ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى نقد النصرانية > ملتقى النصرانيات العام
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

المجامع المسيحية تاريخها وأسبابها وقراراتها

ملتقى النصرانيات العام


المجامع المسيحية تاريخها وأسبابها وقراراتها

ملتقى النصرانيات العام


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 03:32 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي المجامع المسيحية تاريخها وأسبابها وقراراتها

المجامع المسيحية تاريخها وأسبابها وقراراتها
78- قد شرحنا فيما اسلفنا من القول العقائد المسيحية ، كما هي فس كتبهم ولم نتجه إلى ألان لدراستها دراسة نقيدة لأننا نجدهم يجتهدون في تصويرها ويشعرون بعظم المشقة في ذلك ، حتى إذا يئسوا قالوا أنها فوق العقل ، وأن العقل لا يستطيع تصويرها تصويراً كاملاً ، وأنها ستنجلي يوم القيامة ، ولذلك نجد من الظلم لأنفسنا أن نناقشها ، لأن العقل لا يستسيغها باعترافهم فكيف نناقشها ؟ وهم يلقنون الصبية بأن يجتهدوا في تصورها وتصديقها ، لا في البرهنة لها وإثباتها ، ولذلك نترك الآن مناقشتها بالعقل ، ونحيل القارئ الكريم على ما كتب الذين ناقشوها من فطاحل العلماء ، ونخص بالإشارة كتاب إظهار الحق للشيخ - رحمه الله - الهندي ، وكتاب الفارق فيما بين المخلوق والخالق ، والقول الصحيح لابن تيمية ، بلل الله ثراهم ، فإن هؤلاء لم يتركوا مقالاً لقائل.
ويهمنا الآن في بحثنا التاريخي أن نبين الأدوار التي مرت عليها هذه العقيدة ، فإنه من المقرر في تاريخ المسيحية بالبداهة أن التثليث بالشكل الذي يعتقده جماهير المسيحيين ، أو الكثرة الغالبة فيهم ، لم يعلن للناس دفعة واحدة ، بل في أزمان متفاوتة مختلفة ، وكان بإعلان المجامع التي كانت تعقد من الأساقفة ، وفيها يقرر المجمع رأيا معيناً ، ولا يهمنا مما كانت تقرره تلك المجامع ألا ما يتعلق بالعقيدة وإن كنا سنعرض أحياناً لما كان يجئ في ثنايا قراراتها من بعض النظم.
كيف وجدت فكرة جمع المجامع
المجامع العامة والمجامع الخاصة
1- مجمع نيقية سنة 325
الاختلاف الخاص الذي انعقد المجمع بعده
تدخل قسطنطين وجمع مجمع نيقيا
قراراته تؤيد برهبة السلطان
النقد الموجه إلى المجمع
المجمع فرض لنفسه سلطاناً كهنوتياً على الناس
أمره بتحريق ما يخالفه
قسطنطين يتدخل ذلك التدخل وهو لم ينتصر
تلقى المسيحيين لقرارات المجمع
ما يستنبط من هذا
نشاط الموحدين
2- المجمع القسطنطيني الأول سنة 381
سبب انعقاده
عدد المجمع والطعن في كونه عاماً
بطريرك الإسكندرية هو الذي يقرر أُلوهية روح القدس
قرار المجمع يوافق رأي بطريرك الإسكندرية
نظرة فاحصة
3- مجمع أفسس الأول سنة 431
سبب انعقاده
ولذا جاء في تاريخ الأمة القبطية عن نحلته ما نصه
قرار المجمع والاحتجاج عليه
انتشار النسطورية في الشرق
4- مجمع خليكدونية سنة 451
الشغب في المجمع
عدم اعتراف المصريين بقرار المجمع
المصريون يرفضون تعيين بطريرك على غير مذهبهم
انفصال الكنيسة المصرية نهائياً
المجامع الباقية
المجامع السابقة تقرر المسيحية الحاضرة
المجمع القسطنطيني الثاني وسبب انعقاده
مجمع القسطنطينية الثالث
مجمع تحريم اتخاذ الصور
انفصال الكنيسة الشرقية عن الغربية وسببه
الكنيسة الغربية أو الكنائس
المجامع اللاحقة كلها غير مسكونية إلا في نظر الكنيسة الغربية
كيف وجدت فكرة جمع المجامع
والمجامع في المسيحية هي كما يقول علماؤهم جماعات شورية في المسيحية ، قد رسم رسلهم نظامها في حياتهم. حيث عقدوا المجمع بأورشليم بعد ترك المسيح لهم باثنتين وعشرين سنة ، وقرر ذلك المجمع ، كما علمت قريباً ، عدم التمسك بمسألة الختان ، بل زاد فقرر عدم التمسك بشرائع التوراة ، وكا وليها من سائر أسفار العهد القديم المقدس عندهم فيما يتعلق بالتحريم ، إلا تحريم الزنى ، وأكل المخنوق ، وأكل الدم وأكل ذبائح الأوثان ، فقد قالوا أن التلاميذ والمشايخ بهذا المجمع الذي بينه سفر الأعمال في إصحاحه الخامس قد سنوا للمسيحيين سنة جمع المجامع لدراسة ما يتعلق بالعقيدة والشريعة.
المجامع العامة والمجامع الخاصة
والمجامع عندهم قسمان : مجامع عامة أو على حد تعبيرهم مجامع مسكونية ، أي تجمع رجال الكنائس المسيحية في كل أنحاء المعمورة ، والمجامع المكانية وهي التي تعقدها كنائس مذهب أو أمة في دوائرها الخاصة من أساقفتها وقساوستها" أما لإقرار عقيدة ، أو لرفض عقائد أخرى.
ويقسم المجامع صاحب كتاب سوسنة سليمان إلى ثلاثة أقسام فيقول : "وهذه المجامع تنقسم بالنظر إلى عدد أربابها ودرجاتهم وشوكتهم إلى ثلاثة أقسام وهي : مجامع عامة ، ويقال لها مسكونية ، ومجامع ملية ، أي خاصة بطائفة دون غيرها ، ومجامع إقليمية ، أي خاصة بإقليم مخصوص. لكن مقاصد كلامنا لا تحتاج إلا إلى ذكر المجامع التي تعتبر عامة ، سواء صادق عليها الجميع أو إنكرها بعضهم على بعض ، لما في ذلك من معرفة النتائج التي تولدت عنها".
هذا كلام صاحب ذلك الكتاب المسيحي ، وإذا كان هو لا يعني في تاريخ ديانته إلا بالمجامع العامة ، فنحن كذلك لا نعني إلا بها ، وقد أحصى المجامع العامة من القرون الأولى للمسيحية إلى سنة 1869 فكانت عدتها عشرين مجمعاً ، وقد ذكرها جميعاً بالإجمال ، وذكر قراراتها بالإشارة وسنحذو حذوه في بعضها ، وسنترك الإجمال إلى بعض التفصيل في بعضها الآخر ، وخصوصاً في المجامع التي كانت في القرون الأولى للمسيحية لأنها التي حددت للأخلاق حدود العقيدة المسيحية في نظر مقريها ، وهي التي رسمت المسموح والتقاليد الكنسية القائمة في الكنائس ، أو بعضها الكثير إلى الآن ، وهي التي فلحت الأرض لتبذر هذه المسيحية التي سادت أفكار المسيحيين في الأجيال من بعد.
ونبدأ بأعظم هذه المجامع ، وأبعدها أثراً ، وأكبها شأناً ، وأولها وجوداً وأعظمها ذكراً وهو مجمع نيقية.
1- مجمع نيقية سنة 325
سبب انعقاده العام الاختلاف بينهم في شخص المسيح :
79- أشتد الاختلاف بين الطوائف المسيحية الأولى ، وتباعدت مسافات الخلف تباعداً شديداً ، لا يمكن أن يكون معه وفاق ، وكان الاختلاف يدور حول شخص المسيح ، أهو رسول من عند الله فقط ، من غير أن تكون له منزلة أكثر ممن له شرف السفارة بين الله وخلقه ، أم له بالله صلة خاصة أكبر من رسول ، فهو من الله بمنزلة الابن ، لأنه خلق من غير أب ، ولكن ذلك لا يمنع إنه مخلوق لله ، أنه هو كلمته ، ومن قائل إنه ابن الله ، له صفة القدم ، كما لله تلك الصفة ، وهكذا تباينت نحلهم ، واختلفت ، وكل يزعم أن نحلته هي المسيحية الصحيحة التي جاء بها المسيح عليه السلام ، ودعا إليها تلاميذه من بعده ، ويظهر أن ذلك الاختلاف ، وتلك النحل المتباينة المتنازعة ، وقد ظهرت بعد أن دخلت طوائف مختلفة من الوثنيين من الرومان ، واليونان ، والمصريين ، فتكون في المسيحية مزيج غير تام التكوين ، غير تام الإتحاد والامتزاج ، وكل قد بقى عنده عن عقائده الأولى ما أثر في تفكيره في دينه الجديد ، وجعله يسير على مقتضى ما اعتنق من القديم من غير أن يشعر أو يريد.
وممن دخل في ذلك الدين فلاسفة لهم آراء فلسفية أرادوا أن يفهموا ما اعتنقوه جديداً على ضوئها ، وعلى مقتضى منطقها وتفكيرها.
ولقد كانت تلك الاختلافات كامنة لا تظهر مدة الاضطهادات الرومانية ، لأنهم شغلوا بدفع الأذى ، ورد البلاء واستقبال المحن والكوارث ، وكانوا يستسرون بدينهم ولا يظهرونه ، ويخفون عقائدهم ، ولا يعلنونها ، حتى إذا رزقوا الأمان ، ونزلت عليهم سحائب الاطمئنان ظهرت الخلافات الكامنة ، وإذا هم لم يكونوا متفقين إلا في التعلق باسم المسيح ، والاستمساك بالانتساب إليه ، من غير أن يتفقوا على شيء في حقيقته ، ولذا لما منحهم قسطنطين عطفه ، واعتزم الدخول في النصرانية ، ووجد هذا الاختلاف الشديد ، أمر بعقد مجمع نيقية.
الاختلاف الخاص الذي انعقد المجمع بعده
80- هذا هو السبب في عقد مجمع نيقية بشكل عام ، لكن له سبباً خاصاً يتعلق بنوع من هذه الخلافات ، وهو ما يسمونه في تاريخهم بدعة أريوس ، كان هذا الرجل في مصر داعية قوى الدعاية ، جريئاً فيها ، واسع الحيلة ، بالغ الأدب ، قد أخذ على نفسه مقاومة كنيسة الإسكندرية فيما تبثه بين المسيحيين من أُلوهية المسيح وتدعو إليه ، فقام هو محارباً ذلك ، مقراً بوحدانية المعبود ، منكراً ما جاء في الأناجيل مما يوهم تلك الأُلوهية .
كلام أريوس :
وقد قال في بيان مقالته ابن البطريق : "كان يقول أن الأب وحده الله والابن مخلوق مصنوع ، وقد كان الأب إذ لم يكن الابن".
ولم يكن بدعاً في القول بهذه الفكرة بين المسيحيين ، بل إنها كانت معروفة مذكورة مشهورة من قبله ، كما يقول المسيحيون أنفسهم.
ولقد جاء في كتاب تاريخ الأمة القبطية ما نصه : "الذنب ليس على أريوس بل على فئات أخرى سبقته في إيجاد هذه البدع. فأخذ هو عنها. ولكن تأثير تلك الفئات لم يكن شديداً كما كان تأثير أريوس الذي جعل الكثيرين ينكرون سر الأُلوهية ، حتى أنتشر هذا التعليم وهم".
انتشار رأي أريوس وطرق محاربته :
ولقد كان لرأي أريوس في اعتبار المسيح مخلوقاً لله مشايعون كثيرون ، فقد كانت الكنيسة في أسيوط على هذا الرأي ، وعلى رأسها ميليتوس ، وكان أنصاره في الإسكندرية نفسها كثيرين من حيث العدد ، أقوياء من حيث المجاهرة بما يعتقدون ، كما كان لهذا الرأي مشايعون في فلسطين ومقدونية ، والقسطنطينية.
وقد أراد بطريرك الإسكندرية أن يقضي على هذه الفكرة ، فلم يعمد إلى المناقشة والجدل ، حتى لا يتسع الخرق على الراقع ، وحتى لا يلحن بالحجة عليه أريوس ، ولكنه عمد إلى لعنه وطرده من حظيرة الكنيسة.
ويبنى ذلك على إنه رأي المسيح يتبرأ من أريوس وبلعنه ، نفي من الكنيسة مرتين لهذا الرأي ، وبحجة تلك الرؤى المنامية ، ومن أمثلتهم قول البطريرك بطرس الذي أمر بنفيه : "أن السيد الكسيح لمن أريوس هذا فاحذروه ، فإني رأيت المسيح في النوم مشقوق الثوب ، فقلت له يا سيدي من شق ثوبك ؟ فقال لي : أريوس ، فاحذروا أن تدخلوه معكم".
ولم يجد النفي وإعلان الرؤى والأحلام في القضاء على رأي أريوس وجمع الناس حول قوة الكنيسة ، حتى إذا ولي أمر الكنيسة البطريرك إسكندر أخذ يعالج المسألة بنوع من الحيلة والصبر ، فكتب إلى أريوس وزعماء هذا الرأي يدعوهم إلى رأي كنيسة الإسكندرية ، ولكن محاولته لم تجد أيضاً ، فعقد مجمعاً في كنيسته بالإسكندرية وحكم على أريوس بالحرمان منها فلم يخضع لهذا ولم يخنع ، وغادر الإسكندرية إلى فلسطين.
وقد كان مذهب عدم أُلوهية المسيح ذائعاً منتشراً ، وكان أسقف مقدونية على مذهب أريوس أيضاً ، ويعظ على أساسه ، وفي الحق أننا نجد أن أسقف مقدونية وأسقف فلسطين ، وكنيسة أسيوط ، كل أولئك على رأي أريوس ، وكنيسة الإسكندرية وحدها هي التي تحاربه ، فالخلاف محصور إذن بين أريوس ، ومعه أسيوط وفلسطين ، ومقدونية وبين بطريرك الإسكندرية.
تدخل قسطنطين وجمع مجمع نيقيا
81- وقد تدخل قسطنطين إمبراطور الرومان في الأمر. فأرسل كتاباً إلى أريوس والإسكندر يدعوهما إلى الوفاق ، ثم جمع بينهما ، ولكنهما لم يتفقا ، فجمع مجمع نيقية سنة 325.
ويقول ابن البطريق المسيحي في وصف المجتمعين وعددهم ما نصه : "بعث الملك قسطنطين إلى جميع البلدان ، فجمع البطاركة والأساقفة فأجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة. وكانوا مختلفين في الآراء والأديان ، فمنهم من كان يقول أن المسيح وأمه إلهان من دون الله ، وهم البربرانية ، ويسمون المريميين ، ومنهم من كان يقول أن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار ، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها ، وهي مقالة سابليوس وشيعته ، ومنهم من كان يقول : لم تحبل به مريم تسعة أشهر ، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب ، لأن الكلمة دخلت في أذنها ، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها ، وهي مقالة البيان وأشياعه".
ومنهم من كان يقول أن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره ، وإن ابتداء الابن من مريم ، وإنه اصطفى ليكون مخلصاً للجوهر الإنسي صحبته النعمة الإلهية ، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة ، ولذلك سمى ابن الله ، ويقولون : الله جوهر قديم واحد ، وأقنوم واحد ، ويسمونه بثلاثة أسماء ، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس ، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية وأشياعه ، وهم البوليقانيون.
ومنهم من كان يقول أنهم ثلاثة آلهة لم تزل : صالح ، وطالح ، وعدل بينهما ، وهي مقالة مرقيون اللعين وأصحابه ، وزعموا أن مرقيون رئيس الحواريين ، وأنكروا بطرس ، ومنهم من كان يقول بأُلوهية المسيح وهي مقالة بولس الرسول ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً" أ. هـ. المراد منه.
موقف قسطنطين من المتناظرين :
اجتمع أولئك المختلفون ، وسمع قسطنطين مثال كل فرقة من ممثليها ، فعجب أشد العجب مما رأي وسمع ، فأمرهم أن يتناظروا لينظر الدين الصحيح مع من ، وأخلى داراً للمناظرة ، ولكنه جنح أخيراً إلى رأي بولس ، وعقد مجلساً خاصاً للأساقفة الذين يمثلون هذا الرأي وكانت عدتهم ثمانية عشر وثلاثمائة.
انحيازه لرأي مؤلهي المسيح مع إنهم ليسوا الكثرة :
ويقول في ذلك ابن البطريق : "وضع الملك للثلاثمائة والثمانية عشر أسقفاً مجلساً خاصاً عظيماً ، وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه ، وسيفه ، وقضيبه. فدفعه إليهم وقال لهم : قد سلطتكم اليوم على مملكتي ، لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوا مما فيه قوام الدين ، وصلاح المؤمنين ، فباركوا الملك ، وقلدوه سيفه ، وقالوا له : أظهر دين النصرانية ، وذب عنه ، ووضعوا له أربعين كتاباً فيها السنن والشرائع ، منها ما يصلح للملك أن يعلمه ويعمل به ، ومنها ما يصلح للأساقفة أن يعملوا به".
العقيدة التي فرضها المجمع :
وضع هذا المجمع المحدود من الأساقفة قرارات في العقدية والشرائع ، ليقيدوا بها المسيحيين ، ولا يهمنا إلا بيان العقيدة التي قررها المجمع وفرضها على المسيحيين.
وقد ذكرها صاحب كتاب تاريخ الأمة القبطية ، فقال عنها ما نصه : "إن الجامعة المقدسة والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجوداً فيه ، وإنه لم يوجد قبل أن يولد ، وإنه وجد من لا شيء. أو من يقول أن الابن وجد من مادة أو جوهر غير الله الأب ، وكل من يؤمن إنه خلق ، أو من يقول إنه قابل للتغيير ، ويعتريه ظل دوران".
قراراته تؤيد برهبة السلطان
82- إذن قرر المجمع أُلوهية المسيح ، وإنه من جوهر الله ، وإنه قديم بقدمه ، وإنه لا يعتريه تغيير ولا تحول ، وفرضت تلك العقيدة على المسيحيين قاطبة مؤيدة سلطان قسطنطين ، لاعنة كل من يقول غير ذلك والذين فرضوا هذا القول 318 أسقفاً ، ويخالفهم في ذلك نحو سبعمائة وألف أسقف ، وأن لم يكونوا متفقين فيما بينهم على نحلة واحدة ، فهل ذلك المجمع لم يخل من نقد ؟ إن باب النقد فيه متسع.
النقد الموجه إلى المجمع
(أ) وأول ما يلاحظه الناقد أن الذين دعوا إليه ، وجابوا الأمصار ووصلوا إلى نيقية بدعوة من قسطنطين ، وبتفاهم البطارقة فيما بينهم بلغوا ثمانية وأربعين وألفين من الأساقفة ، ولكنا نجد العدد ينزل إلى ثمانية عشر وثلاثمائة أسقف ، فما هي آراء الباقين ؟ ولماذا أهملت كل هذا الإهمال ؟ أكانوا جميعاً مختلفين في النحل والآراء ، حتى أن نحلة لم يصل عددها إلى 318 ، فلما تعذر الأخذ بالكثرة المطلقة التي يزيد عددها على النصف ، ولو واحداً ، اتجهوا إلى الأخذ بالكثرة النسبية ، وهو اعتناق الر أي الذي يأخذ به أكبر عدد في الأصوات وإن لم يصل النصف أو يقاربه ؟ إن المروي غير ذلك ، لأن ابن البطريق يقول : أن قسطنطين هو الذي أختار أن يعقد أولئك الأساقفة الذين يبلغون 318 مجلساً خاصاً بهم ، وحضر هو المجلس ، وأعطاهم شارة الملك والسلطان لأنهم أفلحوا على أخوانهم في زعم ابن البطريق المسيحي التثليثي ، ولأن الرواة يقولون أن أريوس لما اجتمع بهم وألقى بدعوته ونحلته إليهم أنضم إلى آرائه أكثر من سبعمائة أسقف ، وذلك العدد هو أكبر عدد نالته نحلة من تلك النحل المختلفة ، فلو كانت النصرة بالكثرة النسبية ، لكان الواجب إذن أن يكون الغلب لأريوس الذي احتج بما تحت أيديهم من أناجيل ، فلما عارضوه بنصوص أخرى تدل على ألوهية المسيح قرر تحريفها.
الرغبة والرهبة من السلطان لهما دخل في القرارات :
ويظهر أن عصا السلطان ورهبة الملك كان لهما دخل في تكوين رأي الذين رأوا أُلوهية المسيح ، فلقد يروى أن أولئك الـ 318 لم يكونوا مجمعين على القول بألوهية المسيح ، ولكن تحت سلطان الإغراء بالسلطة الذي قام به قسطنطين بدفعه إليهم ثارة ملكه ليتحكموا في المملكة اجمعوا. فقد دفعهم حب السلطان إلى أن يوافقوا هوى قسطنطين الذي ظهر في عقده مجلساً خاصاً بهم دون الباقين ، لاعتقاده إمكان إغرائهم ، فأمضى أولئك ذلك القرار تحت سلطان الترهيل أو الترغيب ، أو هما معاً. وبذلك قرروا أُلوهية المسيح ، وقسروا الناس عليه بقوة السيف ، ورهبة الحكام.
المجمع فرض لنفسه سلطاناً كهنوتياً على الناس
(ب) أن المجمع فرض نفسه حكومة وجماعة كهنوتية تلقى على الناس أوامر الدين وعليهم أن يطيعوا راغبين أو كارهين ، وقرر أن تعاليم الدين لا يتلقونها من كتب المسيحية رأساً ، بل لابد من تلقيها من أفواه العلماء ورجال الكهنوت ، وإن أقوالهم في ذاتها حجة ، سواء أخالفت النصوص أم وافقت ، وسواء أكانت الصواب ، أم جافت الحق ، وإن ذلك كان له ما بعده في المسيحية. وهو مخالف كل المخالفة لما جاء في تعاليم المسيح المنصوص عليها ، حتى كتبهم التي يقرءونها ويعترفون بها ، فقد جاء في الإصحاح العشرين من إنجيل متى ما نصه : "رؤساء الأمم يسودونهم ، والعظماء يسلطون عليهم ، فلا يكن فيكم هذا" ولكن العلماء تسلطوا على إخوانهم المسيحيين لما أعطاهم قسطنطين خاتمه وسيفه وقضيبه ، وبذلك خالفوا المسيح عليه السلام ليطيعوا قسطنطين.
أمره بتحريق ما يخالفه
(جـ) أن المجمع أمر بتحريق الكتب التي تخالف رأيه ، وتتبعها في كل مكان ، وحث الناس على تحريم قراءتها ، فهو بهذا يمنع أن يصل إلى الناس علم بأي أمر من الأمور التي تخالف رأيه ، وهو بهذا يحاول التحكم في القلوب ، والسيطرة على النفوس بحملها على قراءة ما وافق رأيه ، ومنعها منعاً بأنا جازماً من أن يقرأ غيره ، ويسد عليها منافذ النور للاهتداء إلى ما يخالفه ، ولعل المجمع مخطئ في ذلك التحريم ، وآثم في ذلك التحريف ، بل إن المجامع العامة من بعد قد خطأته ، فأعادت إلى حظيرة التقديس كتباً حرمها ، وأخرجت من البلى كتباً حرفها" قد حرم كتباً من العهد القديم ، ولم يعترف بها فاعترفت بها المجامع المسيحية من بعده ، وحرم من كتب النصارى المعتبرة الآن : رسالة بولس إلى العبرانيين ، والرسالة الثانية لبطرس ، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا ، ورسالة يعقوب ، ورسالة يهوذا ، ومشاهدات يوحنا ، ولكن المجامع من بعد أقرتها ، وأجمعت عليها.
إذن لم يكن المجمع مصيباً من كل الوجوه ، وإن أخطأ في معرفة الصحيح من الكتب ، فآراؤه الأخرى أكثر عرضة للخطأ وأكثر استهدافاً للنقد ، لعل أشدها صلة بالباطل ، وأقربها به رحماً ، وأدناه إليه هو ما يتعلق بالعقيدة.
قسطنطين يتدخل ذلك التدخل وهو لم ينتصر
(د) بقى أمر نشير إليه إشارة خفيفة ، وهو مقام قسطنطين في المسيحية عند انعقاد ذلك المجمع ، أكان مسيحياً عاما بالمسيحية في ذلك الإبان ، حتى ساغ له أن يحكم لبعض المجتمعين ، وإن لم يكونوا الكثرة على أي اعتبار كانت الكثرة ، أكثرة مطلقة أو كثرة نسبية ؟.
يقول المؤرخ أبوسيبوس الذي تقدس كلامه الكنيسة ، وتسميه سلطان المؤرخين : "أن قسطنطين عمد حين كان أسير الفراش ، وأن الذي عمده هو ذلك المؤرخ نفسه ، وقد كان له صديقاً".
والتعميد إعلان دخول المسيحية ، إذن فقسطنطين ما كان مسيحياً في أبان انعقاد ذلك المجمع ، وما كان من حقه أن يحكم بفلج هؤلاء ، ويسوغ لنا أن نقول إنه كان له في هذا أرب خاص ، وهو تقريبها من وثنيته ، أو على الأقل عندما رجح رأي فريق على فريق كان يرجح ما هو أقرب إلى وثنيته ، وأدنى إلى ما يعرفه من عقيدة ، فلم تكن الحجة القوية في جانب ترجيحه على هذا الاعتبار ، أو كان متهماً في ترجيحه بناء على الاعتبار الأول ، وسواء أكان هذا أم ذاك ، فهو قد رجح ما هو أقرب إلى الوثنية لوثنيته.
تلقى المسيحيين لقرارات المجمع
83- ولكن هل أمات ذلك الرأي الوحدانية التي كان يجاهر بها أريوس ، وهل قضي ذلك المجمع القضاء المبرم عليها ؟ إنه لو فرض أبعد الفروض عن الحق ، وكانت كثرة المجمع العلم على غير رأي أريوس ما انتصروا عليه ولا قضوا على ما يدعو إليه لأن الآراء لا تنتصر بكثرة العدد بل بقوة الدليل وقوة تصور العقيدة ، وقوة الاقتناع بها ، وسهولة دخولها إلى العقل ، واستساغته لها ، ولذلك لم يقض المجمع على فكرة الوحدانية. بل ربما كانت المحاولة للقضاء عليها سبباً في شدة الاستمساك بها ، والمبالغة في المحافظة عليها مما يراد بها.
ولذلك أخذ البطارقة الذين لعنوا لاعتناقها يعملون الحيلة للاحتفاظ بها وحياطتها ، واتخذوا الخديعة سبيلاً لذلك. فتقربوا من قسطنطين وأظهروا له الإقلاع عما كانوا عليه ليعودوا إلى ما كان لهم من مناصب. ويستطيعوا مناصرة فكرتهم. ولينالوا ثقة قسطنطين. ومن طريق هذه الثقة ينفذون إلى نفسه. ويقنعونه هو بالتوحيد. ليستطيع أن يخدمه بسلطانه قوته. كما خدم أُلوهية المسيح ، أو على الأقل ليقف موقف الحياد ويترك الآراء تسير في مجراها الطبيعي. ولنقص عليك محاولة من محاولات الموحدين.
مجمع صور يرفض بالإجماع قرار مجمع نيقية :
يذكر ابن البطريق أن أوسابيوس أسقف نيقومدية كان موحداً من مناصري أريوس في المجمع العام قبل أن تبعده عنه كثرته. ولعن من أجل هذا وأراد أن يتقرب من قسطنطين "فأظهر إنه وافق على قرار الثمانية عشر والثلاثمائة فأزال عنه اللعنة قسطنطين. وجعله بطريرك القسطنطينية ، فما أن ولى هذه الولاية حتى صار يعمل للوحدانية في الخفاء فلما أجتمع المجمع الإقليمي في صور حضره هو وبطريرك الإسكندرية الذي كان يمثل فكرة أُلوهية المسيح ويدعو إليها ، وينفرد من بين البطاركة في المبالغة في الدعوة إليها ، والحث عليها ، ولعن كل من يقاومها.
وانتهز أوسابيوس فرصة ذلك الاجتماع وأثار مقالة أريوس ، ورأيه في المسيح وإنكار ألوهيته. وكان في ذلك المجمع كثيرون من الموحدين المستمسكين به ، إذ لم يحتاطوا بإبعادهم ، كما فعلوا في المجمع العام
بنيقية. وأشتد النقاش بين رئيس كنيسة الإسكندرية ، وبين المجتمعين ، ولم يكتفوا بالنقاش القولي بل امتدت الأيدي إلى بطريرك الإسكندرية وعمدت إلى رأسه لإخراج الوثنية منها ، فضربوه حتى أدموه ، وكادوا أن يقتلوه ، ولم يخلصه من أيديهم إلا ابن أخت الملك الذي كان حاضراً تلك الاجتماع ، ولكن لما بلغ ذلك قسطنطين كرمه.
ما يستنبط من هذا
وما سقنا ذلك القصص لرضانا عن تأييد الرأي بالعصا وجمع اليد ، ولكن سقناه ليتبين منه القارئ مقدار حماسة الموحدين من أهل المسيحية الأولى لعقيدة التوحيد ، وإنهم في تلك الحماسة لا يأبهون لشيء ، ولا يهمهم إغضاب ذوي السلطان أو إرضاءهم ، وسقناه لتعلم أن الموحدين كما يظهر من رواية الكتب المسيحية ، وكما يستنبط كانوا الكثرة الغالبة في المسيحيين ، ففي مجمع نيقية كانوا الكثرة ، وفي مجمع صور الخاص كانوا الجميع ما عدا رئيس كنيسة الإسكندرية. وإذا كانوا الكثرة في المؤتمرات خاصة وعامة ، فلابد أن يكونوا الكثرة في جمهور المسيحيين.
وإذن تكون فكرة أُلوهية المسيح هي العارضة والأصل هو التوحيد كما يستنبط القارئ من المصادر المسيحية نفسها. وسقناه لتعلم أن قسطنطين كان يشجع دائماً المخالفين للتوحيد. وإن كان لا يظهر السخط على غيرهم أحياناً. وسقناه لتعلم أن مجمع صور كان يخالف كل المخالفة مجمع الثمانية عشر والثلاثمائة. وأخيراً سقناه لتعلم أن موطن الدعاية لألوهية المسيح كانت كنيسة الإسكندرية وحدها ، فهي التي حاربت أريوس. وهي التي لعنته مرتين ، ورئيسها هو الذي خالف في صور ، ونال عقاب المخالفة جزاء وفاقا.
فهل لنا أن نقول أن التثليث الذي اشتملت عليه فلسفة الإسكندرية كان يعلن على السنة بطاركتها. وإنهم كانوا يمثلون تلك الفلسفة بآرائهم أكثر من تمثيلهم لمسيحية المسيح عليه السلام ؟ إن ذلك هو مفتاح التاريخ الصحيح فمن أراد أن يعرف كيف حالت المسيحية من توحيد إلى تأليه للمسيح ، فليستعن به.
نشاط الموحدين
84- ولم يتواني الموحدون عن إعلان الاستمساك بعقيدتهم ، وتخطئة الذين أعلنوا أُلوهية المسيح ، ومعهم في ذلك الكثرة العظمى من المسيحيين ، كما يدل على ذلك ما سننقله من تاريخ ابن البطريق ، فلقد حاولوا أن يجذبوا قسطنطين ابن قسطنطين إلى رأيهم بعد أن مات أبوه ، فاجتمعوا به. وحسنوا رأي الموحدين له ، وبينوا له إنه صميم المسيحية ، وأن الأساقفة الذين ناقضوه خالفوا وجه الحق ، ولم يكونوا آخذين بتعاليم السيد المسيح التي بشر بها بين الأنام ، ولكنه لم يعمل على نصرتهم ، ولم يعاونهم في دعايتهم ، مع أن أكثر المسيحيين في ذلك العصر كانوا موحدين.
يقول ابن البطريق : "في ذلك العصر غلبت مقالة أريوس على القسطنطينية ، وأنطاكية وبابل ، والإسكندرية". وأسيوط قد علمت أن كنيستها كانت موحدة.
ويقول في بيان الإسكندرية ومصر بعد الإجمال السابق "فأما أهل مصر والإسكندرية فكان أكثرهم أريوسيين ، فغلبوا على كنائس مصر والإسكندرية وأخذوها ، ووثبوا على اثناسيوس بطريرك الإسكندرية ليقتلوه ، فهرب منهم واختفى".
وقد كان على كثير من الكنائس رؤساء موحدون يستمسكون بالتوحيد ويحثون على الاستمساك به ، وكلما ولي أسقف غير موحد ثاروا به ، وهموا بقتله ، وهذا ابن البطريق يقص علينا أن بطريق بيت المقدس لم يكن موحداً فيثور عليه الموحدين ، ويهمون بقتله فيهرب منهم ، فيقول في ذلك "وثب أهل بيت المقدس ، من كان منهم أريوسيا على كورلس أسقف بيت المقدس ليقتلوه ، فهرب منهم ، فصيروا أراقليوس أسقفاً على بين المقدس ، وكان أريوسيا".
وهكذا نجد مغالبة قوية بين التوحيد وألوهية المسيح ، الأولى تغالب بالكثرة وقوة الإيمان ، وسعة الحيلة ، والثانية بقوة السلطان ، وبقايا الوثنية والذين كانوا متأثرين بها ، ووجدوا مواءمة بينهما وبين ما يألفون ، فابتغوها لقربها مما ألفوا وعرفوا. وأمكنته التقاليد من نفوسهم. ولكن قوة السلطان طمست نور المذهب الأول. إذ أنها احتاطت فجملت كل الأساقفة ممن لم يكونوا موحدين. واحتاطت أشد الاحتياط في ذلك ، وأخذ أولئك يسيطرون على قلوب العامة بالرؤى والأحلام والهامات يزعمونها ، حتى اختفى المذهب الحق في لجة التاريخ ، ولم يبد على السطح ألا أُلوهية المسيح.
2- المجمع القسطنطيني الأول سنة 381
سبب انعقاده
85- تقرر في مجمع نيقية أن المسيح إله ، وإنه ابن الأب وإنه جوهر قديم من جوهر الأب ، ولم يتعرض للروح القدس أهو إله أم روح مخلوق ، وليس باله. ولم يكن مجمع نيقية قد أصدر قراراً في هذا الأمر ، لذلك ظهرت أفكار بين المسيحيين لا تعترف له بألوهيته ، ويظهر أن الإسكندرية التي كانت مهداًَ للأفلاطونية الحديثة التي تقول بالتثليث وأن المسيطر على العالم ثلاث قوى مؤثرة فيه ، قوة المكون الأول ، والعقل (الابن) والنفي العامة (الروح القدس) - تريد أن تفرض ذلك فرضاً على المسيحيين ، كما كانت العامل القوي في إعلان ألوهية المسيح.
عدد المجمع والطعن في كونه عاماً
أخذ يجاهر رجل اسمه مقدونيوس بأن الروح القدس ليس بإله ، ولكنه مخلوق مصنوع ، وشاعت مقالته بين الناس ، ولم يجدوا فيها نكراً ولا أمراً لا يقره العقل أو تأباه المسيحية. فأجتمع إلى ذلك ذوو الأمر من وزرائه وقواده ، وبلغوه أن العامة قد فسدوا ، فهم مازالوا متأثرين بوحدانية أريوس ، واعتنقوا مذهب مقدونيوس في أن الروح القدس ليس بإله قديم ، بل هو مخلوق مصنوع ، وحرضوه على أن يجمع جمعاً من الأساقفة يثبتون عقيدة المجمع النيقوى ويدحضون قول مقدنيوس. فاجتمع في القسطنطينية خمسون ومائة أسقف وكان المقدم فيها بطريرك الإسكندرية ، ويظهر أن ذلك العدد لم يكن ممثلاً لكل الكنائس. ولكل الأقاليم ، ولذلك كان اعتباره مجمعاً عاماً من الأمور التي ثارت حولها الأقوال.
فيقول في ذلك صاحب كتاب سوسنة سليمان : "قال الرهبان البندكيتيون أن المجمع الذي لم يكن أربابه إلا مائة وخمسين أسقفاً لا ينظم في سلك المجامع المسكونية إلا بعد أن تقره جميع الكنائس".
بطريرك الإسكندرية هو الذي يقرر أُلوهية روح القدس
اجتمع هذا المجمع في القسطنطينية ، وتذاكر المجتمعون فيمن هو أولى بالرياسة فقر رأيهم على أن تكون الرياسة لأسقف القسطنطينية ، وبذلك نحى عنها رئيس كنيسة الإسكندرية. وكان لذلك أثره في نفوس تابعي تلك الكنيسة كما جاء في كتاب تاريخ القبطية. ولكن مع إبعاد ممثل كنيسة الإسكندرية عن مكان الرياسة ، وموضع الزعامة الذي كان فلسفة في مجمع نيقية كان هو المقدم في المناقشة ، وتقرير الرأي الذي أجمع عليه المؤتمر بعد ذلك ، وهذا ما نقله ابن البطريق عنه بنصه : (قال ثيموثاوس بطريق الإسكندرية : ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله ، وليس روح الله شيئاً غير حياته. فإذا قلنا أن روح القدس مخلوق ، فقد قلنا أن حياته مخلوقة وإذا قلنا أن حياته مخلوقة ، فقد زعمنا إنه غير حي ، وإذا زعمنا إنه غير حي فقد كفرنا به ، ومن كفر به وجب عليه اللعن).
قرار المجمع يوافق رأي بطريرك الإسكندرية
واتفقوا على لعن مقدونيوس ، فلعنوه هو وأشياعه ، ولعنوا البطاركة الذين يكونون بعده ، ويقولون بمقالته ، إذن كان الإسكندرية فضل الصدارة في القول ، والقيادة في الرأي العام ، وأن لم تكن لها الرياسة.
نظرة فاحصة
ونريد أن نستطرد استطراده صغيرة عاجلة ، وهي أن ننظر في تلك السلسلة الفكرية التي ساقها في شكل دليل شرطي كثرت مقدماته وكثرت تالياته ، وأن نظرة سريعة فاحصة إلى الأساس الذي قامت عليه السلسلة ترينا إنه جعل روح القدس هي روح الله ، وهذا لا يسلمه له مخالفه. ولا يستطيع هو أن يقيم عليه دليلاً.
أن روح القدس خلقه الله ، وأتخذه ليكون رسولاً بينه وبين من يريد أن يلقى عليه وحياً من خلقه أو أمراً كونياً ، فهي ليست روح الله المتعلقة بذاته ، وليس عنده من دليل على ما قال ، ولكن هكذا ساق السلسلة ، وهكذا اقتنع سامعوه. وبذلك تم له الثالوث الذي يتشابه تماماً مع فلسفة الإسكندرية ، وقد أعلنها بطريرك الإسكندرية ، وزادوا بذلك على مجمع نيقية هذا الأقنوم الثالث.
ويقول ابن البطريق في بيان قرارهم : "زادوا في الأمانة التي وضعها الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفاً الذين اجتمعوا في نيقية الإيمان بروح القدس الرب المحي المنبثق من الأب الذي هم مع الأب والابن مسجود له ، وممجد وثبتوا أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم ، وثلاثة وجوه ، وثلاث خواص ، وحدية في تثليث ، وتثليث في وحدية ، كيان واحد في ثلاثة أقانيم. إله واحد ، جوهر واحد ، طبيعية واحدة".
إذن تقرر التثليث ، وتمت أقانيمه ، ولكن ما زال للمؤتمرات العامة والمجامع العامة موضع ، فإن طبيعية المسيح الإنسانية والإلهية ، كيف تجتمعان ؟ هذا موضع الخلاف. ولهذا تجتمع المؤتمرات.
3- مجمع أفسس الأول سنة 431
سبب انعقاده
86- أول اختلاف بينهم بعد تقرير الثالوث أن بطريرك القسطنطينية نسطور رأي أن هناك أقنوماً وطبيعة ، فأقنوم الأُلوهية من الأب. وتنسب إليه. وطبيعية الإنسان وقد ولدت من مريم. فمريم أم الإنسان ، وليست أم إله.
ويقول في المسيح الذي ظهر بين الناس وخاطبهم ، كما نقله عنه ابن البطريق : "أن هذا الإنسان الذي يقول إنه المسيح. بالمحبة متحد مع الأب ، ويقال إنه الله وابن الله ليس بالحقيقة ، ولكن بالموهبة".
ويظهر من هذا أن المسيح الذي ظهر بين الناس لم يكن إلهاً بحال من الأحوال ، ولكنه مبارك بما وهبه الله من آيات وتقديس.
ولذا جاء في تاريخ الأمة القبطية عن نحلته ما نصه
النسطوريون ينكرون أُلوهية المسيح :
"أما هرطقة نسطور هذه فلم تكن كغيرها نشأت عن اختلاف في عقائد الآباء والأحبار ، بل هي جوهرية تختص بأعظم موضوعات الإيمان والأركان في الدين المسيحي ، ذلك أن نسطور ذهب إلى أن ربنا يسوع المسيح لم يكن إلهاً في حد ذاته ، بل هو إنسان مملوء من البركة والنعمة ، أو هو ملهم من الله ، فلم يرتكب خطيئة ، وما أتى أمراً آدا".
على هذا التخريج يكون نسطور لا يعتقد بألوهية المسيح. وإن كان يعتقد إنه فوق الناس ، وليس مثلهم ، ولقد جهر بهذا الرأي ، ونادى به ، وهو رئيس لكنيسة القسطنطينية ، ولها مكانتها ، ولكن خالفه غيره من الأساقفة ، فكان أسقف روما يعلله برأيه المخالف له ، مع ما عند نسطور فيما رآه من بينات ، وأدلة.
ولقد بلغت مقالة نسطور بطريرك الإسكندرية ، وجرت المراسلات بين أسقف الإسكندرية وأساقفة أنطاكية ورومة وبيت المقدس ، فاتفقوا على عقد مجمع أفسس للنظر في هذا الرأي ، وإعلان صاحبه بالتبرؤ منه ، ولعنه أن أصر على رأيه ، ودعوه ليسمع حكمهم في رأيه. ويظهر إنه عرفه قبل أن يجتمع المجمع. وإنهم مصرون على ما أعلنوه ، كما إنه مصر على رأيه ، فلم يجد كبير فائدة في حضور المجمع ، فلم يحضر لا هو ولا بطريرك أنطاكية.
وانعقد المجمع وعدده نحو مائتين من الأساقفة ، وقرروا ما نصه كما جاء في تاريخ ابن البطريق :
"أن مريم العذراء والدة الله ، وأن المسيح إله حق وإنسان معروف بطبيعتين ، متوحد في الأقنوم" ولقد لعنوا نسطور.
قرار المجمع والاحتجاج عليه
فلما بلغ ذلك القرار يوحنا بطريرك أنطاكية غضب ، وأحتج على المجمع ، فأختلف المجتمعون على رأيين ، وأصر المشرقيون على الرأي الذي أعلنه المجلس أولاً ، وكتبوا صحيفة فيها "أن مريم القديسة العذراء ولدت إلهناً وربنا يسوع المسيح الذي مع أبيه في الطبيعة ، ومع الناس في الناسوت والطبيعة" وأقروا بطبيعتين ، ووجه واحد وأقنوم واحد ، خالفهم بطريرك الإسكندرية أولاً ، ولكن يقول ابن البطريق إنه وافق بعد ذلك وكتب إليهم : "أن أمانتي التي في صحيفتكم".
انتشار النسطورية في الشرق
ولكن لم يخضع نسطور لذلك القرار. فنفى إلى مصر. ولم يندرس مذهبه بذلك النفي ، ولقد وجد أرضا صالحة لها في الشرق ، فلقد نهضت النسطورية في نصيين ، ويقول ابن البطريق : "تكاثرت النسطورية في المشرق والعراق والموصل والفرات والجزيرة".
4- مجمع خليكدونية سنة 451
كنيسة الإسكندرية تعلن أن المسيح إله قد اتحد فيه اللاهوت والناسوت وصارا طبيعة واحدة :
87- ولم يحسم ذلك المجمع الخلاف في مسألة اجتماع العنصر الإنساني والعنصر الإلهي في المسيح ، فلم يقض على نحلة نسطورس قضاء مبرما ، وإن كان قد نفاه وآذاه ، بل نمت نحلته بعد ذلك في المشرق ، وذاعت في البلاد التي ذكرها ابن البطريق ، ولم يتم الخلاف في ذلك عند نسطور وأتباعه ، بل أن كنيسة الإسكندرية قد خرجت هي الأخرى برأي جديد عرضته على الملأ من الأساقفة وجمعوا له جمعاً قرروه فيه ، وذلك الرأي أن للمسيح طبيعة واحدة اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت ، وانعقد لأجل هذا مجمع أفسس الثاني الذي تسميه الكنيسة الكاثوليكية مجمع اللصوص ، وفي هذا المجمع أعلن ذلك الرأي.
فلما عارضه بطريرك القسطنطينية وأعلن انسحابه من المجلس ، وعدم احترامه ، أمرهم رئيس المجلس بإعلام حرماته ، وحدث خارج المجلس صخب شديد ، وضجة كاد أن يقتل فيها رئيس كنيسة القسطنطينية وقد أشتد الاختلاف بعد ذلك حول هذا المجمع ، أهو صحيح محترم السلطان ، أم هو مجمع غير عام لا تلتزم بآرائه الكنائس كلها ، وأشتد الاختلاف في قرارات الحرمان التي أصدرها ، أهي محترمة واجبة التنفيذ ، أم هي باطلة ، لأنها صادرة من غير سلطة ؟ حتى جاءت ملكة على الرومان تخالف ذلك الرأي ، وتميل لغيره. فلتنفيذ رأيها في هذا الخلاف الشديد حول مجمع أفسس الثاني وقراراته - أمرت ، هي وزوجها ، بعقد مؤتمر عام ، فاجتمع في مدينة خليكدونية عشرون وخمسمائة أسقف ، وكان الاجتماع تحت إشراف زوج الملكة ، واجتمع في شهر أكتوبر سنة 451.
طلب انسحاب بطريرك الإسكندرية ورفض الطلب :
وتقول مؤلفة تاريخ كتاب الأمة القبطية : "وكان أول اقتراح طلبه مندوبو رومية انسحاب ديسقورس بطريرك الإسكندرية من المجلس.
فسأل الرئيس عن الباعث لهذا الانسحاب وعن الأسباب التي تلجئ المجمع إلى إخراج هذا البطريرك من قاعته ؟ فكان اعتراض هؤلاء أن ديسقورس شكل مجمعاً دون أن يستأذن الكرسي الرسولي ، ويقصدون بالكرسي الرسولي بابا القسطنطينية ... فلم يصادق مندوبو الحكومة على هذا الرأي السقيم ، وقرر المجمع بقاء ديسقورس ، ولكن على غير كرسي الرياسة ، كما كان في المجمع السابق لأنها أصبحت في يد رجال الإمبراطورة ، وقد حدث ضجيج وصخب ومنازعات في أثناء الاجتماع مما جعل مندوبي الحكومة يصبحون فيهم قائلين بلسان أحدهم : "إنه لا يجدر بالأساقفة وأئمة الدين أن يأتوا مثل هذه الأعمال الشائنة من صياح ، وصراخ ، وسب ، وقذف ، وضرب ولكم. بل يجب عليهم أن يكونوا قدوة للشعب في الهدوء وتسيير الأمور على محور الحكمة والسداد ، ولذلك نرجوكم أن تستعملوا البرهان بدل المهاترة ، والدليل عوضاً عن القول الهزاء ، وأميلوا آذانكم إلى سماع ما سيتلى عليكم".
الشغب في المجمع
وسارت المناقشة بعد ذلك في جو عنيف متعصب وانتهى المجمع إلى أن قرر ، أن المسيح فيه طبيعتان لا طبيعة واحدة ، وأن الأُلوهية طبيعة وحدها ، والناسوت طبيعة وحده. التقتا في المسيح.
قرار المجمع أن المسيح له طبيعتان :
وقد قال ابن البطريق في بيان قرار المجمع : "قالوا أن مريم العذراء ولدت إلهناً ، ربنا يسوع المسيح الذي هو مع أبيه في الطبيعة الإلهية ، ومع الناس في الطبيعة الإنسانية ، وشهدوا أن المسيح له طبيعتان ، وأقنوم واحد ، ووجه واحد ، ولعنوا نسطورس ، ولعنوا ديسقورس ، ومن يقول بمقالته ، ونفوه ولعنوا المجمع الثاني الذي كان بأفسس وقد نفى ديسقورس إلى فلسطين".
الانشقاق ومداه :
88- هنا نرى انشقاقاً بين المسيحية المثلثة ، واختلافاً يكون بعبد المدى في الأجيال المقبلة ، وهو أساس اختلاف الكنائس إلى يومنا الحاضر فهذا المجمع يرى أن المسيح له طبيعتان أحداهما إنسانية يشارك فيها الناس والأخرى لاهوتية ، وأقنوم الابن مكون من الطبيعتين ، وهو بذلك يخالف النسطوريين. لأنهم يقولون : أن أقنوم الابن لم يكن من العنصرين ، بل من العنصر الإنساني وحده ، ويخالف قرار أفسس الثاني الذي يقول أن المسيح طبيعة واحدة تجسد فيها العنصر اللاهوتي من الروح القدس ، ومن مريم العذراء مصيرا هذا الجسد معه واحداً وحدة ذاتية جوهرية منزهة عن الاختلاط والاستحالة ، بريئة من الانفصال ، وبهذا الإتحاد صار الابن المتجسد طبيعة واحدة من طبيعتين ، ومشيئة واحدة ، وقد بدت آثار ذلك المجمع سريعة واضحة.
فإن المصريين عندما بلغهم ما نزل برئيس كنيستهم غضبوا ، وأجمعوا أمرهم على عدم الاعتراف بقرارات ذلك المجمع.
عدم اعتراف المصريين بقرار المجمع
وتقول مؤلفة كتاب تاريخ الأمة القبطية : "ولما طرق مسامع المصريين ما لحق ببطريركهم من الحرمان والعزل هاجوا وغضبوا ، واتفقوا على عدم الاعتراف بقرار المجمع الذي أصدر هذا الحكم ، وأعلنوا رضاهم ببقاء بطريركهم رئيساً عليهم ، ولو إنه محروم مشجوب ، وأن إيمانه ومعتقده هو عين إيمانهم ومعتقدهم ، ولو خالفه فيهما جميع أباطرة القسطنطينية ، وبطاركة رومية ، ولقد أعتبر المصريون أن الحكم الذي صدر ضد بطريركهم ماس بحريتهم الوطنية ، مجحف بحقوقهم السياسية ، ولو إنه حكم ديني صرف".
ولقد أشتد النزاع بسبب هذا بين المصريين والرومان فثار المصريون وغضبوا عندما رأوا بطريركا يعين على غير مذهبهم ، وعلى غير رغبتهم ، واستمروا على غضبهم ، فصاروا ينتفضون الحين بعد الحين ، كلما لاحت لهم الفرصة ، وديسقورس لم يمنعه النفي من أن يدعو المسيحيين إلى اعتقاده في منفاه.
ويقول ابن البطريق : "لما نفي سار إلى فلسطين ، وبيت المقدس ، فأفسد دين كل من بفلسطين وبيت المقدس ، حتى قالوا بمقالته".
المصريون يرفضون تعيين بطريرك على غير مذهبهم
89- ولقد كان الاختلاف يشتد كلما عين الرومان بطريركا ، فإن المصريين يرفضونه محتجين بأنه على غير مذهبهم ومن غير جماعتهم ، ويجب أن يكون بطريركهم بعد هذا الاختلاف من المذهب الذي ارتضوه ديناً ، وباختيارهم ، فكان بعض الأباطرة يأخذهم بالعنف ، وأولئك هم الأكثرون ، وبعضهم يأخذهم بحسن السياسة ولطف الكياسة ، فيترك لهم الحرية في اختيار بطريركهم ، والاطمئنان إلى مذهبهم ، وكانت الأيام والسنون هكذا تسير أحياناً على نهج من الهوادة والرفق ، وأحياناً كثيرة على شطط وعنف.
يعقوب البرادعي ونسبة المذهب المصري إليه :
وفي هذه الأثناء يتغلغل في ربوع الدولة الرومانية الدعاة إلى المذهب المصري والدعاة إلى المذهب الروماني أو مذهب رومية مقر الأباطرة أو المذهب الملكي كما سماه العرب من بعد.
ولقد ظهر للمذهب المصري داعية قوي الشكيمة قوي العارضة ، بليغ الأثر ، أسمه يعقوب البرادعي ، قد أخذ يجول في وسط القرن السادس الميلادي في البلاد الرومانية إلى مصر ، يدعو الناس إلى اعتناق مذهب الكنيسة المصرية ، ويبث ذلك المذهب في نفوسهم ، ويدخله في قلوبهم ، وسلك في سبيل ذلك المخاطرة والجرأة ، لا يأبه بقوة مهما تكن ، ولا لذي خطر مهما يكن شأنه.
وتقول صاحبة كتاب تاريخ الأمة القبطية : "قيل إنه رسم 98 أسقفاً ، وألوفا من الكهنة والقسوس ، ومن ذلك الحين أطلقت كلمة يعقوبيين على جميع الذين يذهبون إلى أن للمسيح طبيعة واحدة اشتقاقاً من اسم يعقوب البرادعي زعيم هذا الحرب.
ولكن من الخلط الكبير ، والخبط الذي يدل على الجهل إطلاق لفظ يعقوبيين على الكنيسة القبطية المصرية ، لأن مذهبها نشأ قبله ، وهو تبعه إذ لا علاقة لها بيعقوب ، أما إذا سميت الكنيسة الرومانية بالكنيسة الملكية فأنت مصيب غير مخطئ ، لأن هذا الاسم صار علماً للكنيسة المذكورة من بعد الفتح الإسلامي ، وهو اسم عربي الأصل مشتق من كلمة ملك ، ومعناها الذين ينحازون إلى الملك ، أو الإمبراطور الروماني مذهباً وسياسة".
انفصال الكنيسة المصرية نهائياً
90- ولقد كان قرار مجمع خليكدونية هو السبب في انقسام الكنائس ، أو بعبارة أدق هو السبب في انفصال الكنيسة المصرية عن الكنيسة الغربية ، ولقد لخص صاحب كتاب تاريخ المسيحية في مصر عقيدة الكنيسة المصرية فقال : "كنيستنا المستقيمة الرأي التي تسلمت إيمانها من كيرلس ، وديسقورس ومعها الكنائس الحبشية والأرمنية ، والسريانية الأرثوذكية تعتقد بأن الله ذات واحدة مثلثة الأقانيم ، أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم الروح القدس ، وأن الأقنوم الثاني أي أقنوم الابن تجسد من الروح القدس ، ومن مريم العذراء ، فصير هذا الجسد معه واحداً وحدة ذاتيه جوهرية منزهة عن الاختلاط ، والامتزاج والاستحالة ، بريئة من الانفصال ، وبهذا الإتحاد صار الابن المتجسد طبيعة واحدة من طبيعتين ، ومشيئة واحدة".
هذه هي قرارات تلك الكنيسة ، وهي تخالف ما تقرر في مجمع خليكدونية كما علمنا.
المجامع الباقية
المجامع السابقة تقرر المسيحية الحاضرة
91- عنينا ببيان المجامع الأربعة السابقة ببعض التفصيل ، ولم نضن على القرطاس فيها ببعض الأطناب ، لأنها المجامع التي قررت بها العقيدة المسيحية الحاضرة.
فأولها قرر أُلوهية المسيح ، وثانيها قرر أُلوهية الروح القدس ، وثالثها قرر أن المسيح اجتمع فيه الإنسان والإله ، لا الإنسان فقط ، وإن مريم ولدت الاثنين ، ورابعها قرر أن المسيح ذو طبيعتين منفصلتين ، لا طبيعة واحدة متحدة ، والمجامع الثلاثة الأولى اتفقوا على أنها مجامع عامة تلزم بأحكامها المسيحيين أجمعين ، أما المجمع الرابع فهو ليس مجمعاً عاماً في نظر المصريين ، والكنائس التي تنهج نهج كنيستهم.
والمجامع الآتية بعد ذلك ليس فيها مجمع قد أجمع عليه المسيحيون قاطبة بأنه مجمع عام مسكوني كما يعبرون ، فكل هذه المجامع لم تمثل فيها الكنيسة المصرية بعد انشقاقها على كنيسة رومة ، أو انشقاق كنيسة روما عليها.
وإنا نشير إلى هذه المجامع إشارة ، ولا نعرج عليها بتفصيل لذلك ، ولأن قراراتها كانت في فروع جزئية لا تتصل بلب التثليث إلا في بعض المجامع ، وبقدر يسير ، لا يمس الجوهر ، ولا يتغلغل في صميمه ، وقد نعرض لهذا بقليل من التفصيل.
ولقد كان المجمع الخامس بالقسطنطينية سنة 553 ، ويسمى المجمع القسطنطيني الثاني.
المجمع القسطنطيني الثاني وسبب انعقاده
ويذكر ابن البطريق أن ذلك المجمع انعقد بسبب أن بعض الأساقفة اعتنق فكرة تناسخ الأرواح ، وسار فيها إلى أقصى مداها. حتى لقد قال إنه ليس هناك قيامة ، وبسبب أن بعض الأساقفة قد زعموا أن شخص المسيح لم يكن حقيقة ، بل كان خيالاً ، فاجتمع لذلك هذا المجمع ، وكانت عدة الحاضرين فيه أربعين ومائة ، فقرروا حرمان هؤلاء الأساقفة ، ولعنهم وطردهم من زمرة المسيحيين ، ولم يكتفوا في اجتماعهم بإصدار قرارهم في هذه الأمور ، بل ثبتوا قرارات المجامع السابقة ، ومنها قرار مجمع خليكدونية ، وبذلك ثبتوا عقيدة كون المسيح ذا طبيعتين ، وأكدوا إنكار الطبيعة الواحدة التي اعتنقتها كنيسة مصر. ومن والاها من المسيحيين.
المارونية :
92- وقد ظهر رجل اسمه يوحنا مارون في القرن السابع الميلادي سنة 667 كان يقول أن المسيح ذو طبيعتين ، ولكن ذو مشيئة واحدة لالتقاء الطبيعتين في أقنوم واحد ، ولكن يظهر أن هذه المقالة لم ترق في نظر البطارقة لذلك ، فأوعزوا إلى الإمبراطور أن يجمع جمعاً عاماً في زعمهم ، ليقر بأن المسيح ذو طبيعتين ، وذو مشيئتين ، بعد أن استوثقوا من أن الإمبراطور ، واسمه يوغاقوس على رأيهم ، بمكاتبات تبادلوهم معه.
فقد جاء في أحد كتبه : "نحن نقر ، وتؤمن بطبيعتين ، ومشيئتين ، وفعلين لسيدنا المسيح ، وأقنوم واحد ، ونلعن من خالف هذا".
مجمع القسطنطينية الثالث
اجتمع كذلك المجمع السادس بمدينة القسطنطينية سنة 680 م وقد كان من عمله لعن وطرد كل من يقول بالمشيئة الواحدة. كما لعن وحرم وكفر من قال بالطبيعية الواحدة ، وكان مؤلفاً من نحو تسعة وثمانين ومائتي أسقف. ويعد أن قروا لعن وطرد من يخالفهم كشأنهم دائماً.
قالوا : "إننا نؤمن بأن الواحد من الثالوث الابن الوحيد الذي هو الكلمة الأزلية الدائم المستوى مع الأب الإله في أقنوم واحد ، ووجه واحد ، يعرف تماماً بناسوته ، تماماً بلاهوته في الجوهر الذي هو ربنا يسوع المسيح بطبيعتين تامتين وفعلين ومشيئتين في أقنوم واحد ، وشهدوا كما شهد المجمع الخلقيدوني أن الإله الابن في آخر الأزمان أخذ من العذراء السيدة مريم القديسة جسداً إنسانياً بنفس ناطقة عاقلة ، وذلك برحمة الله محب البشر ، ولم يلحقه في ذلك اختلاط ولا فساد ، ولا فرقة ولا عمل ، ولكن هو واحد يعمل ما يشبه الإنسان أن يعمله في طبيعته ، وما يشبه الإله أن يعمله في طبيعته ، الذي هو الابن الوحيد ، الكلمة الأزلية المتجسدة التي صارت
لحته لحماً كما يقول الإنجيل المقدس من غير أن تنتقل من مجدها الأزلي وليست بمتغيرة ، ولكنها بفعلين ، ومشيئتين وطبيعتين إله وإنسان ، وبهما يكمل قول الحق ، وكل واحدة من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبتها ، فتعملان بمشيئتين غير متضادتين".
هذا بعض قرار ذلك المجمع كما جاء في تاريخ ابن البطريق ، وقد أطلنا في النقل ، ليكون كلام القوم مبيناً لفكرهم كما يريدون ، فنقلناه خشية أن نحرف كلامهم عن معناه ، أو نحيد به عن مرماه.
ولقد كان من آثار هذا القرار أن خرج من جماعة كنيسة روما والقسطنطينية طائفة المارونيين ، كما خرج من قبل الأقباط وكنيستهم ، ومعهم الأحباش والأرمن والسريان.
مجمع تحريم اتخاذ الصور
93- وقد جاء مجمع غير عام بإقرار الجميع انعقد بأمر قسطنطين الخامس سنة 754 وفيه جمهور من الأساقفة ، وفدوا إليه من جهات مختلفة وقد قرر تحريم اتخاذ الصور والتماثيل في العبادة ، وحرم طلب الشفاعة من العذراء ، ولأجل هذا انعقد المجمع السابع بأمر الملكة إيريني بمدينة نيقية ، ويسمى المجمع النيقاوي الثاني سنة 787 وكان أعضاؤه 377 أسقفاً وأصدروا القرار بتقديس صور المسيح والقديسين ، لا بعبادتها ، وجاء في هذا القرار : "إنا نحكم بأن توضع الصور ليس في الكنائس والأبنية المقدسة ، والملابس الكهنوتية فقط ، بل في البيوت ، وعلى الجدران في الطرقات ، لأننا إن أطلقنا مشاهدة ربنا يسوع المسيح ووالدته القديسة والرسل ، وسائر القديسين في صورهم شعرنا بالميل الشديد إلى التفكير فيهم ، والتكريم لهم ، فيجب أن تؤدى التحية والإكرام لهذه الصور ، لا العبادة التي لا تليق بالطبيعة الإلهية". هذا هو المجمع السابع قد وافق عليه عدد كبير من الكنائس فاعتبرته عاماً ، وخالفته أخرى ، فلم تعتبره كذلك.
انفصال الكنيسة الشرقية عن الغربية وسببه
94- ولننتقل بعد ذلك إلى المجمع الثامن ، وهو أساس انفصال الكنائس الشرقية التي ترأسها كنيسة القسطنطينية عن الكنائس الغربية التي ترأسها كنيسة روما.
وقد علمت أن المجامع الماضية التي انفصلت بسببها فرق مسيحية كان أساس الخلاف فيها طبيعية المسيح ، ولم يتعرض أحد للروح القدس ، ومن أي شيء انبثق ، حتى أثار بطريرك القسطنطينية كيف كان انبثاقه ، فحكم بأن انبثاق الروح القدس كان من الأب وحده ، فعارضه في ذلك بطريرك رومة قائلاً : "أن انبثاق الروح القدس كان من الأب والابن معاً ، ولم يكن من أحدهما ، وكل فريق عاضد رأيه بجمع قد جمعه ، وكلاهما قد أعتبر هو ومشايعوه مجمعه عاماً ملزماً للأخر" ومجمع الأخر خاصاً غير ملزم ، وكل لعن الآخر وطرده ، وأعتبره محروماً مطروداً من حظيرة المسيحية ، كشأنهم عند كل اختلاف.
أعلن بطريرك القسطنطينية رأيه ، وهو أن الروح القدس انبثق من الأب فقط ، وفوق ذلك قد أولى هذا للبطريرك كرسيه من غير إرادة رئيس الكنيسة بروما ، وبعد أن دس لسلفه ما أبعده عن كرسيه. فاجتمع في القسطنطينية مجمع بعد عزل البطريرك الذي ناوا روما سنة 869 ، وأصدر قراراً يتضمن البت في ثلاثة أمور :
أولها : كون انبثاق الروح القدس من الأب والابن.
ثانيها : أن كل من يريد المحاكمة في أمر يتعلق بالمسيحية وعقائدها يرفع دعوى إلى الكنيسة بروما.
ثالثها : أن جميع المسيحيين خاضعون لكل المراسيم التي يقوم بها رئيس كنيسة روما.
وتلك القرارات كانت مع قرار آخر يعتبر عندهم سنة متبعة ، وهو لعن ذلك البطريرك المعزول واسمه فوسيوس ، وحرمانه هو وأتباعه.
استطاع فوسيوس هذا أن يعود إلى منصبه ، فلما عاد إليه كان أول ما صنعه أن عقد مجمعاً آخر في القسطنطينية سنة 879 ، ويسمى هذا المجمع الشرقي اليوناني ، كما يسمى الأول الغربي اللاتيني ، وقد قرر فيه رفض كل ما قرره المجمع الأول ، وقرر أن انبثاق الروح القدس من الأب فقط ، وقد صار كل مجمع يعتبر عاماً عند مشايعيه. كما يعتبرون الآخر خاصاً ، بل باطلاً غير ملزم ، وكل يكفر أو يفسقه و{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.
95- كان هذان المجمعان هما السبب في انقسام الكنيسة إلى شرقية يونانية ، وغربية لاتينية ، ورئيس هذه الكنيسة الغربية هو البابا ، وهو مستقل بسياستها وله السلطان على كل الطوائف المنقادة إلى تعاليمها.
الكنيسة الغربية أو الكنائس
وتسمى الكنيسة البطرسية لكون مشايعيها يعتقدون أن مؤسسها الأول هو بطرس الرسول في زعمهم ، ويزعمون إنه كبير الحواريين ورئيسهم ، ويقولون إنه رأس هذه الكنيسة ، والبابوات خلفاؤه من بعده. وتسمى الغربية لكون سلطانها في بلاد الغرب ، ويقول صاحب كتاب سوسنة سليمان : "وهي تدعى إنها أم الكنائس ، ومسلمتهن ، وربما حق لها ذلك لجهة التفاسير التي تبنى عليها أصول التعاليم التقليدية ، ونظامات المجامع ، وترتيبها ، وهي أيضاً التي تأمر بها. وتمتد شوكتها على الخصوص في بلاد إيطاليا وبلجيكا ، وفرنسا ، وأسبانيا ، والبرتغال ، وشعوبها منتشرة في أقطار الأرض.
وأما الكنيسة اليونانية ، ويقال لها أيضاً كنيسة الروم الأرثوذكسية أو الكنيسة الشرقية ، فأكثر مشايعيها في الشرق وسلطانها فيه ، وهي تشترك مع الكنيسة الكاثوليكية في كثير من التقاليد المسيحية ، ولكنها تخالفها في انبثاق الروح القدس. فتقول إنه من الأب فقط ، كما بينا ، ولا تعترف إلا بالمجامع السابقة على المجمع الذي أوجد الانفصال ، كما لا تعترف لبابا رومة بالسيادة أو الرياسة.
ولكن لمرور الزمن ، وما أحيط به من تقديس بين مشايعيه ، وعند الملوك ، ولكثره معتنقي مذهبه ، تتساهل الكنيسة الشرقية فتعترف له بالتقدم لا بالسلطان ، ويليه في الرتبة بطريرك القسطنطينية ، والمشايعون لها في بلاد روسيا واليونان والصرب ، وكثير من جزر البحر الأبيض وغير هؤلاء.
المجامع اللاحقة كلها غير مسكونية إلا في نظر الكنيسة الغربية
96- قد انفصلت الكنيسة الشرقية عن الغربية كما علمت ، والمجامع الآتيه كلها مجامع غير عامة في نظر الكنيسة الشرقية ، لأن الأساقفة الذين كانوا يجيبون الدعوة فيها من أتباع الكنيسة الغربية فقط ، ولذلك لا تعتبر تلك المجامع عامة إلا في نظر الغربية.
فالمجمع التاسع انعقد في رومة سنة 1123 ، وأعظم قراراته شأناً الحكم بأن تعيين الأساقفة ، ليس من شأن الحكم ، بل من عمل البابا وحده.
محاولة تقريب بين الكنيستين :
والمجمع العاشر انعقد في رومة أيضاًَ سنة 1139 ، وكان أعضاؤه 1000 عضو ، وقد حاول هذا المجمع إزالة الفرقة بين الكنيستين ، فلم ينجح.
والمجمع الحادي عشر الذي انعقد في رومة سنة 1179 كان لوضع نظام التأديب الكنسي ، وفيه تقرر انتخاب البابوات بثلثي عدد الكرادلة.
وكان في هذا العصر قد شاع القول باستحالة الخبز والخمر في العشاء الرباني إلى جسد المسيح ودمه ، ولكن لم يقرر ذلك المبدأ.
حتى جاء المجمع الثاني عشر سنة 1315 وفيه تقرر ذلك المبدأ نهائياً ومبدأ آخر سيكون له خطر مع سابقه ، وهو مبدأ أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء.
وتتوالى بعد ذلك المجامع الكاثوليكية لأغراض عامة أو إقليمية ، وفي بعضها تتجدد محاولة توحيد الكنيستين المتصلين ، وفي بعضها يتقرر التنقيب عن القلوب ، ومحاربة الخارجين عن التعاليم المسيحية.
وأهم هذه المجامع وأعظمها أثراً ، وأقواها عملاً المجمع التاسع عشر الذي انعقد في تريدنتو والذي دام انعقاده من سنة 1542 إلى سنة 1563 ، وفيه الرد على البروتستانتية.
وختام هذه المجامع هو المجمع المتمم العشرين المنعقد في رومة سنة 1869 وقد أثبتوا فيه العصمة للبابا.
وقد قال في ذلك صاحب سوسنة سلميان : "وقد نشأ في ذلك انقسام في الطوائف الكاثوليكية ببلاد أوربا والشرق ، والذين خالفوا هذه العقيدة من أهالي أوربا سموا أنفسهم الكاثوليكيين القدماء ، ونهاية ذلك لم تزل مجهولة".


من مواضيعي
0 مصطلحات و تعاريف تهم الجميع
0 التحاور مع من يهاجم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم
0 مقالة النسب الشريف د/إيجى وينر
0 وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُو
0 كلمات في انتصار الأمة
0 الإنجيل قادني للإسلام
0 انفوجرافيك ما هو أفضل مقـــعد في الطائرة؟
0 الرد على Answer me muslems بخصوص اكذوبة (الثلاثة يشهدون فى السماء) بالمخطوطات

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المجامع, المسيحية, تاريخها, وأسبابها, وقراراتها

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:53 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009