرآن نتيجة لمرض أو حيلة من أعدائه. إنما الله تدخل في هذا الأمر حسب سورة آل عمران 55 وقال للمسيح شخصيًّا: إني متوفيك ورافعك إليَّ، مع العلم أن هذه الحادثة غير معلنة في الإنجيل. فنستنتج من هذه الآية أن المسيح لم يمت موتًا عاديًّا، بل تُوفِّي حسب خطة الله ولطفه في السلام. ولا ينكر القرآن موت المسيح التاريخي، خاصة إن قرأنا نبوة المسيح عن نفسه في سورة مريم 33 حيث يقول: السَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. المسيح وُلِد ومات وقام من قبره حسب القرآن، كما أخبرنا الإنجيل مسبقًا، وكل من يؤمن بهذه الحقيقة التاريخية يحيا مع الحي المقام من بين الأموات. سوف لن يموت المسيح بعد رجوعه على الأرض لأنه لم يقل: سوف أموت في المستقبل البعيد، بل قال: أموت في المستقبل القريب الحاضر. فالقرآن يعترف بولادة المسيح وموته وقيامته متتابعًا كما يشهد جميع المسيحيين متأكدين من تاريخية موت ابن مريم. مات المسيح بإرادته في سلام تام. ونقرأ في الإنجيل أن المسيح عرف كيفية موته مسبقًا وعيَّن اليوم والساعة لوفاته في موعد طقوس عيد الفصح، فمات طوعًا لا غصبًا كحَمَل الله الذي رفع خطية العالم.
** حين وصلت إلى الفقرة السابقة من كلام الواعظ الموهوم قلت فى نفسى: عجبا لابن آدم، يكون فى ستر وعافية، وخيره كافٍ شرَّه، فيأبى إلا أن يعرّض نفسه دون معنى للفضائح هاتكا بيده ستر الله عليه. نعم، فقد كان الواعظ النجيب فى غنًى عن ردى عليه وفضيحتى له ولما يدافع عنه، إذ كنت ساكتا وواضعا يدى على خدى أجتر ذكرياتى وأفكر فى حالى، إلى أن وقعتُ على هذا المقال وخطر فى بالى أن أرد عليه. ولما بلغت الفقرة السابقة ازداد استغرابى لأن فضيحة الواعظ هذه المرة ستكون من النوع المجلجل ذى الأجراس الكنسية الضخمة المصمّة للآذان، إذ السؤال هو: وماذا فى أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام قد مات مقتولا؟ وهل إذا قُتِل إنسان فى قضية شريفة يكون فى هذا معابة له؟ بالعكس إنه شرف ونبل وسموق لا يناظره أى شرف أو نبل أو سموق آخر. إنها الشهادة فى أعظم وأبجل صورها، ومعروفةٌ مكانةُ الشهيد عند رب العالمين. ولكم ود النبى الكريم لو أنه قُتِلَ فى سبيل الله ثم أُحْيِىَ ثم قُتِل كرة أخرى ثم أُحْيِىَ... وهكذا دواليك، لما يعلمه صلى الله عليه وسلم من منزلة الشهداء. ولماذا نذهب بعيدا، ولدينا الأناجيل، فتعالَوْا نطالع ما فيها حتى نعرف أرجلنا من رؤوسنا: أليس يحيى الذى هو أعظم من أنجبت النساء بنص كلام المسيح قد مات مقتولا؟ ترى أيعيبه هذا؟ كلا، بل العيب كل العيب فيمن سمع بمقتله على النحو الشنيع الذى نعرف وبلغه أن رأسه قد احْتُزَّتْ وقُدِّمَتْ على طبق من ذهب هدية لعاهرة من العاهرات فلا يتحرك قلبه ولا تذرى عينه ولو دمعة واحدة من باب المجاملة رغم قرابته له، ورغم تعمده وتطهره ونيله التوبة على يديه! أليس كذلك؟ ومرة أخرى نسأل: وماذا فى أن يموت الإنسان مقتولا؟ وكيف يثير الواعظ هذه النقطة، وهو وقومه يقولون إن عيسى قد مات تلك الميتة البشعة المهينة المذلة التى يصفها مؤلفو الأناجيل والتى ناله فيها البصق والضرب بالرمح فى الجنب، وبالعصا فوق الرأس، والشتم والتهكم المر والعطش الحارق؟ فإذا عرفنا أنه عندهم إله تكون الطامة قدتجاوزت حدود المعقول وبرجلت العقول! علاوة على أن المصلوب ملعون بنص الكتاب المقدس كما جاء فى الإصحاح الثانى والعشرين من سفر التثنية: "وَإِذَا كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا الْمَوْتُ، فَقُتِلَ وَعَلَّقْتَهُ عَلَى خَشَبَةٍ، 23فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلاَ تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا"، وهو النص الذى أطاش لب بولس فأخذ يبحث عبثا عن مخرج فلم يجد إلا التأويل التالى المسىء فى حق سيدنا عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم: "13اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ». 14لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ" (غلاطية/ 3). أى أن الله يعرّض نفسه للّعنة من أجل خلقه. ومن الذى يلعنه يا ترى؟ طبعا هو نفسه لأن اللعنة إنما تكون من الله! بالذمة هل فهم أحد شيئا؟ لا يا صاحبى، حَدُّ الله بيننا وبين الآلهة الملاعين! وطبع نحن لا نؤمن بشىء من هذا، بل أردت فقط أن أبين إلامَ تنتهى بنا الأمور لو طاوعنا الواعظ الطيب ومشينا معه لحد باب الدار، مع احترامنا التام لسيدنا عيسى بن مريم عليه وعلى أمه الصلاة والسلام.
وهذا إن كان الرسول قد مات مسموما كما قيل فى بعض الروايات، إذ السؤال هو: هل يمكن أن يموت أى شخص من مثل ذلك المقدار التافه من السم؟ ومتى؟ بعد عدة سنوات؟ ترى أمن المعقول ألا يصاب الرسول عليه السلام ساعتها بأى ألم أو عَرَض من أعراض التسمم، ثم يظهر مفعول السم بعد مرور عدة سنوات؟ ذلك أن تلك الرواية التى لا معنى لها تقول إن واقعة السم قد حصلت فى غزوة خيبر، أى سنة سبع للهجرة، بينما تمت الوفاة بعد هذا بثلاث سنوات! وفى الطب يُقَسَّم التسمم إلى: تسمم حاد، وفيه يتعرض الشخص لجرعة واحدة كبيرة من السم أو جرعات متعددة خلال فترة قصيرة من الزمن لا تتجاوز 24 ساعة، وتظهر الأعراض وتتطور بسرعة كبيرة وتنتهي بالوفاة إذا لم يُسْعَف المتسمم. وهناك التسمم المزمن، وفيه يتعرض الشخص لجرعات صغيرة متتالية من السم خلال مدة طويلة من الزمن قد تمتد لعدة سنوات. وفى هذه الحالة فإن السم يتراكم في الجسم وتزداد نسبته تدريجيا حتى تبلغ حدا كافيا لظهور الأعراض المرضية. وإلى القارئ أيضا السطور التالية من مادة "Poison" فى "الويكيبيديا"، وهى تجرى فى نفس المجرى: "Acute poisoning is exposure to a poison on one occasion or during a short period of time. Symptoms develop in close relation to the exposure. Chronic poisoning is long-term repeated or continuous exposure to a poison where symptoms do not occur immediately or after each exposure". ومن الواضح أن حالة الرسول، بناء على الرواية المذكورة، لا تندرج تحت أىّ من هذين التصنيفين، ومن ثم فلا معنى لترديد ذلك الكلام الغريب. وحتى لو تجاهلنا هذا كله، وهو مما لا يصح تجاهله، وقلنا إنه عليه السلام قد مات مسموما، لقد قتلته يهودية كما قتل المسيحَ اليهودُ حسب زعم النصارى. فالحال بعضه من بعض إذن، فلماذا الزعم بأن قتله صلى الله عليه وسلم ينال من كرامته؟
هذا، وقد راجعت الحديث الخاص بتلك المسألة فى "موسوعة الحديث" المسماة "تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول" (بموقع "الدُّرَر السَّنِيّة")، وهى من أصخم موسوعات الحديث النبوى وأحظاها بالخدمة العلمية، فوجدت له أربع روايات أوردتْها الموسوعة وخرّجتْها جميعا على النحو التالى: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني كل عام ، فهذا أوان انقطاع أبهري". الراوي: أبو هريرة. خلاصة الدرجة: فيه سعيد بن محمد الوراق، ذكر من جرحه. المحدث: الذهبى. المصدر: ميزان الاعتدال- "ما زالت أكلة خيبر تعادني حتى هذا أوان قطعت أبهري". الراوى: أبو هريرة. خلاصة الدرجة: فيه سعيد بن محمد الوراق، ليس بالقوي، وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه. المحدث: الزيلعي. المصدر: تخريج الكشاف- "ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان قطعت أبهري". الراوي: أبو جعفر. خلاصة الدرجة: معضل. المحدث: الزيلعي المصدر: تخريج الكشاف- "ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان قطعت أبهري". الراوي: أبو هريرة. خلاصة الدرجة: فيه سعيد بن محمد الوراق، ضعيف. المحدث: ابن حجر العسقلانى. المصدر: الكافي الشاف. فهذا هو وضع الحديث من جهة السند، وهو وضع لا يبعث على الطمأنينة. أما من جهة المتن، أو المضمون بلغة العصر، فينبغى أن نلاحظ ما هو منسوب له صلى الله عليه وسلم من القول بأن آلام تلك الأكلة كانت تعاوده باستمرار. ومعنى هذا أنه كان دائم الشكاية منها والحديث عنها كما يصنع الآن فى مرضه الأخير، وهو ما لم يحدث، بل إنه لم يحدث أن مرض رسول الله قبل تلك الحمى التى اعترته فى أيامه الأخيرة وفاضت روحه بعدها إلى بارئها. ثم ألم يكن عند العرب علاج للسم، حتى لو لم تكن له أية قيمة طبية، فيشير به صحابة رسول الله عليه طوال تلك السنوات الثلاث التى انقضت ما بين أكلة خيبر ووفاته صلى الله عليه وسلم ما دام الوجع يعاوده طوال تلك المدة؟ وسواء بعد ذلك أقَبِلَ وصفتهم أم رفضها، إذ تلك مسألة أخرى. لكن هذا أيضا لم يقع، فما معناه؟ ثم لا ننس عبارة "فهذا أوان انقطع أبهرى"، فـــ"الأبهر" هو ما يسمونه اليوم بــ"الأورطى"، وقد سألت صديقا لى طبيبًا كاتبًا أديبًا فقال إن معنى العبارة هو انفجار هذا الشريان، فعدت أسأله عن أثر ذلك، فكان جوابه أنه هو الموت فى خلال دقائق معدودات، وإن كان ممكنا تداركه الآن بعد التقدم الطبى الهائل بشرط أن تتم معالجة المريض فى الحال. وهذا أيضا لم يقع للنبى، إذ ظل يشكو المرض عدة أسابيع، ويقاسى وجع الحمى أياما ويحاول أن يعالجها بالماء البارد طوال ذلك الوقت. ويمكن القارئ الرجوع فى هذا إلى الكتاب الذى وضعه د. حسين مؤنس عن "التاريخ الصحى للرسول صلى الله عليه وسلم" (سلسلة "اقرأ"/ العدد 657). أى أنه لم يكن هناك ما يدل على أن مرضه الأخير كان من أثر السم حقا، وهذا إن كان قد تسرب إلى بطنه شىء منه ذو بال، وهو ما لا نتصور حدوثه، وإلا لكان قد مات لساعته كما مات الصحابى الآخر وهو لم يبرح مكانه كما تقول بعض الروايات أو لعانى منه أشد المعاناة كما عانى ذلك الصحابى طبقا لما تقوله بعض الروايات الأخرى، إذ كانت اليهودية قد تخيرت أقتل أنواع السموم. وعلى هذا فحتى لو كان قد تسرب منه شىء إلى معدته صلى الله عليه وسلم فلا بد أن يكون شيئا تافها لا يمكن أن يكون له كل هذا الأثر بعد انصرام ثلاث سنوات.
والعجيب أن يقول واعظنا الظريف إن المسيح مات طوعا، فهل مات فعلاً المسيح طوعًا؟ ألم يكن يجأر فوق الصليب وينادى، وما من مغيث؟ ومن قَبْلُ ألم يكن يطلب من ربه أن يجيز كأس الموت عنه؟ ألم يلعن من سلمه إلى أيدى اليهود ووصفه بأنه شيطان، بما يفيد أنه ساخط على الصلب والموت على الصليب؟ ألم يذهب خارج المدينة هو وتلاميذه قبل ذلك حتى يبتعد عن أنظار المطارِدين، مما يشير بكل جلاء إلى أنه كان يتحاشى شرب تلك الكأس؟ جاء فى الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا: "66مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ. 67فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ:«أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟» 68فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ:«يَارَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ، 69وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ». 70أَجَابَهُمْ يَسُوعُ:«أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، الاثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!» 71قَالَ عَنْ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ، لأَنَّ هذَا كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُسَلِّمَهُ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ". وفى الإصحاح الذى بعده نقرأ: "1وَكَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ بَعْدَ هذَا فِي الْجَلِيلِ، لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ". وفى الإصحاح السادس والعشرين من إنجيل متى يصف مؤلف هذا الإنجيل مشاعر سيدناعيسى حين دنت الساعة التى سيُصْلَب فيها طبقا لما يقول النصارى: "حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ:«اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ». 37ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. 38فَقَالَ لَهُمْ:«نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي». 39ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ». 40ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: «أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ 41اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ». 42فَمَضَى أَيْضًا ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». 43ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً. 44فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذلِكَ الْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ".
كذلك نقرأ فى الإصحاح السابع والعشرين من متى أيضا الوصف التالى لما حدث له، عليه السلام، فى لحظاته الأخيرة حسب اعتقادات القوم: "27فَأَخَذَ عَسْكَرُ الْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ، 28فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًّا، 29وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ:«السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ!» 30وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ. 31وَبَعْدَ مَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ. 32وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَانًا قَيْرَوَانِيًّا اسْمُهُ سِمْعَانُ، فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. 33وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ» 34أَعْطَوْهُ خَّلاً مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ. 35وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ:«اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». 36ثُمَّ جَلَسُوا يَحْرُسُونَهُ هُنَاكَ. 37وَجَعَلُوا فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ مَكْتُوبَةً:«هذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ الْيَهُودِ». 38حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ، وَاحِدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ الْيَسَارِ. 39وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ 40قَائِلِينَ:«يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!». 41وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: 42«خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ! 43قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللهِ!». 44وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ. 45وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. 46وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ 47فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا:«إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا». 48وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَّلاً وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ. 49وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَقَالُوا:«اتْرُكْ لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ!». 50فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ".
ويبقى قول الواعظ عن موت المسيح وقيامته من قبره حسبما تروى الأناجيل: "ولا ينكر القرآن موت المسيح التاريخي، خاصة إن قرأنا نبوة المسيح عن نفسه في سورة مريم 33 حيث يقول: السَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. المسيح وُلد ومات وقام من قبره حسب القرآن، كما أخبرنا الإنجيل مسبقًا، وكل من يؤمن بهذه الحقيقة التاريخية يحيا مع الحي المقام من بين الأموات. سوف لن يموت المسيح بعد رجوعه على الأرض لأنه لم يقل: سوف أموت في المستقبل البعيد، بل قال: أموت في المستقبل القريب الحاضر. فالقرآن يعترف بولادة المسيح وموته وقيامته متتابعًا كما يشهد جميع المسيحيين متأكدين من تاريخية موت ابن مريم". ويلفت النظر فى كلام الواعظ هنا أنه يرى فى استعمال الفعل المضارع فى الآية الكريمة دلالة على أن عيسى عليه السلام "لن يموت بعد رجوعه على الأرض لأنه لم يقل: سوف أموت في المستقبل البعيد، بل قال: أموت في المستقبل القريب الحاضر..."، جاهلا أن هذا دليل متهافت تمام التهافت لا يصلح لما يريد الاستدلال به عليه لأن المضارع هنا لا يدل على شىء مما يزعم، وإلا فليقل لنا كيف يفهم المضارع مثلا فى الآيات التالية التى تتحدث عن يوم القيامة، وهو أبعد يوم فى المستقبل الدنيوى، إذ هو لا يأتى إلا بعد انتهاء الحياة على وجه البسيطة، وقد استُخْدِم المضارع فيها كلها فى تركيب مطابق للتركيب الذى بين أيدينا، إذ أتى الفعل المضارع بعد كلمة "يوم"، وفى القرآن منه الكثير: "وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ" (الأنعام/ 22)، "وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ" (إبراهيم/ 44)، "فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ* يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ" (إبراهيم/ 47- 48)، "فَسَيَقُولُونَ (أى الكفار) مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا* يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً" (الإسراء/ 51- 52)، "وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ* يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ" (غافر/ 32- 33)، "وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ* يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ* إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ* يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ" (ق/ 41- 44)، "فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ* يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا" (المعارج/ 41- 42)، "إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيمًا* وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا* يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً" (المزمل/ 12- 14)، "فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ* يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ*..." (عبس/ 33- 34).
8- محمد والمسيح بعد موتهما
* دُفِن محمد في المدينة المنوّرة، وقبره معروف حتى الآن، ويزوره ملايين من الحجاج سنويا مؤمنين أن عظام محمد لا تزال في قبره، وأن نفسه دخلت البرزخ وهو ينتظر يوم الدين العظيم. أما المسيح فرفعه الله إليه. إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ- سورة آل عمران 55. بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ- سورة النساء 158. فالله أخرج ابن مريم من قبره، وأصعده إلى نفسه، وهو من المقربين، وجيهًا في الدنيا والآخرة. إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ- آل عمران 45. لقد وُجد قبر المسيح فارغًا لأنه قام حقًّا كما أعلن مسبقًا، وأما عظام محمد فلا تزال في قبره. المسيح حي، وأما محمد فميّت: لم يقم بعد من الأموات، ولم يصعد إلى جنة عدن حتى الآن. ما أعظم الفرق بين الموت والحياة! وكما أن الحياة أعظم من الموت، هكذا يكون المسيح أعظم من محمد. المسيح هو الحياة الأبدية بالذات.
** فى الرد على هذه الفقرة نعيد أولا ما قلناه قبلا من أن فى القرآن كلاما عن ابن مريم يوم القيامة يصوره عليه السلام وهو واقف أمام ربه يسأله عما أتاه أتباعه من بعده من تأليههم له، سؤالَ الرب لعبده الخائف الراجف الذى يعرف حدوده جيدا، فهو يسارع بالتنصل من هذا الكفر الشنيع وممن قالوه. ثم إن محمدا عليه الصلاة السلام لهو صاحب الشفاعة العظمى حسبما نَصَّ على ذلك كثير من الأحاديث النبوية، وهذا معنى قوله تعالى: "عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا". فالشفاعة ستكون لسيدنا محمد عليه السلام وحده من دون الأنبياء والرسل بما فيهم سيدنا عيسى عليه السلام. وهذه إحدى المكرمات التى اخْتُصَّ بها سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذا لا ينال من عيسى ولا غيره من المرسلين فى شىء، فتقديم أحد الأنبياء على سائر إخوانه لا يسىء إليهم فى قليل ولا كثير، فكلهم مكرَّمون معظَّمون بفضل الله، لكنه يدل على أن صاحب التقديم قد اخْتُصَّ بمزيد من التكريم والتعظيم.
ومن مقارنات الواعظ الطيب الذى على نياته قوله إن عيسى قد أُصْعِد إلى السماء حيا، بينما لا تزال عظام محمد فى قبره. وتعقيبنا على هذا هو أن عيسى، طبقا لما يؤمن به الواعظ المحترم وطائفته، قد مات مثلما مات محمد، فما المشكلة إذن؟ لكنه يقول إن عيسى قام من الأموات، أما محمد فلا. ترى هل وجود عظام إنسان فى الأرض يعنى أن روحه هى أيضا فى الأرض؟ إن كل الأرواح عند فناء الجسد تصعد راجعة إلى ربها، أما الجسد فهو كساء وقتى تكتسيه الروح ثم تخلعه لدى الموت. وبناءً على هذا فوجود عظام النبى الكريم فى المدينة المنورة لا يعنى أبدا أن روحه ليست عند ربه سبحانه وتعالى. ثم هل الله سبحانه وتعالى فى السماء فعلا؟ أم هو فوق الزمان والمكان بحيث إن رَبْط الناس بينه سبحانه وبين السماء عادةً لا يعنى أنه فى السماء أو فوقها؟ وعلى أية حال فقد عُرِج به فى حياته صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلا حتى بلغ سدرة المنتهى كما ذكر القرآن الذى يستشهد به واعظنا الطيب. كذلك فالنص القرآنى ليس قاطع الدلالة فى موضوع صعود عيسى عليه السلام بالجسد ولا صعوده حيًّا، إذ تقول الآية الكريمة: "إذ قال الله: يا عيسى، إنى متوفيك ورافعك إلىَّ" (آل عمران/ 55)، وليس فيها على سبيل القطع الذى لا تمكن المماراة فيه أنه سبحانه قد أصعده إلى السماء حيًّا بجسده. إن من المسلمين من يفهم تلك الآية كما فهمها القُمّص، لكن هناك أيضا من المسلمين من يقولون بالوفاة العادية ورِفْعَة المكانة لا الجسد. وعلى أية حال هل هناك فرقٌ يُذْكَر بين قوله سبحانه عن السيد المسيح وبين قوله عن إدريس عليهما السلام: "واذْكُرْ فى الكتاب إدريس، إنه كان صِدِّبقًا نبيًّا* ورفعناه مَكانًا عَلِيًّا" (مريم/ 56- 57)؟ ثم إن الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى ذكر كذلك أن إيليّا قد رفعه الله إليه أيضا بالمعنى المادى، أى أصعد جسده إلى السماء: "وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ. وَكَانَ أَلِيشَعُ يَرَى وَهُوَ يَصْرُخُ: «يَا أَبِي، يَا أَبِي، مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا». وَلَمْ يَرَهُ بَعْدُ" (ملوك 2/ 2/ 11- 12). إننى لا أبغى أبدا التقليل من شأن سيدنا عيسى عليه السلام، فنحن المسلمين نَعُدّ أنفسنا أتباعه الحقيقيين ونؤمن أن غيرنا قد كفروا به وضلّوا عن سواء السبيل وأشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطانا. كل ما هنالك أننا نحاول أن نقدم صورة منطقية ومستقيمة وصحيحة فى المقارنة بين النبيين العظيمين: محمد وعيسى عليهما السلام. وفى النهاية نقول: فلنفترض أن عيسى قد أُصْعِد فعلا بجسده إلى السماء وأنه هو وحده الذى حدث له ذلك، فالسؤال حينئذ هو: وماذا بعد؟ وما الفائدة التى عادت على الدعوة من جَرّاء هذا؟ لقد ترتب على هذا الصعود وغيره أن أشركه كثير من البشر مع الله، وهو البشر الضعيف العاجز الفانى! وأخيرا لقد سكتّ طوال الفقرة كلها فلم أشأ أن أفسد على الواعظ الطيب الذى على نياته فرحته فأقول له: إنك بإصرارك على أن المسيح قد صعد فى السماء بجسده لتهدم معتقدك فى ألوهيته وتجسُّده حسبما تقول، إذ إنه إنما تجسد هنا على الأرض كى يكون مثلنا ويذوق الألم كما نذوقه ويموت على الصليب كأى إنسان يموت عليه... إلخ، فما معنى أن يبقى بجسده بعد ذلك كله إذن، أى بعد أن تحققت الحكمة من تجسده وتم صلبه وفداؤه للبشر من خطيئتهم وعاد من حيث أتى ورجع إلها خالصا كما كان لا تشوبه شائبة من البشرية؟ ألا يرى واعظنا الطيب أنه يضع نفسه دائما فى مأزق عسر لا يمكنه التخلص منه؟
9- سلام محمد وسلام المسيح
* ينطق جميع المسلمين عند ذكر اسم محمد بالعبارة: صلى الله عليه وسلم. أَلَمْ يحلّ سلام الله على محمد بعدُ حتى ينبغي على الله والملائكة أن يصلوا عليه كما هو مكتوب في سورة الأحزاب. إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا- الأحزاب 56. لَمْ يتبرَّر محمد بعدُ ويتمتع بالخلاص الأبدي بل ينقصه سلام الله حتى يكون فرض على جميع المسلمين في كل العصور أن يصلوا عليه ويسلموا. أما المسيح فيشهد حسب القرآن: السلام عليّ يوم وُلِدْتُ ويوم أموت ويوم أُبْعَث حيًّا. فابن مريم هو رئيس السلام الذي عاش من بداية حياته إلى نهايتها في سلام مع الله وفي رضاه. قد تمت ولادته من مريم العذراء حسب إرادة الله وقدرته بدون خطية، فعمّ السلام لأجل تجسد كلمة الله حتى انفتحت السماوات وأنشدت الملائكة مرنمة: الْمَجْدُ لِلّهِ فِي الأَعَالِي. وَعَلَى الأَرْضِ السَّلامُ. وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ- لوقا 2:14. مات المسيح موتًا حقيقيًّا. إنما لم يمت بسبب خطاياه، بل بسبب خطايانا نحن الخطاة. فاختبر المسيح حتى في موته السلام مع الله. جميع الناس يموتون بسبب خطاياهم الشنيعة لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ- رومية 6:23، أما الله فسُرَّ بالمسيح لأنه صالَحَ القدوس مع البشر بموته النيابي عنهم، فتستقر مسرة الله على ابن مريم. إنّ قيامة المسيح من بين الأموات هي أعظم برهان على براءته وقداسته. لو ارتكب المسيح خطية واحدة في حياته لوجد الموت فيه حقًّا وقبضه مثل محمد. لكنه لم يرتكب خطية ولا شِبْه خطية، ولأجل ذلك غلب الموت وترك قبره ظافرًا. فالمسيح حي، أما محمد فميّت. لذلك يشهد جميع المسلمين عند ذكر اسم المسيح السلام عليه شاهدين بأنه يحيا في السلام. لقد اختبر محمد اضطهادات مُرّة وقام بالجهاد والحروب مرارًا وأمر بقتل أعدائه والمشركين والمرتدين. اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ- البقرة 191. فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ- سورة النساء 89. فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى- سورة الأنفال 17. وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ- سورة الأنفال 39. فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَا حْصُرُوهُمْ وَا قْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ- سورة التوبة 5. فلم يأت محمد بسلام بدون جهاد، بل أمر بغزوات واشترك بسفك الدماء لأجل السلام. فكان أمير المؤمنين والقائد السياسي المحنّك في الجزيرة العربية. اضطهد اليهود المسيح بالعنف أيضًا، إنما لم يدافع عن نفسه بالسيف، ومنع أتباعه من سفك الدماء قائلا: من يأخذ السيف فبالسيف يُؤخذ- متى 26:52. فكل مسيحي يقاتل لأجل نصر المسيحية بالسلاح سافكًا دم الأعداء يدخل جهنم لأنه يعصى ويخالف أمر سيده رئيس السلام، أما المسلم الذي مات في الجهاد فيرجو انتقاله إلى الجنة مبررًا. فيظهر جليًا أن المسيح وحده أسّس سلامًا حقيقيًا دون قتال وحرب، بينما فرض محمد الجهاد والقتال مرارًا على المسلمين، أما المسيح ففضل أن يسفك دمه الثمين عوضًا عن دم أعدائه لكي لا يقتلهم. وصلى لأجل قاتليه: اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ- لوقا 23:34. فالمسيح هو المسالم والمسلم الحقيقي الوحيد إن اعتبرنا كلمة الإسلام والمسلم مشتقة من كلمة السلام.
** أولا: لم يقل الله إن محمدا لا يحظى بالسلام فى حياته أو بعد مماته حتى يجعل الواعظ اللمّاح من ذلك بابا إلى الملاحاة والمكايدة، بل قال فى حقه صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"، وفى ذات الوقت لم يقل سبحانه فى أحد سواه لا عيسى ولا غير عيسى إنه يصلى عليه هو وملائكته، ولم يطلب من المؤمنين ولا من الكافرين أن يصلوا ويسلموا عليه تسليما مثلما فعل مع محمد. ومعنى أن الله وملائكته "يصلون" على النبى أن الصلاة مستمرة لا تتوقف، لأن الفعل المضارع فى هذه الحالة يدل على الديمومة وعدم الانقطاع لا فى حياته ولا بعد وفاته. أى أن هذا شرف لم يحظ به إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، بيد أن الواعظ الظريف يقلب الأمور رأسا على عقب، وهيهات ما يريد. ولو أردنا أن نتحاسب مع واعظنا الذكى بطريقته الذكية "لطلع لنا عليه حساب كبير"، فالمسيح يقول: "وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا"، وهو (بالمناسبة) نفس ما قيل فى يحيى عليه السلام قبيل ذلك فى سورة "مريم" نفسها. قال تعالى عن ذلك النبى الشهيد: "وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)". ومعنى هذا أن السلام على عيسى ويحيى مقصور على يوم ولادتهما ويوم مماتهما ويوم بعثهما ليس إلا، بخلاف صلاة الله والملائكة على سيدنا رسول الله (صلاة الله والملائكة، وليس صلاة البشر. لاحظ!)، فهى متصلة لا نهاية لها. ومع هذا كله فنحن نحترم سيدنا عيسى احتراما شديدا لا يحترمه إياه سوى المسلمين، لأن الإيمان فى ديننا لا يتم إلا بالإيمان به وبكل الأنبياء والرسل وتبجيلهم، عليهم جميعا السلام. ومن احترامنا له وتبجيلنا إياه أننا عادة ما نلحق باسمه حين يأتى ذكره على ألسنتنا قولنا: "عليه السلام". فالأمر بالنسبة له ولنبينا فى هذه النقطة واحد رغم معرفتنا أن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالصلاة والسلام على محمد فقط نصًّا، إلا أننا من شدة محبتنا لابن مريم وأمه نقرن اسميهما بالسلام أو بالصلاة والسلام جميعا. فكيف يتخذ الواعظ اللبق من احترامنا ومحبتنا لعيسى بن مريم مثارا للمناقرة والمماراة؟
وثانيا: يقول الواعظ إن الموت سببه الخطيئة. فلماذا إذن يا ترى لم يمح الله الموت من صفحة الوجود ما دام عيسى قد جاء وافتدى البشر من خطيئتهم، فلم تعد هناك خطيئة ولا يحزنون؟ بل لماذا مات هو كما يعتقد الواعظ وشيعته، وهو لم يرتكب خطيئة، وفوق ذلك فهو إله حسبما يقولون لا يجوز عليه الموت؟ مشكلة كبيرة معقدة! أليس كذلك؟ فليكن الأمر ما يكون، فالمهم أن ابن مريم وابن عبد الله بن عبد المطلب كلاهما قد مات، ولا أحد أحسن من أحد. وعلى هذا فلا معنى ولا مغزى لكل هذه المماحكات التى لا تسمن ولا تغنى من جوع! أما قول واعظنا إن عيسى قد وُلِد من مريم العذراء "حسب إرادة الله وقدرته"، فالرد عليه أسهل شىء، لأن هذا يصدق على ولادة كل مولود، من البشر وغير البشر. أم ترى نيافته يقول إن المسيح وحده هو الذى وُلِد بإرادة الله وقدرته، وبقية المخلوقات بقدرة الشيطان وإرادته؟ أرجو أن يتنبه الواحد منا لملافظه ويعرف أين هى ذاهبة أو آيبة، وإلا انكشفت عورته وسهل اصطياده. كذلك يقول إنه بمجرد ولادة عيسى صلى الله عليه وسلم قد عم السلام! فأرجو أن يدلنى نيافته على هذا السلام، أين أراضيه؟ إن الناس تعيش فى اضطرابات ومتاعب وأحقاد منذ أن خلقهم الله، مرورا بولادة عيسى، وحتى الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. مرة أخرى يا نيافة الواعظ المسكين، حاسب على كلامك ولا تنطق بما يجلب عليك سخرية الساخرين وشماتة الشامتين، ولستُ منهم، إنما أنا لك ناصح أمين! أم تراك لا تعيش معنا فى دنيانا هذه بنت الهرمة؟ صح النوم، صحَّى الله بدنك، وأدام عليك عافيتك، وبصّرك بمواقع الزَّلَل، وحماك من الخَطَل! أم هو كلام، والسلام؟ إن كان الأمر كذلك فتعال أملأ لك تلاليس منه دون مقابل، بل حسبةً لوجه الله!
وثالثا: يتطرق الواعظ إلى الكلام عن حروب رسول الله متخذا منها مغمزا فيه وفى دعوته، مقارنا له بالمسيح عيسى بن مريم، الذى لم يرفع السيف فى وجه أعدائه واستغفر لهم. لكن فات السيد الواعظ أن عيسى لم يستمر فى دعوته سوى ثلاث سنوات ليس إلا، بخلاف محمد، الذى استمر ثلاثا وعشرين سنة قضى منها فى مكة يتحمل أذى قومه وسخافاتهم وسفالاتهم وجبروتهم ثلاث عشرة سنة كاملات، لا ثلاث سنين فحسب، لم يرفع فى وجههم عود نبات، فضلا عن أن يجرّد للقتال سيفًا، ودعا الله أن يغفر لهم لأنهم لا يعلمون. كذلك فقد رأينا السيد المسيح فى لحظةِ مكاشَفَةٍ يعلنها صريحة مدوية فيقول: "جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟ وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟ أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَّلاَّ، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ، وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا، وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا". فلو أنه عليه السلام قد استمر على الأرض بضعةَ أعوامٍ أُخَرَ لكان له شأن آخَر، إذ الحياة لا تجرى على هذا النحو المغرق فى المثالية والسذاجة، وإلا أكل القوى فيها الضعيف. وها هى ذى أمم الغرب النصرانية أكبر شاهد على ما نقول، إذ لا تعرف، منذ أن دخلت فى النصرانية وقرأت إنجيل السلام، إلا لغة الحرب والسيف، ثم المدفع والقنابل، ثم الطائرات والدبابات والصواريخ، ثم الأسلحة النووية، ولم نقرأ أنها جنحت يوما إلى التعامل بالحسنى مع أحد إلا أن يكون قويا مثلها يخيفها ويوقفها عند حدها. ونحن اليوم ومنذ قرون نذوق من "سلامها" القتّال ما يُلْهِج ألسنتنا بالدعاء الحارّ من أعماق قلوبنا لها أن "يخرب الله بيتها خرابا مستعجلا ويريحنا منها"، ولا أظن، إلا أن نتسلح مثلما يتسلحون ولا ننخدع بما يروجونه على ألسنة هذا الواعظ وأمثاله من أن النصرانية دين السلام، فهى إذن أفضل من الإسلام دين القتال، وذلك بغية تنويمنا حتى لا يقف لهم منا من ينغص عليهم احتلالهم لبلادنا وكسحهم لثرواتنا وتدميرهم لبيوتنا وانتهاكهم لأعراضنا وتقتيلهم لنا ولأولادنا ونسائنا، لعنة الله على المخاتلين! وأخيرا لقد أضحكنى واعظنا النَّسّاء حين قال إن المسيح لم يحاول قط أن يلعن أعداءه، بل كان يدعو لهم بالغفران. ترى من الذى يدمدم لسانه طوال الوقت فى الأناجيل، لا على الأعداء فقط بل على الأعداء والأصدقاء معا، باللعنات والشتائم والتهديد والوعيد بخراب الدِّيَار وذل الدَّيّار مما سقنا بعض شواهده قبل قليل؟ يقينا لست أنا الذى فعل ذلك!
10- آية الله
* يسمِّي الوحيُ حَسْبَ القرآن المسيحَ: "آية الله" لأن الله جعله وأمه آية للعالمين. فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَا بْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ- سورة الأنبياء 91. وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا- سورة مريم 21. ولم يتلقَّ المسيح هذا اللقب الفريد من البشر بل من الله مباشرة، ولم يحصل على لقب "آية الله" لأجل دراساته العليا، بل كان منذ الولادة في هذه الصفة البارزة. يعرف الإسلام، وخاصة الشيعة، علماء كثيرين يحملون اللقب: "آية الله"، وغالى الشيعة في إكرام آية الله خميني إذ قال البعض منهم إنه قائدهم والروح القدس. يظهر أن للمسيحيين حسب القرآن "آية الله" خاص، كما أن الشيعة يدَّعون أن لهم آية الله. فما هو الفرق بينهما؟ إنما المسيح شفى المرضى وبارك الأعداء وجعل سلامًا بين الله والبشر وخلّص ملايين من عذاب يوم الدّين. أما آية الله خميني فحرض المسلمين لحربين مع العراق وفي أفغانستان فمات الملايين. وكان الخميني يوافق على قتل آلاف الأبرياء من أهل إيران وكان يلعن الغرب والشرق. ما أعظم الفرق بين آية الله المسيحي وآية الله الشيعي. لقد اغتاظ علماء السُّنة من آية الله الخميني لأنه قَبِل ألقابًا لم يستحقها حتى محمد! فأجمع بعض العلماء من عدة بلدان عربية في مؤتمر بالدار البيضاء بقرارهم: إنه يجب على آية الله خميني أن يمنع أتباعه من أن يسموه: "روح الله" أو "روح القدس"، وإلاّ فإنه يُحْرَم من الاسلام لأنّ شخصًا واحدًا في الدنيا والآخرة يستحق أن يسمي نفسه: "روح القدس"، ألا وهو ابن مريم المولود من روح الله. إن كان آية الله خميني قائدًا خاصًّا للفُرْس والشيعة أجمعين، فإنّ الله عيّن للمسيح بدعوة أوسع وسماه آية لجميع الناس. فليس ابن مريم آية الله للمسيحيين أو لليهود فحسب، بل أيضا للهندوسيين والبوذيين والكنفوشيين وللملحدين وللمسلمين. فمن يتعمق في المسيح يدرك أنه آية الله الكامل لكل الناس.
** لا أظن أن سيدنا الواعظ جاد حين يقول إن علماء المسلمين قد نبهوا الخمينى إلى أن هناك واحدا فقط يصح تلقيبه بالروح القدس هو السيد المسيح! ذلك أن روح القدس فى الإسلام ليس هو عيسى بن مريم، بل هو جبريل عليه السلام. وقد ذكر الله تعالى فى القرآن أنه أيد عبده المسيح بروح القدس، مما يدل على أنهما شيئان مختلفان (البقرة/ 87، 253، والمائدة/ 110). ولا أدرى من أين أتى واعظنا المفضال بكلامه هذا. لكنى فى ذات الوقت لا أسوّى الخمينى ولا يمكن أن أُسَوّيَه أبدا بالمسيح عليه السلام ولا بأى نبى: الخمينى مجرد عالم من علماء الشيعة، أما المسيح فنبىٌّ اصطفاه الله على عينه، علاوة على أن مكانة النبى عند الله معروفة، وكذلك مصيره فى الدار الآخرة، أما الخمينى وأمثاله من العلماء فلا ندرى عنهم شيئا، بل نكلهم إلى الله سبحانه. فأين هذا من ذاك؟ وما كنا نحب أن يتدهدى السيد الواعظ إلى هذا الدرك فى المقارنة بين المسيح والخمينى، إذ لا يصح ولا يجوز ولا يليق، لا من باب الدين ولا من باب العقل ولا من باب بالذوق، أن نقارن الأنبياء على هذا النحو بغيرهم من البشر العاديين مهما بلغوا من المكانة بين أقوامهم. ومع ذلك فبالنسبة إلى ما ذكره الواعظ من أن الخمينى كان يلعن الشرق والغرب، فقد رأينا عيسى عليه السلام فى الأناجيل يوزع لعناته وشتائمه ذات الشرق وذات الغرب هو أيضا رغم أنى لا أصدق أنه عليه الصلاة والسلام كان بهذه الحدة ولا بهذا الانفلات فى اللسان. وهنا أرجو أن يتنبه القراء إلى أننى، حين أقول شيئا عن المسيح لا يقبله الضمير المسلم، فإننى أستمده من الأناجيل التى لا أوافق بطبيعة الحال على كثير مما ورد فيها، لكننى أحاجّ سيدنا الواعظ بما فى كتابه المقدس ليس إلا. أما عقيدتى فيه، عليه السلام، فهى أنه نبى كريم طاهر مبرأ من كل ما ينسب له مما لا يليق بمن اختارهم الله أنبياء ورسلا، كما أنه لم يَعْدُ طوره يوما فيزعم أنه إله أو ابن للإله. فأرجو أن يكون ذلك مفهوما.
وتعليقا على ما جاء فى هذه الفقرة من أن القرآن قد وصف عيسى عليه السلام بأنه "آية" نقول إن كتاب الله قد وصف أيضا أشياء أخرى كثيرة بأنها "آية": منها ما رآه محمد فى معراجه إلى سِدْرة المنتهى التى عندها جنة المأوى، ومنها جَنَّتا سبإ، وناقة صالح، ويد موسى وعصاه، ومنها الطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم التى عاقب الله بها فرعون وملأه، ومنها الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبرق والرعد والرياح والسحاب والمطر والشجر والدواب والبحار والسفن واختلاف ألوان البشر ولغاتهم. أما دعوى الواعظ المسكين بأن المسيح هو البشر الوحيد الذى قيل فى القرآن إنه "آية" للناس، فهى دعوى خاطئة خطأً أبلق: ففى القرآن أن رجلا مر على قرية وهى خاوية على عروشها واستغرب كيف يحييها الله بعد موتها، فأماته سبحانه مائة عام ثم بعثه، ثم أمره أن ينظر إلى طعامه وشرابه وحماره كيف لم يتغير شىء منها، وإلى العظام كيف يُنْشِزها سبحانه ثم يكسوها لحما، وكذلك إلى نفسه، قائلا له إنه جاعله "آية للناس": "أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة/ 259). وهناك آية بشرية أيضا ذكرها القرآن فى قوله تعالى: "قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ" (آل عمران/ 13)، فضلا عن الآيات المتمثلة فى يوسف وإخوته: "لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ" (يوسف/ 7)، وآيات أصحاب الكهف: "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا" (الكهف/ 9)، وكذلك الآيات التى قال تعالى إنه سيريها للكفار فى أنفسهم: "سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (فُصِّلَتْ/ 53). وقبل ذلك كله آية خلق البشر من التراب، وآية خلق أزواج لهم من أنفسهم، أى أن كل واحد من البشر، ذكرا كان أو أنثى، وليس عيسى وحده، هو فى حد ذاته "آية": " وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ* وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم/ 20- 21). ومعنى ذلك أن واعظنا الطيب الذى على نياته يحشر نفسه فى مآزق ما كان أغناه عنها وعما يترتب عليها من إحراجٍ شديدٍ له وهَتْكٍ للسّتر الذى كان قَمِينًا أن يظل مغطيا عورته لو ملك لسانه ولم يتهور ويلق بنفسه فى المعاطب!
ولا يقتصر ذكر الآيات البشرية على القرآن الشريف، بل نجدها أيضا فى الكتاب المقدس مما يجعلنا نتساءل: أإلى هذا الحد يجهل نيافة واعظنا الطيب الذى على نياته كتابه المقدس؟ أم تراه يعرف ما فيه، لكنه يكتمه كى يحرز نقطة لصالحه بالباطل ضد المسلمين؟ سواء كان هذا أو ذاك فها هى ذى بعض النصوص التى تتحدث عن الآيات البشرية فى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد: جاء فى الإصحاح الثانى من سفر الملوك الثانى: "11وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ. 12وَكَانَ أَلِيشَعُ يَرَى وَهُوَ يَصْرُخُ: «يَا أَبِي، يَا أَبِي، مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا». وَلَمْ يَرَهُ بَعْدُ". ويقول داود (مزمور/ 71): "7صِرْتُ كَآيَةٍ لِكَثِيرِينَ". وفى الإصحاح العشرين من سفر إشعياء نقرأ: "2فِي ذلِكَ الْوَقْتِ تَكَلَّمَ الرَّبُّ عَنْ يَدِ إِشَعْيَاءَ بْنِ آمُوصَ قَائِلاً: «اِذْهَبْ وَحُلَّ الْمِسْحَ عَنْ حَقْوَيْكَ وَاخْلَعْ حِذَاءَكَ عَنْ رِجْلَيْكَ». فَفَعَلَ هكَذَا وَمَشَى مُعَرًّى وَحَافِيًا. 3فَقَالَ الرَّبُّ: «كَمَا مَشَى عَبْدِي إِشَعْيَاءُ مُعَرًّى وَحَافِيًا ثَلاَثَ سِنِينٍ، آيَةً وَأُعْجُوبَةً عَلَى مِصْرَ وَعَلَى كُوشَ، 4هكَذَا يَسُوقُ مَلِكُ أَشُّورَ سَبْيَ مِصْرَ وَجَلاَءَ كُوشَ، الْفِتْيَانَ وَالشُّيُوخَ، عُرَاةً وَحُفَاةً وَمَكْشُوفِي الأَسْتَاهِ خِزْيًا لِمِصْرَ. 5فَيَرْتَاعُونَ وَيَخْجَلُونَ مِنْ أَجْلِ كُوشَ رَجَائِهِمْ، وَمِنْ أَجْلِ مِصْرَ فَخْرِهِمْ". وفى الإصحاح الثانى عشر من سفر حزقيال يقابلنا النصان التاليان منسوبين لله يخاطب فيهما سبحانه حزقيالَ نفسه: "6وَاحْمِلْ عَلَى كَتِفِكَ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ. فِي الْعَتَمَةِ تُخْرِجُهَا. تُغَطِّي وَجْهَكَ فَلاَ تَرَى الأَرْضَ. لأَنِّي جَعَلْتُكَ آيَةً لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ"، "11قُلْ: أَنَا آيَةٌ لَكُمْ. كَمَا صَنَعْتُ هكَذَا يُصْنَعُ بِهِمْ". وفى الإصحاح الرابع عشر، والمتكلم هو الله: "7لأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَوْ مِنَ الْغُرَبَاءِ الْمُتَغَرِّبِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، إِذَا ارْتَدَّ عَنِّي وَأَصْعَدَ أَصْنَامَهُ إِلَى قَلْبِهِ، وَوَضَعَ مَعْثَرَةَ إِثْمِهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ لِيَسْأَلَهُ عَنِّي، فَإِنِّي أَنَا الرَّبُّ أُجِيبُهُ بِنَفْسِي. 8وَأَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ ذلِكَ الإِنْسَانِ وَأَجْعَلُهُ آيَةً وَمَثَلاً". وفى الإصحاح الرابع والعشرين، والمتكلم أيضا هو الله: "23... تَئِنُّونَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ. 24وَيَكُونُ حِزْقِيَالُ لَكُمْ آيَةً... 27فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَنْفَتِحُ فَمُكَ لِلْمُنْفَلِتِ وَتَتَكَلَّمُ، وَلاَ تَكُونُ مِنْ بَعْدُ أَبْكَمَ. وَتَكُونُ لَهُمْ آيَةً، فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". وفى الإصحاح الثالث من سفر زكريا، والمتكلم هو الملاك: "8فَاسْمَعْ يَا يَهُوشَعُ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ أَنْتَ وَرُفَقَاؤُكَ الْجَالِسُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّهُمْ رِجَالُ آيَةٍ، لأَنِّي هأَنَذَا آتِي بِعَبْدِي «الْغُصْنِ». 9فَهُوَذَا الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعْتُهُ قُدَّامَ يَهُوشَعَ عَلَى حَجَرٍ وَاحِدٍ سَبْعُ أَعْيُنٍ. هأَنَذَا نَاقِشٌ نَقْشَهُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، وَأُزِيلُ إِثْمَ تِلْكَ الأَرْضِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ". وفى الإصحاح الثانى عشر من إنجيل متى يقول عيسى بن مريم عليه السلام: "38حِينَئِذٍ أَجَابَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ:«يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً». 39فَأَجابَ وَقَالَ لَهُمْ:«جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. 40لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال"، وهو ما تكرر فى الإصحاح السادس عشر من نفس الإنجيل: "1وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالصَّدُّوقِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ. 2فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ:«إِذَا كَانَ الْمَسَاءُ قُلْتُمْ: صَحْوٌ لأَنَّ السَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ. 3وَفِي الصَّبَاحِ: الْيَوْمَ شِتَاءٌ لأَنَّ السَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ بِعُبُوسَةٍ.يَا مُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ السَّمَاءِ، وَأَمَّا عَلاَمَاتُ الأَزْمِنَةِ فَلاَ تَسْتَطِيعُونَ! 4جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ"، وكذلك فى الإصحاح الحادى عشر من إنجيل لوقا: "29وَفِيمَا كَانَ الْجُمُوعُ مُزْدَحِمِينَ، ابْتَدَأَ يَقُولُ:«هذَا الْجِيلُ شِرِّيرٌ. يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةُ يُونَانَ النَّبِيِّ. 30لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ آيَةً لأَهْلِ نِينَوَى، كَذلِكَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا لِهذَا الْجِيلِ". ولا ننس بوجهٍ خاصٍّ الموتى الذين أعادهم السيد المسيح إلى الحياة كرة أخرى بإذن الله، فهم من أعظم الآيات البشرية. وأخيرا فى الإصحاح الثانى عشر من سفر الرؤيا: "1وَظَهَرَتْ آيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ: امْرَأَةٌ مُتَسَرْبِلَةٌ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهَا، وَعَلَى رَأْسِهَا إِكْلِيلٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ كَوْكَبًا، 2وَهِيَ حُبْلَى تَصْرُخُ مُتَمَخِّضَةً وَمُتَوَجِّعَةً لِتَلِدَ".
11- رحمة الله
* نقرأ عن المسيح في القرآن أن الله يسميه: آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا- سورة مريم 21. كما قال الله عن محمد: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ- سورة الأنبياء 107. إن كنا ندرك أن وحي محمد يختلف مبدئيًّا عن وحي المسيح نرى أن مضمون الرحمة في هذين الرجلين يختلف أيضًا اختلافًا جذريًّا. لقد كان محمد نبيًّا مسلمًا وعبدًا لله يُخْبِر بما أملاه الملاك جبرائيل عليه، أما المسيح فلم يكن نبيا ورسولا فحسب، بل كان الوحيَ المتجسِّد، فلم يكن محتاجًا إلى وسيط كالملاك بل كان في ذاته كلمة الله الأزلي. فكما أن الفرق شاسع بين الوحي في الإنجيل والقرآن، هكذا تختلف رحمة محمد عن رحمة المسيح جوهريا. قد تم الوحي لمحمد بواسطة آيات القرآن وإعلاناته في الحديث وقدوته في السُّنّة، واتحدت هذه الإلهامات في الشريعة مع أوامرها ومحرماتها منظمة جميع نواحي حياة الأمة الإسلامية. فتُنَظّم العبادات بالتفاصيل كالوضوء والصلاة والصوم والزكاة والحج، وحتى الختان والدفن، وأما المعاملات فتُنَظّم جميع نواحي الحياة في العائلة والإرث والعقود والجهاد والعقوبات، فتُسَيّر حياة المسلم حسب الشريعة. وهكذا ظهرت خلاصة رحمة الله للمسلم في إنشاء الشريعة. يخبرنا الإنجيل أن الإنسان لا يتبرّر بحفظ الشريعة لأنْ لا أحد أكمل فرائضها. وهكذا لم يُنفّذ مسلم ما الوضوء دون خطأ، وأهملت الأكثرية الصلوات الخمس، وكسر ملايين الصوم، وقدموا الزكاة بالحيلة، ولم يمارسوا الحج بدون هفوات. وكم من مرة أخطأ الرجل نحو زوجته وأولاده! وكم من عَقْد عُقِدٍ بحيلة وخداع! وكم من مرةٍ صَدَر من الشفتين كذب! وهل عُرف إنسانٌ بدون كبرياء وأنانية وحقد ونجاسة؟ فشريعة الله تدين الإنسان بأعماله ونياته، وخلاصة الشريعة هي الحكم على الإنسان الخاطئ لأجل الفشل والذنب والفساد. نعم شريعة محمد نظمت حياة الأمة نظامًا شاملاً، كما أن شريعة موسى ركزت الحياة على الله في كل نواحيها طالبة التسليم الكلي والخضوع للخالق، إنما الشريعة لن تبرر الخاطئ، ولن تحرر المذنب من ذنبه. فكل شريعة تحكم على الأثيم وتهلكه، فبسبب الشريعة سيدخل الإنسان جهنم. الشريعة هي الدّيّان العادل ولا يستطيع أحد أن يرضيَها. يتمنى كل تقي غفران الغفور، ويرجو المسلم أن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ- سورة هود 114. ولكن بالحقيقة لن يحصل أحد من الأمة الإسلامية على الغفران النهائي الشامل قبل يوم الدين لأن ليس عندهم بديل في الدينونة إلا الشريعة الحاكمة. لا ولن يوجد خلاصٌ في الشريعة لا معنويًّا ولا لغويًّا، وسينال كل واحد في يوم الدين حسابه بسبب آثامه وفشله المبين. فالشريعة تدين أخيرًا أتباعه. ولذلك اعترف النبي بأن جميع أتباعه سيدخلون جهنم حتمًا. فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جَثِيًّا... وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا- سورة مريم 68 و71. إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ- سورة هود 119- 120. نعترف بأن المسيحي والهندي والبوذي والمسلم أشرار بطبيعتهم لأن ليس أحد من البشر صالحًا ولا واحد. الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللّهِ- رومية 3:23. إنما الله منح في المسيح رحمة خاصة لكل الناس، رحمة لا تدين الخطاة ولا تهلكهم، بل تنجيهم من غضب الله ودينونته العادلة- يوحنا 3:17 و18. لم يُلغ المسيح حفظ وصايا الله، وطلب من حوارييه إتمامها عمليا. إنما الهدف الأخير لمجيء المسيح ليس تعيين شريعة يستحيل تطبيقها، بل إعلان محبة الله للخطاة وتبريرهم المجاني. فعاش المسيح ما قاله وأكمل الشريعة بذاته، وصار حَمَل الله الذي يرفع خطية العالم- يوحنا 1:29. وأنبأ إشعياء النبي قبل ألفين وسبعمائة سنة موضحًا نيابة المسيح عنّا في دينونة الله: لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللّهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا. مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلامِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إلى طَرِيقِهِ. والرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا- إشعياء 53:4. خلص المسيح أتباعه من لعنة الشريعة، ونجاهم من حكم الدينونة في اليوم الأخير، وبرّر الذين يُقْبِلون إليه مؤمنين بتبريره. لقد صالَح المسيح البشر بالله وأوجد سلامًا أبديًّا. ويحرضنا الرسول بولس لقبول هذه الحقيقة الروحية كاتبًا إلينا: تَصَالَحُوا مَعَ اللّهِ. لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللّهِ فِيهِ- 2كورنثوس 5:20 و21. لذلك استطاع المسيح أن يُؤكد للمفلوج أمامه: ثق يا بُنيّ، مغفورة لكَ خطاياك. وأعلن أيضًا للخاطئة التائبة: مغفورة لكِ خطاياكِ. ويستمر المسيح بدعوته لكل تائب نادم على إثمه، ويؤكد له: إنّ الله يحبك لأني صالحتك به. لم يرسل الله المسيح رسولا إلى العالمين لينشئ شريعة ثقيلة يستحيل تطبيقها. كلا! إنما المسيح نفسه كان رحمة الله المتجسد حين ظهرت فيه محبة القدوس للجميع، وأحب الخطاة وبارك أعداءه وشجع الفاشلين. فابن مريم هو رحمة الرحمن الرحيم. ويدل هذا اللقب على أنه جوهر من جوهر وروح من الله في الجسد- سورة النساء171. فليس خلاف ولا فرق بينه وبين رحمة الله. لذلك أصبحت كفّارته النائبة عن البشر كله عرض من الله للهالكين. فكل من يقبل نعمة التبرير يتصالح مع الله ويُبْصِر متأكدًا أن المسيح حي جالس عن يمين العظمة. فرحمة المسيح لا تديننا ولا تهلكنا بل أوجدت تبريرًا عامًّا ونعمةً خاصةً وسلامًا مع الله. لا يعيش أتباع المسيح تحت شريعة موسى فيما بعد ولا تحت شريعة محمد بل يثبتون في نعمة الإنجيل. ويثبت القرآن هذا الامتياز بكل وضوح: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ- سورة المائدة 47. فالقرآن يحرر المسيحيين من الشريعة شرعيًّا ويثبتهم رسميًّا في نعمة الإنجيل، فإن رحمة المسيح تمنح سلامًا عامًّا ونشاطًا روحيًّا في يقين الخلاص وتقودنا لخدمات المحبة والرجاء اليقين.
** هذه الفقرة مملوءة بالمغالطات والأخطاء والتناقضات الواضحة لكل من يحكّم عقله، وبخاصة إذا كان على معرفة بالقرآن الكريم والكتاب المقدس. ونبدأ بقول الواعظ الطيب الذى على نياته إن المسيح طلب من أتباعه الالتزام بالشريعة، وقوله فى ذات الوقت إن النصرانية قد ألغت الشريعة. كيف؟ لا أدرى، ولست إخال أحدا آخر يدرى! وهذا هو كلامه بنصه: "لم يُلغ المسيح حفظ وصايا الله، وطلب من حوارييه إتمامها عمليا"، "خلص المسيح أتباعه من لعنة الشريعة، ونجاهم من حكم الدينونة في اليوم الأخير". ترى كيف يأمر المسيح أتباعه بأن يلتزموا بوصايا الشريعة، بل بأن يُتِموها إتماما، وفى نفس الوقت يقال إنه قد خلّصهممنها ومن لعنتها؟ معنى هذا أنه، عليه السلام، حين أمرهم بإتمامها قد أمرهم أن يلتزموا باللعنة. أليس كذلك؟ هذا ما يقوله كلام الواعظ بمنتهى الوضوح! الواقع أن المشكلة فى كلام ذلك الواعظ وأشباهه أنهم يريدون أن يسوّقوا لنا كلاما لا معنى له، وعلينا أن نقبله بوصفه مجرد جَرْس لفظى يملأ الفضاء والأذن والوقت فحسب، ولا ينبغى أن نجعله موضوعا لتفكيرنا، بل نقبل دون تفكير ما يريد الواعظ وأمثاله منا أن نرتبه عليه رغم أنه لا يؤدى إلى شىء من النتائج المراد ترتيبها عليه حتى لا ينكشف عُوَار كلامه، ويبين تهافُت منطقه، وتظهر الثُّغرات القبيحة فى طريقة تفكيره كما هو حادثٌ الآن.
ثم كيف يقال إن المسيح قد خلصهم من لعنة الشريعة؟ ترى هل هناك مجتمع فى الدنيا يعيش دون شريعة؟ فكيف ينظم الناس حياتهم ويميزون بين الصواب والخطإ ويعرفون حقوقهم وواجباتهم والعقوبات التى تردع المجرم عن إجرامه، أو على الأقل: تكون عبرة لغيره من أن يسلك نفس السبيل؟ ترى تحت أى بند نضع تعاليم السيد المسيح التى كان يوصى بها أتباعه كما تقول الأناجيل؟ ألم يكن يأمر كل من آمن به أن يترك عمله الذى يتكسب منه ويتبعه؟ ألم يرفض أن يذهب أحد المؤمنين به لتشييع جثمان أبيه قائلا له: دع الموتى يدفنون موتاهم، بما يفيد أنه لو آمن أفراد المجتمع كلهم به لكان معنى هذا أن تبقى جثث الموتى فى البيوت والشوارع والحقول حتى تنتن وتأكلها الكلاب والثعالب والنسور لأنه لن يكون هناك فى هذه الحالة موتى (أى كفار لم يؤمنوا به عليه السلام) يقومون بدفن موتاهم؟ ألم يبين لهم كيف يصلون؟ ألم يقل لهم إن على الأغنياء التخلى عن كل ثرواتهم حتى يدخلوا ملكوت السماوات؟ ألم يوجب عليهم أن يتركوا إزارهم لمن يغصبهم رداءهم وأن يديروا خدهم الأيسر لمن يصفعهم على خدهم الأيمن وأن وأن وأن؟ أليس فى النصرانية تشريعات خاصة بالقُدّاس والميلاد والزواج والطلاق والصلاة والصيام والحج والموت والدفن مثلا، ودعك من أن كثيرا منها تشريعاتٌ مُعْنِتَةٌ جدا؟ أليس فى النصرانية حَرْمٌ يسلّه الباباوات على رقاب من يخرجون عن طوعهم أو طوع الكنيسة؟ أليس القتل والسرقة والكذب والخيانة وإهانة الأب والأم مثلا حراما فى النصرانية؟ أم إن النصرانى يستطيع أن يزنى ويقتل ويسرق ويغتاب وينم ويستبد ويتجسس ويخون ويكذب دون أن يخشى عقابا من الله يوم القيامة ما دام السيد المسيح، صلى الله عليه وسلم، قد جاءه بالرحمة والغفران الشامل؟ فإذا كان الأمر كذلك، وهو بكل يقين كذلك، ولا يمكن أن يكون إلا كذلك، فأى فرق إذن بين النصرانية وبين الإسلام أو أى دين آخر يُسَوّغ لواعظنا الطيب الذى على نياته الزعم بأن الوضع فى دينه مختلف عما عند الآخرين؟ إن آفة بعض الناس أنهم لا يستطيعون أن يكذبوا على أنفسهم ولا أن يذهبوا فيرددوا ما يسمعونه دون أن يعرضوه على عقولهم وينظروا فيه نظر الفاحص المنتقد، بل لا بد لهم من النظر والتفكير فى كل ما يُعْرَض عليهم، ونحن بحمد الله من هذا الصنف من البشر، فإنْ قَبِلَت عقولنا ما يقال لنا، وإلا نبذناه وراء ظهورنا! وهذا الكلام الذى يقوله الواعظ الطيب الذى على نياته لا يصمد لهَبّةٍ واهنةٍ من نسمة التفكير، بل ينطفئ فى التوّ واللحظة!
ومن تناقضات كلام واعظنا قوله: "لقد كان محمد نبيًّا مسلمًا وعبدًا لله يُخْبِر بما أملاه الملاك جبرائيل عليه، أما المسيح فلم يكن نبيا ورسولا فحسب، بل كان الوحيَ المتجسِّد، فلم يكن محتاجًا إلى وسيط كالملاك بل كان في ذاته كلمة الله الأزلي". ذلك أنه يقر بأن محمدا نبى من أنبياء الله، فما معنى هذا؟ أليس معناه أنه ينبغى الإيمان به صلى الله عليه وسلم؟ أم ترى الله سبحانه قد أرسله على سبيل العبث فلم يرد من عباده أن يؤمنوا به بل أن يتخذوا دينه زينة يضعونها فى حجرة الاستقبال كــ"أنتيكة" من الأنتيكات؟ أعطونى عقولكم أيها القراء! أوليس التالى ينسخ السابق كما أن مقررات المرحلة الإعدادية تأخذ مكان مقررات المرحلة الابتدائية لأنها تشتمل عليها وتزيد عنها وتفصل القول فيها وتحذف أشياء منها لم تعد مناسبة لمدارك الكبار... إلخ، وكما تأخذ الثانوية مكان الإعدادية، والجامعة مكان الثانوية؟
كذلك يضحكنا قول الواعظ الطيب: "لقد صالَح المسيح البشر بالله وأوجد سلامًا أبديًّا"، نعم يضحكنا لمناقضته الواقع الذى يفقأ العين. ذلك أن الدنيا قد ركبها وما زال يركبها ألف عفريت وعفريت! أين بالله هذا السلام الذى يأبى واعظنا إلا أن يجعله سلاما أبديا؟ نعم أين هذا السلام؟ أتراه يتحدث عن السلام فى المريخ مثلا أو فى الزهرة؟ وإلا فما معنى كل هذه الحروب والخصومات والاشتباكات والتناحر والقلق والسأم والخوف وعدم الرضا فى كل مكان على وجه الأرض؟ أم تراه يقول إن هذا هو السلام؟ إن مصيبة بعض العباد أنهم يعيشون أُسَارَى لما يلوكونه من ألفاظ لا يحاولون أن يخرجوا من أَسْرها إلى طلاقة الواقع والهواء والنور والحياة الحقيقية ليَرَوْا مدى صدق ما يقولون أو كذبه! وواعظنا وأشباهه للأسف من ذلك الصنف من الناس!
ويقول واعظنا أيضا إن "الله لم يرسل المسيح رسولا إلى العالمين لينشئ شريعة ثقيلة يستحيل تطبيقها. كلا! إنما المسيح نفسه كان رحمة الله المتجسد حين ظهرت فيه محبة القدوس للجميع، وأحب الخطاة وبارك أعداءه وشجع الفاشلين. فابن مريم هو رحمة الرحمن الرحيم. ويدل هذا اللقب على أنه جوهر من جوهر وروح من الله في الجسد- سورة النساء171. فليس خلاف ولا فرق بينه وبين رحمة الله. لذلك أصبحت كفّارته النائبة عن البشر كله عرض من الله للهالكين. فكل من يقبل نعمة التبرير يتصالح مع الله ويُبْصِر متأكدًا أن المسيح حي جالس عن يمين العظمة. فرحمة المسيح لا تديننا ولا تهلكنا بل أوجدت تبريرًا عامًّا ونعمةً خاصةً وسلامًا مع الله". كلام كلام كلام. كلام فقط، والسلام. كلام لا محصلة من ورائه. ومع هذا فلا بد أن نبين شيئا تجاهله الواعظ الحكيم، ألا وهو أنه إذا كانت النصرانية قد أتت بالرحمة من خلال الله الذى تجسد فى المسيح قبل نحو ألفين من الأعوام، فإن الإسلام لم يترك البشر دون رحمة وغفران كل تلك الملايين من السنين منذ أن خُلِق الإنسان إلى أن أتى المسيح عليه السلام، بل أكد لنا أن الله سبحانه وتعالى قد تاب على آدم بمجرد أن ارتكب المعصية وعوقب عليها بالنزول من الجنة واستغفر ربه، ويا دار ما دخلك شر، ولا تجسُّد ولا يحزنون، ولا لخبطة ولا تعقيدات لا يفهمها العقل ولا تنسجم مع عدل الله ورحمته وقدرته ووحدانيته واستحالة تجسده. أم سيقال إن الله كان ناسيا أن آدم قد ارتكب ذنبا أدى إلى حرمانه من رحمته سبحانه طوال تلك الملايين من السنين، إلى أن نبهه منبّهٌ فتنبه وتدارك ما كان قد فاته كل تلك الأحقاب المتطاولة، أستغفر الله؟ فماذا إذن عن الأجيال التى مضت قبل هذا التذكر وقبل تجسد المسيح ابن الله وموته على الصليب؟
ومما ينبغى الوقوف عنده لتوضيح وجه الحقيقة فيه قول واعظنا البارع فى تسويق ما لا جدوى له من الكلام إن "الشريعة لن تبرر الخاطئ، ولن تحرر المذنب من ذنبه، فكل شريعة تحكم على الأثيم وتهلكه، فبسبب الشريعة سيدخل الإنسان جهنم". يا أخى، فأل الله ولا فألك! لقد جاءت الشريعة لتنظم حياة الناس فلا يعتدى أحد على أحد، وإلا عوقب فى الدنيا، أما الآخرة فقد يعاقب فيها، وقد يسامحه الله أو يخفف عنه حسب ظروفه وفهمه ومدى ما بذل من جهد لتجنب وقوع الخطإ منه، وكذلك حسب ما عمل من الصالحات التى من شأنها أن تعادل ما اقترف من ذنب، بل ربما كانت العقوبة الدنيوية كافية لغفران الذنب فى الآخرة. ومع هذا كله، فهناك رحمة الله الواسعة التى تسبق دائما غضبه وعدله. أليس الله كريما؟ أليس عَفُوًّا غفورا لطيفا بارا حنونا عطوفا؟ فكيف يكون سبحانه كذلك، وهو أعظم من ذلك، دون أن يظهر فى حسابه لعباده كل ذلك؟ فالغفران إذن لا ينتظر بالضرورة إلى الآخرة، بل قد يتم هنا فى الدنيا أولا بأول ما دام الشخص يستغفر ربه ويندم على ما فرط منه من معصية ويسارع إلى فعل الخيرات. ثم لقد خلق الله الإنسان ضعيفا، وهو سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وليس ثمة ذنب إلا وعفو الله أكبر منه وأعظم. ولا ننس فوق هذا كله أن الحسنة فى الإسلام بعشر أمثالها، بل إنها لتتضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر إلى ما شاء الله، على حين أن السيئة إنما تُجْزَى بمثلها فقط، وهذا إن جُزِيَتْ أصلا، وكثيرا ما لا يجازى الإنسان عليها كما نعرف من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
ولو عرفنا أن كل ما يفعله الشخص يعوِّض ما ارتكبه من آثام أولا بأول تبين لنا أن الأمر يختلف بالكلية عما يهرف به واعظنا. ولا يقتصر الأمر على الصلاة والصيام والصدقات فحسب، بل يدخل فى هذا بكل جدارة، وربما بجدارة أجدر من كل جدارة، التبسم فى وجوه الناس وإماطة الأذى عن الطريق ومَحْض النصح للآخرين والسهر فى طلب العلم وسعى الشخص على لقمة عيشه ونأيه بنفسه عن البطالة وتأديته أى عمل نافع له وللناس من حوله وإمداده كلبا أو قطا أو عصفورا شربة ماء ومناولته لزوجته اللقمة فى فمها، بل إن معاشرته لها فى الفراش لتُدِرّ عليه وعليها أجرا. على أن هذا ليس هو كل شىء، بل إن المسلم إذا همَّ بحسنة كُتِب به بها أجر، فإذا عملها فعلا كُتِب له سبعة أجور إلى ما شاء الله، أما إذا هم بسيئة فإنه لا يُكْتَب عليه شىء، فإذا فعلها كُتِب عليه ذنب واحد، فإذا خاف ربه وامتنع عنها كُتِب له أجر على مجرد الامتناع. يا خلق هو، إن الإسلام دين عبقرى، لكن أصحاب العقول المتخلفة لا يفقهونه، فهو مثل لؤلؤة ثمينة لا تستطيع الخنازير أن تقدرها حق قدرها. والمهم أن يبذل كل منا جهده وطاقته وأن يتجنب، ما أمكنه التجنبُ، سبيلَ المعاصى والذنوب، فإذا زلت قدمه سارع إلى باب مولاه ونادى أَنِ "افتح لى يا إلهى باب كرمك ولا تغلقه فى وجهى"، وليترك حموله بعد هذا على الله، ولن يخذله الله أبدا. فكما ترى أيها القارئ، ليس هناك أبسط ولا أكثر منطقية ولا أقرب إلى فطرة البشر ولا أقدر على معالجة أمورهم مما يقوله الإسلام. وليس معنى هذا أن كل شىء سيكون تمام التمام، فليس هناك فى حياة البشر شىء اسمه تمام التمام، لأننا لسنا فى دولة من دول العالم الثالث التى تقوم أمورها كلها على الكذب والنفاق والضحك على ذقون الحكام المتخلفين مثل رعاياهم والذين يحبون أن يسمعوا أن كل شىء عال العال رغم معرفتهم قبل غيرهم أنهم لا يسمعون إلا كذبا وزورا، بل نحن فى ملكوت الله المطلع على كل شىء والذى خلق عباده ضعفاء خطائين، وكل ما هو مطلوب منهم، كما قلت، أن يبذلوا جهدهم وطاقتهم لا يألون منهما شيئا، وأن يتباعدوا عن مواطن التقصير والحرام والإساءة ما أمكنهم ذلك، وأن يسارعوا إلى الاستغفار والعزم على عدم العودة إلى الذنب إن وقعوا فى شىء منه، ثم أن يتركوا الباقى بين يدى الله. ونِعْمَ بالله! ترى بالله ماذا يريد الواحد منا أكثر من هذا؟ إنه إذن لختّارٌ كفورٌ يستأهل ضرب المنتوفلى! ترى هل هناك ما يضاهى فى العبقرية قوله صلى الله عليه وسلم: "سدِّدوا وقارِبوا" أو قوله: "إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى"؟ ثم أين نحن من قوله عز شأنه: "إِنََّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ" (هود/ 114)؟ بل أين نحن من قوله: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (الزُّمَر/ 53)؟
وأترك القراء مع هذه الباقة العجيبة من أحاديث سيد المرسلين فى هذا الموضوع: "إن الله كتب الحسنات والسيئات: فمَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة. فإن هَمَّ بعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة. فإن هو هَمَّ بعملها كتبها الله له سيئة واحدة"، "إن عبدا أصاب ذنبا... فقال: ربِّ،أذنبت... فاغفر لي. فقال ربه: أَعَلِمَ عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي. ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا... فقال: ربِّ، أذنبت... آخر، فاغفره؟ فقال: أَعَلِم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا...، قال: رب أصبت... آخر، فاغفره لي. فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثلاثا، فليعمل ما شاء"، وفى الحديث "أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترَوْنَه كذلك. يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه. فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها، شك إبراهيم، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاءنا ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. فيتبعونه، ويُضْرَب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان! هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قَدْر عِظَمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم: فمنهم المؤمن يبقى بعمله، أو الموبَق بعمله، أو الموثَق بعمله، ومنهم المخردل، أو المجازى، أو نحوه، ثم يتجلى. حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يُخْرِجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتُحِشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولا الجنة، فيقول: أي رب اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها، وأحرقني ذُكَاؤها. فيدعو الله بما شاء أن يدعوه، ثم يقول الله: هل عسيت إن أُعْطِيت ذلك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره. ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء، فيصرف الله وجهه عن النار. فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب قَدِّمْني إلى باب الجنة. فيقول الله له: ألستَ قد أَعْطَيْتَ عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أُعْطِيت أبدا؟ ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! فيقول: أي رب. ويدعو الله حتى يقول: هل عسيتَ إن أُعْطِيتَ ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره. ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق، فيقدّمه إلى باب الجنة، فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، أدخلْني الجنة. فيقول الله: ألستَ قد أعطيتَ عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أُعْطِيت؟ فيقول: ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! فيقول: أي رب، لا أكونن أشقى خلقك! فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال له: ادخل الجنة. فإذا دخلها قال الله له: تَمَنَّهْ. فسأل ربه وتمنى، حتى إن الله ليذكّره، يقول: كذا وكذا، حتى انقطعت به الأماني. قال الله: ذلك لك، ومثله معه"، "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول: أعملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ويقول: أعملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم"، "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرِّقوه، ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر. فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنّه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم. فأمر الله البَرّ فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب، وأنت أعلم. فغفر الله له"، ثم أتساءل: أمن الممكن أن يسمع الإنسان مثل هذه الأحاديث العظيمة فى العفو والغفران والرحمة الإلهية ويتصور أن ثم موضعا لفكرة التجسد والصلب والفداء؟ حاشا لله وكلا!
ومن هذا يتضح لنا أن كل ما قاله واعظنا من أن كل مسلم سيدخل لا محالة النار قبل أن يَرِيح ريح الجنة فهو كلام من لا يفهم مرامى الآيات المذكورة ولا سياقاتها وأسباب نزولها. يقول الواعظ: "اعترف النبي بأن جميع أتباعه سيدخلون جهنم حتمًا: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جَثِيًّا* ...* وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا- سورة مريم 68 و71. إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ- سورة هود 119- 120". ووجه الحق هو أن الكلام فى الآيتين خاص بالكافرين المعاندين الذين أصموا آذانهم عن دعوة الحق والتفكير فيها ورفضوا أن يفتحوا قلوبهم للنور منذ البداية رَفْضَ المتمردين المتصلبين! ومعنى الآية الثانية أن جهنم لن تقتصر على عصاة البشر فحسب، بل ستشمل نظراءهم من الجن أيضا، كما أنها لن تقتصر من هؤلاء وهؤلاء على فريق دون فريق، بل كل العصاة سوف يَصْلَوْن نارها: فقراء كانوا أو أغنياء، ورجالا كانوا أو نساء... وهكذا. ولنلاحظ أن القرآن لم يقل إنه سبحانه سوف يملأ جهنم "بـــ" الجنة والناس أجمعين، بل "من" الجنة والناس أجمعين. فالحرف "من" يفيد التبعيض، بمعنى أن بعض الجن وبعض الإنس هم الذين سيملأون جهنم لا الجن والإنس جميعا. وأرجو أن يلتفت القارئ إلى قوله تعالى فى نفس السورة للمسلمين قبل انتقال الآيات إلى الحديث عن الكافرين بقليل: "وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113)"، وهو ما يفيد أنه لو لم يركن المسلمون إلى الذين ظلموا ما مستهم النار مجرد مَسّ، فكيف يفهم فاهم أن المسلمين المطيعين سوف يدخلون النار ويصلَوْن عذابها ضربةَ لازب؟ وإلا فأين المهرب من جنة عرضها السماوات والأرض كما جاء فى سورة "آل عمران" وسورة "الحديد"؟ أما إن أصرّ مُصِرٌّ على أن الكلام فى سورة "مريم" بعنى أن البشر جميعا سوف يَرِدُون النار أوّلاً، فلا بد أن نعرف إذن أن الورود لا يعنى الدخول والمقاساة، فورود الماء معناه الوصول إلى العين أو البئر لا نزول الشخص فيه. وعلى هذا يكون المراد هو أن النار ستكون فى الطريق إلى الجنة: فمن استحق الجنة اجتاز الطريق لدار النعيم مباشرة دون أن يناله من النار أذى لأنه لن يدخلها، وإلا أخذ من العذاب نصيبه حتى يتطهر فيخرج عندئذ ليلتحق بأصحاب الفردوس.
ومضيًّا فى المقارنة بين مصير المسلمين والنصارى يقول الواعظ إنه "لن يحصل أحد من الأمة الإسلامية على الغفران النهائي الشامل قبل يوم الدين لأن ليس عندهم بديل في الدينونة إلا الشريعة الحاكمة"، أما على الجانب الآخر فقد "خلّص المسيح أتباعه من لعنة الشريعة، ونجّاهم من حكم الدينونة في اليوم الأخير". وهو لا يكتفى بهذا، بل يضيف أن "إشعياء النبي أنبأ قبل ألفين وسبعمائة سنة موضحًا نيابة المسيح عنّا في دينونة الله: لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللّهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا. مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلامِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إلى طَرِيقِهِ. والرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا- إشعياء 53:4". والواقع أن هذا كله ليس إلا كلاما فى كلام. كيف؟ يقول إن المسلمين لن يحصلوا على الغفران النهائى الشامل إلا يوم الدين بعكس النصارى، وهو ما يفهم منه أن المسلمين منغمسون هنا فى العذاب والمعاناة، على خلاف النصارى، الذين يرتعون فى الدنيا فى بحبوحة الجنة وما أعده الله فيها لعباده المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فهل هذا صحيح؟ الحق أنه لا يقول بهذا إلا مجنون، فكلا الفريقين يعيش فى هذه الأرض كما يعيش الفريق الآخر: يعمل ويكد لكى يعيش، ويعانى متاعب الحياة بألوانها المختلفة من أمراض ومخاوف وقلق وملل وفقر وطمع وجهل، ويتطلع إلى التغلب على هذا كله فينجح أحيانا ويخفق أحيانا. وفى بلادنا نرى الفريقين كليهما يصرخان من نار الغلاء والزبالة والحفر التى تملأ الشواع واختفاء الرصيف والزحام الرهيب فى البشر والسيارات، والصنايعية غير المهرة الذين يتقاضون أجورا عالية لا يستحقونها، والمدارس والجامعات التى هى أكثر من الهم على القلب وتأكل الميارات أكلا ثم لا تخرج إلا جهلة لا يستطيع أغلبهم كتابة اسمه كتابة صحيحة، والدروس الخصوصية التى لا علم فيها بل حفظ ملخصات كلها جهل وتخلف، والمستشفيات العامة هى فى الحقيقة زرائب، والضجة التى تُصِمّ الآذان وتكاد تصيب الناس بالجنون، والكذب وخلف الوعد، والألفاظ البذيئة التى تحاصر الآذان فى كل مكان، والأغانى الهابطة المصحوبة برقص بنات شبقات يحككن أردافهن فى الجدران كأنهن قطط جائعة، والصحف التافهة التى لا تثقّف عقلا ولا ترقّى ذوقا ولا تقول الصدق غالبا... إلخ. أم ترى واعظنا يزعم أن النصارى لا يقاسون شيئا من هذا، بل يعيشون فى جنة عرضها كعرض السماء والأرض يأتيهم فيها رزقهم بكرةً وعشيًّا دون أن يخرجوا من بيوتهم بل دون أن يغادروا فراشهم، وكل ما عليهم أن يفعلوه هو أن يتمطَّوْا بدلالٍ يليق بأهل السعادة من ساكنى الجنان ويفتحوا أفواههم وهم مستلقون على ظهورهم فيتساقط الطير مشويا فى حلوقهم ومعه ما لذ وطاب من العصائر الحلوة من عرقسوس وتمر هندى وسوبيا ودوم وخرنوب (ولا داعى للكوكاكولا والبيبسى نزولا على حكم المقاطعة لأمريكا)، وقد هبت عليهم نسائم الفردوس الخَضِلة العَطِرة ودخلت الملائكة عليهم من كل باب: "سلامٌ عليكم بما صبرتم، فنِعْمَ عُقْبَى الدار"، على حين أن المسلمين غائصون حتى أذقانهم فى طفح المجارى، وقد انهالت على جلودهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غمِّ أعيدوا فيها: "وذوقوا عذاب الحريق"، وسربلتهم ثياب من زفت وقطران، وليس لهم طعامٌ إلا شجرة الزَّقُّوم، ولا شرابٌ إلا غَلْى الحميم؟ فليكن النصرانى قد غُفِرَتْ له ذنوبه، والمسلم لا، فالواقع الذى لا يكذب هو أن ثمرة هذا أو ذاك لن تظهر إلا فى الآخرة، ومن ثم فلا فرق فى دنيانا هذه بين حالة الأول وحالة الأخير. وهذا إن صدقنا أن ما يقوله الواعظ صحيح، وهو بكل تأكيد غير صحيح.
ونصل إلى إشارة الواعظ إلى نبوءة إشعياء، وهو بطبيعة الحال يقصد أن عيسى عليه السلام هو الله أو ابن الله الذى شفى الممسوسين، وفاته أنه قد تكررت الإشارة فى سفر إشعياء إلى أن الكلام عن "عبد" لله لا عن ابن لله ولا عن الله نفسه. وهذا هو النص فى سياقه كاملا كما ورد فى السفر المذكور: "13هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا. 14كَمَا انْدَهَشَ مِنْكَ كَثِيرُونَ. كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ. 15هكَذَا يَنْضِحُ أُمَمًا كَثِيرِينَ. مِنْ أَجْلِهِ يَسُدُّ مُلُوكٌ أَفْوَاهَهُمْ، لأَنَّهُمْ قَدْ أَبْصَرُوا مَا لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ فَهِمُوهُ. 1مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ 2نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. 3مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا،هنا
مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. 4لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً. 5وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. 6كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. 7ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. 8مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ 9وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ. 10أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. 11مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا. 12لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ" (إشعيا/ 52/ 13- 15، و53/ 1- 11).
فإن أصر قداسة الواعظ على أن يرى هنا المسيح عليه السلام، فها هو ذا مؤلف سفر إشعياء يصفه على لسان المولى سبحانه بأنه عبد لله لا ابن له. ولا ننس أنه لم يحدث مرة أن قال المسيح عليه السلام لأحد ممن تعامل معهم: "يا عبدى، أو يا عبادى"، بل إنه لم يسمهم حتى "عَبِيدًا" (وهى الكلمة التى تُسْتَخْدَم عادة لعبد الإنسان لا لعبد الله، الذى يُجْمَع عادة على "عِبَاد") بل سماهم: "أحبّاء": "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي" (يوحنا/ 15/ 15). أى أن المسيح، عليه السلام، من الناحيتين: الإيجابية والسلبية كلتيهما، هو عبدٌ لله كسائر عباد الله، وإنْ زاد عنهم بأنه كان رسولا نبيا. لكن قول مؤلف إشعياء عن ذلك العبد: "7ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. 8مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ 9وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ" لا ينطبق على السيد المسيح صلى الله عليه وسلم، إذ إنه لم يكن صامتا بل كان يتكلم طوال الوقت مع تلامذته أو أعدائه أو المرضى المتعَبين، وهذا الكلام هو الذى ألَّب عليه المجرمين الفَسَقَة. حتى عندما وُضِع على الصليب حَسْب روايات مؤلفى الأناجيل لم يكفّ عن الكلام، بل كان يجيب على ما يوجَّه له من أسئلة وتهكمات، كما أخذ يصيح ويتألم وهو فى نزعه الأخير حسبما يزعمون. ثم إنه لم يُدْفَنْ مع أشرار، ولا مات مع أغنياء، ورواية الصَّلْب موجودة لكل من يريد، فليدلّنا القوم على خلاف ما نقول! وفوق ذلك كيف يقال إنه قد ظُلِم، وهو ابن الله أو الله ذاته؟ هل الآلهة يمكن أن تُظْلَم؟ أوليس أبوه هو الذى أرسله بنفسه لكى يموت هذه الميتة فداء للبشرية؟ فكيف يسمَّى هذا ظلما؟ الواقع أنه إذا قلنا إنه كان هناك ظلم فليس أمامنا إلا القول بأن هذا الظلم هو مِنَ الذى اختاره وأرسله، أستغفر الله، لا مِنَ الذين أسلموه لقتلته ولا من الذين صلبوه لأن هؤلاء جميعا إنما كانوا الأدوات المنفذة للمشيئة الإلهية التى إنما عملت ما عملت رحمة بالبشرية وتكفيرا لها عن ذنوبها كما يقول القوم! كذلك فالسيد المسيح لم يكن محتقَرا، معاذ الله! وإذا كان فمِنْ قِبَل المجرمين المنافقين من بنى إسرائيل فقط، وهؤلاء لا قيمة لهم عند الله، أما الذين آمنوا به فقد أحبوه واحترموه. والأناجيل مملوءة بالكلام الطيب الذى كانوا يغدقونه عليه. وفوق ذلك فإن قول إشعياء: "لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحمّلها" لا ينطبق على السيد المسيح بحال لأنه لم يحدث أنْ حمل أحزان أحد ولا تحمّل أوجاعه، بل كل ما هنالك أنه أذهب عن بعض المرضى (وليس عنا كلنا نحن البشر) الأحزان والأوجاع التى كانوا يقاسونها ولم يتحمل هو نفسه شيئا منها، وإلا فهل كان فى كل مرة يشفى فيها أحدا من مرضه كان يصاب هو بدلا منه بذلك المرض؟ هذا هو معنى العبارة، وهو ما لا ينطبق على المسيح بتاتا، بيد أن القوم فى تفكيرهم وتفسيرهم لكتابهم المقدس لا يجرون على أى منهج أو منطق، بل يقولون كل ما يعنّ لهم بغض النظر عما فيه من شطط فى الخروج على كل منطق وعقل! كذلك فإن الكلام يخلو تماما مما يعتقده النصارى فى السيد المسيح من أنه قام من الأموات وصعد إلى السماء! ثم إن نهاية النص تتحدث عن نسل له تطول أيامه، وليس للمسيح أى نسل، لسبب بسيط هو أنه لم يتزوج كما يعلم جميع الناس: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ".
ولا بد من التنبيه إلى أن كثيرا من المفسرين اليهود يؤكدون أن المقصود فى هذه النبوءة هو النبى إرميا وليس عيسى عليه السلام، أما الفريق الآخر منهم الذى يرى أن الكلام عن المسيح فإن المسيح عندهم ليس هو ابن مريم بل شخصا آخر لا يزالون فى انتظار مجيئه كما هو معروف (انظر "Matthew Henry Complete Commentary on the Whole Bible" فى التعليق على الفقرات 13- 15 من الإصحاح الثانى والخمسين من سفر إشعياء)، وهذا الشخص لن يكون واحدا من الأقانيم المعروفة لأنهم لا يعرفون التثليث النصرانى الذى هو، فى الواقع، نتاج الفكر المتأخر عن المسيح. وعلاوة على هذا نجد ألفرد جِيّوم فى "A New Commentary on Holy Scripture" (لندن/ 1929م/ 459) يؤكد أن هناك خلافا حادا حول حقيقة الشخص المومإ إليه هنا لم يهدأ أُوَارُه، وأن التفسير القديم الذى كان يرى أن المراد فى نبوءتنا هو السيد المسيح قد أخلى مكانه لحساب القول بأن المقصود هم بنو إسرائيل كلهم، وبخاصة أنه قد سبق فى سفر إشعياء استعمال لفظ "العبد" مرادا به بنو إسرائيل، كما أنه من غير المعقول أن يكون الكلام بهذا التفصيل عن شخص لن يظهر إلا بعد 500 عام تقريبا. ومن هذا يتبين لنا أن كلام السيد الواعظ هو كلام خاطئ تماما.
12 - من هو الأعظم؟
* لا يناسب هذا السؤال الخطير هاتين الشخصيتين البارزتين لأنهما أعظم شخصيات في تاريخ البشر: فأتباع محمد يبلغون 1100 مليون مسلم بعد مرور 1370 سنة بعد الهجرة، بينما يبلغ الذين يؤمنون بالمسيح 1700 مليون بعد 1960 سنة من وفاته. وتأثر أتباعه من محبة مخلصهم حتى قبلوا لأنفسهم اللقب: "المسيحيون" . لا دين آخر ولا حزب، لا فلسفة ولا مذهب جمع عددا أوفر مما جمع هذان الرجلان في مذهبهما. لهذا يقدّر التاريخ المسيح ومحمدًا القمتين عبر العصور. كان محمد منذرًا لشعبه محتملا الاضطهاد والحقد 12 سنة في مكة المكرمة، وتغير بعد الهجرة في سنة 622 م إلى شخصية بارزة ماهرة في السياسة والتشريع والجهاد حتى أصبح أمير المؤمنين وخليفة الله في أرضه للأمة الإسلامية. أما المسيح فلم يقبل السؤال: من هو الأعظم؟ لأنه تواضع جدا وقال إنه لم يأت ليُخْدَم بل ليَخْدُم، كما أعلن أن الذي يريد أن يكون الأول يكون الآخِر، ومن يريد أن يترأس فليكن عبدًا للجميع. فكل من يطلب العظمة لم يفهم المسيح وقصده بعد لأنه اعترف بأنه وديع ومتواضع القلب، فالودعاء فقط هم الذين يرثون الأرض- متى 5:5. وهكذا نقرأ عن المسيح أنه أصبح مذلولاً ومحتقرًا وملعونًا مرفوضًا من أمته ومهانًا حتى رفعوه على خشبة العار بأيدي الأثمة- اشعياء 53:1-3. فالمسيح أراد وعاش إنكار النفس معنويا وعمليا. قد سمى بطرس مقدام رسله شيطانًا مجرِّبًا عندما حاول أن يمنعه عن طريق الاحتقار والموت النيابي عن البشر- متى 16:23. وأعلن المسيح تواضعه أيضًا بالنسبة لله وقال: لا يَقْدِرُ الا بْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلا مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَن مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ- يوحنا 5:19. وقال أيضًا: الْكَلامُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ- يوحنا 14:10. واعترف المسيح أن الآب أعظم منه، فمجَّد اسم الآب وأنكر نفسه. كل من يريد أن يفهم المسيح فلا بد أن يتواضع أولاً ويسأل: من هو الأصغر؟ وليس من هو الأعظم؟ لأن المسيح جعل نفسه أصغر الجميع، وأصبح خطية لأجلنا لنصبح نحن بِرّ الله فيه. لذلك بذل نفسه فدية عن الأشرار والمجرمين ليتحرروا من دينونة الله ويتغيروا إلى صورة محبته القدوسة.
** يا أيها الواعظ، لقد حيرتنى، فما دمت تؤمن بنبوة محمد وعظمته، فلماذا الشغب إذن والضرب تحت الحزام من حين لحين كتلميحك إلى أن محمدا إذا كان قد عاش حياته فى مكة رجل سلام يتحمل الاضطهاد والحقد بصبر نبيل، فقد انقلب فى المدينة رجل عدوان؟ لقد وصلتنى الليلة رسالة بالإنجليزية عن "الهولوكوست الإسلامى"، وهى تكفى فى الرد عليك، إذ إن مرتكبى الهولوكوستات المذكورة فيها هم فى غالبيتهم الساحقة من النصارى الذين يقولون إنهم أتباع المسيح نبى الوداعة والسلام. وهناك هولوكوستات أخرى لم تُذْكَر، كالهولوكوست الذى اجترمه الإسبان فى شبه جزيرة إيبريا غداة انتصار النصارى على بنى نصر آخر حكام الإسلام فى تلك البلاد، إذ لم يبق مسلم هناك بعد فترة قصيرة يوحّد الله! فأين ذهب المسلمون، وكانوا يُعَدّون بالملايين؟ والرسالة تجرى على النحو التالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
In the Name of Allah, Most Gracious, Most Merciful
Muslims Holocaust and Genocide Remembrance Day
Muslims Against Terrorism
http://www.m- a-t.org
In order to remember more than 32 million Muslims killed / displaced during the past 1400 years, Muslims Against Terrorism (MAT) will be holding two memorial ceremonies in Toronto and Calgary .
Major holocausts and genocide of Muslims are as follows.
Crusaders killed more than half million Muslims during and after occupying Jerusalem.
Ganges Khan and his forces killed more than a million Muslims during the occupation of Iraq and neighboring areas. More than a million Muslims were killed / forced to change religion by Spanish Crusaders in South America .
More than 2 million Muslims were killed / forced to change religion / displaced by Spanish and other European extremists during the rebellion against Ottoman empire .
More than 3 million Muslims were killed by the European colonial powers during and after the occupation of Muslim countries.
More than 8 million Muslims were killed / displaced by Tsars of Russia.
More than 3 million Muslims were killed / displaced by communist government of Russia.
More than 1.5 million Muslims have been killed in China , Cambodia , Vietnam, and other Far East countries since the world war II.
More than half million Muslims have been killed / displaced in Burma since world war II.
More than half million Muslims have been killed in India and Kashmir since 1947.
More than half million Muslims were killed by Serbs and Croats in Bosnia during early 90s.
More than 100,000 Muslims were killed in Kosovo and Albania during mid 90s.
More than a million Muslims were killed in East European countries during the communist governments.
More than 5 million Muslims have been killed / displaced in Palestine since 1948.
More than 6 million Muslims were killed / displaced by the Russian occupation of Afghanistan.
Thousands of Muslims have been killed by secular / dictator governments (backed by the West) in Muslim countries since the independence from the colonial powers.
Why 32 million Muslims killed / displaced during past 1400 hundred years?
يا أيها الواعظ، إذا كنت وقومك تبجلون المسيح فنحن المسلمين نبجله أيضا ونحبه حبًّا جَمًّا وندفع عنه وعن أمه الطاهرة الأذى والعدوان من أية جهة يأتيان، لكننا رغم ذلك لا نؤلهه ولا نرتفع به فوق النبوة، فما هو فى نهاية المطاف إلا عبد الله ورسوله مثلما محمد عبد الله ورسوله، ومثلما نوح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وداود وسليمان واليَسَع ويونس وزكريا وهُود وصالح وشُعَيْب عباد الله ورسله، عليهم جميعا الصلاة والسلام. كذلك فنحن لا نستطيع قبول كثير مما تقصه الأناجيل عنه وتنسبه إليه مما أشرنا إلى بعضه فيما مضى من فقرات. ولكن ما دمت فتحت موضوع المقارنة بين النبيين الكريمين العظيمين فلا بد أن ندلى بدلونا. وسوف تدور المقارنة على ثلاثة محاور: الأول هو مدى توفير كل من الدينين للتشريعات التى تنظم أمور الحياة. والثانى هو القيم الحضارية التى يبشر بها كل من الدينين. والثالث هو عنصر الرجال الذين رباهم كل من الرسولين حسبما نقرأ فى كتب قومه.
ونبدأ بالتشريعات، ومعروف أن النصرانية تخلو تماما من أى شىء يتعلق بتنظيم المجتمع أو الدولة: سواء فى مجال السياسة والحكومة، أو الاقتصاد والعمل والإنتاج والصناعات والحرف والبيع والشراء والربا، أو العلاقات التى تربط أفراد الأسر والأقارب والجيران بعضهم ببعض، أو الحروب والمبادئ التى ينبغى الالتزام بها أثناءها. ذلك أن النصرانية ليست سوى طائفة من النصائح الأخلاقية المغرقة فى المثالية الساذجة التى تتأبى على التطبيق مهما كانت رغبة الشخص أو المجتمع فى ذلك لأنها تدابر الفطرة البشرية وتفترض فى الناس أنهم مجموعة من الملائكة الأطهار الأبرار، أو من ألواح الثلج، فهم لا يحسون ولا يغضبون ولا يتألمون ولا يقلقون على شىء ولا يرون له قيمة، ومن ثم لا يثورون ولا يتمردون على أية إهانة أو إذلال. وبطبيعة الحال فإن الناس ليسوا كذلك ولا يمكن أن يكونوا كذلك، ولهذا كان لا بد من تشريعات تنظم أمورهم فى مجالات الحياة المختلفة، وهو ما قام به الإسلام على خير وجه، وراعى فيه إقامة توازن عبقرى بين واقعية القوانين ومناسبتها للطبيعة الإنسانية مع العمل فى ذات الوقت على السموّ بتلك الطبيعة إلى أقصى ما يمكنها بلوغه من درجات الرقى والسموق رغم ذلك. وعلى ذلك فمن الظلم وضع الإسلام موضع المقارنة مع النصرانية، إذ لا تستطيع هذه الديانة الأخيرة أن تصمد لحظة من نهار أو ليل لتلك المقارنة إلا على سبيل المكابرة من جانب بعض الناس. وينبغى ألا ننس ما قاله المسيح عليه الصلاة والسلام من أن مملكته ليست من هذا العالم، وهى كلمة قاطعة الدلالة على أن النصرانية، حتى دون تحريف، لا تصلح للحياة الدنيا، فكيف تصح مقارنتها بالإسلام، فضلا عن تفضيلها عليه؟ إن هذا كلام لا يدخل العقل! وهنا ننتقل إلى المحور الثانى فى المقارنة بين محمد والمسيح عليهما جميعا السلام، وهو محور القيم الحضارية.
ومن المعروف أن الحضارة تقوم على عدة أسس هى العقيدة، والأخلاق، والقانون، والعلم، والذوق، والعمل. وليكن آخر شىء هنا، وهو العمل، هو أول ما نتناوله فى المقارنة بين الإسلام والنصرانية. وكان المسيح عليه السلام، طبقا لما يقوله كتّاب الأناجيل، ينظر إلى العمل على أنه عائق فى طريق دعوته، ولهذا كان يأمر كل من يدخل فى تلك الدعوة أن يترك وراء ظهره مهنته التى يأكل منها، وكذلك أسرته، ويتبعه: "17مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ:«تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ».18وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِيًا عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. 19فَقَالَ لَهُمَا:«هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ». 20فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا الشِّبَاكَ وَتَبِعَاهُ. 21ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ فَرَأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْنِ: يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، فِي السَّفِينَةِ مَعَ زَبْدِي أَبِيهِمَا يُصْلِحَانِ شِبَاكَهُمَا، فَدَعَاهُمَا. 22فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ" (متى/ 4)، "وَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ جُمُوعًا كَثِيرَةً حَوْلَهُ، أَمَرَ بِالذَّهَاب إِلَى الْعَبْرِ. 19فَتَقَدَّمَ كَاتِبٌ وَقَالَ لَهُ:«يَا مُعَلِّمُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي». 20فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ». 21وَقَالَ لَهُ آخَرُ مِنْ تَلاَمِيذِهِ:«يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي». 22فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اتْبَعْنِي، وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ»" (متى/ 8)، "9وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ:«اتْبَعْنِي». فَقَامَ وَتَبِعَهُ" (متى/ 9. وبالمناسبة فهذا النص الصغير يدل دلالة قاطعة على أن كاتب هذا الإنجيل ليس هو متى حوارى عيسى، فهو يتكلم عن متى نفسه بوصفه شخصا آخر، وهذا ظاهر من استعمال ضمير الغائب لا المتكلم"، "24حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ:«إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (متى/ 16).
ويتصل بهذا تهوينه عليه السلام من شأن المال، مع أن المال فى أصله عنصر رئيسى من عناصر الحياة، إذ هو ترجمة الجهد المبذول فى العمل والإنتاج أو فيما يحتاج إليه الإنتاج كى يمكن إنجازه. ولا يمكن أن يُدَان المال ومالكوه، اللهم إلا إذا كان قد أتى من حرام، أو يُنْفَق فى حرام، أما إدانته والتنفير منه والدعوة إلى كراهيته كأنه شرٌّ فى ذاته كما كان المسيح يفعل طبقا لما يقول مؤلفو الأناجيل فهو ما لا يمكن الموافقة عليه، لأنه يهدم ركنا من أركان الحياة والعمران البشرى، وإلا فمن أين يأكل الناس ويشربون ويلبسون ويسكنون إذا أهملوا العمل وما يترتب على العمل من كسب ومال؟: "19«لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. 20بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، 21لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا. 22سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، 23وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ! 24«لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ. 25«لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ 26اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ 27وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟ 28وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. 29وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. 30فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ 31فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ 32فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. 33لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. 34فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ" (متى/6).
ولقد يبدو أن ما يقوله المسيح هنا يشبه ما قاله الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام عندما أشار إلى أن الله سوف يرزقنا كما يرزق الطير. بيد أن هناك فرقا ضخما وخطيرا بين الكلامين، ألا وهو أن الرسول محمدا قد وضّح ماذا يقصد بالمقارنة بيننا وبين الطير، وهو ألا نركن إلى الكسل ونهمل العمل، بل علينا أن نطلب الرزق من مظانّه. وإذا كانت الطير تترك أعشاشها وتطير فى فضاء الله الوسيع سعيا وراء الحبة والدودة، وحينئذ تحصل على رزقها، فكذلك ينبغى أن نتحرك نحن أيضا ونجتهد ونتعب حتى نحصل على رزقنا، فالرزق لا يأتى دون تعب وعرق وكد وكدح. وهذا معنى ربطه صلى الله عليه وسلم بين الرزق وبين شرط التوكل على الله حقّ توكُّله: "لو توكلتم على الله حَقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خِمَاصًا، وتروح بِطَانًا". وهذا ما لا نجده فى حديث السيد المسيح عليه السلام، بل فيه أن الله يرزق الطير دون مجهود من جانبها، وهذا غير صحيح كما يعرف جميع الناس.
ولنتابع: "16وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ:«أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟» 17فَقَالَ لَهُ:«لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا». 18قَالَ لَهُ:«أَيَّةَ الْوَصَايَا؟» فَقَالَ يَسُوعُ:«لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. 19أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». 20قَالَ لَهُ الشَّابُّ: «هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي. فَمَاذَا يُعْوِزُني بَعْدُ؟» 21قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي». 22فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ الْكَلِمَةَ مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ. 23فَقَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ! 24وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!». 25فَلَمَّا سَمِعَتَلاَمِيذُهُ بُهِتُوا جِدًّا قَائِلِينَ:«إِذًا مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟» 26فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«هذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ. 27فَأَجَابَ بُطْرُسُ حِينَئِذٍ وَقَالَ لَهُ:«هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟» 28فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي، فِي التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ. 29وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. 30وَلكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ، وَآخِرُونَ أَوَّلِينَ.»" (متى/ 19. ولو قيل إن الغِنَى إذا كان من حرام أو يدفع إلى حرام أو يشغل صاحبه عن طاعة الله ويغريه بالإثم فإنه يشكل عندئذ عقبة تمنع صاحبه من دخول ملكوت السماوات ، أما التنفير من المال مطلقا فلا أدرى كيف يكون!).
ولذلك كان من ثمرة هذا الموقف المبدئى من السيد المسيح أنه وتلاميذه كانوا يعتمدون فى مطعمهم وملبسهم ومركبهم... إلخ على ما يجود به عليهم الآخرون، أو على ما يقابلهم فى طريقهم من حقول أو حظائر يهجمون عليها دون إذن من أصحابها، أو على معجزات السيد المسيح الطعامية. وإن لم تأت المعجزة بالثمرة المطلوبة لعن التينة المسكينة التى لم تستجب له لأن الأوان ليس أوان تين، وليس لها ذنب فى ذلك. وليس على تلك الأسس تقوم المجتمعات البشرية، بل على العمل والجِدّ والإنتاج وامتهان الحرف والصنائع المختلفة، وإلا انقرض المجتمع وضاع: "5هؤُلاَءِ الاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً:«إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. 6بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ. 7وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ. 8اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصًا. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ. مَجَّانًا أَخَذْتُمْ، مَجَّانًا أَعْطُوا. 9لاَ تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ، 10وَلاَ مِزْوَدًا لِلطَّرِيقِ وَلاَ ثَوْبَيْن وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصًا، لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَهُ" (متى/ 10)، "1فِي دلِكَ الْوَقْتِ ذَهَبَ يَسُوعُ فِي السَّبْتِ بَيْنَ الزُّرُوعِ، فَجَاعَ تَلاَمِيذُهُ وَابْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ. 2فَالْفَرِّيسِيُّونَ لَمَّا نَظَرُوا قَالُوا لَهُ:«هُوَذَا تَلاَمِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لاَ يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السَّبْتِ!» 3فَقَالَ لَهُمْ:«أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ؟ 4كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللهِ وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلاَ لِلَّذِينَ مَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ. 5أَوَ مَا قَرَأْتُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْكَهَنَةَ فِي السَّبْتِ فِي الْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ السَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟ 6وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ههُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ! 7فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ! 8فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا»" (متى/ 12. والطريف أن كاتب الإنجيل يعرض المسألة على أنها انتهاك لحرمة السبت، وينسى أو يتناسى انتهاك حرمة الحقل فى غياب صاحبه والأكل منه دون إذنه)، "14فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ أَبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ. 15وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ:«الْمَوْضِعُ خَلاَءٌ وَالْوَقْتُ قَدْ مَضَى. اِصْرِفِ الْجُمُوعَ لِكَيْ يَمْضُوا إِلَى الْقُرَى وَيَبْتَاعُوا لَهُمْ طَعَامًا». 16فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«لاَ حَاجَةَ لَهُمْ أَنْ يَمْضُوا. أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا». 17فَقَالُوا لَهُ:«لَيْسَ عِنْدَنَا ههُنَا إِلاَّ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَانِ». 18فَقَالَ:«ائْتُوني بِهَا إِلَى هُنَا». 19فَأَمَرَ الْجُمُوعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى الْعُشْبِ. ثُمَّ أَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى الأَرْغِفَةَ لِلتَّلاَمِيذِ، وَالتَّلاَمِيذُ لِلْجُمُوعِ. 20فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا. ثُمَّ رَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَمْلُوءةً. 21وَالآ كِلُونَ كَانُوا نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُل، مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ" (متى/ 14)، "32وَأَمَّا يَسُوعُ فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ:«إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى الْجَمْعِ، لأَنَّ الآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ. وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي الطَّرِيقِ» 33فَقَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ:«مِنْ أَيْنَ لَنَا فِي الْبَرِّيَّةِ خُبْزٌ بِهذَا الْمِقْدَارِ، حَتَّى يُشْبِعَ جَمْعًا هذَا عَدَدُهُ؟» 34فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«كَمْ عِنْدَكُمْ مِنَ الْخُبْزِ؟» فَقَالُوا:«سَبْعَةٌ وَقَلِيلٌ مِنْ صِغَارِ السَّمَكِ». 35فَأَمَرَ الْجُمُوعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى الأَرْضِ، 36وَأَخَذَ السَّبْعَ خُبْزَاتٍ وَالسَّمَكَ، وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى تَلاَمِيذَهُ، وَالتَّلاَمِيذُ أَعْطَوُا الْجَمْعَ. 37فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا. ثُمَّ رَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ الْكِسَرِ سَبْعَةَ سِلاَل مَمْلُوءَةٍ، 38وَالآكِلُونَ كَانُوا أَرْبَعَةَ آلاَفِ رَجُل مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ" (متى/ 15)، "1وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ وَجَاءُوا إِلَى بَيْتِ فَاجِي عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، حِينَئِذٍ أَرْسَلَ يَسُوعُ تِلْمِيذَيْنِ 2قَائِلاً لَهُمَا:«اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ تَجِدَانِ أَتَانًا مَرْبُوطَةً وَجَحْشًا مَعَهَا، فَحُّلاَهُمَا وَأْتِيَاني بِهِمَا. 3وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ شَيْئًا، فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُمَا»" (متى/ 21)، "18وَفِي الصُّبْحِ إِذْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ جَاعَ، 19فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا فَقَطْ. فَقَالَ لَهَا:«لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!». فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ" (متى/ 21)، "17وَفِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْفَطِيرِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ لَهُ:«أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟» 18فَقَالَ:«اذْهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى فُلاَنٍ وَقُولُوا لَهُ: الْمُعَلِّمُ يَقُولُ: إِنَّ وَقْتِي قَرِيبٌ. عِنْدَكَ أَصْنَعُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي». 19فَفَعَلَ التَّلاَمِيذُ كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ" (متى/ 26).
هذا ما تقوله الأناجيل فى موضوع العمل والمال، وهو (كما نرى) لا يصلح للمجتمعات البشرية، فإن المسيح لن يبقى على الأرض طول الحياة حتى يوالى الناس بما يحتاجون، كما أنه لن يظل يصنع معجزات، والدليل على ذلك قصة الحقل وقصة التينة وقصة عيد الفصح، ولن يستفيد من معجزاته إلا من حوله حسبما شاهدنا. ليس هناك إذن سوى سبيل واحد هو العمل والإنتاج والاعتماد على النفس والتعاون وتوزيع الاختصاصات، كل شخص فيما يحسن ويتقن. وهذا ما يقوله الإسلام: لقد تكرر فى القرآن الشريف مراتٍ بعد مراتٍ، عقب الإيمان مباشرةً، الأمرُ بالأعمال الصالحات، وهى تشمل كل شىء تحتاجه الحياة الإنسانية كى تتحرك وتستمر، وأوجب العمل على المسلمين: "وقل: اعملوا، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون". وفى أحاديث الرسول ما يدل على أنه لا بد من العمل واتخاذ كل إنسان مهنة يزاولها ويعيش منها مُعِينًا إخوانه فى المجتمع والإنسانية ومستعينًا بهم، وأن المال خيرٌ ما كان من حلال وما أُنْفِق فى حلال وأُدِّىَ فيه حق الله والآخرين، وأن العمل واجب حتى آخر نَفَس فى حياة الإنسان، بل حتى آخر لحظة فى عمر الدنيا، وأن العبادة لا ينبغى أن تعطل الإنسان عن عمله ولا أن تجور عليه، وربما قُدِّم فى بعض الظروف عليها، بل على العابد بعد أن يفرغ من عبادته أن ينطلق سعيا وراء الرزق ممارسًا مهنته ومؤديًا عمله، وأن المهن كلها محترمة، وأنه لا يكفى أن يؤدى الإنسان العمل، بل لابد من إتقانه على الوجه المطلوب. باختصار ليس فى الدنيا ما يعاب على من يستمتع بطيباتها ما دام يراعى ربه فيها. فالإسلام لا يدابر الحياة ولا يتجهم لها، بل يأخذ بيدها ويتعاون معها على خير البشرية. يقول الرسول الكريم: "من بات كالاًّ من عمل يده بات مغفورا له"، "ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله. ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غُنَيْمَةٍ له يؤدي حق الله فيها"، "المؤمن القوى خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كلٍّ خير"، "خير الصدقة ما كان عن ظَهْرِ غِنًى، وابدأ بمن تَعُول"، "دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله، ودينارٌ أنفقتَه في رقبة، ودينارٌ تصدقتَ به على مسكين، ودينارٌ أنفقتَه على أهلك: أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك"، "نِعْمَ المال الصالح للمرء الصالح"، "من أحيى أرضا ميتة فهي له"، "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبي فليمسك أرضه"، "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قوما أبذل من كثير ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهُرهم. لقد كَفَوْنا المؤونة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال: لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم".
و"عن السائب بن أبي السائب أنه كان يشارك رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قبل الإسلام في التجارة. فلما كان يوم الفتح جاءه، فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: مرحبا بأخي وشريكي! كان لا ‏‏يداري ولا يماري! يا سائب، ‏قد كنت تعمل أعمالا في الجاهلية لا تُقْبَل منك، وهي اليوم تُقْبَل منك. وكان ذا ‏سَلَفٍ وصِلَة"، "‏ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم. قال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا. كنت أرعاها لأهل ‏ ‏مكة ‏بالقراريط"، "الخيل لثلاثة: لرجلٍ أجر، ولرجلٍ ستر، وعلى رجل وزر: فأما الذي له أجر فرجُلٌ ربَطها في سبيل الله فأطال لها في مَرْجٍ أو روضة، فما أصابت في طِيَلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات. ولو أنها قطعت طِيَلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له. ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك حسنات له. فهي لذلك الرجل أجر. ورجلٌ ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر. ورجلٌ ربطها فخرًا ونِوَاءً، فهي على ذلك وزر"، "على كل مسلم صدقة. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: فيعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فليأمر بالخير، أو قال: بالمعروف. قال: فإن لم يفعل؟ قال: فليمسك عن الشر، فإنه له صدقة"، "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده. وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده"، "عن سعد بن أبى وقاص: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: بالشطر؟ فقال: لا. ثم قال: الثلث، والثلث كبير، أو كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"، "أفضل الصدقة ما ترك غِنًى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول"، "عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة. ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا. ثم يتلو: "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات... إلى قوله: الرحيم". إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"، "كان (معاذ بن جبل رضي الله عنه) يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم "البقرة"... فتجوَّز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذا فقال: إنه منافق. فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذا صلى بنا البارحة، فقرأ "البقرة"، فتجوزتُ، فزعم أني منافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ ، أفتان أنت؟ (ثلاثًا). اقرأ: "والشمس وضحاها" و"سبح اسم ربك الأعلى" ونحوها.
و"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فصام بعض وأفطر بعض، فتحزّم المفطرون وعملوا، وضَعُف الصُّوّام عن بعض العمل. قال: فقال في ذلك: ذهب المفطرون اليوم بالأجر"، "‏لأن ‏ ‏يغدو ‏ ‏أحدكم فيحطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به من الناس خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ذلك، فإن ‏ ‏اليد العليا ‏ ‏أفضل من ‏ ‏اليد السفلى، ‏وابدأ بمن ‏ ‏تعول"، "‏جاء الفقراء إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏فقالوا: ذهب أهل ‏الدثور ‏من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون! قال: ‏ألا أحدثكم إن أخذتم أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ‏ظهراَنيْه ‏إلا من عمل مثله؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين"، "‏ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة"، "من بات كالاًّ من عمله بات مغفورا له"، "‏إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده‏ فسلة فليغرسها"، "عن سلمان (وكان عبدا مملوكا لبعض أهل المدينة، فأراد أن يتحرر من رِقّه، فكاتبهم على أن يغرس لهم شجرا بحيث إذا نجح الشجر أعتقوه) ‏قال: فأتيت النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فذكرت ذلك له قال: ‏اغرس واشترط لهم، فإذا أردت أن تغرس ‏‏فآذِنّي. قال: فآذَنْتُه. قال: فجاء فجعل يغرس بيده إلا واحدة غرستها بيدي، فعَلِقْن إلا الواحدة"، "الدنيا خضرة حلوة... فمن أخذها بحقها بورك له فيها، ومن أخذها بغير حقها لم يبارَك له، وكان كالذي يأكل ولا يشبع"، "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ. احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز"، "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"... إلخ.
كما نظّم الإسلام الصدقات ولم يتركها لمزاج المسلم: إن شاء أداها، وإن شاء لم يؤدها، وإن شاء أخرج كثيرا، وإن شاء أخرج قليلا، وإن شاء استمر فى تأديتها، و إن شاء توقف، بل قننها وجعلها حقا للفقير لا بد من إخراجه، وجعل لها موظفين يقومون على جمعها وتوزيعها. أى أنه أتبع المبدأ بتطبيقه ولم يتركه كلاما فى الهواء. وتمثل النسبة التى يخرجها المسلم القادر من ماله فى مجال الصدقات مقدارا معقولا يكفى للقضاء على الفقر، ولا يسلب الأغنياء كل ثروتهم بل يترك لهم الكثير رغم ذلك. والمقصود بالفقر هنا الفقر الناشىء من عجز صاحبه عن الكسب أو من اختلال الأحوال الاجتماعية والاقتصادية لا الفقر الناتج عن الكسل والبلادة وقلة الكرامة والطمع فيما فى أيدى الآخرين دون وجه حق. ولأن الزكاة نظام مقنن فى الإسلام فقد استمر حتى عصرنا هذا الذى لم تعد الحكومات الإسلامية فيه تهتم بتطبيقه، إذ لا يزال كثير من المسلمين يخرجون حق المحتاجين فى أموالهم طيبة به نفوسهم راجين قبول الله له وإثابتهم عليه.
هذا عن العمل، والآن إلى بعض ما جاء به الإسلام عن العلم وفضله ومكانة أهله عند الله: ففى القرآن نقرأ مثلا الآيات المتلألئة التالية: "وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا" (طه/ 114)، "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ" (الزمر/ 9)، "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (المجادلة/ 11)، "شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (آل عمران/ 18)، "نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الأنعام/ 143)، "قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ" (الأنعام/ 148)، "وَإِنَّهُ (أى يوسف) لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ" (يوسف/ 68)، "نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" (يوسف/ 76).
أما الأحاديث المحمدية فها هى بعض دُرَرِها: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر"، "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم... إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت، ليصلّون على معلم الناس الخير"، "فقيهٌ واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد"، "من سُئِل عن عِلْمٍ عَلِمه ثم كتمه أُلْجِم يوم القيامة بلجام من نار"، "نضَّر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها. فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه"، "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين النبيين درجة واحدة في الجنة"، "من طلب العلم فأدركه كان له كِفْلان من الأجر، فإن لم يدركه كان له كِفْلٌ من الأجر"، "إن مما يَلْحَق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته عِلْمًا علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورّثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته"، و"عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تدرون من أجود جودا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الله تعالى أجود جودا، ثم أنا أجود بني آدم، وأجودهم من بعدي رجلٌ علَّم علما فنشره، يأتي يوم القيامة أميرا وحده. أو قال: أمة وحده"، "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالم لا يُنْتَفَع بعلمه"، "مَثَل علم لا ينتفع به كمَثَل كنز لا يُنْفَق منه في سبيل الله"، "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنْتَفَع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له"، "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغَشِيَتْهم الرحمة وحَفَّتْهم الملائكة وذكَرهم الله فيمن عنده"، "إذا اجتهد (المؤمن) فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر".
ومن هذه الجواهر يتبين لنا قيمة العلم ومدى اهتمام الإسلام بل اعتزازه به وحضه عليه وتشجيعه من يسعى لتحصيله. ويكفى أنه هو الشىء الوحيد الذى أمر الله رسوله عليه السلام أن يستزيد منه، وأنه هو الشىء الوحيد أيضا الذى لم يورِّث الأنبياء شيئا آخر سواه، وأن فضل العالم على سائر الناس، بما فيهم العابد، هو فضلٌ جِدُّ كبير، وأن المجتهد مأجور حتى لو أخطأ، وهو ما لا مثيل له ولا قريب منه فى أى مذهب أو فلسفة أو نظام أو دين آخر، بل أقصى ما يطمع فيه المخطئ فى هذ الحالة هو أن تخفف عنه العقوبة، أما أن يُعْفَى منها تماما فهذا حلم صعب المنال. لكنْ أن يُؤْجَر رغم خطئه فهذه هى عبقرية دين محمد عليه الصلاة والسلام. وليس فى النصرانية واحد على المليون من كل ذلك، والعهد الجديد متاح لمن يريد التحقق من هذا الذى نقول، فليقلِّبْه براحته وعلى أقلّ من مهله، وأنا زعيم أنه لن يعثر على شىء من ذلك بتاتا، بل سيخرج بانطباعٍ مؤدّاه أن العلم بالنسبة للنصرانية هو شىء لا وجود له على الإطلاق، وكأننا حين نتحدث عن العلم فإنما نتحدث عن العنقاء! ترى كيف يمكن أن تقوم حضارة دون علم؟ لكن ينبغى ألا ننسى ما هو منسوب للمسيح عليه السلام من قوله إن مملكته ليست من هذا العالم! وهذا هو محور الاختلاف بين الإسلام والنصرانية: الإسلام هو دين الحضارة والحياة والحيوية والتقدم. والنصرانية، على العكس من ذلك، تعطى ظهرها للحياة وترتدى ثياب الرهبان وتستقبل الموت والسكون، ولا تهش لحركة العقل وتوثّب الحضارة!
أما فى الجانب الخلقى فيردد النصارى أن المسيح عليه السلام قد أتى بشريعة التسامح. يقصدون قوله: "أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم... إلخ"، لكننا سبق أن قلنا وكررنا القول إن هذه المبادئ الخلقية لا تصلح للمجتمعات البشرية، وإلا تحوّل الأمر فيها إلى كارثة إ ترى ماذا يريد المجرمون والظلمة أحسن من ذلك الكلام الذى لن يجنى منه أصحاب الحق والمظلومون سوى الألم والهوان والضياع، مما ينشر الاضطراب فى المجتمع كله ويأخذه إلى الهاوية والانهيار؟ إننا قد نفهم أن يلجأ الإنسان إلى التسامح فى بعض الظروف، وبخاصة إذا كان أقوى ممن أساء إليه أو كان عاجزا عن أخذ حقه أو وجد أن نيله هذا الحق سوف يؤدى إلى ضرر أفدح من ضرر الصبر والتغاضى، أما أن يتحول التسامح والإغضاء إلى سياسة دائمة فهو البوار والانتحار الاجتماعى والسياسى. لنأخذ مثلا ما فعله الغرب فينا حين جلب اليهود من كل أرجاء المسكونة وأقام لهم برغم أنوفنا نحن العرب دولة على أرض فلسطين وشرد معظم أهل البلاد فى الآفاق وانتهج مع الباقين سياسة التقتيل والترويع والاعتقال وهدم البيوت والحصار وتقييد الحريات والتنكيل والتحقير والتشنيع عليهم بأنهم هم المعتدون والإرهابيون، وأن الصهاينة قوم مساكين لا يبغون أكثر من أن يأخذوا بلاد الفلسطينيين ويقتلوهم ويستعملوا الباقين خدما يلعقون أحذيتهم صباح مساء دون أن يقابل ذلك من جانب اليهود حمد أو شعور بالجميل... إلى آخر ما يعرفه كل أحد عن طريقة التعامل الصهيونى والغربى مع الفلسطينيين المظاليم، فبالله عليكم ماذا يريد الصهاينة أفضل من نصح الفلسطينيين بالسكوت على ما حدث لهم، مع شَفْعه بتقديم بناتهم وزوجاتهم وأمهاتهم للمحتلين اليهود ليفسقوا بهن جريا على سياسة: من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، ومن اغتصبك رداءك فاترك له الإزار أيضا، ومن سخَّرك ميلا فسَخِّرْ نفسك له ميلين، وأعطه كل ما معك فوق البيعة واستسمحه أن يخفف عن نفسه الملل بصفعك على قفاك ولكمك فى وجهك وتحطيم أنفك وأسنانك وركلك فى أردافك والبصق فى وجهك وإمطارك بالشتائم المعتبَرة المنتقاة حتى تُدْخِل البهجة على نفسه وتتركه وأنت مطمئن أنه قد استوفى رغبته المريضة فى إيذائك واشتفى من الأُكَال الذى يعذّبه والذى لا يهدّئه إلا إيذاء الآخرين من العرب والمسلمين؟
وفوق ذلك فإنه لا يوجد ولم يوجد ولن يوجد فى يوم من الأيام مجتمع بشرى يقوم على التسامح المطلق، وإلا فلنلغ الشرطة والقوانين والمحاكم والحكومات ونعيش كما يعيش الناس فى الحدوتة التى كنت أسمعها وأنا طفل صغير والتى تقول إنه كان هناك أيام زمان بلاد لا يتعامل الناس فيها بالفلوس، بل كل من أراد شيئا فما عليه إلا أن يذهب إلى التاجر أو الصانع أو الزارع الذى عنده ذلك الشىء ويقول له: أعطنى كذ وكذا مما عندك "بالصلاةُ على النبى". فيعطيه ما يريد ويذهب هو بما أخذ دون أن يكلف نفسه بنطق كلمة "شكرا". فهل هذا معقول؟ إننا إنما نعيش فى دنيا الواقع والحقائق لا فى دنيا الحواديت، فلنأخذ بالنا حتى لا يضحك علينا الناس! ثم إنه إذا كان عيسى عليه السلام قد دعا إلى التسامح على هذا النحو فإنه، كما وضحنا من قبل ونكرره الآن، كان أول من خرج على ذلك الكلام ولم يلتزم به قط، وإلا فمن الذى كان يلعن بنى إسرائيل لا يكف لسانه عنهم أبدا ويصفهم بــ"المرائين" و"قتلة الأنبياء وراجمى المرسلين" و"أولاد الأفاعى" و"خراف بنى إسرائيل الضالة" و"فاعلى الإثم" و"الشعب الصُّلْب الرقبة" و"الجيل الشرير" و"لصوص المغارة"؟ أليس هو عيسى عليه السلام حسبما نقرأ فى الأناجيل فى كل مناسبة وفى كل غير مناسبة حتى إننا لنظن أنه لم يكن يعرف هدوء الأعصاب، ولا لسانُه التوقفَ والسكينةَ، وأن الداعى إلى التسامح شخص آخر غيره، بل شخص يعاديه ويجرى على نقيض سنّته. بل إنه لم يُعْفِ تلامذته أنفسهم من سوط لسانه، إذ اتهمهم بقلة الإيمان أكثر من مرة، وبالذات بطرس الذى تكرر إفراده له بذلك الاتهام. أما أمه فلا أذكر أنه وجه لها كلمة طيبة قط طوال وجوده على الأرض، بل كان خشنا فظا معها حتى إنه ذات مرة رد على من نبهوه إلى أنها تنتظره هى وإخوته خارج البيت الذى كان فيه، قائلا إن أمه وإخوته الحقيقيين هم من يؤمنون برسالته. فما معنى هذا؟ وهذا كله موجود فى الأناجيل. وحتى لو صدقنا أنه كان يتسامح فعلا كما كان يأمر غيره أن يفعل، فإن مدة التسامح والصبر لم تتجاوز ثلاثة أعوام، ثم ترك الدنيا ومضى إلى ربه.
أما محمد فإنه قد جرى على خطة الصبر والغفران لا أعواما ثلاثة فحسب، بل ثلاثة عشر عاما قبل أن يؤذن له بالقتال بعدما كانت كل فرص الصبر والعفو والتغاضى قد نَفِدَتْ كلها ولم تأت بنتيجة. ولا شك أن لكل شىء فى دنيانا هذه من نهاية! فحبال الصبر لا يمكن أن تمتد إلى الأبد إلا إذا كنا نعيش فى غير دنيا البشر! ثم هاتوا لى إنسانا واحدا أضربه على خده الأيمن فيدير لى خده الأيسر، وألعنه فيباركنى حسبما توصى الأناجيل! هذا أمر مستحيلٌ استحالةَ طلوع الشمس من مغربها، وتلك الاستحالة أمر طبيعى تماما، فهكذا طُبِع الناس منذ الأزل حتى الأبد. كما أن الحياة لا تستقيم بالتسامح المطلق الدائم، "ولولا دَفْعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ لفسدت الأرض" كما جاء فى القرآن المجيد، إذ لا يَفُلّ الحديدَ إلا الحديد! والبشر كلهم يعرفون ذلك أكثر مما يعرفون أبناءهم، وإن فريقا من المخادعين ليكتمون الحقيقة عامدين متعمدين. والمسيح عليه السلام هو نفسه القائل إنه ما جاء ليلقى سلاما بل سيفا، وإنه سيكون سببا فى انقسام البيت الواحد على نفسه، بما يدل أقوى دلالة وأجلاها على أن خطة التسامح لا يمكن أن تكون مطلقة مفتحة الأبواب على الدوام، وأن الاصطدام قادم قادم مع استمرار العنت والاضطهاد والعدوان من جانب الخصوم، وإلا فالعفاء على كل شىء وكل أحد! ومن ناحية أخرى فقد سمعنا الرسول الكريم يدعو لقومه فى عز اضطهادهم له ولأتباعه قائلا: رب، اغفر لقومى، فإنهم لا يعلمون!
إن القرآن لا يأمر أتباعه بإدارة الخد الأيسر، لكنه يوصيهم مع ذلك بالحِلْم والصبر والرد على الجاهلين بكلمة "سلام" وبالعفو عند المقدرة، إلا أن لكل شىء نهاية كما قلنا. ولابد أن يأتى يوم يفيض فيه الكيل ويتخذ الإنسان عندئذ من الإجراءات ما يُسْكِت عنه المجرمين المتوحشين ليتنفس الصُّعَداء، وإلا فلْنُلْغِ الشرطة والنيابة والقضاء والمحاكم والحكومات كما قلنا من قبل ساخرين! وهذه بعض من النصوص التى تحث المسلم على الصبر ومقابلة السيئة بالحسنة، وإن كان القرآن لا يوجب عليه ذلك، وإنما يؤثر فقط العفو والصفح فى كثير من الظروف على رد العدوان بالعدوان: "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ" (الشورى/ 43)، "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ* وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ* إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ" (النحل/ 126- 128)، "وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" (فُصِّلَتْ/ 34- 35)، "فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ* وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ" (ق/ 39- 40)، "وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً" (المزَّمِّل/ 10)... وهلم جرا. ومع ذلك نجد فى القرآن عقوبة لكل جريمة يرتكبها الشخص فى حق الأفراد أو فى حق المجتمع ككل، وبغير هذا فلا قيام ولا استمرار لأى كيان جماعى فى دنيا البشر، اللهم إلا إذا أمكن مثلا إلغاء نظام المرور وترك سائقى السيارات والقطارات والدراجات والطائرات يفعلون ما يحلو لهم، وهو ما لا بد أن تكون نتيجته التوقف تماما عن الحركة فى كثير من الحالات أو البطء الشديد فى الانتقال من مكان إلى مكان، فضلا عن الحوادث والمصائب المرورية التى لا تعد ولا تحصى. فهل هذا ممكن؟ وعليه فقِسِ النظام الاجتماعى كله بمؤسساته وهيئاته وإداراته وقوانينه ومحاكمه وسجونه. تصور مجتمعا يحاول أى شخص فيه أن ينجز شيئا، وهو يعرف أنه لا ضمان لحصوله على ثمرة كده، ولا أمان له إن خرج إلى الشارع لأن السفلة ينتظرونه على باب الدار ليشتموه، والمجرمين يتربصون به ليضربوه ويسرقوه، والقتلة يمسكون بسكاكينهم أو مسدساتهم ليجهزوا على حياته وإلى القبر يشيعوه، والعهرة يتمترسون على الناصية حتى إذا خرجت واحدة من نساء بيته هتكوا عرضها وأهانوه وفضحوه ودمّروه! هل يستطيع مثل ذلك الشخص أن يكون عنده نفس للعمل والإنتاج؟ قل له من هنا للصبح: "تسامح يا أخى الكريم! يا أخى الكريم من صفعك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن قتلك مرة فقم من موتك وتعرض له كى يقتلك مرة أخرى فيكون لك مكان بارز فى ملكوت السماوات"، لكنه لن يأخذ حرفا واحدا مما تقول على سبيل الجِدّ، فأرح نفسك إذن، بل اسألها: أأستطيع أنا فلان الفلانى أن أفعل هذا؟ والجواب معروف سلفا، فلا تضيع وقتك إذن، بل تَحَلَّ بالعقل، وكُلْ وعِشْ وقُلْ: يا باسط، واحمد ربك أن هناك شرطة وسجونا ومحاكم وقوانين وحاجة اسمها "عيب" و"حرام" و"ممنوع" "وضد القانون"، وإلا كانت حياتك كارثة بكل المقاييس!
والآن إلى بعض لمحات من أخلاق الإسلام: فمن الآيات القرآنية نقرأ: "مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ* وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الأَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ* الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ* وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ* إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (البقرة/ 261- 271)، "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا* رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا* وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا* وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُورًا* وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا* إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا" (الإسراء/ 23- 30)"، "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (النور/30- 31)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (النور/58- 61)، "وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ* وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (لقمان/ 14- 15)، "وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" (لقمان/ 18- 19)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" (الحجرات/ 6)، ""يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ* يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات/ 11- 13)".
أما أحاديث النبى عليه السلام فى هذا الميدان فنسوق منها الأحاديث التالية: "كل ذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا البغي وعقوق الوالدين أو قطيعة الرحم، يعجّل لصاحبها في الدنيا قبل الموت"، "عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال: ‏لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. فقال له رجل: ‏إنه يعجبني أن يكون ثوبي حسنا، ونعلي حسنة. قال: إن الله يحب الجمال، ولكن الكبر من ‏بطر ‏الحق وغمص ‏الناس"، "عن عائشة ‏ ‏قالت: ‏كنت ‏أطيّب النبي صلى الله عليه وسلم ‏بأطيب ما يجد حتى أجد ‏وَبِيص ‏الطيب في رأسه ولحيته"، "لا يَفْرَكْ (أى لا يبغض) مؤمن مؤمنة. إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر"، "‏إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه"، "من نفَّس عن مؤمنٍ كُرْبَةً من كُرَب الدنيا نفس الله عنه كُرْبة من كُرَب يوم القيامة، ومن يسَّر على مُعْسِرٍ يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، "‏اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة"، وعن أبى موسى الأشعرى: "‏قال النبي ‏صلى الله عليه وسلم: على كل مسلم صدقة. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: فيعين ذا الحاجة‏ ‏الملهوف. ‏قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فيأمر بالخير، أو قال: بالمعروف. قال: فإن لم يفعل؟ قال: فيمسك عن الشر، فإنه له صدقة"، "كلّ معروفٍ صدقة"، "تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمْرك بالمعروف ونهْيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الردئ البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة"، "إخوانكم خَوَلكم (أى خَدَمكم)، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليُطْعِمْه مما يأكل، وليُلْبِسْه مما يَلْبَس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم"، "لا يقولنّ أحدكم: عبدي، فكلكم عبيدالله، ولكن ليقل: فتاي. ولا يقل العبد: ربي، ولكن ليقل: سيدي"، "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزَع من شيء إلا شانه"، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: "لم يكن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فاحشا ولا متفحشا، وإنه كان يقول: ‏إن خياركم أحاسنكم أخلاقا"، "إن مِنْ أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا"، "إن أحبّكم إليّ أحاسنكم أخلاقا، الموطَّؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إليّ المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبُرَآء العيب"، "ما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ درجة صاحب الصوم والصلاة"، "إنكم لن تَسَعُوا الناس بأموالكم , ولكن يَسَعُهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق"، "من مشى في حاجة أخيه المسلم أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك يدعون له، ولم يزل يخوض في الرحمة حتى يفرغ، فإذا فرغ كتب الله له حجة وعمرة. ومن عاد مريضا أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك لا يرفع قدما إلا كتب له به حسنة، ولا يضع قدما إلا حط عنه سيئة ورفع له بها درجة حتى يقعد في مقعده، فإذا قعد غمرته الرحمة فلا يزال كذلك حتى إذا أقبل حيث ينتهي إلى منزله"، "الحياء خير كله"، "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين (أىْ شخصين متجاورين فى مجلس أو اجتماع) إلا بإذنهما"، "عن جابر بن سمرة: كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهى (أى حيث ينتهى به المجلس)"، "عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صافح الرجل لم ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه، ولم يُرَ مقدِّمًا ركبتيه بين يَدَيْ جليس له"، "عن أبى أمامة الباهلى: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئا على عصا، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضها بعضا"، "يُشَمَّت العاطس ثلاثا، فما زاد فهو مزكوم"، "‏قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ‏صلى الله عليه وسلم: دعوه‏ ‏وهَرِيقُوا ‏على بوله ‏سَجْلاً ‏من ماء، ‏أو ‏‏ذَنُوبًا ‏من ماء، ‏فإنما بُعِثْتم ميسِّرين، ولم تُبْعَثوا معسِّرين"، "لا يحلّ لمسلم أن يهجرأخاه فوق ثلاث. يلتقيان فيَصُدّ هذا، ويَصُدّ هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"، "لا تَبَاغَضوا ولا تَحَاسَدوا ولا تَدَابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال"، "ليس منا من لم يوقّر الكبير ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف ويَنْهَ عن المنكر"، "لا يدخل الجنةَ قَتّات (أى نمّام)"، "سِبَاب المسلم فسوق، وقتاله كُفْر"، "من آذى ذِمِّيًّا فأنا خَصْمه"، "ألا من ظلم معاهَدًا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ له شيئا بغير حقه فأنا حجيجه يوم القيامة. وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى صدره: ألا ومن قتل رجلا له ذمة الله ورسوله حَرَّم الله عليه الجنة، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا"، "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها، و لم تدعها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت"، "(وعن رسول الله) أن رجلاً وجد كلبًا يلهث من العطش فنزل بئرا فملأ خفه منها ماء، فسقى الكلب حتى رَوِيَ. قال الرسول: فشكر الله له فغفر له. فقال الصحابة: أإن لنا في البهائم لأجرا يا رسول الله؟ قال: فى كل كبدٍ رطبةٍ أجر".
كذلك ففى الوقت الذى نقرأ فى الأناجيل ما يدل على أن المسيح لم يكن يبالى بالنظافة، بل كان يؤثر العكس طبقا لما تخبرنا به تلك الأناجيل، نجد العكس من ذلك تماما فى القرآن والسنة كما سوف نرى بعد قليل. لنأخذ مثلا النص التالى الموجود فى الإصحاح الحادى عشر من إنجيل لوقا: "37وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ سَأَلَهُ فَرِّيسِيٌّ أَنْ يَتَغَدَّى عِنْدَهُ، فَدَخَلَ وَاتَّكَأَ. 38وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تَعَجَّبَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ أَوَّلاً قَبْلَ الْغَدَاءِ. 39فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ:«أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ، وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا وَخُبْثًا. 40يَا أَغْبِيَاءُ، أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضًا؟ 41بَلْ أَعْطُوا مَا عِنْدَكُمْ صَدَقَةً، فَهُوَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ نَقِيًّا لَكُمْ. 42وَلكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالسَّذَابَ وَكُلَّ بَقْل، وَتَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَقِّ وَمَحَبَّةِ اللهِ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ. 43وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُحِبُّونَ الْمَجْلِسَ الأَوَّلَ فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ. 44وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ مِثْلُ الْقُبُورِ الْمُخْتَفِيَةِ، وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهَا لاَ يَعْلَمُونَ!». 45فَأجَابَ وَاحِدٌ مِنَ النَّامُوسِيِّينَ وَقالَ لَهُ: «يَامُعَلِّمُ، حِينَ تَقُولُ هذَا تَشْتُمُنَا نَحْنُ أَيْضًا!». 46فَقَالَ:«وَوَيْلٌ لَكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُحَمِّلُونَ النَّاسَ أَحْمَالاً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَأَنْتُمْ لاَ تَمَسُّونَ الأَحْمَالَ بِإِحْدَى أَصَابِعِكُمْ. 47وَيْلٌ لَكُمْ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ، وَآبَاؤُكُمْ قَتَلُوهُمْ. 48إِذًا تَشْهَدُونَ وَتَرْضَوْنَ بِأَعْمَالِ آبَائِكُمْ، لأَنَّهُمْ هُمْ قَتَلُوهُمْ وَأَنْتُمْ تَبْنُونَ قُبُورَهُمْ. 49لِذلِكَ أَيْضًا قَالَتْ حِكْمَةُ اللهِ: إِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَ وَرُسُلاً، فَيَقْتُلُونَ مِنْهُمْ وَيَطْرُدُونَ 50لِكَيْ يُطْلَبَ مِنْ هذَا الْجِيلِ دَمُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ الْمُهْرَقُ مُنْذُ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ، 51مِنْ دَمِ هَابِيلَ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا الَّذِي أُهْلِكَ بَيْنَ الْمَذْبَحِ وَالْبَيْتِ. نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُطْلَبُ مِنْ هذَا الْجِيلِ! 52وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ أَخَذْتُمْ مِفْتَاحَ الْمَعْرِفَةِ. مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ، وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ»". كما أنه لا ينادى أمه إلا بــ"يا امرأة": ومن ذلك أنه كان فى عرس فى قانا الجليل ونَفِدَت الخمر فلفتت أمه نظره إلى ذلك، فكان جوابه عليها: "ما لى وما لك يا امرأة؟" (إنجيل يوحنا/ 2/ 4). ولم تفارقه هذه الخشونة والفظاظة حتى حين كان على الصليب يستقبل الموت حسبما نقرأ فى الإصحاح التاسع عشر من إنجيل يوحنا: "25وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. 26فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ:«يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ». 27ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ:«هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ". ومن جهة أخرى نجد أن تعاليمه عليه الصلاة والسلام، حسبما تخبرنا الأناجيل، تخلو من أى توجيه يتعلق بالذوق والصحة.
أما تعاليم القرآن المجيد والسنة المشرفة فمملوءة بكل ما يحمى المجتمع من مظاهر القبح والتشويه والأذى والمرض، والتنبيه إلى أن كل شىء فى الدنيا إنما يجرى بحساب منضبط ويخضع لميزان دقيق، ومن ثم فلا إفراط ولا تفريط لمن يريد النجاة من متاعب الحياة والاستمتاع بصحة جيدة، وأن ثمة قواعد للذوق واللياقة ينبغى مراعاتها فى التعامل اليومى حتى تمضى عجلة الحياة والعلاقات الاجتماعية سَلِسَةً دون توقف أو صرير، ويسود الحب والتفاهم والصفاء. ففى القرآن مثلا نقرأ قوله تعالى: "وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" (البقرة/ 145)، "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" (البقرة/ 222)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ" (المائدة/ 90- 91)، "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأعراف/ 31)، "وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (النحل/ 68- 69)، "فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ* إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (النحل/ 114- 115)، "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ" (الرحمن/ 7- 9)، "مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا* وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا" (النساء/ 85- 86)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ* لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ" (النور/ 27- 29)، "إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ* إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (الحجرات/ 3- 5)، "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة/ 8- 9)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (المجادلة/ 11).
وفى الحديث النبوى: "إن الله جعل لكل داء دواء، فتداوَوْا، ولا تَدَاوَوْا بحرام"، "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل"، "ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه. بحسب ابن آدم أكلات يُقِمْنَ صُلْبه، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنَفَسه"، "‏إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها"، "عن ‏عائشة ‏رضي الله عنها ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏كان إذا أتى مريضا أو أُتِيَ به قال: ‏أَذْهِب الباس ربَّ الناس. اشْفِ وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقما"، "عُرِضَتْ عليّ أمتي بأعمالها حَسَنةً وسيئةً: فرأيت في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ورأيت في سئ أعمالها ‏النُّخَاعة ‏في المسجد لا تُدْفَن"، "الإيمان ‏بضع ‏وسبعون بابا: أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول لا إله إلا الله"، "‏بينما رجل يمشي بطريقٍ وجد غصن شوك على الطريق‏ ‏فأخَّرَه، ‏فشكر الله له فغفر له"، "لا يبولَنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه"، "اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤسكم، وإن لم تكونوا جُنُبًا، وأصيبوا من الطِّيب"، "‏لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، "تَسَوَّكوا، فإن السواك مَطْهَرَةٌ للفم، مرضاةٌ للرب. ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك"، "مالكم تدخلون علىّ قُلْحًا؟ استاكوا، فلولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور"، "‏الفِطْرة خمس: الختان ‏ ‏والاستحداد (أى حَلْق العانة) وقصّ الشارب وتقليم الأظفار ونتف الآباط"، "عن ‏ابن عباس ‏أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏شرب لبنا فمضمض وقال: إن له دسما"، "‏من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، أو قال: فليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته"، وعن أبى أيوب الأنصارى "أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏نزل عليه فنزل النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏في السُّفْل، وأبو أيوب‏ ‏في العُلْو. قال: فانتبه‏ ‏أبو أيوب ‏ليلة فقال: نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ‏فتَنَحَّوْا فباتوا في جانب، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم، ‏فقال النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم:‏ ‏السُّفْل أرفق. فقال: لا ‏أعلو سقيفة أنت تحتها. فتحول النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏في العلو، وأبو أيوب ‏في السفل. فكان يصنع للنبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏طعاما، فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابعه. فصنع له طعاما فيه ثوم، فلما رُدَّ إليه سأل عن موضع أصابع النبي ‏صلى الله عليه وسلم، ‏فقيل له: لم يأكل. ففزع وصعد إليه فقال: أحرام هو؟ فقال النبي ‏صلى الله عليه وسلم: ‏لا، ولكني أكرهه. قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم‏ ‏يُؤْتَى (أى يأتيه الوحى فى أى وقت، فلهذا لم يكن يأكل الثوم)"، "كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏بيده أن "اخْرُجْ"، ‏كأنه ‏يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته. ‏ففعل الرجل ثم رجع فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: ‏أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟"، "قال‏‏ (أبو رجاء العطاردي): خرج علينا ‏عمران بن حصين، وعليه ‏‏مُطْرُفٌ ‏‏من ‏خَزٍّ ‏لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال إن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال: ‏من أنعم الله عز وجل عليه نعمة فإن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على خَلْقه"، "‏عن ‏ ‏ابن عمر ‏أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏غيّر اسم‏ ‏"عاصية"، ‏وقال: أنتِ ‏جميلة (أى هذا اسمك من الآن فصاعدا)"، وعن أبى سعيد الخدرى: "‏إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يُؤْذَن له فلْيرجع"، "‏يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير"، "‏إذا كنتم ثلاثة فلا ‏ ‏يتناجى ‏اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه"، "‏لا يقيم الرَّجُلُ الرَّجُلَ من مقعده ثم يجلس فيه، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا"، "إن تبسمك في وجه أخيك يُكْتَب لك به صدقة، "قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من لا يَرْحَم لا يُرْحَم"، "الجنة تحت أقدام الأمهات"، "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها في في امرأتك (أى فى فمها)"، "ألا عسى أحدكم أن يضرب امرأته ضرب الأَمَة! ألا خَيْرُكم خيركم لأهله (أى لزوجته)"، "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. ما أَكْرَم النساءَ إلا كريم، و لا أهانهنّ إلا لئيم"، "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه"، "إن الله يبغض كل جَعْظَرِيٍّ جَوّاظ صخّاب في الأسواق"، "رِفْقًا بالقوارير (أى الجنس اللطيف)".
ونصل إلى المقارنة بين العقيدتين: والإسلام،كما هو معروف، دين التوحي النقى الذى لا يدانيه دين آخر فى هذا. أما النصرانية فهى ديانة التثليث، وهذا التثليث لا يدخل العقل: فأولا كيف يتجسد الله بحيث لا يشغل من الزمان والمكان إلا حيزا محدودا ضئيلا، وهو الذى خلق الزمان والمكان والكون كله، والمطلق الذى لا تحده حدود، والأرض جميعا فى قبضته، والسماوات مطويات بيمينه المباركة؟ وكيف يحتويه الزمان والمكان، وهو الذى خلقهما؟ وثانيا كيف تنفرد النصرانية بهذا التثليث من بين الأديان السماوية كلها؟ ولدينا العهد القديم الذى يحكى تاريخ أنبياء بنى إسرائيل، فأين منه هذا التثليث؟ الجواب هو أنه لا وجود فيه لتثليث ولا تربيع ولا تخميس! فلماذا النصرانية بالذات دون سائر أديان السماء؟ بل إن الأناجيل ذاتها تخلو تماما من ألفاظ "الثالوث والتثليث والأقانيم الثلاثة"، وليس لهذا من معنى إلا أن تلك العقيدة لم تظهر فى النصرانية إلا بعد المسيح وكتابة الأناجيل. أى أنها لم تكن يوما من العقيدة التى جاء بها السيد المسيح عليه السلام وأنها إنما اختُرِعَتْ بأُخَرة. وثالثا أن النصرانية لا تنفرد فقط بالتثليث شذوذا على أديان السماء، بل تتفق فى ذلك مع بعض ديانات الوثنية، إذ كان عند الفراعنة تثليث، وعند الإغريق تثليث، وعند الهنود تثليث. وهذا من الوضوح بمكان بحيث لا تمكن المماراة فيه بأى حال، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم فى قوله تعالى: "وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" (التوبة/ 30). ورابعا أنه لا يصح أن يقال إن الله قد تجسد ليموت على الصليب ويُصْفَع ويهان ويُضْرَب بالحربة فى جنبه ويسخر به كل من هب ودب ويجأر فى الفضاء العريض دون أن يجد من يجيبه ويحميه، وذلك من أجل أن يفدى البشر من خطيئتهم. وإذا قيل لقد كان الله قادرًا على الغفران والفداء دون شىء من هذا السحف جاء الرد أمعن فى السخف، إذ يزعم الزاعمون إنه إنما فعل ذلك كى يشعر بآلام عباده. وهو سخف أمعن فى الضلال، إذ معناه أنه سبحانه ليس عنده القدرة على إدراك آلام البشر أو تخيلها على الأقل إلا إذا ضُرِب وأُهِين وشُتِم وسُمِّر على الخشبة وقُتِل. فأى إله هذا العديم الإدراك والكليل الخيال إلى هذا الحد؟ فمن إذن الذى خلق الآلام والأوجاع؟ وهل هناك شىء فى كون الله لم يخلقه الله نفسه؟ وسادسًا هل هذا الكائن الجسدانى هو الله؟ بطبيعة الحال لا، إذ يقولون إن هذا هو الجانب الناسوتى فى المسيح. ومعنى ذلك أن الله ليس هو الذى تألم وصُلِب وقُتِل. أى أنه سبحانه لم يخض تجربة التألم ومقاساة العذاب، بل الذى خاضها هو إنسان مثلى ومثلك أيها القارئ. وعلى هذا فهو سبحانه لم يَفْدِ أحدا، بل الذى تحمل عبء الفداء شخص ليس له فى الثور ولا فى الطحين، شخص مسكين استضعفه الله و"شَيَّله" القضية دون أن يكون قد ارتكب ذنبا، وهذا واضح من صراخه وهو على الصليب: إلهى، إلهى، لم تركتنى؟ وهو ما يتضح أيضا من كلامه قبل ذلك عن الله سبحانه بوصفه "رَبّه"، كما فى رده على إبليس مثلا حين أخذه ليجربه وطلب منه، ضمن ما طلب، أن يخر ساجدا له، فما كان منه إلا أن أجابه قائلا: مكتوب أنه للرب إلهك وحده تسجد! وهو ما يعنى مرة أخرى أن الخطيئة القديمة قد عولجت بظلمٍ أشنع منها. فأى لخبطة هذه؟ وسابعًا لو أنه سبحانه وتعالى قد تجسد وصُلِب وقُتِل فداءً لعباده، أفلم يكن ينبغى أن تكون النتيجة هى الغفران الشامل لكل الناس فى كل الأزمان؟ لكننا ننظر فنجد أننا لا نزال فى مكاننا السابق لم نبارحه، إذ يجب على الناس أن يؤمنوا بتجسد الله وموته على الصليب كى يتم الفداء. إذن فلماذا نزل وتجسد ومات إذا كان كل هذا لا أثر له؟ وثامنًا لقد كان ينبغى أن يكرَّم يهوذا مرشد الجند إلى المكان الذى كان يختفى فيه السيد المسيح مع تلامذته. أليس هو الأداة التى أعانت على تنفيذ الخطة الإلهية للتكفير عن خطايا البشرية؟ بيد أن النصرانية تقول عكس ذلك تماما، فيهوذا فيها ملعون. عجيبة! وتاسعًا ليس يهوذا وحده هو الملعون، بل أيضا الإله الذى كان تسليم يهوذا إياه للسلطات سببا فى أن يبوء هو باللعنة، فقد جاء فى سفر التثنية كما بينا من قبل أن من يُصْلَب فهو ملعون. إذن فيهوذا ملعون، والإله الذى سلمه يهوذا للسلطات ملعون أيضا. أى أن النصرانية تسوى بين القاتل والمقتول، الظالم والمظلوم. ومعنى هذا أن الأمر قد ازداد تعقيدا وتشابكا: فعيسى قد أتى لافتكاك البشر من اللعنة التى استحقوها بسبب الخطيئة، لكن موته بدلامن هذا قد جلب اللعنة على يهوذا، وهو واحد من أولئك البشر الذين نزل الله من عليائه ليفك ربقة اللعنة من حول رقابهم.وفوق هذا فإن الله قد جلب اللعنة على نفسه. ثم إنه بعد هذا كله لم يحل مشكلة الخطيئة المزعومة، بل أضاف إليها خطيئة كفر اليهود وغير اليهود به واستحقاقهم من ثم اللعنة الأبدية. وهى أبدية لأن أحدا لن يأتى بعد ذلك ليعتق البشر من أوهاقها، فالمسيح لا يأتى إلا مرة واحدة، بالضبط كعود الكبريت، لا يشتعل إلا مرة واحدة وحسب! وعاشرًا ما الحكمة يا ترى فى سكوت الله كل تلك الدهور المتطاولة التى يعدها علماء الطبيعة بملايين السنين قبل أن يفكر فى رحلته تلك الأرضية التى لم تأت بالنتيجة المرجوّة، إذ ما زال مليارات الناس يكفرون بالتجسد، بل يكفرون حتى بعيسى مجرد نبى؟ ولنلاحظ أنه عندما مات المسيح على الصليب كما تقول الأناجيل لم يكن هناك أحد غير الحواريين يؤمن به. وحتى الحواريون لم يكونوا يؤمنون به كلهم، بل كانوا ناقصين واحدا هو يهوذا، علاوة على أن إيمانهم بالمسيح لم يكن على المستوى المطلوب. وهذا ليس رأينا نحن، بل رأيه هو، إذ كان يتهمهم بقلة الإيمان وعدم الفهم، كما كان ينادى كبيرهم بـــ"يا شيطان"؟ وتاسعا فإن صورة الجنة والنار فى النصرانية غير واضحة ولا مقنعة، على عكسها فى الإسلام كما يعرف ذلك كل من له أدنى معرفة بالديانتين. وحادِىَ عَشَرَ فإن المبادئ الخلقية التى أتت بها النصرانية لا تناسب الطبيعة البشرية فى شىء حسبما وضحنا، والدليل على ذلك أنه لا يوجد حتى ممن يتعصبون أشد التعصب لتلك الديانة من يطبّق شيئا مما هو منسوب للسيد المسيح من دعوة مفرطة فى المثالية الساذجة غير القابلة للتطبيق لتَعَاكُسِها تمام التَّعَاكُس مع فطرة البشر. وثانِىَ عَشَرَ كيف يكون المسيح ابن الله، وفى إنجيل يوحنا (1 / 5) أن الناس كانت تسميه: "ابن يوسف"، وهو نفس ما قاله متى (1 / 55) ولوقا (3 / 23، و 4/ 22)، وكان عيسى عليه السلام يسمع ذلك منهم فلا ينكره عليهم؟ بل إن لوقا نفسه قال عن مريم ويوسف بعظمة لسانه مرارًا إنهما "أبواه" أو "أبوه وأمه" ( 2 / 27، 33، 41، 42 ). كذلك قالت مريم لابنها عن يوسف هذا إنه أبوه (لوقا /2 /48). كما أن الفقرات الست عشرة الأولى من أول فصل من أول إنجيل من الأناجيل المعتبرة عندهم، وهو إنجيل متى، تَسْرُد سلسلة نسب المسيح بادئة بآدم إلى أن تصل إلى يوسف النجار ("رجل مريم" كما سماه مؤلف هذا الإنجيل) ثم تتوقف عنده. فما معنى هذا للمرة الثانية أو الثالثة أو الرابعة...؟ لقد توقعتُ، عندما قرأت الإنجيل لأول مرة فى حياتى، أن تنتهى السلسلة بمريم على أساس أن عيسى ليس لـه أب من البشر، إلا أن الإنجيل خيَّب ظنى تخييبا شديدا. وهو ما يؤكده النص التالى المأخوذ من مطلع إنجيل توما (أحد الأناجيل غير القانونية) "And a certain Jew when he saw what Jesus did, playing upon the Sabbath day, departed straightway and told his father Joseph: Lo, thy child is at the brook, and he hath taken clay and fashioned twelve little birds, and hath polluted the Sabbath day"، إذ يقول المؤلف إن أحد اليهود الغيارى على الشريعة الموسوية، حين رأى عيسى الصغير يصنع يومَ سبتٍ من الطين طيرًا، ذهب من فوره إلى "أبيه يوسف" وشكا له ما صنع ابنه من الاعتداء على حرمة اليوم المقدس. ومثله قول مؤلف ذلك الإنجيل فى موضع آخر إن عيسى ذهب ذات يوم لزراعة القمح مع "والده" فى حقلهم:"Again, in the time of sowing the young child went forth with his father to sow wheat in their land: and as his father sowed, the young child Jesus sowed also one corn of wheat"... وغير ذلك من المواضع التى وُصِف فيها يوسف بأنه "أبوه". بل إننا لنقرأ أن يوسف، تعجُّبًا من المعجزات التى كان يعملها عيسى الصغير، قد دعا ربه شاكرا أنْ أعطاه غلاما مثله: " Happy am I for that God hath given me this young child".
والآن إلى المقارنة بين موقف كل من أصحاب النبيين الكريمين رضى الله عن الفريقين كليهما: فأما أصحاب السيد المسيح فلسوف نورد تصرفاتهم منذ ظهر الخطر على حياته صلى الله عليه وسلم حتى تم صلبه بناء على معتقدات النصارى. وها هو ذا ما صنعوه حسبما كتب مؤلف إنجيل متى (فى الإصحاحين: 26- 27)، وهو يكفى عن مؤلفى الأناجيل الآخرين: "20وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ اتَّكَأَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. 21وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ قَالَ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي». 22فَحَزِنُوا جِدًّا، وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ:«هَلْ أَنَا هُوَ يَارَبُّ؟» 23فَأَجَابَ وَقَالَ: «الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي! 24إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ!». 25فَأَجَابَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ وَقَالَ:«هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟» قَالَ لَهُ:«أَنْتَ قُلْتَ».26وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ:«خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي». 27وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً:«اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، 28لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. 29وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي». 30ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ. 31حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِىَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ. 32وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ». 33فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ:«وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا». 34قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». 35قَالَ لَهُ بُطْرُسُ:«وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!» هكَذَا قَالَ أَيْضًا جَمِيعُ التَّلاَمِيذِ. 36حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ:«اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ». 37ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. 38فَقَالَ لَهُمْ:«نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي». 39ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ». 40ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: «أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ 41اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ». 42فَمَضَى أَيْضًا ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». 43ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً. 44فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذلِكَ الْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ. 45ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ:«نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا! هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ. 46قُومُوا نَنْطَلِقْ! هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُني قَدِ اقْتَرَبَ!».
47وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ. 48وَالَّذِي أَسْلَمَهُ أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً قَائِلاً:«الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ». 49فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: «السَّلاَمُ يَا سَيِّدِي!» وَقَبَّلَهُ. 50فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟» حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوْا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ. 51وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ. 52فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! 53أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ 54فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟».55فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَالَ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ:«كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي! كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَكُمْ أُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ وَلَمْ تُمْسِكُونِي. 56وَأَمَّا هذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ». حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا. 57وَالَّذِينَ أَمْسَكُوا يَسُوعَ مَضَوْا بِهِ إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ الْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ. 58وَأَمَّا بُطْرُسُ فَتَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَدَخَلَ إِلَى دَاخِل وَجَلَسَ بَيْنَ الْخُدَّامِ لِيَنْظُرَ النِّهَايَةَ. 59وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، 60فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلكِنْ أَخِيرًا تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ 61وَقَالاَ:«هذَا قَالَ: إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ». 62فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ:«أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هذَانِ عَلَيْكَ؟» 63وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتًا. فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ:«أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟» 64قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ». 65فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلاً:«قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! 66مَاذَا تَرَوْنَ؟» فَأَجَابُوا وَقَالوُا :«إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ». 67حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ، وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ 68قَائِلِينَ:«تَنَبَّأْ لَنَا أَيُّهَا الْمَسِيحُ، مَنْ ضَرَبَكَ؟».69أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِسًا خَارِجًا فِي الدَّارِ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ قَائِلَةً:«وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ!». 70فَأَنْكَرَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ قَائِلاً: «لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ!» 71ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى الدِّهْلِيزِ رَأَتْهُ أُخْرَى، فَقَالَتْ لِلَّذِينَ هُنَاكَ:«وَهذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ!» 72فَأَنْكَرَ أَيْضًا بِقَسَمٍ:«إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!» 73وَبَعْدَ قَلِيل جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ:«حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ!» 74فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ:«إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!» وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ. 75فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ يَسُوعَ الَّذِي قَالَ لَهُ:«إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا.
1وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ، 2فَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ وَدَفَعُوهُ إِلَى بِيلاَطُسَ الْبُنْطِيِّ الْوَالِي. 3حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ 4قَائِلاً:«قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا». فَقَالُوا:«مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!» 5فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. 6فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا:«لاَ يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ». 7فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ. 8لِهذَا سُمِّيَ ذلِكَ الْحَقْلُ «حَقْلَ الدَّمِ» إِلَى هذَا الْيَوْمِ. 9حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ الْقَائِلِ:«وَأَخَذُوا الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، ثَمَنَ الْمُثَمَّنِ الَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، 10وَأَعْطَوْهَا عَنْ حَقْلِ الْفَخَّارِيِّ، كَمَا أَمَرَنِي الرَّبُّ».11فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي قِائِلاً:«أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«أَنْتَ تَقُولُ». 12وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. 13فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ:«أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟» 14فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدًّا. 15وَكَانَ الْوَالِي مُعْتَادًا فِي الْعِيدِ أَنْ يُطْلِقَ لِلْجَمْعِ أَسِيرًا وَاحِدًا، مَنْ أَرَادُوهُ. 16وَكَانَ لَهُمْ حِينَئِذٍ أَسِيرٌ مَشْهُورٌ يُسَمَّى بَارَابَاسَ. 17فَفِيمَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ:«مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» 18لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَدًا. 19وَإِذْ كَانَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ قَائِلَةً:«إِيَّاكَ وَذلِكَ الْبَارَّ، لأَنِّي تَأَلَّمْتُ الْيَوْمَ كَثِيرًا فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِهِ». 20وَلكِنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخَ حَرَّضُوا الْجُمُوعَ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا بَارَابَاسَ وَيُهْلِكُوا يَسُوعَ. 21فَأجَابَ الْوَالِي وَقَالَ لَهُمْ:«مَنْ مِنْ الاثْنَيْنِ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟» فَقَالُوا: «بَارَابَاسَ!». 22قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» قَالَ لَهُ الْجَمِيعُ: «لِيُصْلَبْ!» 23فَقَالَ الْوَالِي:«وَأَيَّ شَرّ عَمِلَ؟» فَكَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخًا قَائِلِينَ: «لِيُصْلَبْ!» 24فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً:«إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ!». 25فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْب وَقَالُوا:«دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا». 26حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ. 27فَأَخَذَ عَسْكَرُ الْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ، 28فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًّا، 29وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ:«السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ!» 30وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ. 31وَبَعْدَ مَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ.
32وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَانًا قَيْرَوَانِيًّا اسْمُهُ سِمْعَانُ، فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. 33وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ» 34أَعْطَوْهُ خَّلاً مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ. 35وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ:«اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». 36ثُمَّ جَلَسُوا يَحْرُسُونَهُ هُنَاكَ. 37وَجَعَلُوا فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ مَكْتُوبَةً:«هذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ الْيَهُودِ». 38حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ، وَاحِدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ الْيَسَارِ. 39وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ 40قَائِلِينَ:«يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!». 41وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ! 43قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللهِ!». 44وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ. 45وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. 46وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ 47فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا:«إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا». 48وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَّلاً وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ. 49وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَقَالُوا:«اتْرُكْ. لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ!». 50فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ".
إن الإنسان ليستعجب أشد الاستعجاب ويتساءل: ترى أين الجموع الذين كانوا يحيطون بالمسيح ويتبعونه فى كل مكان يذهب إليه، ويعُدّهم مؤلفو الأناجيل بالآلاف، وكان عليه السلام يطعمهم، ويشفى أصحاب الأمراض المستعصية منها، بل ويعيد بعضهم إلى الحياة مرة أخرى بعد أن ماتوا؟ بل أين حواريوه المقرَّبون؟ لقد تبخروا كلهم، وكأنهم فَصّ ملح وذاب؟ واليمين التى أقسمها بطرس بأنه لن ينكره ولن يتخلى عنه، ترى كيف نسيها وهان سيده عليه إلى هذا الحد؟ ولدينا أيضا ذلك التلميذ الآخر الذى أمسكه الجند من ملابسه فخلعها عن جسمه وتركها لهم وانطلق هاربا وهو عريان كيوم ولدته أمه. الحق أنها محنة! وأى محنة! أهذه ثمرة كل تلك التربية التى تَلَقَّوْها على يديه صلى الله عليه وسلم؟ أهذه حصيلة كل تلك الصحبة التى صحبوها إياه؟ فأين ذهبت كل تلك الخطب والأمثال التى كان يَسُحّ بها فى آذانهم سحًّا؟ أتراهم لم يكونوا يهتمون بما يقول، بل بما كانوا ينتظرونه على يديه من شفاء فقط؟ ولا ننس فوق ذلك أن عيسى، فى نظر النصارى، هو إله، وليس بشرا. أفهذه غاية جهد الإله؟ إن محمدا إذن، كما سوف نرى حالا، لأبرك أثرا وأقدر فى التربية والتوجيه، وهو البشر الذى لم يزعم هو ولا زعم له أحد من أتباعه أنه إله أو ينحدر من صلب الآلهة! أليس كذلك؟ ولا يقل أحد إن المسيح قد نهى تلاميذه عن الدفاع دونه وأمر بطرس أن يغمد سيفه مرة أخرى. ذلك أن رواية الأحداث على هذا النحو لا تقنع أحدا، إذ من أين أتى بطرس بالسيف؟ وكيف لم يتنبه المسيح إلى ذلك السيف قبل أن يشهره حواريّه؟ بل لماذا كان بطرس يحمل سيفا أصلا، ولم تكن هناك معارك تسوّغ ذلك؟ ولماذا هو بالذات دون سائر زملائه؟ كما أن الحواريين لم يكونوا رجال حرب. ثم إن محاولات السيد المسيح الابتعاد مع تلاميذه عن أنظار أعدائه دليل على أنه لم يكن يريد الموت. ويعضد هذا صلاته قبل القبض عليه وابتهاله إلى الله أن يجيز عنه تلك الكأس المرة، وكذلك صرخاته على الصليب، وتحقيره قبل القبض عليه من شأن تلميذه الخائن الذى تنبأ بأنه سوف يسلمه إلى الأعداء طبقا لما يرويه مؤلفو الأناجيل. فإذا أضفنا إلى هذا أن السيد المسيح عليه السلام قد أعلنها صريحة مدوية أنه إنما جاء بالسيف، كان من الصعب علينا جدا الاطمئنان إلى ما يُنْسَب له من أن ما أُخِذ بالسيف فبالسيف يؤخذ، وإلا كان كمن يكذّب نفسه بنفسه.
هؤلاء إذن أصحاب المسيح عليه السلام، وأما أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام فنورد لهم تصرفاتهم فى موقفين من أخطر المواقف التى مرت به صلى الله عليه وسلم، ولسوف نراهم وهم يضحون بحياتهم وراحتهم من أجله ويفدونه بكل غال لديهم، وكلهم حب له وحرص على ألا يخلص إليه سوء أويناله أذى، يستوى فى ذلك الرجال والنساء. إنها ملحمة، وأى ملحمة! ملحمة البطولة والإيمان والإخلاص والنبل والتطلع لنيل الشهادة والفوز برضا الله. وها هما ذان الموقفان: فأما الأول فمن قلب المعمعة أثناء معركة أحد بعد أن تحولت كِفّة الميزان لصالح المشركين وتطورت الأحداث بسرعة وأحدق المشركون بالنبى يريدون قتله. وإلى القارئ ما جاء فى سيرة ابن هشام بشىء من التصرف: "وانكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدُثَّ بالحجارة حتى وقع لشِقِّه فأصيبت رباعيته وشُجَّ في وجهه وكُلِمَتْ شفته ودخلت حلقتان من حلق المغفر وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعه طلحة بن عُبَيْد الله حتى استوى قائما، ومَصَّ مالك بن سنان الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده. وعن عائشة عن أبي بكر الصديق أن أبا عبيدة بن الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثَنِيّته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غَشِيَه القوم: مَنْ رجلٌ يشري لنا نفسه؟ فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ثم رجلا، يُقْتَلون دونه حتى كان آخرَهم زيادٌ أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه. وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد. قالت: خرجتُ أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعي سِقَاءٌ فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون انحزْتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خَلَصَت الجراح إليّ. وكان على عاتقها جرح أجوف له غَوْرٌ، قالت: إن ابن قمئة، لما ولّى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقبل يقول: دُلّوني على محمد، فلا نجوتُ إن نجا. فاعترضتُ له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة، ولكن فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان. وتَرَّس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه يقع النَّبْل في ظهره، وهو منحنٍ عليه حتى كثر فيه النبل. ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمى عن قوسه حتى اندقت سِيَتُها. وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته فردها (أى الرسول) بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما. وانتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قُتِل رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استقبَلَ القومَ فقاتل حتى قُتِل. وقد وجدوا به يومئذ سبعين ضربة فما عرفه إلا أخته، عرفتْه ببناته. أما عبد الرحمن بن عوف فأصيب فُوه يومئذ فهَتِمَ وجُرِح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعَرِجَ".
وأما الموقف الثانى فكان فى غزوة الحديبية حين لـَجّ الخلاف بين قريش والمسلمين وأضحى الأمر على شفير الانفجار فى أية لحظة، وبدأت المفاوضات الشاقة. جاء فى صحيح البخارى: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين. فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرَة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنيّة التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس : حل حل. فألـحَّتْ، فقالوا: خلأت القصواء! خلأت القصواء! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألونني خُطّةً يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحُدَيْبِيَة على ثَمَدٍ قليل الماء يتبرّضه الناس تبرُّضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه. وشُكِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. فوالله مازال يجيش لهم بالرّيّ حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيْل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عَيْبَةَ نُصْحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العُوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين. وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم. فإن شاؤوا مادَدْتُهم مدة ويُخَلّوا بيني وبين الناس. فإن أَظْهَرْ، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمّوا. وإن هم أَبَوْا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره. فقال بُدَيْل: سأبلغهم ما تقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود فقال: أَيْ قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال أو لستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلّحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض لكم خُطّة رُشْد، اقبلوها ودعوني آتيه. قالوا ائته. فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبُدَيْل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيتَ إن استأصلتَ أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا من الناس خليقًا أن يفرّوا ويَدَعوك. فقال له أبو بكر: امصص ببظر اللات! أنحن نفرّ عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أَخِّرْ يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أيْ غُدَر، ألستُ أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأَقْبَل، وأما المال فلستُ منه في شيء. ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه، قال: فوالله ما تنخّم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره. وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أَيْ قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيتُ مَلِكًا قَطُّ يعظّمه أصحابه ما يعظِّم أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم محمدا. والله إنْ تنخَّم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره. وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر تعظيما له. وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا فلان، وهو من قوم يعظّمون البُدْن (أى الأضاحى)، فابعثوها له. فبُعِثَتْ له، واستقبله الناس يُلَبّون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدّوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، فما أرى أن يُصَدّوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آتيه. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز، وهو رجل فاجر. فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد سهل لكم من أمركم. قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم. قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب: "باسمك اللهم". ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني. اكتب: محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألونني خُطّةً يعظّمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخِذْنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب ، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَدّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي. قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى، فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أَيْ معشر المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين وقد جئتُ مُسْلِما؟ ألا تَرَوْن ما قد لقِيت؟ وكان قد عُذِّب عذابا شديدا في الله. قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق، وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا. قال :فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسِكْ بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت :لا. قال: فإنك آتيه ومطوِّفٌ به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يانبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدْنَه ودعا حالقه فحلقه. فلما رَأَوْا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل غما. ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا، إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنّ، الله أعلم بإيمانهن. فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا تَرْجِعوهن إلى الكفار، لا هُنّ حِلٌّ لهم ولا هُمْ يَحِلّون لهن، وآتوهم ما أنفقوا. ولاجناح عليكم أن تَنْكِحوهن إذا آتيتموهن أجورهن، ولا تُمْسِكوا بعِصَم الكَوَافِر". فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرْك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير، رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا. فاستلّه الآخر، فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه، فضربه حتى بَرَد (أى مات)، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا. فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك. قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مِسْعَر حرب، لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. فوالله ما يسمعون بِعِيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم لمـّا أرسل: فمن أتاه فهو آمن. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل الله تعالى: "وهو الذي كَفَّ أيديَهم عنكم وأيديَكم عنهم ببطن مكةَ من بعد أن أظفركم عليهم، وكان الله بما تعملون بصيرا* هم الذين كفروا وصَدّوكم عن المسجد الحرام، والهَدْىَ معكوفا أن يبلغ مَحِلّه. ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تَعْلَموهم أن تطؤوهم فتُصِيبَكم منهم مَعَرّةٌ بغير علم لو تَزَيَّلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما* إذ جَعَل الذين كفروا فى قلوبهم الحـَمِيّةَ حَمِيّةَ الجاهلية". وكانت حميّتهم أنهم لم يُقِرّوا أنه نبي الله، ولم يُقِرّوا بـــ"بسم الله الرحمن الرحيم"، وحالوا بينهم وبين البيت".
الخاتمة:
* أصغى المساجين في غرفة السجن بصمت إلى كلمات خادم الرب، ونظر البعض إليه بغضب، وأبرقت من أعينهم البغضة والحقد، بينما كان الآخرون منذهلين ومندهشين. وأما الأقلية ففرحت بجوابه واستخلصت من كلامه رجاء وتعزية. وقال خطيب الجماعة لخادم الرب: قد رأينا أنك مستقيم، وقلتَ لنا جهرًا أفكار قلبك ولم تخدعنا. سوف نفكّر بكلامك ونقارن أقوالك بالقرآن والحديث، ونجيبك جوابًا قاطعًا. لا نوافق على كلامك، بل نطلب منك استمرارية المباحثة حتى تستمع إلى ما نقوله نحن أيضًا. لن نلمسك ولا نضرّك رغم أن بعضًا منا مغتاظين جدًا من كلامك لأننا وعدناك بالأمن وطلبنا منك أن تتكلم بما تريده. سوف نفتح الباب أمامك طالبين اليك العودة. قليلون من يقولوا الحق في الاستقامة والاحترام . جاوبهم رجل الله: كلّ مَن مِن الحق يسمع صوت الحق، والحق يحرره تحريرًا. فإن أردتم أن تعرفوا الحق الكامل عن المسيح ومحمد فأتكلم لكم من الإنجيل بصراحة أكثر. فكل من لا يملك منكم الإنجيل الشريف ويريد أن يقرأ فيه، فأقدم له نسخة هدية لكي يتأمل في الحق الكامل. وبعد هذا الكلام قام من وسطهم، ولم يمنعه أحد بل فتحوا الباب وسمحوا له بالخروج. أما الأبحاث فتهيجت في هذه الزنزانة واستمرت إلى الليل. وأما خادم الرب فشكر ربّه الحي لأنه أوْكله أن يُبْرِز الحق حسب معرفته من القرآن والحديث ومن غنى التوراة والإنجيل.
** أما تعليقى على هذا الكلام فهو أن الواعظ الطيب الذى على نياته إنما كان يحلم! أو... أو ماذا؟ أو أنه مسلم، لكنه لا يريد أن يكشف عن إسلامه مرة واحدة، فهو يلجأ إلى هذا الأسلوب التدريجى، فيصف محمدا عليه السلام بأنه نبى عظيم، مع التظاهر أنه يفضل عليه عيسى رغبة فى تضليل القارئ النصرانى عن حقيقة معتقده. هى فكرة طرأت لى، وقد تكون صحيحة، أو هى على الأقل فكرة وجيهة تحتاج فى التثبت منها إلى التربص والانتظار. فلنكن، أيها القراء، إذن من المتربصين حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا!


من مواضيعي
0 الرد علي القمص يوحنا فوزي -- ابو عبيده
0 5 مميزات في ويندوز 10 الكثير لا يعلم عنها شيئاً!
0 العشرة المبشرون بالجنة أفضل هذه الأمة بعد نبيها
0 انفوجرافيك نصائح لرواد الأعمال
0 فن التفصيل والخياطة
0 انفوجرافيك نصائح لتصميم الواجهات التفاعلية لتطبيقات الويب
0 نصائح تربوية
0 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه أختلافاً كثيراً

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
(مهداة, إبراهيم, أينما, أحمد, أعظم؟, المنكوح), المسيح؟, القمص

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:17 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009