ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى نقد النصرانية > ملتقى النصرانيات العام
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

الفرق المسيحية

ملتقى النصرانيات العام


الفرق المسيحية

ملتقى النصرانيات العام


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 03:31 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي الفرق المسيحية

الفرق المسيحية
الفرق المسيحية
الفرق التي ظهرت في عصر التوحيد
أصحاب بولس الشمشاطي
دخول الوثنية على التوحيد
أتباع مرقيون
البربرانية
نحل أُخر
ضياع التوحيد بسبب تحريف الكتب
الفرق القديمة في عهد التثليث
فرقة مقدونيوس
النسطوريون
اليعقوبيون
المارونية
الفرق المسيحية
97- من البيان الذي سقناه في المجامع ، وما انعقدت بسببه من خلافات يظهر لنا أن المسيحية قد أتى عليها حين من الزمن كان التوحيد هو السائد بين معتنقيها ، والغائب على كل نحلة سواه من نحلها. وإنك لترى ذلك واضحاً فيما بيناه من أن أريوس عندما ظهر مقاوماً فكرة أُلوهية المسيح ، ومنازعاً كنيسة الإسكندرية في ذلك المبدأ الذي كانت تبثه في النفوس وهو أُلوهية المسيح وتنادى به على رؤوس الأشهاد ، بينما كان أتباعه في مصر وفلسطين والقسطنطينية ، (وهذه مواطن المسيحية في ذلك الإبان) أكثر عدداً وأقوى مكانة ، فكثير منهم أساقفة ورؤساء كنائس ، وكل ذلك مع أن قسطنطين الإمبراطور الحاكم بأمره الذي لا معقب لحكمه كان يشايع فكرة أُلوهية المسيح ويناصرها ، ويحميها ويؤيدها ، كما بينا عند الكلام في مجمع نيقية إذ حمى القائلين أن المسيح فيه أُلوهية بحمايته ، ووضعهم تحت ظله ، وأمدهم بالجاه والسلطان.
وإذا كان قد أتى حين كان فيه التوحيد هو السائد ، فيصح لنا أن نقسم عصور المسيحية إلى قسمين :
عصر التوحيد : ونجعل نهايته الزمن الذي انعقد فيه مجمع نيقية. أو ما ولي ذلك الزمن بقليل. إذ غالب التوحيد فكرة أُلوهية المسيح ردحاً غير قصير من الزمن بعد مجمع نيقية.
والعصر الثاني : عصر تأليه المسيح ، وذلك العصر يبتدئ بعد مجمع نيقية ، وبعد أن استطاع أباطرة الرومان أن يطمسوا نور التوحيد في وسط المسيحيين ، ويمنعوا الموحدين من نشر دعاياتهم.
وإذن فمن الحق علينا أن نراعي هذا التقسيم عند الكلام في الفرق القديمة عند المسيحية ، فنقسم تلك الفرق إلى قسمين :
فرق ظهرت في عصر التوحيد ، وربما كان وجود بعضها قبل مجمع نيقية إرهاصاً لعهد التثليث.
وفرق ظهرت في عصر تأليه المسيح وعصر التثليث.
ونقصد بالفرق القديمة الفرق التي ظهرت قبل عصر النهضة في أوربا أي قبل القرن الثالث عشر الميلادي ، وتقصد بالفرق الحديثة الفرق التي ظهرت بعد عصر النهضة ، وهي التي ظهرت في عهد الإصلاح الديني ، وما والاه.
الفرق التي ظهرت في عصر التوحيد
98- والفرق التي ظهرت في عهد التوحيد كثيرة ، وبعضها كان مستمسكاً بالتوحيد ، ومعه الكثرة الغالبة من المسيحيين كما استنبطنا من السياق التاريخي وكما يستفاد من ثنايا التاريخ ، وبعضها كان قد انحرف عن التوحيد ، حتى كان وجوده تمهيداً للتثليث أو سيراً ببعض الخطوات في سبيله.
وأظهر الموحدين أريوس وأتباعه ، وقد كانوا كثيرين. فقد شرحنا إنه قد كان يأخذ بمذهبه بطريرك القسطنطينية وغيره من البطاركة ، وكان رأيه منتشراً في مصر والشام ومقدونية ، وهي مواطن المسيحية كما علمت.
فرقة أريوس :
يقول ابن حزم في بيان فرقة أريوس : "والنصارى فرق ، منهم أصحاب أريوس ، وكان قسيساً بالإسكندرية ، ومن قوله التوحيد المجرد ، وأن عيسى عليه السلام عبد مخلوق ، وإنه كلمة الله تعالى التي بها خلق السماوات والأرض ، وكان في زمن قسطنطين الأول باني القسطنطينية ، وأول من تنصر من ملوك الروم ، وكان على مذهب أريوس.
وهذا الكلام يحتاج جزؤه الأخير إلى نظر ، فهو يزعم أن قسطنطين كان على مذهب أريوس ، وقد بينا عند الكلام في مجمع نيقية ، إنه هو الذي تدخل بنفوذه وسلطانه ، فعزل أنصار لاهوت المسيح ، وأعتبر المجمع مكوناً منهم دون سواهم ، وقد كان المجتمعون أول الأمر أكثر من ألفين ، فرفض رأي الكثير ، وعقد مجمعاً مؤلفاً من ثمانية عشر وثلاثمائة ، بينما يذكر الثقات من المؤرخين إنه قد صرح بنصرة أريوس من المجتمعين أكثر من سبعمائة.
نعم إن الأريوسيين قد حاولوا بعد ذلك جذبه إلى رأيهم ، وضمه إلى مذهبهم ليستفدوا منه قوة وسلطاناً ، فمال إليهم أخيراً ، أو أظهر الميل ، وأن كان لم يعمل على نصرة مذهبهم ، ولم يعقد مجمعاً ليقرر رأيهم ، كما فعل بالنسبة لغيره ، وأقصى ما عمله إنه رد المحرومين إلى حظيرة المسيحية ، وأعاد المنفيين من منفاهم ، ومكنهم من الاستمتاع بنعمة الحرية. ولعل ذلك كان كياسة منه وسياسة ، إذ رآهم كثرة المسيحيين الغالبة. وأقوالهم هي الشائعة الرائحة ، فأظهر الميل إليهم حتى لا ينقضوا عليه.
أصحاب بولس الشمشاطي
99- ومن الموحدين الذين أظهروا أصحاب بولس الشمشاطي ، ويقول فيه ابن حزم : "كان بطريركا بأنطاكية ، وكان قوله التوحيد المجرد الصحيح ، وأن عيسى عبد الله ورسوله كأحد الأنبياء عليهم السلام ، خلقه الله في بطن مريم من غير ذكر ، وإنه إنسان لا إلهية فيه. وكان يقول : لا أدري ما الكلمة ، ولا روح القدس.
ومن هذا يتبين أن مذهب بولس هذا كان توحيداً خالصاً ، وأن عيسى ليس إلا رسولاً من رب العالمين ، وإنه كان إذا عرض له البحث في كلمة الله ، وروح القدس أمسك عن ذلك ، ولم يخض فيه ، وتوقف واعتصم بذلك.
ويقول ابن البطريق في بيان مذهب بولس هذا : " أن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره ، وأن ابتداء الابن من مريم ، وإنه اصطفى ليكون مخلصاً للجوهر الإنسي ، صحبته النعمة الإلهية ، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة ، ولذلك سمي ابن الله ، ويقولون أن الله جوهر واحد ، وأقنوم واحد ، ويسمونه بثلاثة أسماء ، ولا يؤمنون بالكلمة. ولا بروح القدس ، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية ، وهم البوليقانيون".
هذا ما قاله ابن البطريق في معتقد بولس الشمشاطي ، وهو لا يختلف في جوهره عن كلام ابن حزم الأندلسي فيه ، وإن اختلفت العبارات ، فالاصطفاء لتخليص الجوهر الإنسي هو ما عبر عنه ابن حزم بالرسالة ، والنعمة الإلهية التي حلت فيه هي الوحي واختياره ليكون رسول الله إلى الناس يهديهم ، والنبوة التي جاءت في عبارة ابن البطريق حكاية لقول بولس هذا كناية عن المحبة ، ولعل بولس لم يجرها على لسانه ، أو لم تجئ في بيانه ، ولكن ابن البطريق المسيحي المثلث تكلم عن الموحدين بمنطقه وتعبيره ، وإن كان المراد غير موافق للمثلثين.
دخول الوثنية على التوحيد
100- وكان بجوار الموحدين الذين كانوا أقوالهم السائدة المنتشرة في ربوع المسيحيين ، وجدت آراء كثيرين ممن دخلوا في المسيحيين وفيهم بقايا الوثنية ، ولا تزال رؤوسهم مملوءة بما درسوه ، ففهموا المسيحية على ضوء ما عرفوه أولاً. واهتضموا المسيحية متمثلة في نفوسهم بما أستكن في تلك النفوس من آراء ومعتقدات سابقة ، وإن ذلك ليشبه من بعض الوجوه تلك النحل المختلفة الني ظهرت في المسلمين في إبان الفترة التي تلت مقتل الخليفة الثالث والرابع. وما أدخل من آراء ونحل في عصر يزيد ومن وليه.
ولكن الإسلام بنور القرآن الكريم وحفظه ، وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما استحفظه عليه المسلمون من كتاب وسنة ، وما كلاً الله به هذا الدين المتين - قد نفى عنه الدخل ، وذهب الزبد جفاء ، وبقى الدين ، كما بعث نبيه عليه الصلاة والسلام صافياً من غير رنق ولا تكدر.
أما في المسيحية فلأن الكتب قد عراها ما بيناه في الكلام عليها ، وأختلط فيها الغث والسمين والطيب بالخبيث ، وضلت العقول ، فلم تستطيع أن تميز بين الصحيح وغير الصحيح ، وذهب الكوكب الساري الذي يضئ وسط الدجنة الحالكة ، وهو كتاب مبين لا يأتيه الباطل ، ولا يتطرق إليه الريب ، يكون فيصل التفرقة بين المسيحية الحقه ، والأساطير الباطلة التي أفسدتها.
أتباع مرقيون
دخلت تلك الأوهام على المسيحيين الموحدين وبرزت بينهم ، كما تبرز رءوس الشياطين وسط أرض قد كسيت بالسندس الأخضر من الزرع
وجاءت على نحل مختلفة ، وأهواء متباينة ، ونزعات متضاربة ، وبأسماء كثيرة.
فمنهم من كان يقول أن هناك آلهة ثلاثة : صالح ، وطالح ، وعدل بينهم ، وهم أتباع مرقيون ، ولعل هذه النحلة من آثار المجوس ، لأنهم هم الذين يقولون بإله الخير وبإله الشر.
ولقد قال ابن البطريق في هذه النحلة وأصحابها : "وزعموا أن مرقيون هو رئيس الحواريين ، وأنكروا بطرس" فالمنتحلون لهذه النحلة يزعمون أن مرقيون داعيتها والمنادي بها حواري من حواريي عيسى عليه السلام ، بل كبير الحواريين وشيخهم ، والمقدم فيهم ورئيسهم.
البربرانية
ومنهم فرقة تسمى البربرانية كانت تقول أن المسيح وأمه إلهان ، ولعل هؤلاء هم الذين ذكرهم الله تعالت كلماته في قوله تعالى مبيناً ما يكون بينه سبحانه وتعالى وعيسى عليه السلام من قول يوم القيامة ، قال تعالت كلماته : {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. ولعل فريقاً منهم كان موجوداً عند نزول القرآن الكريم.
نحل أُخر
ويقول ابن البطريق في بيان بعض فرق كانت موجودة قبل مجمع نيقية : ومنهم من كان يقول أن المسيح من الأب بمنزلة شعلة من نار انفصلت من شعلة نار ، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية ، وهي مقالة بابليدوس وشيعته ، ومنهم من كان يقول : لم تحبل مريم تسعة أشهر ، وإنما مر في بطنها ، كما يمر الماء من الميزاب لأن الكلمة دخلت في أذنها ، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعته وهي مقالة اليان وأشياعه.
ضياع التوحيد بسبب تحريف الكتب
101- هذه هي بعض المقالات والأهواء والنحل التي جاءت في عصر التوحيد ونفت صفاءه ، وكانت نكتاً سوداء في وسط المسيحية الحق النضرة ولقد كان من الممكن أن تزول تلك الأمور العارضة ، ويبقى الأصل سليماً نقياً ، لم يتأشبه شيء من المفاسد ، ولكن شرط ذلك أن يكون ثمة كتاب محفوظ لا يعتريه الشك من أي جانبي ، ولا يتطرق إليه الظن والاحتمال ، ليكون ميزاناً للحق والباطل ، وليكون مقياساًَ تقاس به الآراء ، وليكون مرجعاً يرجع إليه المختلفون.
ولكن الاضطهادات التي نزلت بالمسيحيين ، ومصادرة الكتب وتحريفها بأمر الرومان ، والأيدي العابثة المفسدة ، كل هذا جعل مصادر المسيحية يعتريها الشك والريب ، ومن وراء ذلك نفذت الأهواء والأساطير إلى القلوب ، وأخذت تنال من المسيحية وصميمها من غير أن يعقب معقب بنص قاطع معتمد ، وكتاب ثابت السند.
فكل نحلة تدعى لا تجد رداً لها من نص ، وهي تروج لدى العامة لا بقوة الدليل أو النص ، بل بقوة الداعي ومقدار لحنه بالحجة الباطلة والصحيحة ، مقدار نشاطه وبيانه وسعة حيلته ودهائه ، ودربته على جذب الجماهير.
ولقد كان جمهور المسيحيين يقدس المسيح أبلغ تقديس ، فكانت مهارة الدعاة وقوتهم البيانية متجهة إلى هذه الناحية ، يزيدون في تقديس المسيح فيزيدون كلامهم قبولاً لدى العامة ، ثم انتقلوا من التقديس المعقول إلى الغلو المرذول ، فغالوا حتى عدوه إلهاً.
وهكذا أخذت العقيدة تفسد ، وكان العامة بين حبلين قويين ، وكل حبل في يد عصبة من أولى القوة ، فحبل التوحيد ، ومعه العقل ، ومعه الأصل ومعه السيادة للتوحيد ، وحبل آخر قد أخذ يجتذب العامة إليه بقوة ، وعمل على أخذهم بعاملين. عامل الاستهواء جاء من الناحية التي يحبونها ، وأرضى شهوتهم فيها ، وهي ناحية تقديس المسيح عليه السلام ، وأخذ يلقي تعاليمه في النفوس ، وقد وضعها في ذلك اللون الشهي ، وذلك الطعم المستساغ.
العامل الثاني : عامل السلطان والجاه بتقريب من يقول مقالة تأليه المسيح وإدنائه من ذوي السلطان ، وتمكينه من الرقاب ، وتغريب من لا يقول هذه المقالة ، واضطهاده ، وإبعاده عن حظيرة المسيحية ، ولعنه وطرده وتصويره للناس بصورة من لا يقدس المسيح ، ولا يرجو له وقاراً وإجلالاً.
كان العامة بين هذين العاملين مع فقد الكتب المسيحية القاطعة في الاستدلال والتي تقف المغالين عند حد الاعتدال. وقد كانت كفة التوحيد هي الراجحة ، حتى بعد مجمع نيقية ، ولكن جاءوا بعد ذلك ، وأخفقوا صوت المنادين بالتوحيد وحيل بينهم وبين ما يدعون إليه. ولم يمكنوهم من أن تصل دعوتهم إلى العامة فصار العامة بعد ذلك لا يسمعون إلا جانباً واحداً ، وخاضعين لعامل واحد ، وهو الخروج عن نطاق التوحيد ، فتم للحكام والقسيسين ما أرادوا واختفى دين المسيح عليه السلام. وقام دين البطارقة والقسيسين.
الفرق القديمة في عهد التثليث
102- بعد مجمع نيقية أبعد التوحيد رسمياً عن الديانة المسيحية ، وإن كان أتباعه أكثر عدداً ، وأعز نفرا ، ولم تستطيع الحكومة الرومانية أن تقضي على التوحيد بذلك المجمع ، ولكنها أخذت تبعد الموحدين عن مكان الرياسة في الكنائس ، ولا تجعل صوتهم يصل إلى الشعب بالنفي والتشريد ، وكل ذرائع الأذى والاضطهاد ، حتى حيل بين العامة وبين سماع صوت التوحيد ، وفعل الزمن فعله ، وتغلبت الظلمة على النور ، وأخفى ظلام الليل نور النهار الساطع. وعندئذ كانت الفرق التي تظهر بعد ذلك في ظل أُلوهية المسيح في الجملة إن استثنينا مقدنيوس وفرقته.
فرقة مقدونيوس
وأول فرقة ظهرت في ذلك العصر فرقة مقدونيوس هذا ، فقد أنكرت أن يكون روح القدس إلهاً ، وقاومت ما ترمي إليه الكنيسة العامة من فرض تلك الأُلوهية ، ودعوة الناس إليها ، وحثهم على اعتناقها ، ولعل مقدونيوس هذا كان من الموحدين الذين لا يزالون يعتنقون التوحيد ، ويتأسون في ذلك أريوس وسائر الموحدين. وإن كانت الغلبة لغيرهم ، فهاله أن يبدأ الأساقفة بتأليه المسيح ويثنون بتأليه الروح القدس ، فجاهر بإنكار الثاني ، لأنه لم يعد في قوس الصبر منزع.
يقول ابن البطريق : "وفي عشر سنين من ملكه (قسطنطين ابن قسطنطين الثاني) صير مقدونيوس بطريركا على القسطنطينية ، وكان يقول : إن روح القدس مخلوق ، وأقام عشر سنين ومات".
لكن مقالته لم تمت بموته ، بل كان له أشياع وأتباع وخصوصاً من بين الموحدين الذين لم يزولوا من المملكة الرومانية ، وإن أصبحوا في الجملة لا سلطان لهم.
لأجل ذلك انعقد مجمع القسطنطينية سنة 381 ، وقد ذكرنا بعضاً من قراراته ، وكان المقرر والمناظر والمجادل في هذا المقام بطريرك الإسكندرية مهد الأفلاطونية الحديثة ، كما نوهنا آنفاً ، ويسمى المقدونيين الأبولنياريين فقد جاء في كتاب سوسنة سليمان في بيان المجمع القسطنطيني :
"المجمع القسطنطيني المنعقد سنة 381 بأمر ثيودوس الملك ضد الأبولنياريين ، وهم المقدونيون المنكرون للاهوت الروح القدس".
ويعتقد الكنسيون أن إنكار أُلوهية الروح القدس وليد من مذهب الموحدين ، فيقول صاحب تاريخ الكنيسة ، وقد انبعث من جوف هذه الأرطقة (رأي أريوس) أرطقة أخرى لم تكن أقل مناقضة للثالوث الأقدس فكانت تنكر أُلوهية الروح القدس ، وكان منشئها مقدونيوس ، وهو نصف أريوسي قد أختلس كرسي القسطنطينية واحتجب مدة سنين عديدة تحت رداء المذهب الأريوسي ، ولم تكن له شهرة خصوصية في بهوة الاسجاسي التي أحدثها الأريوسيون". وهذا زعم له نصيب من الواقع ، لأن الذين ينكرون أُلوهية المسيح ، ويعتقدون التوحيد الصحيح لا يقرون بألوهية الروح القدس.
ولكن يجب أن يلاحظ إنه في الوقت الذي أنكر فيه مقدونيوس لم تكن عقيدة التثليث قد أعلنت في مجمع عام ، وقد يكون موضع حديث البطاركة وتعاليم بعضهم كون الروح القدس إلهاً ، فتصدى مقدونيوس لإنكار ذلك ، وتلقى الناس كلامه بالقبول ، ولذا لم ينعقد المجمع للرد عليه إلا بعد أن مات بعدة سنين.
النسطوريون
103- هذه النحلة تنسب إلى نسطور ، وقد كان بطريرك القسطنطينية ومكث في هذا المنصب أربع سنين وشهرين ، وقد رأى أن مريم العذراء لم تلد إلهاً ، بل ولدت فقط الإنسان ، وهو بذلك يرى أن الاقنوم الثاني ، وهو الابن لم يتجسد وتلده مريم كما يرى غيره من المثلثين ، بل كان يرى أن مريم ولدت الإنسان فقط ، ثم اتحد ذلك الإنسان بعد ولادته بالاقنوم الثاني ، وليس ذلك الإتحاد بالمزج وجعلهما شيئاً واحداً ، أو ذلك الإتحاد لي إتحاداً حقيقياً ، بل إتحاد مجازياً. لأن الإله منحه المحبة ، ووهبه النعمة ، فصار بمنزلة الابن ، وهذا التخريج لا شك يؤدي إلى أن المسيح الذي خاطبهم وكلمهم ، وحوكم وعوقب في زعمهم ، لم يكن فيه عنصر إلهي قط ، فلم يكن إلهاً ولا ابن الإله.
وقد نقلنا فيما مضى عند الكلام على المجمع الثالث أن صاحبة كتاب تاريخ الأمة القبطية تقرر أن كلام نسطور معناه ، أو يلزم منه حتماً ، إنكار ألوهية المسيح.
ولما قال نسطور ذلك القول كاتبه كيرلس بطريرك الإسكندرية ويوحنا بطريرك أنطاكية في ذلك الإبان ، ليعدل عن رأيه ، فلم يصغ إليهما ، ولم يجب طلبهما ، فانعقد مجمع أفسس سنة 431 ، وقرر لعنه وطرده ، وإثبات أن مريم العذراء قد ولدت الإنسان والإله.
وقد بينا ذلك القرار ببعض التفصيل عند الكلام على ذلك المجمع. ولقد أبعد ذلك نسطور عن منصبه ونفى ، فصار إلى مصر وأقام في أخميم إلى أن مات.
ويقول ابن البطريق : "كانت مقالة نسطور قد اندثرت ، فأحياها من بعده بزمان بوصوما مطران نصيبين في عهد قباذ بن نيروز ملك فارس ، وثبتها في الشرق ، وخاصة أهل فارس ، ولذلك تكاثرت النسطورية في الشرق ، "في العراق والموصل والجزيرة". ولا يزال إلى الآن في الأماكن التي يذكرها ابن البطريق نسطوريون ينتحلون هذه النحلة ويأخذون بهذا المذهب.
ويقول صاحب سوسنه سليمان : "أن النسطوريين في هذا العصر يسمون الكلدان يسكنون خاصة فيما بين النهرين ، والبلاد المجاورة لهما ، ولهم تعاليم كثيرة مختصة بهم ، غير إنهم يمتازون عن باقي المذاهب باعتقادهم أن نسطوريوس حرمه مجمع أفسس ظلماً. أضف إلى ذلك اعتقادهم بأنه لم يكن في المسيح طبيعتان بل اقنومان أيضاً ، وكان يحسب هذا المعتقد في الزمن القديم ضلالاً مبيناً ، وأما في هذا الزمان فيحسب العلماء ، حتى الكاثوليك الرومانيون ، غلطاً لفظياً لا معنوياً ، لأن هؤلاء الكلدانيين يعتقدون أن في المسيح أقنومين ، كما أن فيه طبيعتين ، ويقولون أيضاًَ بأن هذين الأقنومين ، وهاتين الطبيعتين قد التصقا حتى صار منهما رؤية واحدة".
وهذا الكلام يدل على أمرين : أحدهما أن الكنيسة الرومانية التي كانت تشدد في القرون الخالية في طرد كل من يخالف معتقدها ، وتعده كافراً لا يلج الإيمان قلبه قد تساهلت في هذه الأعصر ، فوسعت صدرها للمخالفين لها ، وتأولت لهم ، لتدخلهم في حظيرتها بعد سابق الحرمان والطرد واللعن والتكفير.
ثانيهما : أن النسطوريين قد انحرفوا عن مبادئ نسطور ، لأن نسطور كمل قررت صاحبة كتاب تاريخ الأمة القبطية ، وكما قرر ابن البطريق لا يرى أن الأقنوم الثاني مازج المسيح قط ، بل هو يرى أن بنوة المسيح بالموهبة والمحبة لا بالحقيقة ، واستنبطنا كما استنبط غيرنا أنه يرى أن المسيح خال من العنصر الإلهي خلواً تاماً ، وهو يصرح بأن مريم ولدت الإنسان فقط ، بينما غيره يقرر أنها ولدت الإله والإنسان ، وهذا اختلاف جوهري في الحقيقة والمعنى لا في الشكل واللفظ ، وإذا كان النسطوريون في هذا الزمان قد قالوا بامتزاج اللاهوت في الناسوت كما يقول غيرهم ، فقد انحرفوا عن مقالة نسطور.
والنسطوريون يقيمون كما ذكرنا في بلادهم بلاد العراق والموصل ، ومنهم طائفة تقيم في الهند ، وأخرى تقيم في بلاد العجم ، وهم جميعاً يلتزمون بتقاليد وطقوس دينية مما يلتزم به عند غيرهم من الكنسيين ، وليس عندهم من تقليد إلا أن أساقفتهم يلتزمون التبتل ، والامتناع عن الزواج ، وذلك منذ سنة 1830م وهذا كما جاء في كتاب سوسنه سليمان.
اليعقوبيون
104- هم أتباع يعقوب البراذعي ، وهم الذين يقولون بأن المسيح ذو طبيعة واحدة قد امتزج فيه عنصر إله بعنصر إنسان وتكون من الإتحاد طبيعة واحدة جامعة بين اللاهوت والناسوت ، ونسبة ذلك المذهب إلى يعقوب البراذعي لأنه من أنشط الدعاة إليه ، لا لأنه مبتدعه ومنشئه ، فإن ذلك المذهب أسبق من يعقوب هذا ، فإن أول من أعلنه بطريرك الإسكندرية في منتصف القرن الخامس الميلادي.
وبسبب ذلك الإعلان أنعقد مجمع خليكنونية ، وقرر أن المسيح ذو طبيعتين لا طبيعة واحدة ، وبسبب ذلك القرار انفصلت الكنيسة المصرية عن الكنيسة الرومانية. أما يعقوب فقد وجد في القرن السادس الميلادي ، ويقرر صاحب سوسنة سليمان في إطلاق اسم اليعقوبيين على أصحاب هذا الرأي "يطلق عليهم اسم يعقوبيين نسبة إلى يعقوب البراذعي الذي أعاد هذه الشيعة ، ورتبها في القرن السادس للتاريخ المسيحي ، بعد أن كادت تتلاشى".
وقد فصلنا الكلام في هذه النحلة والأدوار التي مرت عليها عند الكلام في مجمع أفسس الثاني الذي تسميه الكنيسة الكاثوليكية مجمع اللصوص.
وفي مجمع خليكدونية فلا نعيد ما ذكرناه ، حتى لا نقع في التكرار الممل.
والذين يقولون أن المسيح ذو طبيعية واحدة ، ينقسمون إلى آسيويين وأفريقيين ، ولكل قسم رياسة دينية خاصة به.
فرئيس الآسيويين هو بطريرك السريان ، ومن هؤلاء الأسيويين من اعترفوا برياسة الكنيسة الكاثوليكية ، فقبلهم وان استمروا على رأيهم.
ورئيس الأفريقيين هو بطريرك القبط المقيم بالقاهرة ، ويتبعه في هذه الرياسة سكان الحبشة المسيحيون ، فهم خاضعون لبطريرك الكنيسة القبطية ، وهو يعين أسقفاً يسوسهم.
ومن الذين يعتقدون أن المسيح ذو طبيعية واحدة - ويتحدون مع الكنيسة القبطية في ذلك الاعتقاد ، ولكن لهم تقاليد دينية وطقوس ، ولهم بطاركة يرأسونهم ، ولا يندمجون في كنيسة القبط ، ولا كنيسة السريان بآسيا - الأرمن.
المارونية
105- هم أتباع يوحنا مارون ، وقد أشتهر يوحنا هذا برأيه سنة 667 ، ودعا إليه وشايعه بعض القسيسين فيه ، ومعهم بعض من مسيحيي آسيا ، وهو أن المسيح ذو طبيعتين ، ولكنه ذو إرادة أو مشيئة واحدة ، ومن أجل هذه النحلة الجديدة أجتمع المجمع العام السادس بمدينة القسطنطينية سنة 680 من بعد الميلاد ، وقرر حرمان مارون ، ولعنه وتكفيره وكل من يذهب مذهبه ، وينتحل نحلته ، وقد أشرنا إلى ذلك المجمع ، ونقلنا لك قراره في المذهب ، فلا نعيد نقله.
ويظهر أن المنتحلين لهذا الرأي لم يكونوا ذوي شوكة وقوة حتى يكونوا بمنجاة من الأذى والاضطهاد ، فقد نزلت بهم اضطهادات شديدة لم يكن لهم من يدفعها عنهم إلا الفرار ، فلم يجدوا لهم مأمناًَ يعتصمون به إلا بعض البلاد في جبل لبنان ، فاعتصموا بها ، وقد استمروا على اعتصامهم وبعدهم ، حتى لدنتهم إليها الكنيسة الرومانية وقربتهم منها ، وأعملت الحيلة والسياسة ، حتى أعلنوا الطاعة للكنيسة الكاثوليكية والإتحاد معها على أن يبقوا على رأيهم ، ولقد كان اتحادها مع الكنيسة الرومانية سنة 1182 بعد الميلاد ، ومازالت هذه الطائفة متوطنة بجيل لبنان ، ولها بطريرك خاص ، وإن كانت تقر بالرياسة لبطريرك روما.


من مواضيعي
0 الرد على استدلال النصارى بمصادر الشيعة
0 أيها الولد
0 مختارات وفوائد من زاد المعاد
0 حبيب بن زيد سفير الصدق ومسيلمة الكذاب
0 سؤال السيادة في الفكر الإسلامي المعاصر
0 كتيب حوار مع متنصرة لبيان دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم
0 موسوعة شهيرات النساء لخليل البدوي
0 اَلْمَزْمُورُ الْخَامِسُ وَالثَّلاَثُونَ

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المسيحية, الفرق

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:50 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009