ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

نقض المطاعن الموجهة إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة


نقض المطاعن الموجهة إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى رد الشبهات حول الرسول والأحاديث والسنة


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 03:59 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي نقض المطاعن الموجهة إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

نقض المطاعن الموجهة إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
تمهيد :
خَصصَ الفادي المفترِي الجزءَ العاشرَ من كتابِه المتهافتِ للاعتراضِ على الآياتِ التي تتحدَّثُ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، والادِّعاءِ أَنَّ فيها أَخطاءً ، وأَنها تدلُّ على أَنَّ القرآنَ ليس كلامَ اللّه ، وأَنه من تأليفِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
ولْننظرْ في هذه الاعتراضاتِ التي ذَكَرَها ، والأسئلةِ التشكيكيةِ التي طَرَحَها.
***
حولَ أَزواجِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -
أَوردَ الفادي المفترِي مقاطعَ من ثلاثِ آياتٍ من سورةِ الأَحزاب ، تتحدَّثُ عن أَزواج رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -
قال تعالى : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا *50* تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا *51*.
واعترضَ الفادي المجرمُ على هذِه الآياتِ ، واعتَبَرَها من تأليفِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنه اتبعَ فيها هَواه ، وأَباحَ لنفسِه ما حَرَّمَه على أَصحابه ، وسمحَ لنفسِه أَن يتزوجَ بما شاء.
قال : " ونحنُ نسألُ : لماذا حَلَّلَ محمدٌ لنفسِه ما حَرَّمَه على غيره ؟
أَلم يُحدِّد للمسلمِ أَربعَ زوجات ، فقال : *فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ* ؟.
فلماذا أَطلقَ العَنانَ لنفسِه دون المسلمين ، وتزوجَ بأَكثر مما يَسمحُ به القانون ، من أَيِّ امرأةٍ تَهبُه نفسَها ، لو أَنه وَقَعَ في هواها ، فكانَ له عند وفاتِه تسعُ نسوةٍ أَحياء ، وسريَّتَيْن هما مارِيَة ورَيْحانَة ؟ ...
وقالَ البيضاوي : إِنَّ النساءَ اللاتي وَهَبْنَ أَنفسهنَّ للنبيِّ هن : مَيمونَةُ بِنتُ الحارث ، وزينبُ بنتُ خُزامَة ، وأُمُ شريك بنتُ جابر ، وخولةُ بنتُ حكيم! أَليس غَريباً أَنَّ محمداً أَوصى المسلمينَ بالعدلِ بينَ النِّساء ، وأَباحَ لنفسِه حريةَ عَدمِ العَدْلِ بين أَزواجه ، فقال : *تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ*.
الفادي المجرمُ يُصِرُّ على استبعادِ البُعْدِ الربانيِّ للأَحكامِ الشرعية والآياتِ القرآنية ، ويُصِرُّ على نسبةِ الآياتِ وما فيها من أَحكامٍ إِلى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، ويَظهرُ هذا في قوله : " حَلَّلَ محمدٌ لنفسِه ما حَرمَه على غيره " و " أَلَم يُحددْ للمسلمِ أَربعَ زوجات ، فقال : *فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ* ؟ " *1*.
ونُلاحظُ أَنَّ المجرمَ يَنسبُ الآيةَ إِلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنه هو الذي أَلَّفَها وصاغَها ، ثم نَسَبَها إِلى اللّه!
إِنه لا يعترفُ أَنَّ القرآنَ كلامُ اللّه ، وأَنَّ محمداً هو رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنَّ الإِسلامَ هو دينُ اللّه ؟
وإِذا كانَ هذا منطلقه في النظرةِ إِلى الإِسلامِ والقرآنِ ومحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، فكلُّ تَفصيلاتِه وتحليلاتِه مرتبطةٌ بهذه النظرة ، وهي ثمرةٌ طبيعية لها.
وفي كلامِ الفادي المجرمِ السابقِ مجموعَةٌ من المغالطات ، منها :
1 - زَعْمُه أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حَدَّدَ للمسلمِ التزوجَ بأَربعِ نساء ، وهذا كَذِب ، فالذي حَدَّدَ ذلك هو اللّهُ - عز وجل - في القرآنِ الكريم ، قال تعالى : *فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ*.
2 - زَعْمُه أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَباحَ لنفسِه ما حَرَّمَه على غيرِه ، وأَطلقَ العَنانَ
لنفسِه ، وتزوَّجَ بأَكثر مما يسمحُ به القانون.
وهذا كذبٌ مفضوح منه ، فالذي أَباحَ له ذلك هو اللّهُ في كتابِه الكريم.
__________
*1* قال الشيخ / محمد الغزالي - رحمه الله - ما نصه :
قال تعالى: *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ..* .
والمعروف أن للمسلم أن يتزوج بأربع لا يزيد. وقد أسلم رجل ولديه عشر زوجات، فأمره النبى بإمساك أربع وتسريح الباقيات. قد تقول فلماذا لم يطبق ذلك على نفسه؟ والجواب أنه بعدما اخترنه على أهلهن وآثرن البقاء معه على شظف العيش ما يسوغ ترك إحداهن! ثم ماذا تفعل من يسرحها؟ إن زواجها بغيره مستحيل لحرمة أمهات المؤمنين على سائر الأمة! فالحل أن يبقين، ولو كان من بينهن العجائز! ثم قيل للرسول عقب هذا الوضع " لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا" . والتعدد نظام قد يقبل مع شرف الأخلاق وتباين الطبائع والحاجة إلى الذرية، وقد عرف فى سير الأنبياء. وأشعر بريبة فيما ذكرته التوراة من أنه كان لسليمان ألف امرأة، وأحسب ذلك من المجازفات..! وليس للحضارة المعاصرة أن تخوض فى هذه القضية! فإن التعدد فيها كلأ مباح، وربما استطاع الصعلوك أن ينال أكثر مما نال! سليمان سفاحا لا نكاحا.. اهـ *نحو تفسير موضوعي. ص : 325*
قال تعالى : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ*.
لقد كان رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ملتزِماً بشرعِ اللّه ، وَقّافاً عند حُدودِ اللّه ، مُنَفّذاً لأَوامِرِ اللّه.
3 - زَعْمُه أَنَ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - كان مُتَّبِعاً لهواه ، وأَنه أَباحَ لنفسِه أَنْ يتزوَّجَ أَيةَ امرأةٍ عشقَتْه ووهبَتْ نَفْسَها له ، وهَوِيَها هو!..
وهذا كَذِب منه.
فالرسولُ - صلى الله عليه وسلم - لم يَتبعْ هواه ، وإِنما كانَ إِمامَ الزاهدين ، واللّهُ هو الذي أَباحَ له الزواجَ من المرأةِ التي وَهَبَتْ نَفسَها له : *وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ*.
وكَذَبَ المجرمُ عندما ادَّعى أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَزَوَّجَ أَربعاً من أَزواجِه عن طريقِ الهِبَة ، بعدَ أَنْ وَهبْنَ أَنفسهنَّ له.
فلم يتزوج الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - من أَيّ امرأةٍ وهبتْ نفسَها له..
والذي حَصلَ أَنَّ امرأةً وَهَبَتْ نفسَها له ، بأَنْ فوَّضتْه أَمْرَها ، وجعلَتْه وليَّ أَمْرِها ، وزَوَّجَها لأَحَدِ أَصحابه ...
روى البخاريُّ عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديّ - رضي الله عنه - قال : إِنّي لفي القومِ عندَ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، إِذْ قامَت امرأة فقالَتْ : يا رسولَ اللّه ، إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك ، فَرَ فيها رأْيَكَ.
فلم يُجِبْها شيئاً.
ثم قامَتْ فقالَتْ : يا رسول اللّه! إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك ، فَرَ فيها رأْيَك..
فلم يُجِبْها شيئاً..
ثم قامَت الثالثةَ ، فقالَتْ : إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك ، فَرَ فيها رأْيَك..
فقامَ رجلٌ فقال : يا رسولَ اللّه! أَنْكِحْنيها.
قال : " هل عندَك من شيء ؟" قال : لا.
قال : " اذهبْ فالتمسْ ولو خاتماً من حديد..
" فَذَهَبَ وطَلَب ، ثم جاءَ فقال : ما وجدْتُ شيئاً ، ولا خاتماً من حديد.
قال : " هل معك من القبرآنِ شيء ؟" قال : معي سورةُ كذا وسورةُ كذا.
قال : " اذهبْ فقد أَنْكَحْتُكَهَا بما معكَ من القرآن..".
4 - زَعْمُه أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَوصى المسلمينَ بالعدلِ بين نسائِهم ، وأَباحَ لِنفسِه عدمَ العَدْل ، فقال : *تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ... *.
إِنَّ الفادي المجرمَ يُصِرُّ على أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - هو الذي قالَ : *تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ*..
مع أَنَّ اللّهَ هو الذي أَنزلَ هذه الآيةَ على رسولِه - صلى الله عليه وسلم -.
ولم يُبِح الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - لنفسِه عدمَ العدلِ بين الزوجات ، وإِنما أَعفاهُ اللّهُ من ذلك ، وذلك في قولِه تعالى : *تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ*.
ومع أَنَّ اللّهَ أَعْفاهُ من وجوبِ العَدْلِ ، إِلّا أَنه أَخَذَ بالأَفضلِ والأَكمل ، فكانَ يَعدلُ بين نسائِه.
روى البخاريُّ عن عائشةَ - رضي الله عنها - : أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَستأذنُ في يومِ المرأةِ مِنّا ، بعدَ أَنْ أُنزلَتْ عليه هذه الآيةُ : *تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ*.
فقالَتْ لها مُعاذَة : ماذا كنتِ تَقولين ؟
قَالَتْ عائشة : " كنتُ أَقولُ له : إِنْ كانَ ذلك إِليّ ، فإِنّي لا أُريدُ يا رسولَ اللّهِ أَنْ أُوثرَ عليك أَحداً ".
حول حرمة نكاح أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - :
حَرَّمَ اللّهُ على المسلمين نِكاحَ أَزواجِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من بعده.
قال تعالى : *وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا *53*.
وهذا لم يُعجِب الفادي المفترِي ، وأَثارَ اعتراضَه واستنكارَه ، قال :
" ولماذا يُعطي الحقَّ لجميعِ الأَرامِلِ أَنْ يتزوَّجْنَ ، ويُحَرّمُ هذا الحقَّ على نسائه ، فيوصي أَنْ لا يتزوَّجْنَ من بعدهِ أَبداً ؟ " *1*.
لم يُحَرِّم الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين نِكاحَ أَزواجِه من بعدِه ، والذي حَرَّمَ ذلك هو اللّهُ - عز وجل - ، ووردَ ذلك التحريمُ في الآيةِ القرآنيةِ الحكيمة ، التي أَوردْناها قبلَ قَليل.
واللّهُ عليمٌ حكيمٌ في ما يُشَرِّعُ من الأَحكام ، والإِنسانُ يتلَقّى حُكْمَ اللّهِ بالقَبولِ والرضا والتسليمِ واليقين.
وحكمةُ تحريمِ نكاحِ أَزواجِه أَنهنَّ أُمَّهاتٌ للمؤمنين ، أُمومةً اعتباريةً معنوية ، تَقومُ على الاحترامِ والتكريمِ والتوقير.
قال تعالى : *النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ*.
__________
*1* قال الشيخ / محمد الغزالي - رحمه الله - ما نصه :
ربما قال قائل: آمنا بأن تعدد الزوجات كان مألوفا فى الديانات الأرضية والسماوية حتى جاء الإسلام فوضع عليه القيود، فلماذا لم يلتزم نبى الإسلام بالعدد الذى وقف بالمسلمين عنده؟ ألم يجئ فى الأحاديث الصحاح أنه أمر رجلا لديه عشر زوجات أن يمسك أربعا ويسرح الباقيات؟ قلت: سؤال صحيح! فلنتدبر الإجابة عليه! أن النسوة الست التى طلقهن صاحب العشرة سيتركن بيته ويجدن بيوتا أخرى، فلهن حق الزواج ممن أحببن، ولاحرج على أحد فى التزوج منهن! لكن ماذا عسى يفعل زوجات الرسول إذا كان الوحى قد نزل من قبل يقول للمسلمين: *وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا* لقد صرن أمهات للمؤمنين وفق النص القائل: *النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ..* وما كان لمؤمن أن يتزوج أمه! فهل يسوغ بعد هذا تسريحهن ليعشن فى وحدة وإياس؟ ولنفرض زورا أن تسريحهن مطلوب فهل هذا هو الجزاء الإلهى لنسوة تحملن مع صاحب الرسالة شظف العيش ومشقات الحصار المضروب على أمته؟ لقد اخترن البقاء معه عندما خيرهن، وأبين العودة إلى أهلهن فى بيوت أملأ بالسمن والعسل، وحملهن الإيمان على البقاء فى جو التهجد والصيام والكفاح مع النبي الذى انتصب لمقاومة الضلال فى العالمين، فهل يكون الجزاء بعد هذا الوفاء الخلاص منهن؟ إن الله أذن ببقائهن، والاقتصار عليهن، وصدر لهن تشريع خاص *لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا*.
حلف الأطلسى.، يحميهم وإنى أسائل الهاجمين على محمد من خلال هذه الثغرة المزعومة فى حياته، أهى محاكمة خاصة لهذا الإنسان الشريف؟ ومحاولة متعمدة للنيل منه وحده؟
أعرف أن مساءات كثيرة وجهت لأنبياء من قبله، وتعرض الرجال الصالحون لأقبح التهم! ألم يتهم النبي الطاهر لوط بأنه زنى بابنتيه كلتيهما بعد ما أفقدته الخمر وعيه وأنجب منهما؟ ألم يتهم النبي يعقوب بأنه سرق منصب النبوة من أخيه الأكبر عيصو بعد عملية احتيال ماكرة على أبيه الذى كف بصره؟ ألم يتهم سليمان بأنه انطلق فى شوارع القدس يبحث عن الحبيب المجهول ليأخذه إلى فراشه، مع أن عنده ألف امرأة؟ إن هذا البحث الماجن استغرق عدة صفحات مليئة بجمل طائشة تحت عنوان الإنشاد الذى لسليمان! من شاء قرأه فى العهد القديم.. ومع جنون الاتهام الذى سيطر على كاتبى هذه الصحف، فإن المتهمين بقوا أنبياء مكرمين! أما سليمان فقد جعله اليهود ملكا، ولكن أى ملك؟ إنه بانى الهيكل الذى يجب أن يعاد بناؤه ليكون مسكنا للرب يتجلى فيه بهاؤه ويحكم العالم كله من سدته بوساطة شعبه المختار من بنى إسرائيل!! أما محمد الصوام القوام الكادح لله طوال حياته، والذى جمع آخر عمره بضع نسوة من الأرامل والمصابات عشن معه على مستوى الضرورة، وتمحضن لله والدار الآخرة فهو وحده الذى يستباح وتتوارث الضغائن عليه، ويتجمع حلف الأطلسى لحماية شاتميه ! ومن أولئك الشاتمون الغاضبون؟ أهم رهبان وقذتهم العبادة وكبتوا حب النساء فى دمائهم فهم يشتهون ويميتون شهواتهم ابتغاء رضوان الله كما يزعمون؟ كلا، إنهم أفراد وشعوب شربوا كئوس الشهوات حتى الثمالة، ولم يتركوا بابا للذة إلا افتتحوه دون تهيب أو حياء!
وحضارة أوروبا تميزت بأنها يسرت للدهماء من المتع ما كان حكرا على الملوك والرؤساء فأضحى الصعلوك قادرا على الاتصال بسبعين امرأة كلما ذاق جديدا طلب مزيدا ما تحجزه عن دناياه تقاليد ولا قوانين، وفى هذا الوسط من الدنس يذمون محمدا وينالون منه! أى منطق هذا المنطق الجائر الظلوم؟
إن الإسلام لم يأمر بتعدد الزوجات، فإن الزواج ليس نشدانا للذة فقط وإنما هو قدرة على التربية ورعاية الأسرة، فمن عجز عن ذلك كلفه الإسلام بالصوم، ونحن نوجه للأوربيين سؤالا لا مهرب منه: هل التعدد الذى أذن الإسلام به أفضل أم الزنى؟ إننى أسائل كل منصف صادق: هل المجتمعات الأوروبية تكتفى بالواحدة أم أن التعدد قانون غير مكتوب يخضع له الكثيرون؟ وثم سؤال آخر: هل الضرورات هى التى تدفع إلى التعدد الحرام أم أن الإثارات المتعمدة فى الاختلاط المطلق وفى تقاليد الرقص التى لا آخر لها من وراء هذا الفيضان من العلاقات الآثمة؟؟
وأختم هذا القول بسؤال حاسم: هل وعى التاريخ الجاد سيرة رجل أعف خلقا وأشرف ثوبا وأغير على الحرمات وأبعد عن الشبهات من محمد؟
هل حكى عن أحفال فى بيته رُصت فيها الموائد وعليها زجاجات الخمور، وأطايب الأطعمة، وأنواع المشهيات والهواضيم؟ لقد كانت عيدان الحصير تنطبع على جلده وهو نائم، أو جالس، فإذا ظفر مع أصحابه بالخبز واللحم عد ذلك من النعيم الذى يسأل الناس عنه يوم القيامة!! فهل هذا النبي الفارس المخشوشن الجلد يوصف بأنه من أصحاب الشهوات؟ ومن الذى يصفه؟ الذين ابتلاهم الله " بالإيدز" بعد ما ابتلاهم بالزهرى وغيره من أمراض الإسفاف والإسراف والسقوط!! امراتان.. نادرتان!! كانت أم المؤمنين " خديجة" سيدة ثاقبة البصيرة، خبيرة بأغوار الرجال، تعرف طبائعهم فلا يخفى عليها معدن نفيس، ولا يخدعها طلاء مزور! ولعل اشتغالها بالتجارة كون لديها هذه الملكة فالتجار من أعرف الناس بطوايا النفوس! وفى ميدان عملها التجارى عرفت خديجة محمدا - عليه الصلاة والسلام - وخطبته لنفسها، ولم يكن محمد مجهولا لدى جمهور العرب، كانت خلائقه الزاكية موضع إجماع وحب، وكثيرا ما تكون زكاة الباطن كصباحة الوجه أساسا لتقدير عام أو عنوانا لا يختلف فيه اثنان.. لكن خديجة بعد زواجها ازدادت خبرة برجلها وأدركت أى أفق من الكمال قد بلغه! فلما أخبرها بما عرض له فى غار حراء قاست المستقبل على الماضى، وأقسمت أن مثله لا يضيع، وأنه يستحيل أن يخذل الله رجلا قد أفاء عليه خلال النبل والشرف كلها، قالت: "والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصدق الحديث وتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق وتؤدى الأمانة ". إن الله لا يخزى فى الدنيا ولا فى الأخرى صاحب هذه السيرة! ذاك إنسان محصن من عدوان الشيطان *إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا..* وخديجة من سروات قريش، أى من قمة المجتمع العربى، وهى أول من آمن من النساء، لكن الإسلام دين عام ينتظم البشر أكابرهم وأصاغرهم، فإذا كانت أفئدة بعض الأغنياء تهوى إليه، فإن جماهير من الفقراء تدخل فيه وتستبشر به، السادة والعبيد جميعا لهم مكان واحد فيه، كأبو بكر المرموق يعتنقه، وبلال المملوك يعتنقه، ثم يجىء عمر العظيم فيقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا!! لا طبقات فى هذا الدين، ولكن أخوة عامة، وإذا كانت خديجة أول من آمن، وهى من البيوتات الرفيعة، فإن أول من استشهد " سمية " أم عمار وهى من البيوتات المستضعفة التى لا يؤبه لها. واختبار الله لعباده فنون، إنه يختبر بالشهرة والخمول وبالثروة والعدم وبالصحة والسقام، والمهم هو الآخرة.اهـ *المرأة في الإسلام. 23 - 26*
وإِذا كُنَّ أُمهاتٍ للمؤمنين ، فهن مُحَرَّماتٌ عليهم ، لأَنه لا يمكنُ لإِنسانٍ أَنْ يتزوَّجَ أُمَّه.
وإِذا كانَ لا يَجوزُ للإِنسانِ أَنْ يتزوَّجَ امرأةَ أَبيه ، ولا يُمكنُ عَقْلاً أَنْ يَخلفَ أَباه عليها ، فمن الذي يرضى أَنْ يَخلفَ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - على أَزواجه ؟!.
***
حول جهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وغزواته
اعترضَ الفادي المفترِي على جهادِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَساءَ تَفسيرَ غزواتِه وقتالِه للأَعداء.
وأَوردَ في بدايةِ اعتراضِه قولَ اللّهِ - عز وجل - *وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *39*.
وقوله تعالى : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ*.
وسَجَّلَ كلامَه الخبيثَ قائلاً : " ونحنُ نسأل : وهل يَحتاجُ اللّهُ للعنفِ والسيفِ لينشرَ فِكْرَه ؟
لقد حَلَّلَ محمد لنفسِه ما سبقَ تَحريمُه ، فحرَّضَ أَتْباعَه على القتال ، وأَوصى بالغزوِ والجهادِ في سبيلِ الدين..
مع أنه لما كان في مكة كان يُعلِّم أنه : *لَآ إِكرَاهَ فِى الدِّينِ* ، ويَقول : *ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ *125*.
وكانَ يَقول : إِنَّ اللّهَ قالَ له : *فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ *40*.
ولكنْ لما اشتدَّ ساعِدُه في المدينةِ بعدَ الهجرة ، وَوَجَدَ نفسَه مُحاطاً بذوي السُّيوفِ البَتّارةِ من أَتْباعِه ، هَجَمَ على اليهودِ بقربِ المدينة ، وسَفَكَ دماءَ الأَكثرين ، وأَوصى بمجاهدةِ جميع الخارجين عنه ، ليكونَ الكُلّ من أَتْباعِه..
وقد فاتَه أَنَّ اللّهَ لا يَسودُ العالمَ بالقَسْوةِ ، بل بالمحبَّة ، فاللّهُ مَحَبَّة " *1*.
__________
*1* قال الشيخ / محمد الغزالي - رحمه الله - ما نصه :
منع الفتنة:
كما يحارب الإسلام دفعا للعدوان، يعبئ قواه كلها منعا للفتنة! والفتنة التى تكرر فى القرآن ذكرها على أن إطفاءها نهاية للحرب المعلنة من جانبه، تعنى استغلال السلطة لمصادرة الحق ومطاردة أهله، كما فعل ألوف الطغاة قديما وحديثا. وقد علمت أن الإسلام يبنى جهاده على أن الإكراه لا يؤسس عقيدة. فهو لا يضغط على أحد حتى يلجئه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وفى الوقت نفسه لا يقبل من قوة غاشمة أن تضطهد المؤمنين وترجعهم إلى الجاهلية التى طلقوها. والجو الذى ينشده الإسلام هو الجو الذى يتنفس فيه الإنسان هواء الحرية الطليق ملء رئتيه. يقبل المرء فيه على الرأى الذى يستصوبه، فلو ترك الإيمان بالله ورسوله لأنه يقتنع بذلك، فليس من سبيل لأحد على إرغامه أن يؤمن!. وهذا ما قرره القرآن الكريم فى مواضع شتى: " نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد". " ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ". " فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر ". " وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق... ". وقد خلط قوم من الباحثين فى فهم هذه الآيات خلطا شنيعا، وساروا فيها على نهجين متناقضين كلاهما شارد عن الصراط المستقيم، فمنهم من فهم من هذه الآيات أنه لا حكم فى الإسلام!! وأن نفى الإكراه يقتضى إسقاط الحكومة من تعاليم الكتاب والسنة. كأن ثوار فرنسا لما أعلنوا حقوق الإنسان وحرية الرأى المطلقة امتنعوا عن تكوين حكومة تمثل مبادئ الثورة!.
إن الحكومة فى الإسلام حق لا يحتمل ريبة، وهى لا تعنى ـ إذا قامت ـ لتنفيذ أحكام الإسلام أن تقهر رجلا على دين يرفضه، فإن الحرية الدينية من أحكام الإسلام الذى تشرف الحكومة الإسلامية على تنفيذه. وهناك فريق فهم أن هذه الآيات نسخت بإقامة حكم يقاتل الكفار أبدا، ويعلن عليهم حربا شعواء ، لا تنتهى حتى يبيدوا ! كلا الفريقين مخطئ، بعيد عن إصابة الحق فى مقاصد القرآن، فإن الدولة التى يقيمها الإسلام ممثلة لدعوته لا يمكن ولا يجوز أن تخرج فى أساليب الدعوة عن الحدود التى رسمها الله ـ عز وجل ـ وإلا اعتبرت خارجة على نفسها، وأساس الدعوة الأول: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. ". وأساس استخدام القوة المقاصة: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ... ". وأساس إعلان الحرب هدم السلطات الفاجرة لتتوطد أركان الحرية العقلية وتتراوح عوائق الاستبداد عن طريق الناس. والقتال شر! ولكن لا بد منه لإزالة شر أشد، وعلى ذلك قبله الإسلام ودفع جنوده لخوضه. لما استكثر المشركون القتال فى الشهر الحرام، وافتعلوا ضجة كاذبة للإرجاف بالمسلمين نزل قوله تعالى: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل..".
والفتنة هنا نشأت من تسلط الكفار على المؤمنين وإحراجهم بسبب دينهم الجديد حتى أخرجوهم من ديارهم، وحق على الدولة المسلمة أن تكافح هذه السلطة الجائرة، فلا تتركها إلا مقلمة الأظافر مهشمة الأنياب. وقد حض الله ـ سبحانه ـ على ذلك، وأمر بمتابعة الهجوم على ذوى السلطان الجائر ومصادر الاستبداد الأعمى حتى تطهر الأرض منهم. " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير * وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير ". وهذا الأمر الواضح بالقتال، حتى تنتهى الفتنة، ذيل بمعان تشير إلى ملابساته التى فرضته، فإن ترك الفتانون جرائمهم فيها، فأمرهم إلى الله، ولا سبيل لنا عليهم، وإن رفضوا استعنا بالله على كف أذاهم.. واستعددنا لمعاودة قتالهم. ذلك ـ والغرض المتعين من هذه الحرب ـ تعبيد الطريق أمام الآراء كلها، ليتمحص الحق والباطل، وعندئذ تتخير النفوس ما تهواه. " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. ". على أن هناك من يريد بالقوة إبطال الحق وإحقاق الباطل! والإسلام لا يترك أولئك أحرارا، وما ينبغى له ذلك بل يقاتل " ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ". اهـ *الإسلام والإستبداد السياسي. ص : 108 - 111*
وفي هذا الكلامِ الخبيثِ بعضُ المغالطاتِ والأَكاذيبِ والجهالات ، 1 - إِصْرارُه على أَنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يُحَلّلَ ما يَشاء ، ويُبيحُ لنفسِه ما حَرَّمَه على غيرِه ، والتلاعبَ في التحليلِ والتحريم..
عِلْماً أَنَّ التحليلَ والتحريمَ للّه وَحْدَه ، فاللّهُ سبحانه هو الذي يُنَزّل عليه الآيات ، مُحَلّلاً ما يَشاء ، ومُحَرِّماً ما يَشاء..
والآياتُ التي أَوردَها ليستْ من تأليفِه ، وإِنما هي كلامُ اللّهِ أَوحى به إِليه.
2 - من جهالاتِ المفترِي الجاهلِ عدمُ تَفريقِه بين السورِ المكيةِ النازلةِ في مكةَ قبلَ الهجرة ، والسُّوَرِ المدنيةِ النازلةِ في المدينةِ بعدَ الهجرة.
وسَجَّلَ جَهْلَه في قوله : " مع أَنه لما كان في مكةَ كان يَعْلَمُ أَنَّه : *لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ* ".
لقد جعل سورةَ البقرةِ مكية ، وكل مُبتدئ في العلْمِ مُسلماً كان أَو كافراً فإِنَّه يَعلمُ أَنَّ سورةَ البقرة مدنية ، وفيها النهيُ عن الإِكراهِ في الدين ، وإِجبارِ الآخَرينَ على الدخول في الإِسلام ، وأَوردَ آيةَ سورةِ النحلِ الآمرةِ
بالدعوةِ إِلَى اللّه بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة ، واعتبرها لجهلِه مكية ، مع أَنَّ الراجحَ أَنَ سورةَ النحلِ مدنية ، وأَنها أُنزلَتْ بعد غَزوةِ أُحُد ، في السنةِ الثالثةِ من الهجرة.
3 - ادَّعى المجرمُ أَنَّ الجهادَ طارئٌ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنه لما كانَ في مكةَ كانَ يَحُثُّ على عدمِ الجهادِ والقتال ، ويُركزُ على الدعوةِ والبَلاغ.
ولما هاجَرَ للمدينةِ صارَ قوياً ، واشتَدَّ ساعِدُه ، ووجَدَ نفسَه مُحاطاً بذوي السيوفِ البتَّارةِ من أَتْباعِه ، عند ذلك غَيَّرَ فِكْرَه وأُسلوبَه ودَعا إِلى الجهادِ والغَزْو.
علماً أَنَّ اللّهَ هو الذي أَمَرَ المسلمين في مكةَ بكَفّ أَيديهم عن القِتال ، والصبرِ على أَذى المشركين ، واللّهُ هو الذي أَمَرَهم بالجهادِ والقتالِ في المدينة ، فالأَمْرُ أَمْرُ اللّه ، ووردَ في آياتِ القرآنِ الحكيمة.
والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - يتلَقّى أَمْرَ اللّه ، ويلتزمُ به ويُبَلّغُه لأَتْباعِه ليلْتَزموا به.
4 - يُغالطُ الفادي المجرمُ ويَكْذِبُ ، عندما يدَّعي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - هو الذي هَجَمَ على اليهودِ بالقربِ من المدينةِ وقَتَلَهم ، أَي أَنه صَوَّرَ اليهودَ في صورةِ المظلومين ، الذين تَعَرَّضوا لعدوانِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
مع أَنَّ الحقيقةَ القاطعةَ أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لما هاجَرَ إِلى المدينةِ عَقَدَ معاهداتٍ مع قبائلِ اليهود ، واتفقَ معهم على أَنْ لا يَعْتَدوا عليه ، وأَنْ لا يُعاوِنوا أَعداءَه عليه.
وهو لم يَنقضْ عَهْدَه معهم ، ولم يَبْدأْهم بالهجومِ والعدوانِ لمَّا شَعَرَ بالقوة ، واليهودُ المجرمون هم الذين نَقَضوا عَهْدَهم معه ، واعْتَدوا على المسلمين ، وحاوَلوا قَتْلَه ، وتآمَروا مع قريشٍ ضده.
في السنةِ الثانيةِ من الهجرة نقضَ يهودُ بَني قينقاع عَهْدَهم مع الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، واعْتَدَوْا على مسلمةٍ ، وقَتَلوا مسلماً ، فأَدَّبَهم وأَجْلاهم عن المدينة..
وفي السنةِ الرابعةِ من الهجرةِ نَقَضَ يهودُ بَني النضيرِ عَهْدَهم معه ، عندما تآمَروا عليه وحاوَلوا اغتيالَه ، فأَدَّبهم وأَجلاهم عن المدينة..
وفي السنةِ الخامسةِ من الهجرة نقضَ يهودُ بني قريظةَ عَهْدَهم معه ، عندما تَحالَفوا مع جيوشِ الأَحزابِ المحاصِرَةِ للمدينة ، فعاقَبَهم لخيانَتِهم العظمى وقَتَلَهم!.
5 - يَكْذِبُ المفترِي عندما يَدَّعي أَنَّ هدفَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - من الجهادِ هو سفكُ دماءِ الآخَرين ، ولذلك أًوصى بمجاهدةِ جميعِ الخارجين عليه ليَكونوا من أَتْباعِه.
علماً أَنَّ القتالَ ليسَ بهدفِ إِدْخالِ الكفارِ في الإِسلام ؛ لأَنه لا إِكراهَ في الدين ، وليس بهدفِ جَعْلِهم أَتْباعاً للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، إِنما هو بهدفِ رَدِّ عُدْوانِ الكفارِ عن المسلمين ، وتحطيمِ قُوَّتِهم التي يُؤْذونَ بها المسلمين ، فإذا تحققَ ذلك أَوقفَ المسلمون قتالَهم ، وهذا صريحُ قوله تعالى : *وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ *193*.
6 - يَكذبُ المفترِي عندما يَتهمُ الإِسلامَ بالقَسْوَة ، وأَنَّ اللّهَ مَحَبَّةٌ فقط ، وأَنه لا يَسودُ العالمَ إِلا بالمحبة ، فاللّهُ غفورٌ رحيم ، ولكنَّه أَيْضاً شديدُ العقاب ، قال تعالى : *نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *49* وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ *50*.
والصليبيّون الذين يَزْعُمُونَ أَنَّ اللّهَ محبّة ، وأَنهم رسلُ محبة ، هم الذين سَفَكوا دماءَ المسلمين ، واحتلّوا أَوطانَهم ، وسَلبوهم أَموالَهم ، في القديمِ وفي الحديث!!.
***
ما الذي حرمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نفسه ؟
اعترضَ الفادي المفترِي على ما حَرَّمَه الرسولُ - عليه السلام - على نفسِه ، والذي عاتَبَه اللّه عليه في قوله تعالى : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *1* قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *2*.
ونقلَ كلاما غيرَ صحيح بأُسلوبِه الخبيثِ البذيء ، قالَ فيه : " كان محمدٌ يوماً في بيتِ حَفْصةَ بنتِ عمر ، وهي إِحدى أَزواجِه ، فاستأذَنَتْ منه في زيارة أَبيها ، فأَذِنَ لها ، فأَرسَل إِلى مارية ، وهي إِحدى سراريه ، وأَدخلَها بيتَ حَفْصَةَ وَواقعَها ، فَرَجَعَتْ حَفصةُ وأَبصرتْ ماريةَ معهُ في بيتِها ، فلم تَدخُلْ حتى خرجَتْ ماريةُ ، تم دخَلَتْ ، وقالَتْ له : إِنَّني رأيتُ مَنْ كانَتْ مَعَك في البيت..
وغَضِبَتْ وبَكَتْ وقالَتْ له : لقد جئتَ إِليَّ بشيء ما جئتَ به إِلى أَحَدٍ من نسائِك ، في يومي ، وفي بيتي ، وعَلى فِراشي!..
فقالَ لها : اسْكُتي ، أَمَا تَرْضينَ أَنْ أَحَرِّمَها على نفسي ، ولا أَقربها أَبداً ؟
قالَت : نعم.
وحَلَفَ أَنْ لا يَقْرَبَها.
ولكنْ لما عاوَدَتهُ الرغبةُ في ماريةَ حَنَثَ بالقَسَم ، وأَقفلَ بابَ اعتراضِ حفصةَ على رجوعِه في قَسمه ، بقوله : إِنَّ اللّهَ أَوحى إِليه.. " *1*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
56- محمد صلى الله عليه وسلم يحرّم ما أحل الله
الرد على الشبهة :
استند الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم فى توجيه هذا الاتهام إلى ما جاء فى مفتتح سورة التحريم من قوله تعالى : *يا أيها النبى لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم * *1*.
وهذه الآية وآيات بعدها تشير إلى أمر حدث فى بيت النبى صلى الله عليه وسلم عاتبته نساؤه وتظاهرن عليه بدوافع الغيرة المعروفة عن النساء عامة إذ كان صلى الله عليه وسلم قد دخل عند إحداهن وأكل عندها طعامًا لا يوجد فى بيوتهن ، فأسر إلى إحداهن بالأمر فأخبرت به أخريات فعاتبنه فحرّم صلى الله عليه وسلم تناول هذا الطعام على نفسه ابتغاء مرضاتهن.
والواقعة صحيحة لكن اتهام الرسول بأنه يحرّم ما أحل الله هو تصيّد للعبارة وحمل لها على ما لم ترد له..
فمطلع الآية *لم تحرم ما أحل الله لك* هو فقط من باب " المشاكلة " لما قاله النبى لنسائه ترضية لهن ؛ والنداء القرآنى ليس اتهامًا له صلى الله عليه وسلم بتحريم ما أحل الله ؛ ولكنه من باب العتاب له من ربه سبحانه الذى يعلم تبارك وتعالى أنه صلى الله عليه وسلم يستحيل عليه أن يحرّم شيئًا أو أمرًا أو عملاً أحلّه الله ؛ ولكنه يشدد على نفسه لصالح مرضاة زوجاته من خلقه العالى الكريم.
ولقد شهد الله للرسول بتمام تبليغ الرسالة فقال : *ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين * *2*.
وعليه فالقول بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم يحرّم ما أحل الله من المستحيلات على مقام نبوته التى زكاها الله تبارك وتعالى وقد دفع عنه مثل ذلك بقوله : *وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى* *3*.
فمقولة بعضهم أنه يحرّم هو تحميل اللفظ على غير ما جاء فيه ، وما هو إلا وعد أو عهد منه صلى الله عليه وسلم لبعض نسائه فهو بمثابة يمين له كفارته ولا صلة له بتحريم ما أحل الله. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* التحريم : 1.
*2* الحاقة : 44- 47.
*3* النجم : 3- 4.
وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي الجاهلَ في القصةِ التي أَوْرَدَها ، وذكَرْنا أَنها لم تَصِحّ ، رغم وُرودِها في بعضِ الكتبِ الإِسلامية ، كالسيرةِ الحلبية.
والراجحُ أَنَّ اللّه عاتَبَ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - لأَنه حَلَفَ اليمينَ على أَنْ لا يَشْرَبَ العَسَلَ.
وخلاصَةُ الحادثةِ أَنَّ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - شربَ عندَ امرأتهِ زينبَ بنتِ جحش - رضي الله عنها - عَسَلاً.
ولما ذَهَبَ إِلى حفصةَ - رضي الله عنها - أَخْبرتْه أَنَّ رائحةَ العسل الذي شربَه عند زينبَ كَريهة ، فَحَلَفَ على أَنْ لا يشربَ ذلك العسلَ عند زينب ، فأَنزلَ اللّهُ الآيةَ في عتابه على يَمينِه ، ويَدْعوهُ إِلى التكفيرِ عن يَمينِه.
ومعنى قوله تعالى : *لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ* : لِمَ تَمْتَنِعُ عن أَكْل ما أَباحَ اللّهُ لكَ ؟
فالتحريمُ هنا امتناعٌ عن فعل بعضِ المباح ، وليس تحريماً شرعيّاً للحَلَال.
وكَلامُ الفادي سَيِّئٌ مرذول ، وذلك عندما وَصَفَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَصْفاً قبيحاً بقوله : " ولكنْ لما عاوَدَتْهُ الرغبةُ في ماريةَ حَنَثَ بالقَسَم ، وأَقفلَ بابَ اعتراضِ حفصةَ على رجوعِه في قَسَمِه بقوله : إِنَّ اللّهَ أَوحى إِليه.. "
وهذا الكلامُ لا يقولُه نبيّ رسول ، إِنما يقولُه رجلٌ كاذبٌ مفْتَرٍ ، بلا دينٍ ولا أَدب!.
***
حول أبوي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
تَدَخَّلَ الفادي المفترِي في أَبَوَيْ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وعَلَّقَ على آية تَنْهى المؤمنين عن الاستغفارِ للمشركين ولو كانوا من أقاربِهم ، وهي قول اللّه - عز وجل - : *مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ *113*.
وقال تحتَ عنوانٍ استفزازي مُثير هو : " أهله من أصحاب الجحيم "..
" قالَ البيضاويّ : رُويَ أَنَّ النبيَّ قالَ لأَبي طالب لما حضرَتْه الوفاة : قُلْ كلمةً أُحاجّ لك بها عِندَ اللّه ، فأَبى.
فقال : لا أَزالُ أَستغفرُ لك ما لم أُنْهَ عنه.
فنزلَتْ.
وقيل : لما افتتحَ مكة خرجَ إِلى الأبواء ، فَزارَ قَبْرَ أُمِّه ، ثم قامَ مُسْتَعْبِراً ، فقال : إِني أستأذنْتُ ربّي في زيارةِ قبرِ أُمّي فأذِنَ لي ، واسْتَاذَنْتُه في الاستغفارِ فلم يأَذَنْ لي ، وأَنزلَ عَلَى الآيتَيْن.. ".
صحيحٌ أَنَّ هذا الكلامَ في تفسير البيضاوي ، لكن ليس مُسَلَّماً ، وليس كُلُّه صحيحاً.
فهذه الآية ُ من سورةِ التوبة ، وهي متأخرةٌ في النزول ، حيثُ كان نزولُها في السنةِ التاسعةِ من الهجرة ، وكانتْ وَفاةُ أَبي طالِب في السنةِ الثامنة من البعثة ، قبلَ الهجرةِ بخمسِ سنوات ، أَيْ أَنّ أَبا طالب تُوفىَ قبل نزولِ الآيةِ بأكثرَ من أَربعَ عشرةَ سنة! فكيف يكونُ نزولُها في وفاته ؟!.
إِنَ الذي صَحَّ في أبي طالب هو نزولُ آيةٍ مكيةٍ فيه.
روى البخاري ومسلم ، عن سعيد بنِ المسيبِ عن أَبيه قال : لما حَضَرَتْ أَبا طالب الوفاة ، جاءَه رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فوجَدَ عندَه أَبا جهل ، وعَبدَ اللّه بن أَبى أُمية بن المغيرة.
فقالَ له : أَيْ عَمّ! قُلْ : لا إِله إِلا اللّه ، كلمةً أُحاجّ لك بها عندَ اللّه!.
فقالَ له أَبو جهل وعبدُ اللّه بن أَبي أُمية : أَترغبُ عن مِلَّة عبدِ المطلب ؟!.
فلم يَزَلْ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - يَعرضُها عليه ، ويُعيدانهِ بتلك المقالة ، حتى قالَ أَبو طالب آخرَ ما كَلَّمهم : على مِلَّةِ عبدِ المطلب.
وأَبى أَنْ يقول : لا إِله إِلّا اللّه.
فأَنزلَ اللّهُ قولَه تعالى : *إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ*.
أَمّا سببُ نُزولِ آيتي سورةِ التوبة *113 - 114* فقد رَواهُ النسائي والترمذي عن عَلِيّ بن أَبي طالب - رضي الله عنه - ، قال : سمعْتُ رَجُلاً يَستغفرُ لأَبَويْه وهما مشركان ، فقلْتُ : تَستغفرُ لأَبويْك وهما مُشْركان ؟
فقال : أَليس قد استغفرَ إِبراهيمُ لأَبيه وهو مشرك ؟
قال عليّ : فذكرتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأَنزلَ اللّهُ قولَه تعالى : *مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ *113* وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ *114*.
أَمّا أَبوا رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقد ماتا على غيرِ الإِسْلام ، وصَحَّ أَنَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال : استأذَنْتُ ربي أَنْ أَزورَ أُمّي فأَذِنَ لي ، واستأذنْتُه في أَنْ أَستغفرَ لأُمّي فلم يأذَنْ لي ".
ولكنَّ الآيَتَيْنِ *113 - 114* من سورةِ التوبة لم تَنْزِلا في أُمّه ولا في أَبيه.
ولم يَصِحَّ قولٌ نُسبَ للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - : لأَستغفرنَّ لأَبي ، كما استغفرَ إِبراهيمُ لأَبيه ، فأَنزلَ اللّهُ عليه الآيتَيْن يَنهاهُ عن ذلك!!.
ومن أَكاذيبِ المفترِي وافتراءاتِه قولُه : " واتفقَ المفَسِّرونَ على أَنَّ محمداً كان يَطلبُ المغفرةَ لأَبيه عبدِ اللّه ، وأُمّه آمنة ، وعَمّه أَبي طالب ، وأَنَ اللّهَ نَهاهُ وَزَجَره عن ذلك زَجْراً أَبكاه ، لأَنَّهم مُشركون ، وقد صاروا من أَصحابِ النار..
وما أَبعدَ الفرقَ بينهم وبين العذراءِ مريم وابنِها!! ".
إِنَّ هذا كَذِبٌ مفضوح ، فلم يَستغفرْ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لأَبيه ، ولا لأُمِّه ، ولا لَعَمِّه أَبي طالب ، لأَنهم ماتوا على غيرِ الإِسلام ، ورسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعلمُ أَنه لا يَجوزُ له أَنْ يَستغفرَ لكافر ، ولو كان أَقربَ الناسِ إِليه.
وادَّعى الكاذبُ المفترِي أَنَّ اللّهَ نَهاهُ عن الاستغفارِ لأَبيه وأُمِّه وعمِّه ، وزَجَرَه عن ذلك زجرا أَبكاه ، وهذا ادِّعاءٌ كاذب ، فلم يَنْهَهُ اللّهُ عن ذلك ولم يَزجزه ، لأَنه - صلى الله عليه وسلم - لم يَفعلْ ذلك أَصلاً.
والآيةُ نَفَتْ وُقوعَ هذا الاستغفار : *مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى* ...
***
الزعم بأن القرآن وحي من الشيطان
ذَكَرَ الفادي المجرمُ تحتَ عنوان : " وَحْيٌ من الشيطان " قولَ اللّه تعالى : *وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *52*.
وعَلَّقَ على الآيةِ تَعْليقاً خَبيثاً ، فقال : " قالَ المفَسّرون : إِنَ محمداً لما كانَ في مجلسِ قريش أَنزلَ اللّهُ عليه سورةَ النجم ، فقرأَها ، حتى بَلَغَ قوله :
*أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى *19* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى *20*.
فأَلْقى الشيطانُ على لسانِه ما كانَ يُحَدِّثُ به نفسَه ويَتَمَنّاه ، وهو : " تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى " ،
فلما سمعَتْ قريش فَرِحوا به ، ومضى محمد في قراءتِه ، فقرأَ السورةَ كلَّها ، وسجدَ في آخرِها ، وسجدَ المسلمون بسجوده ، كما سجدَ جميعُ المشركين ، وقالوا : لقد ذَكَرَ محمد آلهتَنا بأَحسنِ الذكر ، وقد عَرَفْنا أَنَّ اللّهَ يُحيي ويُميت ، ولكنَّ آلهَتنا تشفعُ لنا عندَه ".
وبعدَما أَوردَ هذه الروايةَ طَرَحَ سؤالَه وهُجومَه وبذاءَتَه ، فقال : " ونحنُ نسأل : كيفَ يتنكَّرُ محمد لوحدانيةِ اللّه ، ويمدحُ آلهةَ قريش ، ليتقَرَّبَ إِليهم ، ويفوزَ بالرياسةِ عليهم بالأَقوالِ الشيطانية ؟
وما الفرقُ بين النبيِّ الكاذبِ والنبيِّ الصادق ، إِذا كانَ الشيطانُ يَنطقُ على لسانِ كليهما ؟! " *1*.
الخُرافَةُ التي ذَكرَها الفادي الجاهلُ معروفة باسم " قصة الغرانيق ".
والغَرانيقُ جَمعُ " غُرْنوق " ، وهو طَيْرُ الماء.
وقد ذَكَرَ تلك الخرافةَ بعضُ كتبِ التاريخِ والتفسيرِ والحديث ، وردَّدَها عنهم الذين لا يتَحرونَ الدقة والصحةَ فيما يَنْقُلون ، وتلَقَّفَها الفادي الجاهل.
وخُلاصَةُ تلك الخرافةِ أَنَّ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان يَوْماً عند الكعبة ، وحولَه بعضُ المسلمين والكافرين ، فتَلا سورة النجم ، وهم يَستَمعونَ إِليه ، حتى وَصَلَ إِلى قولِه تعالى : *أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى *19* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى *20*.
فَأَدخلَ الشيطانُ في قراءَتِه ، وصارَ يتكلمُ بصوتِه ، وأدرجَ فيه جملتَيْن ، سَمعوها بصوتٍ هو صوتُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، مع أَنه صوتُ الشيطان ، والجملتان هما : " تلكَ الغرانيقُ العُلى ، وإِنَّ شفاعتَهنَّ لترتُجى " وواصَلَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - قراءَتَه ، وسطَ ذُهولِ المسلِمين ، وفرح المشركين ، الذين قالوا : الْتَقى محمد مَعَنا ، ومَدَحَ آلهتَنا..
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
62- الشيطان يوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم الرد على الشبهة :
الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم يستندون فى هذه المقولة إلى أكذوبة كانت قد تناقلتها بعض كتب التفسير من أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فى الصلاة بالناس سورة " النجم : فلما وصل صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى : *أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى* *1* ؛ تقول الأكذوبة :
إنه صلى الله عليه وسلم قال : - حسب زعمهم - تلك الغرانيق *2* العلى وإن شفاعتهن لترتجى.
ثم استمر صلى الله عليه وسلم فى القراءة ثم سجد وسجد كل من كانوا خلفه من المسلمين وأضافت الروايات أنه سجد معهم من كان وراءهم من المشركين !!
وذاعت الأكذوبة التى عرفت بقصة " الغرانيق " وقال - من تكون أذاعتها فى صالحهم - : إن محمداً أثنى على آلهتنا وتراجع عما كان يوجهه إليها من السباب. وإن مشركى مكة سيصالحونه وسيدفعون عن المؤمنين به ما كانوا يوقعونه بهم من العذاب.
وانتشرت هذه المقولة حتى ذكرها عدد من المفسرين حيث ذكروا أن المشركين سجدوا كما سجد محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا له : ما ذكرت آلهتنا بخير قبل اليوم ولكن هذا الكلام باطل لا أصل له.
وننقل هنا عن الإمام ابن كثير فى تفسيره الآيات التى اعتبرها المرتكز الذى استند إليه الظالمون للإسلام ورسوله وهى فى سورة الحج حيث تقول :
*وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم* *3* وبعد ذكره للآيتين السابقتين يقول : " ذكر كثير من المفسرين هنا قصة " الغرانيق وما كان من رجوع كثير ممن هاجروا إلى الحبشة " ظنًّا منهم أن مشركى مكة قد أسلموا.
ثم أضاف ابن كثير يقول : ولكنها - أى قصة " الغرانيق " - من طرق كثيرة مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح ، ثم قال ابن كثير : *4* عن ابن أبى حاتم بسنده إلى سعيد بن جبير قال : " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة " سورة النجم " فلما بلغ هذا الموضع. *أفرأيتم اللات والعزّى * ومناة الثالثة الأخرى *. قال بن جبير : فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى.
فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم.. فأنزل الله هذه الآية : *وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عزيز حكيم*ليقرر العصمة والصون لكلامه سبحانه من وسوسة الشيطان.
وربما قيل هنا : إذا كان الله تعالى ينسخ ما يلقى الشيطان ويحكم آياته فلماذا لم يمنع الشيطان أصلاً من إلقاء ما يلقيه من الوساوس فى أمنيات الأنبياء والجواب عنه قد جاء فى الآيتين اللتين بعد هذه الآية مباشرة :
أولاً : ليجعل ما يلقيه الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض من المنافقين والقاسية قلوبهم من الكفار وهو ما جاء فى الآية الأولى منهما : *ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض* *5*.
ثانياً : لميز المؤمنين من الكفار والمنافقين فيزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ؛ وهو ما جاء فى الآية الثانية : *وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادى الذين آمنوا إلى صراط مستقيم * *6*.
هذا : وقد أبطل العلماء قديمًا وحديثًا قصة الغرانيق. ومن القدماء الإمام الفخر الرازى الذى قال ما ملخصه *7* :
" قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق وقد استدلوا على بطلانها بالقرآن والسنة والمعقول ؛ أما القرآن فمن وجوه : منها قوله تعالى : *ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين* *8*.
وقوله سبحانه : *وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى*. *9* وقوله سبحانه حكاية عن رسوله صلى الله عليه وسلم : *قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلىّ * *10*.
وأما بطلانها بالسنة فيقول الإمام البيهقى :
روى الإمام البخارى فى صحيحه أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ سورة " النجم " فسجد وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيها حديث " الغرانيق " وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة ليس فيها ألبتة حديث الغرانيق.
فأما بطلان قصة " الغرانيق " بالمعقول فمن وجوه منها :
أ - أن من جوّز تعظيم الرسول للأصنام فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه صلى الله عليه وسلم كان لنفى الأصنام وتحريم عبادتها ؛ فكيف يجوز عقلاً أن يثنى عليها ؟
ب - ومنها : أننا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه صلى الله عليه وسلم فإنه لا فرق - فى منطق العقل - بين النقصان فى نقل وحى الله وبين الزيادة فيه. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* النجم : 19 -20.
*2* المراد بالغرانيق : الأصنام ؛ وكان المشركون يسمونها بذلك تشبيهًا لها بالطيور البيض التى ترتفع فى السماء.
*3* الحج : 52.
*4* عن : التفسير الوسيط للقرآن لشيخ الأزهر د. طنطاوى ج9 ص 325 وما بعدها.
*5* الحج : 53.
*6* الحج : 54.
*7* التفسير السابق : ص 321.
*8* الحاقة : 44 - 47.
*9* النجم : 3- 4.
*10* يونس : 15.
ومعلومٌ أَنَّ في آخرِ سورةِ النجمِ سَجْدَة ، فلما فرغَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - من قراءَتِه سَجَدَ ، وسَجَدَ معه المسلمونَ والمشركون..
ولما علمَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بما أَجرى الشيطانُ على لسانهِ حَزِنَ وتَألَّم ، فأَمره اللّهُ بحذْفِ جملتي الشيطانِ من سورةِ النجم : " تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ".
وأَنزلَ آيةً من سورة الحج تتحدَّثُ عن ذلك : *وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *52*.
وهذه الخرافةُ مكذوبة ، لم تَردْ في روايةٍ صحيحة.
وإِنما هي من وضع الزنادقة ، والكَذَّابين والوضّاعين ، وقد رَدَّها المفَسِّرون والمحَدِّثونَ والمؤرِّخونَ ، وأَلَّفَ بعضُهم كتُباً في رَدِّها ، منهم الشيخُ محمد ناصر الدين الأَلباني ، في كتابه : " نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق ".
هذه الخرافةُ مردودةٌ عَقْلاً أَيضاً ، إِذْ لا يُعقلُ أَنْ يَأَذنَ اللّهُ للشيطانِ أَن يتقمَّصَ صوتَ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنْ يُؤَلِّفَ كلاماً من عندِه يُدْخِلُه على القرآن ، وهو يتعارضُ مع القرآن ، فالقرآنُ يَذُمُّ اللاتَ والعُزّى ، والشيطانُ يمدَحُهما ، ويَجعلُ لهما شفاعةً عند اللّه! وأَينَ حِفْظُ القرآن ؟
وأَينَ عِصمةُ اللّهِ لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - ؟!.
أَما الفادي المفترِي الخبيثُ فقد طارَ فَرَحاً بالخرافة ، وصَدَّقَها ، واعتمدَها في التشكيكِ بالقرآنِ وإِدانةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وقال كلاماً فاجراً : " كيف يتنكَّرُ محمدٌ لوحدانيةِ اللّه ، ويَمدحُ آلهةَ قُريش ، ليتقربَ إليهم ، ويَفوزَ بالرياسةِ عليهم بالأَقوالِ الشيطانية ؟
وما الفرق بين النبيِّ الصادِقِ والنبيِّ الكاذبِ إِذا كان الشيطانُ ينطقُ على لسانِ كِلَيْهما ؟ ".
أَمّا آيةُ سورة الحج التي زَعَمَ الفادي أنها جاءَتْ لمسْحِ ما أَلْقاهُ الشيطانُ على القرآن ، فإنها تتحدَّثُ عن أُمنياتِ الأَنبياء إِيمانَ أَقوامِهم ، ومحاولاتِ الشيطان تَيْئيسَهم : *وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ..*.
يُخبرُ اللّهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ كُل رسول ونبي قبلَه كان يتمنّى ويَرجو ويأمَلُ أَنْ يؤمنَ به قومُه ويُصَدِّقوه ، وكان يَبذلُ جهدَه في دعوتِهم ، ولكنَّ الشيطانَ كان يُحاولُ تيئيسَه ، ولذلك كان يُلقي في أُمنيتهِ ، ويُريه أَنها مستحيلة ، وأَنَّ قومَه لن يؤمنوا به ، فلا يُتْعِبُ نفسَه معهم..
وكان اللّهُ يَتداركُ رسولَه برحمته ، ويَمُنُّ عليه بالأَمَل ، وبذلك كان يَنسخُ ما يلقي الشيطانُ من وساوس ، ويُحكمُ آياتِه ، ويُبقي الرسولَ على ثقتِه وأَملِه وجهودِه في الدعوة..
هذا هو الراجحُ في معنى الآية ، واللّه أعلم.
***
هل مال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين ؟
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - مَالَ إِلى مهادنةِ المشركينَ وموالاتِهم ومَدحِ آلهتِهم ، وذَكَرَ آياتٍ أساءَ فَهْمَها وتَفسيرها.
ووضَعَ عنواناً مُثيراً : " كادوا يفتنونه " ؟
قال فيه : " جاءَ في سورةِ الإِسراء *73* : *وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا *73*.
وجاءَ في السورةِ نفسِها *39* : *وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا *39*.
وجاء في سورة الأَحزاب *1 - 2* : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *1* وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ*.
وجاء في سورةِ الزمر : *لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ *65*.
وجاء في سورة المائدة : *يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ*.
ونحنُ نَسألُ : أَلا تدلُّ هذه الآيات ُ على ميل محمدٍ للمشركين ، وموالاتِه لمدْحِ آلهتِهم ، ثم اعتذاره عن هذا بأَنَّ اللّهَ نَهاهُ عن ذلك وزَجَرَه ؟!.. ".
لقد كان المشركونَ حريصين على فتنةِ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ليتنازَلَ عن الحَق ويَسيرَ معهم ، وعَرَضوا عليه عُروضاً مغرية.
ومن أَعجبِ وأَطرف ما عَرضوه أنهم قالُوا له : يا محمد أَنتَ على حَقّ ، ونحنُ على حَقّ ، فنعبُدُ نحن ربَّك يوماً ، على أَنْ تعبدَ أَنتَ آلهتنا يوماً!..
فأنزلَ اللّهُ عليه سورة الكافرون : *قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ *1* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ *2* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *3* وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ *4* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *5* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ *6*.
واجَهَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - مساوماتِ وإِغراءاتِ المشركين بالرفضِ ، والثباتِ على الحق ، وقالَ قولته المشهورة : " واللّهِ يا عَمّ لو وَضَعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في شِمالي ، على أَنْ أَتركَ هذا الأَمْرَ ما تركتُه ، حتى يُظهرَهُ اللّه ، أَو أَهلكَ دونَه ".
وقد فوضت قريشٌ أَحَدَ زعمائِها " الوليدَ بنَ المغيرة " ليُفَاوضَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ويُعطِيَه ما شاءَ من الدنيا ، على أَنْ يَتَخَلّى عن رسالتِه ودعوتِه ، فعرضَ عليه الوليدُ ما شاء من المالِ أَو الجاهِ والمركز ، بأَنْ يكونَ زعيماً عليهم ، أَو الزواج أَو العلاج ، وهم مستعدّودن أَنْ يُعطوهُ ما أَرادَ ، مقابلَ أَنْ يَسكتَ وَيَتوقَّفَ عن ذَمِّ آلهتِهم..
فردَّ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - على عروضِه بأَنْ تَلا عليه آياتٍ من سورةِ فصلت..
فقام الوليدُ يائساً..
وقد امتنَّ اللّهُ على رسولِه - صلى الله عليه وسلم - بأَنه هو الذي ثَبَّتَه على الحَق ، وأَعانَه على رفْضِ مساوماتِ المشركين.
قال تعالى : *وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا *73* وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا *74* إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا *75* وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا *76*.
وأَمْرُ اللّهِ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بالتَّقْوى والثباتِ وتَبليغِ الدعوةِ لا يدلُّ على أَنَّهُ قَصَّرَ في ذلك ، إِنما هو لمزيد توكيد ، ولاستمرارِ التذكيرِ بالحقيقة ، والذكرى تنفعُ المؤمنين ، والتأكيدُ على الحقيقةِ لرسوخِها واستقرارها.
كما أَنَّ نَهْيَ اللّه رسولَه - صلى الله عليه وسلم - عن الشركِ لا يَعْني أَنهَ فَكَّرَ في أَنْ يُشركَ ، ونهيَه له عن جعْلِه إِلهاً آخَرَ مع اللّه لا يَعْني أَنه فَكَّرَ في ذلك.
وكانَ - صلى الله عليه وسلم - قبلَ البعثة يَكفرُ بالأَصنامِ ولا يَعتبرُها آلهة ، فهل يعتبرُها آلهة بعد النبوة ؟!.
إِن قولَه تعالى : *وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ *65*.
يدل على أَنَّ اللّهَ لا يَتَسامَحُ في الشرك ، ويُحبطُ عملَ المشركِ به ، ويجعَلُه خاسِراً هالكاً ، حتى لو كانَ هذا أَقْرَبَ الناسِ إِليه ، وأفضلَهم عنده ، وهو رسولُه محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -..
فإِذا كانَ اللّهُ يُعَذِّبُ رسولَه وحبيبَه إِذا أَشركَ - وهو لَنْ يُشرك - فكيف بالآخرين الذينَ أَشركوا فِعْلاً ، إنهم عرضَةٌ لعَذابِ اللّهِ إِنْ لم يَتَرَاجعوا عن ذلك ، فالإِيمانُ باللّهِ وتَوحيدُه وعِبادتُه وحده لا تَراجُعَ عنه ، ولا مفاوضة عليه!!.
ولكنَّ الفادي الجاهلَ الكافرَ باللّهِ لا يَعرفُ هذه الحقيقةَ القرآنيةَ الإيمانية ، ولذلك قال ما قال ، واتهمَ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بما اتَّهَمَه به.
***
اتهام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتزوج زوجة ابنه
كلامُ الفادي الفاجر المجرمُ في هذا المبحثِ من أَرْذَل وأَفْجَرِ وأَقبحِ ما سَجَّلَه في كتابِه القبيح ، وقد جَعَلَ كَلامَه تحتَ عنوان : " يتزوَّجُ زوجةَ ابنِه!! ".
وعَلَّقَ على آيتَيْنِ من سورةِ الأَحزاب ، تتحدَّثانِ عن زواجِ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، من زينبَ بنتِ جَحْش - رضي الله عنها - ، وفيهما قولُه تعالى : *وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا*.
وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا المجرمَ البذيءَ في هذا الأَمْرِ ، وبَيَّنّا مُلابسةَ زَواجِ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من زينبَ بنتِ جحش - رضي الله عنها - ، وقَدَّمْنا المعنى الصحيحَ لآياتِ سورةِ الأَحزابِ التي تحدَّثَتْ عن ذلك.
لكنّنا نسجلُ هنا كلامَ المجرمِ البذيء ، ليعرفَ الإِخوةُ القُرّاءُ إِجرامَ المجرمِ وقلةَ أَدَبِه ، وهو الذي يَظهَرُ بمظهرِ الموضوعيِّ المحايِد ، والباحثِ المنصف.
قال - فَضَّ اللّهُ فاه ، وشَلَّ يَدَه - : " اتفقَ جميعُ المفَسِّرين على أَنَّ محمداً قال هذه العبارةَ في زينبَ بنتِ جحش.
وكان قد زَوَّجَها لزيدِ بنِ حارثة ، وهو ابنُه بالتَّبَنّي..
وفي ذاتِ يومٍ أَتى محمدٌ زيداً لحاجَة ، وأَبصرَ زينبَ في دِرْعٍ وخمار ، وكانتْ بيضاءَ وجميلةً وذاتَ خُلُق ، من أَتَمِّ نساءِ قريش ، ولم يكنْ زيدٌ في البيت ، فوقعَتْ في نفسِ محمد ، وأَعجبَه حُسْنُها ، فقال : سبحانَ اللّهِ مُقَلِّبِ القُلوب..
فلما جاءَ زيدٌ ، ذَكَرَتْ له ذلك ، ففطِنَ للأَمْرِ ، واحتاط لنفسِه من عواقِبه ، وذهبَ لمحمد ، وقال له : إِنّي أَريدُ أَنْ أُطَلِّقَ صاحِبَتي! فقال محمد :
ما لَكَ ؟
أَرابَكَ منها شيء ؟
قال : لا.
ولكنْ لشَرَفِها تتعاظمُ عَلَيَّ..
فقال محمد : أَمْسِكْ عليكَ زوْجَك ، واتَّقِ اللّهَ في أَمْرِها.
قالَ محمدٌ هذا خشيةً من الناس ، لئلا يُعَيِّروهُ بِأَخْذِ زوجةِ ابنِه ، وأَخْفى في نفسِه شهوتَه إِليها!!..
ولكن الفضلَ لجبريلَ ، الذي أَنزلَ عليه أَلَّا يخشى الناسَ ، ولْيجاهرْ برغبتِه في أَخْذِها من ابنه ، وأَلا يكونَ لجميعِ المسلمين حَرَج إِذا أَخذوا نساءَ أَدعيائِهم ، بعدَ أَنْ يَقْضوا منهنَّ مُرادَهم.
فكيفَ ساغَ لمحمدٍ أَنْ يَمُدَّ عينَيْه ، ويَشْتهي امرأةَ زيدٍ ، أَقربِ الناسِ إِليه ؟
وكيفَ يَدَّعي في مجلسِ العربِ بغير ما في نفسِه ، ويَسْتَعدي جبريل على زيدٍ ليحرمَهُ من زوجته ، لياخُذَها لنفسِه ، وَبَدَلَ أَنْ يَندمَ ويَستغفرَ ، يُسَبِّحُ اللّه ويقول : سبحانَ اللّه ، مُقَلِّبِ القلوب ؟
وهل يَليقُ بجبريل الطاهرِ أَنْ يُوافِقَ هوى محمد ، ويجعلَ هذا الاغتصابَ سُنَّةً ، ويَرفعَ الحرجَ عن جميع المؤمنين ، إِذا ما أَتوا مثلَ هذه الفضائح ؟!..
ولهذا المنطقِ الأَخلاقيِّ كانت زينبُ تَتَباهى على سائِرِ نساءِ النبيّ قائلة : إِنَّ اللّهَ تولّى إِنكاحي ، وأَنتنَّ زوَّجكُنَّ أَولياؤكُنّ.. " *1**2*.
__________
*1* قال الشيخ / محمد الغزالي - رحمه الله - ما نصه :
وهناك شائعة أخرى من أخبث ما انطلق فى آفاق المعرفة الدينية، وأحق بالاحتقار! تلك هى رغبة النبى صلى الله عليه وسلم المفاجئة فى الزواج من زينب بنت جحش كما يرجف الخراصون! والنبى عليه الصلاة والسلام أبعد العالمين عن هذا التطلع؟ ويستحيل أن يمر بخاطره هذا الوهم. والذى يظهر لى أن دسا يهوديا خفيا من وراء هذه الشائعة، يريد القوم ـ بعدما افتروا على نبى الله داود ـ أن يجعلوا بينه وبين نبينا شبها. وكان هذا الكيد قمينا أن يموت فى مكانه لولا حفاوة بعض الرواة بالغرائب دون وعى! ولولا أن بعض الكتاب لا يبالى بنسبة الأخطاء أو الخطايا إلى الكبار كى يعطى العذر لنفسه ولغيره فى ارتكابها. والخلاصة الصحيحة للقصة أن النبى عليه الصلاة والسلام كان يحب متبناه ـ سابقا ـ زيد بن حارثة، وكان معجبا بخصائصه النفسية والعقلية، ويراه سيدا قائدا، وأهلا للإمارة والإدارة فى السلم والحرب وقد ولاه قيادة جيش مؤتة وولى ابنه من بعده قيادة الجيش المتوجه إلى الرومان، وذكر أن ذلك عن جدارة لا عن محاباة. ومن إعزاز رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد أنه اختار له ابنة عمته زينب ليتزوجها، وكان يعتقد أن زينب ستكشف خلال زيد وتستريح إليه وتسعد. إن فؤاد زيد من الملوك، وإن كان قد جىء به رقيقا إلى مكة، مخطوفا من أسرته وبيع كما بيع يوسف الصديق من قبل وذاك لا يضيره. لكن زينب قبلت هذا الزواج مرغمة، كان أملها، وهى من ذؤابة قريش، أن تتزوج كفئا لها فى النسب وما عساها تصنع إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد ضغط عليها وعلى أخيها؟ وشعر زيد بأن امرأته تراه دونها، فثار إباؤه، واكفهر الجو فى البيت الذى سعى الرسول صلى الله عيه وسلم فى بنائه.
ومع تدخل الرسول عليه الصلاة والسلام الكثير لإصلاح ذات البين، وحرصه على بقاء الزوجية فإن الفجوة لا تزيدها الأيام إلا اتساعا. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يعجب لنفور زينب من شاب ماجد عظيم، ويقول: سبحان مقلب القلوب. وفى ساعة شموخ وغضب طلق زيد امرأته، واستعلن الفشل الذى كان الرسول صلى الله عليه وسلم يداريه.. لقد حار: ماذا يصنع؟ ثم فوجى بأن الله يطلب منه أن يتزوج هو نفسه زينب! وفزع لهذا الطلب وتمثل أمامه كلام الناس وهم يقولون: تزوج محمد امرأة ابنه ـ أى متبناه ـ وبدلا من أن ينفذ مراد الله منه تراخى! بل ذهب إلى أبعد من ذلك وقال لزيد: أمسك عليك زوجك واتق الله.. أى راجع زوجتك. بيد أن الوحى نزل حاسما يطلب من الرسول صلى الله عيه وسلم قبول الأمر الواقع، وإقرار الطلاق الذى تم وتنفيذ الأمر الإلهى الذى صدر إليه بالزواج من زينب بعد انقضاء عدتها فلا معنى لإخفائه ولا معنى للوجل من كلام الناس، فشأن الأنبياء ارتبط بالخالق لا بالخلق.. نعم ما يجوز هذا الإخفاء بعد أن علم مراد الله بوضوح. ونحن نفهم سر الألم الذى خامر قلب النبى عليه الصلاة والسلام لفشل الزواج الذى أراد به إسعاد زيد، ونفهم كذلك سر القلق الذى استولى عليه لما صدر إليه الأمر بالتزوج من امرأة ابنه ـ أو بالتعبير الصحيح ـ متبناه. وشاء الله أن يتولى هو سبحانه هذا العقد كى يبطل قانون التبنى الذى شاع بين العرب. وتفسير الآيات الواردة فى سورة الأحزاب يتضح كل الاتضاح بعد هذا الشرح. ولكن بعض المغفلين قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على زينب فجأة وهى عند زيد فأحبها من أول نظرة كما يقول مؤلفو الأغانى! وقال: " سبحان مقلب القلوب "! وأن ما كان يخفيه هو التدله فى حبها. وهذا كلام بادى الكذب والإسفاف، فإن زينب بنت عمة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان يعرفها جيدا عندما زوجها زيدا، فما هذا الحب المفاجئ إنه خيال سمج. وكلمة " سبحان مقلب القلوب " قيلت فى التعليق على كره زينب لرجلها الجدير بالقبول! كما أوضحنا آنفا. وتسويف الرسول صلى الله عيه وسلم للزواج منها بعدما طلقها زيد كان كرها لهذا الزواج وخشية من أقاويل الناس، ولو كان الأمر إليه ما تزوجها قط. غير أن القضاء الإلهى أعلى وأحكم، فعوتب النبى عليه الصلاة والسلام على تريثه أو تردده.
ونزل قرآن يلومه على ذلك! قالت عائشة: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتم شيئا من الوحى لكتم هذه الآيات: *وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا*. فأين مكان الغرام، والعشق فى هذا السياق الصارم؟ على أن الله تبارك وتعالى ـ وهو الخبير بالعباد ـ واسى نبيه صلى الله عليه وسلم بعدما اجتاز هذه المحنة البشرية عظيما جليلا، فمدحه مدحا لم يذكر مثله فى سورة أخرى فقال له: *يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا*. ثم قال فى أعقاب قصة زينب والزواج الذى نقلها بعد إلى أمهات المؤمنين : *إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما*. ومع هذه الحقائق العلمية فإن بعض الكتابات المعاصرة عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تتحدث عن عشق أخذ بمجامع القلوب *!* لأن للشائعات، أو للأساطير المروية سوقا بين أهل الغفلة. وما أشد مصاب الإسلام من أولئك الرواة البله. اهـ *علل وأدوية. ص : 100 - 102*
*2* وجاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
وتجدر الإشارة هنا إلى مجموعة الآيات القرآنية التى جاءت إعلاناً عن هذا الحكم المخالف لعادات الجاهلية وتفسيرًا للتشريع الجديد فى هذه - المسألة و فى موضوع الزواج بزينب حيث تقول :
*ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين* *6*.
*ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم * *7*.
*وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً* *8*.
مرة أخرى نذكر بأن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من زينب لم تكن وراءه أبدًا شهوة أو رغبة جنسية وإنما كان أمرًا من قدر الله وإرادته لإبطال عادة التبنى من خلال تشريع يتردد صداه بأقوى قوة فى المجتمع الجاهلى الذى كانت عادة التبنى أصلاً من أصوله وتقليدًا مستقرًا فيه ، فكان السبيل لأبطالها أن يتم التغيير فى بيت النبوة وعلى يد الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم.
وقد فطنت السيدة " زينب بنت جحش " نفسها إلى هذا الأمر فكانت تباهى به ضراتها وتقول لهن : " زوجكن أهاليكن وزوجنى ربى من فوق سبع سمَوات " *9*.
أما لماذا كان زيد بن حارثة نفسه يتردد على الرسول معربًا عن رغبته فى تطليق زينب ؛ فلم يكن - كما زعم المرجفون - أنه شعر أن الرسول يرغب فيها فأراد أن يتنازل عنها له..
ولكن لأن حياته معها لم تكن على الوفاق أو التواد المرغوب فيه ؛ ذلك أن زينب بنت جحش لم تنس أبدًا - وهى الحسيبة الشريفة والجميلة أيضًا أنها أصبحت زوجًا لرجل كان رقيقًا عند بعض أهلها وأنه - عند الزواج بها - كان مولىً للرسول صلى الله عليه وسلم أعتقه بعد ما اشتراه ممن أسره من قريش وباعه بمكة.
فهو - وإن تبناه محمد وبات يسمى زيد بن محمد فى عرف المجتمع المكى كله ، لكنه عند العروس الحسيبة الشريفة والجميلة أيضا ما يزال - كما كان بالأمس - الأسير الرقيق الذى لا يمثل حُلم من تكون فى مثل حالها من الحسب والجمال وليس هذا بغريب بل إنه من طبائع الأشياء.
ومن ثم لم تتوهج سعادتها بهذا الزواج ، وانعكس الحال على زيد بن حارثة فانطفأ فى نفسه توهج السعادة هو الآخر ، وبات مهيأ النفس لفراقها بل لقد ذهب زيد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يشكو زينب إليه كما جاء فى البخارى من حديث أنس قال : جاء زيد يشكو إلى الرسول فجعل صلى الله عليه وسلم يقول له : [ أمسك عليك زوجك واتق الله ] *10* قال أنس : لو كان النبى كاتمًا شيئًا لكتم هذا الحديث.
لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول له كما حكته الآية : أمسك عليك زوجك ولا تسارع بتطليقها.
وزينب بنت جحش هى بنت عمة الرسول صلى الله عليه وسلم - كما سبقت الإشارة - وهو الذى زوجها لمولاه " زيد " ولو كانت به رغبة فيها لاختارها لنفسه ؛ وخاصة أنه رآها كثيراً قبل فرض الحجاب ، وكان النساء فى المجتمع الجاهلى غير محجبات فما كان يمنعه - إذًا - من أن يتزوجها من البداية ؟! ؛ ولكنه لم يفعل.
فالأمر كله ليس من عمل الإرادة البشرية لهم جميعًا : لا لزينب ولا لزيد ولا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولكنه أمر قدرى شاءته إرادة الله لإعلان حكم وتشريع جديدين فى قضية إبطال عادة " التبنى " التى كانت سائدة فى المجتمع آنذاك.
يؤكد هذا ويدل عليه مجموع الآيات الكريمة التى تعلقت بالموضوع فى سورة الأحزاب.
أما الجملة التى وردت فى قوله تعالى : *وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه* *11*. فإن ما أخفاه النبى صلى الله عليه وسلم هو كتم ما كان الله قد أخبره به من أن زينب - يومًا ما - ستكون زوجًا له ؛ لكنه لم يصرح به خشية أن يقول الناس : إنه تزوج زوجة ابنه بالتبنى *12*. اهـ *شبهات المشككين*.
ولا نعلقُ على هذا الكلامِ الفاجرِ البذيء ، ونُحيلُ على ما قُلْنَاهُ سابقاً في هذا الأمر!
وقد بَيَّنَ كثيرٌ من العلماءِ حادثةَ زَواجِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - من زينبَ بنتِ جحشٍ - رضي الله عنها - ، وتَحَدَّثْنَا عنها بالتفصيلِ في كتابنا " عتاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في القرآن : تحليل وتوجيه ".
***
حول سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
عَلَّقَ الفادي المجرمُ على حادثةِ سِحْرِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - تحتَ عنوان : " النبيّ المسحور "
وأَخَذَ الحادثةَ من مصادرَ صحيحةٍ ومصادر باطلة ، وخلط فيها الحقَّ بالباطل ، ثم وظَّفَها دليلاً على جُنونِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وقارنَ بينَه وبين موسى وعيسى - عليهما السلام - ، اللَّذيْنِ غَلَبا السحرةَ والشياطين.
أَوردَ سورةَ الفلقِ وسورةَ الناس ثم نَقَلَ كَلاماً للبيضاوي في تفسيرِ النفاثات في العُقَد.
وقال بعد ذلك : " جاءَ في كتابِ " السيرةِ النبوية الملكية " :
" رُوِيَ أَنَّ لَبيداً بنَ الأَعْصَمِ اليهودي سَحَرَ النبيَّ.
فكانَ يُخَيَّلُ للنبيِّ أَنه يَفعلُ الشيءَ ، وهو لا يَفعلُه ، مما لا تَعَلُّقَ له بالوحي ، كالأَكْل والشربِ وإِتيانِ النِّساءِ ، ومَكَثَ في ذلك سَنَةً ، أَو ستة أَشهر ، على ما قيل ، حتى جاءَه جبريلُ ، وأَخبرَه بذلك السِّحرِ ومكانِه ، فأَرسلَ النبيُّ واستحضَره وفَك عُقَدَه ، فَفُكَّ عنه السحر ".
وجاءَ في كتابِ العَقْد الفريد : " في مسندِ ابن أَبي شيبة : أَنَّ رَجُلاً من اليهودِ سَحَرَ النبيّ ، فاشتكى لذلك أياماً ، فأَتاهُ جبريلُ فقال له : إِنَّ رجلاً من اليهودِ سَحَرَك ، عَقَدَ لك عُقَداً ، وجَعَلَها في مكانِ كذا وكذا ، فأَرسلَ عليّاً - فاستخرجَها وجاءَ بها ، وجَعَلَ يَحُلُّها ، فكلما حَلَّ عُقْدَة ، وَجَدَ رسولُ اللّه خِفَّة ، ثم قامَ رسولُ اللّه ، وكأنما نَشَطَ من عِقال ".
قال البخاري : رَوَتْ عائشةُ قالت : كان رسولُ اللّه سُحِرَ ، حَتَى كان يَرى أَنه يأتي النساءَ وهو لا يأتيهن..
فقالَ محمد : يا عائشةُ! أَعَلِمْتِ أَنَّ اللّهَ أفتاني فيما أَنا اسْتَفْتَيْتُهُ فيه ، أَتاني رَجُلان ، فقعَدَ أَحَدُها عند رأْسي ، والآخَرُ عند رِجْلَيَّ ، فقالَ الذي عندَ رأسي للآخَر : ما بالُ الرجل ؟
قال : مَطْبوب.
قال : وَمَنْ طبَّهُ ؟
قال : لَبيدُ بنُ الأعصم ، رجلٌ من بني زريق ، حليفُ اليهود ، كان منافقاً ، قال : وَفيم ؟
قال : في مُشْطٍ ومُشاطَةٍ.
قال : وأَيْنَ ؟
قال : في جُفِّ بئر ذِروان ...
قالت : فأَتى النبيُّ البئرَ فاستَخْرَجَها ... ".
ما زَعَمَه الفادي المفترِي من أَنَّ سِحْرَ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - استمرَّ ستةَ أَشهرٍ أَو سنةً غيرُ صحيح ، فلم يستمر ذلك إِلّا فترةً قصيرةً لم تَتَجاوزْ أَياماً قليلة.
والراجحُ أَنَّ رَسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يُرسلْ عليَّ بنَ أَبي طالب - رضي الله عنه - إلى البئرِ التي فيها السحرُ ، ولم يستخرجْه منها ، وما نَقَلَه الفادي عن العقدِ الفريدِ مرجوح مردود.
والصحيحُ في هذه الحادثةِ ما رواه البخاريُّ عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت : " سُحِرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، حتى إِنه ليُخَيَّلُ إِليه أَنه يفعلُ الشيءَ وما فَعَلَه ...
حتى إِذا كانَ ذاتَ يومٍ وهو عندي ، دَعا اللّهَ ودَعاه..
ثم قال : أَشعرتِ يا عائشةُ أَنَّ اللّهَ قد أَفْتاني فيما اسْتَفْتَيْتُهُ فيه ؟
قلتُ : وما ذاك يا رسولَ اللّه ؟
قال : جاءَني رَجُلان ، فجلسَ أَحَدُهما عند رأسي ، والآخَرُ عند رِجْلَيَّ ، ثم قالَ أَحَدُهما للآخَر : ما وَجَعُ الرجل ؟
قال : مَطْبوب ، قال : ومَنْ طَبهُ ؟
قال : لَبيدُ بنُ الأَعْصَمِ اليهودي من بني زُريق.
قال : في ماذا ؟
قال : في مُشْطٍ ومشاطَة وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَر.
قال : فأَينَ هو ؟
قال : في بْئرِ ذي أَروان.
قالَتْ : فذهبَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في أُناسٍ من أَصحابِه إِلى البئر ، فَنَظَرَ إِليها وعليها نَخْل..
ثم رجعَ إِلى عائشةَ ، فقال : واللّهِ لكَأَنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنّاءِ ، وكأَنَّ نخلَها رؤوسُ الشياطين..
قلتُ : يا رسولَ اللّه ، أَفَأَخْرَجْتَه ؟
قال : لا..
أَمّا أَنا فقد عافاني اللّهُ وشَفاني ، وخشيتُ أَنْ أُثَوِّرَ على الناس منه شَرّاً.
وأَمَرَ بها فدُفنتْ ".
لقد شاءَ اللّهُ أَنْ يُسحرَ رسولُه - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك تأكيدٌ لبشريَّتِه وضعْفهِ ؛ لأَنَّ كُلَّ بشر مخلوقٌ ضَعيف ، تؤثَرُ فيه الأَسبابُ بأَمْر اللّه ، والذي سَحَرَه هو اليهوديُّ " لَبيدُ بنُ الأَعْصَم " ، حيثُ أَخَذَ مِشْطاً كان يُمَشِّطُ فيه رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَعْرَهُ ، وفيه " مشاطةٌ " ، وهي بقيةُ الشَّعْرِ الذي عَلِقَ من رأسِه بالمشط ، وَرَبطَ المشط والمشاطةَ في " جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَر " ، وهو الغشاءُ الذي على طَلْعِ البَلَحِ عند بدايةِ خروجِه من كُمِّه على النخلة.
وَوَضعَ المشْط والمشاطَةَ والجُفَّ الغشاءَ في قَعْر بئرِ ذي أَروان ، والماءُ الذي فيها قليل.
وشاءَ اللّهُ أَنْ يُؤَثِّرَ هذا السحرُ في الجانبِ المادِّيِّ من رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، أَيْ أَنَّه أَثَّرَ في جِسْمِهِ فقط ، ولم يُؤَثِّرْ في عَقْلِه وإدراكِه ، كما أنه لم يُؤَثِّرْ في رسالتِه أَو الوحيِ الذي يَتَلَقّاهُ من اللّه ، ولم يُؤَثَرْ في عبادَتِه ودعوتِه وذِكْرِه للّه..
أَقصى ما أَثَّر فيه السحرُ كما أَخْبَرَتْ عائشة - رضي الله عنها - أَنه كانَ يُخَيَّلُ إليه أَنه فعل الشيءَ وما فعلَه ، ولم يستمرَّ هذا فيه طويلاً ، حيثُ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يلجأُ إلى اللّه ، يَدْعوهُ ويتضرَّعُ إليه ، كي يُذهبَ عنه ما أَثَّر فيه..
وفي أَحَدِ الأَيّام كانَ - صلى الله عليه وسلم - عند عائشهَ - رضي الله عنها - ، فدعا اللّه طويلاً ، واستجابَ اللّهُ دُعاءَه ، وأَخبرَه عن حقيقةِ ما به ، وأَخبرَ عائشة - رضي الله عنها - عن ما حَصَلَ له ، وأَنَّ اللّهَ قد أَفْتاهُ فيما اسْتَفْتاهُ فيه ، حيثُ أَرسلَ إِليه ملكَيْنِ في صورةِ رجلَيْن.
فجلسَ أَحَدُهما عند رأْسِه ، وجلسَ الآخَرُ عند رجلَيْه ، وجَرى بينهما حوارٌ على مسمَع منه - صلى الله عليه وسلم - ، وعَرَفَ منهما أَنَّ لَبيدَ بن الأَعصم اليهوديَّ سَحَرَه ، وأَنه وَضَع السِّحْرَ في قعرِ بئرِ ذي أَروان.
وعافاهُ اللّه ، وأَذْهَبَ عنه ما أَثَّر فيه.
وذهبَ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - إِلى البئر ، وعادَ إلى عائشةَ - رضي الله عنها - وأَخْبَرَها عنها : ماؤُها قليلٌ أَحمرُ كأنَّه حِنّاء ، وعليها نَخْلٌ مثمرة ، ثَمَرُها كأَنه رؤوسُ الشياطين.
وأَمَرَ - صلى الله عليه وسلم - بدفن المادَّةِ التي سُحِرَ فيها ، ولما اقترحَتْ عليه عائشةُ - رضي الله عنها - أَنْ يُخرِجَها ، وأَنْ يَتَنَشَّرَ ، أَيْ أَنْ يُعالجَ نفسَه بالرُّقْيَة ، رَفَضَ ذلك ، وقال : لقد عافاني اللّهُ وشفاني فلن أَتَنَشَّرَ ، حتى لا أَثيرَ على الناسِ من ذلك السحرِ شَرّاً.
وبهذا انتهتْ هذا الحادثةُ العابِرة ، التي مَرَّتْ برسولِ اللّهِ - عليه السلام – مُروراً عابراً ، ولم يتأَثَّرْ بها عَقْلُه أَو وَعْيُه أَو حِفْظُه وعبادَتُه ، ولم تُؤَثِّرْ على نبوَّتِه ورسالته.
أَمّا الفادي المجرمُ فقد وَظَّفَ الحادثةَ لَيُحققَ هَدَفَه بالإِساءَةِ إِلى رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ونَفْي نُبُوَّتِه.
وعَلَّقَ على الحادثةِ بقولِه : " ونحنُ نسأل : كيفَ يكونُ محمدٌ نبياً وقد خَضَعَ لسطوةِ الشيطان ، فتارةً يُذْهِبُ عَقْلَه بالسِّحْر ، وتارةً يُلقي على لسانِه آياتٍ شيطانية ، كالتي قالَها في سورةِ النجم ؟
لهذا اتَّهَمَه أَعداؤه بأَنه مجنون ، فدفعَ عن نفسِه هذه التهمة ، في آياتٍ كثيرة ، كقوله تعالى : *ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ *1* مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ *2*.
وقوله تعالى : *وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ *51* وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ *52*.
فأَيْنَ هو من موسى الذي غَلَبَ السحر ؟
وأَينَ هو من المسيحِ الذي أَخرجَ الشياطينَ وأَقامَ الموتى ؟
وإِنْ كانَ في إِمكانِ جبريلَ فَكّ سِحْرِه ، وشِفاؤُه ، فلماذا تَرَكَه ، ولم يَأتِه إِلّا بعدَ ستةِ أشهر أَو سَنَة ؟
وكيفَ يُؤْتمَنُ مِثْلُه على أَقوالِ الوحي ؟
لذلكَ قال له إِلهه : *سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى *6*".
اتهمَ الفادي المجرمُ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بالجُنون ، وَردَّدَ التهمةَ التي أَطلقها الكفارُ زمنَ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وقد نَفَتْ آياتُ القرآنِ الصريحةُ هذه التهمة عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ولو كانَ - صلى الله عليه وسلم - مَجْنوناً لما نجحَ في دعوتِه هذا النجاح ، ولما تكلمَ بما تكلمَ به ، ولما تعامَلَ مع أَصحابِه بأَعْلى درجاتِ العلمِ والحلم والحكمةِ وسَعَةِ الصَّدْر.
ونُكررُ أَنَّ السحرَ لم يُؤَثِّرْ في عَقلِه - صلى الله عليه وسلم - ووعيه!.
ومقارنةُ الفادي المجرم بين رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وبينَ أَخَوَيْهِ موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لا دَاعيَ لها ، لأَنَّ كُلَّاً منهم رسولٌ كريمٌ أَيَّدَهُ اللّهُ بالمعجزات ، وقد شاءَ اللّهُ أَنْ يُؤَثّرَ السحرُ قليلاً في الجانب البشريِّ من رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، تأكيداً على بشريته.
والسؤالُ الذي طَرَحَه المجرمُ خبيث مثلُ صاحبه : " وكيف يُؤْتَمَنُ مِثْلُه على أَقوالِ الوحي ؟" لأَنَّ اللّهَ ائتمنَه على الوحي ، وَوَعَدهُ أَنْ لا يَنسى من القرآن حرفاً واحداً ، وقال له : *سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى *6* إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى *7*.
***
حول تقبيل الرسول للحجر الأسود
تَوَقَّفَ الفادي المجرمُ أَمامَ تقبيلِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - للحجرِ الأَسود ، وأَساءَ فهمَ الحادثةِ وتفسيرَها ، كعادَتِه ، وجعلَ حديثَه عنها فرصةً لاتِّهامِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عقيدتِه وإِيمانِه وإِخلاصِه وتوحيدِه.
قَال فَضَّ اللّهُ فاه : " جاءَ في سورةِ الأحزاب *21* : *لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ* ، وقال عمرُ بنُ الخطابِ عن الحجرِ الأَسود : أَما واللّهِ لقد علمْتُ أَنكَ حَجَرٌ ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَع ، ولولا أَني رأيتُ رسولَ اللهِ قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُك.
ونحنُ نسأل : لماذا جَعَلَ محمدٌ تقبيل الحجرِ الأَسودِ من شعائرِ الحَجِّ كالوثنيين ؟
وهل هذه هي الأُسوةُ الحسنة ؟
ولماذا يُجاري ويُداري عربَ الجاهلية ، فيشركُ في إكرامِ اللّهِ إِكرام الأَحجار ؟ " *1*.
يرفضُ المجرمُ اعتبارَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قدوةً حسنةً للمسلمين من بعدِه ، لماذا ؟
لأَنه قَبَّلَ الحجرَ الأَسودَ ، وجعلَ تقبيلَه من شعائِرِ الحَجّ!!
وماذا في تقبيلِه له ؟
إِنه بهذا يُداري ويُجاري الوثنيّين ، ويَفعلُ مثلَ فِعْلِهم.
وهذا إِكرامٌ منه للحجر ، وهذا إِشراك منه باللّه - عز وجل - !!
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - مشرك بالله بمجردِ تَقبيلهِ الحجرَ الأَسود!!
هكذا يكونُ البحث ، وهكذا يكونُ التحليلُ والتعليلُ والاستنباطُ والاستدلال ؟!.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
58- محمد صلى الله عليه وسلم يعظم الحجر الأسود
الرد على الشبهة :
إنهم فى هذه المقولة - يريدون أن يتهموه بأنه كان يعظم الحجر الأسود - بل ويعظم الكعبة كلها بالطواف حولها وهى حجر لا يختلف فى زعمهم عن الأحجار التى كانت تصنع منها الأوثان فى الجاهلية وكأن الأمر سواء !!
وحقيقة الأمر أن من بعض ما استبقاه الإسلام من أحوال السابقين ما كان فيه من تعاون على خير أو أمر بمعروف ونهى عن منكر ، من ذلك ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على حلف كان فى الجاهلية يسمى " حلف الفضول " وهو عمل إنسانى كريم كان يتم من خلاله التعاون على نصرة المظلوم ، وفداء الأسير ، وإعانة الغارمين ، وحماية الغريب من ظلم أهل مكة وهكذا..
وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الحلف وقال : لو دعيت إلى مثله لأجبت.
وأيضًا كان مما استبقاه الإسلام من فضائل السابقين مما ورثوه عن إبراهيم - عليه السلام - تعظيمهم للبيت الحرام وطوافهم به ؛ بل وتقبيلهم للحجر الأسود.
وهناك بعض مرويات تقول إن هذا الحجر من أحجار الجنة.
وهنا فقط لا يكون أمامنا إلا ما ثبت من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقبل الحجر الأسود عند طوافه بالبيت ، وهو ما تنطق به الرواية عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أنه قال عن تقبيله لهذا الحجر : *والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك*.
وهنا نقول :
من المستحيل أن يكون تقبيل الرسول صلى الله عليه وسلم للحجر الأسود من باب المجاراة أو المشاكلة لعبدة الأصنام فيما كانوا يفعلون.
ومستحيل أيضًا أن يكون صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك - أى تقبيل الحجر الأسود - دون وحى أو إلهام وجهه صلى الله عليه وسلم إلى تقبيل الحجر بعيدًا بعيدًا عن أى شبهة وثنية أو مجاراة لعبدة الأصنام.
ولأنه صلى الله عليه وسلم قال : [خذوا عنى مناسككم] فقد أصبح تقبيل الحجر الأسود من بعض مناسك الحجاج والعمار للبيت الحرام.
كما أن تعظيم الحجر الأسود هو امتثال لأوامر الله الذى أمر بتعظيم هذا الحجر بالذات ، وهو سبحانه الذى أمر برجم حجر آخر كمنسك من مناسك الحج فالأمر بالنسبة للتعظيم أو الرجم لا يعدو كونه إقرارًا بالعبودية لله تعالى وامتثالاً لأوامره عز وجل واستسلامًا لأحكامه. اهـ *شبهات المشككين*.
ومن المعلومِ عندنا أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يُشَرّعْ من عندِه ، وإِنما كان يُبَلِّغُ المسلمين حكمَ اللّهِ وشَرْعَه ، فاللّهُ سبحانه هو الذي شَرَعَ مناسكَ الحج ، من إِحرامٍ وطوافٍ وسعي ورميِ للجِمار وغير ذلك ، واللّهُ هو الذي شَرَعَ للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - والمسلميًن استَلامَ الحجرِ الأَسودِ عند الطوافِ وتقبيلهِ ، كما أَمرهم باستقبالِ الكعبةِ في الصلاة ، وعندما كان - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ الحجرَ الأَسودَ كان
يُطَبِّقُ أَمْرَ اللّه ، ويُنَفِّذُ شَرعَ اللّه ، وهو بهذا عابدٌ للّه وليس مشركاً به!.
وكم كانَ عمرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه - واعياً حكيماً فَطِناً ، عندما قَرَّرَ أَنه يُقَبّلُ الحجرَ الأَسود ؛ لأَنه يقتدي في ذلك برسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يوقنُ أَنه مجردُ حجرٍ ، لا يَضُرُّ ولا يَنْفَع.
***
التشكيك في عفَّة عائشة - رضي الله عنها -
شَكَّكَ الفادي المجرمُ في عِفَّةِ عائشةَ - رضي الله عنها - ، وكَرَّرَ ما قالَه المنافقون الكافرون في اتِّهامها.
وكانتْ وقفتُه الفاجرةُ الخبيثةُ أَمامَ قولِ اللّهِ - عز وجل - : *إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ *11*.
ذَكَرَ خُلاصَةَ الحادثة كما وَرَدَتْ في تفسير البيضاويِّ : من أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - خرجَ في غزوةٍ من غزواتِه ، واستصحبَ معه عائشة - رضي الله عنها - ، ولما عاد من الغزوة إِلى المدينة ، نَزَلَ بالجيشِ ليلاً ليستريحوا ، ثم نادى بالرَّحيل ، وكانتْ عائشةُ قد مَشَتْ قليلاً لتقضيَ حاجتَها ، ولما عادَتْ إِلى الرَّحْلِ عرفَتْ أَنها أَضاعَتْ عُقْدَها الذي في عنقِها ، فعادَتْ لتبحث عنه ، وظنَّ المكلَّفُ بترحيلها أَنها داخلَ الهودج ، فأَقامَ الناقة وسارَ بها مع الجيش ، وهو يوقنُ أَنَّ عائشةَ في الهودَج ، ولما عادَتْ إِلى المكانِ في الليل وَجَدَت الجيش قد تحركَ فجلَستْ على الأَرض مكانها..
وكان رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قد كَلَّفَ صفوانَ بنَ المعَطِّلِ السلميَّ - رضي الله عنه - أَنْ يَسيرَ خَلْفَ الجيش ، ليلتقطَ ما يسقطُ منه..
ولما وصلَ صفوانُ إِلى المكانِ رأى عائشة ، فأَناخ راحلَتَه ، فركبَتْها وساقَها حتى وَصَلَ الجيش..
ولما رآهُ المنافقون أَشاعوا حادثةَ الإِفك ، واتَّهموها في عِفَّتها وطهارتِها..
واستمرَّ الحديثُ حول الشائعةِ حوالي خمسين يوماً ، وأَنزل اللّهُ بعدَ ذلك شهادةً ببراءةِ عائشةَ - رضي الله عنها - ، وأَقامَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - حَدَّ القَذْفِ على الذينَ رَدَّدوا الإِشاعة ، واتهموها في عِرْضها ...
وأَطلقَ الفادي المجرمُ سِهامَه الخبيثة المسمومة ، وقَذَفَ عائشةَ - رضي الله عنها - في عِفَّتِها.
قال : " ونحنُ نسأل : هل كان زواجُ محمدٍ بعائشة بركةً له أَم لعنةً عليه ؟..
قال ابنُ هشام : إن محمداً تزوج ثلاثَ عشرة امرأة ، منهنَّ عائشة ، التي كانَتْ بِنْتَ لسِتٍّ لَمّا عَقَدَ عليها ، وبِنْتَ تِسعٍ لَمَّا بَنى بها..
فلماذا يتزوجُ محمدٌ وهو شيخٌ بطفلةٍ في التاسعة ؟
وإنْ كانَتْ هذه عادةُ عربِ زمانِه ، فلماذا لم يُصْلِحْ
نَبِيُّ العَرَبِ عادة أَهْلِ زمانه ، بَدَل أَنْ يُمارِسَها معهم ؟
ولماذا كان محمدٌ يصطحبُها معه في غَدْواتِه ورَوْحاته ، حتى في الحروب ، فتصبحَ سيرتُه وسيرتُها مضغةً في الأفواه ، كما حَدَثَ مع صفوانَ بن المعَطِّل في غزوةِ بني المْصطَلِق ؟.
ولقد كانَ عليُّ بنُ أَبي طالب حكيماً ، وهو يُقدِّمُ النصحَ لابنِ عَمِّه وَحَميِّه ، ويقول له : لم يُضَيِّق اللّهُ عليك ، والنساءُ سواها كثير..
ولكنَّ علياً لم يكنْ يعلمُ مكانةَ عائشةَ في قلبِ محمد ، وقد كانَ يقول عنها : إِنها بينَ نسائِه كالثريد بينَ الطعام.
فذهبَ محمدٌ إِليها ، وقال لها : " بَلَغَني عنك ما بَلَغني ، فإِنْ كنت بِريئةً فيبرِّئُكِ اللّهُ ، وإِنْ كنتِ أَلممْتِ بذنْبِ فاستْغفِري اللّهَ وتوبي إِليه ، فإِنَّ العبدَ إِذا اعترفَ بذنْبه ثم تابَ تابَ اللّهُ عليَه ".
وسرعانَ ما جاءَ جبريلُ بوحيٍ يُبَرِّئُ عائشة ، ويَلْعَنُ الذين اتَّهموها ، وشَغَلَتْ شهادَةُ جبريلَ ولعناتُه ثماني عشرةَ آية من سورة النور.
قال ابنُ عباس - كما ذَكَر البيضاوي - : " لو فَتَّشْتَ وعيداتِ القرآن لم تَجِدْ أَغلظَ مما نَزل في إِفْكِ عائشةَ - رضي الله عنها -".
أَلا يرى العاقلُ أَنَّ محمداً شَحَنَ قرآنَه بشؤونه الخاصةِ وشؤونِ نسائِه ؟
وإذا كانتْ عائشةُ بريئةً ، فلماذا لم يُبَرِّئْها في الحال ؟..
ولماذا لَبِثَ الوحيُ مدةً طويلة ، تاركاً إِياها في بيت أَبيها ، ومحمد مرتابٌ في عِفّتها ؟.. ".
كلامُ الفادي المجرم وقحٌ قبيح ، وكلُّه اتهامٌ للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ولعائشةَ - رضي الله عنها -.
إِنه يَعتبرُ زواجَه بعائشةَ لعنةً عليه ، وأَنه خسر كثيراً بسببه ، علماً أَنَّ حياةَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - مع عائشةَ كانَتْ سعيدةً هانئة ، وكانتْ عالشةُ مباركةً - رضي الله عنها -.
وأَثارَ المجرمُ إِشْكالاً حولَ عُمْرِ عائشة عندما تزوَّجَها - صلى الله عليه وسلم - ، صَحيحٌ أَنه خَطَبَها وهي بنتُ لسِتِّ سنوات ، ودخلَ بها وهي بنتُ تِسْعِ سنوات ، - ولا غَرابَةَ في هذا الزواج ، فقد كانَتْ كاملةَ الأُنوثةِ وهي في هذا السِّنِّ ، ومعلوم أَنَّ البَناتِ في المناطقِ الحارَّةِ تكبرُ أَجسامُهُنَّ بِسُرْعة.
أَما اصطحابُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ في غَزواتِه وسَفراتِه فقد كانَ يَخرجُ بها عندما ي؟أتي دورها ، حيثُ كانَ يَعدِلُ بين زوجاتِه ، ويخرجُ بمن هي على الدَّور!.
والفادي مجرمٌ وقح عندما قال عن الحادثة : " فتصبحُ سيرتُه وسيرتُها مضغةً في الأَفواه ".
ولقد كانتْ سيرةُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وسيرةُ عائشة أُمِّ المؤمنين - رضي الله عنها - ، عنوانَ العِفَّةِ والطهرِ والفَضيلة ، ولم يكنْ في حياتِه أَو حياتها ما يُريب ، والذينَ تَحَدَّثوا عن عائشةَ واتهموها في عِفَّتِها هم المنافقون ، ومَنْ تَأَثَّر بهم من مرضى القُلوب ، أما المسلمونَ الصادقون فقد كَذَّبوا حديثَ الإِفك وقالوا : سبحانَك هذا بهتان عظيم.
واستغربَ الفادي الجاهلُ حديثَ سورةِ النورِ عن حديثِ الإِفكِ ، في ثماني عشرةَ آية ، وهذا دَليلُ جَهْلِه ، فالقرآنُ كان يُرَبّي المسلمينَ بالأَحداث ، ويَجعلُها مناسبةً لعَرْضِ وتقريرِ حقائقِه ، وقد كانت الدروسُ والعِبَرُ والتوجيهاتُ من حادثةِ الإِفْكِ كثيرة ، ولذلك تَحَدَّثَ عنها القرآنُ في ثماني عشرة آية.
وكان الفادي وَقحاً مُجْرِماً عندما قال : " أَلا يرى العاقِلُ أَنَّ محمداً شَحَنَ قرآنَه بشؤونه الخاصةِ وشؤونِ نسائه ؟ ".
إِنه يؤكدُ أَنَّ القرآنَ كلامُ النبى - صلى الله عليه وسلم - وليس كلامَ اللّه ، وأَنه كان يَضَعُ فيه ما شاء من الآياتِ التي أَلَّفها ...
وهو يرى أَنَ القرآنَ مليءٌ بأخبار الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - الشخصية! وهذا دَليلُ جْهلهِ وغبائه.
إِنَّ اللافتَ للنظر أَنَّ حديث القرآنِ عن أَخبارِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - الشخصية قليل ، وهذا دليلٌ على أَنَّ القرآنَ كَلامُ اللّه ، ولو كانَ القرآنُ من تأليفِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - لملأَهُ بالحديث عن شؤونهِ وسيرتهِ وحياتِه ، وعن رحلاتِه وأَسفارِه ، وعن مشاعرِه وهمومِهِ ، وأحزانِه وأفراحه..
كما يفعلُ المؤلِّفون عندما يكتبُ أَحدهم سيرتَه الذاتية.
لم يعرض القرآنُ من أخبارِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - إِلا ما جعلَه فرصةً لتقرير الدروس.
ويَتساءلُ الفادي بخبث : لماذا لم يُبرئ الوحيُ عائشة في الحال ؟..
إِنَ تَأَخُّيرَ الوحي في إِعلان براءةِ وعِفَّةِ عائشة - رضي الله عنها - دليلٌ آخَرُ على أَنه كلامُ اللّه ، فقد كانَ الموضوعُ خطيراً جداً ، ويتعلَّقُ ببيتِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وشرفِه وعِفَّة وعرضِ امرأتِه ، ولو كانَ القرآنُ من تأليفِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لسارعَ بإِعلانِ براءَتِها ، وادَّعى إِنزالَ الآياتِ عليه!! لكنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بقيَ ينتظرُ الوحيَ أَياماً عديدة ، وهو لا يَعلمُ الغيب ، والقضيةُ حساسةٌ تتفاعَلُ وتتحركُ وتنتشرُ بين الناس ، والمسلمونَ ينتظرونَ البيانَ من اللّه ، ويتأخَّر إِنزالُ الآياتِ لحِكْمَة ، ليوَظَّفَ هذا دليلاً على أَنَّ القرآنَ من عندِ اللّه! !.
***
حول قتلِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - خصومَه
أَثارَ الفادي المجرمُ الاعتراضاتِ والإِشكالاتِ على موقفِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - من خصومهِ الكافرينَ المعادين ، حيثُ أَمَرَ بقتل بعضِهم.
وبدأ هذا المبحثَ بالحديثِ عن سَرِيَّةِ عبد اللّهِ بنِ جحشٍ - رضي الله عنه - ، التي كانت قُبيلَ غزوةِ بَدْر ، والتي أَدَّتْ إِلى قَتْل رجلٍ مشركٍ خطأً ، في أَولِ يومٍ من أَيامِ شهرِ رجبَ الحرام.
وقد سبقَ أَن اعترضَ الفادي المفترِي على هذه الحادثة ، ورَدَدْنا على مغالطاتِه ، وبَيَّنّا حقيقةَ أَحداثِ تلك السَّريَّة ، ومعنى الآية *217* من سورة البقرة التي أُنزلَتْ بشأنِ تلك الأَحداث ، وللرَّد على شبهاتِ الكافرين.
فلا داعيَ لإِعادَةِ كلامِه عن الحادثة ، وإِعادَةِ توضيحِنا لمجريات الحادثة.
والذي نُشيرُ إِليه هنا هو عباراتُ المجرمِ الاستفزازيةُ ، التي يُهاجمُ فيها رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ويَصِفُه بأَقبحِ الصفات.
من ذلك قولُه في بدايةِ حديثهِ عن أَحداثِ السَّرِيَّة : " حَرَّمَت الجاهليةُ القِتَال في الأَشهرِ الحُرُمِ كما حَرَّمَه القرآنُ في سورة محمد ، الآية *4*.
ولكنَّ محمداً خالَفَ كُلَّ هذا في سبيلِ الغَدْرِ بأَعدائِه ".
المجرمُ يتهمُ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بالغَدْرِ ، مع أَنَّ الغَدْرَ خُلُقٌ ذَميمٌ وفعْلٌ قَبيح ، يُنَزَّهُ عنه المسلمُ العادي ، فكيفَ برسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟!.
وقد شهدَ للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - بعدمِ الغدرِ عَدُوُّه اللَّدودُ أَبو سفيان ، ففي السنةِ السابعةِ من الهجرة الْتقى أَبو سفيان بملكِ الروم هرقل ، فسأَلَه عن الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - : هل يَغْدِر ؟
فقالَ أَبو سفيان : لا.
فقالَ هِرَقْل : وكذلك الرسلُ لا يَغْدِرون..
ويأتي هذا المجرمُ ليتهمَ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - بالغَدْرِ!.
ويَجمعُ الفادي بينَ الإِجرامِْ والجَهْل ، ومِن جهلِه زَعْمُه أَنَّ الآية الرابعةَ من سورةِ محمد تُحرّمُ القتالَ في الشهرِ الحرام.
فلْنقرأ الآيةَ ونَنظرْ مدى صحةِ كَلامِه.
قال تعالى : *فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ *4*.
أَينَ الكلامُ عن حُرمةِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُمِ فِي الآية ؟
وكيفَ اعتبرَها الفادي الجاهلُ دالَّةً على تحريمِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم.
إِنَّ الآيةَ التي حَرَّمَت القتالَ في الأَشهرِ الحُرُمِ هي قولُه تعالى : *يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ*.
وقولُه تعالى : *إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ*.
وحرمةُ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُمِ مَشروطةٌ بالتزامِ الأَعداءِ بذلك ، فإِنْ لم يَلْتَزموا بهذه الحرمة ، وقاتلوا المسلمينَ في شَهْرٍ حرام ، رَدَّ المسلمونَ عليهم ، وقاتَلوهم مَأْجورين ، حتى في ذلك الشهر الحرامِ.
قال تعالى : *الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ*.
وقد خَتَمَ المجرمُ كلامَه على سريةِ عبدِ اللّه بن جحش المذكورةِ بسؤالٍ وقحٍ فاجرٍ طَرَحَه ، حيثُ قال : " ونحنُ نسألْ كيفَ حَلَّلَ اللّهُ القِتال ، مع أَنَّ الوثنيّين كانوا يمنعونَه ؟
كأَنَّ اللّهَ أَشَدُّ عُنفاً من الوثنيّين ؟ ".
أيوصَفُ اللّهُ بهذه الصفة ؟
وهل يتكلمُ مُؤمنٌ باللّهِ عن اللّهِ بهذا الكلام ؟
ونؤكِّدُ ما قُلْناه قبلَ قليلٍ ، من أَنَ اللّهَ الذي حَرَّمَ على المسلمين بدءَ القتالِ في الشهرِ الحرام ، أَجازَ لهم الردَّ على عُدْوانِ المشركين عليهم وقتالهم.
ثم من الذي زَعَمَ أَنَّ عربَ الجاهليةِ الوثنيينَ كانوا مُلْتَزِمين بحرمةِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم ؟
لقد كانوا يتوقَّفونَ عن القتالِ فميها إِذا كانَتْ لهم مصلحةٌ في التوقُّف ، فإِنْ كانَتْ لهم مصلحةٌ في القتالِ قاتلوا خُصومَهم في الشهرِ الحرام ، وتعامَلوا معه على أساسِ " النَّسيء ".
والنَّسيءُ بمعنى التَّاخير ، وذلك بأَنْ يَنْقُلوا حرمةَ هذا الشهرِ الحَرامِ إِلى شهرٍ آخَرَ بَدَلَه ، ويُقاتِلوا أَعداءَهم فيه.
فقد تَكونُ لهم مصلحةٌ في القتالِ في شهر رجب الحرامِ مثلاً ، فيقولُ شيخُ القبيلة : نَنقلُ هذه السنة حرمةَ رجب إِلى شعبان ، فيكونُ رَجَب حَلالاً نُقاتلُ فيه ، ويكونُ شَعبان حَراماً لا نُقاتِلُ فيه.
وقد ذَمَّهم اللّهُ على هذا التلاعبِ في قولِه تعالى : *إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ*.
وبعدما اتهمَ الفادي المجرمُ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بالغَدْرِ بخصومِه المخالفينَ له في الرأي ، وقَتْلِهم عن طريقِ الغَدْرِ والاغتيال - وهو كاذبٌ في ما قال - ذَكَرَ بعضَ الأَمثلةِ على ذلك ، وهي :
1 - مقتَلُ عصماءَ بنتِ مروان.
2 - مقتَلُ أَبي عَفك اليهودي.
3 - مقتَلُ كعبِ بنِ الأَشرفِ اليهودي.
4 - مقتلُ أَبي رافع بن عبد اللّه.
5 - مقتَلُ سلامِ بنِ أَبي الحُقيْقِ اليهودي : والراجحُ أَنَّ سلاماً هذا هو أَبو رافعٍ نفسُه.
6 - مقتَلُ أُمِّ قِرفة.
7 - مقتَلُ ابنِ شيبينَة اليهودي.
8 - مقَتلُ يهودِ بني قريظة *1*.
وعَرَضَ هذه الأَمثلةَ بطريقته القائمةِ على الافتراءِ والكذب والتلاعبِ بالأَحداث ، مع أَنه جاهل لا يَعْرِفُ حقيقة ما حَدَث ، ففي كلامهِ أًخطاءٌ علميةٌ وتاريخية ، بالإِضافةِ إِلى سوءِ أَدَبه وقُبْح عبارتِه في كلامِه عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
ولا نتوقَّفُ مع تفاصِيلِ مقتلِ هؤلاءِ ، ولا أَسبابِ قَتْلِهم ؛ لأَنه لا صلةَ لذلك بموضوعِ الكتاب الذي خَصَّصَه الفادي لانتقادِ القرآنِ وبيانِ أَخطائِه ، والكلامُ على مقتلِ هؤلاء من مَباحثِ السيرةِ النبوية.
نُسجلُ فقط عبارتَه الفاجرةَ القبيحةَ ، التي خَتَمَ بها كلامَه على تلك
__________
*1* هؤلاء مجرمو حرب ، لابد من استئصال شأفتهم درءا للفتنة ، وحماية للمجتمع ، وقد لقوا جزاءهم العادل.
قال الشيخ / محمد الغزالي - رحمه الله - :
قابلنى الأستاذ الحمزة دعبس وقال لى: إن رئيسا لإحدى الجماعات الإسلامية يطلب عقد مناظرة حرة بينه وبين كبار علماء الأزهر فى أمر مهم. قلت: ما هذا الأمر؟ قال: هو يرى أن الإسلام يبيح الاغتيال!... وقبل أن يتم كلامه قلت: ما هذا الحمق؟ قال: إنه يستدل بقتل كعب ابن الأشرف! قلت: يا صديقى هذا جهل بالكتاب والسنة والتاريخ مصيبة هؤلاء أن أحدهم يفتح كتاب حديث ثم يقرأ فيه خبرا مبتورا لا يدرى ما قبله ولا ما بعده، ثم يصدر حكما مكذوبا على الله ورسوله! لقد علمت أن الله لا يحب الخائنين! وعلمت أن الوفاء فرض مع الكافر والمؤمن على سواء. وكعب هذا نقض عهودا، وأعلن حربا، وشرع يلم فلول الكفر من هنا ومن هنا لحرب الإسلام فأصدر رئيس الدولة- وهو هنا رسول الله- حكما بقتله، ونفذ الحكم العدل واختفت بعد مقتله رءوس الفتنة، فكيف يوصف هذا الحكم بأنه اغتيال؟ أكان يراد أن يدخل كعب المدينة مارا بأقواس النصر؟ إنه رجل خائن غادر نال جزاءه! اهـ *المحاور الخمسة للقرآن الكريم. ص : 188*
الأَمثلةِ ، لمعرفةِ وقَاحَتهِ وإِجرامِه.
قالَ فَضَّ اللّهُ فاه : " وما أَكثرَ القتالَ وحوادثَ الغَدْرِ والقتلِ المروّعَة ، التي جَرَتْ في التاريخِ الإِسلامي ، أَسوةً بمؤسِّسي دينهم ، ويَكْفينا أَنْ نَذْكرَ قولَ عليِّ بن أَبي طالب :
السَّيْفُ والخَنْجَرُ ريحانُنا ... أُفٍّ على النّرْجُسِ والآسِ
شَرابُنا دَمُ أَعْدائِنا ... كَأسُنا جُمْجُمَةُ الرَّاسِ
والفادي مجرمٌ كاذبٌ في ما قال ، وعليُّ بنُ أَبي طالب لم يَقُلْ ذلك الكلام ، وسيرةُ الصليبيّينَ الإِجراميةُ هي المظهرُ العمليُّ لهذا الكلامِ الحاقد ، فَهم الذي سَفَكوا دماءَ المسلمين ، وشربوها في جَماجم رُؤوسهم.
ويَكْفينا تَذَكُّرُ ما قالَه شاعرٌ مسلمٌ يَنتقدُ ما فعلَه الكفارُ الصليبِيون ضدّ المسلِمين :
مَلَكْنا فكانَ العَدْلُ مِنّا سَجِيَّةً ... فَلَمّا مَلَكْتُمْ سالَ بِالدَّم أَبْطَحُ ويَكفيكُم هذا التَّفاوُتُ بَيْنَنا فَكلُّ إِناءٍ بِالذي فيه يَنْضَحُ
***
موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ابن أم مكتوم
عبدُ الله بنُ أُمِّ مكتومٍ - رضي الله عنه - رجلٌ من السابقينَ إِلى الإِسلام ، وكانَ أَعْمى ، ووقعَتْ له حادثةٌ مع رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وعاتَبَهُ اللّهُ عليها في القرآن.
ووقفَ الفادي المفترِي أَمامَ الحادثة ، وجعلَ هُجُومَهُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تحتَ عنوان : " يَحتقرُ الأَعْمى " !.
ذَكَرَ الآياتِ الأُولى من سورةِ عبس : *عَبَسَ وَتَوَلَّى *1* أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى *2* وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى *3* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى *4* أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى *5* فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى *6* وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى *7* وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى *8* وَهُوَ يَخْشَى *9* فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى *10*.
ثم بَثَّ سُمومَه قائِلاً : " رُوي أَنَّ ابنَ أُمِّ مكتوم أَتى محمداً ، وهو يَتكلمُ مع عُظماءِ قريش ، فقالَ له : أَقْرِئْني وعَلِّمْني مما عَلَّمَكَ اللّهُ ، فلم يلتفتْ محمدٌ إِليه ، وأَعرضَ عنه ، وقالَ في نفسِه : يَقولُ هؤلاء الصَّناديدُ : إِنما اتَّبَعَه الصِّبيانُ والعَبيدُ والسَّفَلَةُ ، فعبسَ وَجْهُهُ وأَشاحَ عنه ، وأَقبلَ على القومِ الذين كانَ يُكَلّمُهم.
ونحنُ نسأل : كيفَ يُراعي محمدٌ أَصحابَ الجاهِ ، ويَرفضُ الفقيرَ والمسكين ، ويُقَطِّبُ وَجْهَه للأَعمى ؟
أَيْنَ هو من المسيح ، الذي لما جاءَه الأَعمى أَحاطَه بعطفِه ورعايتِه وأَعادَ له البَصَر ؟! ".
كَذَبَ المفترِي في عَرْضِه للحادثة ، وذلك في زَعْمِه أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - لَمّا أَعرضَ عن ابنِ أُمِّ مكتومِ قالَ في نفسه : " يَقولُ هؤلاء الصَّناديدُ : إِنما اتَّبَعَه الصبيانُ والعبيدُ والسَّفَلةُ " !.
ولم يَذْكُرْ أَحَدٌ من العلماءِ المسلمين هذا ، وإنما هو من وَضْعِ واختلاقِ الفادي المفْتَري..
إِنه يَزْعُمُ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - قالَ هذا القولَ في نفسه ، ولم يُخبرْ بِه أَحَداً ، فإِذا كانَ قالَه في نفسِه فكيفَ عرفَ الفادي به ؟
وكيفَ وَصلَ إِليه ، وبينَه وبينَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - خمسةَ عشرَ قَرْناً ؟
وهو لم يَنطقْ به ؟
سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
وخلاصَةُ الحادثةِ : أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كان مجتمعاً مع مجموعةٍ من زُعماءِ قريش ، يَعرضُ عليهم الإِسلامَ ، ويَطمعُ في إِسلامِهم ، وفي هذه اللحظةِ دَخَلَ عليه عبدُ اللّه بنُ أُمِّ مكتوم - رضي الله عنه - ، وبما أَنه أَعمى ، فإِنه لم يَرَ الحالةَ التي عليها رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - مع القوم ، وخاطَبَ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - قائلاً : يا رسولَ اللّه ، عَلّمْني مما عَلَّمَكَ اللّه! فكَرِهَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - قُدومَه وطَلَبَه ، ولكنه لم يُكَلِّمْهُ ولم يَنْهَرْهُ ولم يَحْتَقِرْه ، وعبسَ في وجهِه كارِهاً ذلك..
وفهمَ ابنُ أُمِّ مكتومٍ أَنه قَدِمَ في وقتٍ غير مناسب ، فخرجَ من المكان ، وتابَعَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - كلامه مع القومِ الذينَ لم يُسْلِموا.
وأَنزلَ اللّهُ مطلعَ سورةِ عَبَس ، يُعاتِبُ فيها رسولَهُ - صلى الله عليه وسلم - ، على عُبوسِه في وَجْهِ الأَعمى ، ويُرشدُه إِلى أَنه كان الأَولى به أَنْ يُقبلَ عليه ويُعَلِّمَه..
ولم يَحتقرْ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ابنَ أُمِّ مكتومٍ الأعمى كما ادَّعى الفادي المجرمُ ، ولم يُخطئْ في حَقِّه ، فهو لم يَزِدْ على أَنْ عَبَسَ في وجهه ، والرجلُ أَعمى لم يُشاهِدْ عُبوسَه ، وفَهِمَ الحقيقةَ ، وخَرَجَ غيرَ غاضبٍ ولا حزين.
ولكنَّ اللّهَ عاتَبَ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بشأنِه ، وخَلَّدَ هذا العتابَ في القرآن ، من بابِ توجيهِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لما هو أَوْلى ، فهو لم يُخْطئْ مع ابنِ أُمِّ مَكْتوم ، ولم يَنْهَرْهُ ولم يَشْتُمْه ، وكان مَشغولاً بأَمْرٍ هامٍّ لمصلحةِ الإِسلام ، وكان طامِعاً في إِسلامِ المجموعةِ ليُنقذَهم من النار ، ولو كانَ أَحَدُنا مكانَه لفعلَ مثْلَ فِعْلِه ، وما كان مخطئاً..
ولكنَّ اللّهَ يريد لرسولِه - صلى الله عليه وسلم - الأَكملَ والأَفضلَ والأَوْلى ، ولذلك عاتَبَه هذا العتابَ ، مُرْشداً له إِلى ما هو أَوْلى.
وكانَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - يُكرمُ عبدَ اللّهِ بنَ أُمِّ مكتومٍ - رضي الله عنه - ، ويُرحبُ به كلَّما لَقِيَه ، ويُداعبُه قائِلاً : " أَهْلاً بمنْ عاتَبَني فيه رَبّي ! " وعندما كان يَخرجُ من المدينةِ لسفر أو غَزْوٍ ، كان يُعَيِّنُ هذا الصحابيَّ والياً مكانَه على المدينة ، وأميراً عليها ، وتحتَ إِمرتِه كِبارُ الصحابة!.
وبهذا نعرفُ أَنَ كَلامَ الفادي المجرمِ قبيحٌ مرْذُولٌ مثلُ صاحبه ، وهو مردودٌ عليه ، فليس في الأَمْرِ احتِقَارٌ لابنِ أُمَ مكتوم ، وليس فيه مراعاةٌ لأَصحابِ الجاهِ والمال من الكفار ، وليسَ فيه تَخَلٍّ عن الفقراءِ والمساكين من
المسلمين..
ورسولُنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - لم يُخالفْ طريقَ أَخيه عيسى ابنِ مريم عليه الصلاة والسلام في التواضعِ والاهتمامِ بالضعفاءِ والمساكين ، وكان خَيْرَ مُنَفِّذٍ لقولِ اللّه - عز وجل - : *وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا *28*.
***
لم يطرد الرسول - صلى الله عليه وسلم - الفقراء والعبيد
اتَّهَمَ الفادي المجرمُ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بأَنه طَرَدَ الفقراءَ من أَتْباعِهِ من أَجْلِ كسبِ رضا الأَغنياءِ من الكفار!.
ذَكرَ تحتَ عنوان : " يَطْرُدُ الفقراء " قولَ اللّه - عز وجل - : *وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ *52*.
وعَلَّقَ على الآيةِ قائلاً : " جاءَ الأَقرعُ بنُ حابس التميمي وعيينةُ بنُ حصن الفَزارِي ، فوجَدوا محمداً قاعداً مع صُهيبٍ وبِلال وعمارٍ وخَبّاب ، في نَفَرٍ من ضعفاءِ المسلمين ، فلما رأوهم حولَه حَقَّروهم ، فقالوا لمحمد :
لو جلستَ في صَدْرِ المجلس ، ونَفيتَ عَنّا هؤلاء وأَرواحَ جِبابِهم – وكانتْ عليهم جِبابُ صوف ، لها رائحةٌ كريهة - وأَخَذْنا عنك ، ونحبُّ أَنْ تجعلَ لنا منك مجلساً ، تعرفُ به العربُ فَضْلَنا ، فإِنَّ وُفودَ العرب تأتيكَ ، فنستحيي أَنْ تَرانا مع هؤلاءِ العبيد ، فإِذا نَحْنُ جئْناكَ فأَقمهم عَنَّا ، وإِذا نحنُ فَرَغْنا فأَقْعِدْهم حيثُ شئتَ.
فقالَ لهم : نَعَم أَفعل.
قالوا : فاكتبْ لنا عليكَ بذلكَ كتاباً.
فأَتى بالصحيفة ، ودَعا عَلِيّاً ليكتبَ..
ولما راجَعَ نفسه ، ورأى أَنها أُحبولة ، قالَ : إِنَّ جبريلَ نهاه.
وقالَ ابنُ عباس : إنّ ناساً من الفقراءِ كانوا مع النبيِّ ، فقال ناسٌ من أَشرافِ الناس : نؤمنُ بك ، وإِذا صَلّيْنا فأَخِّرْ هؤلاء الناسَ الذين معك ، فلْيُصَلّوا خَلْفَنا ، فكادَ أَنْ يُجيبَ الطلب ، ولما رأَى ما فيه من الظلمِ قال :
إِنَّ اللّهَ نَهاهُ عن ذلك ".
الروايةُ التي نقلَها الفادي عن بعضِ الكتبِ الإِسلاميةِ غيرُ صحيحة ؛ لأَنَّ الآية *52* هي من سورة الأَنعام ، وسورةُ الأَنعام مكية ، وكان نزولُها قبلَ الهجرةِ بحوالي خمس سنوات ، وكان إِسلامُ الأقرعِ بنِ حابس وعيينةَ بن حصن في عامِ الوفود ، في السنةِ التاسعةِ للهجرة.
أَيْ أَنَّ نُزولَ الآيةِ كان قبلَ وُقوعِ الحادثة بحوالي أَربعَ عشرة سنة ، فكيف تَنزلُ الآيةُ قبلَ وقوعِ السببِ بهذه السنواتِ الطويلة ؟!.
إِنَّ الفادي جاهلٌ غَبيٌّ ، لا يَعرِفُ معنى سببِ النزول ، ولذلك وَقَعَ في هذا الخطأ!
إِنَّ التعريفَ المعتمدَ لسببِ النزولِ هو : ما نَزَلَتِ الآيةُ تُبَيِّنُ حُكْمَه عندَ نزولِها.
أَما آيةُ سورةِ الأَنعام المذكورةُ فإِنها نزلَتْ لتثبيتِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - على الحقّ ، وللرّدّ على طلبِ المشركينَ الغريب.
وخَيْرُ مَنْ يُخبرُ عن سببِ نزولِها أَحَدُ الذين أُنزلَتْ فيهم ، وهو سَعْدُ بنُ أَبي وقاص - رضي الله عنه -.
روى مسلمٌ عن سعدِ بن أَبي وقاص - رضي الله عنه - ، قال : كُنّا معَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ستة نفر.
فقالَ المشركون للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : اطردْ هؤلاء ، لا يَجْتَرِئونَ علينا! قَال : وكنتُ أنا وابنُ مسعود ، ورجلٌ من هُذَيْل ، وبلالٌ ، ورَجُلانِ لستُ أُسَمّيهما ، فوقَعَ في نفسِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ما شاءَ اللّهُ أَنْ يَقَع ، فأنزلَ اللّهُ قولَه تعالى : *وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ*.
تدلُّ الروايةُ على أَنَّ المشركينَ أَرادوا إبعادَ الفقراءِ والعبيدِ عن مجلسِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وطلبوا ذلك منه ، لكنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لم يَستجبْ لهم ، ولم يَطردْ هؤلاءِ الفقراء ، كما ادَّعى الفادي الكاذبُ المفترِي..
وإِنزالُ الآية المذكورةِ عليه ، وأَمْرُهُ أَنْ يَبقى مع هؤلاء الفقراء ، لا يدلُّ على أَنه طَرَدَهم ، أَو اتفقَ مع المشركين على طردهم ، أَو فَكَّرَ في طَرْدِهم ، والآيةُ توجيهٌ وتذكيرٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وتلتقي عدةُ آياتٍ على تَقريرِ وتأكيدِ وترسيخِ هذه الحقيقة ، منها قوله تعالى :
*وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..*.
وقوله تعالى *وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..*.
وقوله تعالى : *وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا *28*.
استعاذة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان
جَعَلَ الفادي المجرمُ علاقةً للشيطان بالقرآن ، وسَجَّلَ تحتَ عنوان :
" علاقةُ الشيطانِ بالوحي " قول اللّه عبن : *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *200* إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ *201* وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ *202*.
ونَقَلَ خلاصةَ تفسير البيضاويِّ للآيات ، الذي بَيَّنَ فيه مَعْنى النَّزغ.
ومِن جَهْلِ المجرمِ وغَبائِه أَنه لا يُحسنُ النقلَ عن البيضاويّ ، فالنَّزْغُ في تفسيرِ البيضاوي هو الغَرْزُ ، بِالغَيْن ، لكنَّ هذه الغينَ عند الجاهلِ صارَتْ فاءً ، وصارَ الغَرْزُ فَرْزاً ، وبذلك تَغَيَّرَ المعنى.
والنَّزْغُ هو الوسوسة ، وكأَنَّ وسوسةَ الشيطانِ التي يُغْري الناسَ بها على المعاصي غَرْزٌ وسَوْقٌ ، كالرجلِ يَسوقُ دابّتَه ويَغْرِزُ عصاهُ فيها لتَسير.
ومِن جهْلِ الفادي المجرمِ وغبائِه ولؤمِه أَنه وَظَّفَ الآيةَ لإِدانةِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنَّ الشيطانَ يَنزغُه ويَنخسُه ، ويَغرزُ فيه مغارِزَه ، ويَسوقُهُ أَمامَه ، وهو مستسلمٌ لنزغ وغَرزِ وسَوْقِ الشيطان!!.
قال فَضَّ اللّهُ فاه : " ونحنُ نسأل : إِذا كانَ إِبليسُ يَسوقُ محمداً وينخَسُه ، فكيفَ يكونُ نبياً ؟!
ما أَعظمَ الفرقَ بينَه وبين المسيح ، الذي لما جاءَه إبليسُ - على قولهم - ينخسُه ، فَنَخَسَ في الحجاب ، والذي قالَ عن نفسه : رئيسُ هذا العالِم يأتي ، وليسَ له فيَّ شيءٌ ".
إِنَّ النزغَ هو الدخولُ للإفساد.
يقال : نَزَغَ بينهم.
أَي : دَخَلَ بينَهم ليُفْسِدَ صِلاتهم وعلاقاتِهم.
والشيطانُ حريصٌ على أَنْ يَنزغَ ويُفسدَ العلاقاتِ بين الناس ، قال تعالى :
*وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ*.
وقد صوَّرَ الفادي الملعونُ الشيطانَ مسيطراً على رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ينزغُهُ ويَدفعُه أَمامَه ، وهو مستسلمٌ له ، وهذا معناهُ أَنَّه ليسَ نبيَّاً! وأَنَّ ما عندَه من القرآنِ ليسَ من عندِ اللّه ، وإنما من وحْي الشيطان ونزغاتِه ووساوسِه!!.
ومن المعلومِ بَدَاهَةً أَنه لا سُلطانَ للشيطانِ على رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا غيرِه من الأنبياء ، فاللّهُ عَصَمَهم وحَفِظَهم ، وحَماهُم من الشيطانِ ونزغاتِه ووساوسِه.
الخطابُ في قولِه تعالى : *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ*
للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - في ظاهره ، ولكنَّه ليس المقصودَ منه ، لأَنَّ اللّهَ حماهُ منه ، وإنما المقصودُ كلُّ مسلمٍ من بعدهِ ، يُعَلِّمُه اللّه كيفيةَ التخلصِ من وساوسِ الشيطانِ ونزغاتِه ، وذلك بأَنْ يستعيذَ باللّهِ ويلجأَ إِليهِ.
وكثيراً ما كانَ اللّهُ في القرآنِ يُخاطبُ المسلمين من خلالِ خطاب الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، فكان يقول : *يا ايُّهَا النَّبيُّ*
والمقصودُ بذلك أُمَّتُه ، يوجِّهُهم أَو يأمُرُهم أَو يَنهاهم.
ومن خصوصياتِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - التي خَصَّهُ اللّهُ بها ، أَنَّ اللّهَ جعلَ شيطانَه يُسلم.
فقد روى البخاريُّ عن عائشةَ - رضي الله عنها - : أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال : " كُلُّ إِنسانٍ وَكَّلَ اللّهُ به شيطاناً.
قالت : حَتى أَنتَ يا رسولَ اللّه ؟
قال : حتى أنا ، ولكنَّ اللّهَ أَعانَني عليه فأَسلمَ فلا يأمُرُني إِلّا بخير "!.
شيطانُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلم ، وبذلك صارَ لا يأمره إِلّا بخَيْر ، وذهبَتْ نَزغاتهُ ووساوسُه الشريرة.
وهذا كخصوصية عِيسى ابنِ مريم - عليه السلام - حيثُ حَماهُ اللّه من الشيطانِ عند ولادتِه ، قالَ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - : "كُلُّ مولودٍ يولَدُ ينخَسُه الشيطانُ حينَ ولادتِه ، لذلك يستهلُّ صارِخاً ، إِلّا عيسى ابن مريم ، فإِنه حينَ ذَهَبَ ينخَسُه نَخَسَ في الحِجاب ".
أي : لَمَّا نَخَسَه لم يُصِبْ بَدَنَه ، وإِنما وَقَعت النخسَةُ في ملابِسه..
وقد استجابَ اللّهُ دُعاءَ أُمِّ مريم - عليها السلام - ، عندما عَوَّذَتْها باللّه.
قال تعالى : *وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *36*.
ولا علاقةَ للشيطانِ بالقرآن ، وقد كانَ القرآنُ صريحاً في نفي هذه العلاقةِ في آياتٍ كثيرة ، منها قولُه تعالى : *وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *192* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ *193* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *194* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ *195*.
وقوله تعالى : *وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ *210* وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ *211* إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ *212*.
***
هل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مذنب ؟
عِنوانُ الفادي الخبيثِ هو : " وِزْرٌ ينْقضُ الظَّهرَ ".
أَيْ أَنَّ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - كانَ له من الأَوزارِ والذنوبِ ما أَتْعَبَه وأَنقضَ ظَهْرَه.
وَقَفَ أَمامَ قولِ اللّهِ - عز وجل - : *أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *1* وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ *2* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ *3*.
ونَقَلَ عن تفسيرِ البيضاويِّ كلاماً غيرَ دَقيقٍ وغيرَ مُسَلَّمٍ في تفسيرِ الآية ، وخَرَجَ منه بأَنَّ للرسولِ وزراً وذَنْباً ومعصية ، وَضَعَه عنه اللّه.
وهذا كلامٌ باطل ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - معصومٌ عن الذنوبِ والمعاصي.
والوِزْرُ في الآيةِ ليس هو الذنْبَ ، وإِنما هو حملُ مهمةِ الدعوةِ وواجبِ الرسالة ، والاهتمامُ بالناسِ ودعوتِهم وإِرشادِهم ، وهذه مهمةٌ ثقيلةٌ شاقَّة ، وقد أَعانَ اللّهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - على حَمْلِها ، وخَفَّفَ عليه أَداءَها ، ولولا فَضْلُ اللّهِ عليه لما تمكَّنَ من ذلك.
فالوزْرُ هنا حِمْلٌ معنويّ نفسي ، وليس حِمْلاً ماديّاً على الظهر ، وهو وِزْرٌ إِيجابيٌّ فيه تبليغٌ للدعوة ، وليس وِزْراً سَلْبِيّاً فيه ذنبٌ ومخالفةٌ ومعصية *1*.
__________
*1* قال الفخر الرازي ما نصه :
احتج بهذه الآية من أثبت المعصية للأنبياء عليهم السلام والجواب : عنه من وجهين الأول : أن الذين يجوزون الصغائر على الأنبياء عليهم السلام حملوا هذه الآية عليها ، لا يقال : إن قوله : {الذى أَنقَضَ ظَهْرَكَ} يدل على كونه عظيماً.
فكيف يليق ذلك بالصغائر ، لأنا نقول : إنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه منه وتحسره مع ندمه عليه ، وأما إنما وصفه بذلك لأن تأثيره فيما يزول به من الثواب عظيم ، فيجوز لذلك ما ذكره الله تعالى.
هذا تقرير الكلام على قول المعتزلة وفيه إشكال ، وهو أن العفو عن الصغيرة واجب على الله تعالى عند القاضي ، والله تعالى ذكر هذه الآية في معرض الامتنان ، ومن المعلوم أن الامتنان بفعل الواجب غير جائز الوجه الثاني : أن يحمل ذلك على غير الذنب ، وفيه وجوه أحدها : قال قتادة : كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب سلفت منه في الجاهلية قبل النبوة ، وقد أثقلته فغفرها له وثانيها : أن المراد منه تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها وحفظ موجباتها والمحافظة على حقوقها ، فسهل الله تعالى ذلك عليه ، وحط عنه ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت له وثالثها : الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل.
وكان لا يقدر على منعهم إلى أن قواه الله ، وقال له : {أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم} [ النحل : 123 ].
ورابعها : أنها ذنوب أمته صارت كالوزر عليه ، ماذا يصنع في حقهم إلى أن قال : {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [ الأنفال : 33 ] فأمنه من العذاب في العاجل ، ووعد له الشفاعة في الآجل وخامسها : معناه عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك ، لو كان ذلك الذنب حاصلاً ، فسمى العصمة وضعاً مجازاً ، فمن ذلك ما روي أنه حضر وليمة فيها دف ومزامير قبل البعثة ليسمع ، فضرب الله على أذنه فلم يوقظه إلا حر الشمس من الغد وسادسها : الوزر ما أصابه من الهيبة والفزع في أول ملاقاة جبريل عليه السلام ، حين أخذته الرعدة ، وكاد يرمي نفسه من الجبل ، ثم تقوى حتى ألفه وصار بحالة كاد يرمي بنفسه من الجبل لشدة اشتياقه وسابعها : الوزر ما كان يلحقه من الأذى والشتم حتى كاد ينقض ظهره وتأخذه الرعدة ، ثم قواه الله تعالى حتى صار بحيث كانوا يدمون وجهه ، و * هو * يقول : « اللهم اهد قومي » وثامنها : لئن كان نزول السورة بعد موت أبي طالب وخديجة ، فلقد كان فراقهما عليه وزراً عظيماً ، فوضع عنه الوزر برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياة فارتفع له الذكر ، فلذلك قال : {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} وتاسعها : أن المراد من الوزر والثقل الحيرة التي كانت له قبل البعثة ، وذلك أنه بكمال عقله لما نظر إلى عظيم نعم الله تعالى عليه ، حيث أخرجه من العدم إلى الوجود وأعطاه الحياة والعقل وأنواع النعم ، ثقل عليه نعم الله وكاد ينقض ظهره من الحياء ، لأنه عليه السلام كان يرى أن نعم الله عليه لا تنقطع ، وما كان يعرف أنه كيف كان يطيع ربه ، فلما جاءته النبوة والتكليف وعرف أنه كيف ينبغي له أن يطيع ربه ، فحينئذ قل حياؤه وسهلت عليه تلك الأحوال ، فإن اللئيم لا يستحي من زيادة النعم بدون مقابلتها بالخدمة ، والإنسان الكريم النفس إذا كثر الإنعام عليه وهو لا يقابلها بنوع من أنواع الخدمة ، فإنه يثقل ذلك عليه جداً ، بحيث يميته الحياء ، فإذا كلفه المنعم بنوع خدمة سهل ذلك عليه وطاب قلبه. اهـ *مفاتيح الغيب. 32 / 5 - 6*
ووقفَ أَمامَ قولِ اللّه - عز وجل - *إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا *1* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ* *1* ، وقول اللّه - عز وجل - : *وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ*.
وقول اللّه - عز وجل - *وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ *55*.
وقد أَخَذَ الفادي المجرمُ هذه الآيات ِ على ظاهِرِها ، وجَعَلَها إِدانةً للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وشاهِدَةً على أَنه يُذنبُ ويُخطئُ ويَعصي.
وقالَ مُعَلّقاً عليها : " ونحنُ نسأَلُ : هل يَصِحُّ الادِّعاءُ أَنه شَفيعٌ وهو نفسُه مُذْنِب ؟! " *1* *2*.
من المتفقِ عليه عند المسلمين أَنَّ اللّهَ عَصَمَ رُسُلَه وأَنبياءَه من الوقوعِ في الذنوبِ والمعاصي ، ولم يَجعلْ سُلْطاناً للشيطانِ على أَحَدٍ منهم ، فلم يَصْدُرْ من أَحَدٍ منهم معصيةٌ أَو ذَنْب.
وعلى أَساسِ هذه الحقيقةِ نفهمُ الآياتِ السابقة ، التي يَدْعو اللّهُ فيها رسولَه - صلى الله عليه وسلم - إِلى الاستغفارِ لذنبه.
ذَنْبُ الرسولِ - عليه السلام - ليس ذَنْباً حقيقياً ، قائماً على فعلِ المعصية ، وإِنما هو ذنبٌ معنوي يَقومُ على نوعٍ من تَرْكِ الأَوْلى ، والسهوِ والغفلةِ والنسيان ، الذي لا يُؤَدّي إِلى تَرْكِ واجبٍ أَو فعْلِ مُحَرَّم.
قد يفعلُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - خِلافَ الأَوْلى ، فيعاتبُه اللّه ، وقد يَمُرُّ بحالةٍ من السهوِ اليسير أو الغفلةِ البسيطة ، فيتداركُه اللّه ، وهذا نوعٌ من التقصير ، يَستدعي أَنْ يستغفرَ اللّهَ منه ، ليبقى - صلى الله عليه وسلم - في كاملِ تَأَلُّقِهِ وارتقائِه.
وقديماً قيل : حَسناتُ الأَبرارِ سيئاتُ المقرَّبين.
إِنَ استغفارَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وتوبتَه نوعٌ من أَنواعِ ذكْرِه للّه ، وعلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - : "إِنّه ليُغانُ على قلبي فأَتوبُ إِلى اللّه وأستغفرُه في اليومِ مئة مَرَّة ".
استغفارُه للّهِ صورةٌ من صُوَرِ ذِكْرِه وشُكْرِه له.
__________
*1* قال الفخر الرازي ما نصه :
لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ذنب ، فماذا يغفر له ؟
قلنا الجواب عنه قد تقدم مراراً من وجوه أحدها : المراد ذنب المؤمنين ثانيها : المراد ترك الأفضل ثالثها : الصغائر فإنها جائزة على الأنبياء بالسهو والعمد ، وهو يصونهم عن العجب رابعها : المراد العصمة ، وقد بينا وجهه في سورة القتال.
المسألة الرابعة :
ما معنى قوله {وَمَا تَأَخَّرَ} ؟ نقول فيه وجوه أحدها : أنه وعد النبي عليه السلام بأنه لا يذنب بعد النبوة ثانيها : ما تقدم على الفتح ، وما تأخر عن الفتح ثالثها : العموم يقال اضرب من لقيت ومن لا تلقاه ، مع أن من لا يلقى لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم رابعها : من قبل النبوة ومن بعدها ، وعلى هذا فما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة ، وفيه وجوه أُخر ساقطة ، منها قول بعضهم : ما تقدم من أمر مارية ، وما تأخر من أمر زينب ، وهو أبعد الوجوه وأسقطها لعدم التئام الكلام. اهـ *مفاتيح الغيب. 28 / 68*.
*2* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
61- محمد صلى الله عليه وسلم مذنب كما فى القرآن
الرد على الشبهة :
أخذوها من فهمهم الخاطئ فى مفتتح سورة " الفتح " : *ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا*.
فقالوا : كتاب محمد يعترف عليه ويصفه بأنه مذنب !!
وسيرة محمد سيد الخلق وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم كتاب كبير مفتوح استوفى فيه كُتَّاب سيرته كل شىء فى حياته. فى صحوه ونومه وفى حربه وسلمه ، وفى عبادته وصلواته ، فى حياته مع الناس بل وفى حياته بين أهله فى بيته.
ليس هذا فحسب بل إن صحابته حين كانوا يروون عنه حديثًا أو يذكرون له عملاً يصفونه صلى الله عليه وسلم وصفًا بالغ الدقة وبالغ التحديد لكافة التفاصيل حتى ليقول أحدهم : قال صلى الله عليه وسلم كذا وكان متكئاً فجلس ، أو قال كذا وقد امتلأ وجهه بالسرور وهذا ما يمكن وصفه بلغة عصرنا : إنه تسجيل دقيق لحياته صلى الله عليه وسلم بالصوت والصورة..
ثم جاء القرآن الكريم فسجل له شمائله الكريمة فقال عنه : إنه الرحمة المهداة إلى عباد الله : *وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين*.
ووصفه بأنه الرؤوف الرحيم بمن أرسل إليهم : *لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم*.
ثم لخص القرآن مجمل شمائله صلى الله عليه وسلم فى قوله : *وإنك لعلى خلق عظيم*.
أكثر من هذا أن تكفل القرآن بإذاعة حتى ما هو من خلجات الرسول وحديث نفسه الذى بينه وبين الله مما لا يطلع الناس عليه على نحو ما جاء فى سورة الأحزاب فى أمر الزواج بزينب بنت جحش والذى كان القصد التشريعى فيه إبطال عادة التبنى من قوله تعالى : *وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذ قضوا منهن وطرًا و كان أمر الله مفعولاً*.
أقول : مع أن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم هى كتاب مفتوح لم يخف التاريخ منه شيئاً بل وتدخل القرآن ليكشف حتى ما يحدث به نفسه صلى الله عليه وسلم مما لا يطلع عليه الناس ، ولم يذكر له صلى الله عليه وسلم ذلةً ولا ذنبًا فى قول أو عمل.
أفبعد هذا لا يتورع ظالموه من أن يقولوا أنه " مذنب " ؟ !!!
ولو كان هؤلاء الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم على شىء من سلامة النظر وصفاء القلوب لانتبهوا إلى بقية سورة الفتح ، والتى كانت كلها تثبيتاً للمؤمنين وللرسول وتبشيرًا لهم بالتأييد والنصر.. لو كان محمد صلى الله عليه وسلم - كما ادعيتم - من المذنبين والعاصين لكان من المستحيل أن يجعله الله تعالى ممن يؤيدهم بنوره ويتم عليهم نعمته ويهديهم صراطًا مستقيماً ؛ لأن النصر يكون للصالحين لا للمذنبين.
ونقف أمام الذنب فى منطوق الآية : *ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر *فالذنب هنا ليس مما تعارف عليه الناس من الخطأ والآثام ؛ لأن سنة الله تبارك وتعالى هى عصمة جميع أنبيائه وفى قمتهم خاتمهم صلى الله عليه وسلم. وهذا مما يعرفه ويقره ويقرره أتباع كل الرسالات إلا قتلة الأنبياء ومحرّفى الكلم عن مواضعه من اليهود الذين خاضوا فى رسل الله وأنبيائه بما هو معروف.
فالذنب هو ما يمكن اعتباره ذنباً على مستوى مقام نبوته صلى الله عليه وسلم ذنبًا مما تقدره الحكمة الإلهية - لا ما تحدده أعراف الناس.
ومع هذا كله فإن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كانت محل تقدير قومه وإكبارهم له لما اشتهر به صلى الله عليه وسلم من العفة والطهر والتميز عن جميع أترابه من الشباب حتى كان معروفًا بينهم بالصادق الأمين.
أفبعد هذا لا يستحى الظالمون لمحمد صلى الله عليه وسلم والحاقدون عليه من أهل الكتاب أن يقولوا : إنه مذنب ؟!!
*كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا*. اهـ *شبهات المشككين*
وهذا معناهُ وجوبُ التفريقِ بين استغفارِنا واستغفارِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فاستغفارُنا بسببِ ذنوبِنا ومعاصينا الكثيرةِ المستمرة ، وكلُّنا رجاءٌ في اللّه أَنْ يَغفَرها لنا..
أَمَّا استغفارُ رسولِنا - صلى الله عليه وسلم - فإِنه ذِكْرٌ منه للّه ، وقُرْبى يَتقربُ به إِليه.
وقد خَصَّ اللّهُ حبيبَه محمداً - صلى الله عليه وسلم - بمقامِ الشفاعةِ المحمود ، حيثُ يَأذَنُ له أَنْ يَشفعَ للناسِ يومَ القيامةِ الشفاعةَ العامَّةَ بفتح بابِ الحساب لهم ، ثم يَأْذَنُ له أَنْ يَشفعَ لأَمَّتِه شفاعةً خاصةً بأَنْ يُدخِلَهم الجَنَّة ، وشفاعتُه - صلى الله عليه وسلم - ثابتةٌ في الأَحاديثِ الصحيحةِ المتفقِ عليها ، وكُلُّ مسلمٍ يَطمعُ في أَنْ يَسعدَ بتلكَ الشفاعة.
أَمّا الفادي الكافرُ المجرمُ فإِنه محرومٌ من الشفاعة ، ولذلك يُنكرُها ، ويشتمُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ْ
***
حول موقف عبد اللّه بن سعد بن أبي السرح
اتَّهمَ الفادي المجرمُ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بأَنَّه أَخَذَ القرآنَ من الناسِ من حولِه ، حيث كانَ يُسجلُ أَقوالَهم ، ومنهم كاتبُ الوحي عبدُ اللّه بنُ أَبي السَّرْح.
ذكَرَ تحتَ عنوان : " يُدَوِّنُ أَقوالَ كَتَبَتِه " قولَ اللّهِ - عز وجل - : *وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ*.
ونقَل عن تفسيرِ البيضاويِّ أَنَّ الآيةَ نازلةٌ في عبدِ اللّهِ بن سعدِ بنِ أَبي السَّرْح ، وأنه كان يكتبُ الوحْيَ لرسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
وأوردَ روايةً عن تفسيرِ البيضاويِّ أَنَّ عبدَ اللّهِ بنَ سعدِ بنِ أَبي السَّرْح كان يكتبُ الوحْيَ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأَنه استَدْعاهُ ليكتبَ الآياتِ الأُولى من سورةِ المؤمنون ، وكانَ يُملي عليه ويَكتب ، فأَملى عليه
قولَه تعالى : *وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ *12* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *13* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ*.
فقال ابنُ أَبي السَّرْحِ مُتَعَجِّباً من تفاصيلِ خَلْقِ الإِنسان : " تبارك اللّه
أحسن الخالقين ".
فقال له رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - : اكْتُبْهَا فهكذا أُنزلَتْ.
فشكَّ عبدُ اللّه بنُ أَبي السَّرْح ، وقال : لئن كان محمدٌ صادقاً لقد أُوحيَ إِليَّ كما أُوحيَ إِليه ، ولئن كانَ كاذباً لقد قُلْتُ كما قال.
ونقلَ الفادي أَنَّ عبدَ اللهِ بن سعدٍ كان يقول بعدما ارتَدَّ : كنتُ أَصْرِفُ محمداً حيثُ أُريد.
كان يُملي عَلَيَّ : " عَلِيّ حكيم " فَأَكتبُ " عَزيز حكيم ".
فيقول لي : اكتبْ كيفَ شِئْتَ ، فكلّ سواء.
قال الفادي المجرم : ولما فَضحَ هذا الكاتِبُ محمداً ، أوردَ في القرآنِ قولَه : *وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ* ؟.
صحيح أَنَّ عبدَ اللهَ بنَ أَبي السَّرْح ارتَدَّ عن الإِسلام ، ولجأَ إِلى قريشِ في مكة ، لكنَّ الحادثةَ التي أَوردَها الفادي غيرُ صحيحة ، وإِنما هي باطلَة مردودة ، فلم يَقُلْ : *تبارك اللّه أحسن الخالقين*.
ولمَ يأمُرْه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكتابتِها بعدَ أَنْ نَطَق بها.
ولقد كانَ الفادي الغبيُّ جاهِلاً عندما اعتمدَ على روايةٍ باطلةٍ مَرْدودةٍ ، وبَنى عليها عنوانَه : " يُدَوِّنُ أَقوال كَتَبَتِه".
ولم يَنزل قولُه تعالى : *وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ* بشأن عبدِ اللهِ بنِ سعد ، لأَنه لم يَدَّعِ النبوةَ ولا الإِتيانَ بمثْلِ القرآن ، وكلُّ ما فعَلَ أَنه فُتِنَ فارتَدَّ عن الإِسلام ، وعادَ إِلى الكفر ، وهَرَبَ إِلى مَكَّة.
ولما فَتَحَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكة أَهْدَرَ دمَ مجموعةٍ من الأَعداءِ شديدي العداوة ، الذين ارتكبوا جرائم يَستحقّونَ بها القَتْلَ ، وأَمَرَ بقَتْلِهم ، ومنهم عبدُ اللّهِ بنُ سعد.
ونَقَلَ الفادي هذه الحادثةَ بقوله : " ولما كان يومُ الفتحِ أَمَرَ محمدٌ بقَتْلِ كاتبه ، ففَرَّ إلى عثمانَ بنِ عفان ، لأَنه كانَ أَخاه من الرَّضاعة ، فغيَّبَه عثمانُ عنه ، ثم جاءَ به عثمانُ بعدما اطْمَأَنَّ الناس ، واستأذَنَ له محمداً..
فصمَتَ محمدٌ طويلاً..
ثم قال : نَعَمْ..
فلما انصرفَ عثمانُ قالَ محمدٌ لمن حولَه :
ما صَمَتُّ عنه إِلّا لتَقْتُلوه.. ".
وعَلَّقَ الفادي المجرمُ الخبيثُ على ما رَواهُ بقولِه : " ونحنُ نَسأل : كيفَ يكونُ محمدٌ نبياً وهو يستحسنُ أَقوالَ كَتَبَتهِ ، ويأمرُ بتدوينِها على أَنَّها وحي ؟!
وكيفَ يكونُ محمدٌ نبياً وهو يُؤَمِّنُ عبدَ اللّهِ بنَ سعدٍ على حياتِه ثم يُحَرِّضُ الناسَ على قَتْلِه ؟! ".
والفادي مجرمٌ مُحَرِّفٌ ، غيرُ أَمينٍ على ما يَنْقُلُهُ ، يوردُ ما يتفقُ مع هَواه ، ويَحذفُ ما لا يَتفقُ مع هواه.
وقد روى سعدُ بنُ أَبي وَقّاص - رضي الله عنه - الحادثة ، فقال : " لما كانَ يومُ فتْحِ مكةَ أَمَّنَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الناسَ إِلّا أَربعةَ نَفَرٍ وامرأتين ، وقال : اقْتُلوهم ، وإِنْ وجدتُموهم متعلِّقينَ بأَستارِ الكعبة : عكرمةُ بنُ أَبي جهل ، وعبدُ اللّه بنُ خَطل ، ومقيسُ بنُ صبابة ، وعبدُ اللّه بن سعد بن أبي السرح ... .
وأمّا عبدُ اللّهِ بنُ سعد بن أَبي السَّرْحِ فإِنه اختبأَ عند عثمانَ بن عفان ، فلما دَعا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ مكةَ إِلى البيعة ، جاءَ بِه حتى أَوقفَه على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : بايعْ عبدَ اللّه..
فرفعَ إِليه رأْسَه ، فنظرَ إِليه ثلاثاً ، كلُّ ذلك يأبى.. فبايَعَه بعدَ ثلاثٍ ...
ثم أَقبلَ على أصحابه ، فقال : أَما كانَ فيكم رجلٌ رشيد ، يَقومُ إِلى هذا ، حيتُ رآني كَفَفْتُ يدي عن بيعَتِه ، فيقْتُلُه!..
فقالوا : وما يُدْرينا يا رسولَ اللّه ما في نفسِك ، هلّا أَوماتَ إِلَيْنا برأسِك ؟
قال : إِنه لا يَنْبَغي لنبي أَنْ يكونَ له خائنةُ أَعين!! "..
أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم والبزار وأبو يعلى.
عفا الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - عن أهل مكةَ الذين حارَبوه ، ولم يأْمُرْ إِلّا بقَتْلِ أَربعةِ رجالٍ وامرأتين ، لارتكابهم جرائمَ توجبُ قَتْلَهم.
ومنهم عبدُ اللّه بنُ سعدِ بنِ أَبي السَّرْح ، والذي أوجبَ قتْلَه هو ارتدادُه ، فقد كانَ مسلماً ثم كَفَر ، وحُكْمُ المرتَدِّ في الإِسلامِ هو القتلُ ، لقولِه - صلى الله عليه وسلم - : "مَنْ بَدَّلَ دينَه فاقْتُلوه ".
فالسببُ في إِهدارِ دَمِه والأمْرِ بقَتْلِه ليس مجردَ مخالفتِه للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، كما زَعَمَ الفادي المفتري ؛ لأَنَّ الرسولَ - عليه السلام - عفا عن آلافِ الكُفّارِ الذين خالَفوهُ وحارَبوه.
وبسببِ الأُخُوَّةِ في الرَّضاعِ بينَ عبدِ اللّه بن سعد وبينَ عثمانَ - رضي الله عنه - ، فقد رَقَّ له عثمانُ ولم يَقْتُلْه ، وأَخفاهُ عن المسلمين.
ثم أَتَى به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وطَلَبَ منه أَنْ يُبايعَه ، وكَلَّمه في ذلك ثَلاث مَرّات ، والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - ساكِت ؟
لأَنه كارهٌ مبايعَتَه لارتدادِهِ.
وكان - صلى الله عليه وسلم - في سكوتِه يَنتظرُ قيامَ أَحَدِ الصَّحابَة بقَتْلِه ، ولكنَّ ذلك لم يَحصل ، فبايَعَه - صلى الله عليه وسلم - على الإِسلام! ثم لامَ الرسولُ أَصحابَه على عَدَمِ قَتْلِه ، وأَخبرَهم أَنه بسكوتِه كان يُريدُ أَنْ يُعطيَهم الفرصةَ لقَتْلِه ، لكن لم يَفْهَموا ذلك..
ولما أَخبروه أَنه كانَ يمكنُ أَنْ يومئَ لهم برأْسِه ، بحركةٍ تَدُلُّ على رغبتهِ في قَتْلِه ، أَخبرهم أَنه لا يمكنُ أَنْ يفْعل ذلك ؛ لأَنه لا يكونُ للنبيِّ خائنةُ أَعين!!.
وقد حَسُنَ إِسلامُ عبدِ اللّهِ بنِ سعد بن أَبي السَّرحِ - رضي الله عنه - بعد ذلك ، وكان والياً على مِصرَ في خلافةِ عُثْمَانَ - رضي الله عنه - ، وهو فاتحُ إفريقية ، وخاضَ معاركَ عديدةً ظافرةً ضدَّ الكفارِ ، في البَرِّ والبَحْر.
وهذا الموقفُ الأَخلاقيُّ العظيمُ لرسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، حيثُ لم يَرْضَ بالإِشارةِ بحركةٍ غير مناسبة ، واعتبرَها من خيانَةِ الأَعين ، كانَتْ مثارَ انتقادِ واعتراضِ الفادي المجرم ، واعتبرها تحريضاً منه على قَتْلِه : " وكيفَ يكونُ محمدٌ نبياً وهو يُؤَمِّنُ عبدَ اللّه بن سعد على حياتِه ، ثم يُحرّضُ الناسَ على قَتْلِه ؟! ".
ولو حَرَّضَ الناسَ على قَتْلِه لقَتلوه..
ولم يَفعْل شيئاً بعَدَ تأمينه ومبايعتِه على الإِسلام ، إِنما كان تَوقُّفُه وسكوتُه قبلَ مبايعتِه له.
فالفادي في كلامه يَكذبُ ويُغالط ويَفْتري ويُحَرّفُ ، وهذه طريقتُه في بحثِه ...
***
هل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدون معجزات ؟
زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان بدونِ معجزات ، أَيْ أَنّه لم يُقَدِّمْ للناسِ أَيَّةَ آيةٍ أَو معجزة دالَّةٍ على نبوَّتِه.
وهذا كذبٌ وافتراءٌ منه.
وزَعَمَ أَنه لما طلبَ خصومُه منه معجزةً ، اعترفَ بعجْزِه التامِّ عن ذلك.
قال : " حاوَلَ اليهودُ والعربُ مراراً أَنْ يَحْملوا محمداً على الإتيانِ بمعجزةٍ ، لتأييدِ دَعْواه بالنبوة.
فاعترفَ بعجْزِه التَّامِّ ، وانتحلَ لذلك أَعذاراً ".
وهذا كَذِبٌ مَفْضوحٌ من الفادي المفترِي ، فلم يكن الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بدونِ آياتٍ أَوْ معجزات.
وقد آتاهُ اللّهُ الكثيرَ من المعجزاتِ المادية ، وفي مقدمةِ آياتِه ومعجزاتِه كان القرآن الكريم.
وعلى هذا قولُه - صلى الله عليه وسلم - : "ما من الأَنبياءِ من نبيٍّ إِلّا
أُوتيَ من الآياتِ ما مِثْلُه آمَنَ عليه البَشَر ، وإنما كان الذي أوتيتُه وَحْياً أَوحاهُ اللّهُ إِليَّ ، وإِني لأَرجو أَنْ أَكونَ أَكثَرهم تابعاً يوم القيامة ".
ولما كانَ الكافرونَ يَطلبونَ منه معجزاتٍ ماديَّة ، ويَزْعُمُونَ أَنه هو الذي يَختارُ الآيات والمعجزاتِ من نفسهِ ، كان يُخبرُهم أَنه لا اختيارَ له للمعجزات ؛ لأَنَّها عندَ اللّه ، هو الذي يُنزلُ منها ما يشاء ، وقَرَّرَتْ هذه الحقيقةَ آياتٌ كثيرةٌ.
منها قولُه تعالى : *وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ*.
وقولُه تعالى : *وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ*.
وليس هذا الموقفُ خاصّاً برسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فكلُّ إِخوانِه الأَنبياء هكذا ، ومنهم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام.
فلما كانَ أَقوامُهم يَطلبونَ منهم الآيات ، كانوا يُخبرونَهم أَنَّ اللّه هو الذي يَأتيهم بها.
قال تعالى : *قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ *10* قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ*.
أَمَرَ اللّهُ رسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يقولَ للكفارِ الذين طَلَبوا منه معجزاتٍ :
*قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ*.
وأَمَرَ اللّهُ الرسلَ أَنْ يقولوا لأَقوامِهم : *وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ*.
وبذلك يتكامَلُ القولان ، ويكونُ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - كإخوانهِ الأَنبياء السابقين.
وعرضَ الفادي المجرمُ بعضَ آياتِ القرآن التي تُقررُ أَنَّ الآياتِ عندَ اللّه ، وأَنَّ الله يُنزلُ منها ما يَشاء وفْقَ حكمتِه ، ولا اختيارَ لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لها.
وعَلَّقَ المجرمُ عليها تَعليقاً فاجراً ، هاجمَ فيه رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
وفيما يلي بعضُ تعليقاتِه على بعضِ الآياتِ التي أَوردَها :
1 - قال تعالى : *وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ*.
نَقَلَ عن تفسيرِ البيضاويِّ قولَه : " *وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ* أيْ : ما صَرَفَنا عن إِرسالِ المعجزاتِ التي اقترحَتْها قريش : *إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ* : إلّا تكذيبُ الأَوَّلين ، الذين هم أَمثالُهم في الطبع كعادٍ وثمود ، وإنها لو أُرسلَتْ لكَذَّبوا بها كتكذيبِ أَولئك ".
ثم عَلَّقَ على ذلك بوقاحةٍ وبَذاءَةٍ فقال : " ونحنُ نَسأل : إِنْ كانت الآياتُ بلا فائدةٍ مُطلَقاً ، عندَ الذين عُمِلَتْ معهم قديماً وحديثاً ، فلماذا عَمِلَها اللّه ؟
وما الذي يَمنعُ اللّهَ عن عَمَلِها على يَدِ محمدٍ ، كما عملَها على يَدِ جميعِ الأَنبياءِ الصادقين ، كموسى وإيليا واليسع والمسيح ؟
هذا عُذْرٌ أَبداهُ محمدٌ للتملُّص فقط ، وإِذا كانت الآيات ُ ممتنعةً لتكذيبِ الناسِ إِياها ، فلماذا لا يكونُ التبليغُ ممتنِعاً لتكذيبِ الناسِ إِياهُ أَيْضاً ؟ ".
لم يَقُلْ أَحَدٌ : إِنَّ الآياتِ بلا فائدة ، وإِنَّ اللّهَ يَعلمُ أهميةَ الآيات ِ للأَنبياء ، ولذلك كان يُعطي كُلَّ نبيٍّ آياتٍ لِقوْمِهِ ، دالَّةٍ على صِدْقِ نبوَّتِه ، وهذا ما صَرَّحَ به رسولُ - صلى الله عليه وسلم - بقوله : " ما من الأنبياء من نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ... ".
وآيةُ سورةِ الإِسراءِ لا تُلغي الآيات ، ولا تَنفي فائدتَها مطلقاً ، كما فهمَ الفادي الجاهلُ منها ذلك لجهْلِه وغَبائِه ، إِنما تَنفي استجابَةَ اللّهِ لطلب المشركين إِنزالَ الآيات ، فلم يَستجب اللّهُ لهم ، ولم يُنزل الآياتِ التي طَلَبوها ؛ لأَنه يَعلمُ أَنه لو أَنزلَها كما طلبوا فإِنهم لن يُؤْمِنوا بها ، وبعدَ ذلك سيعَذَبُهم ويُهْلكُهم ، ولذلك لم يَستجب اللّهُ لهم رحمةً بهم ، لئلا يُعَذِّبَهم *1*..
وليس معنى هذا أَنَّ اللّهَ لم يُنزل الآياتِ على - النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا على غيرِه من الأَنبياء السابقين.
وهذا ما ذَكَرَهُ البيضاويُّ صَريحاً في تفسيرِ الآية : " وما صَرَفَنا عن إِرسالِ المعجزاتِ التي اقترحَتْها قريش ...
" فهذا موضوعُ الآية ، وهي لا تنفي إِنزالَ المعجزات مطلقاً.
وعلى هذا قولُه تعالى : *وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ *111*.
__________
*1* في عدم استجابة الله تعالى لمقترحات مشركي مكة مدح وتكريم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنهم طلبوها على وجه الاستبعاد والسخرية ، وقد علم الله تعالى أنها لو تحققت مقترحاتهم فلم يؤمنوا ، وسنة الله في الأمم المكذبة لرسلها الاستئصال ، وقد أكرم الله الأمة برسوله ومصطفاه - صلى الله عليه وسلم - فقال تعالى *وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ *33*.
وقال *وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *107*.
2 - قال تعالى : *وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ *50* أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *51*.
ولما نَقَلَ الفادي المفترِي المجرمُ من تفسير البيضاوي ، أَخَذَ بعضَه الذي يتفقُ مع هَواه ، وتركَ بعضَه الضروريَّ لفهمِ الآية.
قال في النقلِ عن البيضاوي : *وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ* : مثلُ ناقةِ صالح ، وعصا موسى ، ومائدةِ عيسى.
*قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ* : يُنزلُها كما يَشاء ، لستُ أَملكُها ، فآتيكم بما تَقْتَرحونه..
*وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ* : ليس من شأني إِلّا الإنذار ".
وحَذَفَ الفادي المجرمُ من تفسيرِ البيضاويّ الجملةَ الأخيرة ، فكلامُ البيضاويّ هكذا : " ليس من شأني إِلّا الإِنذار ، وإِبانَتُهُ بما أُعطيتُ من الآيات"
فَحَذَفَ الجملةَ الأَخيرةَ قاصداً ، لأَنها صريحةٌ في أَنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أُوتيَ ما أُوتيَ من الآيات ، وهي لا تَخدمُ الفادي المجرم في اتِّهامِه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك حَذَفَها!
وعلى البحثِ والأَمانةِ العلمية السَّلام!!.
وسَجَّلَ الفادي المجرمُ تَساؤُلَه الخبيث : " ونحنُ نسأل : إِذا كانت الآياتُ عندَ اللّه ، وكان لمحمد صلةٌ باللّه كالأَنبياءِ والرسل ، فلماذا لم يَسمح اللّهُ بتأييدِه بها ؟ ".
وجوابُ تساؤلِه موجودٌ في تفسيرِ البيضاوي ، الذي نجزمُ أَنَّ المجرمَ قرأَه ، ولكنَّه تجاهلَه ولم ينقُلْهُ ، لأَنه يُصرحُ بأَنَّ اللّهَ آتى نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أَعظمَ آية ، هي القرآنُ الكريم.
قال البيضاويّ في تفسير الآية الثانية : " *أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ*.
أَوَلَم يكْفِهم آيةٌ مغنيةٌ عما اقْترحوه ، أَنا أَنزلْنا عليكَ الكتاب ، تَدومُ عليهم تلاوتهُ ، ويَدومُ تحدِّيهم به ، فلا يَزال معهم آيةً ثابتةً لا تَضمحلّ ، بخلافِ سائرِ الآيات ، فهذا الكتابُ آيةٌ مستمرة ، وحُجَّةٌ
مُبَيِّنة ... ".
3 - قولُه تعالى : *أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ*.
اعتبرَ الفادي المفترِي الآيةَ خِطاباً من اللّهِ لليهودِ في المدينة ، وأَنها رَدّ على ما طَلَبَه اليهودُ من رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
قال المفترِي : " قالَ اليهودُ لمحمد : ائتنا بكتابٍ من السماء جُمْلَة ، كما أَتى موسى بالتوراة ، أَو فَجِّرْ لنا أنهاراً ، نتبعْك ونُصدقْك ، كما فَعَلَ موسى ، فإِنه ضَرَبَ الصخرةَ فانفجرت المياه.
فقالَ لهم : أَم تريدونَ أَنْ تسألوا رسولَكم ؟
وسألوه هذا السؤالَ مراراً ، وعَجَزَ عن إِجابتِهم بإتيانِ معجزة.
ونحَنُ نسأل : أَليسَ لليهودِ حقّ في سؤالِهم ؟
فكيفَ يَعتبرُ محمدٌ نفسَه نبياً ، وهو لا يماثلُ الأَنبياءَ في شيء ؟! ".
ادعى الفادي الجاهلُ أَنَّ الآيةَ خِطابٌ من اللّهِ لليهودِ للإِنكارِ عليهم ؛ لأَنهم سأَلوا الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - ما نَسَبَهُ الفادي إِليهم ، وهذا ادِّعاءٌ باطل ، يدلُّ على جَهْلِهِ.
الخطابُ في الآيةِ من اللّه للمسلمين وليسَ لليهود ، بدلالةِ إضافةِ الرسولِ إِليهم : *أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ*.
وهو رسولُ اللّهِ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -.
والمسلمونَ لم يَسْأَلوا رسولَهم - صلى الله عليه وسلم - ، بدلالةِ قوله : *أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ*.
والهدفُ منه تحذيرهم من السؤال.
وإِذا كان معنى الآيةِ هكذا ، يكونُ كلامُ الفادي باطِلاً مردوداً عليه ، عندما اعتبرَها دالَّةً على عدم نبوةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -. وهناك آيةٌ أُخرى صَرَّحَتْ بأَنَّ اليهودَ سأَلوا رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - إِنزالَ كتاب عليهم من السماء ، ورَدَّتْ عليهم.
قال تعالى : *يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ*.
يَذُمُّ اللّهُ اليهودَ في طلبهم من الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُنزلَ عليهم كتاباً من السماء ، ويُذَكِّرهم بماضيهم الأَسودِ ، فقد سأَلوا موسى - عليه السلام - أَنْ يُريهم اللّهَ بعيونِهم ، فعاقَبَهم اللّهُ بالصاعقةِ التي أَخَذَتْهم.
ولماذا يطلبُ اليهودُ من رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُنَزِّلَ عليهم كتاباً من السماء ؟
أَلا يكفيهم القرآنُ الذي أنزلَه اللّهُ عليه من السماء ؟
وجعَلَهُ آيته البينةَ له!
قال تعالى : *أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ*.
4 - قوله تعالى : *وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ*.
زَعَمَ المفترِي أَنَ اليهودَ لم يَطلُبوا من موسى - عليه السلام - أَنْ يَرَوا اللّهَ جهرة.
قال في تعليقِه على هذه الآية : " قالَ رافعُ بنُ خزيمة لمحمد : إِنْ كنتَ رسولاً من اللّه كما تقول فقُلْ للّه يكلِّمنا حتى نسمعَ كلامَه ، أَو اصْنَعْ آيةً حتى نؤمنَ بك..
فأَجابَه : إِنَّ اليهودَ سألوا موسى أَن يريهم اللّهَ جهرة.
وهذا الجوابُ خَطَأ ، لأَنَّ اليهودَ سأَلوا عَكْسَ ذلك ، وقالُوا لموسى :
تكلَّمْ أَنتَ معنا فنسمع ، ولا يتكلمُ اللّهُ مَعَنا لئلا نَموت!.
ونحنُ نسأل : أليسَ من حَقِّ الناسِ أَنْ يَفْحَصوا كُلَّ رسالة يقولُ صاحبُها : إِنها من عندِ اللّه ".
أَخبرَ اللّهُ أَنَّ الذين لا يَعلمونَ طَلَبوا أَنْ يُكَلِّمَهم اللّهُ مباشرة ، أَو يأتيَهم الرسولُ - عليه السلام - بآية.
والمرادُ بهم اليهودُ في المدينة ، وهذا الطلبُ الذي طلَبوهُ من الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - يُشابِهُ الطلبَ الذي طَلَبَه آباؤُهُم من موسى - عليه السلام -.
وقد أَخْبَرَنا اللّهُ أَنهم طلبوا من موسى - عليه السلام - أَنْ يَروا اللّهَ جهرة.
قال تعالى : *وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ *55* ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *56*.
ولما طلبَ اليهودُ في المدينةِ من رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُنزلَ عليهم كتاباً من السماءِ ذَكَّرَهُمُ اللّهُ بما طَلَبَه آباؤُهم من موسى - عليه السلام -.
قال تعالى : *يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ*.
ورغم هذه الآياتِ الصريحةِ التي أَخبرتْ عن قولِهم وطلبِهم إِلّا أَنَّ الفادي المفتريَ المجرمَ خَطَّأَها وكَذَّبها ، وقال في تكذيبه : " أَجابَهُ أَنَّ اليهودَ سألوا موسى أَنْ يُريهم اللّه جهرة ، وهذا خطأ ، لأَنَّ اليهودَ سَألوا عكسَ
ذلك ... " !!.
5 - قوله تعالى : *وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ *109*.
نقلَ الفادي في سببِ نزولِ الآيةِ أَنها أُنزلَتْ للرَّدّ على طلبِ قريش ، عندما طلبوا من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يأْتيهم بآيةٍ ، مثل الآياتِ التي جاءَ بها الأَنبياءُ السابقون ، كموسى وعيسى وصالح - عليهم السلام - ، وزَعَمَ أَنه وافَقَهم ودعا اللّه.
قال : " قالَتْ قريش : يا محمد : إِنك تخبرُنا أَنَّ موسى كانت له عصا يَضربُ بها الحجر ، فتنفجرُ منه اثنتا عشرةَ عيناً ، وتخبرُنا أَنَّ عيسى كان يُحيي الموتى ، وأَنَّ ثمودَ لهم ناقة ، فأتِنا بآيةٍ حتى نُصَدِّقَك ونؤمنَ بك ...
فقال محمد : أَيّ شيءٍ تُحبون ؟
قال : تجعلُ لنا الصفا ذهباً ، وابعثْ لنا بعضَ موتانا نسأَلْهم عنك : أحقٌّ ما تَقولُ أَم باطل ؟
وأَرِنا الملائكة يَشهدونَ لك..
فقال محمد : إِنْ فعلْتُ بعضَ ما تقولون أَتصدقونَني ؟
قالوا : نعم واللّه ، لئن فعلْتَ لنتبعنَّك أَجمعين..
وسأَلَ المسلمون محمداً أَنْ يُنزلَها عليهم حتى يؤمنوا ، فقامَ محمد وجعلَ يدعو اللّهَ أَنْ يَجعَل الصفا ذهباً ، فجاءَه جبريل فقال : إِنْ شئتَ أَصبحَ الصَّفا ذَهباً ، ولكن إِنْ لم يُصَدِّقوك لنعذبنَّهم ، وإِنْ شئت تركْتَهم حتى يتوبَ تائبُهم..
فقال محمد : أَتْرُكُهُم حتى يتوبَ تائبُهم..
وهكذا تخلَّص مَحمدٌ أَنْ يأتيَ بمعجزة!.. ".
صحيحٌ أَنَّ قريشاً طَلبُوا من رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يأتيَهم بآياتٍ ليؤمنوا به ، كتحويلِ الصَّفا ذَهَباً ، أَو إِنزالِ الملائكةِ عليهم ، أو إِحياءِ آبائِهم الأَموات ، وهذا ما أَشارتْ له الآية..
لكنَّه ليس صحيحاً استجابةُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - لطلبِهم ،
وأَنه دعا اللّهَ أَنْ يَجعلَ لهم الصَّفا ذهباً ، وأَنَّ جبريلَ حَدَّثَه بالأَمر ، فتوقَّفَ عن الدُّعاء حتى لا يَهلكوا..
كما ادَّعى الفادي المفترِي ، وخَرَجَ من هذه الروايةِ المردودةِ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - تخَلصَ وتهرَّبَ من الإتيان بمعجزة.
لم يطلب الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - من ربِّه أَنْ ينفِّذَ لهم ما طَلَبوا منه ؛ لأَنه يَعلمُ أَنَّ الآياتِ والمعجزاتِ بيد اللّه ، وهذا ما صرَّحَتْ به آياتُ القرآن.
كقولِه تعالى : *وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ *109* وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ *110* وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ *111*.
6 - قولُه تعالى : *وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا *90* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا *91* أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا *92* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا *93*.
تُسجّلُ هذه الآياتُ بعضَ الطلباتِ التي طَلَبَها كفارُ قريشٍ من رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - : طَلَبوا منه أَنْ يُفَجِّرَ لهم الينابيعَ من الأَرض ، أَو تكونَ له جنةٌ من نخيلٍ وعنبٍ تتفجرُ الأَنهارُ خلالَها ، أَو يُسقطَ السماءَ عليهم ، أَو يصعدَ هو في السماء ، وَيَنْزِلَ عليهم منها بكتابٍ خاص ، موجَّهٍ من اللّه لهم ،..
ورَدَّ على هذه الطلباتِ التعجيزيةِ بقولِه لهم : سبحانَ رَبّي ، هل كنتُ إلّا بشراً رسولاً.
أَيْ ما أَنا إِلا بَشَرٌ رسول ، لا دَخْلَ لي في المعجزات ، فأَنا لا أَختارُها ولا أَفْعَلُها ؛ لأَنَّها عند اللّه ، يُنزلُ عليَّ ما شاءَ منها ، وأَنا أُقدمُ لكم ما آتاني منها.
وقد فهمَ الفادي الجاهلُ الآياتِ فهماً خاطئاً ، وجعلَها دالَّةً على عَدَمِ نبوَّتِه.
قال المجرم : " ونحن نسأل : أَلم يكنْ موسى وإِيليا وأَليشع ودانيال من البشر الرُّسُل ؟
ومع ذلك كانوا أَصحابَ معجزات ، فإِنْ كانَ محمدٌ صاحبَ رسالةٍ سماويةٍ فلماذا لا تساندُ السماءُ رسالتَه ؟! ".
إِنَّ الجاهلَ يَظُنُّ أَنَّ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - بدونِ معجزات ، ولو كانَ اللّهُ أَرسلَه لسانَدَه وأَيَّدَه بها ، وهذا ظَنٌّ باطلٌ وَقَعَ فيه المفترِي الجاهل!
لقد آتى اللّهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - أَعظمَ آيةٍ عقليةٍ بيانية ، مستمرةٍ حتى قيامِ الساعة ، وهي القرآنُ العظيم..
كما آتاهُ كثيراً من الآياتِ الماديةِ المحسوسة ، مثلُ : شَقِّ صَدْرِه ، والإِسراءِ والمعراج ، وانشقاقِ القمر ...
والجاهلُ مصممٌ على جَهْلِه وافترائه ، وسوءِ فهمِه للحقائق ، ولذلك ذَكَرَ سبْعَ آياتٍ متفرقة ، واعتبرَها دَليلاً من القرآنِ على أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لم يُؤْتِه اللّهُ أَيةَ معجزة!.
الآياتُ التي أَساءَ فَهْمَها والاستدلالَ بها هي :
1 - قولُه تعالى : *وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ *145*.
لا تَدُلُّ الآيةُ على أَنَّ اللّه لم يُؤْتِ رسولَه أَيَّةَ معجزة ، إِنما تدلُّ على أَنه مهما قَدَّمَ من الآياتِ والمعجزاتِ لأَهْلِ الكتاب فلن يُصَدِّقوهُ ، ولن يَتَّبِعوا قبلَتَه ، لأَنهم يَتَّبعون أَهواءَهم.
2 - قوله تعالى : *وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ *27*.
لا تَدُلُّ الآيةُ على أَنَّ اللّهَ لم يُنَزِّلْ على رسولِه أَيةَ معجزة ، إِنما تَرُدُّ على الكفار ، الذين عَلَّقوا إِيمانَهم بالحقِّ على إِنزالِ الآيةِ التي طَلَبوها ، وتُخبرُهم أَنَّ الإِيمانَ ليس مُعَلَّقاً على إِنزالِ الآيات ، لأَنَّ اللّهَ يُضِلّ مَنْ يَشاء ، ويَهدي إِليه مَنْ أَناب.
3 - قوله تعالى : *وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا*.
لا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ القرآنَ ليس آيةً للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وإِنما تَدُلّ على أَنَّ اللّهَ لو خاطَبَ بالقراَنِ الأَرضَ أَو الجبالَ أَو الموتى لأَثَّر فيهم ، ولو أَرادَ ذلك لفَعَل ، لأَنه لا يمنَعُه من ذلك أَحَد.
ولكنَّه لم يَشأْ ، وإِنما خاطبَ بالقرآنِ الإنسانَ.
4 - قوله تعالى : *وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ *124*.
لا تَدُلُّ الآية ُ على أَنَّ اللّه لم يُؤْتِ رَسولَه مُعجزة ، وإِنما تُصرحُ بأَنَّ اللّهَ كان يُؤْتِيه كثيراً من الآيات ، ولكنَّ الكفَّارَ مُعانِدون ، يَرفضونَ قَبولَ الحَقِّ ، ْ فعندما كانتْ تَأتيهم الآية ُ من عند اللّه ، كانوا يُصِرُّون على كفرِهم ويقولون : لن نؤمن حتى نُؤْتى مثْلَ ما أُوتيَ رسلُ اللّه!!
5 - قولى تعالى : *وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ *37*.
لا تدلّ الآيةُ على أَنَّ اللّهَ لم يُؤْتِ رسولَه معجزة ، إِنما تَرُدُّ على طلبِ الكفارِ آياتٍ مخصوصة ، وتُخبرهم أَنَّ إِنزالَ الآياتِ ليس خاضِعاً لطَلَباتهِم وأَهوائِهم ، وإنما يُنزلُ اللّهُ منها ما يَشاءُ وفقَ حكمتِه سبحانه.
6 - قوله تعالى : *وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *203*.
لا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ اللّه لم يؤْتِ رسولَه معجزة ، إِنما تُقَدِّمُ رَدّاً آخَرَ على ما طَلَبَة منه المشركون ، حيثُ كانوا يَطلبونَ منه أَنْ يَجْتبيَ ويَصطفيَ ويختارَ الآياتِ التي يَطلبونها ، أَيْ أَنه هو الذي يَأتي بها ، فَرَدَّ عليهم بأَنه لا دَخلَ له في اختيارِ المعجزات ، لأَنه يَتَّبعُ وَحْيَ اللّه ، ويتلَقّى الآياتِ التي يُؤْتيهِ اللّهُ إِياها ، ويُقَدِّمُها لهم ، وكلُّ ما آتاهُ اللّه من الآياتِ قَدَّمَه لهم ...
7 - قوله تعالى : *وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ *7*.
لا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ اللّهَ لم يُؤْتِ رسولَه معجزة ، إِنما تَرُدُّ على طَلَبِ الكفارِ إِنزالَ الآياتِ التي يَطلبونَها منه ، وتُخبرهم أَنَّ إِنزالَ الآياتِ خاضغ لحكمةِ اللّه ، وليس لطلباتِهم ، ولا لاختيارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - مُنذرٌ يبلِّغُهم وَحيَ اللّه.
وهكذا رأينا أَنه لم تَنْفِ آية واحدة من الآياتِ السبع وُجودَ معجزةٍ مع رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، إِنَّ كُلَّ آيةٍ رَدَّتْ على طلبٍ للمشركين ، أَو قَدَّمتْ حقيقةً متعلقةً بالآياتِ والمعجزات.
ولْننظر الاَنَ كيفَ فهمَ الفادي المجرمُ هذه الآياتِ السبع ، وكيفَ استنْطَقَها ، وما هي النتيجةُ التي خَرَجَ بها منها في نفي نبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ؟
قال فَضّ اللّهُ فاه : " ففي جميعِ هذه الآيات ِ يعترفُ القرآنُ أَنَّ محمداً لم يَأتِ بمعجزةٍ واحدة.
وأَما الأَسبابُ التي انتحلَها واعتذَرَ بها فمردودة..
فالمعجزاتُ التي عملَها الأَنبياءُ أمامَ الشعوب الأَوَّلين ، آمَنَ بها البعض ، بينما رفَضَها البعضُ الآخَرُ.
وعليه فالقولُ : *إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ*.
عُذْرٌ مرفوض.
ولو كانَ القرآنُ معجزةً لكان قال : هاكمُ القرآنُ معجزة!! وما كانَ ليقول : *وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ*
لم يَأتِ محمدٌ بآيةٍ مُطْلقاً تُثْبتُ أَنه رسولٌ مُشرِّع ، ولا حَتَّى القرآن ... ".
إِنَّ هذا القولَ الفاجرَ مردودٌ على الفادي المفترِي ، ولقد آتى اللّهُ نبيَّه محمداً - صلى الله عليه وسلم - كثيراً من المعجزاتِ المادية ، التي أَشَرْنا لها فيما مضى.
وهذا يُكَذّبُ قولَ المجرم : " لم يأتِ محمدٌ بآيةٍ مطلقاً تُثبتُ أَنه رسولٌ مُشَرّع " !.
أَما قولُه الفاجر : " لو كان القرآنُ معجزةً لكان قال : هاكم القرآنُ معجزة ".
فإِنه يدلّ على جَهْلِه وغَبَائِه! إِنَّ هذا هو الذي حَصَل ، فلما طَلَبَ الكفارُ معجزةً من رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قال لهم : هاكم القرآنُ معجزة! وهذا ما وردَ في صريحِ قولِه تعالى : *وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ *47* وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ *48* بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ *49* وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ *50* أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *51*.
***
اتهامات الكفار للرسول - صلى الله عليه وسلم -
رَدَّدَ الفادي المفترِي الاتهاماتِ التي وَجَّهَها الكفارُ من المشركين والمنافقينَ واليهود لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، والتي ذَكَرَها القرآن ، ثم نَقَضَها وأَبْطَلَها ، لكنَّ الفادي المجرمَ اعتمدَها وقالَ بها ، واتَّهمَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بها ، واعتبرَها وثيقةَ إِدانةٍ له..
قالَ في مقدمةِ تلك الاتهامات : " انتقدَ العربُ محمداً ، ولاموهُ على الكثير.
وقد أَورَدَ ذلك في قرآنِه ، مع الردودِ عليه.. ".
ما زالَ يؤكدُ على أنَّ القرآنَ منسوبٌ إِلى رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنه هو الذي أَلَّفَه ، وأَوردَ فيه ما يُريد ، وحَذَفَ منه ما لا يُريد!!.
والاتهاماتُ الموجهةُ ضدَّ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - هي :
1 - مَجنون : ووردَتْ في قولِه تعالى إِخباراً عن قولِ المشركين : *وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ *6* لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *7*.
وقد اعتمدَ المجرمُ هذه التهمةَ في قوله : " فقد اتَّهموهُ بالجنون ، الذي هيأ له أَوهامَ الوحي والملائكة ".
أَيّ أَنّه لا وحيَ في الحقيقة ، وإِنما هو أوهامٌ وتخيُّلاتٌ كان يَمُرُّ بها الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - ، فيصدِّقُ أَنه رأى جبريل ، وأَنه تلقى منه الوحي ، مع أَنه لا جبريلَ ولا وحيَ ؛ لأَنه مجنون!!.
وقد رَدَّ القرآنُ على هذه التهمةِ بعدة آيات ، نكتفي منها بتذكُّرِ قولِه تعالى : *وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *1* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى *2* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *3* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى *4* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *5* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى *6* وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى *7* ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *8* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى *9* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى *10* مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى *11* أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى *12* وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى *13* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى *14* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى *15* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى *16* مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى *17*.
وقد كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَريصاً على تأكيدِ وعْيِه وحضورِه وانتباهِه ، عندما يأتيه الوحي.
فقد سألَه الحارثُ بنُ هشام - رضي الله عنه - فقال : يا رسولَ اللّه!
كيفَ يأتيكَ الوحي ؟
فقال - صلى الله عليه وسلم - : "أَحْياناً مثلُ صلصلةِ الجَرَس ، فيفْصِمُ عَنّي وقد وعيتُ ما قال ، وأَحياناً يتمثلُ لي المَلَكُ رَجُلاً فيكلِّمُني ، فأَعي ما يقول ".
ولا يُمكنُ أَنْ يكونَ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - مجنوناً ، وشخصيتُه معروفَة ، وأَقوالُه في حياتِه معلومة ، وجهودُه في الدعوةِ والحركةِ معلومة ، ونَجاحُه في دعوتِه وانتشارُ دينِه في حياتِه معروف ، ولو كان مجنوناً لما كانت نتائجُ رسالتِه في حياتِه على ما هي عليه !.
2 - مُفْتَرٍ : والمفتري هو الكاذبُ المدَّعي ، الذي يَقلبُ الحقائقَ ، ويَنسبُ القول إِلى غيرِ قائلِه كَذِباً وزُوراً.
وقد اتهَمَ الكفارُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأَنه مُفْتَرٍ كاذب ، وأَخبرَ اللّهُ عن اتّهامهم في قولِه تعالى : *وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ *101*.
وفي قوله تعالى : *وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ*.
وقد صَدَّقَ الفادي المجرم هذه التهمة ، وأَلْصقَها برسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
قال : " لقد رأَوْا محمداً يأْمُرُ أَصْحابَه بأَمْر ، ثم يَنهاهم عنه ، ويأمُرُهم بخلافِه ، ويقول اليومَ قولاً ، ويَرجعُ عنه غداً.
فقالوا : إِنَّ ما تقولُه إِنما هو من تلقاءِ نفسِك ؟
لأَنه لو كانَ كلامَ اللّه لكانَ ثابتاً ، لا يُنْسَخُ ولا يَتَغَيَّرُ.. ".
وَنَزَّهَ اللّهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - عن تهمةِ الافتراء ، في آياتٍ كثيرة ، منها قولُه تعالى : *وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *3* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى *4*.
وبَيَّنَ اللّهُ أَنه لا يَسمحُ لأَحَدٍ في أَنْ يتقوَّل ويَفْتَريَ ويكذبَ عليه ، حتى لو كان رسولَه - صلى الله عليه وسلم - ، وحاشاهُ أَنْ يَفعلَ ذلك.
قال تعالى : *فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ *38* وَمَا لَا تُبْصِرُونَ *39* إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *40* وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ *41* وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ *42* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *43* وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ *44* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ *45* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ *46* فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ *47*.
أَيْ : لو تَقَوَّل وكَذَبَ وافترى علينا لذَبَحْناه! بأَنْ نأخُذَه من يَمينِه ، ثم نقطعَ وَتينَه وعُنُقَه ، ولن يَجِدَ أَحَداً ينصرُه أَو يحجزُه ويوقفُ عنه الذبح!!.
وبَيَّنَ أَنَّ المفتريَ على اللّهِ هو أَظلمُ الظالمين ، وأَنَّ اللّهَ لن يُوَفِّقَ مفترياً أَبداً.
قال تعالى : *وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ*.
وهذه شهادةٌ من اللّهِ لرسولِه - صلى الله عليه وسلم - بالصِّدْق ، فلو كان مفترياً لأَهلكَه اللّهُ وقضى عليه ، ولَمَا وَفَّقَه وأَيَّدَه ونَصَرَه ونَشَرَ دَعوته.
إِنَّ هذا النجاحَ الكبير لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - دليل على أَنَّ اللّهَ هو الذي يَسَّرَه له ، وهذا دليلٌ على أَنه رسولُ اللّهِ فِعْلاً ، - صلى الله عليه وسلم -.
والنسخُ في الفرآن الذي لا يَمَلُّ الفادي المفترِي من الكلامِ عليه وانتقادِه ، سَبَقَ أَنْ ناقَشْناهُ فيه في أَكْثَرَ من موضع ، وهو لا يَدُلُّ على افترائهِ وكذبِه - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنه لم يَدَّعِ أَنه هو الذي يَنسخُ ويُغَيِّرُ ويُبَدِّلُ في الأَحكام ، وإِنما اللّهُ هو الذي يَنسخُ ما يَشاء ، وبما أَنَّ الفعلَ فعلُ اللّه ، فهو فَعَّال لما يُريدُ - عز وجل -.
قال اللّه - عز وجل - : *مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *106*.
3 - مسحور : اتهمَ الكفارُ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بأَنه مسحور ، سيطرَ عليه الجنُّ والشياطين ، وحَرَّكوه كما يريدون.
وقد ذَكَرَ القرآنُ هذه التهمة التي وَجَّهوها له.
قال تعالى : *وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا *7* أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا *8*.
وقال تعالى : *نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا *47*.
وقد رَدَّدَ الفادي المفترِي هذه التهمة ، وأَلصقَها برسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وحَكَم عليه بأَنه مسحورٌ قال : " لقد شاهَدوه مريضاً ناسياً ، يَشكو من الساحراتِ النفاثات في العُقَد ، ويَستعيذُ من فعلهنّ ، فقالوا : لا شكَّ أَنه مسحورٌ مَغلوبٌ على عقله.. ".
وقد سبقَ أَنْ ناقشْنا الفادي المفترِي في مسألةِ سِحْرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنَّ السحرَ لم يُؤَثّرْ إِلّا في جانبٍ من بَدَنِه ، وأَنَّ ذلك لم يستمرَّ إِلّا ساعات ، ثم عافاهُ اللّهُ منه!.
وهذا معناهُ أَنَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يكُنْ مَريضاً ، ولم تُؤَثَرْ فيه الساحرات ، ولم يكنْ مغلوباً على عَقْلِه ، وما كلامُ الفادي السابقُ إِلّا افتراءً كبيراً.
4 - أُذُن : اتهمَ المنافقونَ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بأَنه أُذُن ، أَيْ أَنه ساذجٌ مُغَفَّل ، يُصَدِّقُ كُلَّ ما يَسمع ، ويُمكنُ خِداعُه بسهولةٍ ، وقد ذَكَرَ القرآنُ هذه التهمة ثم رَدَّ عليها.
قال تعالى : *وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ*.
ونَقَلَ الفادي كلامَ البيضاويّ في معنى الآية.
ونَقَلَ ما قالَه المنافقون في اتهامِهم له : " روِيَ أَنهم قالوا : محمدٌ أُذُنٌ سامِعَة ، نقولُ ما شئْنا ، ثم نأتيه فيصدّقُنا بما نَقول ".
وذِكْرُه لقولِ المنافقين ، وسكوتُه عنه ، إِقرارٌ منه له.
أَيْ أَنّ الفادي المفتريَ مع المنافقينَ في اتهامِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - بأَنه أُذُنٌ ساذج ، يَسهلُ خداعُه!.
وما أَجملَ ما رَدَّ به القرآنُ هذه التهمةَ : إِنَّه - صلى الله عليه وسلم - أُذُنُ ، يُحسنُ الاستماعَ بأُذُنِه ، ويَعي ما يسمَعُه..
وقد استمعَتْ أُذُنُه الشريفةُ القرآنَ من جبريلَ - عليه السلام - ، ثم قَدَّمَه للمسلمين ، وبهذا كان أُذُنَ خيرٍ للمؤْمنين.
وقد كان رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَذكى الناسِ ، وأَكْثَرَهم فِطْنَة ، وأَرجَحَهم عَقْلاً ، مُنَزَّهاً عن السذاجةِ والبَلاهةِ والغَفْلة.
هل مات الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسموماً ؟
ذَكَرَ الفادي الجاهلُ عِنواناً مُثيراً هو : " موتُه بتأثيرِ السّمّ ".
وسَجَّلَ تحت هذا العنوانِ قولَه تعالى : *وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا*.
ثم نَقَلَ الفادي عن البيضاويِّ معنى هذه الآية ، ومناسبةَ نُزولها ، وحادثةَ اعتداءِ المشركين على رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزوةِ أُحُد ، وما أَشاعوهْ من أَنه قد قُتِلَ ، وتَأَثُّرِ بعضِ الصحابة بما سمعوه ، حتى حَزِنَ بعضُهم وأَلْقى السلاح.
ثم ذَكَرَ قصةَ الشاةِ المسمومة التي حَشَتْها اليهوديةُ في غزوةِ خَيْبَرَ ، وقَدَّمَتْها للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، محاوِلةً قَتْلَه.
وخَرَجَ الجاهلُ منها بأَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - ماتَ مسموما" *1*.
صَحيحٌ أَنَّ المرأةَ اليهوديَّةَ سَمَّمَتْ شاةً ثم شَوتْها وقَدَّمَتْها للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وكَثرَتْ من السُّمِّ في الكَتِفِ ؛ لأَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يُحبُّ الكَتِف..
ولما قُدِّمَ الكتفُ للرسول - صلى الله عليه وسلم - وَضَعَ في فَمِه لقمةً منها وَمَضَغَها ، ثم لَفَظَها وأَخْرَجَها ولم يَبْلَعْها ، وقال : إِنَ هذا الذراعَ يُخبرُني أَنه مسموم..
وقد تناول بِشْرُ بنُ البراءِ - رضي الله عنه - لُقمةً منه وابتعلها ، وماتَ فوراً من شدةِ وقوةِ السّمّ.
واستدعى الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - اليهودية ، وقالَ لها : ما حَمَلَكِ على ما صَنَعْتِ ؟
قالَتْ : يا أَبا القاسم ، إِني كنتُ أَعلمُ أَنك إِنْ كنتَ رسولاً فسيحْميك اللّهُ ، وإِنْ كنتَ كاذباً متَّ واسْتَرَحْنا منك!.
وأَمَرَ بها رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقُتِلَتْ قِصاصاً ؛ لأَنها قَتَلَتْ بِشْرَ بنَ البراء بن معرور - رضي الله عنه - بالسّمّ.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
50- مات النبى صلى الله عليه وسلم بالسم
الرد على الشبهة :
حين تصاب القلوب بالعمى بسبب ما يغشاها من الحقد والكراهية يدفعها حقدها إلى تشويه الخصم بما يعيب ، وبما لا يعيب ، واتهامه بما لا يصلح أن يكون تهمة ، حتى إنك لترى من يعيب إنساناً مثلاً بأن عينيه واسعتان أو أنه أبيض اللون طويل القامة ، أو مثلاً قد أصيب بالحمى ومات بها ، أو أن فلاناً من الناس قد ضربه وأسال دمه ؛ فهذا كأن أو أن تعيب الورد بأن لونه أحمر مثلاً ؛ وغير ذلك مما يستهجنه العقلاء ويرفضونه ويرونه إفلاسًا وعجزًا.
أن محمداً صلى الله عليه وسلم قدمت له امرأة من نساء اليهود شاة مسمومة فأكل منها فمات صلى الله عليه وسلم.
وينقلون عن تفسير البيضاوى :
أنه لما فتحت خيبر واطمأن الناس سألت زينب بنت الحارس - وهى امرأة سلام بن مشكم *اليهودى* - عن أى الشاة أحب إلى محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها : إنه يحب الذراع لأنه أبعدها عن الأذى فعمدت إلى عنزة لها فذبحتها ثم عمدت إلى سمّ لا يلبث أن يقتل لساعته فسمَّت به الشاة ، وذهبت بها جارية لها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت له : يا محمد هذه هدية أهديها إليك.
وتناول محمد الذراع فنهش منها.. فقال صلى الله عليه وسلم : ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع والكتف تخبرنى بأنها مسمومة ؛ ثم سار إلى اليهودية فسألها لم فعلت ذلك ؟ قالت : نلت من قومى ما نلت ... وكان ذلك بعد فتح " خيبر " أحد أكبر حصون اليهود فى المدينة وأنه صلى الله عليه وسلم قد عفا عنها.
ثم يفصحون عن تفسير البيضاوى :
أنه صلى الله عليه وسلم لما اقترب موته قال لعائشة - رضى الله عنها - يا عائشة هذا أوان انقطاع أبهرى *1*.
فليس فى موته صلى الله عليه وسلم بعد سنوات متأثرًا بذلك السُّم إلا أن جمع الله له بين الحسنيين ، أنه لم يسلط عليه من يقتله مباشرة وعصمه من الناس وأيضًا كتب له النجاة من كيد الكائدين وكذلك كتب له الشهادة ليكتب مع الشهداء عند ربهم وما أعظم أجر الشهيد.
وأيضًا.. لا شك أن عدم موته بالسم فور أكله للشاة المسمومة وحياته بعد ذلك سنوات يُعد معجزة من معجزاته ، وعَلَمًا من أعلام نبوته يبرهن على صدقه ، وعلى أنه رسول من عند الله حقًا ويقينًا.
وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يموت فى الأجل الذى أجله له رغم تأثره بالسم من لحظة أكله للشاة المسمومة حتى موته بعد ذلك بسنوات. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* الأبهران عرقان متصلان بالقلب وإذا قطعا كانت الوفاة.
ولم يُؤَثِّر السّمُّ في رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنه اكتفى بمضْغِ اللقمةِ من اللَّحمِ المسَمَّم ، ثم لَفَظَها وأَخْرَجَها ، وقال : يُخْبِرُنِي هذا الذراعُ بأَنه مسمومٌ.
وهذا معناه أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يَمُتْ بتأثيرِ السُّمّ ، كما زَعَمَ الفادي المفتري ، ولو ماتَ بتأثير السُّمِّ لماتَ فوراً ، أَو بعدَ ساعاتٍ أَو أَيامٍ أَو أَشهر ، مثلُ بشْرِ بنِ البراء الذي ماتَ فوراً.
وقد عاشَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بعد حادثةِ السُّمِّ أَكثرَ من ثَلاثِ سنوات! حيثُ كان فَتْحُ خيبرَ في محرم من السنةِ السابعة للهجرة ، وتُوُفِّي - صلى الله عليه وسلم - في ربيع الأَول من السنةِ الحادية عشرة.
صحيحٌ أَنه بَلَعَ أَثَرَ السّمّ ، لكنَّ هذا الأَثَرَ لم يُؤَدِّ إِلى وفاتِه " لأَنَّ اللّهَ تكفَّلَ بحمايتِه وعصمتهِ من الأَعداء ، فكم حاولَ الأَعداءُ اغتيالَه وقَتْلَه ، ولكنَّ اللّهَ عَصمَه وحَماه ، وأَخبره عن ذلك في قولِه تعالى : *يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ*.
وصحيحٌ أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لعائشةَ - رضي الله عنها - : "ما زلْتُ أَجِدُ أَثَرَ السّمّ الذي قُدّمَ لي في خيبر ".
وأَنه قالَ لها أَيضاً : " هذا أَوانُ انْقِطاعِ أَبهَري ".
وهذا معناه أَنه كان يَمْرَضُ من أَثَرِ ذلك السم ، وكانَ أكبرَ الأَثَرِ على أَبهَره ، وهو وَريدُه ، لكنْ فرقٌ بين أَنْ نقول : كان يَمرضُ من أَثَرِ السم ، وبينَ أَنْ نقولَ : ماتَ متأثراً بالسم.
***
حول أحوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الوحي
أَثارَ الفادي المفترِي الشبهاتِ حولَ أَحوالِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما كانَ يَأتيه الوحي ، وَوَجَّهَ الاتهاماتِ له في عَقْلِه ونَفْسِه وأَعْصابِه ، مما يدلُّ على أَنَّه ليس رسولاً ، وأَنَّ الذي يتخيَّلُه ليس وحياً.
1 - الرسول المزمل المدثر :
قالَ اللّه - عز وجل - : *يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *1* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا *2*.
والمُزَّمِّلُ هو المتَغَطي بثيابِه.
ونقلَ عن تفسرِ البيضاوي معاني الآيات الأولى من السورة.
وقال - عز وجل - : *يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *1* قُمْ فَأَنْذِرْ *2*.
والمُدَّثِّرُ هو المتَغَطّي بثجابِه أَيْضاً ، ونقلَ عن تفسيرِ البيضاوي معاني آياتِ السورة.
ومع تحفُّظِنا على بعضِ ما وَرَدَ في تفسيرِ البيضاوي ، من رواياتٍ وأَخبارٍ غيرِ دقيقة ، أَو مرجوحة ، إِلّا أَنّنا لن نتوقَّف معها ، وننتقلُ مع الفادي المفتري لنرصدَ شبهاته واتهاماتِه وافتراءاتِه.
2 - هل صورة الرسول - صلى الله عليه وسلم - صورة السكران ؟ :
قال الفادي المفترِي : " جاءَ في الأَحاديث الصحيحة أَنَّه إِذا نَزَلَ عليه الوحْيُ يُغْشى عليه ، لتغيُّره تَغَيُّراً شديداً ، حتى تصيرَ صورَتُه كصورةِ السَّكْران.
وقال علماءُ المسلمين : إِنه كانَ يُؤْخَذُ من الدنيا ".
وفي هذا الكلامِ مُغالطاتٌ وافتراءات ، أَطْلقَهَا الفادي المجرمُ ضدَّ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ونَسَبَها لعلماءِ المسلمين.
أَمّا أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - كان يَتَأَثَّرُ بالوَحْي ، وأَنه كانَ يُغْشى عليه من ثقَلِ الوَحْي ، فهو صحيح.
وهذا ما وَرَدَ في الأَحاديثِ الصحيحة.
ونكتفي من هذه الأَحاديث بالحديثِ الثاني من صحيحِ البخاري ، حيثُ روى البخاريُّ عن عائشة - رضي الله عنها - : أَن الحارثَ بنَ هشام - رضي الله عنه - سأَلَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ : يا رسولَ اللّه ، كيفَ يَأتيك الوَحْي ؟
فقال رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - : "أَحْياناً يأْتِيني مثل صَلصلة الجَرَسِ ، وهو أشَدُّه علَيَّ ، فيفصمُ عني وقد وَعَيْتُ عنه ما قالَ ، وأحْيَاناً يتمثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلاً فيكَلِّمُني ، فأعي ما يقول ".
قالَتْ عائشةُ - رضي الله عنها - " ولقد رأيْتُه يَنزِلُ عليه الوحْيُ في اليومِ الشَّديدِ البَرْدِ ، وإِنَّ جبينَه ليتفَصَّدُ عَرَقاً ".
يعترفُ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنه كانَ يُعاني شِدَّةً من نُزولِ الوحي عليه ، وتشهدُ عائشةُ - رضي الله عنها - لذلك بأَنها رأَتْه يَنزلُ العرقُ من جبينِه في اليومِ الشديدِ البَرْد.
لكنَّ هذه الشدةَ التي كانتْ تقعُ به عندما يَغشاهُ الوحيُ ، لم تُؤَدّ إِلى تَغَيُّرِه هو في بَدَنِه وجسْمِه ، وفي نَفسيَّتهِ وأَعصابه ، ولم تتغيَّرْ صورتُه تغيُّراً سلبيّاً.
وقد كانَ الفادي بَذيئاً فاجرا عندما شَبَّهَ صورَتَه بصورةِ السكران ، وصورةُ السكران صورةٌ كريهةٌ مُقَزّزة ، وكيفَ تُشَبَّهُ بها صورةُ أَشرفِ الخلقِ وأَكرمِهم وأَطيبِهم - صلى الله عليه وسلم - ، وهو في أَشرفِ أحوالِه ، حيث يتلقّى كلامَ الله وهو في غايةِ السعادةِ والسرور ، والوعي والانتباه..
لكنّ الفادي مجرمٌ مفتر ، قالَ كَلاماً لم يَقُلْهُ أَحَدٌ من المسلمين.
وافترى المفترِي افْتراءً آخَرَ عندما نَسَبَ لعلماءِ المسلمين قولَهم : إِنَّ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤْخَذُ من الدنيا! أَيْ أَنّه كان يَغيبُ عن الدنيا بفكْرِه وعَقْلِه ، ويَسرحُ في تخيّلاتِه..
ونأخذُ من كلامِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أَبلغَ رَد على هذا ، حيثُ كانَ يركزُ على وَعْيِهِ وحُضورِه وانتباهِهِ ، للدلالةِ على أَنه يعيشُ الحَدَثَ بكيانِه كُلّه : " فيفْصمُ عنّي وقد وعيتُ ما قال ".
3 - غطيط الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند الوحي :
نَسَبَ الفادي إِلى أَبي هريرة - رضي الله عنه - قولَه : " كانَ محمدٌ إِذا نَزَلَ عليه الوحْيُ استقبلَتْهُ الرّعْدَة.
وفي روايةٍ : كَرِبَ لذلك ، وتَزَبَّدَ له وجْهُه ، وغَمَّضَ عَيْنَيْه ، وربما غَطَّ كغطيط الإِبِلِ ".
صَحيحٌ أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَغُطُّ عندما يَغْشاهُ جبريلُ - عليه السلام - ، وذلك من ثِقَلِ الوحي ، والغَطيطُ قَريبٌ من الشَّخير ، وهو إِخراجُ الصوتِ من الأَنْفِ ، وهذا أَمْرٌ عاديّ يمرُّ به أَيُّ شخصٍ عندما يبذلُ جهداً كبيراً ، أَو يصعدُ مرتقى ، وقد يَصدرُ عن كثيرٍ من النائمين ، وهو ليسَ حالَةً مرضيَّة.
أَمَّا أَنْ يَرتعدَ جسْمُه ويَرتعشَ ويَنتفضَ ، كما ادَّعى المفترِي ، فهو غيرُ صحيح ، وأَمّا أَن يكونَ غَطيطُه بصوتٍ مُرتفعٍ مُزعجٍ كَغَطيط الإِبل ، فهو غَيْرُ صحيحٍ أَيْضاً ، وأَمَّا أَنه كان يَسْودُّ وجْهُه ، ويخرجُ الزَّبَدُ من فمِه كما ادّعى هذا المجرمُ ، فهو غيرُ صحيحٍ أَيضاً ؛ لأَنَّ هذه حالةٌ مرضية ، تدلُّ على أَمراضٍ نفسيةٍ عصبيةٍ حادة!
وهذه تَنَزَّه عنها أَشرفُ وأَعقلُ الخلقِ - صلى الله عليه وسلم -.
4 - صوت كدويِّ النحل :
نَقَلَ الفادي قولَ عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه - : "كان إِذا نزلَ عليه الوحي ، يُسْمَعُ عند وَجْهِه كَدَوِيِّ النَّحْل! ".
وهذا كلامٌ صحيح ؛ لأَنَّ هذا الصوتَ الذي يُدَوّي هو صوتُ نُزولِ جبريل - عليه السلام - عليه ، ووصولِه إِليه.
5 - صوت كصلصلة الجرس :
نَقَلَ الفادي قولَ عائشةَ - رضي الله عنها - : سُئِلَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - : كيفَ يَأتيكَ الوحي ؟
فقال : " أَحياناً مثْلُ صَلْصَلَةِ الجَرَس ، وهو أَشَدُّه عَلَيَّ ، وأَحياناً يتمثَّلُ لي الملَكُ رَجُلاً يُكلِّمُني ، فأَعي ما يقول ".
وهذا جزءٌ من حَديثٍ صحيحٍ عند البخاري ، أَوْرَدْناهُ قبلَ قَليل..
وصلصلةُ الجَرَسِ : صوتُ ضَرْبِ الجَرَس عندما يُقْرَعُ ، وصلصلةُ الجَرَسِ هو ما كانَ يُسمعُ أَمامَه كَدوِيِّ النحل ، كما قالَ عمرُ - رضي الله عنه -.
6 - تصبب الرسول - صلى الله عليه وسلم - عرقاً :
نَقَلَ الفادي قولَ عائشةَ - رضي الله عنها - : "ولقد رأيتُه يَنزلُ عليه الوحيُ في اليومِ الشَّديدِ البَرْد ، وإِنَّ جَبينَه ليتفَصدُ عَرَقاً ".
وهذه تكملةٌ لحديثِ الحارثِ بن هشام السابقِ - رضي الله عنه - ، في كيفيةِ نزولِ الوحي ، حيث أخبرَ أَنَّ مجيئه كصلصلةِ الجَرَس ، وكان هو الأَشَدَّ عليه ، وشَهدَتْ عائشةُ - رضي الله عنها - على ذلك ، بأنها رأَتْ جَبِينَهُ يَتَفَصدُ عَرَقاً في اليومِ الشديدِ البَرْد.
وهذا أَمْرٌ عاديّ ، قد يمرُّ به أَيُّ شخصٍ منّا ، وليسَ به مرضٌ نَفْسِيٌّ أَو عضويّ ، فقد يلبَسُ أَحَدُنا ملابسَ صوفيةً ، ثم يَسيرُ في طريقٍ صاعداً في مُرْتَفَع ، ويكونُ العَرَقُ يتصبَّبُ من وجْهِه وجسمه ، مع أَنَّ الثلجَ يَتساقطُ بغَزارة!.
7 - هل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يسمع أصواتاً خفية ؟ :
ادّعى الفادي أَنَّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كانت تُسمعُ حولَه أصواتٌ خفية ، لا يُعرفُ أَصحابُها ، وادَّعى الفادي أَنَّ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لخديجة - رضي الله عنها - : "إِذا خلوْتُ سمعْتُ نِداءً : يا محمد ، يا محمد.
وقال لها في روايةٍ أُخْرى : أَرى نوراً يقظة ، وأَسمعُ صوتاً ، وقد خشيتُ من ذلك على نفسي.
وأَخشى أَنْ أَكونَ كاهناً ، وأَنْ يكونَ الذي يُنادِيني تابِعاً من الجِنّ..
وأَخْشى أَنْ يكونَ بي جُنون.. ".
وادَّعاءُ الفادي باطلٌ مردود ، وهذه الأَقوال لم تَصْدُرْ عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وقد رَدَّها علماءُ المسلمين ؛ لأَنَ فيها اتِّهاماً لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في عَقْلِه ، فهو يَسمعُ أَصواتاً لا يَدري مَصْدَرَها ، وكأَنها تتشكَّلُ في مخيِّلَتِه ، وهو يَخشى أَنْ يكونَ الجِنُّ مسيطراً عليه ، وأَنْ يكون قد أَصابَه الجُنون!!.
ومن المعلوم أَنَّ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ يَخْشى على نفسِه أَو عَقْلِه ، وكان يوقنُ أَنَّه رسول اللّه ، وأَن ما يأْتيه هو الوحيُ من اللّه ، وأَنه كان على بيّنَةٍ قاطعة ، ويَقينٍ كبير.
قال تعالى : *قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ*.
8 - هل كانت تصيبه الرعدة ؟ :
ادَّعى الفادي أَنَّ الرعدة كانَتْ تُصِيبُ رسولَ اللَه - صلى الله عليه وسلم - عندما كان يأْتيهِ الوحيُ ، ونَسَبَ هذا الادّعَاءَ إِلى أَبي هريرةَ - رضي الله عنه -.
وهذا ادّعاءٌ غيرُ صَحيح ، فلم يكنُ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرتعدُ أَو يضطربُ ، أو ينتفضُ جسْمُه ، وإِنما كان متحكِّماً في جِسْمه ، ضابطاً لأَعْصابِه ، فَرِحاً سعيداً مسروراً.
9 - هل كان رأسُه يؤلمه ؟ :
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يشكو من آلامٍ شديدةٍ في رأسِه ، ونَسَبَ إِلى أَبي هريرةَ - رضي الله عنه - أَنهم كانوا يَضَعونَ الحِنّاءَ على رأْسِه ، لتخفَّ عنه تلك الآلام!.
وهذا ادّعاءٌ باطل ، فلم يكنْ - صلى الله عليه وسلم - يشكو من آلامٍ في رأسِه طيلةَ حياتِه ، بل لم يكن يشكو من أَيةِ أَمْراض ، إِنما أَصابَتْه الحُمّى في آخرِ أَيامِه - صلى الله عليه وسلم -.
وبعدما ناقَشْنا الفادي المفتريَ فيما أَوردَه من مظاهرِ التغييرِ والتأثيرِ التسعةِ التي ادَّعى أَنها كانت تَطرأُ على رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عندما يأتيه الوحي..
ننظرُ في ما خَرَجَ من ذلك من اتّهام.
قال المفترِي : " ونحنُ نسأل : أَيّ وَحْي هذا الذي يُخرجُ الإِنسانَ عن وَعْيه ، فيُغْشى عليه ، ويُشبهُ السكران ، ويَغُطًّ كغطيطِ الإِبل ، وتَحْمَرُّ عَيناه ، وتأخُذُه الرّعدة ، ويتَصبَّبُ عَرَقاً ، ويُصَابُ بألم الرأس ، ويُحِسُّ بطنينٍ في أُذنيهِ ورَنينٍ في دِماغِه ؟
ولقد كان مُصاباً بهذه الأَعراضِ عينِها قبلَ أَنْ يَدَّعيَ الوحي ".
لقد صَوَّرَ الفادي المجرمُ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - مع الوحي بصورةِ الإِنسانِ المريض بالأَمراضِ النفسية ، والمضطربِ في أَعصابه ، الذي لا يُسيطرُ على كيانه..
وهو كاذبٌ في ادعاءاته ، مجرمٌ في استنتاجاته!.
***
هل شرع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الانتحار ؟
ادّعى الفادي المجرمُ أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَرَعَ في الانتحار ، ونَسَبَ هذا الادّعاءَ إِلى علماءِ المسلمين.
قال : " قالَ علماءُ المسلمين : إِنه لما فَتَرَ الوحيُ عنه حَزِنَ حُزْناً شَديداً ، حتى كانَ يَغدو إِلى يَثرب مرة ، وإِلى حِراء مرةً أُخرى ، يُريدُ أَنْ يُلقيَ نفْسَه منه ، فكلما وافى ذِرْوَةَ جَبَلٍ منهما كي يُلقي نفسَه ، تَبَدّى له جبريل ، فقالَ له : يا محمد! أَنت رسولُ اللّه حقاً ، فيسكُنُ لذلك جأشُه ، وتَقَرُّ عينُه ، ويَرجع ، وإِذا طالَتْ عليه فترةُ الوحيِ عادَ لمثْلِ ذلك..
واختلفوا في مدةِ هذه الفترة ، فعند ابنِ إِسحاق أنها ثلاثُ سنوات.
وقالَ أَبو القاسمِ السُّهَيْلي :
جاءَ في بعضِ الأَحاديثِ المسندةِ أَنَّ مدةَ هذه الفترةِ كانتْ سنتَيْن ونصفاً ، وقالَ السيوطي : إِنها كانتْ سنتين ... "*1*.
وعَلَّقَ الفادي المجرمُ على هذا الادِّعاءِ بقوله : " ونحنُ نسأَل : كيفَ يُحاولُ نبيّ الانتحارَ ؟
ويقولُ القرآنُ معاتباً محمداً : *فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ... * : أَيْ : قَاتِلُهَا غمّاً ".
وما نَقَلَه الفادي عن كتب إِسلامية مردودٌ وباطل ، ولم يُنقلْ هذا بروايات صحيحة.
فالرسولُ - صلى الله عليه وسلم - لم يَشرعْ في الانتحار ، ولم يُفكرْ في قَتْلِ نفسِه ، ولم يكنْ يَتَنقلُ بين رؤوسِ جبالِ مكة ، ليتردّى منها ، فيلاحقُه جبريلُ ويُناديه ، ويُطَمئنُه أَنه رسولُ اللّه.
لقد كانَ رسولُ اللّه - عليه السلام - يوقنُ أَنه رسولُ اللّه ، منذُ أَنْ أَنزلَ اللّهُ عليه الوحي ، وكان على بينةٍ من ربِّه وقد شهدَ اللّهُ له بتلك البينة في قوله تعالى : *أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً*.
ومن جهلِ الفادي وغَبائِه أَنه لم يُحسنْ فهمَ آيةٍ من القرآن ، فيها تسليةٌ لرسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
وهي قولُ اللّه - عز وجل - *فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا *6*.
لا تتحدَّثُ الآيةُ عن رغبةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - في الانتحارِ والتخلُّصِ من الحياة ، كما ادَّعى الفادي المجرم ، وإِنما تشيرُ الآيةُ إِلى اهتمامِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - بقومه ، وحرصِه على هدايتهم ، وتأَلمِه من تكذيبِهم وكفرِهم ، وتَدْعوهُ الآية ُ إِلى
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
52- محاولة النبى محمد صلى الله عليه وسلم الانتحار
الرد على الشبهة :
الحق الذى يجب أن يقال.. أن هذه الرواية التى استندتم إليها - يا خصوم الإسلام - ليست صحيحة رغم ورودها فى صحيح البخارى - رضى الله عنه - ؛ لأنه أوردها لا على أنها واقعة صحيحة ، ولكن أوردها تحت عنوان " البلاغات " يعنى أنه بلغه هذا الخبر مجرد بلاغ ، ومعروف أن البلاغات فى مصطلح علماء الحديث : إنما هى مجرد أخبار وليست أحاديث صحيحة السند أو المتن *1*.
وقد علق الإمام ابن حجر العسقلانى فى فتح البارى *2* بقوله :
" إن القائل بلغنا كذا هو الزهرى ، وعنه حكى البخارى هذا البلاغ ، وليس هذا البلاغ موصولاً برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الكرمانى : وهذا هو الظاهر ".
هذا هو الصواب ، وحاش أن يقدم رسول الله - وهو إمام المؤمنين - على الانتحار ، أو حتى على مجرد التفكير فيه.
وعلى كلٍ فإن محمداً صلى الله عليه وسلم كان بشراً من البشر ولم يكن ملكاً ولا مدعيًا للألوهية.
والجانب البشرى فيه يعتبر ميزة كان صلى الله عليه وسلم يعتنى بها ، وقد قال القرآن الكريم فى ذلك : *قل سبحان ربى هل كنت إلا بشراً رسولاً* *3*.
ومن ثم فإذا أصابه بعض الحزن أو الإحساس بمشاعر ما نسميه - فى علوم عصرنا - بالإحباط أو الضيق فهذا أمر عادى لا غبار عليه ؛ لأنه من أعراض بشريته صلى الله عليه وسلم.
وحين فتر *تأخر* الوحى بعد أن تعلق به الرسول صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى المكان الذى كان ينزل عليه الوحى فيه يستشرف لقاء جبريل ، فهو محبّ للمكان الذى جمع بينه وبين حبيبه بشىء من بعض السكن والطمأنينة ، فماذا فى ذلك أيها الظالمون دائماً لمحمد صلى الله عليه وسلم فى كل ما يأتى وما يدع ؟
وإذا كان أعداء محمد صلى الله عليه وسلم يستندون إلى الآية الكريمة : *فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً* *4*.
فالآية لا تشير أبداً إلى معنى الانتحار ، ولكنها تعبير أدبى عن حزن النبى محمد صلى الله عليه وسلم بسبب صدود قومه عن الإسلام ، وإعراضهم عن الإيمان بالقرآن العظيم ؛ فتصور كيف كان اهتمام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوة الناس إلى الله ، وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات إلى النور.
وهذا خاطر طبيعى للنبى الإنسان البشر الذى يعلن القرآن على لسانه صلى الله عليه وسلم اعترافه واعتزازه بأنه بشر فى قوله - رداً على ما طلبه منه بعض المشركين- : *وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أوتأتى بالله والملائكة قبيلاً * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى فى السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه*. فكان رده : *سبحان ربى* متعجباً مما طلبوه ومؤكداً أنه بشرٌ لا يملك تنفيذ مطلبهم : *هل كنت إلا بشراً رسولاً* *5*.
أما قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم أنه ليست له معجزة فهو قول يعبر عن الجهل والحمق جميعاً.
حيث ثبت فى صحيح الأخبار معجزات حسية تمثل معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما جاءت الرسل بالمعجزات من عند ربها ؛ منها نبع الماء من بين أصابعه ، ومنها سماع حنين الجذع أمام الناس يوم الجمعة ، ومنها تكثير الطعام حتى يكفى الجم الغفير ، وله معجزة دائمة هى معجزة الرسالة وهى القرآن الكريم الذى وعد الله بحفظه فَحُفِظَ ، ووعد ببيانه ؛ لذا يظهر بيانه فى كل جيل بما يكتشفه الإنسان ويعرفه. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* انظر صحيح البخارى ج9 ص 38 ، طبعة التعاون.
*2* فتح البارى ج12 ص 376.
*3* الإسراء : 93.
*4* الشعراء : 3.
*5* الإسراء : 93.
أَنْ لا يُهلكَ نفسَه هَمّاً وغَمّاً وحُزْناً عليهم ، ومن المعلومِ أَنه إِذا زادَ الهَمُّ والغَمُّ عند إِنساب ، فإِنه قد يَقْضي عليه.
***
خرافة امتحان خديجة لجبريل
انتقلَ الفادي الجاهلُ من ادِّعاءِ محاولاتِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - الانتحارَ إِلى ادِّعاءٍ آخَرَ ، أَشَدَّ منه بُطْلاناً ، وأَكْثَرُ غرابة.
وهو أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لم يكنْ متأكِّداً أَنَّ الذي يأتيه هو جبريل ، وظَنّ أَنه يُمكنُ أَنْ يكونَ جنّيّاً شيطاناً ، فكلَّفَ امرأَتَه خديجةَ أَنْ تمتحنَه ، فتأكَّدَتْ أَنه جبريلُ وليسَ شيطاناً.
قالَ المفترِي في افترائِه وادّعائِه : " مَنْ نَظَرَ في الأَحاديث التي هي عندَ المسلمين بمنزلة القرآن ، في الاعتقاداتِ والمعاملات ، رأى أَنَّ محمداً كان غيرَ متأكِّدٍ من وحْيه ".
كَذَبَ المفْتَري عندما ادَّعى أَنَّ الأَحاديثَ عند المسلمين بمنزلةِ القرآن..
ولم يَدَّعِ أَحَدٌ من المسلمين هذا الادّعاء ، فمن البدَهيّات عندَ كُلّ مسلمٍ أَنَّ الأَحاديثَ ليستْ بمنزلةِ القرآن ، لأَنَّ القرآنَ كلامُ اللّه ، والأَحاديث كَلامُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وهما ليسا بمنزلةٍ واحدة.
وادَّعى المجرمُ أَنَّ الأَحاديث تدلُّ على أَنَّ محمداً كانَ غيرَ متأكّدٍ من الوحي ، مع أَننا ناقَشْناهُ في هذا الادعاء قبلَ قليل ، وبَيّنّا أَنّه كان على يَقينٍ كاملٍ أَنه رسولُ اللّه.
وزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ خديجةَ - رضي الله عنها - طَلَبَتْ من الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أَن يُخبرَها بقدومِ جبريل ، لأَنَّها نَوَتْ أَنْ تمتحنَه..
فلما قَدِمَ جبريلُ أَخبرها..
فطلبتْ منه أَنْ يَجلسَ على فَخذها ، فجلسَ وما زالَ يَرى جبريل.
فأَلْقَتْ خِمارَها عن رأسِها وكَشَفَتْ شَعْرَها ، ولما رأى جبريلُ شعْرَها خرجَ من البيت.
فقالَتْ خديجة : يا ابْنَ عَمّي! اثبتْ وأَبْشِرْ..
فواللّهِ إِنه لَمَلَكٌ وليس بشيطان.
وعَلَّقَ الفادي المفترِي على هذه الرواية بقوله : " ومن أَقوالِ العلماءِ هذه نرى أَنَّ خديجة هي التي استنتجتْ بأَنَّ الذي كانَ يعرضُ له هو حاملُ الوحى ، الذي كان يأتي الأَنبياء.
ونحنُ نسأل : وهل تَرَبَّتْ خديجةُ بين الأَنبياء ؟
أَو هل كانَ في عشيرتها نبيٌّ ، كان يَعْتَريه مثلُ هذه الحالة ، فتقيسُ عليه حالةَ محمد ؟
وكيف عَرَفَتْ تلك القاعدة الغريبة أَنَّ المَلَكَ لا يرى الرأسَ المكشوفة ، والجنُّ يراها ؟
وأَيُّ نبي قبل محمدٍ جلسَ في حجرِ زوجتِه ، فأكَّدَتْ له أَنَّ جبريلَ هو الذي يأْتيه ؟ ".
هذه الروايةُ التي نُسبتْ لخديجةَ - رضي الله عنها - في امتحانِ جبريلَ روايةٌ مردودةٌ وباطلة ، ولم تَردْ بسَنَدٍ صَحيحٍ عن أَحَدٍ من أَصحابِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وقد رَدَّها وأَنكرَها علماءُ الحديثِ الثقات ، ولكنَّ الفادي لجهلهِ المطبقِ لا يُحسنُ انتقاءَ الرواياتِ الصحيحة ، ولا التمييزَ بين الصحيحِ والمردود.
وإِذا كانت الروايةُ مردودة ، فإِنَّ تعليقَ الفادي عليها مردود ، والنتيجةُ التي خرج بها منها مردود ، ؟!.
***
سخرية المجرم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - !
وَضَعَ الفادي عنواناً مثيراً هو : " عَلامَ يَحسدونَه ؟ ".
واعترضَ فيه على قولِ اللّهِ - عز وجل - عن اليهود : *أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ*.
تتحدَّثُ الآية ُ عن حَسَدِ اليهودِ للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، لِما آتاهُ اللّهُ من فضْلِه ، وهي النبوةُ التي خَصَّهُ اللّهُ بها.
قال تعالى : *أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا *51* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا *52* أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا *53* أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا *54*.
كانَ اليهودُ يَطمعونَ أَنْ يَكونَ النبيُّ الخاتمُ منهم ، فلما اختارَهُ اللّه من غيرِهم كَفَروا به ، وجَعَلوا المشركينَ أَقربَ منه إِلى اللّه ، وفَعَلوا ذلك حَسَداً منهم له ، لقد حَسَدوهُ على ما آتاهُ اللّهُ من النبوة ، وحَسَدوا الأُمَّةَ المسلمةَ على ما آتاها اللّهُ من الهدى ، ولذلك كانوا أَشَدَّ الناسِ عداوةً للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وأُمَّتِه.
وقد تجاوزَ الفادي المفترِي المجرمُ هذا المعنى الصحيح للآية ، واعتمدَ معنىً باطلاً ، وتكلّمَ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بسفاهةٍ وسخريةٍ وقلَّةِ أَدَب.
زَعَمَ المجرمُ أَنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن " فُحولةِ " الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنَّ اللّهَ آتاهُ القدرةَ على معاشرةِ وجماع نسائِه كلِّهنَّ في يومٍ واحد!.
قالَ فَضَّ اللّهُ فاه : " قالَ ابنُ عباس : قال أَهْلُ الكتاب : زَعَمَ محمدٌ أَنه أُوتي ما أُوتيَ في تواضُع ، وله تسعُ نسوة ، وليس هَمُّه إِلّا النكاح..
فأَيُّ مُلْكٍ أَفضلُ من هذا ؟
فقال محمدٌ : *أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ*.
ويَفتخرُ المسلمونَ بأَنَّ محمداً كانَ يَدورُ على نسائِه *أَيْ يُجامعُهنَّ*
في الساعةِ الواحدةِ من النَّهارِ أَو الليل ، وهُنَّ إِحْدى عشرةَ امرأة..
قالَ قتادةُ بنُ دعامة لأَنَسِ بنِ مالك : أَوَ كانَ يُطيقُ الدورانَ عليهنَّ كُلِّهن ؟
فقالَ أَنس : كُنّا نَتَحَدَّثُ أَنه أُعطيَ قُوهَ ثلاثينَ رَجُلاً - وفي روايةٍ : قوةَ أَربعينَ رجلاً من أَهْلِ الجنةِ! وَوَرَدَ في الحديث : قالَ محمد : أُعطيتُ قوةَ أَربعينَ رجلاً من أَهل الجنةِ في البطشِ وفي الجماع!!
وَرَوَوا أَنَّ الرجلَ من أَهلِ الجنةِ ليُعطى قوةَ مئةِ رَجُلٍ في الأَكْلِ والشربِ والجماعِ والشهوة..
وقال محمد : أَتاني جبريلُ بقِدْرٍ ، فأَكَلْتُ منها ، فأُعطيتُ قُوةَ أَربعينَ رَجُلاً من رجالِ الجنة..
وشكا محمد إِلى جبريلَ قلةَ الجماع ، فتبسَّمَ جبريلُ حتى تلأْلأَ مجلسُ محمدٍ من بريقِ ثنايا جبريل ، فقال له : أَينَ أَنتَ من أَكْلِ الهريسة ؟! ".
وكلُّ الرواياتِ التي أَوردَها الخبيثُ باطلةٌ مردودة ، لم تَصحّ روايةٌ واحدةٌ منها ، فهو يَضَعُ في كتابهِ المتهافتِ الكلامَ الباطلَ الساقط ، ثم يتحدثُ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ببذاءةٍ وانعدامِ حياء ، وبتهكُّمٍ وسخريةٍ واستهزاء ، ويَجعلُ ذلك دليلاً على عدمِ نبوَّتِه - صلى الله عليه وسلم -.
***
حول المرأة التي وهبت نفسها للرسول - صلى الله عليه وسلم -
سَبَقَ أَن اعترضَ الفادي المجرمُ على القرآنِ في قولِه تعالى : *وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ*.
وسَبَقَ أَنْ رَدَدْنا على اعتراضِه المتهافت.
وأَعادَ الكلامَ على هذه المسألةِ في اعتراضِه على سيرةِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ورَدَدْنا على اعتراضِه..
وها هو يُعيدُ ويُكررُ القولَ عن هذه المرأةِ هنا ، ونُذَكّرُ بما رَدَدْنا عليه فيما مضى ونُحيل عليه.
***
حول إرجاء وإيواء الرسول - صلى الله عليه وسلم - من يشاء من نسائه
وسَبَقَ أَن اعترضَ الفادي المجرمُ على القرآنِ وعلى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - في تخطئته لقوله تعالى : *تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ*.
وَرَدَدْنا عليه في حينِه ، فلا داعيَ لإِعادةِ ذكْرِ اعتراضِه ، وإعادَةِ رَدِّنا عليه.
واعترضَ الفادي المجرمُ على تحريمِ أَزواجِه على المسلمين ، الذي وَرَدَ في قوله تعالى : *وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا*.
وادَّعى أَنَّه هو الذي حَرَّمَ ذلك على أَصحابِه.
وأَلَّفَ الآيةَ زاعِماً أَنَّ اللّهَ أَنزلَها عليه.
وقد سبقَ أَنْ رَدَدْنا عليه في هذه المسألةِ أَيضاً.
***
هل أثبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقوال أهل الكتاب في القرآن ؟
اخْتارَ الفادي المفترِي عِنواناً مُثيراً هو : " اقتبسَ أَقوالَ أَهْلِ الكتاب " زَعَمَ أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذُ أَقوالَ اليهودِ والنصارى ، ويَضَعُها في القرآن ، ويزعم أَنَّ اللّهَ أَوحى إِليه بها.
واعترضَ على قولِ اللّهِ وَبَئ : *وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ *103*.
نَقَلَ المجرمُ عن بعضِ المسلمين ما قيلَ عن سببِ نُزولِ الآية ، وتَعيينِ الأَشخاصِ الذين اتَّهمهم المشركون بتأْليفِ القرآن ، وأَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ القرآنَ منهم..
والذين نَقَلَ عنهم هم ابنُ عباس - رضي الله عنهما - ، ومحمدُ بنُ إِسحاق صاحب السيرة ، والبيضاويُّ صاحبُ التفسير.
والأَعاجمُ في مكة الذين اتُّهِموا بتأليفِ القرآنِ بالأَعجمية ، وعَلَّموهُ للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فصاغَهُ بالعربية هم : الحَدّادُ النصراني " بَلْعام " ، و " يَعيش " غلامُ بني المغيرة ، و " جَبْر " الغلامُ الروميُّ لبعضِ بني الحضرميّ ، و " يَسار " الغلامُ الفارسي من عينِ التمر ، وكان جَبر ويَسار حَدّادَيْن يصنعانِ السّيوفَ في مكة ، والغُلام " عائش " النصراني ، عبدٌ لحويطبِ بن عبد العزى ، و " عَدّاس " غلامُ عتبةَ بن ربيعة.
وبعدَما ذَكَرَ أَسماءَ هؤلاءِ عَلَّقَ المفترِي على القصةِ بقوله : " ونحن نسأل :
اتهمَ العربُ محمداً أَنه يتعلمُ الأَخبارَ من غيرِه ثم ينسبُها لنفسِه ، ويزعمُ أَنها وحيٌ إِليه من اللّه ، فلماذا لم يُقدم لهم البرهانَ أَنه يتلقى أَقوالَه منْ اللّه رأْساً ؟
إِنَّ رَدَّه أَنَّ الذي يَسمعُ أَقوالَه أَعجميٌّ اعترافٌ بالاقتباس " لأَنه صاغَ ما سمعَ من معانٍ بأُسلوبه العربيِّ الفصيح ".
زعمَ الكفارُ أَنَّ القرآنَ ليس كلامَ اللّه ، وإِنما هو من تأليفِ بَشَرٍ كان يُعَلِّمُ محمداً - صلى الله عليه وسلم - ، واختلفَ الرواةُ في تحديدِ اسمِ ذلك الشخصِ الأعجمي ، ومن الأَسماءِ التي رَدَّدَها الرواة : بلعام ويعيش وجبر ويسار وعداس.
ورَدَّت الآية ُ على هذا الزعمِ المتهافت بأَنَّ لسانَ ذلك الشخصِ أَعجمي ، والقرآنُ لسانٌ عربيٌّ مبين ، فكيفَ للأَعجميِّ الذي لا يَعرفُ إِلّا بضعَ كلماتٍ مكسَّرَةٍ عربية أَنْ يُؤَلِّفَ كلاماً عربيّاً بلغَ الذروةَ في البلاغةِ والفصاحة ؟!.
وهذا الرَّدُّ لم يُعجب الفادي المفترِي ، وقد رَدَّدَ اتهاماتِ المشركين ، وادَّعى أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لم يُقَدّم للكفارِ البرهانَ على أَنه يتلقّى القرآنَ من الله!
وهذا ادّعاءٌ باطل ، فكلُّ القرآنِ دليلٌ على أَنه كلامُ اللّه ، وكُلُّ حياةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - دليلٌ على أَنَّ القرآنَ وحيٌ من اللّهِ إِليه ، وأَنه رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
وتكفي الإِشارةُ إِلى آياتِ التحدي ، التي طالَبَ اللّهُ فيها الكفّارَ بالإِتيانِ بعشْرِ سورٍ أَو بسورةٍ مثلِ القرآن ، فإِنْ عَجَزوا عن ذلك فليعلموا أَنه من عندِ اللّه.
قالَ اللّه : *أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *13* فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *14*.
ومن جهلِ الفادي أَنه لم يعرفْ معنى قولِه تعالى : *لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ* حيثُ ادَّعى أَنه اعتراف بالأَخْذِ عن الأَعجمي : " إِنَّ رَدَّه بأَنَّ الذي يَسمعُ أَقوالَه أَعجميٌّ اعترافٌ بالاقتباس ، وأَنه صاغَ ما سمعَ من
معانٍ بأُسلوبِه العربيِّ الفصيح! ".
لم يَعترف الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بأَنه يَسمعُ كلامَ الأَعجميِّ جبر أو يسار أَو غيرهما ، باللغةِ الأَعجمية ، ويأخذُ المعنى منه ، ويقتبسُ الفكرةَ منه ، ثم يصوغُ ذلك المعنى الأَعجميَّ بلسانِه العربي!.
إِنَّ معنى قوله تعالى : *لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ* : لسانُ الشخصِ الذي يَميلونَ إليه ، ويَنسبونَ إِليه تأليفَ القرآن ، ويَدَّعونَ أَنه من عندِه ، أَعجمي ، فكيفَ للأَعجميّ أَنْ يأتي بهذا البجانِ العربيِّ المبين ؟.
وقَدَّمَ الفادي المفترِي دَليلاً على أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - اقتبسَ الأَفكارَ القرآنيةَ من الأَعجميّ في مكة ، ثم صاغَها بالعربية ، هو انتشارُ قصص التوراةِ والإِنجيلِ في بلادِ العرب ، وورودُها في أَشعارِ بعضِ الشعراء ، وذَكَرَ أَبياتاً لأُميةَ بن أَبي الصلت زَعَمَ أَنه أَخَذَها من سِفْرِ التكوين ، وأَبياتاً للسموأل زعم أنه أخذها من سفر الخروج.
كما ادَّعى أَنَّ النصرانيةَ كانتْ منتشرةً في بلادِ العَرَب ، وكان لها كنائسُ في نجران ، وأَنَّ " قِسَّ بن ساعدة " كان نصرانياً ، ولذلك انتشر الفكر النصراني في بلاد العرب.
وفَرْقٌ بين انتشارِ بعضِ الأَفْكارِ اليهوديةِ والنصرانيةِ في بعضِ بلادِ العرب ، وبينَ إِنزالِ القرآن على رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
***
هل شتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذين شتموه ؟
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يُقابلُ شتمَ أَعدائِه بشتمِهم ولعْنِهم وسَبِّهم ، ونسبَ له تسجيل هذه الشتائم في القرآن.
لما ماتَ ابنُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - من خديجة عَيَّرَه بذلك العاصُ بنُ وائل ، أَحَدُ زعماءِ المشركين ، وقال : محمدٌ أَبترُ لا عَقِبَ له.
قال الفادي المفترِي : " فقالَ محمد : *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ *3*.
فإِنْ عَيَّروه بأَنه أَبترُ فإِنَّ شانئَه ومبغضَه هو الأَبتر " !.
فهو يُصرحُ بأَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَلَّفَ سورةَ الكوثر ، للردّ على شتْمِ العاصِ له بشتْمِه ، ولا يَعترفُ بأَنَّ اللّهَ هو الذي أَنزلَ سورةَ الكوثرِ عليه ، وأَن اللّهَ هو الذي دافعَ عن رسولِه - صلى الله عليه وسلم - ، وهو سبحانه الذي وَصَفَ عدوَّه بأَنه أَبتر مقطوعُ الذِّكْر.
وادَّعى الفادي المفترِي بأنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - هو الذي رَدَّ على شتْمِ عَمِّه أَبي لهب له بشتيمةٍ مقابلهّ.
فعندما جمعَ أَقاربَه ، ودَعاهم إِلى الإيمان ، شَتَمَه أَبو لهب قائلاً : تَبَّاً لك ، أَلهذا جمعتنا ؟.
قال الفادي المفترِي : " فَسَبَّهُ محمدٌ قائلاً : *تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*.
أَيْ : هلكَتْ نفسُ أَبي لهب ، وسيدخلُ ناراً ، وسبَّ امرأةَ عَمِّه قائلاً : إِنها حَمّالَةُ الحَطب ، الذي يَحرقُها في جهنم ، وإِنَّ في عنقِها حَبْلاً يَقْتُلُها ويَخنقُها..
فكانَ يُكيلُ اللعناتِ لكلّ مَنْ قاوَمَه!.
وأَينَ محمدٌ من السيدِ المسيح الذي " إِذا شُتِمَ لم يكنْ يَشْتُمُ عِوضاً " والذي قال : باركوا لاعِنيكم ؟ ".
ما زالَ المفترِي مُصِرّاً على أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أَلَّفَ القرآن ، فلما شَتَمَه عَمُّه أَبو لهب أَلَّفَ سورةَ المسد شاتِماً عَمَّه وامرأةَ عَمِّه! فهو لا يعترفُ بأَنَّ اللّهَ هو الذي أَنزل سورةَ المسد ، وأَنَّهُ هو الذي حكمَ على أَبي لهبِ بالتَّبابِ والخسارةِ لكفْرِه ، وأَنَّ اللّهَ هو الذي لَعَنَه.
ويَكذبُ المفترِي عندما يَدَّعي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - كان " يَكيلُ اللعناتِ لكلِّ مَنْ قاوَمَه ".
فالرسولُ - صلى الله عليه وسلم - على خُطا أَخيهِ المسيحِ رسولِ اللّهِ عليه الصلاة والسلام ، ولم يكنْ يَلْعَنُ إلّا مَنْ لَعَنَه اللّه ، وكان - عليه السلام - عفيفَ اللّسان ، فلم يكنْ سَبّاباً ، ولا لَعّاناً ، ولا شَتّاماً ، ولا فاحِشاً بذيءَ اللّسان ، وكان يَنهى أَصحابَه عن هذه التصرفاتِ والأَلفاظ ، وكان يَعفو ويصفح ، ولا يُقابلُ السيئةَ بالسيئة ، ولا الشتيمةَ بشتيمة!!.
***
حول غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وَقَفَ الفادي أَمامَ جهادِ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ونَقَلَ أَسماءَ غزواتِه ، التي بَلَغَتْ تِسْعاً وعشرينَ غَزوة ، وهي المعاركُ التي خاضَها بنفسِه ، وذَكَرَ أَنَّ سراياهُ زادَتْ على سبعين ، فيكونُ مجموعُ الغزواتِ والسرايا مئة.
وذَكَرَ خُلاصةَ بعضِ الغزوات والسرايا ، مثلُ سريةِ ابنِ الحَضْرَمي ، وغزوةِ أُحُد ، وغزوةِ حُنَيْن ، وغزوةِ بدر ، وغزوةِ بني النضير.
وهو يتكلمُ عنها بأُسلوبِه القائمِ على اتهامِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ورفْضِ نبوته ، والزعمِ بأَنه هو الذي أَلَّفَ القرآن.
من ذلك قولُه : " وقد سجلَ محمدٌ في قرآنِه الكثيرَ من غزواتِه وسراياه "..
وقولُه عن سريةِ ابن الحضرميّ : " ...
وغَضِبَ محمدٌ لاستباحةِ أَصحابِه القتالَ في الشهرِ الحرام ، ثم استحلَّ ذلك ، وقَسَّمَ الغنائم لنفسِه وأَصحابِه.. ".
وقد سبقَ أَنْ ذَكَرْنا تفاصيلَ قصةِ سريةِ ابن الحضرمي ، التي هي في الحقيقةِ سريةُ عبدِ اللّه بن جحش - رضي الله عنه -.
ومن ذلك قولُه عن غزوةِ أُحُد : " ...
فأَخَذَ محمدٌ في لعنِ الذين هَزموه ، وحاولَ إِنْعاشَ أَفئدةِ الذين انْهزموا ، فقال لهم : *وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ* ".
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ عبارةً من إِحدى النساء ، وسَجَّلَها في قرآنِه.
وهي عبارة : " يَتخذُ اللّهُ من عبادِه الشهداء " ، قال : " فقالت المرأة : يتخذُ اللّهُ من عبادِه شهداء.
فاقتبسَ محمدٌ عبارتَها ، وجَعَلَها وحْياً " !!.
وادَّعى المفترِي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أُعجبَ بكثرةِ أَصحابِه في غزوةِ حُنَيْن ، فقال : " لن نُغْلَبَ اليومَ من قلة " فهزمَهم اللّه!.
والصحيحُ أَنَّ الذينَ قالوا هذا القولَ هم " الطُّلَقاء " ، الذين أَسلموا يومَ فتحِ مكة ، والذين لم يَتعمق الإِيمانُ في قلوبهم ، فأُعجبوا بكثرتهم ، فأَدَّبَهم اللّه ، أَما الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - فإِنه لا يُمكنُ أَنْ يقولَ ذلك ، لقوةِ توكُّلِه على اللّه.
ومع أَنَّ حديثَه عن أَهم غزواتِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - كانَ مُخْتَصَراً ، إِلّا أَنه لم يكنْ في مجملِه صحيحاً ؛ لأَنه لم يأَخُذْه من المصادرِ الإِسلاميةِ الصحيحة ، ولذلك أَخطأَ في عرضِ بعضِ الأَحداث ، إِضافةً إِلى تأكيدِه المتواصلِ على أَنه هو الذي كان يُؤَلِّفُ القرآنَ من عنده ، وأنه ليس رسولاً من عند اللّه!!.
***
إشاعة إبادة الكلاب في المدينة
ذَكَرَ الفادي المفترِي أُسطورةَ إِبادَةِ الكلابِ في المدينة.
قال : " عن أَبي رافعٍ قال : جاءَ جبريلُ إِلى محمدٍ يستأْذِنُه ، فأَذِنَ له ، فلم يَدْخُل.
فقال : إِنّا قد أَذِنّا لك فَلِمَ لَمْ تَدْخُل ؟
فقال : إِنّا لا ندخلُ بيتاً فيه كَلْب! قالَ أَبو رافع :
فأَمَرني أَنْ أَقتُل كُلَّ كَلْبٍ في المدينة! ففعَلْتُ ، حتى انتهيتُ إِلى امرأةٍ عندها كَلْبٌ ينبحُ عليها ، فتركْتُه رحمةً لها ، ثم جئتُ إِلى محمد ، فأَمَرني بقتله..
فأَتى عديُّ بنُ حاتم وزيدُ بنُ المهلهل الطائِيَّيْن ، فقالا : يا رسولَ اللّه ، إِنّا قومٌ نَصيدُ بالكلاب ، فماذا يحلُّ لنا ؟
فقالَ : *يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ*".
وعَلَّقَ على هذه الإِشاعةِ بقوله : " ونحنُ نسأل : إِنْ كانَ جبريلُ لم يدخُلْ بيتَ محمدٍ لسببِ الكلابِ التي فيه ، فلماذا لم يكتفِ محمدٌ بقَتْلِ كلابِ بيتِه فقط ؟
ولماذا أَمَرَ بقَتْلِ كَلْبِ المرأةِ المسكينة ، التي رَقَ لها أَبو رافع ولم يشأ أَنْ يقتلَ كَلْبَها ، وفي الوقتِ نفسِه استحيا كلابَ الأَغنياءِ للصيْد ؟
ثم إِنَّ الكلابَ كانتْ في بيتِ محمدٍ وفي المدينة ، قبلَ قَتْلِ الكلاب ، فكيفَ كان جبريلُ يأتي محمداً قبلَ قتْلِها ؟
إِنْ كانَ جبريلُ يكرهُ الكلابَ ، أَلا نقول : إِنَّ الذي كانَ يأتي محمداً أَوَّلاً هو غيرُ جبريل ؟ ".
إِنَّ ما ذَكَرَه الفادي المفترِي أُسطورةٌ مكذوبة ، فلم يكنْ في بيتِ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كَلْب ، ومن ثم لم يحدثْ أَن امتنعَ جبريلُ من الدخول بسببِ الكلب ، ولم يأْمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أَبا رافعٍ بقَتْلِ جميعِ الكلابِ في المدينة.
وإِذا كانت القصةُ مكذوبةً باطلة ، فكلُّ ما بناهُ الفادي المفترِي عليها من نتائج فهو باطلٌ مردود.
***
حول تبشير عيسى بمحمد عليهما الصلاة والسلام
قالَ اللّهُ - عز وجل - : *وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ *6*.
تُخبرُ الآيةُ أَنَّ عيسى - عليه السلام - بَشَّرَ بالنبيِّ الخاتمِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ولكنَّ الفادي المفتري لم يأخُذْ بما قَرَّرَتْه الآية ، وسَجَّلَها تحتَ عنوانَ : " لم تَتَنَبَّأ التوراةُ به ".
وزَعَمَ أَنَّ القرآنَ يَشهدُ بحفظِ وسلامةِ التوراة ، وأَوردَ آياتٍ لم يَفْهَمْ معناها الصحيح.
قال : " يَشهدُ القرآنُ أَنَّ التوراةَ حُفظَتْ صحيحة سليمةً من كُلّ تحريفٍ إِلى أَيامِ المسيح ، قال في سورةِ آل عمران *48* : *وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ *48*..
وشهدَ القرآنُ في مواضعَ كثيرة أَنَّ التوراةَ بَقيتْ بغيرِ تحريف ، من وقْتِ المسيحِ إِلى وقْتِ محمد ، قال في سورةِ آلِ عمران :
*قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *93*.
وكذلك شهدَ القرآنُ بسلامةِ الإِنجيل ، قالَ في سورةِ المائدة : *وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *47*.
فالكتابُ المقدس إِذَنْ صَحيح ، لم يَعْتِرِهِ تَحريف أَو تَبديلٌ أَو زيادةٌ أَو نقصان..
وها هو الكتابُ المقَدَّسُ كُلُّه ، ليس فيه أَيةُ إِشارةٍ إِلى إِتيانِ محمدٍ كنبيّ ، فمنْ أَينَ جاءَ محمدٌ بأَنَّ عيسى بَشَّرَبه ؟ ".
لم يُخبر القرآنُ أَنَّ التوراةَ محفوظةٌ وصحيحة وسالمةٌ من التحريفِ ، كما ادَّعى الفادي المفترِي ، إِنما جَزَمَ بتحريفِ اليهودِ للتوراة ، وجاءَ هذا صريحاً في آياتٍ كثيرة.
منها قولُه تعالى : *فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ *79*.
ومنها قولُه تعالى : *فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ*.
نَقَضَ اليهودُ ميثاقَهم مع اللّه ، وحَرَّفوا كلامَه الذي أَنزلَه إِليهم في التوراة ، وكَتَبوا التوراةَ بأَيديهم ، وأَلَّفوا أَسفارَها من عندهم ، ثم نَسَبوها إِلى اللّهِ زوراً وبهتاناً.
من اليقينِ عندَ العلماءِ أَنه لا تَناقُضَ بينَ آياتِ القرآن ، فالآيتَانِ السابقتانِ صريحَتانِ في تحريفِ اليهودِ للتوراة ، وعلَيْنا أَنْ نَفهمَ الآياتِ التي أَوردَها الفادي على أَساسِ الآيتَيْن السابقتَيْن ، لنُحسنَ فهمَ تلك الآيات.
أَخبرَ اللهُ أَنه سيُعَلّمُ عيسى ابنَ مريمَ - عليه السلام - التوراة.
قال تعالى : *وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ *48*.
فأَيّ توراةٍ سيُعَلّمُه اللّهُ ؟
هل هي التوراةُ التي بأَيدي الحاخامات ، التي حَرَّفوها وأَلَّفوها من عندهم ؟
كَلآ.
سيُعلمُه التوراةَ التي أَنزلَها على موسى - عليه السلام - ، والتي جعلَ الإنجيلَ مُصَدِّقاً لها ؛ لأَنَّ الكتابَيْنِ من عندِ اللّه!
لقد عَلَّمَ اللّهُ عيسى - عليه السلام - التوراةَ التي أَنزلَها على موسى - عليه السلام - ، وذلك بما أَنزلَ عليه من كلامِ الإِنجيل ، وجعَلَه مُصَدِّقاً للتوراة ، وناسِخاً لبعضِ أحكامها ، ومُحَلِّلاً لبعضِ الأَشياءِ المحَرَّمَة فيها.
قال تعالى : *وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ*.
ولَنْ يُعَلِّمَ اللّهُ عيسى - عليه السلام - التوراةَ المحَرَّفَة ، التي شهدَ أَنها مُحَرَّفَة ، وأَخبرَ القرآنُ أَنها مُحَرَّفَة ...
فهما " توراتان " ، التوراةُ التي أَنزلَها على موسى - عليه السلام - ، ثم عَلَّمَها لعيسى - عليه السلام - ، والتوراةُ التي حَرَّفَها اليهودُ ، والتي تَبَرَّأَ اللّهُ سبحانه منها.
وإِذا ثَبَتَ أَنَّ الأَحبارَ حَرَّفوا التوراةَ قبلَ بعثةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فإِنَّ التوراةَ التي كانتْ بين أَيدي اليهودِ في المدينةِ كانَتْ مُحَرَّفَةً أَيضاً.
وصَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اليهودَ في المدينةِ كانوا يمارسونَ جريمةَ التحريفِ المتواصلِ للتَّوراة ، قال تعالى : *يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا.
وبما أَنَّ اليهودَ في المدينة حَرَّفوا التوراة ، وأَضاعوا التوراةَ الربانيةَ التي أَنزلَها اللّهُ على موسى - عليه السلام - ، فقد تَحَدّاهُم اللّهُ بالإِتيانِ بالتوراةِ الأَصْلِيَّة.
قال تعالى : *كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *93*.
لا تُعتبرُ الآيةُ شاهدةً على اعتمادِ التوراة ، وأَنها صحيحةٌ سليمةٌ من التحريفِ ، وأَنَّ اليهودَ في المدينة كانوا يَلْتَزمون بالتوراةِ الصحيحة ، كما زعم الفادي المفترِي.
إِنَّ الآية إِدانةٌ لليهودِ ، بأَنهم تَلاعبوا بالتوراةِ وحَرَّفوها ، وغَيَّروا أَحكامَها ، ومع ذلك زعموا أَنهم ملتزمونَ بها ، فتحدَّتْهم الآيةُ بإِحضارِ التوراةِ الأصلية ، ولن يستطيعوا ذلك ، لأَنهم أَضاعوها.
أَخبرَ اللّهُ أَنَّ كُلَّ أَنواعِ الطعام كانتْ مباحةً لبني إِسرائيل ، وأَنه لم يُحَرِّمْ عليهم إِلَّا الطعامَ الذي حَرَّمَه أَبوهم إِسرائيل - يعقوب - عليه السلام - على نفسه ، وهذا الطعامُ هو لحومُ الإِبل ، وهذا كان قبلَ إِنزال التوراة ؛ لأَنَّ إِنزال التوراةِ كان على موسى - عليه السلام - ، ويعقوبُ عاشَ قبلَ ذلك بمئاتِ السنين : *كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ*.
فإِذا لم يُسَلِّم اليهودُ في المدينةِ بهذه الحقيقةِ القرآنية ، وكَذَّبوا القرآن ، وزَعَموا أَنَّ الذي في التوراةِ خلافَ المذكورِ في القرآن ، فعليهم أَنْ يَأتوا بالتوراة ، وأَنْ يَتْلوها ، ويَستَخْرِجوا منها الكلامَ المتعارضَ من القرآن ، وأَنْ يُقَدِّموا هذا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأَصحابِه : *قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *93*.
وهم لن يستطيعوا ذلك ، ولَن يأتوا بالتوراة ، لأَنَّ التوراةَ الأَصليةَ مفقودو ، فمِنْ أَيْنَ يأتونَ بها ؟!.
وهكذا رأَيْنا الآيةَ تُدينُ اليهودَ ولا تُؤَيِّدُهم ، وتُقررُ ضَياعَ التوراةِ ، ولا تَشهدُ لها بأَنها صحيحة وسالمة من التحريف ، كما ادعى الفادي!.
وزَعْمُ الفادي شهادةَ القرآنِ بسلامةِ الإِنجيلِ من التحريفِ مردود عليه ، والذي قَرَّرَه القرآنُ هو عكسُ ذلك ، فقد قَرَّر تَحريفَ الرهبانِ للإِنجيل ، وتأْليهَهُم لعيسى - عليه السلام -.
قال تعالى : *وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ*.
وقال تعالى : *يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ*.
وقد أَمَرَ اللّهُ أَهْلَ الإِنجيلِ بأَنْ يَحكموا بما أَنزلَ اللّهُ فيه ، وذلك في قوله تعالى : *وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *47*.
ولا تدلُّ هذه الآيةُ على اعتمادِ الإِنجيل ، والشهادةِ له بعدمِ التغييرِ أَو التبديل ، كما ادَّعى الفادي الجاهل ، إِنما تُخبرُ الآية ُ عن أَمْرٍ تاريخي ، يُقَرِّرُ أَنَ اللّهَ بعثَ عيسى - عليه السلام - رسولاً ، وأَنزلَ عليه الإِنجيل ، وأَمَرَ أَتْباعَه النصارى بالتحاكمِ إِليه.
وهذا قبلَ بعثةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وقبلَ إِنزالِ القرآنِ عليه.
أَمّا بَعْدَ البعثةِ فإِنَّ أَهْلَ الإِنجيلِ مثلُ أَهْلِ التوراة ، مأْمورون بالإِيمانِ بالقرآن والحكمِ بما أَنزلَ اللّهُ فيه.
قال تعالى : *وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا*.
ولذلك أَمَرَ اللّهُ رسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَحكمَ بين اليهودِ والنصارى بما أَنزلَ اللّهُ عليه في القرآن.
قال تعالى : *وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ*.
ولذلك أَخبرَ اللّهُ أَنَّ اليهودَ والنصارى ليسوا على شيء ، حتى يُقيموا التوراةَ والإِنجيلَ والاقرآنَ.
قال تعالى : *قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ*.
والذي أُنزلَ إِليهم من ربِّهم هو القرآن ، وهذا معناهُ أَنَّ الإِيمانَ الصحيحَ بالتوراةِ والإِنجيلِ يَجبُ أَنْ يقودَ إِلى الإِيمانِ بالقرآن.
وبعد هذا التوضيح يظهرُ كذبُ الفادي في ما قاله في نهايةِ كلامِه :
" فالكتابُ المقَدَّسُ إِذنْ صحيح ، لم يَعْتَرِهِ تحريف أَو تبديلٌ أَو زيادَ أَو نقصان ".
فالقرآنُ جَزَمَ بأَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ - بقسمَيْهِ التوراةِ والإِنجيل – أَصابَه ما أَصابَه من التحريفِ والتبديلِ والزيادةِ والنقصان!!.
وجَزَمَ الفادي المفترِي بأَنَّ عيسى - عليه السلام - لم يُبَشِّرْ بالنبيِّ الخاتم - صلى الله عليه وسلم -
قال : " وها هو الكتابُ المقَدَّسُ كُلُّه ، ليس فيه إِشارةٌ إِلى إِتيانِ محمدٍ كَنبيّ ، فمن أَيْنَ جاءَ محمدٌ بأَنَّ عيسى بَشَّرَ به ؟ ".
وهو في هذا الافتراءِ يُكَذّبُ القرآنَ تكذيباً صَريحاً مباشراً ، وذلك في قوله تعالى : *وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ*.
وزَعَمَ أَنَّ الذي في الإِنجيلِ أَنَّ المسيحَ وَعَدَ أَنْ يُرسلَ إِلى تَلاميذِه " الروحَ القُدُسَ " من بعدِه ، وليس محمداً - صلى الله عليه وسلم -.
قال : " قالَ المسيحُ : إِنَّه بعد صُعودِهِ سيرسلُ إِلى تلاميذِه " الروحَ القُدُسَ ".
وأَصْلُه باللغةِ اليونانية " البارقليط " ، ومَعْناهُ " المعَزّي ".
وهذه الكلمةُ تُقاربُ في لَفْظِها كلمةً يونانيةً أُخْرى ، معناها " مَشهورٌ " أَو " مَمْدوحٌ " وهو معنى اسمِ محمد ، فَظَنَّ محمدٌ أَنَّ هذا الممدوحَ الذي سيُرسلُه المسيحُ هو محمد!.
ومنشأُ هذا الخطأَ هو الالتباسُ بين الكلمتَيْن اليونانيّتَيْن ، ففهمَ العربُ غيرَ ما أَرادَهُ المسيح ".
نحنُ مع القرآنِ في جَزْمِه أَنَّ عيسى - عليه السلام - قد بَشَّرَ بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - : *إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ*.
وما قالَه الفادي المفترِي تَلاعُبٌ وتَحريفٌ وكتمانٌ للحقائقِ الهادية.
أَمّا البارقليط ومَعنَاها فنحتكمُ إِلى رجلٍ متمكِّنٍ من الإِنجيلِ ولُغَتِه ، عَرَفَ الحَقَّ وآمَنَ به وانْحازَ إِليه ، وفَضَحَ كاتمي الحَق من القساوسةِ والرهبان ، إِنه المهْتَدي عبدُ الأَحَد داود.
كانَ عبدُ الأَحَدِ داود قِسيساً كبيراً للكلدانيين التابعينَ للروم الكاثوليك ، وكان اسمه : " دافيد بنجامين كلداني ".
وقد دَرَسَ الكتابَ المقَدَّسَ دراسةً متأنِّيَة ، ووَقَفَ فيه على بشاراتِ أَنبياءِ بني إِسرائيل بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وبشارةِ عيسى الصريحةِ به..
وقادَهُ البحثُ إِلى الحق ، فاعتنقَ الإِسلام ، وأَلَّفَ كتاباً رائعاً هو : " محمد في الكتاب المقدس ".
ويهمُّنا هنا ذِكْرُ خلاصةِ ما قالَه عن البارقليط.
قالَ - رحمه الله - : " وَرَدَتْ بشارةُ عيسى بأَحمدَ - صلى الله عليه وسلم - في إِنجيل يوحنا ، في الإِصحاحاتِ الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر.
العبارةُ الصحيحةُ التي في إِنجيل يوحنّا هي قولُ عيسى - عليه السلام - : " وسوفَ أَذهبُ إِلى الآب ، وسيرسلُ لكم رسولاً ، سيكونُ اسْمُه " البرقليطوس " لكي يبقى معكم إِلى الأَبَد..".
والبرقليطوس هو : أَحمد.
ولكنَ النَّصارى حَرَّفوا العبارةَ إِلى قولِهم : " وسوفَ أَسأَلُ الآب ، وسوفَ يُعطيكم برقليطوس آخر ".
وفَرْق بَعيدٌ - كما يقولُ عبدُ الأحَد داود - بين الكلمةِ الأَصلية :
" البرقليطوس " بالتعريفِ والتحديد ، وبينَ الكلمةِ الأُخرى " برقليطوس آخر"
بالتنكيرِ والتعميم ، التي تدلُّ على أَنَّ عيسى - عليه السلام - عنده مجموعة من " البرقليطيسيين ".
كلُّ واحدٍ منهم برقليطوس ، أَيْ : هو مُعَز ووسيط ومعينٌ.
وإِنَّ كلمةَ عيسى - عليه السلام - المحددة : " البارقليطوس " كلمة يونانية ، معناها المحدَّدُ باللغةِ العربية : " الأَمْجَدُ الأَشْهَر " ، وهو معنى " أحمد " باللغة العربية.
والصيغةُ الآراميةُ التي كان يتكلمُ بها عيسى - عليه السلام - هي : " مَحامْدا " ، وهي متناسقةٌ مع الصيغةِ العربيةِ " محمد " أَو " أحمد " تماماً !.
والخلاصةُ أَنَّ عيسى - عليه السلام - قالَ للحواريين باللغة الآرامية : " سوفَ أَذهبُ إِلى الآب ، وسيرسلُ لكم رسولاً ، سيكونُ اسْمُه " مَحامْدا " ، لكي يبقى معكم إِلى الأَبد ".
ولما كتبَ يوحَنّا هذه العبارة ، ونَقَلَها من الآراميةِ إِلى اليونانية ، ترجمَ كلمةَ " مَحامْدا " إِلى كلمةِ " البارقليطوس " ، ومعناها الأَحْمَدُ الأَمْجَدُ الأَشْهَرُ.
وفعلُه صحيح.
لكنْ لما أَعادَ الرهبانُ كتابةَ إِنجيلِ يوحَنّا باليونانية أَرادوا طمسَ بشارةِ عيسى بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، فَحَرَّفوا الكلمة ، ونَقَلوها من معناها المحدَّدِ إِلى المعنى الأَعَمّ ، وحوّلوا كلمةَ " البارقليطوس " إِلى كلمةِ " بارقليطوس آخر " ، التي معناها : المعَزّي أَو المعين.
وزَعَمَ الفادي أَنَّ عيسى لم يُبَشِّرْ بمحمدٍ عليهما الصلاة والسلام ، ودعا إِلى قراءةِ الأَناجيلِ لاستخراجِ هذه البشارة..
وها هو البروفسورُ المهتدي عبدُ الأَحد داود يُقَدّمُ لنا تلك البشارة ، ويُرينا تَحريفَ الرهبانِ لها!!.
***
ما معنى الأُمِّي والأميين ؟
وَقَفَ الفادي أَمامَ وَصْفِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - بالنبيِّ الأُمِّي ، وهو الوصْفُ الذي وَرَدَ في قولِه تعالى : *الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ*.
وزَعَمَ أَنَّ سبَب وَصفِه بذلك أنه لم يكنْ أَصْلُه يهودياً ، ولم يكنْ من أَهلِ الكتاب ؛ لأَنَّ الأُمّيّين عند اليهودِ هم الأُمَمُ من غيرِ اليهود.
وزَعَمَ الفادي أَنَّ القرآن : " جرى على هذا القياس ، فسمى اليهودَ والنصارى " أَهْلَ الكتاب " ، وما عَداهم " الأُمّيّين ".
فأَهْلُ الكتابِ اسْم علم على اليهودِ والنَّصارى ، والأُمّيّون اسْمُ عَلَمٍ على جَميعِ العَرَبِ وغيرِهم..
ولهذا سُمّيَ محمدٌ بالنبيِّ الأُمّيّ ، لأَنه غريب عن الشعب المختار ، الذي أَقامَ اللّهُ منه جميعَ الأَنبياء وجعلَ خاتمَهم كلمتَه المسيحَ مُخًلِّصَ العالَم ".
وزَعْمُ الفادي مردود ، لا تَشهدُ له اللغة ، ولا يُؤَيِّدُه المعنى.
إِنَّ " الأُمِّيَّ " منسوبٌ إِلى " الأُمّ " ، وهي والدةُ الإِنسانِ التي أَنجبَتْه ، تقول :
أُمّ ، وأُمِّيّ.
كما تقول : شافع وشافِعِي.
والأُمِّيُّ هو الذي لا يُحسنُ الكتابة ؛ لأَنَّ الكتابةَ تَحتاجُ إِلى مَهارةٍ وتدريبٍ وخبرة.
وسُمّيَ الذي لا يُحسنُ الكتابةَ أُمِّيّاً ، تَشبيهاً له بحالةِ خروجِه من رَحِمِ أُمِّه ؛ لأَنه خَرَجَ وهو جاهل ، لا يَعلمُ شيئاً ، ثم حَصلَ التعليمَ فيما بَعْد.
قال تعالى : *وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *78*.
وَصَفَ اللّهُ رسولَه الخاتَم - صلى الله عليه وسلم - بالأُمِّية.
قالَ تعالى : *فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *158*.
لأَنه - صلى الله عليه وسلم - لم يَتعلم القراءةَ والكتابة ، وهذا الوصْفُ لا يَعْني الذَّمَّ والإِنْقاص ، إِنما هو وَصْفٌ لحالةٍ وواقع ، فلا يُعابُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - على أُمِّيَّتِه ؛ لأَنَه لم تُيَسَّرْ له ظروفُ التعلُّم والكتابة ، لا سيَّما أَنَّ الأُميةَ كانتْ منتشرةً في بلادِ العربِ في ذلك العصر ، والذين تَعَلَّموا الكتابةَ كانوا قليلين.
وجَعَلَ القرآنُ أُمِّيَّةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - دَليلاً على أَنَّ القرآنَ كلامُ اللّه ، قال تعالى : *وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ *48*.
ولم تأتِ الأُمِّيَّةُ وَصْفاً لرسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - وَحْدَه ، وإِنما كانَتْ وَصْفاً للعربِ في الجاهلية ، وهي إِخبارٌ عن واقِعِهم ، وليس ذَمَّاً لهم.
قال تعالى : *هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ*.
وبهذا نَعرفُ خَطَأَ الفادي عندما جَعَلَ الأُمَيّينَ كُلَّ الأَقوامِ من غيرِ اليهود ، مهما كانت أَجناسُهم ، عَرَباً أَو عَجَماً.
إِنَّ هؤلاء يُسَمّيهم اليهودُ " أُمَمِيِّين " ، والمفرد : أُمَمِيٌّ ، وهو منسوبٌ إِلى الأُمَم وليس إِلى الأُمّ.
تقول : أُمَمٌ ، وأُمَمِيّ.
والأُمَمُ جمعُ أُمَّة ، وهي المجموعةُ من الناس.
وأَطْلَقَ اليهودُ وَصْفَ " الأُمّيين " على العربِ الذين كانوا حولَهم.
وعلى هذا قولُه تعالى : *وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ*.
***
عودة إلى دعوى التناقض في القرآن
عادَ الفادي المفترِي إِلى ادِّعاءِ التَناقُضِ في القرآن ، وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْناهُ مُطَوَّلاً في الآياتِ التي زَعَمَها مُتَناقضة ، وقد جَمَعْنا بينَها وأَزَلْنا ما يُظَنُّ أَنه تناقُفق موهوم بينها ، لكنَّ الفادي المفترِي خَتَمَ كتابَه بهذه الدعوى المردودة.
وعَرَضَ هذه الدَّعوى بأُسلوب استفزازيٍّ مُثير.
قال : " في القرآنِ نهجانِ متباينان ، كأَنهما من نبييْنِ مختلفَيْنِ ، تَعارَكا حتى هَزَمَ ثانيهما الأَوَّلَ ، فأَسَرَهُ وعَطَّلَ رسالَتَه..
حَظَرَ الأَوَّلُ إِيذاءَ مَنْ لم يؤمنْ به ، فقال : *وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *20*.
وقال : *وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ *99* وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ*.
وقالَ : *فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ *40*.
ولكنَّ الثاني نَسَخَ حُكْمَ هذه الآيات ، ولو أَنَّه لم يَمْحُ حَرْفَها من القرآن ، بل أَبقاها للتلاوةِ فقط.
واتَّخَذَ في موطنِ هجرتِه في المدينة مِنهاجاً جديداً ، هو الحربُ والعنفُ والقتال! فكيفَ يوفقُ المسلمُ بين هذه الآيات ِ ، المكيّ والمدنيّ ، السلميّ والحربيّ ؟ ".
يَدَّعي المفترِي أَن الآياتِ المدنيةَ تُناقضُ الآيات ِ المكيةَ السابقة ، فالآياتُ المكيةُ تأمر بالسلمِ وحسنِ الكلامِ والدعوة ، وتَنهى عن الإِيذاءِ والعنفِ والقَتْل ، والآياتُ المدنيةُ تنسخُ هذا المنهج ، وتضعُ مكانَه الأَمْرَ بالعنفِ والقَتْلِ والحربِ وسفكِ الدّماء.
وهذا الادّعاءُ يدلُّ على جَهْلِه ، وقد أَورد هو آيةً مدنيةً لا تأمرُ بالقتْلِ والعنفِ - على حَدِّ تعبيره - وهي قولُه تعالى : *وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *20*.
ونهى اللّهُ عن الإِكراهِ في الدين في سورة البقرةِ المدنية.
قال تعالى : *لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى*.
لم يُغَيِّرْ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - منهجَه في الدعوة ، بينَ الفترةِ المكيةِ والفترةِ المدنية ، ولم تَنسخْ آياتُ الجهادِ والقتالِ آياتِ البلاغِ المكية ، ولا تَعارُضَ بين هذه الآيات!!
إِنَّ الأَمْرَ بالدعوةِ والبَلاغِ المبينِ مستمرٌّ في المدينة ، والآياتُ المدنيةُ تَنهى عن الإِكراهِ في الدين ، كما هو واضحٌ في آيتي البقرةِ وآلِ عمران اللتَيْن أَوردْناهما ، ومعناهما مستمرٌّ حتى قيامِ الساعة ، لم يُنسخْ ولم يُغَيَّرْ ولم يُبَدَّلْ.
وآياتُ الجهادِ والقتالِ مستمرةٌ أَيضاً حتى قيامِ الساعة ، والجهادُ موجَّهٌ للذين يَقفون أَمامَ هذا الدين ، بهدفِ إِبطالِ مخططاتِهمِ ضدَّ الإِسلام ، والقتالُ موجَّهٌ للأَعداء الذين يُحاربون الدعاة ، ويمنعونهم من واجبِ التبليغ ، وهو بهدفِ تحطيمِ القوةِ المادية الكافرة ، التي تَفتنُ الناسَ ، وتمنعُهم من اعتناقِ الإِسلامِ عن قناعَة ، وليس بهدفِ إِكراهِ الناسِ على اعتناق الإِسلام.
وبهذا نعرفُ أَنه لا تَعارضَ بين آياتِ الدعوةِ والبلاغِ والنهيِ عن الإِيذاءِ والإِكراه ، وآياتِ الأَمْرِ بالجهادِ والقتال ؟
لأَنَّ كُلَّ آياتٍ تُنَزَّلُ على حالةٍ خاصة.
لماذا النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟
أَخَبَر اللّهُ المؤمنين أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَولى بهم من أَنفسِهم.
قالى تعالى : *النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ*.
ولذلك أَوجبَ على المؤمنين أَن يَقْبَلوا حُكْمَه ، ويُنَفِّذوا أَمْرَه ؛ لأَنَّه لا يأمُرُ إِلّا بخَيْر.
قال تعالى : *وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا *36*.
ولم يُعجبْ هذا الفادي المفترِي ، الذي جعلَ هدفَه الأَساسيَّ تخطئةَ القرآنِ ، وإِثارةَ الاعتراضِ عليه ، واتهامَ الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ولذلك قال : " من هذه الآياتِ نرى كيفَ فرضَ محمدٌ إِرادَتَه المطلقة ، فإِذا أَرادَ أَنْ يُزَوِّجَ زينبَ لابنِه زَيْد ، فيجبُ أَنْ تَنْصاعَ للأَمْر ، حتى لو اعترضَتْ هي وأَخوها ، وإِذا أَرادَ محمد زينبَ فيجبُ أَنْ يتخلَّى عنها زيدٌ زوجُها!
وإِذا أَرادَ الغزوَ فعلى الشّبّانِ أَنْ يُطيعوا بدونِ استئذانِ والديهم ".
لم يَفرضْ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِرادتَه المطلقةَ على أَصحابِه ، ولم يُخْضعْهم له ، ولم يَجعل الأَمْرَ أَمْراً شخصياً ، يبحثُ فيه عن زعامةٍ على حسابهم!.
لقد تعاملَ معه الصحابةُ على أَنه رسولٌ من عندِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يبلِّغُهم شرعَ اللّه ، ويُطبِّقُ فيهم حُكْمَ اللّه ، ولا يأمُرُهم إِلا بما أَمرهم اللّهُ به ، ولا يَنهاهم إِلّا عن ما نهاهُم اللّهُ عنه..
وقد حفظ اللّهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - ، وعَصَمَه من الوقوعِ في أَيِّ خطأ أَو ذَنْبٍ أَو معصية ، ولذلك كان لا يأمُرُ إِلّا بطاعةِ اللّه.
لذلك أَمَرَ اللّهُ المؤمنين بطاعةِ رسولهِ - صلى الله عليه وسلم - كما أَمرهم بطاعتِه.
قال تعالى : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ*.
وجعلَ سبحانه طاعةَ رسولهِ - صلى الله عليه وسلم - طاعةً له ، فقال تعالى : *مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا *80*.
بهذا الاعتبارِ صارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْلى بالمؤمنين من أَنفسِهم.
قال تعالى : *لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ *128*.
***********************
تَمَّ الكتاب بحمد الله وتوفيقه


من مواضيعي
0 إنفوجرافيك السجون الإسرائيلية حبلى بالأسرى الفلسطينيين
0 الإسلام طريقة كاملة للحياة
0 المسيحية - مقارنة الاديان
0 تطبيق سلسلة ثلاث
0 سلسلة رمضان
0 الله محـــــــبة
0 إيّاك نعبد، وإيّاك نستعين؟
0 8 اشياء يجب ان تعرفها عن برنامج سكايب | Skype

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الله, اللئيمة, المطاعن, الرسول, حياة, عليه, وسلم

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:57 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009