ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى نقد النصرانية > ملتقى النصرانيات العام
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

أساطير التجسد في الشرق الأدنى القديم وأثرها في المسيحية

ملتقى النصرانيات العام


أساطير التجسد في الشرق الأدنى القديم وأثرها في المسيحية

ملتقى النصرانيات العام


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-16-2017, 06:28 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي أساطير التجسد في الشرق الأدنى القديم وأثرها في المسيحية

أساطير التجسد في الشرق الأدنى القديم وأثرها في المسيحية :


تأليف الباحث الأمريكي الأستاذ : Daniel E. Bassuk

ترجمه إلى العربية و قـدّم له و عـلّق عليه : سـعـد رسـتم

ماجستير في التفسير و الحديث ـ ماجستير فلسفة في الدراسات الإسلامية حلب: 1413 هـ ـ 1993 م


مقدمة و تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، سيما خاتم الأنبياء سيدنا محمد المجتبى و آله وصحبه أهل الصدق و الوفا، وبعد ،


الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ الكريم، ترجمة لفصلين فقط من كتاب كبير باللغة الإنجليزية عنوانه:


Incarnation in Hinduism and Christianity: The myth of the God Man.


أي ”التجسد في الهندوسية والمسيحية: أسطورة الإله ـ الإنسان ” لمؤلف و باحث أمريكي معاصر، و أمين مكتبة إلهيات في نيوجرسي، يدعى الأستاذ: دانييل إي. باسوك Daniel E. Bassuk.


و يتضمن كتابه عرضاً مقارناً لعقيدة التجسد ـ أي الاعتقاد بظهور الله بشكل إنسان على الأرض ـ في الديانة الهندوسية والديانة النصرانية.


أما الفصلان اللذان انتخبتهما و ترجمتهما من ذلك الكتاب، فهما الفصلان الخاصان بعقيدة التجسد في المسيحية فقط، حيث يعرض المؤلف في أولهما تاريخ فكرة التجسد، بشكل عام، في المنطقة التي كانت مهداً لانتشار المسيحية في عهدها المبكر، و هي منطقة الشرق الأدنى القديم، و يعالج في الفصل التالي عقيدة التجسد في المسيحية، مبيناً كيف و من أين نفذت هذه الفكرة الجديدة الدخيلة إلى البناء العقائدي للديانة المسيحية حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من عقائد الكنيسة، بل يبين في آخر ذلك الفصل أن هناك أوساطا مسيحية معاصرة تعتقد بإمكانية تكرر تجسد الله بصورة إنسان غير المسيح في هذا العصر، بل ترى أن هذا قد تم فعلاً، و يذكر أمثلة لمن يعتقدون بهذا الأمر!


و لما كانت فكرة التجسد Incarnation هي المحور الذي يدور حوله الكتاب، كان لا بد أن نقدم للكتاب بشرح لهذه الفكرة وبيان المقصود منها بوضوح:



يُقصد بـ ”التجسُّـد” ظهور الله تعالى ـ أو ظهور أحد الآلهة عند الذين يعتقدون بوجود آلهة متعددة ـ بشكل أرضى، أي أن يأخذ الله ـ الذي هو موجود غير مادي ـ (أو أحد الآلهة)، شكلاً مادياً جسدياً و بخاصة بشرياً، فيظهر بمظهر إنسان مثلنا ذي لحم ودم بنفس وقت كونه إلهاً! فهو إلـه ـ إنسان.

و هذه الفكرة، جزء من عقائد الديانة الهندوسية، التي يؤمن أتباعها بأن الإله ”فشنو” (المظهر الثاني لبرهمان باعتبار أن برهمان: أي الله في الهندوسية ـ واحد ذو مظاهر ثلاث: براهما و وِشنو و شيفا) قد ظهر في الهند حتى الآن عدة مرات بشكل إنسان، أي تجسَّـد، آخرها تجسّده بشكل ”كريشنا”: النبي الذي جاء إلى الهند حوالي خمسمائة سنة قبل السيد المسيح ـ عليه السلام ـ و الذي ينظر إليه الهندوس على أنه إلـه متجسِّـد.

كما أن عقيدة تجسد الله تعالى و ظهوره بشكل إنسان هو عيسى بن مريم عقيدة أساسية من عقائد الكنيسة النصرانية بجميع فرقها وطوائفها، التي ترى جميعاً أن ذلك الإنسان الذي ولد من مريم العذراء، لم يكن في الحقيقة إلا الله تعالى نفسه ـ أو بتعبير مفصل صفة الكلمة أو الابن لله و الذي هو واحد في جوهره مع الله ـ الذي تجسد و تأنس وظهر بلباس بشري لتخليص بني البشر و نجاة الإنسان! فعيسى في نظر الكنيسة إله ـ إنسان، أي إنسان حقيقي مثلنا بنفس وقت كونه ـ هو بذاته ـ إلهاً كاملاً!!


و مؤلف الكتاب من جملة المحققين الغربيين المعاصرين الذين ذهبوا إلى أن عقيدة التجسد في المسيحية عقيدة خرافية وفكرة وثنية دخيلة نفذت إلى المسيحية من وثنية اليونان و الرومان، الأمتان اللتان كان لهما الدور الأساسي في انتشار المسيحية، فكما نعلم، تمثل منطقة الشرق الأدنى القديم مهد انتشار المسيحية و المركز الأصلي لعمل بولس التبشيري بين الأمم الوثنية، و هذه المنطقة كانت تسيطر عليها الثقافة الوثنية اليونانية الهيلينية، كما أن الأناجيل والرسائل والنصوص المسيحية المقدسة كلها دونت أول ما دونت باللغة اليونانية القديمة، كما أن ظهور و غلبة الدعوة المسيحية تم في عهد الحكم الروماني وبين الشعوب الخاضعة للثقافة الرومانية و بدعم الأباطرة الرومان بدأً من عهد الإمبراطور المتنصِّر قسطنطين فما بعد.


ويرى أولئك المحققون الغربيون ـ و مؤلفنا أحدهم ـ أن رسالة المسيح بذاتها كانت رسالة أخلاقية توحيدية بسيطة لا تعقيد فيها، فالمسيح نشأ يهودياً مؤمناً و ترعرع في بيئة توراتية متدينة، من ركائزها الأساسية التأكيد على وحدانية الله تعالى الخالصة و الفصل التام بينه وبين مخلوقاته من البشر.


إن المؤلف يسعى في الفصلين القيمين من كتابه ـ اللذين تجد أمامك ترجمتهما في هذا الكتاب ـ أن يبين لنا من أين، وكيف؟ نفذت عقيدة التجسد: ”أي تجسد الله في عيسى” إلى رسالة المسيح التوحيدية الخالصة البسيطة.


ففي الفصل الأول من كتابه والذي يعنون له بـ Myth of Incarnation in the Ancient near east أي أساطير التجسد في الشرق الأدنى القديم، يعرض لنا المؤلف عرضاً موثقاً الاعتقاد بتجسد الآلهة في عالم الشرق الأدنى القديم في عهد ما قبل ظهور المسيحية، والعهد المعاصر لها، فيذكر لنا أمثلة عديدة لتصور و نظرة شعوب الشرق الأدنى لبعض عظمائهم من فلاسفة عظام كفيثاغورث و أمفيدوكلس أو ملوك أباطرة فاتحين كالإسكندر الأكبر، على أنهم في الحقيقة آلهة أو أبناء آلهة تجسدوا و ظهروا بذلك المظهر البشري!

و من جملة ذلك يبين لنا كيف أنه في العهد الروماني المعاصر للمسيح كان من الشائع إطلاق لفظ ”الرب” أو لفظ ”ابن الله” أو لفظ ”المخلص” على بعض الأباطرة الرومان كأغسطس و يوليوس قيصر و نيرون! ويذكر في هذا المجال مثلاً أن مخطوطة يرجع تاريخها لسنة 48 ق.م. تتحدث عن الإمبراطور الروماني الشهير جوليوس قيصر كَـ:"مظهر الله، وابن الإله آريز والإلـهة أفروديت والمخلِّص العام للحياة البشرية".


و لن نطيل هنا في ذكر شواهده فستقرؤها مفصلة في هذا الفصل الأول من الكتاب، و نضيف أن المؤلف يبين كذلك أن الاعتقاد بتجسُّد بعض الآلهة لم ينحصر باليونان و الرومان الوثنيين فحسب، بل كانت هناك أيضاً أفكار تجسُّدية قديمة بين اليهود، ازدادت وضوحاً في الفترة السابقة لظهور السيد المسيح، و يذكر المؤلف عدة شواهد على ذلك من أسفار كتاب اليهود المقدس تتحدث عن تجسُّد لكائنات ملكوتية مجردة ـ كالحكمة واللوجوس وبعض الملائكة ـ و ظهورها بشكل إنسان منقذ ومخلص!


و الحاصل أن المؤلف بين لنا بأسلوب علمي موثق في هذا الفصل أن الاعتقاد بإمكانية، بل بالوقوع الفعلي، لتجسد آلهة أو على الأقل كائنات ملائكية علوية مجردة، و ظهورها في شكل عظماء أو منقذين من البشر كان اعتقاداً شائعاً ومتغلغلاً في أذهان شعوب الشرق الأدنى القديم سواء منها الوثني أو اليهودي.


بعد هذا، ينطلق المؤلف في الفصل الثاني Myth of Incarnation in Christianity (أي أسطورة التجسد في المسيحية) ليبين لنا كيف و من أين ؟ دخل التفسير التجسُّدي لشخصية المسيح إلى البناء العقائدي للكنيسة المسيحية و كيف بدأت الحقيقة التاريخية لشخصية المسيح و أعماله، تختلط بالخيال و الخرافة، و يبين ما كان لآراء يوحنا صاحب الإنجيل الرابع الفريد الذي يختلف كثيراً عن الأناجيل الرسمية الثلاثة المتشابهة، ولآراء ورسائل بولـس، من أثر في هذا المجال، و تأثُّر هاتين الشخصيتين المحتمل بالفيلسوف اليهودي الأفلوطيني ”فيلو الإسكندراني”، ويبين المؤلف أن هذا التدخل للأفكار الفلسفية والأسطورية لم يتم دفعة واحدة بل تم بشكل تدريجي وعلى مراحل، و يحاول أن يبين الأسباب المختلفة التي أدت إلى تكرُّس هذا التفسير التجسُّدي الخيالي لشخص المسيح في أذهان آباء الكنيسة، و من جملة ذلك يذكر ما كان للاختلاف الكبير بين مفهوم عبارة ”ابن الله” في اللغة الآرامية (اللغة التي كان يتكلمها المسيح) أو اللغة العبرية (لغة التوراة و الزبور و الكتاب المقدس)، و مفهومها في اللغة اليونانية القديمة، التي دونت بها الأناجيل و الرسائل النصرانية الأولى، من دور في هذا الأمر، ففي حين لا تعني هذه اللفظة بلغة المسيح واللغة العبرية أكثر من معنى مجازي يدل على أن صاحبها بار متق محبوب من الله اجتباه الله واصطفاه لنفسه، تحمل عبارة ”ابن الله” في اليونانية القديمة ـ لغة الآباء العظام ـ معنى حرفياً لتعني الابن المولود فعلاً أي المنبثق من الله و الذي يكون من نفس جوهر و طبيعة الله ـ حيث أن ثقافة اليونان الوثنية كما ذكرنا كانت مليئة بالاعتقاد بآلهة لهم أولاد ولدوا منهم على نحو حقيقي!


على كل حال لا نريد في هذه المقدمة أن نلخص جميع مواضيع الكتاب وإنما أردنا فقط أن نوضح موضوع البحث لكي يكون القارئ في الصورة عن القضية المطروحة فيه وعما يريد المؤلف إثباته في كتابه ونأمل أن تكون هذه المقدمة قد حققت هذا الغرض و قد آن الأوان لنتركك عزيزي القارئ الآن مع المؤلف نفسه.

و نشير في الختام إلى أن الحواشي التي تجدها باللغة الإنجليزية هي حواشي المؤلف نفسه و هي فقط بيان لمصادر ومراجع المعلومات التي يذكرها في بحثه، أما الحواشي التي تجدها باللغة العربية فهي للمترجم أي لي، حيث وجدت من الضروري شرح الأعلام التي يذكرها المؤلف والتي قد لا يكون القارئ على علم بها وقد استفدت في هذا الأمر بشكل رئيسي من معجم الأعلام في قاموس المورد لمنير البعلبكي، كما علقت من عندي على بعض ما ذكره المؤلف مما لا نتفق معه فيه أو مما وجدته بحاجة لتعليق.

هذا ما أردت ذكره في هذه المقدمة و أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكُتـيِّب ويقبله خدمة للتوحيد الخالص و للإسلام بل لسيدنا المسيح عليه السلام كذلك، الذي تعرضت رسالته التوحيدية النقية الخالصة إلى التبديل والإضافات الوثنية، و الحمد لله تعالى أن هدانا لهذه الحقائق قبل أن يتوصل إليها أولئك المحققون الغربيون بألف وأربعمائة عام وذلك على لسان أكرم رسله وأشرف مبعوثيه وخاتم أنبيائه سيدنا محمد (صلى الله عليه و آله وسلم)، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
أساطير التجسد في الشرق الأدنى القديم



الفصل الأول :


دعونا نرجع في تاريخ " الشرق الأدنى "([1]) القديم إلى العهود التي سبقت ظهور عيسى المسيح و إلى الفترة المعاصرة له، لنــرى كيف كـانـت " التجسُّــدية " Incarnationism (أي مذهب أو فكرة تجسد الآلهة و هبوطها للأرض بصورة بشرية) في تلك الفترات الزمنية.


مبدئياً، كان الاعتقاد بوجود نسب وقرابة بين بعض الناس و الآلهة، اعتقادا مألوفا ومنتشرا في عالم الشرق الأدنى القديم، نراه في صورة أساطير دينية، حيث كانت أساطير آلهة اليونان والرومان تستخدم للتعبير عن إحساس بإنتماء بعض عظمائهم، لعرق أسمى وعالم آخر، فكان إطلاق ألقاب مثل: " ابن زيوس " ([2]) أو " ابن هليوس " ([3]) على بعض العظماء إطلاقا شائعا جداً. وهي ألقاب كانت تستمد جذورها من الميثولوجيا ([4]) القديمة خاصة من أسطورة هِرَقْلوس ([5]) Heracles.


ولذلك نجد أن المتكلمين المسيحيين القدماء ([6]) اضطروا لمعالجة مشكلة آلهة مثل هِرَقْلوس و أسكليبيوس ([7])Asclepius وديونِسيوس ([8])Dionysius ، وأن يحسبوا لها حساباً خاصا باعتبارها آلهة ذات مكانة وأهمية في أذهان جماهير الناس في عصرهم، تجعلها ذات قدرة كامنة على منافسة المسيح !


ففي القرن الثاني للميلاد نبذ " جوستين الشهيد " ([9]) تلك الآلهة و ردها معتبراً إياها مجرد إختلاق خادع وتلفيق مضلل، الهدف منه تحويل قصة المسيح إلى مجرد حكاية معجزات وأعاجيب مثلها مثل تلك القصص التي كان يتحدث عنها الشعراء في قصائدهم الخيالية ([10]).


هذا و قد تركزت أساطير هبوط الآلهة وتأله بعض البشر، في اليونان القديم، حول شخصيتين من الفلاسفة اليونانيين السابقين لسقراط هما " فيثاغورث " Pythagoras و " إمفيدوكليس " Empedocles.


أما الفيلسوف " فيثاغورث " فقد اعتُبِر تجسداً لابن الإله هرمس ([11]) الذي كان يملك سهولة إعادة سلسلة من التجسدات الجديدة !


فقد ادعى تلاميذ فيثاغورث أن أستاذهم كان الإله " أبوللو " ([12])، وهذا ما نقله عنهم كل من الفيلسوف اليوناني " ديوجينوس " ([Diogenes ([13 والفيلسوف المعروف أرسطو ([14]).


أما بالنسبة للـفيلسـوف " أمـفـيـدوكلـس " فهو معروف بقوله الشهير: " أيها النـاس ! إني أتجول الآن بينكم كإله خالد، ولست بعد الآن إنساناً بشراً ! " ([15])، هذا وقد استجاب له الناس وصاروا " يعـبـدونـه ويصـلُّـون له كـإلــه " ([16]).


وكذلك حكاية أن أفلاطون كان من الآلهة، حكاية ترجع إلى فترة زمنية سابقة بوقت طويل، لزمان تأليف كتاب العهد الجديد ([17]).


فالفيلسوف " ديوجينوس لائيرتيوس " Diogenus Laertius يحكي هذه القصة ويستشهد عليها بنصوص مستندة لابن أخ (أو ابن أخت) أفلاطون " سفييو سيبوس " Speusippus ولتلميذي أرسطو: " كليركوس " Clerchus و " آناكسيليدوس " Anaxilaidus.


كما أن قصة ولادة أفـلاطون بشكل معجز خارق للطبيعة (أي من غير أب) موجودة أيضاً لدى كاتب السِّيَر اليوناني " بلوتارك " (Plutarch (46


" أنا لا أرى أي غرابة، بأن يقوم الله بإيجاد تغيير في إنسان (امرأة) بدون حصول أي اتصال بدني بها كاتصال الرجل بالمرأة، بل بنوع آخر من الاتصال أو المس بواسطة قوى أو وسائل أخرى ـ فيجعل تلك المرأة حاملاً بجنين ذي طبيعة إلهية أكثر مما هو ذو طبيعة بشرية... و بشكل عام فإن المصريين القدماء كانوا يجيزون حصول جماع واتصال بين إنسان أنثى و إله ذكر... " ([18]).


و قد عاش بلوتارك هذا في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، أي كان معاصراً لزمن تأليف كتاب العهد الجديد.


و يذكر بلوتارك هذا في أحد أشهر مؤلفاته ـ وهو كتابه " Lives "، أي " الحيوات أو القوات المحيية " ـ سلاسل أنساب، و قصص ولادات فوق طبيعية للحكام البارزين ولمؤسسي المدن، و أحد أولئك الحكام مثلاً هو الإسكندر الأكبر ([19]) حيث يرى " بلوتارك " أنه مما لا شبهة فيه أن الإسكندر الأكبر كان، من ناحية والده، سليلاً للإله هِرَقـلس، و من ناحية والدته، سليلاً لأبطال " تْروى "Troy الأسطوريين ([20]).

و يروي بلوتارك عدة روايات مختلفة عن ولادة الإسكندر. تقول إحداها: أن الحمل بالإسكندر قد تم نتيجة لمضاجعة أحد الآلهة، الذي اتخذ شكل ثعبان، لأم الإسكندر: " أوليمبياس " Olympias ! و أن أحد الكهنة من وسطاء الوحي ([21])، كشف أن ذلك الثعبان لم يكن إلا الإله " زيوس أمون "، و لذلك ادعى الإسكندر أن هذا الإله العظيم أبوه الحقيقي ([22]).


إن تأليه الإسكندر الأكبر أحدث تطوراً جديداً تماماً في فكرة التجسد في عالم الشرق الأدنى القديم.


ففي الوقت الذي كان فيه تأليه أحد الملوك في مصر القديمة يعتبر أمراً عادياً، حيث كان يُنظر إلى الفراعنة، عند اعتلائهم العرش في مصر، على أنهم التجسد الحي لإله الشمس " حوروس " Horos ؛ كان تأليه إنسان لايزال على قيد الحياة، في اليونان القديم، تطوراً جديداً تماماً في فكرة التجسد، و ربما مسبباً لصدمة بالنسبة لليونانيين القدماء.


فلقد كانت أهم الصفات المميزة لآلهة اليونان هي :

(1 البقاء و عدم الفناء .

(2 عدم القابلية للفساد ( أي عدم العرضة للتفسخ و الانحلال الجسمي )

(3 الأصل أو المنشأ الإلهي.


هذا و قد طالب الإسكندر ـ في الوقت نفسه ـ من اليونان و من غيرهم من رعايا مملكته، أن يعبدوه عبادة كاملة ـ كما تعبد الآلهة ـ في حال حياته، و قد استجاب له في ذلك أهالي أثينا وإسبارطا وغيرهما من مدن اليونان الكبيرة، و بهذا كان الإسكندر الأكبر أول ملك يوناني يأمر بعبادته كإله و يحظى بهذه العبادة فعلاً في حال حياته ([23]).


و ما بدأه الإسكندر في حياته، تكاثر و انتشر بعده في خلفائه فـ " بطليموس " ([24]) و " آرسينويس " نودي بهما آلهة: " مخلِّصة (مُنقِذَة) " من قبل رعاياهما اليونانيين و المصريين، بعيداً تماماً عن أي مماثلة أو مطابقة بينهما و بين أي إله مصري.


و قد أصبح الحد الفاصل بين الألوهية و البشرية رقيقاً و ضعيفاً إلى درجة أن اليونانيين القدماء لم يعتقدوا أن البشر يمكن أن يصيروا آلهة فحسب، بل أعلنوا أيضاً أن الآلهة لم يكونوا من قبل إلا بشراً ثم تألهوا بعد ذلك !.


و بعد بضع سنوات فقط من موت الإسكندر، دافع "أوهيميروس" ([25]) عن نظرية ـ أصبحت تحمل اسمه ـ تقول: أن جميع الآلهة كانوا إما ملوكاً أو أبطالاً حقيقيين من البشر.


و بعد الإسكندر الأكبر، أصبح العالم الإغريقي ـ الروماني معتاداً على تأليه ملوكه.


فالملوك الإغريق صاروا يمثلون أنفسهم على العملات المسكوكة (النقود المعدنية) بصورة الإله زيوس، أو الإله أبوللو، و كان أمراً رائجاً أن يكون لملوك الإغريق و أباطرة الرومان تماثيلهم المنصوبة في المعابد لتعبد جنباً إلى جنب الآلهة الأخرى.


كما أصبح من الشـائع أن نجد في الألفاظ اليونانية ألقاب " Theos " أي الله، و " Hyios tou theou " أي ابن الله، و " Soter " أي المخلِّص، و " Kyrios " أي الرب، تطلق على أباطرة الإغريق والرومان مثل الإمبراطور أغســطــس ([26]) والإمبراطور قيـصـر ([27]) والإمبراطور نـيـرون ([28]) ([29]).

و هناك مخطوطة يرجع عهدها إلى سنة 48 ق.م تتحدث عن الإمبراطور جوليوس قيصر Jeulius Caesar كـ [مظهر الله، و ابن (الإله) آريز ([30]) و (الإلهة) أفـروديـت ([31])، و المخـلِّـص العام للحياة البشـرية !] ([32]).


أما الإمبراطور الروماني كلوديوس قيصر Claudius Caesar (([33]) المعاصر لعيسى المسيح فبالرغم من رفضه لأن يصبح إلهاً، إلا أن رعاياه البريطانيين أبوا إلا أن يؤلهوه و يعبدوه في معبد خاص برهبة و خشوع ! و قد هجا الشـاعر الروماني سـينيكا Seneca ([34])) هذا التأليه لـ " كليوديوس " مسـمياً إياه: " نفخ كلوديوس " ([35])


و هكذا فقد سجل الربط بين الإنسان و الظهور الإلهي، بشكل خاص في حالة الحكام.

قبيل العصر الذي عاش فيه عيسـى، كتب الخطيب الروماني " شيشرون " ([36]) عام 60 ق. م. يقول: أن الإغريق في آسيا كانوا متأثرين جداً بعدم قابلية حكامهم للفساد إلى درجة أنهم كانوا يعتقدون في كل إمبراطور من أباطرتهم أنه رجل إلهي نزل من السماء و هبط إلى إقليمهم ([37]).


أما الشاعر الروماني " فرجيل " ([38]) فقد ربط، عام 40 ق.م، مجيء العصر الذهبي، بميلاد طفل لـقَـبَّه بـ " الابن العزيز للآلهة " ([39]).


و أما الشاعر الروماني " هوراس " ([40]) فقد اعتبر الإمبراطور الروماني " أغسطس " تجسداً للإله " ميركوري " ([41]) ([42]). هذا و قـد ولد عيسى في عهد حكم الإمبراطور " أغسطس " هذا.


ويحكي لنا الشاعر الروماني " أوفيد " ([43]) في قصيدته المسماة Metamorphoses (أي التحول أو المسخ و الاستحالة)، و التي ألفها حوالي سنة 7 ميلادية، حادثة زيارة الإلـهين " جوبيتر " ([44]) و " ميركوري " لأهل الأرض متزيِـيَيْن بزيٍّ ومظهر إنساني بشري، طالبين فترة استراحة في الأرض ليجدانها في البيت المتواضع لـِ " بوكيس " و " فيليمون " ([45]).


لقد كان ظهور الآلهة على الأرض بثوب البشر هو المخزون الرئيسي للميثولوجيا (الأساطير) و القصائد اليونانية و الرومانية منذ عهد الشاعر " هوميروس " ([46]) و ما بعد. فموضوع زيارة الآلهة متخذةً شكلاً بشرياً، يعود في قدمه إلى أقدم ملحمة إغريقية حيث نجد العبارات التالية في ملحمة الأوذيـســة (7، 484):

" ويل لك: إذا هبط إله من السماء. نعم، و الآلهة يأتون من بعيد بشكل غرباء و يلبسون كل نوع من الأشكال و يزورون المدن ".


لاشك أنه من الصعب تحديد درجة الجدية التي كانت تؤخذ بها هذه القصص و الحكايات الأسطورية، إلا أنه مما لا ريب فيه أن كثيراً من عامة الناس كانوا يؤمنون و يصدقون بما فيها فعلاً، و مما يدل على ذلك القصة التي رويت في سِفر " أعمال الرسل " في العهد الجديد (الإصحاح 14 / الفقرات 8 إلى 18) و التي تذكر أن أهالي مدينة " ليكأونية " ([47]) لما رأوا ما فعله بولس و برنابا من الخوارق و المعجزات، اعتبروهما إلهين تجسدا و تشبها بالناس و نزلا إليهم، فدعوا برنابا: " زيوس " و دعوا بولوس: " هرميس " و هما إلـهان من أشهر آلهة الإغريق يساويان في المنزلة والمهام، إلـهي الـرومـان " جوبيتر " و " ميركوري " اللذين ذكرهما الشاعر أوفيد كما أشرنا اليه من قبل.


و مع أنه يمكن أن يقال أن تلك الإشارات لإلـهية بعض الأفراد لا تعدو كونها أفكاراً و خيالات أدبية و شعرية فقط، إلا أنها تفيد في تذكيرنا بأن مثل تلك الأفكار كانت سائدة و رائجة في فترة ظهور " عيسى " و كان من المألوف تطبيقها على الملوك و الحكام.


من تلك الأمثلة العديدة أصبح من الواضح أن الأساطير الدينية الإغريقية ـ الرومانية، التي تتحدث عن آلهة تهبط لعالم البشر و تظهر على الأرض بشكل إنسان، قد سبق استخدامها لأجل تفسير حياة شخصيات تاريخية، كما أن هذه الأساطير وجدت بزمن مبكر بشكل يكفي لجعلها متاحة و موجودة في المتناول للاستفادة منها و تخصيصها للغرض المسيحي.


في القرن الميلادي الثاني، كتب مؤلفان وثنيان هما: سيلسوس Celsus و لوسيان الشمشاطي Lusian of Samosata وثائق هامة تتحدث عن التجسـُّـد.


أما سـيلسـوس ـ وكان أفلاطونياً ـ فإنه رفض المسيحية معتبراً أن عيسى لم يكن إلا واحداً من مدعي الألوهية الكثيرين، مشيراً إلى المتنبئين الكثيرين الذين ظهروا في فلسطين في تلك الفترة و الذين كانوا يطوفون مدنها و يجوبون قراها مدعين أنهم الله أو ابن الله أو أن بهم روحاً إلهية ([48]).


هذه الحجج التي يحتج بها " سيلسـوس " في إنكاره للمسيحية، تفيد أن الجو الثقافي السائد في ذلك العصر كان جواً تقبل فيه ادعاءات التجسد الإلهي و تلقى آذاناً صاغية من عدد من الناس.


و نفس " سيلسوس " الوثني هذا، كان يصر على أن الإلــهين " أبـوللو " و " اسـكليـبـيوس " هـبطا للدنيا مع كهانات و إخبارات عن الوحــي و الـغـيـب و معجزات. و ذكر شهوداً شهدوا هذه الواقعة. و اعترض على ما ادعاه المسيحيون بشأن عيسى قائلاً أن عيسى: " لم يكن فيه ما يتوقعه أحدنا فعلاً من الله ! ".


و قد أخذ الأب " اوريجين " ـ أحد آباء الكنيسة المسيحية في القرن الميلادي الثالث ـ على عاتقه مهمة الرد على هجمات " سيلسوس " الوثني ذاك على المسيحية، وكان أحد الأمور التي دافع عنها هو فكرة الولادة العذرية للمسيح (أي التي لم يحصل للأم قبلها أي اتصال جنسي)، و التي دافع عنها عن طريق استشهاده بقصص وثنية مماثلة تحكي حصول مثل تلك الولادات العذرية. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن الأب " أوريجين " قد عاش في عصر كانت فيه تلك القصص رائجة وذائعة، و فكرة الولادة العذرية فكرة عادية ومقبولة.


أما المؤلف الوثني الثاني ـ في القرن الميلادي الثاني " ـ أي لوسيان الشمشاطي ـ فيحاول أن يعرض الادعاءات الاحتيالية الخادعة لإلهية الإسكندر الأبونوتيكوسي Alexander of Abenutheicos و إلهية بيريغرينوس Peregrinus فيحكي أن بيريغرينوس هذا:.... ذهب إلى فلسطين و انضم إلى المسيحيين ثم صار نـبـيـاً و زعيماً موضع إعـجـاب و صاروا يبجلونه كإلـه... مباشرة بعد ذلك الآخر الذي لايزالون يعبدونه، يعني ذاك الذي صلب في فلسطين... ([49])


أما الدجّـال الآخر في نظر لوسـيان فقد كان ((الإسكندر الأبونوتيكوسي))، و يروي لوسيان أن هذا الإسكندر احتال مستخدماً ثعباناً أليفاً معروفاً باسم غليكون Glycon فزعم أنه تجسد لإله الطب إسكليبيوس. و هناك وثائق تاريخية عديدة تؤكد أن الكثيرين صدقوا فعلاً هذا الإسكندر في ادعائه ذاك، و أن عبادة الغليكون، كانت طقساً دينياً استمر بنجاح مدة طويلة من الزمن ([50]).


و مما لابد من ذكره في هذا المجال أيضاً: الكتاب الذي ألفه الفيلسوف اليوناني " فيلوستراتـوس " في أوئل القرن الميلادي الثالث وأسماه The life of appolonius أي حياة أبولونيوس و موضوع هذا الكتاب ـ كما يدل عليه اسمه ـ هو الفيلسوف أبوللونيوس التيناوي Appollonius of tyana و هو فيلسوف فيثاغورثي جديد، حاز إعجاب الناس بسبب زهده وتقشفه، و علاجه الناجح جداً لمختلف الأمراض و بسبب المعجزات التي أظهرها و بسبب زيارته للهندوس في الهند كذلك.


إن كثيرين يعتقدون أن كتاب " حياة أبولونيوس " هو أقرب نظير ومشابه ـ من أي كتاب تاريخي قديم آخر ـ لحياة عيسى، كما تعرضها الأناجيل المتشابهة ([51]) للأسباب التالية: أولاً: ولادته الإعجازية (بدون أب)، ثانياً: إلهية أصله (أي إلهية أباه الذي نشأ منه)، ثالثاً: صفاته فوق الطبيعية، رابعاً: إختفاؤه بعد موته، خامساً: قيامه حياً من الموت.


و لكن يوجد هنا إشكال مهم، هو أن ما نعلمه عن " أبوللونيوس التيانوي " هذا، إنما جاءنا بشكل رئيسي من مصدر واحد فقط هو الفيلســوف " فيلوستراتـوس " هذا في كتابه المذكور. و لذا يرى بعض العلماء أن تلك الترجمة لحياة أبوللونيوس في ذلك الكتاب لا تعدو كونها " قصة رومانسية شاعرية بعيدة جداً عن الواقعية والوثاقة "، و يرون أن الهدف الأساسي منها لم يكن إلا معارضة و إبطال تأثير الإنجيل المسيحي بإخراج إنجيل وثني مماثل ([52]).


هنالك المزيد من الروايات لأساطير تجسد الآلهة في الشرق الأدنى، يرجع كثير منها إلى الفترة السابقة لعصر ظهور المسيحية، و يرى المحققون المتأخرون أن المصادر الدينية اليهودية، كما توجد في كتابات ما بين العهدين (أي الكتابات التي دونت بين زمني تدوين كتاب العهد القديم و كتاب العهد الجديد)، قد تحدثت أيضاً عن الأبوة الإلهية وعن كائنات ملائكية أو سماوية، وعن أبناء الله.


من المعروف أن فكرة إطلاق لقب " ابن الله " على بعض الرجال، فكرة قديمة في اليهودية، ففي كتاب العهد القديم، أطلق على الملك داوود وعلى الملك سليمان وعلى بني إسرائيل لفظ " أبناء الله ".


و كل من كان مطيعاً لإرادة الله كان يسمى ابناً لله، و لذلك كان بنو إسرائيل يعتبرون أنفسهم أبناء الله، و بناء عليه فالمسيح المنتظر، الذي كان اليهود ينتظرون خروجه ليؤسس مملكة الله على الأرض، كان سيعتبر بلا شك ابناً بارزاً لله. و هذا المسيح المنتظر كان يتوقع أنه سيكون ملكاً أرضياً و من ذرية داوود، و عندما كان ملوك يهودية ([53]) القدامى ـ الذين هم من نسل داوود ـ يُمْسَحون بالزيت خلال مراسم تتويجهم، كانوا يعتبرون أبناء الله، و لعل العبارة التالية من مزامير داوود: " إني أخبر من جهة قضاء الرب، قال لي أنت ابني أنا اليوم ولدتك " (مزمور 2 / فقرة 7)، قيلت في حفلة تتويج ذلك الملك.


و طبقاً لما يراه العالم الباحث سيغموند موينكل Sigmond Mowinckle، كان الملك ـ من ملوك بني إسرائيل ـ يعتبر أنه على ارتباط و صِلَة بِـيَـهْوَه (الله عند اليهود) لا يدانيه فيها أي أحد آخر، لأنه يصير ابن يَهْوَه: " أنت ابني، أنا اليوم ولدتك "، وباللغة الميثولوجية يقال: يهوه قد " وَلَـدَهُ "، أو أنه ولد من إله الفجر على الجبل المُقَدَّس.


و هكذا فطبقـاً للفقرة 2 من المزمور 2 والفقرة 3 من المزمور 100 من سفر المزامير Psalms في العهد القديم فإن تتويج الملك اليهودي على جبل صـهيون كان يُنظَر إليه على أنه ولادة من جديد و خلق مباشر بواسطة الله.


و ليس من الصدفة أن يصبح هذان المزماران دعامتين هامتين جداً في احتجاج و استدلال الكنيسة القديمة، بنصوص الكتاب المقدس قبل الإنجيل، على طبيعة المسيح ([54]).


في زمن تأليف سفر دانيال و السفر الأول لإنوخ Enoch، أي في الكتابات الرؤيوية Apocalyptic والمَخْفِـيَّة (أو المشكوك في صحتها) Apocryphal، تطور نظام جديد و مفصل من الملائكة، و صار عدد من مقاطع ذاكين السفرين يتحدث عن تلك الكائنات على أنها " أبناء الله ".


و كثيراً ما نظر التأمل اليهودي إلى تلك الشخصيات فوق الطبيعية على أنها كائنات هبطت إلى عالم الأرض، غالباً بلباس و هيئة إنسانية بشرية.


جاء في الرسالة إلى العبرانيين ([55]): " لا تنسوا إضافة الغرباء لأن بها أضاف أناس ملائكة و هم لايدرون ! " (الإصحاح 13 / فقرة 2).


وفي سفر طوبيا ([56]) المشكوك في أصالته و الذي ألف في القرن الثاني قبل الميلاد، يعلن عزريا " Azarius " عن رافائيل قائلاً: " لقد أرسلني الله لأشفيك و أبرئ " سارة " كَنَّتَكَ، أنا رافائيل، أحد الملائكة السبعة المقدسين الذين يرفعون صلوات القديسين إلى حضن الرب و يدخلون إلى حضرة مجد الواحد القدوس...... كنتما ترونني آكل، و لم يكن ذلك إلا رؤيا تريانها و الآن فباركا الرب على الأرض و احمدا الله، ها إني صاعد إلى الذي أرسلني " ([57]).


فهنا نرى صورةَ تخليصٍ ملائكيٍّ ـ في إطار أرضي ـ يهبط فيها الملاك و يظهر على الأرض في صورة إنسانٍ من البشر.

و في أدب الحكمة العبرية التي سبقت بفترة قصيرة زمن العهد الجديد، تنزل الحكمة السماوية إلى الأرض وتعيش بين الناس، و في كتاب إينوخ Enoch الأول (إصحاح 42 / فقرة 1 )


وهناك نصوص أخرى مشكوك في أصالتها و تحمل عناوين مزيفة مثل: عهد أيوب و رؤيا موسى وعهد إبراهيم، و كلها كتبت في القرن الميلادي الأول تقريباً، تذكر شخصيات ملائكية تهبط لعالم الأرض لتخلص الناس و تشفيهم.


كان اليهودي الإسكندري " فيلو يهوذاوس " (20 ق.م )


و قد ربط " فيلو " هذا: بين اللوجوس Logos ([58]) (أي الكلمة أو العقل الكلي) و بين الابن المولود الأول، و بين ملاك الله، و طوَّر و أخرج عقيدة بـِ " إنسان ـ لوجوس " سماوي، كائن وسيط من النمط الذي سيطابقه المسيحيون فيما بعد على المسيح !


و في الواقع، على الرغم من أن " فيلو " تحدث أحياناً عن هذا المظهر أو الكائن السماوي بألفاظ تفيد أنه شخص، إلا أنه، هو نفسه، لم يعين هوية هذا " الإنسان ـ اللوجوس " السماوي بأنه شخص (يعقل ذاته).


و على الرغم من أنه من المستحيل القطع بشكل حاسم بأن كتابات " فيلو " هذه أثرت على مؤلَّـفِي كتاب العهد الجديد، إلا أنه من المنطقي جداً القول بأن فيلو لم يكن إلا صوتاً واحداً من جملة أصوات أخرى ضمن الثقافة الهيلينية ([59]) اليهودية و أن بعض مؤلفِي رسائل العهد الجديد مثل بولس و يوحنا، يمكن أن يكونوا قد مروا بهذه الأفكار و نالوا منها تأثراً مشابهاً.


أحد الأسفار الأخرى المشكوك في أصالتها ([Apocryphal ([60 هو سفر حكمة سليمان ([61]) الذي تم تدوينه قبل " فيلو ". هذا السفر يقدم ـ جنباً إلى جنب ـ مفاهيم متنوعة، و التركيبة الناتجة تقدم لنا صورة مخلِّصٍ إلهيٍّ تُعَرَّف هويته على التعاقـب بأنه: حكمة ـ لوجوس ـ ملاك ـ روح القدس (الإصحاح 9 / الفقرات 1


في هذه الأسطورة، تُعْرَضُ صورة المخلَّص كشخصية ذاتية مرسلة من السموات لتخليص البشر في هذا العالم (الإصحاح 7 / فقرة 27، والإصحاح 8 / فقرة 10) وفي العالم الآخر (الإصحاح 6 / فقرات 18 )



مثال آخر لفكرة التجسد ظهر في السامرة: المملكة اليهودية الشمالية القديمة في شمال فلسطين. كان أهالي السامرة طائفة يهودية هرطقية (أي مبتدعة ضالة) توطدت شمال فلسطين قبل قرون من ظهور عيسى، و كانت ذات تأثير قوي في القرن الأول الميلادي. و قد كانت فكرة التجسد فكرة مقبولة تماماً لدى أهالي السامرة في العقد الأول من التاريخ المسيحي، فأحد زعمائهم الدينيين ويدعى سيمون ماجوس Simon Magus وعُرِف بالمسيح السامري، أُثْبِتَ كتجسد لأحد مظاهر الله، و نجد في كتاب العهد الجديد إشارة إليه حيث نجده يسأل بطرس و يوحنا أن ينعموا عليه بروح القدس (أعمال الرسل: الإصحاح 8 / الفقرتين 18 )


وقد كتب الأب الكنسي " جوستين " عن ذلك فقال: " كان هناك سامري يدعى سيمون من أهالي قرية غيتو Gitto، قام في عهد كلوديوس قيصر، وفي مدينتكم الملكية روما، بأعمال سحرية عظيمة، وقد اعتُبِر إلهاً... وجميع السامريين تقريباً، بل حتى بعض أبناء الأمم الأخرى، عبدوه وأذعنوا مقرين بأنه الله الأول ! " ([62]).


ويجزم العالم البريطاني " مايكل غولدر " Michael Goulder بكل قطع واطمئنان أن بولس اقتبس فكرة تجسد عيسى خلال نقاشاته مع الدعاة المبشرين السامريين في مدينتي " كورنثوس " و " أفسس " في الفترة بين 50 و 55 م ([63]). و يرى غولدر أن هذا كان أحد أهم التأثيرات الأساسية على فكرة التجسد في المسيحية.


وهناك نظرية أخرى تقول أنه من المحتمل أن فكرة التجسد المسيحية جاءت تحت تأثير العبادات و الطقوس السرية الإغريقية كذلك، و كثيراً ما يعتقد أن شخصيات بارزة مثل " أوزيريس" ([64]) و " إيزيس " ([65]) و "أدونيس" ([66])


و " أتيس " ([67]) و كذلك الطقوس السرية الإليوسينية ([68]) و الديونيسينية ([69]) التي تستخدم آلهة تموت ثم تقوم حية، كان لها تأثير على التفكير المسيحي في عهده المبكر.


إلا أن قصة تلك الآلهة تختلف عن قصة المسيح بأنها كانت آلهة ولدت في الأرض و ابتدأت وجودها منذ تلك اللحظة المحددة من الزمان أي لحظة ولادتها، و كان من الجائز أن تهبط إلى عالم الموت، و إلى عالم الجحيم، و لكنها لم تهبط إلى الحياة و لم يرسلها أب سماوي.


أما عبادة ميثرا ([70]) و التي كانت بقية من طقس فارسي الأصل، فلا ربط لها أصلاً بالطقوس السرية التي وجدت فيما بعد.


و قد بين العالم " مارتين هينجل " Martin Hengel بكل وضوح، الفرق بين الطقوس السرية و بين المسيحية في عهدها المبكر ([71]).


يقترح و بعض علماء الكتاب المقدس The Bible مثل العالم الشهير " رودولف بولتمان " Rudolf Bultmann أن ثمة أســــــــطورة مخـلِّص غنوصية ([72]) (عرفانية) أثَّـرت في إيجاد فكرة التجسُّـد المسيحية.


و قد اعتقدت بعض الفرق و أغلب الفرق الغنوصية آمنت بنظرية الفيوضات المسماة " Eons " أي الدهور، و التي كانت


و اعتقدوا أن أعظم تلك الفيوضات كان المسيح ([73]). إلا أن تلك الفرق الغنوصية يمكن أن تكون قد وجدت قبل أو أثناء أو بعد الجماعة المسيحية المبكرة، فمن الذي أثر في الآخر ؟ أو هل كان هناك تأثير متبادل فيما بينهما أصلاً ؟ من العسير الإجابة عن ذلك.


تشكِّل جميع الشواهد التي أشرنا إليها فيما سبق، صورة متشابكة و واسعة لعناصر وجدت قبل أو أثناء ظهور عيسى. هذه العناصر هي، باختصار، كما يلي :


(أ) استخدام ألقاب مثل لقب " ابن الله " مراداً منه معان متفاوتة، و إطلاق هذا اللقب على كائنات بشرية و على كائنات فوق بشرية كذلك.


(ب‌) تأليه أو تصعيد إنسان إستثنائي للعالم السماوي.


(جـ) الاعتقاد بكائنات سماوية أو وسطاء [بين الله و الإنسان] مع افتراض أن أولها كان أداةَ الله في الخلق، و أن الكائنات الوسيطية التي بعده، قد تنزل لعالم الدينا لتعِين الإنسان. و أحد هذه الكائنات الوسيطية سيقوم بدور وكيل أو نائب عن الله في الحكم و القضاء بين الناس في آخر الزمان.


(د) كون الخلاص [و النجاة الأبدية] يتم منحها عبر الدخول في تماثل و اندماج روحي صوفي (باطني) بإله هبط للدنيا ثم صعد منها إلى السموات ثانية، مثلما كانت تمارسه بعض الأديان السرية (الغامضة).


(هـ) مجيء شخصية عظيمة سماوية من النمط الأولي [النموذج الأصلي الابتدائي Archetypal] لعالم الدنيا، لتقوم بالكشف عن أسرار الكون و عن المصير الروحي للإنسان، كما تصوره بعض أساطير التخليص و الافتداء الغنصوية.


(و) ظهور رئيس هذه الكائنات السماوية، على الأرض بصورة تجسد حقيقي.

و في حين توجد أساطير تخليص و إفتداء كاملة بعد عيسى و ليس قبله، لايبدو أن هناك نظيراً مشابهاً تماماً للادعاءات المسيحية المتطورة إلى الغاية حول عيسى، في أي كتابات قبل مسيحية.


و لكن كما قال الأستاذ أ. د. نوك " A. D. Nock: " إن تأثير شخصية عيسى، بلور عناصر كانت موجودة من قبل " ([74]).


إن أساطير التجسد التي كانت سائدة و منتشرة في عصر عيسى سمحت بإمكانية أن يصنع المسيحيون الأوائل روايات



و إذا أراد أحدٌ أن يطبق النموذج العام للبطل الأسطوري .


(1) أم عذراء، (4) حمل بغير الطريقة العادية، (5) بطل يفترض أنه ابن الله، (6) محاولة لقتل البطل، (7) البطل يخطف بطريقة خفية (الهروب إلى مصر)، (8) يربَّى بواسطة والدين غير حقيقيين بل والدين بالتربية و التنشئة فقط، (9) عدم وجود تفاصيل عن طفولته، (10) يذهب لمملكة المستقبل، (13) يصبح ملكاً، (اللقب التهكمي لعيسى كان: ملك اليهود INRI)، (14) عهد هادىء و خلو من الأحداث لفترة من الزمن، (5) يضع قوانين، (16) يفقد حماية أحد رعاياه (مثلاً يهوذا الإسخريوطي)، (17) يطرد من العرش أو من المدينة، (18) يموت ميتة سرية (محفوفة بالألغاز)، (19) على قمة هضبة، (21) الجسد لا يقبر، (22) يكون له ضريح مقدس.


و يرى البروفسور " ألن دوندس " Alan Dundes أن هذه الخواص السبع عشرة تبين أن حياة عيسى هي أكثر انطباقاً على نموذج البطل الأسطوري من أبوللو أو إسكيبيوس أو زيوس أو جوزيف أو إيليجا Elijah أو سييجفرايد Siegfried.


و يستنتج من ذلك أن نموذج البطل الأسطوري كما يشرحه " لورد راغلان " يزود بمعلومات هامة، ويعطي فرصة مؤاتية لأولئك الذين يرغبون بأن يفهموا حياة عيسى حسبما وردت في الأناجيل ([75]).

و الخاصية الخامسة التي يذكرها " لورد راغلان " لنموذج البطل الأسطوري وهي كونه " بطلاً يفترض أنه ابن الله " هي الباعث الرئيسي وراء فكرة التجسد و هي المحور الأساسي لاهتمامنا في هذا البحث.

و لقد حققنا من قبل هذا الباعث في الهند و رأينا كيف أنه طبق على تجسدات الإله " فشنو Vishnu " أما كيف طبق هذا الموضوع على عيسى في الديانة المسيحية ؟ فهذا هو موضوع الفصل الآتي.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) يضم الشرق الأدنى: اليونان القديمAncient Greece (و هو اليونان الحالي وما حوله مثل مقدونيا وغرب آسيا الصغرى) و سواحل المتوسط لسوريا الكبرى وشمال مصر .


([2]) زيوس Zeus : كبير آلهة اليونان وإله السماء عندهم .


([3]) هليوس Helios : إله الشمس في الميثولوجيا الإغريقية .


([4]) الميثولوجيا Mythology : مجموعة الأساطير المتصلة بالآلهة وأنصاف الآلهة والأبطال الخرافيين .


([5]) هرقلوس Heracles : إله بطل جبار أسطوري من أبطال الميثولوجيا الإغريقية .


([6]) The Apologists : و هم المدافعون القدامى عن العقائد المسيحية في وجه انتقادات الوثنيين أو اليهود .


([7]) اسكليبيوس Asclepius : إله الطب عند الإغريق .


([8]) ديونيسيوس Dionysios : إله الخمر عند الإغريق .


([9]) جوستين الشيد Justin Martyr : أحد أشهر المتكلمين القدماء المدافعين عن العقائد المسيحية. فلسطيني الأصل اعتنق النصرانية في أفسس وصار من أشد المدافعين عنها. وكان ضليعاً بالفلسفة اليونانية اعتنق منها على الترتيب الرواقية ثم الأرسطية ثم الفيثاغورثية وأخيراً الأفلاطونية ، واستخدم تلك الفلسفة للدفاع عن العقائد المسيحية في وجه الوثنية الرومانية . قتل عام 165 م، على يد الإمبراطور الروماني روستيكوس لأدائة البطولي لشهادة الحق حول المسيح . المترجم نقلاً عن كتاب A History of the Christain Church , Willson Walker , p. 45-46 .

([10]) Justin Martyr , Apology , 54 F.F



([11]) هرمس Hermes : رسول الآلهة عند الإغريق وإله الطرق والتجارة والاختراع والفصاحة والمكر واللصوصية !


([12]) أبوللو Apollo : إله الشعر والموسيقى والجمال الرجولي عند الإغريق . المقيم ـ حسب اعتقادهم ـ في منطقة شمالية تنعم بأشعة الشمس على نحو سرمدي!


([13]) ديوجينوس Diogenes : (412 - 323 ق.م.) فيلسوف يوناني دعا إلى التقشف وعاش في برميل ! .


([14]) Diogenes , Live of the Philosophers ( Loeb Classical Library ) ,Viii , 1.11



([15]) Ibid , Viii , 2.66


([16]) Ibid , Viii , 2.59 and 60


([17]) يقصد بالعهد الجديد الكتاب المقدس لدى النصارى والذي يضم الأناجيل الأربعة القانونية و عددا من رسائل الحواريين أو القديسين التي تعتقد الكنيسة بأنها إلهامية مقدسة .


([18]) Plutarch, Table Talk , Viii , 1.2


([19]) الإسكندر الأكبر Alexander the Great : ويعرف أيضاً بالإسكندر المقدوني( 356 - 323 ق.م ) ملك مقدونيا ( 336 - 323 ق.م ) وقام بفتوحات عظيمة جداً ضم فيها كل آسيا الصغرى والشام و الرافدين و كل مملكة فارس و حتى سواحل السند إلى مملكته ويعتبر أحد أكبر عباقرة الحرب في كل العصور .


([20]) Lucian, Alexandre the False prophet , 2 .


([21]) وسيط الوحي Oracle هو كاهن أو كاهنة عند الإغريق يُعتقد أن الإله يجيب بواسطته عن سؤال حول أمر من أمور الغيب .


([22]) Ibid. , 2 - 3



([23]) Francis Legge, Forerunners and Rivals of Christianity , pp. 17-18.



([24]) بَطْـلَـمْـيوس Ptolemy (308 ـ 246 ق.م.) : أحد أكبر قواد الإسكندر المقدوني و بعد وفاته أسس دولة البطالمة في مصر ، ملك مصر (323 ـ 285 ق.م. )


([25]) أوهوميروس Euhemerus : فيلسوف يوناني في القرن الرابع قبل الميلاد .


([26]) أغسطس Augustys : ( 63 ق.م - 14 م ) أول أباطرة الرومان . حكم روما ( 63 ق.م - 14 م ) وأعاد تنظيم الجيش الروماني .


([27]) قيصر Caesar : هو الإمبراطور الروماني جوليوس قيصر (100 ـ 44 ق.م.) : سياسي و قائد عسكري روماني ، ديكتاتور روما في الفترة ( 49 ـ 44 ق.م. ) ، قتِـل .


([28]) نيرونNero : ( 37 - 68 م ) إمبراطور روماني ، حكم روما ( 54 - 68 م ) وتميز عهده بالطغيان والوحشية وأحرق روما عام 64 م .


([29])Adolf Deismann, Light from the Ancient east (Hoddre & Stoughton, 1927 ) pp. 342 FF.

([30])آريز Ares : إله الحرب عند الإغريق .


([31]) أفروديت Aphrodite : إله الحب والجمال عند الإغريق .


([32]) Ibid . PP. 342 FF .


([33]) كلوديوس الأول Claudius I ( 10 ق.م - 54 م ) إمبراطور روماني ، حكم روما ( 41 - 54 م ) وغزا بريطانيا عام 43 م .


([34]) سينيكا Seneca : ( 4 ق.م - 65 م ) خطيب وزعيم سياسي روماني ، وضع عديداً من المؤلفات الفلسفية والمسرحيات التراجيدية .


([35])Seneca, “The Pumpkinification of Claudius“ in Robert Graves Cladius The God (New York: Smith & Haas, 1935 ) pp. 566 - 82.


([36]) شيشرون Cicero : ( 106 - 43 ق . م ) : سياسي وخطيب روماني تعتبر خطبه آية في البلاغة اللاتينية .


([37])Cicero , Ad , Cuintum Fratrem , I , i ,7 .


([38]) فيرجيل Virgil :( 70- 19 ق. م ) كبير شعراء الرومان ، صاحب ملحمة الاينيادة Aeneid .

([39])Virgil, Eclogue, iv .


([40]) هوراس Horace : ( 65 - 8 ق.م ) شاعر روماني تدور قصائده على محور الحب والصداقة والفلسفة .


([41]) ميركوري Mercury : أي عطارد ، رسول الآلهة وإله التجارة والفصاحة والمكر واللصوصية عند الرومان .


([42]) Horace, Odes, I.2.


([43]) أوفيد Ovid : ( 43 ق.م - 17 م ) شاعر روماني يعتبر أحد أعظم الشعراء في العهود القديمة .

([44]) جوبيتر Jupiter : أي المشتري ، كبير آلهة الرومان .


([45]) Ovid , Metamorphoses , VIII . 626 - 721


([46]) هوميروس Homer : ( القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد ) . شاعر يوناني صاحب ملحمتي الإلياذة Iliad والأوذيسة Odyssey الشهيرتين .


([47]) ليكأونية Iconium : مدينة في وسط آسيا الصغرى ( ربما تكون مدينة قونية الحالية في تركيا )

([48]) Origen , Contra Celsum , vii . 9


([49]) Origen , Contra Celsum , vii . 9.


([50])John Hick , The Myth of God Incarnate , p . 91


([51]) المقصود بالأناجيل المتشابهة الأناجيل الثلاثة الأولى من العهد الجديد أي إنجيل متى وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا . وسميت متشابهة لأنها تشبه بعضها بعضاً و تتفق فيما ترويه من حياة و أقوال المسيح ، بخلاف إنجيل يوحنا (الإنجيل الرابع) الذي يختلف عنها كثيرا.


([52])Encyclopedia Britannica , 15th edn. Micropaedia, vol. 1 p.449 and Macropaedia , vol 2 , p. 949


([53]) اسم الدولة الواقعة في النصف الجنوبي من فلسطين والتي كانت عاصمتها أورشليم ( القدس حالياً ) والتي حكمها اليهود حوالي أربعمائة عام ونيف بدءاً من عهد النبي داوود عليه السلام سنة 1000 ق.م. وحتى الفتح البابلي على يد نبوخذنصر عام 586 ق.م. .


([54]) أي في احتجاج الكنيسة على إثبات إلهية المسيح وأنه ابن الله الحقيقي لا المجازي .

([55]) من الرسائل الملحقة بالأناجيل الأربعة في العهد الجديد و المعتقد أنها من تأليف بولس.

([56]) سفر طوبيا من أسفار العهد القديم الإلهامية القانونية حسب عقيدة الكاثوليك، و يقع ضمن أسفار العهد القديم التاريخية ، أما البروتستانت فيعتبرونه من الأسفار المشكوك في صحتها و لا يعتبرونه مقدساً لذلك يحذفونه من العهد القديم .


([57]) Tobit , ch 12 , vv , 14 , 15 , 19 , 20


([58]) اللوجوس Logos : (1) الكلمة (2) العقل الكلي الذي هو منشأ ومبدأ العقل في الكون .


([59]) الهيلينية Hellenistic : أي المتعلقة بتاريخ الإغريق أو فكرهم و فلسفتهم و ثقافتهم ، خاصة بعد عهد الإسكندر الأكبر .


([60]) الأبوكريفا : كتابات مشكوك في صحتها أو في صحة نسبتها إلى من تعزى إليهم من المؤلفين ، و هي أربعة عشر سِفرا تُـلحق أحيانا بِـ " العهد القديم " من الكتاب المقدَّس و لكن البروتستانت لا يعترفون بصحتها .


([61]) ويسمى أيضاً " سفر الحكمة " وهو كذلك من أسفار العهد القديم القانونية المقدسة عند الكاثوليك ويقع ضمن كتب الحكمة بعد سفر نشيد الأنشاد أما عند البروتستانت فيعتبر موضوعاً مشكوكاً في أصالته لذلك لا وجود له في الطبعة البروتستانتية للعهد القديم .


([62])Justin Martyr , Apology , 26


([63])John Hick , The Myth of God Incarnate , p , 79


([64]) أوزيريس Osiris : أحد آلهة مصر القديمة .


([65]) إيزيس Isis : إلهة الأمومة والخصب المصرية .


([66]) أدونيس Adonis : اسم شاب فائق الجمال ـ في الميثولوجيا الإغريقية ـ عشقته أفروديت إلهة الحب و الجمال عند الإغريق .


([67]) أتيس Attis : اسم إله من آلهة اليونان القدماء الذين يعتقد بأنهم كانوا في عالم الدنيا وماتوا ثم قاموا من موتهم أحياء وهذا ينطبق أيضاً على أوزيريس وإيزيس وأدونيس .

([68]) الطقس السري الإليوسيني Eleusinian Mystery : أهم عبادة سرية ( لغزية ) في العالم القديم ، وهي ذات ارتباط بحرم مقدس اسمه " Demeter Eleusina " على هضبة خارج مدينة Eleusis التي تقع على بعد 40 ميلاً إلى الشمال الغربي من أثينا ( نقلا عن موسوعة الأديان بإشراف Mircea Eliade ) .

([69])Dionysian Mystery : مرتبطة بـ Dionysos وهو أصغر الآلهة الأولومبيين لليونان القدماء . حمل به في رحم أم من البشر ولذلك يعتبر من أنصاف الآلهة ، و يعتقد أنه ظهر بأشكال مختلفة ( نقلا عن المصدر السابق ) .


([70]) ميثرا Mythras : إله النور وحامي الحقيقة وعدو قوى الظلام عند الفرس القدماء .

([71]) Martin Hengel , The Son of God ( Philadelphia , Fortress press - 1976 ) pp. 25 - 30


([72]) الغنوصية Gnosticism مذهب العرفان أي الإيمان بإمكانية تحصيل العلم الديني بواسطة الإشراق الروحي ، وأن السعادة هي تحصيل تلك المعرفة ، وأنها لا تتم إلا بنبذ عالم المادة لأنه شر و بالرياضيات الروحية .


([73]) Pheme perkins , The Gnostic Dialogue ( New York , Paulist Press , 1980 ) p. 209.


([74]) A. D. Nock in Zeph Stewart ( ed ) , Essays on Religion and the Ancient Word , vol. i ( Oxford University Press , 1972 ) p . 35.


([75]) Alan Dundes , The Hero Pattern And the life of Jesus. ( Berkeley , Calif : the Center of Hermeneutical Studies in Hellenistic & Modern Culture , Protocol of the 25th Colloque 1977 ) p , 1 .
أسطورة التجسد في المسيحية



الفصل الثاني :


" كان الآباء المسيحيـون متأكدين بأنهم - بإعلانهم تجسد الكلمة و بعـثها و صعـودها - لا يقومون بنشر أسطورة جديدة.


في الواقع كانوا يستخدمون مقولات التفكير الأسطوري، و من البيِّـن أنهم لم يكونوا قادرين على تمييز و إدراك هذا التفكير الأسطوري في الأساطير التي أزيلت قداستها، للعلماء الوثنيين المعاصرين لهم.

و لكن من الواضح كذلك أن دراما (أي سلسلة أحداث حياة) عيسى المسيح تشكل مركز الحياة الدينية بالنسبة للمسيحيين بجميع عقائدهم و فرقهم. و بالرغم من أن تلك الأحداث جرت وقائعها في التاريخ، غير أنها أوجدت أولاً إمكانية للخلاص، ولذلك صار هناك طريق واحد فقط للنجاة و هو تكرار هذه الدراما النموذجية على نحو طقوس و شعائر دينية و تقليد ذلك النموذج الأسمى الذي توحي به حياة و تعاليم عيسى.

و الآن، أضحى هذا النمط من السلوك الديني، مقيداً و مكبلاً بتفكير أسطوري خالص." ميرسيا إليادي ([1]).

في معالجتنا لموضوع التجسد في التعليم المسيحي، يجب أن ننتبه إلى أمر هام و هو أن كلام الله ([2]) إنما يخاطب البشر من خلال كلمات الإنسان ومستخدماً لغة الإنسان.


فكلام الله المبلغ إلينا عبر اللغة غالباً ما يستلزم سياقـاً أسطورياً أو خيالياً، لأن لغة التخيل هي أحد أهم الطرق التي يتكلم بها بنو الإنسان.


و في التعامل مع شخصيةٍ على مثل هذا الجانب من الأهمية مثل شخصية عيسى المسيح، فإنه من المفيد أن نتذكر أنه عندما يكون هناك أمر استثنائي، يكون هناك دافع قوي للبشر أن يعزوا و ينسبوا إليه صفات و ميزات إعجازية خارقة. فهذا هو الطريق الذي يستدعي فيه الإنسان لذهنه فكرة المعجزة و الأمر الخارق للعادة للشيء الذي يستحق فـعلاً الحيرة و التعجب. فالقصة الإعجازية في طبيعتها، غالباً ما تكون أفضل طريق للتعبير عن سر يمكن أن يكون أو لا يكون إعجازياً في حقيقته.


إن التصور أو الرؤية المسيحية المبكرة للحقيقة ـ كما تنعكس في الكتابات المقدسة ـ هي ذات طبيعة ديناميكية (فعالة حيوية) غنية بالواقع التاريخي والخيال معاً، و لا يقصد بالخيال هنا معنى تحقيرياً بل المقصود منه تفسير غني للحقيقة يجعل لها معنى ومغزى.


فالأسطورة و الخيال كان لهما نفوذهما في كتاب العهد الجديد تماماً مثلما كانا ذا نفوذ في كتاب العهد القديم ومثلما هما نافذان في كل أنحاء الشرق الأدنى القديم.


إن التحقيق العلمي الذي قام به " رودولف بولتمان " Rudolf Bultma لكتاب العهد الجديد يوضح لنا كثيراً من الأبعاد الخيالية (الأسطورية) في الكتابات المقدسة المسيحية.


فقد بين لنا أن الناس في الأزمنة المعاصرة لتدوين العهد الجديد كانوا يعتقدون أن العالم يتألف من ثلاث طبقات هي الجنة و الأرض والجحيم، و كانوا يعتقدون أنه يمكن للكائنات فوق الطبيعية أن تصعد و تهبط كما في مصعد سماوي ([3]) و بهذا يجعلون تدخل كائنات فوق طبيعية، و البعث و الصعود و المجيء الثاني للمسيح أمراً قابلاً للتصديق.


لقد توقعت الجماعة المسيحية الأولى عودة عيسى كابن الإنسان آتياً على سحاب السماء حاملاً معه الخلاص للبعض و الإدانة و الهلاك لآخرين كقاض " دائن " للعالم، و مفتتحاً مملكة الله على الأرض. هذه الرؤيا الأخروية Eschatological هي في الواقع صورة خيالية (أسطورية).


بالإضافة لذلك لقد تم وضع عيسى في إطار و محيط ميثولوجي (أسطوري) عندما قيل عنه أنه ولد من روح القدس ومن والدة عذراء ([4]).


و علاوة على ذلك فمفهوم " ابن الله الذي كان موجوداً قبل العالم ثم نزل بشكل بشري ليخلِّص البشرية " يشابه تماماً بعض أساطير التخليص القديمة.


و عبارات العهد الجديد " نزل من السماء " أو ببساطة " نزل "، تشير إلى حصول حركة في الفضاء و لا تصف طبيعة العمل التخليصي لله، فهي أسطورية في شكلها ([5]).


و من التناقض أن الكتاب المقدس المسيحي، كالكتاب المقدس اليهودي، كلاهما يرفض بشدة الأساطير الوثنية، ولكن بنفس الوقت كلا العهدين يستبدلان نوعاً من الأساطير بنوع آخر، و كما يرى " آماوس وايلدر" Amaos Wilder: تم التغلب على الأساطير في كلا العهدين، بالاستعانة بأساطير أخرى!

كما أن نصوص العهدين تتألف من علاقة متبادلة متشابكة معقدة بين الواقع التاريخي و الخيال الأسطوري.

فالخرافات تقع في الزمن الأسطوري مثل مدة الأربعين يوماً للطوفان، و مدة السبعة أيام لخلق العالم ([6])، و لا تشتمل عادة على عنصر الزمان التاريخي.


و يرى العالم المتخصص بالعهد الجديد " نورمان بيرين " orman Perrin N أن هذا المزج (بين الأسطورة و الواقع) حدث بثلاث طرق :


(‌أ) إقامة ارتباط (علاقة متبادلة) بين المعطيات الحقيقية للتاريخ و المزاعم الأسطورية.


(‌ب) استخدام الأسطورة لتفسير التاريخ و إعطاء معنى معين له.


(‌ج‍) التاريخ نفسه عندما يُتذكر و تعاد روايته يصبح حاملاً للأساطير ([7]).


و رواية كتاب العهد الجديد لقصة الله المتجسد تشتمل على جميع تلك التطورات الثلاثة :


أما بالنسبة لإقامة ارتباط بين المعطيات التاريخية الحقيقية و بين المزاعم الأسطورية، ففي حين أن عيسى قد يكون أو قد لا يكون قد قام بادعاءات شخصية حول ألوهيته ([8]) فإن كُتَّاب العهـد الجديد قاموا بإدعــاءات
عريضة و شاملة له، أحدها أنه كان مثالاً حياً لإله متجسد. ([9])


و أما بالنسبة للتطور الثاني، أي تقديم معنى اسطوري للواقع التاريخي: فإن عيسى، يُقَدَّم، كتجسد لِلَّه، على أنه جاء وفاءً و تحقيقاً لبشارات العهد القديم بمجيء " مخلِّص - فادي " يرسله الله لتخليص الناس من الخطيئة.


فهنا تأخذ الأسطورة شكلَ فِـلْمٍ، مفعم بالحيوية، لتفسير التاريخ.


و أما بالنسبة للشكل الثالث، أي أن يؤدي التاريخ نفسه وظيفة الأسطورة: فإن رواية الأحداث في كتاب العهد الجديد، تساعد على تقديم و إظهار مغزى لتلك الأحداث للأجيال القادمة.


فقصة عيسى تصبح عهداً (ميثاقاً) جديداً، النقطة المحورية فيه هي المكاشفة الذاتية (البوح الذاتي) لِلَّهِ عن نفسه للبشرية.


و التاريخ نفسه تمت أسطرته عندما تحولت تلك الفترة التاريخية التي كان يمشي فيها عيسى على الأرض إلى فترة مقدسة أسطورية.


إن كتاب العهد الجديد يقدم لنا صورة مزدوجة عن عيسى: تاريخية (حقيقية) و أسطورية (خيالية). فـ " عيسى الناصري " رجل في التاريخ يحتل زماناً و مكاناً محددين، بينما " عيسى المسيح " هو تعبير أسطوري ـ لاهوتي ([10]) ينطلق من إيمان الجماعة المسيحية الأولى بكائن و شخصية فاتنة استثنائية.

و هكذا فصورة عيسى في كتاب العهد الجديد تتراوح بين الحقيقة التاريخية و الخيال الأسطوري، فهي متوزعة بين ما فهمه كُـتَّـاب العهد الجديد و بين ما شعروا به.


و إنه لمن الصعب بمكان النفوذ إلى عيسى التاريخي الحقيقي الواقعي أو إعادة بناء صورة عيسى التاريخي الواقعي المحض، و ذلك لعدة أسباب، منها أن روايات تعاليمه و أحاديثه لم يُبتَدأ في كتابتها إلا بعد انقضاء زمن جيل كامل واحد على الأقل من صدورها، و هي مدة، أوجدت التعاليم الشفهية خلالها تعديلاً و تحويراً في الذكريات لتخدم هدف الجماعات و الطوائف الدينية المختلفة.


و علاوة على ذلك فإن معاصري المسيح كانوا ينظرون إليه، كلٌّ من زاوية وجهة نظره الخاصة، فمثلاً كان عيسى في أذهان يهود القرن الأول، الذين كانوا تلاميذه، تجسداً لفكرة المكرس الممسوح بالزيت (بالعبرية مِسِييَّه Messiah، و باليونانية كريستوس Christos) في حين أن آخرين رأوا في المسيح رِبِّـياً (رِبِّيّ هو لقب الحبر أو الحاخام عند اليهود) أو نبياً أو ملكاً أو مخلِّصاً.


و كنتيجة لذلك فإنه و إن كانت الأناجيل تقدم لنا صورة مترابطة لنوع الأمور التي قالها أو فعلها عيسى، إلا أنهم قليلون جداً - اليوم - الذين يصدقون، أو يحاولون أن يبرهنوا أن تلك الأمور كانت مدونات حرفية مطابقة 100% للواقع.


في دراستنا لشخصية " عيسى المسيح " من المفيد أن نميز بين " عيسى التاريخي " و " مسيح الكتاب المقدس ". " عيسى التاريخي " هو إعادة تنظيم و بناء شخصية المسيح على أساس الأناجيل، أي مستخدمين أقوال و أمثلة و تعاليم و أعمال و أفعال المسيح التي أمكن تذكرها.


أما " مسيح الكتاب المقدس " فهو التفسير الميثولوجي (الخيالي الأسطوري) و اللاهوتي لعيسى من قِـبَل الجماعة المسيحية المبكرة التي نظرت إليه على أنه إله. فمسيح الكتاب المقدس يشتمل على " ميلاد المسيح " و " المعجزات " و " الكلمة السابقة الوجود "، و قيامة المسيح و صعوده و دينونته (أي مجازاته الأخروية للناس) و " التجسُّـد "، و أغلب هذه القضايا تكـفَّـل الإنجيل الرابع (إنجيل يوحنا) بتوضيحها بنحو واف.

و يتضمن " مسيح الكتاب المقدس " بعض عناصر عيسى التاريخي و لكن بتبديل و تحوير، أي تُجرَى عليها عملية أسطرة Mythicization.


هناك القليل جداً من المعلومات عن عيسى الناصري التاريخي، و لقد تم حساب أنه - بصرف النظر عن الأربعين يوماً و ليلةً التي قضاها عيسى في البرية و التي لم نُخبَر عنها بأي شيء تقريباً - فإن كل ما روي لنا مما قاله و عمله المسيح في الأناجيل الأربعة يمكن أن يكون قد تم إنجازه كله في ثلاثة أسابيع فقط!

إن دراسة الأب جاك غوييه Jacques Guillet للأناجيل وصلت للنتيجة التالية: " إن المسيح لم يصف نفسه أبداً بصفة ابن الله (*) و لم يعرض نفسه أبداً على أنه المسيح، وأنه و إن كان قد تكلم عن مجيء ابن الإنسان بأسلوب الرؤية النبوية إلا أنه لم تكن لديه نية مطابقة نفسه على ابن الإنسان هذا، بل أراد فقط أن يعلن عن المجيء القريب جداً لمملكة الله" (([11].


طبعاً من غير الممكن لنا أن نعرف بالضبط ماذا كان يتصور المسيح عن نفسه أو ماذا كان يعلِّم. و من المحتمل أن يكون قد استعمل لقب " ابن الإنسان " مريداً به نفسه، و هذا ربما يكون قد شجع تلاميذه على أن يعتبروه المسيح، أي ابن داوود الممسوح و المكرس، و لكنه بالتأكيد لم يعرض نفسه أنه " ابن الله ".

إنه من العسير جداً أن نتصور أن عيسى و هو اليهودي الموحد، كان يتصور نفسه أنه الله " يَهْوَه " في حين أن الراجح جداً و الذي يمكن تصديقه هو أنه كان يرى نفسه أداةً لِلَّه أو خادماً لِلَّه.

كما أنه من البعيد غاية البعد أن يكون قد اعتقد في نفسه أو أن يكون تلاميذه الأوائل قد اعتقدوا فيه أنه " الله المتجسد ".


إن الراجح الأكثر احتمالاً هو أن تلاميذ عيسى الأوائل - في علاقتهم المتبادلة مع عيسى - قد وصلوا لقناعة و إيمان راسخ بحضور و نشاط (فعالية) الله في وسطهم، و بالتالي وصلوا لاقتناع بأن الله كان - بنحو ما - حاضراً و عاملاً في وسطهم عبر ذلك الرجل (أي عيسى).


إن عقيدة التجسد لم يظهرها عيسى نفسه و لكنها انبثقت في الكنيسة المبكرة كطريق للتعبير عن معنى (مغزى و دلالة) عيسى ([12]).


و كان الجو الذي ظهرت فيه هذه العقيدة جواً لم يكن من غير المألوف فيه أن يشار إلى شخصية إنسان استثنائي على أنه ابن الله.



لقد نظرت الكنيسة المبكرة إلى عيسى على أنه الإنسان الذي " أقامه الله و رفعه و أعطاه روح القدس ليسكبه على الكنيسة " (سفر أعمال الرسل إصحاح 2 / فقرة 32 - 33).


و بعض المسيحين الأوائل أحسوا أنهم قد التقوا بالله عبر عيسى بطريقة ملأت حياتهم تماماً و كلية. و مع نمو الجماعة المسيحية كان يزداد يوماً بعد يوم عدد الرجال و النساء الذين جربوا و مارسوا هذه الإثارة و هذا السِلْم الذي يمنحه " الطريق الجديد "، إلى أن بدأوا، قبل أن ينقضي الجيل الأول بعد صلب (*) عيسى، بالتفكير بعيسى على أنه إلـهٌ بمعنى الكلمة.


و موافقاً لذلك نجد في التقرير الذي كتبه " بليني " Pliny للإمبراطور الروماني " تراجان " عام 112م. أن المسيحيين كانوا معتادين أن يلتقو قبل طلوع الفجر، و يرتلوا تراتيلاً للمسيح كإلـه.


و مع كتابات بولس التي أعقبها تدوين الأناجيل المتشابهة ثم إنجيل يوحنا، بدأت تظهر صورة تجسدية و تحيط شيئاً فشيئاً بشخصية عيسى. و هكذا تحولت الفكرة المجازية لتصبح عقيدة ميتافيزيقية (ما وراء طبيعية).


و بالرغم من أن ادعاء أن عيسى هو الله كان ذا صلة بموضوع خارجي معين و أنه أُخِذَ على أنه " حقيقة "، إلا أن هذا الادّعاء لم يكن في الحقيقة موضوعاً من مواضيع المعرفة التجريبية لمعاصري عيسى، و لم يظهر في أي كتابات نعرفها قبل سنة 55 م على أقدم تقدير ([13]).


لقد وقعت منذ القديم و عبر الزمن نقاشات و مجادلات حادة بين العلماء و المتخصصين في الدراسات اللاهوتية حول أنه هل أطلق على عيسى لفظ الله أو هل سمي عيسى بالله في كتاب العهد الجديد أم لا؟

و من المعروف أن عيسى سمي بأسماء مختلفة أو أطلق عليه ألقاب مختلفة في كتاب العهد الجديد، من بين تلك الألقاب لقب: " الرب " Kyrios و "الملك" و "الكاهن" و "النبي" و "ابن الإنسان" و "ابن الله" و "الكلمة" و "المسيح" و "المسيح المنتظر" و "مسيا" و "المسيح المتألِّم" و "المسيح المبشر به" (أعمال الرسل 3 / 20) و "العبد المتألِّم" و "حمل الله" و "عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا" و "رئيس الكهنة" و "الوسيط" و "المخلص" و "الله".


و هناك في كتاب العهد الجديد عديد من الفقرات تتضمن دلالة ضمنية على ألوهية عيسى و لكن ليس هناك إلا بضع فقرات فقط استخدمت فيها لفظة "الله" Theos بكل صراحة و وضوح للإشارة إلى عيسى.


إن اطلاق لفظ "الرب" Kyrios على عيسى ليس مماثلاً لإطلاق لفظ "الله" Theos عليه لأن أقصى ما في لفظة الرب هي أنها تضع عيسى في مقام قريب جداً من الله.


إن لفظة " الرب " قد توحي أو قد تؤكد الألوهية و لكنها ليست مرادفة أو معادلة للفظة " الله " ([14]) و لا يوجد هناك أي دليل على أن عيسى أطلق عليه لفظة " الله " في المرحلة المبكرة من فترة تدوين تعاليم و شرائع و سنن كتاب العهد الجديد ([15]).


و إذا أرَّخنا فترة كتابة " العهد الجديد " في الفترة بين سنة 30 - 110 ميلادية فإنه من الواضح تماماً أن استخدام لفظة " الله " في حق عيسى، إنما ينتمي للنصف الثاني من هذه الفترة الزمنية ليصبح متكرراً فقط في آخر هذه الفترة.


و الأناجيل الثلاثة المتشابهة لم تطلق أبداً لفظة " الله " على عيسى و حتى الإنجيل الرابع لا يطرح عيسى على أنه يقول عن نفسه بصورة واضحة ومحددة أنه "الله". كذلك الخطب و الكلمات التي ينسبها سفر "أعمال الرسل" في كتاب العهد الجديد لبداية الكنيسة المسيحية لا تتكلم عن عيسى أبداً بصفته "الله".

إن فكرة أن عيسى هو " الله " Theos بدأت تظهر على السطح في الفترة بين 55 و 85 م، ثم أصبحت واضحة وصريحة في الرسالة إلى العبرانيين

و بولس لم يستخدم تعبير أو لقب الله للدلالة على " عيسى " في أي من رسائله التي كتبها قبل 58 م ([16]).


و من المحتمل أن يكون بولس قد أطلق على عيسى لفظ " الله " في رسالته إلى أهل رومية (9 / 5) إلا أن هذا ليس أمراً أكيداً بل فيه نقاش كثير يرجع إلى تحديد موضع النقطة و الفاصلة في هذا المقطع من كلام بولس ([17]).


إن عبارات بولس المختلفة حول المسيح تحتوي على عناصر تجسيدية، و أحد أهم هذه التعبيرات هو استخدامه لعبارة " ابن الله " Huios Theuo التي تتكرر 15 مرة في الرسائل البولُسية ([18]).

و يقع عيسى في أقرب صلة ممكنة مع الله في عبارة بولس المفضلة " ابنه " التي تشير لتشابه بين الله و عيسى.


و بالنسبة لبولس، يُـعَدُّ إرسال الله لابنه عملاً فريداً (أي وحيدأ استثنائيا) و فاصلاً (حاسماً). و هو عمل جديد تماماً، و إن كان يعتبر استمراراً للعلاقة بين الله و إسرائيل و علامة على اكتمالها.

ففي رسالته إلى أهل غلاطية يكتب بولس قائلاً، " أرسل الله ابنه.... ليفتدي (أي ليخلص) الذين هم تحت الناموس (أي الشريعة الموسوية) " (إصحاح 4/ فقرة 4) ويشبه هذا كثيراً ما جاء في إنجيل يوحنا (إصحاح 3 / فقرة 17): " لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم به بل ليخلص به العالم ".

و في الرسالة إلى أهل غلاطية لا يطرح موضوع إرسال الابن على أنه عمل ليس له خاصية زمانية محددة بل هو عمل فريد (وحيد) و محدد و حصل " لما جاء ملء الزمان " [ أي الوقت المحدد له ] (رسالة بولس إلى أهل غلاطية: إصحاح 4 / فقرة 4).


و هذا لا يوجد له مواز في اليهودية الهيلينية، لأنه حتى بالنسبة لكتاب " حكمة سليمان " لا توجد فيه، عند الكلام عن اللوجوس (العقل الكلي)، هذه الأخروية و اللاهوت الخلاصي الذي يتضمنه كلام بولس.

بالنسبة لبولس، فكرة " إرسال الابن عند اكتمال الزمان ليخلص البشرية " تمثل قـلب التجسد في الـ Christology (أي علم طبيعة المسيح)*.


كل البشرية - حسبما يرى بولس - واقعة تحت سيطرة " الخطيئة " و "الموت". و الله وحده يمكنه أن يكون المحرر لها من هذا السجن، و هو وحده يمكنه أن ينقذ الإنسان و يخلصه.


و فوق ذلك، لم يكن في وسع الله أن يفعل ذلك إلا إذا دخل ـ بنحو ما ـ إلى حالتنا البشرية، لأن عدو الإنسان ليس شيئاً خارجاً عنه بل هو في داخله. و بناء عليه فالعمل التخليصي لله - يجب أن يتم من خلال إنسان.

فكما أنه بسبب إنسان واحد - آدم - وجدت الخطيئة و الموت، فكذلك من خلال إنسان آخر، و هو المسيح، يجب أن يأتي الخلاص و الحياة.


و عليه، فإنسانية عيسى المسيح و ألوهيته، كلاهما ضروريان لا بد منهما في نظر بولس.

ويعلق هـ. ج. سكويبس H. J. Schoeps على هذا قائلاً " لقد كان بولس هو الذي - لأول مرة - متفكراً في الشخصية المسيانية (أي المسيح المنقذ الموعود) لعيسى استخرج من ذلك اللقب التشريفي (أي اللقب الذي يدل على منصب رفيع ومنزلة سامية فقط) تأكيداً لوجودٍ كوني حقيقي و رَفَعَه إلى مستوى ميثولوجي
[ أسطوري ] من التفكير " ([19]).


و يشير مارتن هينجل Martin Hengel إلى أن المفهوم البولسي لعيسى، مطابق لكائن إلهي موجود قبل الزمان، وسيط بين الله و مخلوقاته، و بالتالي " ابن الله " ([20]).


أما إنجيل يوحنا - الذي كتب في حوالي 90 - 95 م. فإنه يعتنق فكرة التجسد بل يذهب أبعد من ذلك حتى يقف على درجة فقط دون الدوكيتزم ([21]) الكامل.


و لقد أعلن كاتب هذا الإنجيل عن هدفه من كتابة إنجيله بكل صراحة و وضوح فقال: " و أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله " (يوحنا إصحاح 20 / فقرة 3).


و في إنجيل يوحنا هذا نجد الـ Christology (أي العلم المتعلق بحقيقة طبيعة المسيح) قد تطور لدرجة عالية وصار صريحاً جلياً حول طبيعة المسيح حين قال عنه بكل صراحة أنه " الله " في قوله: " و كان الكلمة ا لله " (يوحنا: إصحاح 1 / فقرة 1) فلم يقل " كانت الكلمة مع الله " أو " كانت الكلمة إله "، بل قال بكل وضوح ودون مواربة: " و كان الكلمة ا لله ".



و كذلك يروي، في الإصحاح 20 / الفقرة 28 من هذا الإنجيل، عن توما (تلميذ المسيح) أنه قال مخاطبا المسيح: " ربي و إلهي! ".


و يؤكد إنجيل يوحنا بكل صراحة و وضوح أيضاً أن التجسد هو " الله " فيقول: " و الكلمة صار جسداً و حل بيننا و رأينا مجده كما لِوحيدٍ من الآب مملوءاً نعمة و حقـاً " (1 / 14). ([22])


ولا توجد في هذا الإنجيل حادثة التجلي: أي تغير هيئة المسيح على الجبل ([23])، لأن المجد الثابت و المتواصل لعيسى الأرضي لا يترك مجالاً لمثل هذا الأمر.


و فيه إشارات لكون عيسى كلي العلم Omniscient ([24])، و لكون قدرة عيسى، غير البارزة، و لكن الموجودة الكامنة، قدرة لا حد لها. بل حتى فيه تصوير لعيسى على أنه لا يعتريه التعب و لا الجوع و لا العطش، و عرضٌ لعيسى كشخص ذي سيطرة و تسيير كاملين و مستديمين لكلا ما يفعله و ما يحصل له. حتى موته، يعرض كعمل يتم بإرادة و اختيار و تصميم مدروس، لأنـه: " عالم أن الأب قد دفع كل شيء إلى يديه و أنه من عند الله خرج و إلى الله يمضي" (يوحنا: إصحاح 13 / فقرة 3).


وينفرد الإنجيل الرابع بالتصريح باتحاد الأب والابن حيث يقول: " أنا و الأب واحد " (يوحنا: إصحاح 10 / فقرة 30) ويقول " كل من رآني فقد رأى الأب " (يوحنا: إصحاح 14 / فقرة 9) ([25]).


و هكذا يتجسد " الوسيط " في " عيسى " الذي من خلاله يظهر الله، و من خلاله يُخبَـر عن هدف الله و تتم إرادته المقدَّرة سابقاً منذ الأزل. إن الإنجيل الرابع يصور بألفاظه عيسى ممجداً أو متألهاً بشكل كامل.

أما الأناجيل الثلاثة المتشابهة [ أي أناجيل متى و مرقس و لوقا ] فإن عيسى يرى محدوداً ضمن حدود حياته الأرضية و منصبه الرسالي.


إن الأناجيل المتشابهة تعبِّر عما قاله عيسى و ما فعله في حين أن إنجيل يوحنا هو تفسير لما يمثله عيسى، فهو يعبِّر عن فهم المعنى الألوهي لعيسى، ذلك الفهم والتصور الذي تطور و نما في الدوائر المسيحية في نهاية القرن الميلادي الأول.


إن ما يبدو أنه حصل خلال ستين عاماً بعد وفاة عيسى، كان أن لغة البنوّة لله - أي عبارة " ابن الله " - ازدرعت - أي نقلت من تربة لتربة أخرى، حيث أنها نقلت من تربة الفكر اليهودي إلى تربة جديدة هي تربة العالم الإغريقي الروماني، فأخذت معنى جديداً عندما مدت جذورها في تلك التربة الجديدة.

فالمعنى الذي فُـسِّـر به عيسى في البداية وعُـبِّر عنه بأن: عيسى كان المسيح الذي قال عنه الله في كتاب العهد القديم " أنت ابني الحبيب "، هذا المعنى، أي هذه البنوة لله، صارت تفهم في الجماعة المسيحية الجديدة على أنها تفيد أن عيسى هو الابن المولود الوحيد لِلَّه مما يؤدي لكونه من نفس جوهر الله ([26]).

لقد كان الترحيب و التهليل لفكرة عيسى إلهاً استجابة طبيعية لجماعة تؤمن بإله يُعتقد فيه أن من شأنه أنه يكشف عن نفسه للإنسان و يعرِّف نفسه للإنسان. ومن هنا نجد إنجيل يوحنا يحدثنا عن الابن الوحيد الذي أظهر اللهَ وعرَّفَه فيقول: " ا لله لم يره أحد، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّـر " (إصحاح 1 / 18) و يخبرنا أيضاً أن الابن " خرج من عند الآب و أتى إلى العالم " (إصحاح 16 / فقرة 28).

في الفترات الأخيرة من زمن تدوين العهد الجديد، يمكننا أن نلاحظ تطوراً في النظرة إلى عيسى من النظر إليه على أنه لوجوس الله (أي كلمة الله) إلى النظر إليه على أنه نفس " ألوهية الله " بعينها، فلم يعد عيسى - بالنسبة لكثير من مسيحيي هذه الفترة الزمنية المتأخرة مجرد لوجوس (كلمة) بل صار يعتبر " الله " نفسه!

إن الاعتراف بعيسى إلهاً كان اعترافاً بسلطة و ربوبية حكم الله في و عبر و بواسطة، عيسى.


و هذا ما نجده مصرحاً به بكل وضوح في الرسالة إلى العبرانيين التي كتبت في حوالي 95 - 105 م (1).

كل هذه التصورات التجسدية عكست الاعتقاد بأن عيسى كان الله متجسداً. و هو الاعتقاد الذي جُعِلَ فيما بعد نصاً صريحاً في قانون الإيمان المسيحي الذي أعلنه مجمع نيقية المسكوني (2) في عبارات مثل " مولود غير مخلوق، مسا و للأب في الجوهر، به خلق كل شيء ".

وهكذا تم تطبيق فكرة: " هبوط الله لعالم الدنيا وتجسده " على شخصية عيسى التاريخي، مبدلاً النظرة إليه من نظرة إلى عيسى الإنسان التاريخي إلى النظرة إلى " مسيح " الكتاب المقدس يعني " المسيح الإله ".

إذا كان من المحتمل أخذ فكرة " ابن الله " حرفياً، فإن ذلك يمكن له بسهولة أن يكون مضللاً. ثم عندما ترتبط هذه الفكرة بفكرة الولادة العذرية (أي من غير أب) فإنها تبدو و كأنها تفسير للعلاقة بين عيسى و الله، بنحو مماثل تماماً تقريباً للعلاقة بين الإنسان و أبيه البشري، أي بالمعنى الجيني (الوراثي) والفيزيولوجي، فيبدو ذلك و كأنه حقيقة بيولوجية حول جوهر طبيعة عيسى!


و لكن فكرة " ابن الله " ليست تفسيراً (شرحاً) لـِ " ماهية " عيسى، بمقدار ما هي تعبير عن " ماذا يعني " أو " ما هو مغزى و دلالة " عيسـى. إنه عندما تؤخذ عبارة " ابن الله " بمعناها الحرفي فإنها تصبح تأكيداً لتركيبة أسطورية، محولةً عيسى إلى مخلوق: نصف بشر، نصف إله، مثل الآفاتارات (تجسدات الإله فشنو عند الهندوس) أو مثل أنصاف الآلهة الأسطوريين في اليونان القديم.


و العقيدة الخلقيدونية ([27]) التي تنص على أن المسيح ذو طبيعتين (هما طبيعة اللاهوت و طبيعة الناسوت التقتا في ذاته) تؤدي إلى إعطاء صورة نوع من الكائنات هو مزيج و خليط معجون، لكائنين مع بعض. و تميل هذه الصورة لتأكيد و إثبات قوى أسطورية شبيهة بقوى السوبرمان لعيسى، و لا سيما لمعجزاته و هبوطه للأرض.


لقد كان الرأي السائد في الكنيسة المسيحية خلال الخمسة عشر قرناً الماضية هو أن عيسى كان شخصاً واحداً ذا طبيعتين.


يصف آرمينيوس ([28]) عيسى بأنه: " ابن الله و ابن الإنسان و مؤلف من طبيعتين" ([29]). و يعلن " لوثر" ([30]): " أننا نمزج الطبيعتين المتمايـزتيـن في شـخص واحد و نقول: الله هو إنسان و إنسان هو الله " ([31]).


أما كالفن ([32]) فقال عن المسيح: " إن الألوهية فيه توحدت واتحدت تماماً مع البشرية بنحو احتفظت فيه كل طبيعة من الطبيعتين بخواصها المتميزة كاملة تامة، و بنفس الوقت شكلت الطبيعتان مسيحاً واحداً فقط! " ([33]).


هذا و لكن كتاب العهد الجديد لم ينص أبداً على أن عيسى ذو طبيعتين.


إن فكرة الطبيعتين في عيسى هي في الواقع من نتاج الفكر الفلسفي اليوناني المؤسس على مقولات " المادة " و " الجوهر " و يمكن كذلك أن تكون هذه الفكرة ثمرة و نتيجة لوصف ثنائي لعيسى: الأول: وصفه كبشر و الثاني: وصفه كإله.


منذ عام 381 م. كتب " غريغوري " رئيس أساقفة القسطنطينية، أن عيسى كان: " مختوناً في الجسد غير مختون في الروح، أرضياً و بنفس الوقت سماوياً، مادياً (ملموساً) و بنفس الوقت غير مادي (غير ملموس)، مدرَكاً و غير مدرَك " ([34]).


و يقول " لورين بويتنر " Loraino Boettner: " انطلاقـاً من كون عيسى ذا طبيعتين، و حسب أي طبيعة منهما تكون في ذهننا، فإنه يصح أن نقول أن عيسى غير متناه (لا محدود) أو نقول متناه (محدود)، موجود منذ الأزل أو ولد في بيت لحم، إنه كان كلي العلم أو كان محدوداً في علمه " ([35]).

و يؤكد أغسطس سترونغ Augustus Strong أن اتحاد الطبيعتين في شخص المسيح هو بالضرورة مبهم (أي ملغز يستحيل فهمه) لأنه لا يوجد له أي نظير أو مثيل في تجربتنا ([36]).


و هنا نقول: ألا يمكن أن يكون السبب في كون عقيدة التجسد في المسيحية، لغزاً و سراً، هو أن ما تحول فيما بعد إلى عقيدة كنسية (إكليركية) كان في الأصل مزجاً لصورة تاريخية مع صورة اسطورية خيالية؟؟؟.


الموضوع الثاني أيضاً الذي ينبغي طرحه في هذا المجال هو البحث عما إذا كان من الممكن، من وجهة النظر المسيحية، أن يكون هناك أكثر من تجسد واحد، كما تؤكده الديانة الهندوسية؟


في إنجيل يوحنا: يعد المسيح حوارييه قائلاً: " و أنا أطلب من الأب فيعـطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد " 14 / 16. ويقول: " لكني سأراكم ثانيـةً فـتـفـرح قـلوبكم " 16 / 22.


دعونا نعترف بأن خجلة (نقطة ضعف أو لا معقوليّة) المسيحية لم تكن فكرة التجسد، ولكنها كانت صلب المسيح و قيامته (من الموت). (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس 1 / 23) (1).


إن عدم قابلية التصديق بالتجسُّـد، لم يكن بدرجة عدم قابلية التصديق بمسيح منتظر يُصْـلَب ثم يُبعـث حياً!


و فوق ذلك فإن العقيدة المسيحية بتفرد عيسى و استثنائيته (أي أنه كائن وحيد لا يتكرر مثله أصلاً)، و موقف الكنيسة من اقتصارية (أي انحصارية) التجسد بعيسى فقط، كان العقبة التي لا تزلل أمام التوحد بين كنيسة مسيحية مثل الكنيسة الرومية الكاثوليكية، و بين أي دين آخر غير مسيحي.

على ضوء ما ذكر يمكن أن نقدر كم هو مثير أن نرى الشخصية اللاهوتية اللامعة في الكنيسة الكاثوليكية، أي القديس: " توما الأكويني " ([37]) يبحث بكل اهتمام في كتابه الموسوم بـ Summa Theologica، عن إمكانية حصول تجسدات أخرى لله (غير تجسده بالمسيح).


والأكثر إثارة للدهشة من هذا أن نجد - خلافاً لما قد نتوقعه - أن النتيجة التي يصل إليها القديس توما في بحثه ذاك هي إمكانية حصول تجسدات أخرى لله!


ففي كتابه المذكور: Summa (الجزء 3 / المسـألة 3، الفقرات 5 ـ 8 والمسألة 4، الفقرات 4 ـ 6) يبين توما، أنه كان من الممكن لكل من الأب أو روح القدس أن يتجسد، تماماً مثلما فعل الابن.

فكان يمكن لهما أن يصيرا بشراً عوضاً عن، أو إضافة لـ: "الابن".


ويبحث " توما " في إمكانية حصول تجسدات لكل إلـه من الله الثالوثي و يستنتج أن ذلك ممكن!


كما أنه يصنع نظرية حول مقدرة الأب والإبن على تجسدات متكررة و يصل أيضاً إلى نتيجة إيجابية في هذا الأمر. و يختتم توما بحثه هذا قائلاً: " إن الابن، الكلمة الأزلية، قادر تماماً على أن يتجسد مرة أخرى، في روح و جسد فرد إنساني آخر مختلف، مولود من أم أخرى أو مولود من أم و أب، من جنس مختلف و عرق مختلف و في بلد آخر و زمن آخر متكلماً لغة أخرى و مستخدماً نموذجاً من الصورة البشرية مختلفة تماماً (أي عن المسيح) ليـبشّـر برسالته و يشرح العلاقة بين الله و العائلة البشرية " ([38]).


و يتحدث توما عن أن الابن لم يختر الطبيعة الإنسانية بسبب الصفات الخاصة التي يملكها عيسى، و يقول: " الله لم يصر إنساناً لأجل أن يكون يهودياً ذكراً من أهل القرن الأول الميلادي ذا طول و عرض و لون كذائي... " ([39]) بل الله اختار الإنسان لأجل أن تكون لِـلَّه طبيعة جنس الإنسان ككل.


و يرى توما الأكويني أنه كان من الممكن للأب و الابن و روح القدس أن يتجسدوا ثلاثتهم جميعاً مع بعض و في وقت واحد في إنسان فرد واحد فقط، أو في عدة أفراد.


إذا عرفنا ذلك فإننا لا نحتاج إلا إلى إشارة فقط إلى أنه كانت هناك فعلاً ادعاءات أخرى للتجسد في المسيحية، بالإضافة للمسيح!


مثال واحد على ذلك هو: " آن لي Ann Lee" (1736 - 1784 م) مؤسس " الجمعية المتحدة للمؤمنين بالظهور الثاني للمسيح " ([40]) و المعروفة باسم الهزازين ([41]).


" آن لي " هذا، ادَّعى أنه الظهور الثاني للمسيح و أنه تجسد الأب السماوي و الأم الإلهية!.


و في الثلاثينيات من هذا القرن ادعى الأب المتبحر في اللاهوت " جورج بيكر "، أنه الله، و قد اعتبره كذلك فعلاً أعضاء حركة " السلم الإلهي " Divine Peace Mission Movement.


و في السبعينات من هذا القرن، نظر أعضاء " كنيسة توحيد المسيحية في العالم " Unification Church إلى مؤسس جمعية " روح القدس لتوحيد المسيحية في العالم " “Holy Spirit Association for the Unification of World Christianity “ إلى الأسقف الكاهن " سَـنْ ميونغ مون "Sun Myung Moon على أنه: رب المجيء الثاني !
و هكذا نرى أنه على الرغم من أن المسيحية اعتقدت دائماً أن عيسى هو التجسد الفريد و الوحيد لله، فإن توقع مجيئه الثاني فتح المجال لادعاءات إضافية للتجسد !


--------------------------------------------------------------------------------

([1]) Mercea ELIADE , Archaic Myth and Historical Man , in Mc Cormick Quarterly (1965) , p. 31.


([2]) يقصد المؤلف بكلام الله هنا: الكتـاب المقدس Bible الذي يشمل العهد القديم و العهد الجديد و يعتقد المسيحيون أنه بتمامه إلهام معصوم من الله.


([3])This image belongs to Norman Perrin, The New Testament: an Introduction (New York: Harcourt , Brace Jovanovich , Inc , 1974) p. 23.


([4]) نحن المسلمون نؤمن تبعا لما أخبرنا الله تعالى به في قرآنه المجيد ـ الكتاب الوحيد على وجه الأرض الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و الذي قامت كل الدلائل العقلية و التاريخية على كونه وحيَ الله تعالى المحفوظ من كل تبديل و تحريف ـ بأن سيدتنا مريم العذراء وَلَدَت عيسى وهي عذراء لم يمسسها بشر، و ليس في هذا أي غرابة، فالذي خلق آدم من غير أب ولا أم، لقادر على خلق عيسى من أم دون أب.

([5]) J. K. mozley , The Doctrine of the Incarnation (London: Geoffrey Bles , 1949) pp. 53 - 4


([6]) لم أتبين وجه الحكم بخرافية مدة الأربعين يوما للطوفان! فهي مد ة ممكنة و لا تختلف مع نواميس الكون، و أما موضوع الخلق في ستة أيام (وليس سبعة كما ذكره) فلعل ما في العهد القديم من جعلها أياما من أيام الأسبوع الذي نعرفه هو الذي جعل المؤلف يعتبرها مدة أسطورية، أما القرآن الكريم فـرغم أنه ذكر أن الخلق تم في ستة أيام إلا أنه لم يحدد ماهية هذه الأيام، بل فيه ما يدل على أن اليوم قد يكون مرحلة زمنية، فقد وصف القرآن أحد الأيام بأن مقداره عند ربك خمسون ألف سنة! و وصف يوما آخر بأنه ألف سنة مما تعدون، مما يفيد أن اليوم في اصطلاح القرآن لا يعني بالضرورة اليوم الأرضي الحالي ذي الأربع و العشرين ساعة، بل هو مرحلة و فترة زمنية محددة ما.


([7]) Norman Perrin. op. cit , pp , 29 - 33


([8])نحن المسلمون نقطع بكل يقين و اطمئنان ـ كما أخبرنا ربنا في القرآن الكريم ـ بأن عيسى عليه السلام لم يدع الألوهية قط، بل على العكس أكد عبوديته لله تعالى دائما، و هذا ما تشهد به حتى الأناجيل الحالية، التي تنقل لنا تأكيد عيسى الدائم على أنه بشر رسول و أن الله تعالى إلهه و معبوده، و ليس في أي منها أي عبارة و لا جملة واحدة تفيد أن عيسى ادعى أنه الله أو أنه أمر الناس بعبادته!.

([9]) الأَوْلى أن يقال بعض كتاب العهد الجديد فقط و ليس كلهم فكتَّاب الأناجيل المتشابهة متى ومرقس ولوقا، و التلاميذ بطرس و يعقوب و يهوذا أصحاب الرسائل الملحقة بالعهد الجديد لم يذكروا فيما كتبوه أي نص صريح في تأليه المسيح أو أنه الله المتجسد، وليس هذا فحسب بل فيما قالوه عبارات تفيد أنهم كانوا يرون في المسيح عبداً مخلوقا مطيعاً لله تعالى مبعوثاً من قبل الله تعالى. نعم في رسائل بولس كما في إنجيل يوحنا لا سيما افتتاحيته، عبارات تفيد أن المسيح إلهٌ (و لكن ليس الله الآب نفسه) تجسد و جاء لعالم الدنيا لفداء البشر و تخليصهم.


([10]) مجرد وصف عيسى بأنه المسيح ليس فيه أي أسطورة و لا تأليه! لأن لفظة المسيح معناها: الممسوح بالزيت المقدس والمكرس من الله، أي المرسل من الله تعالى، ونحن كمسلمين لا نشك في أن هذا حق و واقع، أما كون آباء الكنيسة يفهمون منه تأليهاً للمسيح فهذا أمر ابتدعوه هم ولا دلالة في لفظة " المسيح " بحد ذاتها عليه، ولعل هذا التصور الكنسي المسيحي لمعنى " المسيح " هو الذي جعل المصنف يراه تعبيراً أسطورياً لاهوتياً، و نحن معه في هذا إذا أراد به التصور الكنسي المسيحي للكلمة لا التصور الإسلامي.


(*) أي ابن الله الحقيقي المولود من الله الذي جوهره من جوهر الأب كما تعلم الكنيسة، أما إعلان المسيح أنه ابن الله بالمعنى المجازي أي العبد البار الطائع لله الذي اجتباه الله وتبناه وأنزله من نفسه منزلة الابن الحبيب فإن هناك عدة عبارات في الأناجيل تؤكد ذلك.


([11]) Jacques Guillet , S , J , The Consciousness of Jesus (New York, Newman Press, 1972) , p , 7



([12])هذه شهادات علمية تحقيقية هامة جداً يقدمها لنا هذا المحقق والباحث المتجرد. و هي تنطبق تماماً مع ما يقوله الإسلام عن عيسى عليه السلام.


(*) هذا حسب الاعتقاد السائد لدى النصارى، أما الواقع والحقيقة فهي ما قاله الله تعالى في تنزيله الحكيم " و مَا قـَتَلُوهُ و مَا صَلَبُوهُ و لَكن شُبِّهَ لَهُمْ " سورة النساء / 157.


([13]) Gordon Kaufman , Systematic Theology , p. 189.


([14]) إن دراسة متأنية لتعاليم بولس وسائر الحواريين من كتاب العهد الجديد تبين أنهم ما كانوا يعنون بلفظة "الرب" التي يطلقونها على المسيح إلا معنى السيد المعلم، وإطلاق ربي على الحبر والحاخام المطاع، أمرٌ معروف في اليهودية ومذكور مرتين في إنجيل يوحنا.


([15]) إن هذا النفي القاطع من قبل هذا البحاثة المتتبع له مغزاه الكبير .


([16])Raymond Brown , Jesus God and Man (Milwaukee: Bruce Publishing Co. , 1967) p. 30


([17])Joseph A. Fitzmyer, S. J. 19 th Annual Scripture Institute Adress, Georgetown University Washington , D. C. , 21 - 25 June 1982



([18]) المطالعة المتأنية و المقارنة لرسائل بولس تبين بوضوح: أن مقصوده من عبارته "ابن الله" ليس إلا معنى مجازيا فحسب، وأقصى ما يدل عليه كلام بولس منها: أن عيسى تجسدٌ للكائن الملائكي العلوي الذي هو أول الخليقة ومنه وبه و فيه خلق الله سائر الكون و هو بمنزلة الابن الحبيب لله. (راجع الفصل الثالث من كتابي: "الأناجيل الأربعة و رسائل بولس و يوحنا تنفي ألوهية المسيح كما ينفيها القرآن " ففيه تفصيل واضح لهذه النقطة).


* علم قائم بذاته يبحث في شخصية المسيح من حيث طبيعته و كنهه وكيفية ارتباطه بالله وهل هو ذو طبيعة واحدة أم طبيعتين ناسوت و لاهوت و ما حقيقة صفاته وأفعاله...الخ.


([19]) H. J. Schoeps , Paul: The Theology of the Apostle in the light of Jewish History (1961) p. 150


([20]) Martin Hengel , The Son of God (Philadelphia: Fortress Press , 1976) p. 15


([21])Docetism هو الاعتقاد بأن جسم عيسى هو مجرد ظاهر وخيال ليس غير، أي أنه ليس لعيسى حقيقة جسمية إنسانية واقعية، بل هو كائن إلهي مجرد محض.



([22]) لا تفيد الآية التي ذكرها بأن التجسد هو الله ذاته، بل تذكر أن التجسد هو لكائن آخر غير الله هو بمنزلة الابن الوحيد للآب الذي ملأه الأب نعمة و حقا!.



([23]) التجلي Transfiguration: أي تغيير المظهر أو الشكل الخارجي، وهو يشير لحادثة صعود عيسى للجبل برفقة بطرس ويعقوب ويوحنا (أخاه) وهناك " تغيرت هيئة عيسى قدامهم و أضاء وجهه كالشمس و صارت ثيابه بيضاء كالنور و إذا موسى و إيليا قد ظهرا لم يتكلما معه " وهذه الواقعة رواها أصحاب الأناجيل الثلاثة المتشابهة: متى: 17 / 1 - 8 و مرقس: 9 / 2 - 13 و لوقا: 9 / 28 - 36.


([24]) أي كون علمه غير محدود أي أنه بكل شيء عليم.



([25]) الحقيقة أن هذه العبارات إذا لوحظ فيها السياق الذي وردت فيه يفهم منها بوضوح أن الاتحاد فيها مجازي و ليس حقيقياً أي أنه اتحاد في المحبة و الإرادة و الهدف والغرض والخط والموقف.. الخ. وقد وردت في نفس الإنجيل عبارات مماثلة عن الاتحاد بين الله وعباده المؤمنين الصالحين، ومن الواضح أنه ليس المراد منها الاتحاد الحقيقي.


([26]) نقطة في غاية الأهمية و الدقة، خاصة بعد ما عرفنا الخلفية الثقافية الوثنية لشعوب الشرق الأدنى القديم و تصورهم عن زعمائهم و أباطرتهم بأنهم أبناء الآلهة حقيقة.


(1) نجد ذلك في الإصحاح الأول من تلك الرسالة فقرة 3 و 8 عندما تقول عن عيسى: " الذي وهو بهاء مجده (أي مجد الله) و رسم جوهره و حامل كل الأشياء بكلمة قدرته و أما عن الابن كرسيك يا الله إلى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك ".


(2) عقد في نيقية عام 325 م.برئاسة الإمبراطور الروماني المتنصر قسطنطين اجتماع للأساقفة حضره 2048 أسقفاً من أنحاء العالم لتحديد من هو المسيح وما طبيعته ومناقشة ما أكده آريوس ومن معه من نفي كون عيسى هو الله ورغم أن الأكثرية كانت مع آريوس إلا أن المجمع خرج بقرار يضلل آريوس و يعلن ألوهية المسيح وأنه من نفس جوهر الله الأب!.


([27]) هي التي قررها مجمع خلقيدونية المسكوني الذي عقد عام 451 م للرد على مقالة ديسوقرس بطريرك الإسكندرية القائل أن المسيح ذو طبيعة واحدة هي الألوهية المحضة و قد كفر المجمع ديسوقرس و قرر نفيه عن الإسكندرية و قرر أن المسيح شخص واحد ذو طبيعتين!.


([28]) أرمينيوس Arminious: (1560 - 1609) لاهوتي هولندي بروتستانتي. انتقد تعاليم كالفن (وبخاصة في مسألة القضاء والقدر) و قال بإمكانية الخلاص لجميع البشر.


([29])The Writings of James Arminius , Trans., Nichols & Bagnall (Grand Rapids Michigan: Baker 1956). Disputation 34 , 2 , 84.


([30]) مارتين لوثر Martin Luther: (1483 - 1546) راهب ألماني تزعم حركة الإصلاح البروتستانتي في ألمانيا.

([31]) Martin Luther: Word and Sacrament, Vol III in Helmut Lehman (ed.), Luther`s Works , Vol 37 (Philadelphia: Fortress Press , 1961) p 212.


([32]) كالفن هو: اللاهوتي الفرنسي جون كالفن John Calvin (1509 - 1564): مؤسس المذهب الكلفيني. نشر راية الإصلاح البروتستانتي في فرنسا ثم سويسرا.


([33]) Jhon Calvin, Institutes of the Christian Religion, Trans. Henry Beveridge (Grand Rapids, Michigan: Eederman, 1957) II, 14, 1.



([34])Henry Bettenson , Documents of the Christian Church , 2nd edn. (London: Oxford University Press , 1963) p. 64.



([35]) Loraine Boettner, Studies in Theology (Philadelphia: Presbyterian and Reformed , 1947) p. 197.


([36]) Augustus Strong , Systematic Theology (Westwood , N. J.: Revell, 1907) p. 693.


(1) ونص عبارة بولس المشار إليها هو: " و لكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً، لليهود عثرة، و لليونانيين جهالة " ومعناها أننا نعلن و نعظ بالمسيح مصلوباً و إن كان هذا سبباً لضلال اليهود و تعثرهم وكان بالنسبة لليونانيين يعد أمراً تافهاً لا معنى له.


([37]) القديس توما الأكوينيSaint Thomas Aquinas (1225 - 1274 م.) راهب و فيلسوف لاهوتي إيطالي، وضع مذهباً فلسفياً خاصاً في المسيحية يعرف بالتومانية.


([38])Dr Quentin Quesnell , " Aquinas on Avatars " Paper delivered at New ER Conference , Ft. Lauderdale , Fla 3 Jan. 1983 , p. 8 .


([39]) Ibid. , p. 5.


([40]) The United Society of Believers in Christ's Second Appearing.






([41]) الهزازون: Shakers: طائفة دينية مسيحية أمريكية سميت بذلك لأن حركات الجسد تشكل جزءا من العبادة عندها.












من مواضيعي
0 منزلة الصحابة لا يعادلها شيء
0 أخلاق الطبيب لأبي بكر الرازي
0 يسوع والكنيسة
0 إسلام عبد الله بن سلام أحد أحبار اليهود
0 حكايات من التراث
0 برنامج ممتع يجمع عدة الغاز مع اجوبتها
0 انفوجرافيك استخدامات الرجال و النساء للشبكات الإجتماعية في الوطن العربي
0 محاضرة موجزة في أدلة وجود الله تعالى - الشيخ عبدالله العجيري

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أساطير, النجمي, المسيحية, التجسد, الشرق, القديم, وأثرها

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:13 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009