ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

نقض المطاعن التاريخية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


نقض المطاعن التاريخية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 04:16 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي نقض المطاعن التاريخية

نقض المطاعن التاريخية
هل كان هامان وزيراً لفرعون ؟"
فرعونُ " : لَقَبٌ يُطْلَقُ على مَنْ حكمَ مصرَ زمنَ موسى - صلى الله عليه وسلم -.
وقد أَخبرَ القرآنُ أَنَّ وزيرَ فرعونَ الأَولَ اسْمُه " هامان ".
قال تعالى : *إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ *8*.
وقال تعالى : *وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ *38*.
وقال تعالى : *وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ *36*.
ويَعترضُ الفادي على هذا ، ويعتبرُه خَطَأً تاريخيّاً فى القرآن ، لأَنَّ هامانَ كان وَزيراً للملكِ الفارسي.
قالَ : " يَقولُ القرآنُ : إِنَّ هامانَ كانَ وزيرَ فرعون بينما يُثْبِتُ التاريخُ أَنَّ هامانَ كانَ وزيراً لأَحْشَويرش ، وأَنَّ بينَ فرعونَ وهامان زهاءَ أَلْفِ سَنة! ثم إِنَّ فرعونَ كان ملكَ مصر ، وكان هامانُ وزيراً في بابل! وما أَبْعَدَ الزمانَ والمكانَ بينَ فرعونَ وهامان ، فكيفَ يكونُ هذا وَزيراً لذاك ؟!
ويَقولُ سِفْرُ أَستير في التوراة : إِنَّ هامانَ كان وزيراً وخليلاً لأَحْشويرش ملكِ الفرس ، الذي يَدْعوهُ اليونانُ زَرْكيس! "*1*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
75- هامان وزير فرعون
جاء فى القرآن أن هامان كان وزيراً لفرعون. وهذا خطأ تاريخى ؛ لأن هامان كان وزيراً لأحشويرش ملك الفرس فى مدينة بابل. وبين فرعون وأحشويرش زهاء ألف سنة.

الرد على الشبهة :
من أعلم المؤلف بأن هامان كان وزيراً لفرعون ؟ وهذا السؤال على معنى أن هامان اسم شخص. ولا أحد أعلمه بأن هامان اسم شخص إلا الرواة الذين لا يوثق بمروياتهم. وإذا أصرّ على أن هامان اسم شخص. فليسلّم بأن فرعون اسم شخص. ومعلوم أنه لقب " الملك " كان لرئيس المصريين فى زمن يوسف - عليه السلام - وأن لقب " فرعون " كان لرئيس المصريين فى زمن موسى - عليه السلام - مما يدل على تغير نظام الحكم.
وإذا صح أن " هامان " لقب لكل نائب عن الملك ، لا اسم شخص. فإنه يصح أن يُطلق على النائب عن فرعون أو عن أى ملك من الملوك. وعلى ذلك يكون معنى : *إن فرعون وهامان وجنودهما * *1* هو إن رئيس مصر الملقب بفرعون ، ونائبه الملقب بهامان *وجنودهما كانوا خاطئين* ومثل ذلك : مثل لقب الملك الذى يُطلق على رؤساء البلاد ؛ فإنه يطلق على رؤساء فارس واليونان ومصر واليمن وسائر البلاد ، ولا يتوجه على إطلاقه خطأ من أخطاء التاريخ.
وفى الإنجيل أن اليهود كانوا يطلقون لقب " المضلّ " على من يخالفهم فى الرأى. وإذا أطلقه العبرانيون على رجل منهم يقولون له : يا سامرى ، بدل قولهم يا مضل. وذلك لأنهم يعتبرون السامريين كفاراً. وإذا أطلقه السامريون على رجل منهم يقولون له : يا عبرانى ، بدل قولهم يا مضل. وذلك لأنهم يعتبرون العبرانيين كفاراً. وإذا سمع العبرانى عنهم كلمة " سامرى " لا يفهم منها أنها اسم شخص ، وإنما يفهم منها أنها لقب للذم. وعن هذا المعنى جاء فى إنجيل يوحنا أن علماء اليهود قالوا لعيسى - عليه السلام - : " إنك سامرى ، وبك شيطان " ورد عليهم بقوله : " أنا ليس بى شيطان ، لكنى أكرم أبى وأنتم تهينوننى. أنا لست أطلب مجدى. يُوجد من يطلب ويدين " [يو 8 : 48 - 50]. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* القصص : 8.
يَرى الفادي أَنَّ هامانَ لا يُمكنُ أَنْ يكونَ وزيراً لفرعون ، للفرقِ بينهما في الزمانِ والمكان ، ففرعونُ كانَ زَمَنَ موسى - صلى الله عليه وسلم - ، وهامانُ كان وزيراً للملكِ " أَحشويرش " ، وذلك بعدَ حوالي أَلْفِ سنة من وفاةِ فرعون!!.
وأَخَذَ الفادي معلوماتِه من سِفْرِ أَستيرَ في العهدِ القديم ، وهو السّفْرُ الذي كَتَبَه أَحبارُ اليهود ، وسَجَّلوا فيه التفاصيلَ المثيرةَ لاستيلاءِ اليهودِ على الحكمِ في بلادِ فارس ، وإِبادةِ خصومِهِم من الفرسِ الوطنيّين.
وخلاصَةُ سِفْرِ أَستيرَ أَنَّ " هامانَ " كانَ وزيراً عند الملكِ الفارسيِّ أَحشويرش ، وكان اليهوديُّ " مردخاي " يَعملُ عند الملِك ، وحصلَ نزاعٌ بينَ هامانَ الفارسيِّ ومردخاي اليهودي ، وتمكنَ مردخايُ من توصيلِ ابنةِ أَخيه الفاتنةِ " أَسْتير " إِلى الملك ، حيثُ تزوجَها ، وتمكَّنَ هامانُ من إِقناعِ الملكِ بإِصدارِ أَمْرِه بقتْلِ اليهودِ في الدولةِ الفارسية ، لما يقومون به من إِفسادٍ وتخريب..
لكنَّ الملكةَ أَستير وعَمَّها مردخاي تمكَّنا من إِلغاءِ الأَمْرِ الملكيّ السابق ، وإِصدارِ أَمْرٍ مَلَكي آخر ، بإِبادةِ مَنْ كانوا مع هامان ، وقَتَلَ الملكُ وزيرَه هامان ، وقَضى على رجالِه ، وانتصرَ اليهودُ في صراعِهم مع الفرسِ
الوطنيين ، وتحكَّموا في الدولةِ الفارسيةِ إِلى حين ، وخَلَّدَ الأَحبارُ اليهودُ مؤامرةَ أَستير ، بأَنْ جَعَلوها أَحَدَ أَسفارِ التوراة.
ونحن نتوقَّفُ في قَبولِ أَخبارِ سِفْرِ أَستير ، فلا نُصدقُها ولا نُكَذّبُها ، وهذا موقفُنا من أَخبارِ وأَحداثِ العهدِ القديم ورواياتِ الإِسرائيليات ، الذي أَرشدَنا إِليه رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، حيثُ قال : " إِذا حَدثَكم بنو إِسرائيل ، فلا تُصَدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم ، فإِنكم إما أَنْ تُصَدِّقوا بباطِل ، وإِمّا أَنْ تُكَذِّبوا بحَقّ " !..
ومعلومٌ أَنَّ أَحبارَ اليهودِ هم الذين أَلَّفوا وصاغُوا وكَتَبوا أَسفارَ العهدِ القديم ، وأَنَّهم مَلَؤُوها بالافتراءِ والكذبِ والادعاء ، ونَسَبوها إِلى اللّهِ زوراً وبُهتاناً ، فهم ليسوا أُمناءَ على التاريخ ، وليسوا صادقين فيما يوردونَه من أَخبارٍ وأَحداث! ولذلك نتوقَّفُ في قَبولِ كَلامِهم ، فلا نُصَدِّقُه ولا نُكَذّبُه!.
وَهَبْ أَنَّ ما وردَ في سِفْرِ أَستيرَ صَحيح ، وأَنَّ وَزيرَ أَحشويرش اسْمُه هامان ، فلا يَلزمُ من ذلك أَنْ يكونَ هامانُ وزيرُ مَلِك فارس هو هامان وزيرَ فرعونَ ملكِ مصر! إِنَّ هذا مستحيل ، لوجودِ فترةٍ زمنية طويلة بينهما قد تَزيدُ على أَلْفِ سنة!.
إِنهما وزيران ، كلٌّ منهما اسْمُه هامان :
هامانُ الأَول : وهو الذي أَخْبَرَ عنه القرآن ، وكانَ الوزيرَ عند فرعون ، الذي يحكمُ مصرَ باسْمِه ، ويُنَفِّذُ أَوامِرَه.
وهامان الثاني : وهو الذي وَرَدَ الكلامُ عنه في سِفْرِ أَستير ، وكانَ وزيراً عند ملك الفرس.
وبينَ الوزيرين بُعْدٌ في المكان ، وبُعْدٌ في الزمان.
وبهذا يَسقطُ اعتراضُ الفادي ، الناشئُ عن جهلِه وغبائِه ، فوجودُ هامانَ الثاني عند ملكِ الفرس لا يُلغي وُجودَ هامانَ الأَولِ عند فرعون.
ومعلومٌ أَن تِكرارَ الأَسماءِ أَمْرٌ موجودٌ في حياةِ الناس ، لا ينكرهُ عاقل!!.

حول تعاون هامان وقارون مع فرعون
أَخْبَرَ القرآنُ أَنَّ هامانَ وقارونَ كانا كافرَيْن ، متعاونَيْن مع فرعون ، وقَرَنَ القرآنُ بين الطغاةِ الثلاثة.
قال تعالى : *وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ *23* إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ *24*.
وقال تعالى : *وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ *39*.
وقد سَبَقَ أَن اعترضَ القِسّيسُ الفادي على كونِ هامانَ وَزيراً عنْدَ فرعون ، وَرَدَدْنا عليه فىِ الاعتراضِ السابق!.
وأَعادَ اعتراضَه على هامانَ في سياقِ اعتراضِه على قارون ، واعتبرَ هذا خطأً تاريخيّاً في القرآن! قال : " يَتبادَرُ للذهنِ من هذه الآيات ِ أَنَّ قارونَ وهامانَ مصريّان من قومِ فرعون ، وأَنّهما مع فرعونَ قاوَموا موسى في مصر..
ولكن هذا خَطَأ ، لأَنَ قارونَ إِسرائيليّ لا مصري ، ومن قومِ موسى لا من قومِ فرعون ، كما جاءَ في سورةِ القَصص : *إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ*" *1*.
ذِكْرُ قارونَ وهامانَ بجانبِ فرعونَ خطأٌ تاريخيّ في القرآن! هذا ما قَرَّرَهُ الفادي الغَبي!!.
مع أَنَّه لا خَطَأَ في هذا الموضوع ، وقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ هامانَ كان الوزيرَ الأَوَّلَ عند فرعون ، يُنفذُ أَوامِرَه ، ويُشرفُ على حكْم مصرَ باسْمِه ، وهو مصريّ فرعونيّ.
أمّا قارونُ فقد كانَ طاغيةً مع فرعون ، كما صَرحَ القرآن : "وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ *39*..
ولا يلزمُ من هذا أَنْ يكونَ قارونُ فرعونيّاً مصريّاً ، كما فَهم الفادي ، فقارونُ إِسرائيليّ من قومِ موسى ، كما صَرَّحَ القرآن : *إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ*.
ولكنَّهُ لم يؤمنْ بموسى - صلى الله عليه وسلم - ، وإِنما كَفَرَ به وكَذَّبَه ، وانْحازَ إِلى عَدُوِّه فرعون ، وأَيَّدَهُ ودَعَمَه وتَعاوَنَ معه في مقاومةِ موسى وحَرْبِه والوقوفِ أَمامَه ، فهو إِسرائيليّ كافِر ، مُؤَيِّدٌ لفرعونَ المصري!.
وبهذا نَعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يُخطئْ عندما جَمَعَ بين الطغاةِ الثلاثة : هامانَ المصري ، وقارونَ الإِسرائيلي ، وفرعونَ المتأله! واعتراضُ الفادي على ذلك دليلُ جهْلِهِ وغبائِه!!.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
76- قارون وهامان مصريان
إن قارون يهودى ، وفرعون مصرى ، وهامان فارسى فكيف قاوم هامان نبى الله موسى وهو لم يكن فى زمانه ؟

الرد على الشبهة :
إن هامان ليس اسم شخص ، وإنما هو لقب يدل على نائب الرئيس. وبهذا المعنى يكون هامان - أى النائب عن فرعون - قد قاوم نبى الله موسى عليه السلام. اهـ *شبهات المشككين*.
حول صنع السامري للعجل
أَخبرَ القرآنُ أَنَّه لما غابَ موسى - صلى الله عليه وسلم - عن قومِه ، وذهبَ إِلى مناجاةِ ربه على جبلِ الطور ، وتركَ فيهم أَخاهُ هارونَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مسؤولاً ، فَتَنَهم السّامريّ ، وأَخَذَ ما معهم من حُليٍّ وذَهَبٍ ، وصَهَرَه ، وصَنَعَ منه عِجْلاً ، ودَعَاهم إِلى عبادته ، على أَنه إِلهٌ لهم ، ففعلوا ...
قال تعالى : *وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى *83* قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى *84* قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ *85* فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي *86* قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ *87* فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ *88* أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا *89* وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي *90* قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى *91* قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا *92* أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي *93* قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي *94* قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ *95* قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي *96* قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا *97*.
تُصرحُ الآياتُ أَنَّ السامريَّ هو الذي صنعَ العجلَ لبني إِسرائيل ، ولا تذكرُ الآيات ُ شيئاً عن السّامريّ غيرَ صنعِه العجل.
ولم يُذْكَر السامريّ في غيرِ هذه الآياتِ من سورةِ طه.
ولا نَعرفُ نحنُ شيئاً عن بدايةِ أَمْرِه ، ولا عن علْمِه ومهارتِه ، ولا عن نهايتِه ، كلُّ ما أَشارَ إليه القرآنُ أَنَّ موسى - صلى الله عليه وسلم - عاقَبَه بقوله :
*فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ*.
ونفهمُ من هذه الإِشارةِ أَنَّ موسى - صلى الله عليه وسلم - عاقَبَ السامريَّ على جريمتِه بطرْدِه ، وإخراجِه من بينِ بني إِسرائيل ، ونَبْذِه ، فذهبَ مَنْبوذاً مَطْروداً ...
ولا نعرفُ كَيفَ كَانتْ وفاتُه ونهايتُه!.
وقد اعترضَ الفادي على هذا ، وخَطَّأَ القرآنَ في حديثهِ عنه.
وذلك في قولهْ " ونحنُ نسأل : السامرةُ مدينةٌ في فلسطين ، لم يكن لها وجودٌ لَمّا خرجَ بنو إِسرائيل من مصر ، وسافَروا في سيناء ، فعملَ لهم هارونُ العجلَ الذهبيَّ كطلبِهم ، فكيفَ نَتَخيَّلُ سامريّاً يصنعُ لهم العجلَ قبلَ أَنْ يكونَ للسّامريّين وجود ؟ ! " *1*.
يَربطُ الجاهلُ بين السّامريِّ والسامريّين والسّامرة.
وأَرضُ السامرةِ هي منطقةُ نابلس المعروفةُ حاليّاً ، ويَدَّعي الفادي أَنها لم تُسَمَّ السامرةَ إِلّا بعدَ أَنْ أَقامَ فيها السّامريّون ، وهم طائفةٌ معروفةٌ من بني إِسرائيل ، وسُمُّوا السّامريّين بعدَ وفاةِ موسى - صلى الله عليه وسلم - بقُرون.
وبما أَنَّ السّامريَّ ابْنُهم - حسبَ فهم الفادي القاصِر - فكيفَ يكونُ موجوداً مع موسى - صلى الله عليه وسلم - في سيناء ؟
وكيف يولَدُ الابنُ قبلَ أَبيه وجَدِّه ؟
إِذَنْ أَخطَأَ القرآنُ عندما اتَّهَمَ السامريَّ بصنْعِ العجل ، وذهبَ القرآنُ إِلى أَنَّ السامريَّ الابنَ خُلِقَ وعاشَ قبلَ مولدِ أَبيهِ وجَدِّه!!.
لقد كان السامريُّ مع بني إِسرائيلَ عندما كانوا في سيناء ، ويبدو أَنه إِسرائيليّ خرجَ معهم من مصر ، لكنه كان إِسرائيليّاً كافراً ، مثلَ قارونَ الذي تحدَّثْنا عنه قبلَ قليل ، ولذلكَ صنعَ لهم العجل ودَعاهم إِلى عبادته.
وبما أَنَّ " السامريَّ " إِسرائيليّ ، كانَ معهم في مصر ، فاسْمُه إِسرائيلي ، والكلمةُ إِسرائيلية ، ولها معنى في اللغةِ العبريّة ، ولهذا الاسمِ وجودٌ عند الإِسرائيليّين ، سواء كان اسْمَ شخصٍ أَو اسمَ قبيلة!!.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
77- العجل الذهبى من صنع السامرى
إن مدينة السامرة فى فلسطين لم يكن لها وجود لما خرج بنو إسرائيل من مصر ، مع موسى ، وسكنوا أرض سيناء. وفيها عمل لهم هارون العجل الذهبى كطلبهم. فكيف نتخيل سامرياً يضع لهم العجل قبل أن يكون للسامريين وجود ؟

الرد على الشبهة :
1 - إنه ليس فى فلسطين مدينة تسمى بمدينة السامرة. وإنما كان للسامريين مملكة فى فلسطين ، عاصمتها " نابلس " المسماة قديماً " شكيم " وكانت هذه المملكة مكونة من عشرة أسباط. وكان للسبطين مملكة فى فلسطين عاصمتها " القدس " المسماة قديماً " أورشليم ".
2 - ولما صعد موسى عليه السلام إلى جبل الطور وتلقى التوراة ، نزل فوجد اليهود يعبدون عجلاً جسداً له خوار. فسأل عن ذلك فدلوه على من أغراهم بعبادتهم. فأمسك به وسأله *ما خطبك يا سامرى*أى ما هذا الذى فعلته أيها المضل ؟ لأن كلمة *سامرى* تطلق على المضل. ولا تطلق على شخص كاسم من الأسماء.
وبهذا المعنى لا يكون الذى أضلهم رجل مسمى بالسامرى ، حتى يتوجه الإشكال. وإلا يلزم أن يكون السامرى من أسماء المسيح عيسى - عليه السلام - فإن اليهود قالوا له : " إنك سامرى ، وبك شيطان " [يو 8 : 48]. اهـ *شبهات المشككين*.
وهذا معناهُ أَنَّ " السّامريّين " مجموعةٌ من الإِسرائيليّين ، قد يكونونَ فَرْعاً من قبيلةٍ إِسرائيلية ، ولعلَّهم سُمّوا بهذا الاسم نسبةً لاسْمِ " السامريّ " ، ولعلهم كانوا من ذريةِ ذلك السَّامريِّ الذي عاقَبَه موسى - صلى الله عليه وسلم - بسببِ صنعِه العجل ، والذي لا نعرفُ كَيفَ كانَتْ نِهَايَتُه ، فإذا كان أولادٌ وإخوةٌ وأقارب ، فمن الممكنِ أَنْ يُسَمّوا " السّامريّين " ، وأَنْ يَكونوا مَعْروفينَ بهذا الاسمِ من أيامِ موسى - صلى الله عليه وسلم !!.
ولما دَخَلَ بنو إِسرائيلَ أَرضَ فلسطينَ المقَدَّسَة ، كانتْ منطقةُ نابلس تُسَمّى أَرضَ شكيم الكنعانية ، وسُمِّيَتْ أَرضَ السّامرة بعدَ ذلك ، وهو اسْم إِسرائيليّ عِبريّ ، ولعلَّ لعشيرةِ السّامريّين ، المتولدةِ عن السّامريِّ صانعِ العجلِ دَوْراً في تسميةِ المنطقةِ بالسّامرة ، ولعلَّهم أَقاموا في المنطقة ، فسُمِّيَتْ باسمِهم!!.
فلا معنى لاعتراضِ الفادي على السّامريِّ في القرآن ، واعتبارِهِ خَطَأً تاريخيّاً في القرآن ، فالسّامريُّ أَصْل للسّامريّين والسامرة ، وُجِدَ قبْلَهم في الزَّمان.
ومعنى " السّامرة " في اللغةِ العبرية : " مركزُ المراقبةِ والحِراسَة ".
جاءَ في كتابِ " قاموس الكتاب المقدس " : " السّامرة : اسْم عبرانيٌّ معناه :
مركزُ الحارس.
وهي عاصمةُ الأَسباطِ العشرة ، أَثناءَ أَطولِ مُدَّةٍ في تاريخِهم..
والمدينةُ واقعة على تَلّ ، وسُمِّيَتْ " مكانَ المراقبة " ...
وتقعُ مدينةُ السامرة - أو سبسطية - على تَلٍّ على مسافةِ خمسةِ أَميالٍ ونصف شمالَ غربِ شكيم ...
والسّامرةُ أَيضاً اسْمُ الإِقليمِ الذي عاصِمَتُه مدينةُ السامرة ، وهو الذي احتلَّه الأَسباطُ العشرةُ ، والسامرةُ اسْمُ المملكةِ الشمالية..
والسّامريّون هم السكانُ المتَّصلونَ بالمملكةِ الشمالية.. ".
إِنَ ما قالَه القرآنُ عن السّامريّ هو الحَقُّ والصواب ، ولا خطأَ فيه ، ولا اعتراضَ عليه ، فهو قَبْلَ السّامريّين في التاريخ ، وهم من نسْلِه وذريته ، ولذلك حَمَلوا اسْمه ، ولما أَقاموا في تلكَ المنطقةِ سُمِّيَتْ باسمِهم ، فالصلةُ بين السّامريّ والسّامرةِ والسّامريّين وثيقة!!.
من هو أبو إبراهيم - عليه السلام - ؟
أَخبرَ القرآنُ أَنَّ اسْمَ والدِ إِبراهيم - عليه السلام - " آزرُ ".
قال اللّه : *وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ *74*.
وجعلَ الفادي هذا خَطَأً تاريخيّاً في القرآن ، لأَنه يَتعارضُ مع الكتابِ المقَدَّس.
قال : " والصوابُ في التاريخ ، كما يَشهدُ الكتابُ المقَدَّس أَنَّ والدَ إِبراهيمَ اسْمُه تارح ، كما جاءَ في سِفْرِ التكوين " *1*.
اسْمُ والدِ إِبراهيمَ الواردُ في سِفْرِ التكوينِ " تارح " ، ويَزعمُ اليهودُ والنّصارى أَنَّ العهدَ القديمَ كلامُ اللّه ، أَنزلَه على موسى وأَنبياءِ بني إِسرائيلَ - عليهم السلام - ، مع أَنَّ اللّهَ أَخبرَنا أَنَّ الأَحبارَ هم الذين أَلَّفوا العهدَ القَديم ، وكَتَبوه بأَيْديهم ، ونَسبوهُ إِلى اللّهِ زوراً وبُهتاناً..
قال تعالى : *فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ *79*.
وهذا معناهُ أَنَّه ليسَ كلُّ ما في العهدِ القديمِ من عندِ اللّه ، وإِنَّما كَثيرٌ منه من عندِ الأَحبار ، وهذا ليسَ صحيحاً بالضرورة ، فمنه الصحيحُ ومنه الخَطَأ..
ومعنى هذا أَنْ نتوقَّفَ في قَبولِ كلّ ما وردَ في أَسفارِ العهدِ القديم ، ولا نقبلُ منه إِلا ما وردَ في القرآنِ أَو السنةِ مُصَدّقاً له.
وما سكتَ عنه القرآنُ والسنةُ نتوقَّفُ فيه ونَسكتُ عنه ، فلا نصدِّقُه ولا نُكَذِّبُه.
أَما إِذا وردَ خَبَرٌ في القرآنِ يختلفُ عن ما وردَ في أَسفارِ العهدِ القديمِ ، فإِنَّ المعتمدَ هو ما وردَ في القرآن ، لأَنَّ ما في القرآنِ كلامُ اللّه قطعاً ، لا شَكَّ
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
78- أبو إبراهيم آزر
إن فى التوراة أن أبا إبراهيم اسمه تارح. وقد أخطأ القرآن فى قوله إن أباه اسمه آزر.

الرد على الشبهة :
إن الأنساب مختلفة بين التوراة السامرية والعبرانية واليونانية. وإن عدد السنين لكل أب من آدم إلى إبراهيم مختلف فيه بين نسخ التوراة الثلاثة ، ولوقا كاتب الإنجيل أزاد على الأسماء قينان. نقلا عن اليونانية. ومعنى هذا أنه كان يجب على المؤلف تصحيح كتبه قبل أن يوجه نقده. ولذلك جاء فى القرآن الكريم : *إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون * *1*. اهـ *شبهات المشككين*.
ولا ريبَ فيه ، وما خالَفَه فهو خطأ ، وهو مما صاغَه وكَتَبَه الأَحْبار ، ونَسَبوهُ إِلى اللّهِ زوراً..
هذه قاعدةٌ منهجيةٌ موضوعيةٌ في الصلةِ بينَ القرآنِ والعهدِ القديم.
ولا يَجوزُ أَنْ نُحاكمَ القرآنَ الثابتَ الصحيحَ المحفوظَ إِلى رواياتِ العهدِ القديمِ المشكوكِ فيها ، كما فَعَلَ الفادي.
بالنسبةِ لوالدِ إِبراهيمَ - عليه السلام - ، ذَكَرَ الأَحبارُ أَنَّ اسْمَه " تارح " ، وصَرَّحَ القرآنُ أَنَّ اسْمَه " آزر ".
والأَصْلُ أَنْ نعتمدَ ما صَرَّحَ به القرآن ، لأَنه كلامُ اللّهِ الثابتُ والمحفوظ ، فنقول : إِنَّ اسْمَه آزر.
ولا نَدْري من أَيْنَ جاءَ الأَحبارُ في العهدِ القديمِ باسمِ " تارح " ! فإِمّا أَنْ يكون له اسمان : آزرُ وتارح ، فذكَرَ القرآنُ أَحَدَهما وذَكَرَ الأَحبارُ اسْمَه الثاني ، وإِمّا أَنْ يكونَ ما قالَه الأَحبارُ خَطَأ ، وأَن اسْمَه هو آزرُ فقط ، لأَنه هو المصرَّحُ به في القرآن.
فالذي أَخَطَأَ في اسم والدِ إِبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - ليس القرآن ، لأَنَّ القرآنَ حَقّ لا خطأَ - فيه ، وإِنما الذينَ أَخطؤُوا هم الأَحبارُ عندَ تأليفِهم أَسفارَ العهدِ القديم ، فأَتَوْا باسمٍ يُخالفُ الذي في القرآن ، وهذا مردودٌ عليهم!!.

حول أبي مريم وأخيها
ذَكَرَ القرآنُ اسْمَ والدِ مريم - عليها السلام - أَنه عمران.
قال تعالى : *وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ *12*.
وذَكَرَ اسمَ أَخيها أَنَّه هارون.
قال تعالى : *فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا *27* يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا *28*.
ومن المعلومِ أَنَ اسْمَ والدِ موسى - عليه السلام - عمرانُ ، وأَنَّ اسْمَ أَخيه هارونُ - عليه السلام -.
فكيفَ يكونُ عمرانُ والداً لموسى ولمريم ، وبينَهما مئاتُ السنين ؟
وكيفَ يكونُ هارونُ أَخاً لموسى ولمريم ، وبينهما مئاتُ السنين ؟.
اعتبرَ الفادي هذا خَطَأً تاريخيّاً في القرآن.
قال : " ونحنُ نسأَل : يَقول الإِنجيلُ : إِنَّ مريمَ العذراءَ هي بنتُ هالي ألوقا : 3 / 22 ، ، فكيفَ يقول القرآنُ : إِنها بنتُ عمران أَبي موسى النبي ، وإِنها أُخْتُ هارون ؟ مع أَنَّ بينَها وبينَ هارون وموسى وعمران أَلفاً وستمئة سنة! ".
قال القرآن : اسْمُ والدِ مريم هو عمران..
وقال إِنجيلُ لوقا : إِنَّ اسْمَه هو هالي! فما الذي نأخُذُه ونقول به ؟.
سبقَ أَنْ ناقَشْنا هذا الأَمْرَ في الموضوعِ السابق ، حول والدِ إِبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - ، ونَدعو إِلى أَنْ نَستحضرَه هنا ، فما قُلناهُ هناك عن التوراة ، يَصلحُ أَنْ يُقال هنا عن الإِنجيل.
إِنَّ المعتمدَ هو ما قالَه القرآن ، لأَنه هو المحفوظُ الصواب ، فاسْمُ والدِ مريمَ هو " عمرانُ " ، واسمُ " هالي " في إِنجيلِ لوقا مردود ، لتعارُضِه مع الاسمِ الواردِ في القرآن.
كيفَ عمرانُ والدُ موسى ووالدُ مريم ؟
وكيفَ هارونُ أَخو موسى وأَخو مريم ؟
وبينَ موسى ومريمَ أَلْفٌ وستمئة سنة ؟
هذا خطأٌ تاريخى في القرآنِ في نظرِ الفادي! وهذا بسببِ جهلِ الفادي وغبائِه.
إِذا كانَ اسْمُ والدِ مريمَ عمرانَ ، فلا يلزمُ أَنْ يكونَ هو عمرانَ والدَ موسى - صلى الله عليه وسلم - ، فهما رَجلانِ كل منهما اسْمُه عمران.
الأَوَّل : عمرانُ والدُ موسى - صلى الله عليه وسلم - ، والثاني : عمرانُ والدُ مريم.
وَهناك رَجلانِ آخَران ، كلّ منهما اسْمُه هارون.
الأَوَّل : هارونُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، أَخو موسى - صلى الله عليه وسلم -..
والثاني : هارونُ أَخو مريمَ - عليه السلام -.
ومن المعلومِ أَنَّ النَّاس الصّالحينَ يُسَمّون أَبناءَهم بأَسماءِ الأَنبياءِ
والصالحينَ السابقين ، تَفاؤُلاً وتَيَمُّناً وبَرَكَة ، فكمْ من المسلمينَ مَنْ يُسَمّي ابْنَه باسمِ محمدٍ ، على اسمِ نبيِّنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وكم منهم مَنْ يُسَمّي ابنَه على اسمِ عمرَ أَو عثمانَ أَو على أَو خالدٍ رضي اللّه عن أَصْحابِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أجمعين.
فلم يقع القرآنُ في خطأ تاريخيٍّ ، عندما أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَ والدِ مريمَ على اسْمِ والدِ موسى ، واسْمَ أَخيها على اسْمِ أَخي موسى.
فعمرانُ والدُ مريمَ غيرُ عمران والد موسى ، وهارونُ أَخو مريمَ غيرُ هارونَ أَخي موسى - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنَّ بين العِمْرانَيْنِ والهارونَيْن حوالي أَلفٍ وستمئة سنة!!.
وقَديماً أَثارَ الرهبانُ هذا الاعتراضَ على القرآن ، زمنَ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وحَلَّ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - هذا الاعتراض.
روى مسلم برقم : 2135 ، ، والترمذيُّ برقم : 3155 ، ، عن المغيرةِ بنِ شعبةَ - رضي الله عنه - قال : بَعَثَني رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - إِلى نجران.
فقالوا : أَلَسْتُم تَقْرَؤون : *يا أخُتَ هَارُونَ* ؟.
قلتُ : بَلى!.
قالوا : وموسى قبلَ عيسى بكَذا وكذا ؟ !.
فرجَعْتُ إِلى رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فأَخْبَرْتُه.
فقالَ : " أَلا أَخْبَرْتَهم أَنهم كانوا يُسَمّونَ بالأَنبياءِ والصالحينَ قبلَهم ؟! ".
عندما أَثارَ أَحَدُ رهبانِ نصارى نجران الإِشكالَ أَمامَ المغيرةِ بنِ شعبة - رضي الله عنه - ، لم يَعرفْ بماذا يُجيبُه ، لأَنَّ ذلك الراهبَ رفضَ أَنْ يكونَ هارونُ أَخاً لمريم ، لأَنه أَخٌ لموسى ، وبَيْنَ موسى وعيسى ما بينَهما من مئاتِ السنين.
فلما سأَلَ المغيرةُ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك أَجابَه بأَنَّ الصالحينَ من بني إِسرائيل كانوا يسمون أبناءَهم بأسماءِ الأَنبياءِ والصالحين من قبلهم..
أَيْ : هُما رَجُلان : هارونُ أَخو موسى ، ثم هارونُ أَخو مريم *1* *2*.
__________
*1* قال الفخر الرازي :
وأما هارون ففيه أربعة أقوال : الأول : أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح ، والمراد أنك كنت في الزهد كهرون فكيف صرت هكذا ، وهو قول قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة ذكر أن هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمون هرون تبركاً به وباسمه.
الثاني : أنه أخو موسى عليه السلام وعن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنوا هرون النبي وكانت من أعقابه وإنما قيل أخت هرون كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم.
والثالث : كان رجلاً معلناً بالفسق فنسبت إليه بمعنى التشبيه لا بمعنى النسبة.
الرابع : كان لها أخ يسمى هرون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت به ، وهذا هو الأقرب لوجهين : الأول : أن الأصل في الكلام الحقيقة وإنما يكون ظاهر الآية محمولاً على حقيقتها لو كان لها أخ مسمى بهارون.
الثاني : أنها أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح وحينئذ يصير التوبيخ أشد لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة يكون صدور الذنب عنه أفحش. اهـ *مفاتيح الغيب. 21 / 177*
*2* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
79- مريم العذراء بنت عمران إن القرآن نسب مريم العذراء إلى عمران أبى موسى النبى. وقال : إنها أخت هارون النبى - عليه السلام - وهذا يخالف ما جاء فى إنجيل لوقا أنها بنت هالى [لوقا 3 : 23] ويخالف التاريخ لأن بين مريم وهارون ألف وستمائة سنة.
الرد على الشبهة :
إن المؤلف نقل عن الإنجيل أن مريم بنت هالى. ونقله خطأ. والنص هو : " ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة. وهو على ما كان يُظن ابن يوسف بن هالى بن متثات بن لاوى بن ملكى بن ينّا بن يوسف " إلى أن أوصل نسبه إلى " ناثان بن داود " عليه السلام. وهذا النص لا يدل على أنه نسب مريم كما قال المؤلف ، وإنما يدل على أنه نسب المسيح. فكيف يكذب القرآن بنسب ليس لها ؟ وكيف ينسبون المسيح إلى يوسف بن هالى. وفى الإنجيل أنه لا أب له ولا سبط له ؟ ذلك قوله عن يوسف : " ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر " [متى 1 : 24] ، وكيف يكذبون القرآن بنسب على سبيل الظن ؟ ذلك قوله : " وهو على ما كان يُظن " وفى إنجيل متى أن المسيح ابن يوسف بن يعقوب بن متّان بن اليعازر بن آليود. إلى أن أوصل نسبه إلى سليمان - عليه السلام - [ متى 1 ].
والحق : أن مريم ابنة عمران الأب المباشر لموسى - عليه السلام - وهو أب مباشر لموسى ، وهو أب لمريم لأنه رئيس العائلة التى تناسلت هى منها. وهارون ابن عمران. وهى من نسل هارون - عليه السلام - فيكون هو أخوها على معنى أنها من نسله. أما أبوها المباشر فاسمه " يهويا قيم " وأمها اسمها " حنة " كما جاء فى إنجيل يعقوب الذى لا يعترف به النصارى.
والنسب هكذا :
إبراهيم - إسحاق - يعقوب - لاوى وهو الابن الثالث ليعقوب. وأنجب لاوى ثلاثة هم جرشون وقهات ومرارى. وبنوقهات عمرام ويصهار وحبرون وعزئييل. وبنو عمرام هارون وموسى ومريم.
وقد وصى موسى عن أمر الله تعالى أن تتميز الأسباط التى تريد الإرث فى بنى إسرائيل. وذلك بأن تتزوج كل بنت فى سبطها. ففى سفر العدد : " وكل بنت ورثت نصيباً من أسباط بنى إسرائيل ؛ تكون امرأة لواحد من عشيرة سبط أبيها ؛ لكى يرث بنو إسرائيل كلُّ واحد نصيب آبائه " [عدد36 : 8]. ووصى بأن يتفرغ سبط لاوى للعلم والدين ، ولا يكون له نصيب فى الأرض ، وإنما يسكن بين الأسباط فى مدنهم ، ووصى بأن تكون الإمامة فى نسل هارون وحده. وعلى هذه الشريعة نجد فى بدء إنجيل لوقا : أن " أليصابات " زوجة زكريا - عليه السلام - كانت من نسل هارون من سبط لاوى ، وكان زكريا من نسل هارون من سبط لاوى. وتزوجت أليصابات زكريا. وأن مريم العذراء كانت قريبة لأليصابات. وإذا ثبت أنها قريبة لها ؛ يثبت أن مريم هارونية من سبط لاوى. يقول لوقا : " كان فى أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبِيّا ، وامرأته من بنات هارون ، واسمها أليصابات.. إلخ " ويقول لوقا : " وهو ذا أليصابات نسيبتك.. إلخ " ؛ قال لها الملاك ذلك وهو يبشرها بالحمل بعيسى - عليه السلام - فإذا صح أنها قريبة لها ونسيبة لها. فكيف يخطئ المؤلف القرآن فى نسبتها إلى هارون - عليه السلام - ؟
وفرقة أبِيّا هى فرقة من بنى هارون ، وهى الفرقة الثامنة من الفرق التى عدها داود - عليه السلام - للعمل فى المناظرة على بيت الرب. وخبرهم فى الإصحاح الرابع والعشرين من سفر أخبار الأيام الأول. اهـ *شبهات المشككين*.
هل هَمَّ يوسفُ - عليه السلام - بالزنى ؟
أَساءَ الفادي فَهْمَ إِخبارِ القرآنِ عن ما جَرى بين يوسفَ - صلى الله عليه وسلم - ، وبين امرأةِ العزيز.
وذلك في قولِه تعالى : *وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا*.
وذَهَبَ إِلى أَنَّ القرآنَ اتهمَ يوسفَ - صلى الله عليه وسلم - بالهَمِّ بالزنى بامرأةِ العزيز ، وقال : " أَيْ : قَصدَتْ مخالَطتَه وقَصدَ مخالَطَتَها ، والهَمُّ بالشيءِ قَصدُه والعَزْمُ عليه ، ومنه " الهَمّامُ " ، وهو الذي إِذا قَصَدَ شيئاً أَمْضاه.
وهذا القول يُناقضُ التاريخَ المقَدَّسَ الذي يقول : إِنَّها لما طَلَبَتْ منه الشَّرَّ استنكرَ طَلَبها ، وقال : كيفَ أَصنعُ هذا الشَّرَّ العظيم ، وأُخطئُ إِلى اللّه ؟! ".
ولما أَمسكَتْ بثوبِه تَرَكَهُ معها وهَرَب " *1*.
لم يفهم الفادي حديثَ القرآنِ عن مراودةِ امرأةِ العزيز ليوسفَ - صلى الله عليه وسلم - ، وَرَدِّه على إِغرائِها ودعوتِها الجريئةِ له لارتكابِ الفاحشة ، ولم يَفْهَمْ معنى الهَمِّ المذكورِ في الآية ، واعتبرَ حديثَ القرآنِ الخاطئَ متعارِضاً مع حديثِ العهدِ القديمِ الصائبِ في نظره ، وأَخَذَ جملةً من آياتٍ عديدةٍ تتحدَّثُ عن المراودة ، وفَصلَها عن ما قبلَها واعْتَبَرها خطأً تاريخيّاً في القرآن.
ولا بُدَّ أَنْ ننظرَ في الآيات ِ التي أَخبرتْ عن المراودة ، لنعرفَ الهَمَّ المنسوبَ ليوسفَ - صلى الله عليه وسلم -.
قال اللّه - عز وجل - *وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *22* وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ *23* وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ *24* وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *25* قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *26* وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ *27* فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ *28*
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
80- يوسف همّ بالفساد
إن يوسف - عليه السلام - هم بالمرأة وهمت به حسبما جاء فى القرآن. وأنه لم يهم بها ولم تهم به حسبما جاء فى التوراة. وما جاء فى التوراة هو المناسب لأحوال الأنبياء.
الرد على الشبهة :
1 - يوجد فرق بين رجل عرف الله ورجل لم يعرفه. فالعارف بالله لا يقدم على معصية لله ولا يقدم على ضرر للبشر. والذى لا يعرفه لا يستحيى أن يفعل ما يشاء من المعاصى والضرر. وعلى هذا المعنى يوجد فرق بين امرأة العزيز التى تعبد مع قومها غير الله وبين يوسف - عليه السلام - الذى عرف ربه بواسطة البراهين التى قادت إلى معرفته فى كونه ، وبما سمعه عن الله من آبائه. فامرأة العزيز همت به أن يفعل الفاحشة بها ، وهو قد قال لها : *معاذ الله *وعلّل عدم الفعل بأنه يكون مسيئاً لمن أحسن إليه. وهو سيده. والإساءة إلى المحسن نوع من أنواع الظلم.
2 - انظر إلى قوله : *وراودته* وإلى قوله *معاذ الله* تجد أنها لما راودته *همت به* فيكون الهم منها بمعنى طلب فعل الفاحشة. وتجد أنها لما *همت به* صار منه هم بها. يفسره قوله *معاذ الله* كما فسر همها *وراودته* فيكون همه بها ؛ دفعاً لها وامتناعاً عنها.
3 - ولو فرضنا أن يوسف غير عارف بالله وغير مقر به مثلها ؛ فإننا نفرض أنه لو همت به للفعل بها ؛ لهم بها للفعل بها. ولولا أنه رأى برهان وجود الله فى كونه ، لكان قد فعل بها. إذ هذا شأن الوثنيين. وكهذا البرهان ؛ أريناه براهين فى الآفاق وفى الأنفس *لنصرف عنه السوء والفحشاء * .
4 - ولا يمكن تفسير *برهان ربه *بعلامة مجىء سيده إلى بيته ؛ لأنه لو ظهرت علامة مجئ سيده ؛ ما استبقا الباب : هى للطلب ، وهو للدفع. فاستباقهما معناه : أنها تغلق الأبواب وتمنع من الإفلات وهو يحاول الدفع ، حتى أنها جذبته من خلف ظهره من ثوبه ، وعندئذ *ألفيا سيدها لدا الباب *
وصرح بأنه غير مذنب ، وشهد شاهد بالقرائن من أهل الشهادة أنه غير مذنب.
5 - على هذا يكون القرآن مقراً ببراءة يوسف - عليه السلام - ويكون لفظ الهم فى جانبه على سبيل المشاكلة لأنه صرح قبله بقوله *معاذ الله *.
اهـ *شبهات المشككين*.
أَخبرَ القرآنُ أَنَّ امرأةَ العزيز راودَتْ فَتاها يوسفَ مراتٍ عديدة ، وأَنه كانَ يُقابلُ مراودتَها وإِغراءَها وفتنتَها بالتعفُّفِ والتَّرَفُّع ، وهذا ما اعترفَتْ هي به لنساءِ المدينة : قال تعالى : *قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ*.
وازدادت المرأةُ عِشْقاً له ، وكلَّما أَمعنَ يوسفُ في تعفُّفِه ورفْضِه المراودةَ أَمْعَنَتْ هي في عشقِها وإِغرائِها وتهالكِها!!.
واضطرت المرأَة أَخيراً إِلى دعوتِه لمعاشرتِها دعوةً جريئةً صريحةً مكشوفة ، بعدما غَلَّقَت الأَبواب ، لكنَّه تَرَفَّعَ بصراحَة : *وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ*.
وسيطرتْ عليها شهوتُها ، وزادَ سُعارُها الشَّهوانيّ ، وأَرادَتْ أَنْ يُعاشِرَها بالقُوَّة ، فَهَمَّتْ به ، وعَزَمَتْ على مخالطتِه ، وهَجَمَتْ عليه ، والأَبوابُ مُغَلَّقَة : *وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ*.
ولما رأى يوسفُ نفسَه في هذا الموقفِ المثير ، أَرادَ أَنْ يتعفَّفَ ويُحَصنَ نَفْسَه ، فأَمامَه سيدتُه المتهالكةُ المثيرةُ المغرية ، وهو الشابُّ القويُّ الممتلئُ ، فما الذي يعصِمُه منها ، ويَحميه من فتنتِها وإِغرائِها ؟
وما الذي يمْنَعُه من مقابلةِ هَمِّها بِهَمٍّ منه ؟
إِنه قوةُ إِيمانِه ومراقبتِه للّه!! لقد استحضَرَ هذا المعنى الإِيماني ، وهو في ذلك الموقفِ والجَوّ ، وقَوّى بُرهانَ ربِّه في قلبِه وكيانِه ، فمنَعَه هذا من الهَمّ بها ، أَو الرغبةِ في معاشرتِها ، أَو التوجُّهِ إِليها ، والعزمِ على ارتكابِ الفاحشةِ معها!!.
وقد ذَكَرَ القرآنُ هذا في قوله : *وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ*.
إِنَّ هذه الآيةَ تَنفي عن يوسفَ الهَمَّ بارتكابِ الفاحشة ، بعد أَنْ أَثبتَتْ لامرأةِ العزيزِ الهَمَّ والعزمَ والتصميمَ على ارتكابِ تلك الفاحشة!!.
وتتكوَّنُ الآيةُ من جملتَيْن : الأُولى : *وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ*.
الثانية : *وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ*.
الواوُ في *وَهَمَّ بِهَا* : حرفُ استئناف ، وليستْ حرفَ عطف.
ولو كانَتْ حرفَ عطفٍ لَعَطَفَتْ جملةَ " هَمَّ بها " على " هَمَّتْ به " ، ويكونُ هَمّ كُلٍّ منهما مِثْلَ هَمِّ الآخر ، أَيْ : هَمَّتْ هي بمعاشرتِه ، وهَمَّ هو بمعاشرتِها! وهذا اتهامٌ ليوسفَ بالعَزْمِ على الزنى بها!.
وعندما تكونُ الواوُ حرفَ استئناف ، يكونُ ما بعدَها جملةً استئنافيةً جديدة ، وهي جملةٌ شرطية : *وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ*.
لولا : حرفُ شرط ، يدلُّ على الامتناعِ لوجود.
وفعلُ الشرطِ جملةُ *أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ* وجوابُ الشرطِ مَحْذوف ، دَلَّ عليه ما قَبْلَه.
والتقدير : لَهَمَّ بها.
فتكونُ الجملةُ هكذا : لولا أَنْ رأى بُرهانَ رَبِّه لَهَمَّ بها.
وبما أَنَّ " لولا " حرفُ امتناعٍ لوجود ، فإِنَّها تُقَرِّرُ امتناعَ حصولِ جوابِ الشرطِ لوجودِ فعلِ الشَّرط.
أَي : الذي مَنَعَ يوسفَ من الهَمِّ بها وجودُ بُرهانِ رَبِّه.
والمرادُ ببرهانِ ربِّه هنا قوةُ الإِيمانِ في قلْبه ، واستحضارُه رقابةَ اللّهِ ومَعِيَّتَه ، فكيفَ يعصيه ويرتكبُ فاحشةَ الزنى ، واللّهُ يَراهُ ويُراقبُه ، ولذلك رَدَّ على مراودةِ المرأةِ قائلاً : *مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُون*.
إِنَّ قولَه تعالى : *وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ* يدلُّ على أَنَّ يوسفَ - صلى الله عليه وسلم - لم يهمَّ بامرأةِ العزيزِ مطلقاً ، ولم يُفَكَرْ بمعاشرتِها ، ولم يَلْتَفِتْ لها ، في الوقتِ الذي هَمَّتْ هي به ، وعَزَمَتْ على معاشرتِه.
وبهذا نَعرفُ جهلَ وغَباءَ الفادي عندما اتَّهَمَ يوسفَ بالهَمِّ بامرأةِ العزيز ، والعزمِ على مخالطتِها ومعاشرتِها ، وذلك في قوله : " قَصدَتْ مُخالَطَتَه ، وقَصَدَ مُخالَطَتَها ".
أَما ما نَقَلَه الفادي المفترِي عن سِفْرِ التكوينِ : " أَنَّ امرأةَ العزيز لَما أَمْسَكَتْ بثوبِه تَرَكَ الثوبَ معها وهَرَبَ " فهذا ليسَ صحيحاً ، وهو يَتعارَضُ مَع ما ذَكَرَه القرآن. قالَ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين عن المراودة : " كان يوسفُ حَسَنَ الهيئة ، جميلَ المنظر..
وحَدَثَ أَنَّ امرأةَ سيدِه رَفَعَتْ عينَيْها إِلى يوسف ، وقالَتْ له :
اضطجعْ معي! فأَبى وقالَ لها : سَيِّدي لا يعرفُ شيئاً في البيت ، وكلُّ ما يملكُه ائتمنَنِي عليه ، وسَيِّدي لم يمنعْ عَنّي شيئاً غَيْرَك ، لأَنك امرأَتُه ، فكيفَ أَصنعُ هذه السيئةَ العظيمة ، وأُخطئُ إِلى اللّه ؟ !.
وكَلَّمَتْه يوماً بعدَ يوم ، أَنْ يضطجعَ بجانبِها وينامَ معها ، فلم يسمعْ لها!.
واتفقَ في أَحَدِ الأَيّام أَنه دخلَ البيتَ ليقومَ بعملِه ، ولم يكنْ في البيتِ أَحَدٌ من أَهلِه ، فأَمسكَتْ بثوبِه ، وقالَتْ له : ضاجِعْني!..
فتركَ ثوبَه بيدِها ، وفَرَّ هارباً إِلى الخارج.
فصاحَتْ بأَهْلِ بيتِها ، وقالَتْ لهم : انْظُروا كيفَ جاءَنا برجلٍ عِبْرانِيٍّ ، ليُداعِبَنا ويَتلاعَبَ بنا..
دَخَلَ عَلَيَّ لِيُضَاجِعَني ، فصرَخْتُ بأَعلى صوتي..
ولما سَمِعَني أَصرخُ تركَ ثوبَه بجانبي ، وَفَرَّ هارباً إِلى الخارج!.
وَوَضَعت المرأةُ ثوبَ يوسفَ بجانِبها ، حتى جاءَ زوجُها إِلى بيتِه ، فحكَتْ له الحكايةَ ذاتها.
قالَتْ : هذا العبدُ العِبْرانيُّ الذي جئتَنَا به ، دَخَلَ ليُداعِبَني ، وعندما رَفَعْتُ صَوْتي وصَرَخْت ، تركَ ثوبَه بجانبي وهَرَب ...
فلما سمعَ ذلك غضبَ على يوسف غَضَباً شديداً ، وجَعَلَه في السجن ".
وما أَخبرَ عنه القرآنُ يَختلفُ عن ما قالَه الأَحْبار.
فلما استعصَمَ يوسفُ أَمامَ إِغرائِها ، ولم يَهِمَّ بها هَرَبَ من الغرفة ، التي كانت المرأةُ قد أَغْلَقَتْ بابَها ، ولحقَتْ هي به لتُعيدَه ، واستَبَقا الباب ، وما أَنْ فَتَحَ البابَ حتى وَجَدَ زَوْجَها عِندَ الباب ، فَسارعت المرأةُ إِلى اتِّهامِ يوسفَ ، ودافعَ هو عن نفسِه..
وأَخبرَ الزوجُ أَحَدَ أَهْلِها بما جرى ، ودعا الشاهدُ الحَكَمُ إِلى ملاحظةِ قَمِيصِ يوسف ، فإِنْ كان قُدَّ من الأَمامِ فصدقَتْ هي في كلامِها ، لأَنه يكونُ هو الذي اعْتَدَى عليها ، وهي تُدافعُ عن نفسِها ، وإِنْ كان قُدَّ من الخلفِ يكونُ هو الصادقَ وهي الكاذبة ، لأَنه يكونُ هارباً منها ، وهي تلحَقُه لتُدركه ، فلما رأى القميصَ قُدَّ من الخلفِ عَرَفَ براءةَ يوسفَ وجريمةَ امرأتِه!..
قال تعالى : *وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *25* قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *26* وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ *27* فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ *28* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ *29*.

كيف دعا نوح على قومِه بالضلال ؟
أَخبرَ القرآنُ عن نوحٍ - عليه السلام - أَنه دَعا على قومِه بالضلال ، قال تعالى : *وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا *24*.
واعتبرَ الفادي هذا خَطَأً في القرآن ، لا يتفقُ مع نبوةِ نوحٍ - صلى الله عليه وسلم - وبِرِّه.
ولذلك اعترضَ على القرآنِ قائلاً : " كيفَ يَدْعو نوحٌ ربَّه أَنْ يَزيدَ الناسَ ضَلالاً ؟
كما أَنَّ اللّهَ ليس مصدرَ الضَّلال ، ونوحٌ نفسُه لا يُحِبُّ الضَّلال ؟
والتاريخُ المُقَدَّسُ يَشْهَدُ له : " كانَ نوحٌ رَجُلاً بارّاً في أَجيالِه " *تكوين : 6/9* " *1*.
فَهِمَ الفادي الغبيُّ من الآيةِ أَنَ نوحاً يُحِبُّ ضَلالَ الناس ، ولذلك دَعا اللّهَ أَنْ يَزِيدَهم ضَلالاً ، ونَسَبَ الضلالَ إِلى اللّه ، على أَنَّ اللّهَ هو مصدرُ الضَّلال!
واعتبرَ هذا خَطَأً مُنْكَراً مَرْدوداً ، ولذلك نَزَّهَ نوحاً عنه!.
إِنَّ نوحاً نبيّ رسولٌ ، عليه الصلاة والسلام ، وهو حَريصٌ على دعوةِ الناس ، ومحبٌّ لهدايتِهم ، وهو لا يُحِبُّ ضَلالَهم وانحرافَهم ، وقد بقيَ يدعو قومَه أَلْفَ سنةٍ إِلّا خمسينَ عاماً ، ولم يُؤْمِنْ معه إِلّا عَدَدٌ قليل.
متى دعا نوحٌ - صلى الله عليه وسلم - على قومِه بالضلال ؟.
بعد أَنْ أَخبرَه اللّهُ أَنه لنْ يؤمنَ منهم إِلّا مَنْ قد آمَن ، وأَمَرَهُ أَن يَصنعَ السفينة.
قال تعالى : *وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *36* وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ *37*.
وهذا مَعْناهُ أَنه مهما دَعاهم فلَنْ يُؤْمنوا به ، لاختيارِهم الكُفْرَ والضَّلال ، مهما دَعاهم ورَغَّبَهم وحرصَ عليهم ؟
فماذا يفعلُ بعدَ ذلك ؟
ليس أَمامَه إِلّاْ الدعاءُ عليهم بالهَلاكِ والفناء.
قال تعالى : *قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا *21* وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا *22* وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا *23* وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا *24* مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا *25* وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا *26* إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا *27* رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا *28*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
81- نوح يدعو للضلال
إن نوحاً - عليه السلام - قال لله تعالى : *ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً * ؛ فكيف يدعو نوح ربه أن يزيد الناس ضلالاً ؟

الرد على الشبهة :
إن نوحاً لم يدع ربه أن يزيد الناس ضلالاً ، وإنما دعا على الظالمين من الناس. ومثل ذلك : ما فى التوراة عن الأنبياء فإنهم دعوا على الظالمين ، ولم يدعوا على كل الناس. ففى المزمور الثامن عشر : " من الرجل الظالم تنقذنى " - " مثل طين الأسواق ؛ اطرحهم " ، وفى الإنجيل يقول المسيح لله عن الذين آمنوا به : " احفظهم فى اسمك الذين أعطيتنى " [يو 17 : 11] ولم يدع للكل. اهـ *شبهات المشككين*.
لم يكنْ نوحٌ - صلى الله عليه وسلم - مخطِئاً في الدعوةِ على قومِه ، لأَنه ما دَعا عليهم إِلّا بعدَ أَن اختاروا الكفْرَ والضَّلال ، وأَصَرُّوا عليه..
لقد كفروا وضَلُّوا ، وأَضَلُّوا كثيراً ، وكانوا دُعاةَ ضلالٍ وإِفسادٍ للآخَرين.
لقد دعا على الضالّينَ أَنْ يَزيدَهم اللّهُ ضَلالاً ، لأَنهم هم الذين أَرادوا الضَّلالَ وطَلَبوهُ واخْتاروه ، ودَعا على الكافرين أَنْ يُهلكَهم اللّهُ ولا يُبقي منهم دَيّاراً ، لأَنَّهم إِنْ بَقَوا فسوفَ يُضِلّونَ الآخَرين!.
وبذلك نَعرفُ أَنَّ نوحاً - صلى الله عليه وسلم - كانَ على صوابِ في دعائِه على القومِ الكافرينَ بالهلاك ، وعلى القومِ الضّالّين بالزيادةِ من الضًّلال!.

هل نجا فرعون من الغرق ؟
اعتبرَ الفادي القرآنَ مُتَناقضاً في حديثهِ عن نهايةِ فرعون ، وهذا التناقضُ خَطَأٌ ، يَطعنُ في صحةِ القرآنِ!! *1*.
أَخبرَ القرآن أَنَّ اللّهَ أَغرقَ فرعونَ في الماءِ.
قال تعالى : *وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ *38* وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ *39* فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ *40*.
وأَخبرَ القرآنُ أَنَّ اللّهَ أَنجى فرعونَ من الغرق ؛ كما فهمَ القِسيسُ الفادي.
وذلك في قوله تعالىْ *وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ *90* آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ *91* فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ *92*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
82- فرعون ينجو من الغرق
إن فى القرآن تناقض فى نهاية فرعون. ففى سورة يونس : *فاليوم ننجيك ببدنك * *1* وهذا يدل على نجاته من الغرق ، وفى سورة القصص : *فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم * *2* وهذا يدل على غرقه.
الرد على الشبهة :
إن المؤلف لم يفسر *فاليوم ننجيك ببدنك* على المعنى الظاهرى. وهو إبعاد الجثة عن الهبوط فى اليم ، وتركها على الشاطئ حتى يضعها المحنطون فى المقبرة فيراها كل المصريين فيعتبروا ويتعظوا. وفسر على المعنى المجازى كناية عن إفلاته من الغرق. ووجّه الشبهة على المعنى المجازى وليس على المعنى الحقيقى.
والمعنى المجازى الذى به وجّه الشبهة ؛ موجود فى التوراة عن فرعون. ففيها أنه لم يغرق ، وموجود فيها ما يدل على غرقه. وهذا هو التناقض الذى نسبه إلى القرآن. وسوف نبين ما فى التوراة من التناقض عن غرق فرعون. ونسأله هو أن يوفق بين المعنيين المتناقضين. وما يجيب به فى التوفيق ؛ يكون إجابة لنا.
ففى الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج : " فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذى دخل وراءهم فى البحر. لم يبق منهم ولا واحد " وفى الإصحاح الخامس عشر من نفس السفر : " تغطيهم اللجج. قد هبطوا فى الأعماق كحجر " وفى تفسير التوراة ما نصه : " ولا سبيل لنا هنا إلى الحكم بغرق فرعون ، إذ لا دلالة عليه فى هذا النبأ ، ولا من قول المرنِّم [ مز 78 : 53 و 106 : 11] وساق المفسرون أربع حجج على عدم غرقه. ومعنى قولهم : إن قول المرنِّم لا يدل على غرقه هو : أن داود - عليه السلام - فى المزمور 78 والمزمور 106 قال كلاماً عن فرعون لا يدل صراحة على غرقه.
ونص 78 : 3 هو " أما أعداؤهم فغمرهم البحر " ونص 106 : 11 هو " وغطّت المياه مضايقيهم. واحد منهم لم يبق ".
هذا عن عدم غرق فرعون. وأما عن غرقه ففى المزمور 136 : 15 " ودفع فرعون وقوته فى بحر يوسف ؛ لأنه إلى الأبد رحمته " وفى ترجمة أخرى : " أغرق فرعون وجيشه فى البحر الأحمر إلى الأبد رحمته *3* " ومفسرو الزبور - وهم أنفسهم الذين صرحوا بعدم غرق فرعون - كتبوا عن فرعون : " فإن هذا الأخير قد حاول جهد المستطاع أن يرجع الإسرائيليين إلى عبوديتهم ؛ فما تم له ما أراد ، بل اندحر شر اندحار " انتهى.
ومن هذا الذى قدمته يكون من الواجب على المؤلف حل التناقض الموجود عنده فى أمر فرعون ، قبل أن يوجه كلامه إلى القرآن. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* يونس : 92.
*2* القصص : 40.
*3* جمعية الكتاب المقدس فى لبنان سنة 1993م.
فهل أَخطأَ القرآنُ في حديثِه عن نهايةِ فرعون ؟
وهل تناقَضَ في إِخبارِه عن غرقهِ ؟.
لقد كانَ كلامُ القرآنِ عن غرقِ فرعونَ وجنودِه واضِحاً صَريحاً مُحَدَّداً.
فلما لحقَ فرعونُ وجنودُه موسى - صلى الله عليه وسلم - وأَتْباعَه ، أَمَرَ الله - عز وجل - موسى أَنْ يَضرِبَ البَحْرَ بعَصاه ، وشَقَّ لهم طَرِيقاً في البَحْرِ يَبَساً ، ولما لَحِقَهم فرعونُ وجنودُه أَطْبَقَ اللّهُ عليهم البحر ، فأَغْرَقَهم جميعاً.
قالَ اللّهُ - عز وجل - : *وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى *77* فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ *78* وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى *79*.
إن الضمير " هم " في قوله : *فَغَشِيَهُمْ* يعود على فرعون وجنوده.
وهذا تصريح بأن فرعون وجنوده أغرقوا جميعاً.
وقال - عز وجل - : *فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *63* وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ *64* وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ *65* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ *66*.
وقال تعالى : *وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ *50*.
ومن بابِ التأكيدِ على وفاةِ فرعونَ غَرَقاً نَصَّ القرآنُ على ذلك.
قال تعالى : *وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ *90* آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ *91* فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ *92*.
لقد أُتِيَ القِسّيسُ الفادي من قِبَلِ جَهْلِه وغَفْلَتِه وغبائِه ، فَفَهِمَ الآيَةَ فَهْماً خاطِئاً ، وخَرَجَ مِنها بغيْرِ ما سيقَتْ له! فَهِمَ من جملة : *فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً* أَنَّ اللّهَ أَنجى فرعونَ من الغرَق ، وخَرَجَ من البحرِ حَيّاً ، وعادَ إِلى مملكتِه ليُواصِلَ حُكْمَها!! وهذا فَهْمٌ خاطئٌ للآية.
تُقَرّرُ الآيةُ غَرَق فرعونَ وموتَه ، وتَصِفُ اللحظاتِ الأَخيرةَ من عمرِ فرعون ، قبلَ خُروجِ روحِه تحتَ الماء.
ومعنى *فلما أدركه الغرق* : لما أَحاطَ به الغَرَق من كلِّ جانب ، وأَتاهُ من كُلِّ مكان ، من تحتِه وفوقِه ، وعن يَمينِه وشِمالِه ، ورأى الموتَ بعينَيْه ، وأَيْقَنَ بالهلاك..
عند ذلك أَعلنَ إِسلامه وإِيمانَه باللّه ، وصَرَّحَ قائلاً : *آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ *90*.
ومن المعلومِ أَنَّ الإِيمانَ عند " الغرغرة " قُبيلَ خُروجِ الروحِ غيرُ مقبول ، ولذلك رَدَّ عليه مَلَكُ الموتِ المكلَّفُ بقبضِ روحِه قائلاً : *آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ *91* ؟
وهذا معناهُ أَنَ إِيمانَ فرعونَ لم يَقْبَلْه اللّه.
وقُبيلَ قبض روحِ فرعون وهو تحتَ الماءِ قالَ له المَلَك : *فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً*.
وليس معنى جملة : *فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ* : اليومَ ننقذكَ من الغَرَق ، ونخرجُك حيّاً من تحتِ الماء.
إِنَّ مَعْناها : عندما تَخرجُ روحُك ، ويُصبحُ جسمُك جُثَّةً هامدة ، لن نتركَ بَدَنَكَ يَسقطُ في الماءِ إِلى قاع البحر ، ولَنْ نَجعلَ بَدَنَك طَعاماً لحيتانِ البحرِ
وأَسْماكِه - وبالذاتِ سمكُ القرشِ المفترسِ الذي يملأُ البحرَ الأَحمر – وإِنما سَنُنَجّي بَدَنَك الهامِدَ الذي خرجَتْ منه الروح ، وسنأمُرُ الحيتانَ أَن لا تَأكُلَه ، وسنَأْمُرُ الماءَ أَنْ يحملَك ، وسنأمُرُ الموجَ أَنْ يُلْقِيَكَ على الشاطئ ، وسيكونُ بَدَنُك ناجياً هامداً ، وسيكونُ مُلْقى على الشاطئ ، وسيكونُ آيةً لِمَنْ خَلْفَك ، وهم الأَحياءُ من جنودِك وقومِك ، فعندما يُشاهدونَ بَدَنَكَ جثةً هامدة سيَعرفونَ أَنكَ لَسْتَ إِلهاً كما زَعَمْتَ ، وإِنما أَنْتَ بَشَرٌ مخلوفٌ ضعيف ، والأَصْلُ أَنْ يَعْتَبِروا ويَتَّعِظوا بذلك!.
وبهذا نعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يُخطئْ في حديثِه عن فرعون ، ولم يَقَعْ في تَناقُض ، والْتَقَتْ آياتُه على تقريرِ حقيقةِ موتِ فرعونَ غَرَقاً ، والاحتفاظِ بجثَّتِه ، لتكونَ آيةً لمن خَلْفَه!!.

بين زكريا ومريم !!
أَخبرَ القرآنُ أَنَّ اللّهَ جعلَ النبيَّ زكريّا - عليه السلام - يكفَلُ مريمَ - عليه السلام.
قال تعالى : *إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *35* فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *36* فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *37*.
واعتبرَ القِسّيسُ الفادي هذا خَطَأً تاريخيّاً وَقَعَ به القرآن ، لأَنَّه يُناقضُ ما في الكتابِ المقَدَّس - العهدِ القديمِ والعهدِ الجديد - والمعَتَمَدُ عند الفادي هو ما في الكتابِ المقَدَّس طبعاً.
قال في تخطئِتِه للقرآن : " وهذا يُناقضُ وقائعَ التاريخ ، فمريمُ ابنةُ عمران - حسبَ التوراة - لم تتزوَّجْ ولم تَلِد ، وهي أُخْتُ هارون ، واسْمُ أُمِّها يوكابد..
والمرأةُ الوحيدةُ التي نذرَتْ ما في بطنِها هي حَنَّةُ ، أُمُّ النبيِّ صموئيل..
ولم يَرِدْ أَنَّ زكريا كانَ يقيمُ في الهيكلِ في أُورشليم ، حتى يكفَلَ مريمَ هناك ، لأَنَّ زكريا من حَبْرون ، ولا يأتي ليخدمَ في الهيكلِ إِلَّا بالقرعة ، ولمدةِ خمسةَ عَشَرَ يوماً في السنة الوقا : 1/ 5 - 40* ، ولا يُقيمُ أَحَدٌ في المحراب أَو يدخلُ فيه إلّا رئيسُ الكهنة ، مرةً واحدةً فقط في السنة ، في يومِ الكفارةِ العظيم ، بدمِ ذبيحة ، ليُكَفّرَ عن خطايا الشعب *الملوك الأول : 6/8 و 8 ، و 16/9*.
ولم يكفَلْ زكريا مريمَ ، لأَنها من سبْطِ يَهوذا ، وزكريّا من سبْطِ لاوي *عبرانيين : 7/ 14* وكان زكريا يُقيمُ في حَبْرون ، بينما كانت مريمُ تقيمُ في الناصرة.. " *1*.
المرجعُ عند الفادي هو الكتابُ المُقَدَّس ، وهو عنده الحَكَم على كلِّ ما سِواه ، وما وَرَدَ فيه فهو الصحيحُ والصواب ، وما خالَفَه فهو الخطأ!! ولذلك هو " يُحاكمُ " القرآنَ إِلى كتابِه ، وأَيُّ كَلامٍ في القرآنِ اختلفَ مع ما في كتابِه فهو الخَطَأ..
وهو لا يُؤمنُ أَنَّ القرآنَ من عندِ اللّه ، ولذلك يُجيزُ وُقوعَ القرآنِ في الخَطأ ، لأَنه كلامُ بَشَرٍ يُخطئُ ويُصيب!!.
وحاكَمَ ما وردَ في القرآنِ عن زكريّا ويحيى وعيسى - عليهما السلام - ، وما وردَ عن نشأةِ مريمَ - عليها السلام - إِلى ما في كتابِه الذي يؤمنُ به ، وذَكَرَ ما وردَ في كتابِه بهذا الموضوع ، واعتبرَ القرآنَ مخطئاً في حديثِه عنه!.
ونعتقدُ أَنَّ ما يفعلُه القِسّيسُ الفادي خطأٌ منهجيٌّ وَقَعَ فيه ، وخِلافُنا معه خِلافٌ جَذْرِيٌّ أَساسيّ منهجي.
إِننا نوقنُ أَنَّ القرآنَ كلامُ اللّه ، وهو يُنكرُ ذلك ، ونحنُ نوقنُ أَنه لا خَطَأَ في القرآن ، وهو يُثبتُ ذلك ، ونحن نوقنُ أَنَّ اليهودَ حَرَّفوا التوراةَ في أَسفارِ العهدِ القديم ، وهو يَنفي ذلك ، ونحنُ نُوقِنُ أَنَّ النَّصارى حَرَّفوا الإنجيل ، وهو يَنفي ذلك! ومرجعُنا القرآنُ ، وهو يرفضُ أَنْ يكونَ مرجعاً لَهُ ، ومرجعُه هو الكتابُ المقدس ونحن نرفضُ أَنْ يكونَ مرجعَنا.
نرفضُ أَنْ يتعامَلَ الفادي مع القرآنِ على هذا الأَساس ، ونرفضُ الأَحكامَ التي يخرجُ بها من مقارنتِه بينَ القرآنِ والكتابِ المقَدَّس.
فالصوابُ هو ما ذَكَرَه القرآنُ عن ما يتعلقُ بمريمَ وزكريا - عليهما السلام - ، وما قاله الكتابُ المقَدَّسُ مخالِفاً لما قالَه القرآنُ نجزمُ بأَنه خَطَأ.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
83- انتباذ مريم
إن فى القرآن : أن مريم انتبذت من أهلها مكاناً شرقيًّا ، واتخذت لها حجاباً من قبل أن تحبل بالمسيح. فلماذا انتبذت ؟ هل كانت فى مشاجرة مع أهلها وهم المشهورون بالتقوى ؟ ولماذا تسكن فتاة عذراء بعيدة عن أهلها ؟
فى القرآن تناقض فى هذا المعنى. وهو أنه صرح بأنها كانت فى المحراب فى كفالة زكريا ، وصرح بأنها انتبذت. أى خرجت منهم بعد مشاجرة.
وقال المؤلف : إن القرآن قد خالف الإنجيل فى مكان سكناها من قبل الحبل بعيسى - عليه السلام - ففى القرآن : أنها كانت تسكن فى محراب أورشليم ، أو فى أى مكان مجهول. وفى الإنجيل أنها كانت تسكن فى " الناصرة " [لو 1 : 26 - 23].
الرد على الشبهة :
1 - جاء فى إنجيل يعقوب : أن مريم وهى فى سن الثالثة : ذهبت بها أمها بصحبة أبيها إلى " أورشليم " وسلماها إلى كهنة هيكل سليمان ، وكانت علامات السرور تبدو عليها. ثم تركاها ورجعا إلى أورشليم ، وعاشت مع الراهبات المنذورات إلى أن حبلت.
2 - وإن أنت نظرت فى خريطة فلسطين. تجد حبرون أسفل أورشليم وقريبة منها ، وتجد الناصرة على نفس الخط وبعيدة عن أورشليم. فتكون أورشليم غرب الناصرة ، وشرق حبرون.
3 - وفى الإنجيل : " وفى ذلك الوقت ولد موسى وكان جميلاً جدَّا. فربى هذا ثلاثى أشهر فى بيت أبيه. ولما نُبذ ؛ اتخذته ابنة فرعون ، وربته لنفسها ابناً " [أعمال 7 : 21]
قوله " ولما نبذ " لا يدل على أن أهله كرهوه وإنما يدل على أنهم وضعوه فى التابوت وهم لوضعه كارهون. ومن ينتبذ عن قوم ؛ لا يدل انتباذه عنهم على كرهه لهم ، وإنما يدل على ابتعاده عنهم لسبب أو لأسباب. وإذ صح وثبت أن ابتعادها عنهم كان لعبادة الله ؛ يثبت أنها لم تنتبذ لمشاجرة.
4 - وقد تبين أن " الناصرة " من نصيب سبط زبولون - وهو من أسباط السامريين - وهى من سبط يهوذا - على حد زعمه - فكيف تكون من سكان الناصرة ؟ وإذا كانت من سكان الناصرة ، فلماذا أتت إلى أورشليم لتعدّ مع سكانها. وسكان أورشليم من سبطى يهوذا وبنيامين ؟ فالحق ما قاله القرآن أنها كانت هارونية. ومعلوم أن زكريا وامرأته ويوحنا المعمدان كانوا من التابعين لأهل أورشليم. اهـ *شبهات المشككين*.
يَقولُ الفادي معتَمداً على الكتاب المقَدَّس : المرأةُ التي نَذَرَتْ ما في بطنها هي " حَنَّةُ " أُمُّ صموئيل..
وهذا كلامٌ نتوقَّفُ نحنُ فيه ، فلا نَنْفيه ولا نُثبتُه ، واللّهُ أَعلمُ بصحَّتِه..
وقد أَخْبَرَنا اللّهُ أَنَّ المرأةَ التي نَذَرَتْ للّهِ ما في بطنِها هي امرأةُ عمران.
قال تعالى : *إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *35* فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *36*.
لم يذكر القرآنُ اسمَ امرأةِ عمران ، كما أَنه لم يَرِدْ ذكْرٌ لها في الحديثِ الصحيحِ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وهو من " مُبهماتِ القرآن " التي لا نُحاولُ بَيانَها ، ونقول : اللّهُ أَعلمُ باسْمِها.
كانت امرأةُ عمرانَ صالحةً عابدةً للّه ، ولما كانَتْ حامِلاً نَذَرَتْ ما في بطنِها خالِصاً للّه ، ولا نعرفُ مُلابساتِ هذا النَّذْر ، وكأَنها كانتْ تَتَمَنّى لو كانَ ما في بطنِها ذَكَراً ، ولما وَضَعَتْ حَمْلَها كانت أُنثى ، فاستمرَّتْ على نَذْرِها ، وجعلت المولودةَ الأُنثى للّه ، وسَمَّتْها مريم ، ودَعَت اللّهَ أَنْ يَحفظَها ويَرْعاها.
فمريمُ هي ابنةُ عمران بنصِّ القرآنِ.
قال تعالى : *وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا*.
ونفى القسيسُ الفادي ما وردَ في القرآن ، فمريمُ عِنْدَه هي " مريمُ بنةُ عمرام " ، بالميم وليس بالنّون ، ولها أَخ اسْمُه هارون ، واسْمُ أُمِّها يوكابد..
وهذا كلامٌ نتوقفُ نحن فيه ، كلُّ ما نقولُه : مريمُ التي نعرفُها هي مريمُ بنةُ عمران ، ولا نعرفُ اسْمَ أُمِّها التي نَذَرَتْها للّه ، ولها شقيق اسْمُه هارون.
ويَرى الفادي أَنَّ زكريّا من سَبْطِ لاوي ، ومريمَ من سَبْطِ يهوذا ، فلا قرابةَ ولا صلةَ بينَها وبينَه ، فكيفُ يكفَلُها ؟ !.
وهذا كلامٌ نتوقَّفُ فيه ، فلا نَعرفُ السَّبْطَ الذي يَنتسبُ له النبيُّ زكريّا - عليه السلام - ، ولا الذي تنتسبُ له مريمُ - عليها السلام -، لعدمِ ذكْرِه في مصادِرِنا الإِسلاميةِ الصحيحة.
ويرى الفادي أَنَّ زكريا من حَبْرون - الخليل - وأَنَّ مريمَ كانت تُقيمُ في الناصرة شمالَ فلسطين ، والمسافةُ بينَهما بعيدة ، فكيفَ يكفَلُها ؟!.
وهذا كلامٌ نتوقَّفُ فيه أَيضاً.
الذي نقولُ به هو ما وَرَدَ في القرآن ، من أَنَّ اللّهَ حفظَ مريمَ - عليها السلام - ، وأَنَّ العابِدينَ تَنازَعوا فيها ، كلُّهم يريدُ أَنْ يكفَلَها ، فاقْتَرَعوا قرعة ، على أَنْ يُلقوا أَقلامَهم ، وفازَ زكريا بالقُرعة ، وبذلك قامَ بكفالتِها ، وبقيتْ في كفالتِه حتى كبرت.
قالَ تعالى : *فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *37*.
وقال تعالى : *ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ *44*.
وتَدُلُّ مصادرُنا الإِسلاميةُ على وُجودِ صلةِ قرَابةٍ بينَ مريمَ وزكريا ، فقد أَخبرنا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ عيسى ويَحيى - عليهما السلام - أَبناءُ الخالة ، وهذا معناهُ أَنَّ أُنَّ يحيى وأُمَّ عيسى أُخْتان ، فامرأةُ زكريا - عليه السلام - هي أُختُ مريم الكبرى ، وبكفالة زكريا مريمَ تكونُ مريمُ قد عاشَتْ عند أُخْتِها ، لِتَرعاها وتتعهدَها!! *1*.

حول انتباذ مريم مكاناً شرقيّاً
أَخبرنا اللّهُ في القرآنِ أَنَّ مريمَ انتبذَتْ من أَهلِها مكاناً شرقيّاً.
قال تعالى : *وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا *16* فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا *17* قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا *18* قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا *19*.
ورفضَ الفادي هذا الكلامَ ، واعترضَ عليه ، وقال بتهكُّمٍ وسخرية :
__________
*1* قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :
وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها ، لتقتبس منه علما جما نافعًا وعملا صالحًا ؛ ولأنه كان زَوْجَ خالتها ، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير [وغيرهما] *7* وقيل : زوج أختها ، كما ورد في الصحيح : "فإذا بِيحيى *8* وعِيسَى ، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ" ، وقد يُطْلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا تَوسُّعا ، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها. اهـ *تفسير ابن كثير. 2 / 35*
" لا يَذكرُ القرآنُ لماذا انبتذَتْ مريمُ العذراءُ من أَهلِها مكاناً شرقيّاً ، واتخذَتْ من دونِهم حجاباً ، قبلَ أَنْ تُبَشَّرَ بعيسى..
هل كانَتْ في مشاجرةٍ مع أَهلِها ، وهم المشهورونَ بالتقوى ؟
ولماذا تسكنُ فتاةٌ عذراءُ بَعيداً عن أَهْلِها ، مع أَنَّ القرآنَ يقولُ : إِنها كانَتْ في المحرابِ في كَفالةِ زكريا ؟
ويقولُ الإِنجيلُ : إِنَّ مريمَ كانَتْ في الناصرة ، وهيَ مخطوبةٌ ليوسفَ النجار ".
يُنكرُ الفادي أَنْ تَكونَ مريمُ - عليها السلام -قد انتبذَتْ من أَهْلِها مكاناً شرقياً ، فلماذا تبتعدُ عنهم ؟
هل اختلَفَتْ معهم ؟
وهل طَردوها ؟
وكيفَ ترضى أَنْ تبتعدَ عن الناس ، وأَنْ تبقى وحيدةً وهي الفتاةُ العذراء ؟
أَلا تخشى أَنْ يَبطش بِها أَو يَعتديَ عليها أَحَدُهم ؟
وكيفَ قالَ القرآنُ في سورةِ مريم : إِنها انتبذَتْ من أَهْلِها وابتعَدَتْ عنهم ، مع أَنه هو نفسه أَخبرَ في سورةِ آلِ عمران أَنها كانتْ في المحرابِ عند زكريا كفيلِها ؟.
وتساؤلاتُ واعتراضاتُ الفادي لا معنى لها ، والقرآنُ لم يَتناقَضْ في حديثِه عن مريمَ - عليها السلام -.
أَخبَر في سورةِ آلِ عمران أَنَّ اللّهَ كَفَّلَها زكريا وهي طفلة ، وهو زوجُ أُخْتِها كما ذكرنا ، فنشأَتْ عنده - صلى الله عليه وسلم - ، وكانتْ عابدةً للّه في محراب بيتِه ومكانِ صلاتِه ، بينما كان يُؤَمِّنُ لها حاجتَها من الطعام.
قال تعالى : *فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *37*.
وكانتْ مريمُ متفرغةً للعبادة ، حيث ملأَتْ عليها وقْتَها ، وأَنفقَتْ فيها عُمْرَها ، فلم تَلتفتْ إِلى غيرها.
ولعَلَّها لأَجْلِ هذه الغاية كانت تَنتبذُ عن أَهْلها ، وتَذهبُ إِلى مكانٍ هادِئ ، تعتزلُ فيه مُتعبدة ، وكان أَهْلُها يَعرفونَ ذلك ، وكانوا عابِدين صالحين ، وكانوا يَقومونَ على رعايتِها وحمايتِها وحراستِها ، ويُهَيِّئونَ لها جَوَّ العبادةِ ، في المكانِ القَصِيّ الشرقي ، الذي اختارَتْه شرقى مكانِ إِقامةِ أَهْلها ، والذي كانت تتخذُ فيه من دونِهم حجاباً.
فهي لم تكنْ بعيدةً عن عُيونِ وحمايةِ أَهْلِها ، ولم تكنْ فتاةً وحيدةً في مكانٍ بعيد ، عرضَةً للخطرِ والأَذى ، إِنما كانَ أَهْلُها حارِسينَ لها مُحافظينَ عليها.
ولم يُحَدِّد القرآنُ - ولا الحديثُ الصحيح - المدينةَ التي كانَتْ تُقيمُ فيها مريمُ عابدةً للّه ، ولم يُحَدِّد المكانَ الشرقيَّ الذي كانتْ تعتزلُ فيه لعبادةِ اللّه ، ولم يُحدد المدةَ التي أَقامَتْها في ذلك المكان.
كلُّ هذا من مبهماتِ القرآن التي لم يَرِدْ بيانا لها في مصادرِنا الإِسلامية..
أَما ما قالَه الفادي من أَنَّ مريمَ كانتْ تُقيمُ في الناصرة ، في شمالِ فلسطين ، فهذا مما نتوقَّفُ فيه ، فلا نُكَذِّبُه ولا نُصَدِّقُه ، لعدمِ ورودِ دليلٍ عليه عندنا..
كذلك نتوقَّفُ في ادِّعائِهِ أَنَّ مريمَ - عليها السلام - كانتْ مخطوبةً ليوسفَ النجار!!.

حول ولادةِ مريم وكلام وليدها
أَخبرَنا اللّهُ أَنه بَعدما نفخَ جبريلُ في مريمَ - عليها السلام - ، حَمَلَتْ بعيسى - عليه السلام - ، وابتعدَتْ عن أَهْلِها مكاناً قصيّاً ، وهُناكَ وَضَعَتْ وَليدَها تحتَ نَخْلَة ، وأَنَّ اللّهَ أَنطقَه وهو في الدقائقِ الأُولى من عمرِه ، وأَرشدَها إِلى التصرفِ المناسب.
قال تعالىْ *فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا *22* فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا *23* فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا *24* وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا *25* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا *26*.
ورفضَ الفادي ما وردَ في القرآن ، واعتبرَهُ خطأً تاريخيّاً ، لمخالفتِه ما وَرَدَ في كتابه المقدس.
قال : " لقد وَلَدَتْ مريمُ السيدَ المسيحَ في بيت لحم ، كما تَنَبَّأَ أَنبياءُ التوراةِ بذلك قبلَ حدوته بمئات السِّنين ، وليسَ بجوار جِذْع نخلة!..
وَوَضَعَتْ وَليدَها في مِذْوَد ألوقا : 2/ 1 - 20 ، وغَريبٌ أَنْ يُكَلّمَها وَليدُهَا من تحتِها : أَنْ تَهُزَّ جذْعَ النخلة ، وتأكلَ من البَلح ، وتشربَ من الجدول ، فإِذا مَرَّ بها أَحَدٌ تقول : إِني نذرتُ للرحمنِ صَوْماً فلن أُكَلِّمَ اليومَ
إِنْسِيّاً! فأَينَ الصومُ وهي الآكلةُ الشاربةُ المتكلمة ؟ ! " *1*.
يَرى النَّصارى أَنَّ مريمَ وَلَدَتْ عيسى - صلى الله عليه وسلم - في بيت لحم..
ووردَ حديثٌ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بهذا المعنى..
روى النَّسائيُّ عن أَنَسِ بنِ مالك - رضي الله عنه - ، عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال : " أُتيتُ بدابَّةٍ فوقَ الحمار ، ودونَ البَغْل ، خَطْوُها عندَ مُنْتَهى طَرْفِها ، فركبْتُ ، ومعي جبريل - عليه السلام -..
فَسِرتُ..
فقال : انْزِلْ فَصَلّ.
فنزَلْتُ فصلَّيْتُ..
فقال : أَتَدري أَينَ صَلَّيْتَ ؟
صَلَّيْتَ بطَيْبَة ، وإِليها المُهاجَر..
ثم قال : انزِلْ فَصلِّ.
فنزلْتُ فصلَّيْتُ..
فقال : أَتَدري أَينَ صَلَّيْتَ ؟
صَلَّيْتَ بطورِ سيناء ، حيثُ كَلَّمَ اللّهُ - عز وجل - موسى - صلى الله عليه وسلم -.
ثم قال : انْزلْ فَصَلِّ..
فنزلْتُ فصَلَّيْتُ..
فقال : أَتَدْري أَيْنَ صَلَّيْتَ ؟.
صَلَّيْتَ ببيت لحم ، حيثُ وُلِدَ عيسى - صلى الله عليه وسلم -..
ثم دخلْتُ بيتَ المقدِس ، فَجُمِعَ لي الأَنبياءُ - عليهم السلام - ، فقدَّمَني جبريلُ حتى أَمَمْتُهم ".
يُخبرُ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المحطّاتِ التي مَرَّ بها في ليلةِ الإِسراء ، عندما أُسْرِيَ به من مكةَ إِلى بيتِ المقْدِس ، حيثُ أَمَرَهُ جبريلُ - عليه السلام - أَنْ يَنزلَ ويُصلِّيَ
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
84- مريم تلد فى البرية ووليدها يكلمها من تحتها لقد ولدت مريم السيد المسيح فى بيت لحم كما تنبأ أنبياء التوراة بذلك قبل حدوثه بمئات السنين ، وليس بجوار جذع نخلة. ووضعت مريم وليدها فى مذود [لوقا 2 : 2 - 20] وغريب أن يكلمها وليدها من تحتها : أن تهز جذع النخلة وتأكل من البلح وتشرب من الجدول. فإذا مرّ بها أحد تقول : *إنى نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا * *1* فأين الصوم وهى الآكلة الشاربة المتكلمة ؟

الرد على الشبهة :
1 - ولادة المسيح فى بيت لحم - كما قال المؤلف - تدل على أن مريم من سكان الخليل التى هى حبرون ، ولا تدل على أنها من سكان الناصرة. ففى خريطة فلسطين تجد بيت لحم تحت أورشليم ، وبعدها حبرون. وعلى هذا تكون مريم بعد حملها بالمسيح وإحساسها بدنو الوضع. قد اتجهت إلى حَبرون *فأجاءها المخاض *عند بيت لحم. ولو كانت من الناصرة وأحست بالحمل وبالوضع. لاتجهت إلى الناصرة. وعندئذ يكون الوضع فى مكان بين أورشليم وبين الناصرة. فقولهم بالمخاض فى بيت لحم يصدق القرآن فى أنها كانت من نسل هارون الساكنين فى حبرون.
2 - وقول المعترض : إن التوراة تنبأت بولادة المسيح فى بيت لحم. يقصد به ما جاء فى سفر ميخا وهو " أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكونى بين ألوف يهوذا ، فمنك يخرج لى الذى يكون متسلطاً على إسرائيل ، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل " [ميخا 5 : 2].
والنبوءة موضوعة وليست من النص الأصلى. بدليل : أن المسيح كان من الهارونيين من جهة أمه ، وبيت لحم من مدن سبط يهوذا. ولو كان له أب لأمكن للنصارى نسبته إلى سبط أبيه. ولكنه لا أب له ؛ فكيف ينتسب إلى سبط يهوذا أو غير سبط يهوذا ؟ وبدليل : أن المتسلط على إسرائيل وهو النبى الأمى الآتى على مثال موسى. يكون ملكاً وفاتح بلاد. ولم يكن المسيح ملكاً ولا فاتح بلاد.. وبدليل : أن سفر ميخا مرفوض من السامريين. وبدليل أن شراح سفر ميخا يصرحون بالتناقض فيه.والنبوءة من مواضع التناقض التى صرحوا بها. يقول الشراح : "هناك تعليمان متشابكان فى كتاب ميخا : الأول : الله يدين شعبه ويعاقبه [ف1 - 3 : 6 : 1 - 7 : 7] الله يعد شعبه بالخلاص [ف 4 - 5 و 7 : 8 - 20] حين يُعيده إلى حاله السابقة ويجعله بقيادة رئيس من نسل داود [5 : 1 - 4].
3 - وقد جاء فى إنجيل متى الأبوكريفى معجزة النخلة.
4 - وكلام المسيح فى المهد جاء فى برنابا وفى إنجيل الطفولية العربى ، وجاء فى تاريخ يوسيفوس.
5 - وقال المعترض : إن المسيح كلم أمه من تحتها : أن تهز جذع النخلة.. إلخ. وهو قد قال بذلك على قراءة " مِن تحتها " والحق : أن الذى ناداها هو ملاك الله نفسه. وسياق الكلام يدل على أنه الملاك. فإنه قد قال لها : *كذلك قال ربك هو علىّ هيّن ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً * *2*، ولما حملته وانتبذت به وأجاءها المخاض وتمنّت الموت ؛ عاد إلى خطابه معها فقال : *ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً فكلى واشربى وقرى عيناً فإما ترين من البشر أحداً فقولى إنى نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا * *3*.
وأما كلام المسيح فهو لم يقل إلا *إنى عبد الله أتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة مادمت حيًّا وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جباراً شقيا والسلام علىّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا * *4*.
6 - المعترض قد غالط فى نقل المعنى بقوله : " وغريب أن يكلمها وليدها من تحتها : أن تهز جذع النخلة وتأكل من البلح وتشرب من الجدول ؛ فإذا مر بها أحد تقول : *إنى نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا * *5* فأين الصوم وهى الآكلة الشاربة المتكلمة ؟ ".
ووجه المغالطة : أنه يقول فإذا مر بها أحد تقول.. إلخ. والمعنى الصحيح : أنها لا تقول لكل أحد يمر عليها إنها صائمة عن الطعام والشراب. وإنما تقول : لا أتكلم مع أحد فى أمر ابنى فى هذه الأيام. فجملة *فإما ترين من البشر.. *جملة مستأنفة لا صلة لها بالطعام وبالشراب. وقولها : *إنى نذرت للرحمن صوما *تعنى به المعنى المجازى وهو الإمساك عن الكلام بدليل : *فلن أكلم *ولم تقل فلن آكل. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* مريم : 26.
*2* مريم : 21.
*3* مريم : 24 - 26.
*4* مريم : 30 - 33.
*5* مريم : 26.
في المدينة ، التي سيهاجِرُ إِليها ، وسيَموتُ ويُدْفَنُ فيها..
وأَنْ يَنزلَ ويُصَلِّيَ في طورِ سيناء ، حيثُ كَلَّمَ اللّهُ نبيَّه موسى - صلى الله عليه وسلم -..
وأَنْ يَنزلَ ويُصَلِّيَ في بيتِ لحم ، حيثُ كانَتْ وِلادةُ عيسى - عليه السلام -..
ولم تَتَحدث الأَناجيلُ عن النخلةِ التي وَلَدَتْ مريمُ ابْنَها عيسى تحتَها ، ولذلك خَطَّأَ الفادي القرآنَ في حديثِه عن النخلَة ، وأَنكرَ أَنْ يُكَلِّمَها ابْنُها من تحتِها ، ويُوَجِّهَها إِلى التصرفِ المناسِب!!.
ومَعنى قولِه تعالى : *فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ* :
جاءَ المَخاضُ بمريمَ إِلى جِذْعِ النخلة ، واضطرَّها إِلى القُدوم ، وأَكْرَهَها على المجيء.
والمخاض : آلامُ الطَّلْقِ التي تَأخُذُ المرأة ، عندما تَدْنو ساعَةُ ولادتِها!..
وكَأَنَّ هذا المخاضَ شَخْصٌ قوِيّ شَديد ، يُخضعُ مريمَ له إِخْضاعاً ويَدْفَعُها دَفْعاً ، ويُكْرِهُها ويَضْطرُّها ، ويَجعلُها تَسيرُ أَمامَه مُضطرة ، إِلى أَنْ تَستندَ إِلى جِذْعِ النخلة ، وتعمدَ عليها..
وجِذعُ النخلة الذي تَقومُ عليه..
وإِضافةُ الجِذْعِ إِلى النخلةِ تَدُلُّ على أَنها نخلةٌ حيةٌ خضراءُ نامية ، وليس جُزْءاً مقطوعاً يابساً ملقىً على الأَرض..
وما هي إلّا لحظاتٌ قصيرةٌ قَضتْها مريمُ تحتَ جذعِ النخلة ، حتى وَلَدَتِ انْبنها : *فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا *23*.
وما هي إِلَّا لَحظاتٌ حتى خاطَبَها ابنُها الذي أَنْطَقَه اللّه ، فَكَلَّمَها بوضوح..
قال تعالى : *فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا *24* وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا *25* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا *26*.
استغربَ الفادي أَنْ يُكَلمَ الوليدُ أُمَّه بعدَ لحظةٍ من ولادته ، لأَنَّ هذا لا يكونُ في عالَمِ المواليد! ومَن الذي قالَ : إِنَّ كلامَه لها كان كَلاماً عاديّاً مَألوفاً معتاداً ، حتى يَستغربَ ذلك ؟ ! *1*.
__________
من العجيب أن ينسب القرآن ذلك إلى المسيح على سبيل المعجزة ، والنصارى يستبعدون كلامه في المهد ، مع قولهم بألوهيته !!!.
لقد كانَ الوليدُ معجزةً خارقةً للعادة ، واللّهُ هو الذي أَنطقَه ، وبما أَنَ هذا من أَمْرِ اللّهِ فلا غرابةَ فيه ، لأَنَّ اللّهَ فَعّالِّ لما يُريد ، وإِذا كانَ كلامُه لأُمِّه بعدَ لحظةٍ من ولادتِه أَمراً مُدْهِشاً ، فإِنَّ حَمْلَها به من غيرِ أَبِ ، وولادتَها له بعدَ ساعاتٍ من حَمْلِها به هو الأَكثرُ دهشة! فلماذا صَدَّقَ الفَادي بالثاني الأَكثرِ دهشةً وأَنكرَ الأَوَّل ؟!.
وقد يُكَذِّبُ بعضُهم القرآنَ في حديثِه عن النخلة ، التي وَلَدَتْ مريمُ ابْنَها تَحْتَها ، بزعْمِ أَنَّ مدينةَ بيت لحم ليستْ مدينةَ نخل ، لأَنها منطقةٌ باردةٌ نسبيّاً ، والنخلُ يَحتاجُ إِلى أَرضٍ دافئة.
واتفقَ الإِخباريّون على أَنه كانتْ في كنيسةِ المهْدِ في بيت لحم نخلةٌ كبيرة ، وهذه النخلةُ ماتَتْ وقُطعتْ فيما بعد.
ومَرَّ الشيخُ عبدُ الوهّاب النجارُ مؤلِّفُ كتابِ " قَصَصِ الأَنبياء " بكنيسةِ المهدِ في مطلعِ القرنِ العشرين.
قال : " وأَقولُ أَيضاً : إِنَّ وُجودَ النخلِ ببيت لحم - وهي البلدةُ التي كانتْ بها مريمُ يومَ ولادهِ المسيح - نادر..
وقد رأيتُ بكنيسةِ بيت لحم المبنيةِ على موضعِ ولادةِ المسيح مكاناً قد " قُوِّرَ " البَلاطُ فيه..
ويقولون : إِنَّ في موضعِ هذا التقويرِ كانت النخلةُ التي وَلَدَتْ عندَها مريمُ..".
وأَخبرَنا اللّهُ أَنَّ الوَليدَ عيسى خاطبَ أُمَّه قائلاً : *أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا *24* وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا *25* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا *26*.
السَّرِيّ هو جدولُ الماء.
فاللّهُ أَنبعَ لمريمَ عينَ ماءٍ إِكراماً لها ، ودَعا الوليدُ أُمَّهُ إِلى رؤيةِ ذلك السَّرِيّ ، والشربِ من مائِه.
كما أَنه دَعاها إِلى أَنْ تَهُزَّ جِذْعَ النخلة ، فيتساقَطَ عليها الرطبُ الناضج ، فتأكلَ منه.
ويَعتقدُ النَّصارى أَنَّ ولادةَ عيسى - صلى الله عليه وسلم - كانَتْ في شهرِ كانونِ الأَول ، أَيْ في الشتاء ، ومن المعلومِ أَنه لا يَكونُ على النخلِ بَلَحٌ ولا تَمْرٌ ولا رُطَبٌ في الشتاء ، لأَنَّ البلحَ ينضجُ في الصيْف ، وقد يَستغربُ بعضهم وُجودَ رُطَبِ على النخلةِ التي لجأَتْ مريمُ إِليها!.
والراجحُ أَن اللّهَ أَثمرَ النخلةَ إِثْماراً مُعْجِزاً ، إِكراماً لمريم ، مثلَ ما أنبعَ لها عينَ الماء ، فمن المتفقِ عليه أَنَّ النخلةَ لا تُثمِرُ في الشتاء ، ولكنَّ اللّهَ جَعَلَ تلك النخلةَ تُثمر ، وجَعَلَ تَمْرَها رُطَباً ، واللّهُ سبحانه فَعّالٌ لما يُريد.
واعترضَ الفادي لغَبائِه على قولِه تعالى : *فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا *26*.
وحملَ الصومَ في الآيةِ على الصيامِ المعروف ، الذي هو الإِمساكُ عن الطعامِ والشراب.
ولذلك تساءَلَ بغَباء : " فأينَ الصومُ وهي الآكلةُ الشاربةُ المتكلمة ؟ ! ".
الصومُ هنا ليس بمعنى الإِمساكِ عن الطعام والشراب ، وإِنما هو بمعنى الإِمساكِ عن الكلام ، وهو ما تُفَسرُه بقيةُ الآية : *إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا*..
فصومُها بامتناعِها عن تكليمِ أَيّ إِنسان.
وهي لم تنطقْ بهذه الجملة : *إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا* بلسانِها ، إِذْ إنها لو نطقَتْ بها لما كانَتْ صائمةً عن الكلام..
وإِنما كانَتْ توحي للذي تراهُ بإِشاراتِ يَدَيْها ومَلامحِ وجْهِها ، بحيثُ يَفهمُ منها أَنها صائمةٌ عن الكلام..
واعتبرت الآية ُ هذه الإِشاراتِ المفهمةَ قَوْلاً : "فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي*.
ولماذا امتناعُها عن الكلام ؟
لأَنها في موقفِ تُهْمَة ، ومهما تَكَلَّمتْ فلن يسمعوا لها.
ولقد أَنطقَ اللّهُ وَليدَها ليُدافعَ عنها.
ولذلك لما وَصَلَتْ قومَها ، وفوجئوا بالغلامِ على حِضنِها ، ولاموها مُتَعَجّبين ، لم تَتكلمْ بكلمة ، وإِنما أَشارتْ إِليه ، فتكلَّمَ هو وسْطَ ذُهولِ المستمعين.
قال تعالى : *فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا *27* يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا *28* فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا *29* قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا *30* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ*.
فلا خَطَأَ في ما قالَه القرآنُ عن ولادةِ مريم ، وإِنما أَفهامُ الفادي وقومِه هي القاصرة ، لأَنها لم تُحسنْ فهمَ الآياتِ المتحدثةِ عن مريمَ وابنِها - عليهما السلام.

هل لكلِّ أمةٍ رسول ؟
أَخبرَ اللّهُ أَنَّه بعثَ لكلِّ أُمَّةٍ من السابقين رسولاً من أَنفسهم.
قال تعالى : *وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ *47*.
وقال تعالى : *وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ*.
وقال تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : *وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ*.
ويَعترضُ القسيسُ الفادي على هذه الآيات ، التي تقررُ هذه الحقيقة ، ويَعتمدُ في اعتراضِه على الكتابِ المقَدَّس ، الذي يقولُ بعكْسِ ذلك ، قال :
" تقولُ هاتان السورتانِ المكيَّتان : إِنَّ اللّهَ أَرسلَ في كلِّ أُمَّةٍ نبياً منها إِليها.
ويقولُ الكتابُ المقَدَّس : إِنَّ الأَنبياءَ والرسلَ هم من بني إِسرائيل ، إِليهم وإِلى كلِّ العالَم..
فإذا صَدَقَتْ أَقوالُ القرآنِ ، فكيفَ لم يُخرجْ للأُممِ في إفريقية وأَوروبة وأَمريكة وأسترالية وآسية أَنبياءَ منهم وإِليهم ؟
ولو كانت لهذه الأُمم أَنبياءُ منها وإليها ، لجازَ أَنْ يكونَ للعربِ رسولٌ منهم ! "*1*.
يَزعمُ المفْتَري أَنَّ الرسلَ والأَنبياءَ محصورون في بني إِسرائيلَ فقط ، فلم يَبْعث اللّهُ رَسولاً ولا نبيّاً من غيرِهم!.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
85- لكل أمة رسول منها إليها إنه جاء فى القرآن أن لكل أمة رسول منها. وهذا يناقض الكتاب المقدس فى أن الأنبياء والرسل هم من بنى إسرائيل وإليهم وإلى كل العالم. فإذا صدق ما فى القرآن فكيف لم يخرج للأمم فى إفريقيا وأوروبا وأمريكا واستراليا وآسيا : أنبياء منهم وإليهم ؟ ولو كان لهذه الأمم أنبياء - منها وإليها - لجاز أن يكون للعرب رسول منهم.
الرد على الشبهة :
إن كلمة الرسول تأتى على الحقيقة وتأتى على المجاز. فعيسى - عليه السلام - رسول على الحقيقة. وإذا هو أرسل واحداً من الحواريين إلى قرية من القرى فإنه يكون رسول رسول الله عيسى على المجاز. ففى إنجيل متى : " هؤلاء الإثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً : " إلى طريق أمم لا تمضوا.. " [متى 10 : 5].
وابتداء الدعوة إلى الله كان فى زمن أنوش بن شعيث بن آدم ؛ لقوله : " حينئذ ابتُدئ أن يُدعى باسم الرب " [تك 4 : 26] وظل الحال على هذه الدعوة التى كانت دعوة إلى مكارم الأخلاق وعدم سفك الدماء ظلماً إلى زمان نوح - عليه السلام - ولم يكن من المطعومات شىء محرم فلما خرج نوح من السفينة أعطاه الله شريعة فيها أن كل الطعام حلال ، وأن يحب المرء لأخيه ما يحبه هو لنفسه ، وليس فيها شريعة تبين أن هذا حلال وهذا حرام. ففى الإصحاح التاسع من سفر التكوين : " كل دابة حية تكون لكم طعاماً. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع.. " وظلت شريعة نوح سائدة على العالم إلى أن جاء موسى - عليه السلام - وأعطاه الله التوراة *موعظة وتفصيلاً لكل شىء *وأمره أن يخصص سِبط لاوِى من بين الأسباط ليعرفها ويعرّفها للناس.
وهذا الذى ذكرته هو ما يقول به أهل الكتاب جميعاً ، ونص عليه أهل الكتاب فى كتبهم. وعنه فى القرآن الكريم : *كل الطعام كان حلاً لبنى إسرائيل * *1* وهو حلال من أيام نوح - عليه السلام - وعلى ذلك نسأل المؤلف هذا السؤال وهو أن الناس من آدم أبى البشر إلى موسى الكليم كانت رسلهم من بنى إسرائيل أم من غير بنى إسرائيل ؟ إن قلت إن رسلهم كانت من بنى إسرائيل يكذبك الواقع والكتب التى تقدسها ، وإن قلت كانت من غير بنى إسرائيل فلماذا وجهت السؤال إلى المسلمين ؟
أما من موسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإن علماء بنى إسرائيل من اللاويين والهارونيين كانوا يبلغون التوراة لليهود وللأمم ، وإذا انطلق واحد منهم إلى الأمم ؛ فإنه يكون رسولاً إلى الأمم. ليس على الحقيقة ، وإنما على المجاز بمعنى أنه رسول رسول الله موسى - عليه السلام - وظلوا على هذا الحال إلى زمان سبى بابل سنة 586 ق.م فإنهم وهم فى بابل حرفوا التوراة ، وقصروا شريعة موسى على اليهود من دون الناس ، وابتعدوا عن دعوة الأمم ، وتعصبوا لجنسهم وتآمروا على الأمم *ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل * *2*.
ومن قبل سبى بابل كان علماؤهم يدعون العرب إلى الله على وفق شريعة موسى. فيكون العالم الداعى رسولاً مجازاً. وهكذا فى سائر بلاد العالم. أما من بعد السبى وتخلى العلماء عن الدعوة فإن كل أمة سارت على ما عندها من العلم. وقد وبخهم المسيح عيسى - عليه السلام - على إهمالهم فى دعوة الأمم بقوله : " لكن ويل لكم أيها الكتبة والفَرِّيسِيُّون المراءون ؛ لأنكم تُغلقون ملكوت السماوات قدام الناس ؛ فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون " [ متى 23 : 13].
ثم حث أتباعه بالانطلاق إلى بلاد اليهود أولاً بأمرين هما أن يعملوا بالتوراة ، وأن يستعدوا لتركها إذا ما ظهر محمد رسول الله الذى يبشر به. وإذا فرغوا من دعوة اليهود فى بلادهم ينطلقون إلى الأمم ، وسماهم رسلاً مجازاً. فقال : " إلى طريق أمم لا تمضوا ، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا ، بل اذهبوا بالحرىّ إلى حُراف بيت إسرائيل الضالة. وفيما أنتم ذاهبون ، اكْرِزوا قائلين : " إنه قد اقترب ملكوت السموات " [متى 10 : 5]. وملكوت السماوات هى مجئ محمد صلى الله عليه وسلم بعد مملكة الروم كما أنبأ النبى دانيال فى الإصحاح السابع من سفره. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* آل عمران : 93.
*2* آل عمران : 75.
وهذا كذِبٌ على اللّهِ - عز وجل - ، واتِّهامٌ له بالظلم.
فإِذا كانَ كلامُه صحيحاً فماذا يقولُ في الأُممِ الذينَ عاشوا وماتوا قبلَ وُجودِ بني إِسرائيلَ في التاريخ ؟
هل بَعَثَ اللّهُ لهم نبيّاً إِسرائيليّاً قبلَ أَنْ يَخلقَ اللّهُ بني إِسرائيلَ ؟
هل بَعَثَ اللّهُ لقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ والبابليّين والكنعانيّين والمصريّين أَنبياءَ من بني إِسرائيل ؟
وهؤلاءِ الأَقوامُ كانوا قبلَ بني إِسرائيل ؟
أَمْ أَنَّ اللّهَ لم يَبعثْ لهم رسولاً قط ؟
وبعدما خَلَقَ اللّهُ بني إِسرائيل هَلْ بَعَثَ اللّهُ أَنبياءَ إِسرائيليّين للأَقْوامِ الآخَرين ، كالفرسِ والرومِ واليونانِ والهنودِ والصينيين والأَفارقةِ والأَمريكيّينَ والأَوربيّين والأُستراليِّين ؟.
إِنَّ ما قالَه الفادي المفترِي من قَصرِ النبوةِ والرسالةِ على الإِسرائيليّين كذبٌ وافتراء ، ويَتعارَضُ مع حقائقِ التاريخ.
ولقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اللّهَ بَعَثَ في كلُّ أُمةٍ رسولاً.
قال تعالى : *وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا*.
وصَرَّحَ بأَنَّ الرسولَ كان من نفسِ الأُمَّة ، ويتكلمُ بلسانِ أَفْرادِها.
قال تعالى : *وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ*.
وصَرَّحَ بأَنَّ اللّهَ لا يُعذِّبُ الناسَ إِلّا بعدَ أَنْ يَبعثَ لهم الرسول ، فإِنْ كَفروا به وكَذَّبوه استحقّوا العذاب.
قال تعالى : *وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.
وبذلكَ أَقامَ اللّهُ الحُجَّةَ على الكافرين ، ولم يَبْقَ لهم حُجَّةٌ على اللّه ، قال تعالى : *رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ*.
وزَعْمُ قصر النبوةِ على بني إِسرائيلَ تكذيبٌ صريحٌ لهذه الآياتِ وأَمثالِها ، وتناقُضٌ مع حقائقِ التاريخِ وقواعدِ الدين.
صحيحٌ أَنَّ معظمَ الأَنبياءِ والرسُلِ المذكورين في القرآنِ الكريمِ بُعِثوا إِلى اليهودِ ، لكنَّ النبوةَ ليستْ محصورةً فيهم.
ولا معنى لكلامِ الفادي : " فإِذا صَدَقَتْ أَقوالُ القرآنِ فكيفَ لم يُخرجْ للأُممِ في إفريقية وأَوروبة وأَمريكة وأُسترالية وآسية أَنبياءَ منهم وإِليهم ؟! ".
والمفتري في كلامِه يُكَذِّبُ القرآن ، ويُشَكِّكُ في صدقِ أَخْبارِه ، وذلك في جملة : " فإِذا صَدَقَتْ أَقوالُ القرآن "..
ومنَ البَدَهِى عند كلِّ مسلمٍ ومنصفٍ أَنَّ أَقوالَ القرآنِ صادقة ، لا شكَّ ولا خَطَأَ فيها ، فما قالَه اللّهُ في القرآنِ فهو الصدقُ والحقُّ والصواب.
وقد ذَكَرَ القرآنُ أَسماءَ خمسةٍ وعشرينَ نبيّاً ورسولاً ، وليست النبوةُ والرسالةُ محصورةً فيهم ، أَيْ أَنَّ اللّهَ لم يذكُرْ كُلَّ الأَنبياءِ في القرآن ، وإِنما ذَكَرَ أَشْهَرَهم فقط ، والأَنبياءُ يُعَدّونَ بالآلاف ، لم يُخْبِرْنا اللّهُ إِلّا بأَسماءِ خمسةٍ وعشرينَ منهم.
كثيرٌ من الأَنبياءِ لم يُخبرْنا اللّهُ عنهم ، فلم نَعرفْ أَسماءَهم.
قال تعالى : *وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ*.
وقال تعالى : *وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ*.
ومعنى هذا أَنَّ اللّهَ بَعَتَ أَنبياءَ لكلِّ الأَقوامِ السابقين الذين كانوا يَعِيشونَ في آسية وإفريقية وأَمريكة وأَوروبة وأُسترالية وغيرها ، لكنه لم يُخْبِرْنا بأَسماءِ هؤلاءِ الأَنبياء ، وعدمُ معرفتِنا بأَسمائِهم لا يَنفي كونَهم أَنبياء.
ومن مزايا الأَنبياءِ والرسلِ السابقين أَنَّ كُلَّ نبيٍّ كانَ يُبْعَثُ إِلى قومِه خاصة ، وكلُّ أَنبياءِ بني إِسرائيل كانوا يُرْسَلونَ إِلى بني إِسرائيلَ خاصة ، ولم يُبْعَثوا إِلى غيرِهم.
قال تعالى : *وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ*.
وآخِرُ أَنبياءِ بني إِسرائيل هو عيسى - عليه السلام - ، فقد بَعَثَهُ اللّهُ رسولاً إِليهم خاصة ، ولم يكنْ رَسولاً للنّاسِ كافَّة.
قال تعالى : *وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ*.
موسى - صلى الله عليه وسلم - يقولُ لبني إِسرائيل : *أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ*..
وعيسى - صلى الله عليه وسلم - يقولُ لبني إِسرائيل : *يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ*.
فكلُّ واحدٍ منهما رسالتُه خاصَةٌ بهم.
وتحوَّلَت " النصرانيةُ " إِلى رسالةٍ عالميةٍ بعدَ رفْع عيسى - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا خلاف طبيعتِها التي جاءَ بها عيسى - صلى الله عليه وسلم - إِلى بني إِسرائَيل.
ويَختمُ الفادي المفترِي كلامَه بنفْيِ نبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك في قوله : " فلو كانَتْ لهذه الأُمم أَنبياءُ منها وإِليها ، لجازَ أَنْ يكونَ للعرب رسولٌ منهم ".
ومعنى كلامِه هنا أَنَّ اللّهَ لم يَبعثْ للعربِ رسولاً منهم ، لأَنًّ كُلَّ الأَنبياءِ في العالَمِ كانوا من بني إِسرائيلَ حسب ادِّعائِه!!.
وقد امْتَنَّ اللّهُ على العَرَبِ بأَنْ بَعَثَ منهم محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسولاً ، وذلك في آياتٍ عديدة ، منها قولُه تعالى : *هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ *2*.
ورغْمَ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - من العربِ إِلَّا أَنَّ رسالتَه ليستْ للعربِ فقط ، وإِنما هو رسولٌ للعالَمين.
وقد قَرَّرَتْ هذه الحقيقةَ آياتٌ عديدة " منها قولُه تعالى :
*وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *107*.
ومنها قولُه تعالى : *وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *28*.

هل أشرك آدم وحواء بالله ؟
نَسَبَ الفادي للقرآنِ قولَه بأَنَّ آدمَ وحواءَ أَشركا باللّه ، وزَعَمَ أَنَّ هذا وَرَدَ
في قولِه تعالى :
*هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ *189* فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ *190*.
تتحدَّثُ الآيتانِ عن رجلٍ عاشر امرأَتَه ، ولما حملَتْ وأَثقلَتْ وأَوشكَتْ على الوضع ، توجَّهَتْ هي وزوجُها إلى اللّهِ بالدّعاء ، وتَعَهَّدا بأَنَّه إِنْ آتاهما وَلَداً صالحاً سَيَكونان من الشاكرين ، فلما آتاهُما وَلَداً صالحاً جَعَلا للّه شرَكاء.
وَزَعَمَ الفادي أَنَّ هذَيْن الزوجَيْن هما آدمُ وحَوّاء ، ونَسَبَ هذا القولَ للمسلمين.
قال : " قالَ مُفَسِّرو المسلمين : لما هبطَ آدمُ وحَوّاءُ إِلى الأَرض ، أُلقيت الشهوةُ في نفسِ آدم ، فأَصابَ حَوّاء ، فحملَتْ من ساعتِها..
فلما ثَقُلَ الحملُ وكَبُرَ الوَلَدُ أَتاها إِبليسُ..
قال البيضاوي : أَتاها إِبليسُ في صورةِ رَجُل ، فقالَ لها : ما الذي في بطنك ؟
قالَتْ : ما أدري..
قال : إِنّي أَخافُ أَنْ يَكونَ بهيمةً أَو كَلْباً أو خنْزيراً!..
قالَتْ : إِنّي أخافُ بعضَ ذلك..
قال : وما يُدريكِ من أَينَ يَخرج ، أَمِنْ دُبُرِكِ ، أَمْ مِن فَمِك ، أَو يشقُّ بطْنك فيقتلك ؟ ...
فخافَتْ حَوّاء ذلك ، وذكرَتْه لآدم ، فلم يَزالا في غمٍّ..
ثم عادَ إِليها إِبليسُ ، فقالَ لها : إِنّي من اللّه بمنزلة ، فإِنْ دعوتُ اللّهَ أَنْ يجعلَه خَلْقاً سَوِيّاً مَثْلَك ، ويُسَهِّلَ عليكِ خروجَه ، تُسَمّيه عبدَ الحارث ...
وكان اسْمُ إِبليسَ في الملائكة " حارث " ...
فذكَرَتْ حَوّاءُ ذلك لآدم..
فعاوَدَها إبليس..
فلم يَزَلْ بهما حتى غَرَّهُما..
فلما وَلَدَتْ وَلَداً سَمّياهُ عبدَ الحارث..
وقال البيضاوي : في قوله : *جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا* أَيْ : جَعَلا أَولادَهما شُركاءَ في ما آتى أَولادَهما ، فَسَمّوه عبد العزى وعبدَ مناف..
" وقالَ في قوله : *فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ* : يَعني : الأَصنام ...
ويُعلقُ الفادي على الكلامِ السابقِ بقوله : " فمن أَيْنَ جاءَتْ هذه القصةُ الغريبة ؟
وأَينَ العُزّى ومَنافُ وآلِهَةُ العربِ من آدمَ في الجنة ؟
حتى تكونَ أَصنامُ
العربِ آلهةً لآدَمَ يُسَمّي أولادَه بأَسمائِها ؟ ".
لم يكن الفادي أَميناً في النقلِ عن البيضاوي ، فقد زَعَمَ أَنه أَخَذَ الخرافةَ السابقةَ من تفسيرِ البيضاوي ، مع أَنه زاد على البيضاوي ما لم يَقُلْه ، وحَذَفَ منه كَلاماً مهمّاً ...
والذي ذَكَرَهُ البيضاوي في تفسيره هو : "{ هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } هو آدم. { وَجَعَلَ مِنْهَا } من جسدها من ضلع من أضلاعها ، أو من جنسها كقوله : { جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } { زَوْجَهَا } حواء. { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ليستأنس بها ويطمئن إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه ، وإنما ذكر الضمير ذهاباً إلى المعنى ليناسب. { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي جامعها. { حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } خف عليها ولم تلق منه ما تلقى منه الحوامل غالباً من الأذى ، أو محمولاً خفيفاً وهو النطفة. { فَمَرَّتْ بِهِ } فاستمرت به أي قامت وقعدت ، وقرىء { فَمَرَّتْ } بالتخفيف وفاستمرت به وفمارت من المور وهو المجيء والذهاب ، أو من المرية أي فظنت الحمل وارتابت منه. { فَلَمَّا أَثْقَلَت } صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها. وقرىء على البناء للمفعول أي أثقلها حملها. { دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ ءاتَيْنَا صالحا } ولداً سوياً قد صلح بدنه. { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } لك على هذه النعمة المجددة.
{ فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما } أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، ويدل عليه قوله : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ }.
{ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } يعني الأصنام. وقيل : لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها : ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج ، فخافت من ذلك وذكرته لآدم فهما منه ثم عاد إليها وقال : إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن يجعله خلقاً مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحرث ، وكان اسمه حارثاً بين الملائكة فتقبلت ، فلما ولدت سمياه عبد الحرث. وأمثال ذلك لا يليق بالأنبياء !!.
ويُحتملُ أَنْ يكونَ الخطابُ في *خَلَقَكُم* لآلِ قُصَيٍّ من قُريش ، فإِنهم خُلِقوا من نَفْسِ قُصَيّ ، وكانَ له زوجٌ من جِنْسِه ، عربية قُرَشية ، وطَلَبا من اللّهِ الوَلَدَ ، فأَعْطَاهُما أَربعةَ بنين ، فسَماهُم : عبدَ مناف ، وعبد شمس ، وعبد قصي ، وعبد الدار..
ويكونُ الضميرُ في *يشركُون* لهما ولأَعْقابِهما المقْتَدينَ بهما.. ".
وأَدْعو إِلى المقارنةِ بين كَلامِ البَيضاويِّ في تفسيرِه ، والكلامِ الذي زَعَمَ
الفادي أَنه للبيضاويِّ في تفسيرِه ، لمعرفةِ الفرقِ بينهما ، والوقوفِ على تَلاعُبِ الفادي وعَدَمِ أَمانتِه!.
يقولُ البيضاويُّ في معنى قوله تعالى : *فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما* أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، ويدل عليه قوله : *فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ*..
ومعنى كلامِ البيضاويِّ أَنه إِذا كان ضَميرُ المثَنّى يَعودُ على آدمَ وحَوّاءَ في قولِه : *دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ *189* فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا* فإِنَّ فاعلَ " جَعَلا " في الحقيقةِ لا يَعودُ على آدَمَ وحَوّاء ، وإنما يعودُ على أَولادِهما المشركين ، والسياقُ من بابِ حَذْفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إِليه مَقَامَه ، والتقدير : جَعَلَ أَولادُهما للّه شركاء..
والدليلُ على هذا عند البيضاوي.
إِسنادُ فعْلِ *يشركُون* بعدَ ذلك إِلى الجمعِ وليسَ إِلى المثَنّى ، فقالَ : *فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ*.
ولو كان المشركان هما آدمَ وحَوّاءَ لكانَ الفاعلُ مثنى ، ولقال : فتعالى اللّهُ عما يشركان!!.
وقد حَرَّفَ الفادي المفترِي كَلامَ البيضاوي ، ليجعَلَه دَليلاً له على تخطئةِ القرآن ...
عبارةُ البيضاوي : " جعلَ أَولادُهما له شركاءَ فيما آتى أَولادَهما ، فسمّوهُ عبدَ العُزّى وعبدَ مناف " صارتْ عند المفترِي ؟" وقال البيضاوي : أَي : جَعَلا أَولادَهما ، شركاءَ فيما آتى أَولادَهما..
وفرقٌ بَعيدٌ بين الجملتَيْن.
فالبيضاويُّ يُصرحُ بأَنَّ الذينَ جعلوا للّهِ شركاءَ هم أَولادُ آدم وحواء ، واتهمَ المفترِي البيضاويَّ بأنه يرى أَن آدَمَ وحَواءَ هما اللَّذان جَعلا للّهِ شركاء!!.
ومن افتراءِ المفترِي الفادي افتراؤُه على البيضاويِّ بأَنه يعتقدُ صحةَ قصةِ إِبليس مع حواءَ وعبد الحارث ، مع أَنَّ البيضاويَّ لا يرى صحةَ القصةِ الموضوعة التي ذَكَرَها.
بدليلِ أَنه بدأَ القصةَ بالفعلِ الماضي : " قيل ".
وهذه صيغةُ تَضعيف ، كما قَرَّرَ العلماء.
وقد حَذَفَ المفترِي هذا الفعلَ " قيل " فيما زَعَمَ نَقْلَه عن البيضاويّ لحاجةٍ في نفسه ...
ومن باب الإمعانِ في الكذبِ والافتراء لم يذكُرْ تعقيبَ البيضاويِّ على القصة ، وهو تعقيبٌ مهمٌ ، لأَنه يُبَيِّنُ رفْضَ البيضاويِّ للقصة ، لمعارضتِها لعصمةِ الأَنبياء ؟
وهو قوله : " وأَمثالُ ذلك لا يليقُ بالأَنبياء ... " !.
كما أَنَّ الفادي المفترِي لم يَذكر الاحتمالَ الثاني الذي أَوردَه البيضاويّ في تحديدِ الشخصَيْنِ المشركَيْن ، لأَنه يَنقضُ ويَرُدُّ اتهامَه لآدمَ وحَوَّاء بَالشّرْك ، والاحتمالُ الذي أَوردَه البيضاويُّ أَنَّ الخطابَ يُمكنُ أَنْ يكونَ لآلِ قُصَيّ :
*هُوَ اَلَّذِى خلقَكُم* ، وعليه يكونُ المرادُ بالزوج وزوجه قُصيٌّ وامرأَتُه ، اللَّذان سَميا أَولادَهما بعبدِ شَمْسٍ وعبدِ مَناف ...
إِنَّ هذا التصرفَ الشائِنَ والتلاعُبَ المرذولَ من الفادي المفترِي يدلُّ على فقدانِه الأَمانةَ العلمية فيما ينقلُه من كلام ، يَنسبُه للعلماء والمسلمين ليوافِقَ هواه ، ويُحَرِّفَهُ عن معناه !! وأَدعو إِلى الشَّكِّ في كلِّ ما يَنقلُهُ الفادي وأَهْلُ ملَتِه من أَقوالٍ ينسبونَها للمسلمين ، وإذا أحالوا على كتابٍ لعالِمٍ مسلم ، وزَعموا وُجودَ الكلامِ فيه ، فأَدْعو إِلى العودةِ المباشرةِ إِلى الكتابِ الإِسلامي ، وسوفَ نَجِدُ فَرْقاً بَعيداً بين الكلامِ في الكتابِ الإِسلاميِّ وبين الكلامِ المنقول منه!!
وبهذا نَعرفُ تَخَلي اليهودِ والنصارى والمستشرقين عن الأمانةِ العلمية في بحوثهم العلمية!!.
وخلاصَةُ هذه المسألة : ما ذَكَرَهُ بعضُ المفَسّرين المسلمين والإخباريين المؤرخين من حوارٍ بين حَوّاءَ وإِبليسَ انتهى بها إِلى أَنْ أَشركَتْ هي وآدمُ باللّه ، عندما سَمَّيا مولودَهما الأَولَ عبدَ الحارث - أَيّ : عبدَ إبليس - هذا كلام مخُتَلَق مكذوب موضوع ، لم يصحّ ولم يثبتْ.
فآدمُ وحَوّاءُ لم يُشْرِكا باللّه ، ولم يُسَمِّيا ابنَهما عبدَ الحارث.
وتتحدثُ الآياتُ عن زوجَيْنِ متأخِّرَيْن من أَبناءِ آدم ، قد يكونانِ من العرب أَو من العجم أَو من غيرِهم ، عاهَدا اللّهَ أَنْ يُؤْمِنا به ويَشْكُراه ، إِنْ آتاهما وَلَداً صالحاً ، فلما آتاهما صالحاً نَقَضا العهد ، وأَشْرَكا باللّه.
وأَبْقَت الآياتُ قصةَ الزوجَيْنِ مبهمة ، لم تُبَيِّنْ من تَفاصيلِها شيئاً ، أَبهمتْ اسْمَي الزوجَيْن وزَمانَهما ومَكانَهما ، وتفاصيل حملِ المرأةِ وولادتِها ، وتفاصيلَ الشركِ باللّه! وهذا كلُّه لا نَخوضُ فيه ، لأَنه لا دليلَ عليه.
المهمُّ أَنُّ آدمَ وَحَوَّاءَ لم يُشركا باللّه ، والبيضاويُّ لم يَنْسبْ ذلك لهما ، وكان الفادي مفترياً كاذباً في زَعمِه ونقْلِهِ عن البيضاوي..
ولم يُخطئ القرآنُ في حديثِه عن زَوْجَيْنِ مشركَيْنِ باللّه ، لأَنَّ هذه الآياتِ تنطبقُ على كلِّ زوجَيْنِ مشركَيْنِ ، مهما كان زَمانُهما ومَكانُهما!.

هل غرق ابن نوح - عليه السلام ؟
أَخبرَ القرآنُ أَنَّ أَحَدَ أَبناءِ نوحٍ كان كافراً ، وأَنه غَرِقَ في الطوفان.
قال تعالى : *وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ *42* قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ *43*.
نَقَلَ الفادي عن البيضاويِّ أَنّ ابنَ نوحٍ الكافرَ الذي رفضَ أَنْ يركبَ مع نوحٍ هو كنعان ، وأَنه غَرِقَ مع الكافرين!!
وَرَدَّ الفادي كلامَ البيضاويّ وكلامَ القرآن ، وحاكَمَ القرآنَ إلى العهد القديم الذي يعتقدُ الفادي أنه التوراةُ كلامُ اللّهِ.
قال : " ومعلومٌ أَنَّ نوحاً لم يكنْ له إِلا ثلاثةُ أَولاد : سام وحام ويافث ، ولهم ثلاثُ زوجات..
فكان الذينَ خَلَصوا في الفُلْكِ ثمانية : نوحٌ ، وزوجَتُه ، وأَولادُه الثلاثة ، ونساءُ أَولادِه الثلاث..
فأينَ قصةُ غَرَق كنعان ؟
ومعلومٌ أَنَّ كنعانَ لم يكن قد وُلِدَ ، ولم يكن ابْناً لنوح ، بل وَلَدَهُ حامُ بنُ نوح ، وذلك بعدَ الطوفان ".
لقد أَخبرَ القرآنُ عن غَرَق أَحَدِ أَبناءِ نوحٍ - صلى الله عليه وسلم -.
فلما ، كان نوح مع المؤمنين في السفينة ، وهي تَجري بهم في موجٍ كالجبال ، رأى أَحَدَ أبنائِه واقِفاً في معزلٍ عن الطوفان ، فَدَعاهُ إِلى أَنْ يركبَ معهم في السفينة ، ولكنَّ الابنَ رفضَ الدعوة ، وحالَ الموجُ بينَ الابنِ وأَبيه ، وطواهُ في طَيّاتِه ، فكانَ من المغرقين! وحزنَ نوحٌ على ما أصابَ ابْنَه وسأَلَ ربَّه مستوضحاً ، فأَخبره اللّهُ أَنه ليس من أَهْلِه المؤمنين ، لأَنه كان كافراً ، وكُفْرُهُ قطعَ الصلةَ بينَه وبينَ أَبيه النبي ؟
قال تعالى : *وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ *42* قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ *43* وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *44* وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *45* قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *46* قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ *47*.
ولقد أَبهمَ القرآنُ اسْمَ وَلَد نوحٍ الكافر الذي غَرِق مع الكافرين ، كما أبهمه رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ولا سبيلَ لنا لمعرفةِ اسْمِه لسكوتِ القرآنِ والحديثِ الصحيحِ عنه ، والواجبُ علينا أَنْ نُبْقيَه على إِبهامِه.
ولا نوافقُ البيضاويَّ وغيرَه من المفَسرين الذين حَدَّدوا اسْمَه بأَنَّه " كنعان " ، لأَنهم لا يَمْلكونَ دَليلاً على ذلك إ!.
ومحاكمةُ القرآنِ للعهدِ القَديم خطأٌ منهجيّ وَقَعَ به الفادي ، وإِذا كانَ أَساسُ مَنهجه خطأً ، كانت الأَفكارُ والنتائجُ المترتبةُ عليه خاطئة.
وكيفَ نُحاكم كَلامَ اللّهِ الثابتَ المحفوظَ إلى كلامٍ مشكوكٍ فيه ، اختلطَ فيه كلامُ اللّهِ بكلامِ الأَحبار ؟ !.
ونتوقفُ فيما زَعَمَه الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين من أَنه كانَ لنوحٍ ثلاثةُ أَبناء ، ونتوقفُ في أَسمائِهمِ التي أَطْلقوها عليهم ، فلا نَنْفيها ولا نُثْبِتُها ، ونقول : اللّهُ تعالى أَعلمُ بأَعدادِهم وأَسمائِهم وتفاصيلِ حياتِهم!.
أَمّا زعْمُ الفادي أَنَّ الذين رَكبوا في الفلكِ كانوا ثمانيةَ أَشخاصٍ فقط فهذا خطأ ؟
وقد أَخْبَرَنا اللّهُ أَنَّ الذينَ رَكبوا في السفينةِ كُلُّ مَنْ آمَنوا بنوحِ - صلى الله عليه وسلم - ، مع أَنهم كانوا قلائل ، إِلَّا أَنهم كانوا أَكْثَرَ من ثمانيةٍ قَطْعاً.
قال تعالىَ : *قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ *40*.
وأَخطأَ الأَحبارُ مُؤَلِّفو سِفْر التكوين والقِسّيسُ الفادي الذي تابَعهم عندما صنَّفوا رُكابَ السفينةِ تصنيفاً أُسَرِيّاً نَسَبِيّاً ، وليس تصنيفاً إِيمانيّاً..
فالركابُ الثمانيةُ في السفينةِ هم عائلةُ نوحٍ - صلى الله عليه وسلم - في تصنيفهم.
نوحٌ وزوجَتُه ، وأَولادُه الثلاثة وزوجاتُهم الثلاث!!.
والصحيحُ هو ما ذَكَرَه القرآن ، من أَنَّ الذينَ رَكبِوا معه من أَهْلِه هم المؤمنون فقط ، أَمّا الكافرونَ منهم فقد هَلَكوا مع الهالِكين ، ولذلك قالَ اللّهُ عن حَمْلِ أَهْلِه معه : *وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ*.
والذي سبق عليه القولُ هو الكافِرُ مِنْ أَهْلِه ، واللّهُ حَكَمَ أَنْ يُهلكَه.
وقد نَصَّ القرآنُ على أَنَّ اثْنَيْنِ من أَهْلِ وأُسْرَةِ نوحٍ كانا كافرَيْن ، ولم يركَبا معه السفينة : امرأَتُه ، وابْنُه.
قالَ اللّهُ عن امرأتِه قارناً لها مع امرأةِ لوط الكافرة : *ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ *10*.
ولما أَغْرَقَ اللّهُ ابْنَ نوحٍ الكافرَ ، وسأَلَ نوحٌ عنه لامَه اللّهُ على ذلك ، وأَخبره أَنه ليسَ من أَهْلِه لكُفْرِه ، مع أَنه ابْنُه..
قال تعالى : *وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *45* قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ*.
وبهذا نعرفُ جَهْلَ وغَباءَ الفادي المفترِي ، حَيْثُ خَطَّأَ القرآنَ ، في الخبر الصادقِ الذي أَوردَه عن غرقِ ابنِ نوحٍ ، واعتمدَ على كتابِ من صنعٍ بشر ، أَلَّفَه الأُحبار ، ووَقعوا في أَخطاءٍ كثيرة فيه ، يمكنُ الوقوفَُ عليها عند مقارنتِها بالقرآن!!.

هل أيوب حفيد إسحاق ؟ *1*
أَخبرَ اللّهُ أَنَّ أَيوبَ من ذريةِ إِبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم -.
قال تعالى عن إبراهيم - عليه السلام - :
*وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *84*.
الضميرُ في " له " يَعودُ على إِبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنَّ الآياتِ السابقة كانَتْ تتحدَّثُ عنه ، وإِسحاقُ ابْنُه ، ويَعقُوبُ حَفيدُه ، عليهم الصلاة والسلام.
والراجحُ أَنَّ الهاءَ في *ذُرِّيَّتِهِ* تعودُ على إِبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - ، فالأَنبياءُ الستةُ المذكورونَ في الآيةِ من ذريتِه ، وهم : داودُ وسليمانُ وأَيوبُ ويوسفُ وموسى وهارونُ.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
86- خَلْط الأسماء
ذكروا آيتين من سورة الأنعام ، وأوردوا الشبهة على نص الآيتين حيث قالوا :
جاء فى سورة الأنعام *ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاًّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاًّ فضلنا على العالمين * *1*.
والترتيب التاريخى هو :
أيوب - إبراهيم وابن أخته لوط وابناه إسماعيل وإسحاق وحفيده يعقوب وابن حفيده يوسف ومن بعده موسى - هارون - داود - سليمان - إلياس - اليسع - يونس - زكريا - يحيى - عيسى.

الرد على الشبهة :
1 - إن الضمير فى *ومن ذريته *يعود إلى نوح ، ولا يعود إلى إبراهيم وذلك لأن *لوطا *ليس من ذرية إبراهيم ، وإنما خرج معه مهاجراً إلى الله ، بعدما آمن له. وفى التوراة " ولوطاً ابن أخيه " [تك 12 : 5].
2 - إن الترتيب التاريخى غير حاصل لأسباب منها : أنه يريد بيان فضلهم وصلاحهم ؛ ليقتدى الناس بهم.
وفى التوراة أنبياء لا يعرفون تواريخهم ولا يعرفون نسبهم ، ومنهم " أيوب " فإن منهم من يقول إنه من العرب ومنهم من يقول إنه من الأدوميين ومنهم من يجعله اسماً فرضيًّا. بل إن الأنبياء أصحاب الأسفار كإشعياء وإرمياء وملاخى وحَبقّوق وميخا ؛ لا يعرفون هم أنفسهم السابق منهم عن اللاحق.
وقد جمعوا أسفارهم فى وقت واحد. ففى الكتاب المقدس الصادر عن دار الكتاب المقدس فى الشرق الأوسط سنة 1993م ما نصه : " كانت أول لائحة وضعت فى سبيل " قانونية " العهد القديم وأسفاره تضم أسفار الشريعة الخمسة فى أيام عِزْرا [نح 8 : 1] حوالى عام 400 ق.م ثم زاد المعلمون الأسفار النبوية من يشوع والقضاة حتى إشعياء وإرمياء وحوالى سنة90 ق.م التقى معلمو الشريعة اليهود من مختلف البلدان ، فى بلدة " يمنية " الواقعة فى " فلسطين " وثبتوا لائحة نهائية وكاملة للأسفار المقدسة.. إلخ *2*. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* الأنعام : 84-86.
*2* ص 3 الكتاب المقدس طبعة لبنان سنة 1993م.
وهذا نَص على أَنَّ أَيوبَ - عليه السلام - من ذريةِ إِبراهيمَ - عليه السلام -.
والذريةُ ليسوا الأَبناءَ والأَحفادَ فقط ، وإِنما هم الأَولادُ الذين يَنْتَسبون له ، ولو كان بينَهم وبينَه عدةُ قُرون.
وقد رَفَضَ الفادي اعتبارَ أَيوبَ من ذريةِ إِبراهيم ، واعتبرَ هذا من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية.
ونَقَلَ عن البيضاويِّ قولَه : " أَيوبُ بنُ أَموص ، من أَسباطِ عيص بنِ إِسحاق ".
وَرَفَضَ كلامَه قائلاً : " فأَيْنَ أَيوبُ الذي ظَهَرَ في بلادِ العَرَبِ من عصْرِ إِبراهيمَ وإِسحاقَ والدِ إسرائيل في أَرضِ فلسطين ؟
وأَينَ هو أَموصُ والدُ النبيّ أَشعياءَ من أَيوب ؟ ".
ذهبَ البيضاويُّ إِلى أَنَّ والدَ أَيوبَ هو أَموص ، وأَنَّه من نَسْلِ عيص ، وعيصُ هو حَفيدُ إِبراهيمَ وأَخو يعقوب.
واعترضَ الفادي على كلامِ البيضاوي ، وذَهَبَ إِلى أَنَّ أَيوبَ ظَهَرَ في بلادِ العَرَب ، وبينَه وبينَ إِبراهيمَ وإِسحاقَ فترةٌ زُمنيةٌ طويلة!.
ولَسْنا مع البيضاويِّ في ما قالَه عن أَيوبَ - عليه السلام - ، لأَنه ذَكَرَ أَسماءً ليس عليها دليلٌ معتمد ، فلم يَرِدْ في مصادِرِنا الإسلاميةِ اليقينيةِ ، أَنَّ اسْمَ والدِ أَيوبَ هو أموص ، وأَنَّ اسْمَ ابنِ إِسحاقَ هو عيص ، وأَنَّ أموصَ هو حفيدُ إِسحاق ، وأَنَّ أَيوبَ هو ابنُ حفيدِ إسحاق!.
وهذه الأَسماءُ التي أَخَذَها البيضاويُّ عن الإِسرائيلياتِ نتوقَّفُ فيها ، فلا نَنْفيها ولا نُثبتها ، ولا يتحملُ القرآنُ مسؤوليةَ ما ذَكَرَه البيضاوي..
وكلُّ ما نقولُه أَنّ أَيوبَ كان من نَسْلِ وذريةِ إِبراهيم - عليه السلام - ، مع وجودِ فترةٍ زمنيةٍ طويلةٍ بينهما!!.
الصلة بين موسى والخضر ومحمد - صلى الله عليهم وسلم -
أَخْبَرَنا اللّهُ في سورةِ الكهفِ عن أَحداثٍ مثيرةٍ وَقَعَتْ بينَ موسى والخضرِ - عليه السلام - في الآيات من *60* وحتى *82*..
وذَكَرَ رسول اللّهِ - عليه السلام - فيما رواهُ عنه البخاريّ ومسلمٌ وغيرُهما بعضَ تفصيلاتِ تلك الأَحداث.
وخُلاصةُ قصةِ موسى مع الخضرِ - عليهما السلام - كما ذُكِرَتْ في آياتِ القرآنِ وصحيحِ الأَحاديث : أَنَّ موسى - عليه السلام - وَقَفَ يوماً خَطيباً في بَني إِسرائيل فَقيلَ له : هل أَحَدٌ أَعْلَمُ منكَ ؟
فقال : لا!..
فعتب اللّهُ عليه لأَنه لم يُفَوِّضْ ذلك إِلى اللّهِ ، ولم يَقلْ : اللّهُ أَعلم! فقال اللّهُ له : بل هناك مَنْ هو أَعلمُ منك ؟
فقال موسى : مَنْ هو يا رَبِّ حتى أَتعلمَ منه ؟
قال : إِنه عَبْدُنا الصالحُ خَضر! قال : يا رَبِّ كيفَ السبيلُ إِليه ؟..
قال : خُذْ حوتاً مُمَلَّحاً في سلَّة ، فإِذا فَقَدْتَ الحوتَ وَجَدْتَه في ذلك المكان!!.
فطلبَ موسى - عليه السلام - مِن فَتاهُ يوشَعَ بن نون أَنْ يَسيرَ معه ، ووضعَ سَمكَةً مشويةً مملَّحَةً في سَلَّة ، لتكونَ غداءً لهما ، وتَوَجَّها إِلى الخضر..
وفي الطريقِ تَعِبا ، فَوَجدا صخرةً بجانبِ البَحر ، فجلَسا يَستريحانِ عنْدَها ، وَوَضَعَ يوشَعُ السلةَ التي فيها السمكةُ المشويةُ بجانبه ، وناما ...
وأَحْيَا اللّهُ السمكةَ المشويةَ بقدرتِه ، فَقَفَزَتْ من السَّلة ، وذهبتْ في البَحر..
وأَبقى اللّهُ مكانَ سيرِها على سطحِ الماءِ كما هو ، ليكونَ دَليلاً لموسى وفتاه.
ولما استَيْقَظا ، تابَعا سَيْرَهُما نحو الخضر ، وحَمَلَ يوشَعُ السَّلَّة ، ونَسي أَنْ يتفقدَ السمكة فيها..
وبَعْدَ قليلٍ أَحَسَّ موسى - صلى الله عليه وسلم - بالجوع ، فطلَبَ من يوشَعَ أَنْ يُجَهِّزَ السمكةَ المشويَّة للغَداء! فلما نَظَرَ في السَّلَةِ لم يَجِدْها! فأَخبرَ موسى أَنها خرجَتْ من السَّلَّةِ عند الصخرة ، فعادا إِليها ، لأَنَّ الخَضِرَ سيكونُ هناك!.
ولما وصلَ موسى الصخرةَ وَجَدَ الخضرَ نائماً على ظهرِهِ ، مغطّى بقطيفتِه..
فأَلقى عليه السلام ، ورَدَّ الخضرُ عليه السلام ، وقالَ له : أَنّى بأَرْضِك السَّلام ؟.
وعَرَضَ عليه موسى أَنْ يَسيرَ معه ليتعلَّمَ منه ، فقالَ له الخضر : إِنَّكَ لن تستطيعَ معيَ صَبْراً ، لأَنَّكَ سترى منّي أَشياءَ لا تَصبرُ عليها ، فلقد عَلَّمَنِي اللّهُ أَشياء ، لا علْمَ لك بها ، وأَنتَ عَلَّمكَ اللّهُ أَشياء ، لا علْمَ لي بها..
فاسْتَعَدَّ موسى أَنْ يَصبِرَ على كُلِّ ما يَرى ، واشترطَ عليه الخضرُ أَنْ لا يَعترضَ على كُلّ ما سيراه منه ، وأَنْ لا يسأَلَه ، وأَنْ ينتظرَ منه بيانَ وتوضيحَ ما يَراه ...
وسارَ موسى مع الخضر على شاطئ البَحْر ، ومَرَّتْ بهما سفينَة ، فعرفَ مالكوها الخضر ، فأَركبوهما بغيرِ أُجرةٍ إِكْراماً لهما..
ومَدَّ الخضرُ يَدَه فَقَلَعَ لَوْحاً من أَلواحِ السفينة ، فاعترضَ موسى - عليه السلام - وقال له : القومُ أَكْرمونا ، وأَركبونا في السفينة مَجّاناً ، فكيفَ تقابلُ إِكرامَهم بِخَرْق السفينةِ وإِفسادها ؟
وإِنَّك بذلك سَتُغْرِقُ أَهْلَها! وذَكَّرَه الخضرُ بالشرطِ الذي اتفقا عليه ، فاعتذرَ بأَنه تكلمَ ناسياً الشرط.
وسارا في الطريق ، وَوَجَدا غُلاماً صغيراً يَلعبُ مع الغلمان ، فأَقبلَ عليه الخضرُ وقَتَلَه! فاستغربَ موسى واعترضَ عليه ، إِذ كيفَ يقتلُ فتى صغيراً بغير ذنبٍ ارتكبه ؟! فذكَّرَه الخضرُ بالشرطِ بينهما ، وتَعَهَّدَ موسى بعدمِ الاعتراض ، فإِن اعترضَ عليه بعد ذلك فيمكنُه أَنْ لا يُصاحِبَه!.
ووَصَلا أَهلَ قريةٍ بُخَلاء ، فطَلَبَا منهم الطعام ، فأَبَوْا أَنْ يُضيِّفوهما!
وَوَجَدا فيها جداراً على وَشَكِ السقوط ، فقامَ الخضرُ بإِصْلاحِه وإِحكام بنائِه ، فاعترضَ عليه موسى بأَنه كان الأَولى أَنْ يأخذَ منهم الأَجرة ، لأَنهم لا يستحقون الإِكرام!.
وبهذا الاعتراضِ الثالثِ فَقَدَ موسى حَقَّه بمصاحبةِ الخضر ، وقبلَ أَنْ يُفارِقَه فَسَّرَ له الأَحداثَ الثلاثةَ المثيرة :
خَرَقَ السفينةَ لأَنه يُريدُ المحافظةَ عليها ، وإِبقاءَها في مُلْكِ أَصحابِها المساكين ، فأَمامَهم ملكٌ ظالم غاصب ، كُلَّما وَجَدَ سفينةً صالحةً صادَرَها ، وعندما يَرى سفينَتَهم مخروقةً سيتركُها لهم..
أَمّا الغُلامُ فقد علمَ اللّهُ أَنه عندما يكبرُ سيكونُ كافراً ، وبذلك سَيُرْهِقُ والِدَيْه المؤمِنَيْن ، ولذلك أَمَرَهُ اللّهُ بقَتْلِه ، وسيُؤْتي اللّهُ والدَيْه ابناً آخَرَ أَفضلَ وأَكرمَ وأَرحمَ منه..
وأَمّا الجدارُ الذي بَناهُ فقد كانَ لغلامَيْن صغيرَيْن يتيمَيْن ، وكانَ أَبوهما الصالحُ قد وَضَعَ لهما كَنْزاً تحتَه ، ولو سقط الجدارُ لنهبَ أَهْلُ المدينةِ الكنز ، لذلك قامَ الخضرُ بإِصلاحِ الجدار إِكراماً للغلامَيْن اليتيمَيْن وليس إِكْراماً للبخلاء!.
وقبلَ أَنْ يُفارقَ الخضرُ موسى أَخبره أَنَّهُ لم يفعلْ ذلك باجتهادِه ، لأَنَّه لا يَعلمُ الغيب ، وإِنما أَخبرَهُ اللّهُ بما سيكون ، وأَمَرَهُ بفعْلِه!.
هذه خلاصةُ قصةِ موسى مع الخضر - عليهما السلام - ، كما وَرَدَتْ في الآياتِ والأَحاديثِ الصحيحة ، وهذه القِصَّةُ الصحيحةُ لم تَلْفِتْ نَظَرَ القسيس الفادي ، وإِنما ذهبَ إِلى تفسيرِ البيضاوي ، وأخذ منه كلمتَيْن ، اعتَبَرَهما خطأً من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية.
قالَ البيضاوي عن الخضر : " الجمهورُ على أَنه الخضرُ - عليهما السلام - ، واسْمُه بليا بن ملكان.
وقيل : إِليسع.
وقيل : إِلياس ".
أَيْ : الخضرُ لَقَب لذلك النبيّ ، واسْمُه فيه خِلاف : بليا ، أَو إِلياس.
أَو : إِليسع..
ولما نَقَلَ الفادي المفترِي كلامَ البيضاويِّ لم يكنْ أَميناً في النقل ، وصارَتْ عبارة البيضاوي السابقة عنده : " فَوَجَدَ الخضِرَ ، وهو إِيليا النبي " !!.
وقالَ البيضاويُّ عن كَنْزِ الغلامَيْن اليتيمَيْن : " وكان تحتَه كَنْز لهما من ذهبٍ وفضة وقيل : من كتبِ العلم..
وقيل : كان لوحاً من ذهبٍ مكتوب فيه :
عجبْتُ لمن يؤمنُ بالقَدَرِ كيف يَحزن ؟
وعَجِبْتُ لمن يُؤْمِنُ بالرزقِ كيفَ يَتْعَب ؟
وعجبتُ لمن يؤمنُ بالحسابِ كيف يَغْفَل ؟
وعجبتُ لمنْ يؤمنُ بالموتِ كيفَ يَفْرَح ؟
وعجبتُ لمن يعرفُ الدنيا وتقلّبَها بأَهلها كيفَ يطمئنّ إِليها ؟!..
لا إِله إلاّ اللّه ، محمدٌ رسولُ اللّه ... ".
ويأْبى الفادي المفترِي إِلّا أَنْ يَتَلاعَبَ بالنَّصِّ الذي ينقُلُه عن البيضاوي ، لأَنه لا يمكنُ أَنْ يكونَ أَميناً في النقل! فعبارةُ البيضاويِّ السابقة صارَتْ عند المفتري هكذا : " والجدارُ لغلامَيْن يتيمَيْن ، بَناه حَتّى متى كَبُرا يَجِدان تحتَ الجدارِ كنزاً من الذهب ، مكتوب عليه بعضُ الحِكَم ، ومنها : لا إِلهَ إِلّا اللّه ، محمدٌ رسولُ اللّه! وكان ذلك في أَيامِ إِسكندر ذي القرنين! ".
فأَضافَ المفترِي على كلامِ البيضاويّ جملة : " وكان ذلكَ في أَيامِ إِسكندر ذي القرنين " وذلك بهدفِ تكذيبِ قصةِ الخضر مع موسى ، واعتبارِها من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية!.
ونحنُ لَسْنا مع ما نَقَلَه البيضاويُّ من خلافٍ في اسْمِ الخضر : بليا ، أَو إِليسع ، أَو إِلْياس! لأَنه لا داعيَ لذلك ؟
فالرسولُ - صلى الله عليه وسلم - سَمّاه الخضر ، ويَكفي ذلك ، وما ذَكَرَهُ البيضاويُّ من خلافٍ في اسْمِه منقولٌ عن الإِسرائيليات!.
وهذا مَعناهُ أَننا لا نوافقُ الفادي على أَنَّ الخضرَ هو النبيُّ إِيليا ، الذي كان في فِلسطينَ في القرن التاسع قبلَ الميلاد! ونَرى أَنه هو الخضر ، والراجحُ أَنه نَبي ، وتَفاصيلُ حياتهِ ونُبوتِه ودعوتِه من مبهماتِ القرآن ، التي ليس عندنا دليل على بيانِها!.
ولما تكلمَ البيضاويُّ عن كنزِ الغلامَيْن اليتيمَيْن كان رأْيُه أَنه كنزٌ حقيقيّ من ذهبٍ وفضةٍ.
ولما ذَكَرَ أَقوالاً أخرى في الكنزِ ذَكَرَها بالصيغةِ التمريضيةِ التضعيفيةِ :
" قيل " فقال : " وقيلَ : مِن كتب العلم.
وقيل : كان لوحاً من ذهبٍ مكتوب فيه بعض الحِكَم ...
" وذَكَرَ خمساً من الحكم ، وخَتَمَها بالشهادتَيْن : لا إِلهَ إِلّا اللّه ، محمدٌ رسولُ اللّه.
وهذه الصيغةُ التمريضيةُ تدلُّ على أَنَّ البيضاويَّ لا يَعتمدُ ما بَعْدَها ، وإنما يَكتفي بإِيرادِها من بابِ الذِّكْرِ فقط.
وكنَّا نتمنى على البيضاوي لو لم يورِدْ ذلك ، حتى لا يَأتِيَ رجلٌ مغرضٌ مثلُ الفادي المفترِي ، ويجعله حُجَّةً على البيضاويِّ وعلى القرآن!.
والراجحُ أَنَّ كنْزَ الغلامَيْن اليتيمَيْن كان كَنْزاً حقيقيّاً ماليّاً ، ولم يكنْ كَنْزاً من كتب العلم ، ولا من دُرَرِ الحِكَم ، مكتوبةٍ بلغةٍ عربيةٍ سليمة ، ومبادئَ إِسلامية لم تُعْرَفْ إِلّا بَعْدَ الإِسلام ، مختومةٍ بالشهادتين!.
إِنَّ هذه مزاعمُ نَرُدّها ، وأقوالٌ نرفُضُها ، ولا تُلْزِمُنا حتى لو كانَتْ عند تفسيرِ البيضاوي ، ولا يَجوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَجعلَها حُجَّةً على القرآن ، لأنها لم تَثْبُتْ بحديثٍ صحيحٍ مرفوع!.
والزعْمُ بأَنّ بناءَ الخضرِ للجدارِ كان في زمنِ الإِسكندرِ المقدوني من مزاعمِ الفادي وافتراءاتِه وأَكاذيبه ، ليتوَصَّل بها إِلى تكذيبِ القرآنِ وتخطئته.
وبهذا نعرفُ بطلانَ الأَسئلةِ والاعتراضاتِ التي أَثارَها المفترِي على القرآن في حديثه عن قصة الخضر : " ونَحنُ نَسْأَلُ : أَيْنَ موسى الذي عاشَ في مصر سنة [1500 ق. م] ، من إِيليا الذي عاشَ في فلسطين سنة 900 ق.
م ، ، من إسكندرَ الأَكبر الذي عاش في اليونانِ سنة 332 ق. م ، ! أَيْنَ هؤلاء من الشَهادَةِ لمحمدٍ الذي ظهرَ - في بلادِ العربِ في القرنِ السابع بعد الميلاد ؟ ! فبينَ موسى وإِيليا 600 سنة ، ! وبينَ إِسكندر وموسى 1200 سنة ، ! وبين موسى وظهورِ محمدٍ 2200 سنة ، ! فكيف يتسنّى لهؤلاءِ الذين نشؤوا في ممالك مختلفة ، وفي قرونٍ متباعدة ، أَنْ يَجْتَمِعوا في زمنٍ واحدٍ وفي صعيدٍ واحد ؟!".
لقد بَنى المفترِي الفادي كُلَّ أَسئلِته على أُكذوبة ، ادَّعَتْ أَنَّ شهادةَ أَنْ لا إِله إِلّا اللّه وأَنَّ محمداً رسول اللّه هي الكنزُ الذي بَنى الخضرُ الجدارَ عليه ، وخَطَّأ القُرآنَ بسببِها! فإِذا كانت هذه الأَكذوبةُ مردودةً ، فإِنَّ القرآنَ لا يتحملُها.
الخضرُ كان مع موسى - عليهما السلام - ، وهو ليس النبيَّ إِيليا الذي عاشَ بعد موسى بتسعةِ قرون ، ولا صلة بين الخضر وبين الإسكندرِ المقدوني ، الذي جاءَ بعده باثْنَي عَشَرَ قرناً! ولم تُكتب الشهادتانِ على كَنْزِ الغلامَيْنِ اليتيمَيْن حتى يَصحَّ ما أَثارَه المفترِي على القرآنِ من اعتراض!!.

حول ترتيب أسماء الأنبياء
في سورةِ الأَنعامِ ثلاثُ آياتٍ ذَكَرَتْ ثمانيةَ عَشَرَ نبياً.
وهي قول اللّه - عز وجل - :
*وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *84* وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ *85* وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ *86*.
الهاءُ في " لَهُ " تعودُ على إِبراهيم - عليه السلام -.
والأَنبياءُ الثمانيةَ عَشَرَ مذكورون في المجموعاتِ الحَالية : إِبراهيمُ وإِسحاقُ ويَعقوب ، ونوحٌ لوحده ، وداودُ وسليمانُ وأَيوبُ ويوسفُ وموسى وهارون ، وزكريّا ويَحْيى وعيسى وإِلياس ، وإِسماعيلُ واليسعُ ويونُسُ ولوط.
وذِكْرُ الأَنبياءِ في هذه المجموعاتِ أَثارَ اعتراضَ الفادي ؟
قال : " ونحنُ نَسْأَل : كيفَ صُفَّتْ هذه الأسماءُ بلا نظامٍ ولا تَرْتيب ، بما فيها من تقديمٍ وتَأْخير ، يَدْعو للتشويشِ والخلْط ؟
فما الدّاعي لذِكْرِ داودَ وسُليمانَ قبلَ أَيوبَ ويوسفَ وموسى وهارون ؟
وما الدّاعي لذكْرِ زكريّا ويَحيى وعيسى وإِلْياس ؟
وما الدّاعي لذكْرِ إِسْماعِيلَ بعدَ إِسْحاقَ ويَعقوبَ وداودَ وسُليمانَ وأَيوبَ ويوسفَ وموسى وهارونَ وزَكريّا ويحيى وعيسى وِإلْياس ؟
وما الدّاعي لذكْرِ اليسعَ ويونسَ قبَل لوط ؟.
مع أَنَّ الترتيبَ التاريخيَّ معروف قبلَ القرآنِ بمئاتِ السِّنين ، أَيوبُ في بلادِ عوص ، وإِبراهيمُ وابنُ أَخيه لوط ، وابْناهُ إسماعيلُ وإِسحاق ، وحفيدُه يعقوب ، وابنُ حفيدهِ يوسُف..
ومِنْ بَعْدِهم موسى وهارون..
ومنْ بَعْدِهما داودُ وسليمانُ ابنُه ، ومن بعْدِهما إِلياسُ والْيسعُ تلميذُه ، ومِنْ بعدِهما يونُس ؟
هؤلاء كلُّهم في العهدِ القديم..
ومن بعدِهم زكريّا ويحيى وعيسى في العهدِ الجديد.. ".
ولا يوجَدُ في ذِكْرِ الأَنبياءِ في الآياتِ ما يَدْعو للاعتراضِ أَو الإِنكار ، وليس في ذِكْرِ هؤلاءِ الأنبياءِ خطَأ تاريخيّ وقعَ به القرآن.
الهدفُ هو ذكْرِ أسماء الثمانيةَ عشرَ نبيّاً ذِكْراً فقط ، وليس الهدفُ ذِكْرَ الأَسماءِ وفقَ الترتيبِ والتسلسلِ التاريخيّ ، فاعتراضُ الفادي في غير مكانِه.
والترتيبُ الذي ذَكَرَه هو ليسَ صحيحاً ، فهو يَرى أَنَّ أَيّوبَ كانَ قبلَ إِبراهيم - صلى الله عليهما وسلم - ، وهذا غيرُ صَحيح ، والصحيحُ أَنَّ أَيوبَ كان من ذريةِ إِبراهيمَ ، بنصّ الآية : *وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ*.
وهو يرى أَنَّ زكريّا ويحيى من أَنبياءِ العهدِ الجديد ، وهذا غيرُ مُسَلَّم ، فالعهدُ الجديدُ هو الإِنجيلُ الذي جاءَ به عيسى - صلى الله عليه وسلم - ، وكان زكريّا قبل عيسى ، وإِنْ كانَ الأَنبياءُ زكريا ويحيى وعيسى أنبياء لبني إِسرائيل ...
واللافتُ للنظرِ أَنَّ القرآنَ عندما يذكرُ أَسماءَ بعضِ الأَنبياءِ فإِنه لا يُرَتِّبُهم تَرتيباً تاريخيّاً ، كما هو في الآياتِ السابقة من سورةِ الأنعام ، وكما في قولِه تعالى : *إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا *163* *1*.
__________
*1* كلام نفيس للإمام البقاعي :
قال عليه الرحمة ما نصه :
ولما كان إبراهيم عليه السلام قد انتصب لإظهار حجة الله في التوحيد والذب عنها ، وكان التقدير تنبيهاً للسامع على حسن ما مضى ندباً لتدبره : هذه مقاولة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه ، عطف عليه قوله معدداً وجوه نعمه عليه وإحسانه إليه ، دالاً على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية : {وتلك} أي وهذه الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم ، وهي ما حاج إبراهيم عليه السلام به قومه ، وعظمه بتعظيمها فقال : {حجتنا} أي التي يحق لها بما فيها من الدلالة أن تضاف إلينا ، لأنها من أشرف النعم وأجل العطايا {آتيناها} أي بما لنا من العظمة {إبراهيم} وأوقفناه على حقيقتها وبصرناه بها ، ونبه على ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمناً لآتينا وأقمنا ، فقال : {على قومه} أي مستعلياً عليهم غالباً لهم قائمة عليهم الحجة التي نصبها ، ثم زاد في الإعلام بفضله بقوله مستأنفاً : {نرفع} أي بعظمتنا {درجات من نشاء} بما لنا من القدرة على ذلك كما رفعنا درجة إبراهيم عليه السلام على جميع أهل ذلك العصر.
ولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم العلوي الذي نسبوا الخلق والتدبير بالنور والظلمة إليه ، وكان في ختام محاجته لهم أن الجاري على قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف عليهم ، وكان قبل ذلك في الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة؛ كان الأنسب أن يقدم في ختم الآية وصف الحكمة فقال : {إن ربك} أي خاصاً لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمخاطبة باسم الإحسان تنبيهاً على أن حَجبَه الدليل عمن يشاء لِحِكَم أرادها سبحانه ، ففيه تسلية له ـ صلى الله عليه وسلم ـ {حكيم} أي فلا يفعل بحزبه إلاّ ما ظنه به خليله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما يقر أعينهم ، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما {عليم} فلا يلتبس عليه أحد من غيرهم ، فيفعل به ما يحل بالحكمة.

ولما أشار إلى رفعته بأنه بصّره بالحجة حتى كان على بصيرة من أمره ، وأنه علا على المخالفين برفع الدرجات ، أتبع ذلك ما دل عليها وعلى حكمته بعلمه بالعواقب ، فقال معلماً بأنه جعله عزيزاً في الدنيا لأن أشرف الناس الأنبياء والرسل ، وهم من نسله وذريته ، ورفع ذكره أبداً لأجل قيامه بالذب عن توحيده : {ووهبنا له} أي لخليلنا عليه السلام بما لنا من العظمة {إسحاق} ولداً له على الكبر حيث لا يولد لمثله ولا لمثل زوجته {ويعقوب} أي ولد ولد ، وابتدأ سبحانه بهما لأن السياق للامتنان على الخليل عليه السلام ، وهو أشد سروراً بابنه الذي متع به ولم يؤمر بفراقه وابن ابنه الذي أكثر الأنبياء الداعين إلى الله من نسله ومن خواصه ، وهو الموجب الأعظم للبداءة أن أبناءه طهروا الأرض المقدسة التي هي مهاجر إبراهيم عليه السلام ومختاره للسكنى بنفسه ونسله ، بل مختار الله له ولهم بعده بمدد طهورها من الشرك وعبادة الأوثان ، ودعوا إلى الله ونوروا الأرض بعبادته.
ولما كانت النعمة لا تتم إلاّ بالهداية ، قال مستأنفاً مقدماً للمفعول ليشمل الكلام إياهما : {كلاًّ} أي منهما ومن أبيهما {هدينا} ثم أتبع ذلك المهتدين قديماً وحديثاً تأكيداً لأن هذا المذهب لم يزل خلص العباد دعاة إليه في قديم الزمان وجديده ، فكأنه يقول : إن كنتم تلزمون دينكم لأنه عندكم حق ، فقد تبين لكم بطلانه ، وأن الحق إنما هو التوحيد ، وإن كنتم تلزمونه لِقِدَمِه فهذا الدين - الذي - دعاكم إليه رسولي مع وضوح الدلالة على حقيته - هو القديم الذي دعاكم إليه نوح ومن تلاه من خلص ذريته إلى إبراهيم أبيكم الأعظم ومن بعده من خلص ذريته إلى عيسى ، ثم إلى هذا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم وبشارة عيسى - على الكل أبلغ الصلاة وأتم التسليم ، فهو أحق بالاتباع من جهة الحقية والأقدمية ، وإن كنتم تلزمونه لمجرد اتباع الآباء فليس في أبائكم مثل إبراهيم عليه السلام ، وقد تلوت عليكم في كلامي الذي أقمت الدليل القطعي بعجزكم عنه على صحة نسبته إلى ما حاج به أباه وقومه في إبطال الأوثان التي أضلتكم ، فهو أولى آبائكم أن تعتدوا به - والله الموفق.
ولما كان ربما وقع في وهم أن هداية كل من إسحاق وابنه بتربية أبيه ، ذكر العاشر من آباء الخليل وهو نوح عليهما السلام لدفع ذلك ، ولأن السياق لإنكار الأوثان ، وهو أول من نهى عن عبادتها ، وهو أجلّ آباء الخليل عليه السلام فقال : {ونوحاً هدينا} أي بما لنا من العظمة من بين ذلك الجيل الأعوج.
ولما كانت لم تتجاوز منه ، وكان زمنه بعض الزمن المتقدم ، أثبت الجار وقطعه عن الإضافة لتراخي زمانهم كثيراً عن زمانه فقال : {من قبل} أي ولم تكن هدايته إلاّ بنا في زمان كان أهله من شدة الضلال ولزوم الظلم في مثل استقبال الليل ، كلما امتد احلولك ظلامه واشتد ، وطالما دعاهم إلى الله وربّاهم فلم يرجع منهم كثيراً أحد حتى لقد خالفه زوجه وبعض ولده ، ولمثل ذلك فصل بين إسماعيل وأبيه ويوسف وأبيه عليهم السلام إشارة إلى فراق كل منهما لأبيه في الحياة ، وأنه ما حفظ كلاًّ منهما على سنن الهدى طول المدى إلاّ الله؛ ثم ابتدأ المذكورين بعدُ بمن بنى على يده ويد ابنه مسجداً هو بعد المسجد الذي بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام فقال : {ومن ذريته }.
ولما كان السياق كله لمدح الخليل ، وكان المذكورون - إلا لوطاً - من نسله ، وكان التغليب مستعملاً شائعاً في لسان العرب ، لا سيما ولوط ابن أخيه ومثل ولده؛ حكم بأن الضمير لإبراهيم عليه السلام ، وقولُ من قال : إن يونس عليه السلام ليس من نسله ، غير صحيح ، بل هو من بني إسرائيل ، وهو أحد من ذكر في سفر الأنبياء ، وسيأتي خبره من السفر المذكور في سورة {والصافات} إن شاء الله تعالى ، وقد صرح أبو الحسن محمد بن عبد الله الكسائي في قصص الأنبياء أنه من ذرية إبراهيم ، واقتضى كلامه أنه من بني إسرائيل ، كما اقتضى ذلك كلام البغوي في سورة الأنبياء عليهم السلام ، وأما أيوب فروى؛ من نسل عيص بن إسحاق عليهم السلام {داود} أي هديناه {وسليمان} أي اللذين بنيا بيت المقدس بأمر الله : داود بخطه وتأسيسه ، وسليمان بإكماله وتشييده.
وما كان مع ذلك ملكين ، تلاهما بمن شابههما في الملك أو الحكم على الملوك فقال : {وأيوب} وقدمه لمناسبة ما بينه وبين سليمان في أن كلاًّ منهما ابتلى بأخذ كل ما في يده ثم ردّ الله إليه {ويوسف} وكل من هؤلاء الأربعة ابتلى فصبر ، واغتنى فشكر ، وأيوب إن لم يكن ملكاً فقد كانت ثروته غير مقصرة عن ثروة الملوك ، على أن بعض الطلبة أخبرني عن تفسير الهكاري - فيما أظن - أنه صرح بأنه ملك ، وأيضاً فالاثنان الأولان كانا سبب إصلاح بني إسرائيل بعد الفساد واستنقاذهم من ذل الفلسطين ، والاثنان الباقيان كل منهما ابتلى بفراق أهله ثم ردوا عليه : أيوب بعد أن ماتوا ، ويوسف قبل الموت ، وأيضاً فداود عليه السلام شارك إبراهيم عليه السلام في أنه كان سبب سلامته من ملك زمانه الاختفاءُ في غار ، وذلك أن نمرود بن الكنعان كان ادعى الإلهية وأطمع فيها ، وقال له منجموه : يولد في بلدك هذا العام غلام يغير دين أهل الأرض ، ويكون هلاكك على يده ، فأمر بذبح كل غلام في ناحيته في تلك السنة ، وأمر بعزل الرجال عن النساء ، وحملت أم إبراهيم عليه السلام به في تلك السنة ، فلما وجدت الطلق خرجت ليلاً إلى غار قريب منها فولدت فيه إبراهيم وأصلحت من شأنه ، ثم سدت فم الغار ورجعت ، ثم كانت تطالعه فتجده يمتص إبهامه ، وكان يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة؛ وأما داود عليه السلام فإنه لما قتل جالوت وزوَّجَه طالوتُ ابنته ، وناصفه ملكه - على ما كان شرط لمن قتل جالوت - مال إليه الناس وأحبوه ، فحسده فأراد قتله ، فطلبه فهرب منه ، فدخل غاراً فنسجت عليه العنكبوت ، فقال طالوت : لو دخل هنا لخرق بناء العنكبوت ، فأنجاه الله منه؛ وتلاه بسليمان لأنه مع كونه من أهل الملك والبلاء شارك إبراهيم عليهما السلام في إبطال عبادة الشمس في قصة بلقيس ـ رضى الله عنها ـ ؛ وقصة يوسف عليه السلام في إبطال عبادة الأوثان شهيرة في قوله تعالى {يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [ يوسف : 39 ].
ولما كان يوسف عليه السلام ممن أعلى الله كلمته على كلمة ملك مصر وأعز ملكها وأهلها وأحياهم به ، أتبعه من أعلى الله كلمتهما على كلمة ملك مصر وأهلها وأهلكهم بهما ، فكأن بعض قصصهم وفاق ، وبعضها تقابل وطباق ، فقال : {وموسى وهارون} ولما كان التقدير : هديناهم جزاء لإحسانهم باهتدائهم في أنفسهم ودعائهم لغيرهم إلى الهدى ، لم يشغل أحداً منهم منحةُ السراء ولا محنة الضراء ، عطف عليه قوله : {وكذلك} أي ومثل ما جزيناهم {نجزي المحسنين} أي كلهم ، ففي ذلك إشارة إلى علو مقامهم من هذه الجهة ، وهي أنهم من أهل السراء المطفئة والضراء المسنية ، ومع ذلك فقد أحسنوا ولم يفتروا ولم ينوا.
ولما كان المذكوران قبله ممن سلطهما على الملوك ، أتبعهما من سلط الملوك عليهما بالقتل فقال : {وزكريا ويحيى} ثم أتبعهما من عاندهما الملوك ولم يسلطوا عليهما وأدام الله سبحانه حياتهما إلى أن يريد سبحانه فقال : {وعيسى وإلياس} ولما كان هؤلاء الأربعة من الصابرين ، قال مادحاً لهم على وجه يعم من قبلهم : {كل} أي من المذكورين {من الصالحين} ثم أتبعهم من لم يكن بينهما وبين الملوك أمر ، وهدى بهما من كان بين ظهرانيه فقال : {وإسماعيل واليسع} هذا إن كان اليسع هو ابن أخطوب ابن العجوز خليفة إلياس ، كما ذكر البغوي في سورة الصافات أن الله تعالى أرسل إلى إلياس - وهو من سبط لاوي من نسل هارون عليه السلام - فرساً من نار فركبه فرفعه الله وقطع عنه لذة المطعم والمشرب ، وكساه الريش ، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً ، وسلط الله على آجب - يعني الملك الذي سلط على إلياس - عدواً فقتله ونَبأ الله اليسع وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل ، وأيده فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وإن كان اليسع هو يوشع بن نون - كما قال زيد بن أسلم - فالمناسبة بينه وبين إسماعيل عليهما السلام أن كلاًّ منهما كان صادق الوعد ، لأن يوشع أحد النقيبين اللذين وفيا لموسى عليه السلام حين بعثهم يجسون بلاد بيت المقدس كما أشير إليه في قوله تعالى {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسراءيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} [ المائدة : 12 ] وقوله {وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [ المائدة : 23 ] وأيضاً فكل منهما كان سبب عمارة بلد الله الأعظم بالتوحيد ، فإسماعيل سبب عمارة مكة المشرفة ، ويوشع سبب عمارة البلدة المقدسة - كما سيأتي في سورة يونس إن شاء الله تعالى.
ولما كان إسماعيل واليسع ممن هدى الله بهما قومهما من غير عذاب ، أتبعهما مَن هدى الله قومه بالعذاب وأنجاهم بعد إتيان مخايله فقال : {ويونس} أي هديناه؛ ولما انقضت ذرية إبراهيم عليه السلام ، ختم بابن أخيه الذي ضل قومه فهلكوا بغتة ، فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة ، ووفاق من حيث إن كلاًّ منهما أرسل إلى غير قومه فقال : {ولوطاً} ثم وصفهم بما يعم من قبلهم فقال : {وكلاًّ} أي ممن ذكرنا {فضلنا} أي بما لنا من العظمة بتمام العلم وشمول القدرة {على العالمين} فكل هؤلاء الأنبياء ممن هداه الله بهداه وجاهد في الله حق جهاده ، وبدأهم تعالى بإبراهيم عليه السلام وختمهم بابن أخيه لوط عليه السلام على هذه المناسبة الحسنة؛ وقيل : إن الله تعالى أهلك قوم إبراهيم - نمرود وجنوده - بعد هجرته ، فإن صح ذلك تمت المناسبة في هلاك كل من قومه وقوم ابن أخيه لوط بعد خروج نبيهم عنهم ، فيكون بينهما وفاق كما كان بين قصته وقصة يونس عليه السلام طباق.
ومن لطائف ترتيبهم هكذا أيضاً أن إسماعيل عليه السلام يوازي نوحاً عليه السلام ، فإنه رابع في العدّ لهذا العقد إذا عددته من آخره ، كما أن نوحاً عليه السلام رابعه إذا عددته من أوله ، والمناسبة بينهما أن نوحاً عليه السلام نشر الله منه الآدميين حتى كان منهم إبراهيم عليه السلام الذي جعله الله أباً للأنبياء والمرسلين ، وإسماعيل عليه السلام نشر الله منه العرب الذين هم خلاصة الخلق حتى كان منهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، فهذا كان بداية وهذا كان نهاية ، وأن المذكورين قبل ذرية إبراهيم عليه السلام وبعدها - وهما نوح ولوط عليهما السلام - أهلك الله قوم كل منهما عامة ، وغيب هؤلاء في جامد الأرض كما أغرق أولئك في مانع الماء ، وأشقى بكل منهما زوجته ، بياناً لأن الرسل كما يكونون لناس رحمة يكونون على قوم نقمة ، وأنه لا نجاة بهم ولا انتفاع إلا بحسن الاتباع ، وأن ابن عمران اشترك مع إبراهيم عليهم السلام في أن كلاًّ من ملكي زمانهم أمر بقتل الغلمان خوفاً ممن يغير دينه ويسلبه ملكه ، وكما أن الله تعالى أنجى إبراهيم عليه السلام وابن أخيه لوطاً عليه السلام من ملك زمانهما المدعي للإلهية فكذلك أنجى موسى وأخاه هارون عليهما السلام من ملك زمانهما المدعي للآلهة ، وأنجى ذرية إبراهيم بهما ، فإذا جعلت إبراهيم وابن أخيه لوطاً - لكونه تابعاً له - واحداً ، وموسى وأخاه هارون واحداً لمثل ذلك ، ونظمت أسماء جميع هذه الأنبياء في سلك النقي : لوط مع إبراهيم كموسى مع هارون ، وكان الأربعة واسطة عقدة ، فبين إبراهيم وموسى حينئذ سبعة كما أن بين هارون ولوط سبعة ، وإذا ضممت إليهم المقصود بالذات المخاطب بهذه الآيات المأمور بقوله {فبهداهم اقتده} [ الأنعام : 90 ] كان منزله في السلك بين ابن عمه لوط وأبيه إبراهيم ، ويكون من بين يديه تسعة ، ومن خلفه تسعة ، فمن إبراهيم إلى موسى تسعة ، ومن لوط إلى هارون كذلك ، فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واسط العقد ومكمل العقد ، فإنه العاشر من كل جانب ، فبه تكمل الهدى وإيجاب الردى ، وذلك طبق قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ـ رضى الله عنه ـ : « مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة ، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين » وللبخاري نحوه عن جابر ، هذا مع اقترانه بأقرب أولي العزم رتبة ونسباً صاحب القصة إبراهيم عليه السلام ، وإن جعلت موسى وهارون عليهما السلام كشيء واحد كانا واسطة من الجانب الآخر ، فإن عددت من جهة إبراهيم عليه السلام كان بينه وبينهما ثمانية ، وإن عددت من جهة لوط عليه السلام كان كذلك. اهـ *نظم الدرر. 2 / 664 : 669*
إدريس وليس أخنوخ
ذَكَرَ القرآنُ إِدريسَ - عَليه السلام - ضمنَ الأَنبياءِ ، قال تعالى : *وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا *56* وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا *57*
وقد حاكمَ الفادي - كعادته - القرآنَ إِلى العهدِ القديم ، ولَمّا لم يجد اسْمَ إِدريسَ فيه حَكَمَ بتخطئةِ القرآن ، والذي في العهدِ القديم هو أخنوخ وليسَ إِدريس..
ونَقَلَ الفادي عن سِفْرِ التكوينِ أَنَّ أَخنوخَ عاشَ ثلاثمئةٍ وخمساً وستينَ سنة ، وسارَ أَخنوخُ مع اللّه ، ولم يوجَدْ بعدَ ذلك لأَنَّ اللّهَ أَخَذَه.
ونقلَ عن البيضاويّ قولَه : " إِدريسُ : هو جَدُّ أَبي نوح ، واسْمُه أَخنوخ ، واشتقاقُ إِدريسَ من الدَّرْس ، لكثرةِ دُروسِه ، إِذْ رويَ أَنَّ اللّهَ أَنزل عليه ثلاثين صحيفة ، وأَنه أَولُ مَنْ خَطَّ بالقَلَم ، ونَظَرَ في علمِ النجومِ والحسابِ *إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا *56* وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا *57*.
يَعْني شرف النبوةِ والزلْفى عندَ اللّه ، وقيلَ : الجنة ، وقيلَ : السماءَ السادسةَ أَو الرابعة "*1*.
واعترضَ الفادي على تسميةِ القرآنِ له بإِدريس ، وقال : " ونحنُ نسأَل :
مِن أَينَ جيءَ باسمِ إِدريسَ بدل أَخنوخ ، فالصوابُ أَخنوخُ وليس إِدريس! ".
لا تَجوزُ محاكَمَةُ القرآنِ إِلى الكتابِ المقَدَّس ، لما سبقَ أَنْ قَرَّرْناهُ ، وقرآنُنا هو المهيمنُ على ما قبلَه من الكُتُب ، لأَنَّ الكتبَ السابقةَ مُحَرَّفَة ، والقرآنُ محفوظ.
فما ذَكَرَه القرآنُ هو الصواب ، والاسْمُ الذي خالَفَ المذكورَ في القرآن هو المرفوض ، وبما أَنَّ اسْمَه في القرآنِ إِدريسُ فهذا هو اسْمُه ولا نَدْري من أَينَ جاء مؤلفو سِفرِ التكوين باسم أخنوخ ، وهو اسْمٌ مرفوض!.
ولَسْنا مع البيضاويِّ في ما ذَكَرَه عن إدريسَ من أَنَّ اسْمَه أَخنوخ ، وأَنه
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
87- أخنوخ وليس إدريس
إنه فى القرآن اسم إدريس. واسمه فى التوراة أخنوخ. وقال البيضاوى فى تفسيره : إن إدريس هو أخنوخ. ونحن نسأل من أين جاء فى القرآن اسم إدريس ؟ والصواب أنه أخنوخ.
الرد على الشبهة :
إن اسمه فى التوراة السامرية " حنوك " والنص هو :
" وسلك حنوك فى طاعة الله وفُقد ؛ إذ تولته الملائكة " [تلك 5 : 24] والتوراة اليونانية تضيف حرف السين فى آخر الاسم ليعلم أنه اسم مثل يوسيفوس - إدريانوس.وإدريس ؛ فى آخره السين ، وكذلك يونس. وهو فى العبرى يونان. وعيسى - عليه السلام - فى اليونانى " إيسوس " ، وفى العبرى " يهو شوّع " وينطق أحياناً " أيشوع " و " يسوع ".
وأخنوخ له سفر لا يعترف به النصارى. ومع ذلك نقل منه يهوذا فى رسالته : " انظروا جاء الرب مع ألوف قديسيه ؛ ليحاسب جميع البشر ، ويدين الأشرار جميعاً على كل شر فعلوه ، وكل كلمة سوء قالها عليه هؤلاء الخاطئون الفجار " [يهو 1 : 14 - 15].
وهذا النص يثبت أن كل امرئ بما كسب رهين ، خلافاً لاعتقاد النصارى فى موت المسيح على الصليب لِيُكَفِّر عن خطايا آدم.
ومفسرو التوراة يستدلون من نقله على ثبوت الحياة من بعد الموت ورأى فيلبسون من قوله " الله أخذه " أن ذلك تلطف بالتعبير عن الوفاة قبل إكمال العمر ، وأن فى ذلك دليلاً على وجود حياة وراء هذه الحياة الأرضية. ونزيد على ذلك : أن نقل أخنوخ فى متوسط العصر الذى قبل الطوفان ، وأن حياته كانت على الأرض 365سنة وهو عدد الأيام فى السنة الشمسية وكانت سنة العبرانيين 354 يوماً وسنة الكلدانيين 360 يوماً " انتهى. اهـ *شبهات المشككين*.
جَدُّ أَبي نوح ، وأَنه أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بالقلم ، ونَظَرَ في علمِ النجومِ والكواكب ، وأُنزلَ عليه ثلاثون صحيفة ، وأَنه رُفِعَ بجسْمِه إِلى السماءِ ، كما رُفِعَ عيسَى - صلى الله عليه وسلم - وهذا الكلامُ من الإِسرائيليات ، ولا دليل عليه من حديثِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم.
وأَخبرَ اللّهُ أَنه رَفَعَ إِدريسَ مكاناً عليّاً : *إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا *56* وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا *57*.
وأَخَذَ بعضُ العلماءِ الكلامَ على ظاهرهِ ، وقالوا : رُفِعَ إِدريسُ
بجسْمِه وروحِه إِلى السماء ، كما رُفِعَ عيسِى - عليه السلام -.
وذهبَ آخَرون إِلى أَنَّه لم يُرْفَعْ إِلى السماء ، وأَنه ماتَ موتاً طبيعياً ، ودُفِنَ على الأَرض ، والراجحُ أَنَّ المرادَ برفعِه مكاناً علياً منزلةُ النبوة ، ودرجةُ القُربى والكرامةِ عندَ اللّه ، لأَنه صِدّيقٌ نبى - صلى الله عليه وسلم -.
وفي زمنِ نبوةِ إِدريس - صلى الله عليه وسلم - خِلافٌ بين العلماء :
- فمنهم مَنْ ذهَبَ إِلى أَنه كانَ بعدَ آدمَ وقبلَ نوحٍ - صلى الله عليهما وسلم - ، كما ذَكَرَ البيضاوي ، وعندما يَعُدُّونَ الأَنبياءَ يكونُ هو في الرقمِ الثاني ، فيقولون : آدمُ ، إدريسُ ، نوح ، هود ، صالح ... وهكذا.
ولعلَّ هؤلاءِ تَأَثَّروا بكلامِ العهدِ القديم ، حيثُ ذَكَرَ الأَحبارُ أَنَّ اسْمَه أَخنوخ ، وأَنه رُفِعَ بِجِسْمِهِ إِلى السماء ، فقالَ هؤلاءِ العلماءُ بقولهم.
- وذهبَ آخرونَ إِلى أَنَّ نبوةَ إِدريسَ - عليه السلام - متأَخرَةٌ ، وأَنه كانَ نبيّاً في بني إِسرائيل ، نَقَلَ القرطبيُّ في تفسيرِه عن القاضي أَبي بكر بنِ العربيِّ قولَه : " ومَنْ قالَ : إِنَّ إِدريسَ كان قبلَ نوح ، فقد وَهِم!.
والدليلُ على وَهْمِه الحديثُ الصحيحُ في المعراجِ ، حينَ لقيَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - آدمَ وإدريس.
فقالَ له آدَمُ : مرحباً بالنبيِّ الصالحِ والابنِ الصالح ، وقالَ له إدريس : مرحباً بالنبيِّ الصالحِ والأَخ الصالح..
فلو كانَ إِدريسُ أَباً لنوحٍ لقال : مَرحباً بالابنِ الصالحِ والنبيِّ الصالح ، ولَمّا قَالَ له إِدريسُ : الأَخ الصالح دَلَّ على أَنه يجتمعُ معه في نوح *1*..
__________
*1* لا يدل على المطلوب.
ونحنُ مع ابنِ العربيِّ والقرطبيّ في أَنَّ إدريسَ مُتَأَخِّر ، وأَنه من أَنبياءِ بني إِسرائيل ، ومما يُؤَكِّدُ ما قالَه ابنُ العربي أَنَّ آدمَ وإِبراهيمَ خاطَبا محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالبُنُوَّة ، وقالا له : مَرْحَباً بالنبيِّ الصالح والابنِ الصالح.
بينما خاطَبَهُ الخمسةُ الآخَرون : يوسفُ وموسى وهارونُ وإِدريسُ وعيسى بالأُخُوَّة ، وقالوا له : مرحباً بالنبيِّ الصالحِ والأخ الصالح.
وبهذا نعرفُ خَطَأَ كلامِ الفادي من أَنَّ إِدريسَ هو أَخنوخ ، وأَنه جَدُّ نوح ، فما قالَه عنه القرآن هو الصحيح ، وهو من أَنبياءِ بني إِسرائيل المتأَخِّرين.

من هم أتباع نوح - عليه السلام - ؟
لَمّا دعا نوحٌ عَلّإِثر قومَه إِلى عبادةِ اللّهِ وَخدَه كَفَروا به وكَذَّبوه ، ولم يَتْبَعْه إِلّا قليلٌ منهم ، وأَثارَ الملأُ من قومِه الشبهاتِ ضِدَّه ، وأَخبَرَنا اللّهُ في القرآنِ عن بعضِ تلك الشبهات.
قال - عز وجل - *وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ *25* أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ *26* فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ *27*.
اتَّهَمَ الملأُ نوحاً بأَنَّه ليسَ نبيّاً ، وأَنه بَشَرٌ مثلُهم ، وأَنَّ الذين آمَنوا به واتَّبَعوهُ ليسوا سادَةَ القومِ وأَشْرافَهم ، إِنما هم الأَراذلُ والضعفاءُ : *وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ*.
وخَطَّأَ الفادي القرآنَ في هذا الكلام ، لأَنه يتعارضُ مع كلامِ الأَحبارِ في العهد القديم ، والمعتمدُ عنده هو ما في العهدِ القديم..
قال : " ونحنُ نسأَل :
أَينَ الأَراذلُ الذينَ اتَّبَعوا نوحاً وآمَنوا به ؟
إِنَّ أَحَداً لم يُؤْمِنْ بكَرازَتِه ، كما تقولُ التوراةُ والإِنجيلُ ، ولم يدخُل معه في الفلكِ إِلا امرأَتُه وأَولادُه ونساءُ أَولادِه ، وهم ليسوا أَراذل ، والقرآنُ يقول : *وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ *77*..
وهذا يعني أَنَّ الحديثَ الذي دارَ بين نوحٍ وقومِه عن إِيمانِ البعضِ به لم يَحْدُثْ "*1*.
وقد سبقَ أَنْ بَيَّنّا كذبَ الأَحبارِ والفادي في زعْمِهم أَنَّ ركابَ السفينةِ كانوا ثمانيةَ أَشخاصٍ فقط ، هم أُسرةُ نوح.
ويواصِلُ الفادي هنا كذبَه وافتراءَه عندما ادّعى أَنَّه لم يؤمنْ به أَحَدٌ من قومِه! ولا ندري ماذا كان نوحٌ يفعلُ معهم طيلة حوالي أَلْف سنة ؟
يَزعمُ الأَحبارُ والفادي أَنه لم يَدْعُهم إِلى اللّهِ خلالَ هذه المدةِ كُلِّها ، ولذلك لم يُؤمِنْ به أَحَد! وقد أَخطأَ القرآنُ عندما أَخبرَ عن كلامٍ بينَه وبين قومِه عن إِيمانِ بعضِهم ، لأَنَّ هذا الحديثَ لم يَحدثْ كما جزمَ الفادي!.
لقد كانَ القرآنُ صَريحاً في إِيمان عددٍ قليلٍ من قومِه.
قال تعالى : *قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ *40*.
وأَخطأَ الأَحبارُ والفادي عندما زَعموا أَنَّ كُلَّ عائلةِ نوحٍ كانوا في السفينة ، وقد سَبَقَ أَنْ بَيَّنّا خَطَأَهم فيما مَضى ، وذَكَرْنا أَنه لم يركبْ معه في السفينة إِلّا المؤمنونَ من أَهْلِه ، وأَنَّ امرأَتَه كافرة ، وأَنَّ أَحَدَ أبنائِه كافر..
فلم يُخطئ القرآنُ في حديثِه عن ما جرى بينَ نوحٍ وقومِه الكافرين ، وإِنما أَخْطَأَ الفادي في اعتراضه على القرآنِ ، واعتمادِه على أَخطاء العهدِ القديمِ التي كَذَّبها القرآن.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
88- نوح لم يتبعه الأراذل
إن فى القرآن أن نوحاً عليه السلام نجا معه جماعة من المؤمنين من غير أولاده. وهذا يخالف ما فى التوراة وما فى الإنجيل من أنه لم ينج معه من المؤمنين أحد غير أولاده. وأن القرآن بين أن الكافرين بنوح وصفوا المؤمنين به بأنهم أراذل.
الرد على الشبهة :
1- إن الذين خرجوا من السفينة حسب نص التوراة العبرانية :
1- سام
2- حام.
3- يافث.
4- نوح.
5- امرأته.
6- زوجة سام.
7- زوجة حام.
8- زوجة يافث* فيكون العدد ثمانية.
2- والدليل على صحة ما فى القرآن : هو أن قابين لما قتل هابيل ؛ ولد حنوك ولد عيراد ، وعيراد ولد محويائيل ، ومحويائيل ولد متوشائيل ، ومتوشائيل ولد لامك ، ولامك ولد يابال. الذى كان أباً لساكنى الخيام ورعاء المواشى. واسم أخيه يوبال الذى كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار ، واسم أخيه توبال قابين. الضارب كل آلة من نحاس وحديد [تكوين 4].
قوله عن الثلاثة : الذى كان أباً لساكنى الخيام ورعاء المواشى - الذى كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار - الضارب كل آلة من نحاس وحديد ؛ يدل على أنه كان من الناجين غير أبناء نوح. ولذلك قال مفسرو التوراة : " وسلالة قابين سلالة الحياة المدنية ، وسلالة شعث سلالة الحياة القدسية ". اهـ *شبهات المشككين*.
بابل والنمرود
أَخبرَ اللّهُ أَنه دَمَّرَ بيوتَ كافرين سابقين.
قال تعالى : *قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ *26*.
وقد نقلَ الفادي المتحامِلُ قولاً ذَكَرَه البيضاويُّ في تفسير الآية ، أَنه لم يَعتمدْه ، وعَرَضَه بصيغةِ " قيل " الدالَّةِ على التضعيف.
قال : " قالَ البيضاوي :
قيل : المرادُ به نُمرودُ بنُ كنعان ، بَنى الصرحَ بِبابِلَ ، سُمْكُهُ خمسةُ آلافِ ذراع ، ليترصَّدَ أَمْرَ السماء ، فأَهَبَّ اللّهُ الريحَ ، فَخَرَّ عليه وعلى قومِه فَهَلكوا ... "*1*.
مع أَنَّ القولَ الذي يقولُ به البيضاوي غيرُ الذي ذكره أعلاه قال : " *قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ* : أي : سَوّوا مَنْصوبات ، لِيَمْكُروا بها رسلَ اللّهِ عليهم الصلاة والسلام.
*فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ* : فأتاها أَمْرُه من جهةِ العُمُدِ التي بَنْوا عليها ، بأَنْ ضُغضِعَتْ *فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ* :
وصار سببَ هلاكِهم.
*وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ* : لا يَحْتَسِبون ولا يتوقَّعون..
وهو على سبيلِ التمثيل.. ".
الآيةُ عامةٌ تتحدثُ عن الكفارِ الذين يمكرونَ بأولياءِ اللّهِ ودينِه ، على اختلافِ الزمانِ والمكان ، فيُبْطِلُ اللّه مكْرَهم ، ويَنصرُ الحَقَّ ، وهي من بابِ التمثيل.
وهذا معناهُ أَنَّ البيضاويَّ لا يَرى أَنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن بابلَ والنمرود ، وأَنه أَوردَ روايةً بذلك من بابِ الذكْر ، ولكنَّه لا يَقولُ بها!!.
ولكنَّ الفادي المتحامِلَ اعتبرَ هذه الروايةَ دليلَ تخطئةِ القرآنِ والبيضاوي ،
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
89- تهاويل خيالية حول برج بابل
قال المؤلف : إنه جاء فى سورة النحل *قد مكر الذين من قبلهم..* ثم قال : قال البيضاوى : قيل : المراد به نمرود بن كنعان فإنه بنى صرحاً ببابل.
الرد على الشبهة :
إنه وجه الشبهة على كلام مفسر. وهذا المفسر لم يجزم بأن تفسيره هو الصحيح بدليل قوله : " قيل " فكيف يورد شبهة على كلام مفسر ؟. اهـ *شبهات المشككين*.
ولذلك قال : " ونحنُ نسأَل : من أَيْنَ جاءَ للبيضاويِّ أَن نمرودَ هو ابنُ كنعان ؟
فنمرودُ هو ابنُ كوش بن حام بن نوح [تكوين : 6/10 - 18].
وأَخَذَ الناسُ بعدَ الطوفانِ يَبنونَ مدينةً وبُرْجاً عالياً يُخَلِّدونَ به اسْمَهم ، فعاقَبَهم اللهُ بأَنْ بلبلَ أَلسنتهم ، فلم يَستطيعوا التفاهم ، وكَفّوا عن البنيان ...
ولذلك سُميت المدينة " بابل " ، لأنَّ هناكَ بلبلَ اللّهُ أَلسنَتَهم [تكوين : 11/ 1 - 9 ] ".
إِنَّ الآيةَ تتحدثُ عن الكفارِ السابقين ، بدونِ تعيينٍ أَو تَحديد ، كانوا يمكرونَ بالأَنبياء ، ويتآمَرون على المؤمنين ، فأنجى اللّهُ المؤمنين ، وأوقع بهم عقابَه ، بأَنْ قَلَعَ بُنيانَهم من القواعِد ، فخرَّ عليهم السقفُ من فوقِهم ، وعَجَزوا عن النجاة..
وهذا ينطبقُ على كل الأَقوام الكافرين ، مثل قومِ نوح ، وعاد ، وثمود ، ومدين ، وقوم لوط ، والفراعِنة ، والآشوريين ، والبابليين ، واليونان ، والرومان ، وغيرهم.
وقد وردَ في سِفْرِ التكوينِ أُسطورةُ برج بابل ، التي كَتَبَها الأَحبار ، وزَعَموا أَنها من عندِ اللّه ، وخلاصةُ تلك الأُسطورةِ الخرافية ، أَنه كانَ الناسُ جميعاً مُتجمعين في بابل ، ويتكلَّمون لغةً واحدة ، وأَنهم أَرادوا بناءَ مدينةٍ عظيمة ، وبُرْجاً عالياً ، لِيخَلِّدوا اسْمَهم ، ولما رآهم الرَّبُّ على هذا الاجتماع والتعاونِ والاتفاقِ ، خاف أَنْ يَغْلِبوه ، إِنْ نَجحوا في تحقيقِ مُرادِهم ، فعاقَبَهم بأَنْ بَلْبَلَ أَلسنَتَهم وفَرَّقَ قُلوبَهم ، وشَتَّتهم ، فكَفُّوا عن مشروعِهم الكَبير ، وتفَرَّقوا في الأَرض..
وسُميت المدينةُ التي كانوا فيها " بابل " لهذا السبب!!.
هذه الأُسطورةُ الخرافيةُ التي كَتَبَها الأَحبارُ الكافرون في سفْر التكوين 11/ 1 - 9 ، يؤمنُ بها الفادي ، مع أَنها أَباطيلُ وكفْز باللّه ، ونحنُ ننكرُها ونُكَذِّبها ونكفُرُ بها..
أما اعتراضُ الفادي على البيضاوي لأَنه جعلَ نمرودَ ابناً لكَنْعان ، فهو لا معنى له ، وما قالَه هو من أَنَّ نمرودَ هو ابنُ كوشِ بن حام بن نوح ادِّعاءٌ ليس عليه دليل ، لأَنه لم يَرِدْ في مصادِرِنا الإِسلاميةِ اليقينية ، فنحنُ نتوقَّفُ فيه ، لا نَنْفيه ولا نُثبته.
فلا نقول : نمرودُ بن كنعان ، ولا نقولُ : نمرود بن كوش ، ولا نقول : نمرود فقط.
ونقول : اللهُ تعالى أَعلم ، والجهلُ بذلك لا يَضيرنا!!.
والعجيبُ في تحامُلِ المفترِي الفادي أَنه يُحَمِّلُ القرآنَ الكلامَ الذي ذَكَرَه البيضاوي ، مع أَنه لم يأخذْه من القرآن ، وإنما أَخَذه من الإخباريّين السابقين ، وإِذا كانَ ذلك الكلامُ خطأً فكيف يتحمَّلُه القَرآنُ ، الذي لم يَذْكُرْهُ في آياتِه ؟!.

ما هو أصل الكعبة ؟
أَخبرَ اللّهُ في القرآنِ أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ - عليهما السلام - هما اللَّذان بَنَيا الكعبة قال تعالى : *وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ *125* وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *126* وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *127*.
إِبراهيمُ وإِسماعيلُ - عليهما السلام - هما اللَّذان بَنَيا بَيْتَ اللّهِ الحرام ، وكانا يَدْعُوانِ اللّهَ وهما يَرْفَعان قواعدَ البيت ، وجَعَلَ اللّهُ البيتَ الحرامَ مثابةً للناسِ وأَمْناً ، يأتونَه زائرين مُصَلّين ، وحاجّين ومعتَمِرين ، من كلِّ مكانٍ في الأَرض.
ويُخَطِّئُ الفادي المفترِي القرآنَ في كلامِه عن بناءِ الكعبة ، ويُحاكمُ القرآنَ إِلى أَسفارِ كتابِه المقَدَّس ، وبما أَنَّ الأَحبارَ لم يَذْكُروا مجيء إِبراهيمَ إِلى بلادِ الحجاز ، فإِنَّ القرآنَ مخطئٌ في كلامِه عن مجيئِه إِلى الحجاز!.
قالَ المفترِي : " ولكنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُعَلِّمُنا أَنَ إِبراهيمَ دُعِيَ من أُورِ الكلْدانيين إِلى أَرضِ كنعان ، وهُناك بَنى مَذْبَحاً للرّبّ.
ولم يَرِدْ ذكْرٌ لذهابِه إِلى بلادِ العَرَب ، ولا ذِكْرٌ لبنائِه هو وإِسماعيل الكعبة ، ولكنَّه تَغَرَّبَ في أَرضِ كنعان ، التي وَعَدَهُ اللّهُ وَوَعَدَ بها نَسْلَه ".
وكَلامُ الفادي تَحَكُّمٌ في التاريخِ ، ووصايةٌ عليه ، فالأَصْلُ عنْدَه أَسفارُ الكتابِ المقدس ، فكلُّ ما وردَ فيها فهو عنْدَه الصواب ، وكل ما سَكَتَتْ عنه تلك الأَسفارُ فهو الخطأ! وهذا تَحَكُّمٌ مَرْدود ، فلم يَذْكُرِ الكتابُ المقَدَّسُ كُلَّ
أَحداثِ التاريخِ الماضي ، حتى نُخَطِّئ أَيَّ حَدَثٍ لم يَرِدْ فيهِ!.
هذا إِذا كانَتْ أَسْفارُ الكتاب المقَدّس - بعهدَيْه القديمِ والجديد – صحيحةً صادقة ، فكيفَ إِذا كانتْ تلكَ الأًسْفارُ مشكوكاً فيها ، لأَن الأَحبارَ الكاذبين هم الذين كتَبوها ؟
وهم ليسوا أُمَناءَ على التاريخ!!.
إِنَّ المرجعَ في أَحْداثِ التاريخ الماضي هو القرآنُ الكريم ، لأَنه كَلامُ اللّهِ المحفوظُ الثابت ، وكَلُّ ما فيه حَقٌّ وصِدْقٌ وصواب ، وبما أَنَّ القرآنَ أَخبَرَنا بصريح آياتِه أَنَّ إِبراهيمَ هاجَرَ إِلى الأَرضِ المقَدَّسَة ، فهذا الخَبَرُ صحيح ، وبما أَنه أَخْبَرَنا أَنَّ إِبراهيمَ أَتَى إِلى بلادِ الحجاز ، فهذا الخَبَرُ صحيح ، وبما أَنه أَخْبَرَنا أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيل - عليهما السلام - هما اللَّذان بَنَيا الكعبة ، فهذا الخَبَرُ صحيح..
واعتراضُ الفادي على هذا مردود ، وتخطئَتُه كلامَ القرآن هي الخطأ الفادحُ الذي وَقَعَ هو فيه!!.
ويتكلمُ الفادي المفترِي عن الكعبةِ كلاماً فاجِراً خطيراً ، يقومُ على الكذبِ والافتراء.
اللّهُ أَخبرَ أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ - عليهما السلام - هما اللَّذان بَنَيا الكعبة ، والفادي يَنْفي ذلك ويُخَطِّئُه ويُكَذِّبُه.
واللّهُ أَخبرَ أَنَّ الكعبةَ أَوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ لعبادةِ اللّهِ.
قال تعالى : *إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ *96* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ*.
والفادي المفترِي يُكَذِّبُ ذلك ، ويَعتبرُ الكعبةَ بيتاً بُنِيَ لعبادةِ كوكبِ زُحَل! قالَ في فقرة قبيحةٍ فاجرة : " ونحنُ نَسأَلُ : كيف تكونُ الكعبةُ بيتَ اللّه ، وبيتَ المثوبة ، وبيتَ الأَمن ، وهي بيتُ الأَوْثان ؟
! وقد بُنيتْ أَولَ الأَمْرِ لعبادِةِ كوكبِ زُحَل ؟
! وكان كلُّ مَن استولى عليَها يقهَرُ أَهْلَها ، ليمارسوا شعائِرَ مذهبه! وفي أَيامِ محمدٍ كان في الكعبةِ ثلاثمئَةٍ وستون صَنَماً ، لكلّ حيٍّ من أَحياءِ العرب صَنم! وقد شَدُّوا أَقدامَها بالرصاص فجاءَ محمدٌ ومعه قَضيب ، وجعلَ يَهوي به على كلِّ صنَم منها ، فيسقطُ الصنمُ إِلى الأَرض ، وهو يقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ".
من أَينَ جاءَ المفترِي بكذبتِه الكُبرى ، من أَنَّ الكعبةَ بُنيتْ لعبادةِ زُحَل أَوَّلاً ؟ !
لقد بُنيتِ الكعبةُ لعبادةِ اللّه ، لا لتكونَ بيتاً للأصنام ، ودَعا بانيها الأَولُ إِبراهيمُ - صلى الله عليه وسلم - اللّه أَنْ يجعلَ مكةَ كلَّها آمنة ، لأَنها بَلَدُ الكعبة ، وسأَلَه أَنْ يُبعدَ عن بنيه عبادةَ الأَصنام.
قال تعالى : *وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ *35*.
ويتوقَّحُ المفْتري فيُكَذِّبُ كلامَ اللّهِ تكذيباً صريحاً.
فاللّهُ يقول : *وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى*..
والفاجر يُكَذِّبُ ذلك قائلاً : " كيفَ تكونُ الكعبةُ بيتَ اللّه ، وبيتَ المثوبة ، وبيتَ الأَمن ، وهي بيتُ الأَوثان ، وقد بنيتْ أَوَّلَ الأَمْرِ لعبادةِ كوكبِ زُحَل ؟! ".
إِننا نؤمنُ بكلام اللّهِ ونُصَدقُه ونثقُ به ، ونكفرُ بكلِّ كلامٍ يُكَذِّبُه ويتناقَضُ معه ، فالكعَبةُ هي أَولُ بيتٍ وُضِعَ لعبادةِ اللّهِ في الأَرض ، والذي بناها هو إِبراهيمُ وإسماعيلُ - صلى الله عليهما وسلم - ، وجَعَلها اللّهُ مثابةً للناسِ وأَمْناً ، وبقيَتْ خالصةً لعبادةِ اللّهِ وحْدَه عِدةَ قُرون ، وحَوْلَها المؤمنون العابدون للّه ...
ثم طَرَأَ عليها الشركُ باللّه ، وأُدخلتْ فيها الأَصنام ، وكانَ أَوَّلَ مَنْ أَدْخَلَ الأَصنامَ إِليها هو " سالمُ بن عمرو الخزاعي " ، وكانَ زعيمَ أَهْلِ مكة ، وتَوَجَّهَ إِلى البلقاءِ في الشامِ للعلاج ، وأَقامَ في " رَبَّةِ عَمّون " - مدينة عمان حالياً - فترة من الزمن ، ورأى فيها تماثيلَ وأَصناماً جميلة ، أَعجبَه منظرُها ، فحملها معه إِلى مكة ، وَوَضعَها في الكعبة ، ودَعا قومَه إِلى عبادتِها فاستَجابوا له.
وكان هذا بعدَ عِدة قُرونٍ من وفاةِ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ - صلى الله عليهما وسلم.
وما زالَ المشركون يَضَعون الأَصنامَ فيها ، ويزيدونَ أَعْدادَها ، حتى وَصَلَتْ عند بعثةِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى ثلاثمئةٍ وستّين صَنَماً!! ولكنَّ الشركَ طارئٌ على الكعبة ، بعد أَنْ بقيتْ قُروناً عديدة بيتاً للإِيمانِ والتوحيد.
ثم إِنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَعادَ الكعبةَ مثابةً للناسِ وأَمْناً ، وبيتاً لعبادةِ اللّه ، وطهرَها للطائفينَ والعاكفينَ والرُّكَّعِ السُّجود..
ولما دخلَها يومَ فتْحِ مكةَ في العشرين من رمضان في السنةِ الثامنةِ للهجرة حَطَّمَ الأَصنامَ كُلَّها ، وهو يتلو قولَه تعالى : *وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا *81*.
وواصلَ الفادي المجرمُ شَتْمَ الإِسلامِ والرسول - صلى الله عليه وسلم - ، عندما اتهم شعائِرَ الحجّ والعمرةِ بأَنها من مُخَلَّفاتِ الوثنيّين عابِدي الأَصنام.
قال : ".. ولما استولى محمدٌ على البيتِ أَبقى فيه أَغْلَبَ الشعائرِ الوثنية كما هي ، كالحَجِّ ، والطواف ، والإحرام ، والاعتمار ، ورجمِ الحجارة ، وتقبيل الحجرِ الأَسود ، والنحر ، وغير ذلك!.. ".
ومن بابِ الخداعِ والدَّجلِ والتمويه أَحالَ الفادي المفترِي على بعضِ الكتب التي أَلَّفها مسلمون ، مثل كتاب تاريخِ الكعبة للخربوطلي ، هو كتاب : الكعبة على مر العصور ، للدكتور علي حسني الخربوطلي ، ، والجذور التاريخية للشريعة الإسلامية لعبد الكريم الخليل.
واتِّهامُ الإِسلام بأَنه استمرار للدياناتِ السابقة رَدَّدَهُ اليهودُ والنَّصارى والمستشرقون ، وزَعَموا فيه أَنَّ القرآنَ مُسْتَمَدٌّ من التوراةِ والإِنجيل ، وأَنَّ الإِسلامَ مأخوذٌ من اليهودية والنصرانية ، وأَنَّ الأَحكامَ الإسلاميةَ مأخوذة من الشرائعِ السابقة ، وأَنَّ مناسكَ وشَعائرَ الحجِّ والعمرة ، مأخوذةٌ من ممارساتِ العربِ الوثنيين الجاهليّين قبلَ الإِسلام.
فما قالَه الفادي المفترِي هنا حولَ الحجِّ والعمرةِ استمرار في الأَكاذيبِ التي رَدَّدَهَا إِخوانُه المفترون الكاذبون الكافرون.
ونحن نوقنُ أَنَّ القرآنَ كلامُ اللّه ، وأَنَّ الإِسلامَ دينُ اللّه ، وأَنَّ أَحكامَ الإِسلامِ من عند اللّه!!.

إِبراهيم - عليه السلام - ونمرود
وَرَدَ في القرآنِ جِدالٌ وحِجاجٌ ونِقاشٌ بينَ إِبراهيم - عليه السلام - وبينَ مَلِكٍ في عهدِه.
قال تعالى : *أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *258*.
وكان دْلك الملكُ يَدَّعي الأُلوهية ، ودَعاهُ إبراهيمُ - صلى الله عليه وسلم - إِلى الإِيمانِ باللّهِ وَحْدَهُ ، والخضوعِ له ، ولكنَّه أَبى ، فقالَ له إِبراهيم : *رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ*.
فقالَ الملِكُ : أَنا أُحيي وأُميت..
فقالَ له إِبراهيم : اللّهُ هو الذي يأتي بالشمسِ من المشرق إِلى المغرب ، فإِنْ كنتَ إِلهاً فَسَيْطِرْ على الكون ، وغَيّرْ حركةَ الشمس ، وائتِ بها من المغرب! عند ذلك بُهِتَ الملكُ الكافر ، واعترفَ بعجْزِهِ عن فعْلِ ذلك!!.
وذهبَ كَثيرٌ من المُفسِّرينَ إِلى أَنَّ اسْمَ ذلك الملِكِ الكافرِ هو : " نمرود ".
ونَقَلَ الفادي عن البيضاوي قوله : " قوله تعالى : *أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ* تَعَجُّبٌ من مُحاجَّةِ نمرودَ وحماقتِهِ ".
واعتبرَ الفادي هذا الكلامَ خطأً ، لأَنَّه لا يتفقُ مع التاريخ.
وحَمَّل القرآنَ هذا الخَطَأَ التاريخي : فقال : " ونحنُ نسأل : كيف حدثَتْ هذه المحاجَّة ، ونمرودُ سابقٌ لإِبراهيمَ بثلاثِمئة سنة ؟
فَبَيْنَ إِبراهيمَ ونوْحٍ اثْنا عَشَرَ جيلاً [لوقا : 3/ 34 - 36 ] ، وبين نمرودَ ونوحٍ أَربعةُ أَجيالٍ [تكوين : 0 1/ 1 - 8 ] ".
واعتراضُ الفادي مَرْدود : فالقرآنُ أَبْهَمَ اسْمَ ذلك الملكِ الكافر ، الذي حاجَّ إِبراهيمَ في ربِّه ، ولم يذكُرْ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْمَه ، وعلينا أَنْ لا نَخوضَ في تحديدِ اسْمِه ، لأَنَّ ذلك لا يُؤخَذُ إِلاّ من الآيات ِ القرآنية الصريحةِ أَو الأَحاديثِ النبويةِ الصحيحة.
وبما أَنَّ القرآنَ والحديثَ الصحيحَ سَكَتا عن اسْمِه فعلينا أَنْ نتابعَهما ونَبقى مَعَهما!.
وهذا معناهُ أَنَّنا لَسْنا مع البيضاويِّ وجمهورِ المفسرين في أَنه نمرود ،
لأَنَّ هذا التحديدَ من الإِسرائيليات ، ونقولُ : اللّهُ أَعْلَمُ باسْمِه.
وما ذَكَرَهُ الفادي نَقْلاً عن سِفْرِ التكوينِ في العهدِ القديم من وُجودِ أَربعةِ أَجيالٍ بينَ نوحٍ ونمرود لا دليلَ عليه ، ولذلك نتوقَّفُ فيه ، وما ذَكَرَه من أَنَّ نَمرود عاشَ قبلَ إِبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - بثلاثمئة سنة نتوقفُ فيه أيضاً ، كذلك نتوقَّفُ في ما نقلَه عن إِنجيل لوقا من وُجودِ اثْنَيْ عَشَرَ جيلاً بين نوحٍ وإِبراهيم - صلى الله عليهما وسلم -.
وقد ذَكَرَ الإِخباريّونَ والمؤَزَخُون أَنَّ نمرودَ كان مَلِكاً في العراق ، في ذلك الزمنِ البعيدِ ، ونحنُ نتوقَّفُ فيه ، فلا نُصَدِّقُ ما ذكَروه عنه ولا نكذِّبُه ، ولا نَنفيهِ ولا نُثبتُه ، ونقول : اللّهُ أَعلمُ بحقيقتِه!!.
وقد كانَ الفادي مُتَحامِلاً على القرآن ، عندما حَمَّلَه كلاماً لم يَقُلْه ، لأَنَّ هَدَفَهُ الانتقاصُ من القرآن وتخطئَتُه ، وإِدانَتُه بما لم يَقُلْه!!.

إسماعيل صِدِّيقَّ نبٌيّ - عليه السلام -
إِسماعيلُ هو ابنُ إِبراهيمَ البكر ، وإِسحاقُ هو أَخوه ، وهو عَمُّ يعقوب ، أَبو بني إسرائيل ، وذَكَرَ القرآنُ أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ وإِسحاقَ ويعقوبَ كانوا أَنبياء - صلى الله عليهم وسلم -.
وقد نَصَّ القرآنُ على نبوةِ إِسماعيلَ - عليه السلام - في أَكثر من آية ، منها قولُه تعالى : *وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا *54* وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا *55*.
واعترضَ الفادي على القول بنبوةِ إِسماعيلَ - صلى الله عليه وسلم - ، واعتبرَ هذا من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية ، وحاكَمَ القرآنَ إِلى أَسفارِ العهدِ القديمِ.
قال : "ونحنُ نسأَل :
كيفَ يكونُ إسماعيلُ نبيّاً ، والتوراةُ تصفُه في سِفْرِ التكوينِ بقولِها : " وإنَّه يكونُ إِنسانأ وَحْشِيّاً ، يَدُهُ على كلِّ واحدٍ ويَدُ كُلِّ واحدٍ عليه ؟
[تكوين : 16/ 12 ، ].
لقد كانَ الفادي مُخْطِئاً في محاكمةِ القرآنِ لأسفارِ العهدِ القديمِ ، لأَنَّ تلكَ الأَسفارَ من تأليفِ الأَحبار ، وما ذَكَروهُ فيها من كلامٍ مشكوكٌ فيه ، أَمّا القرآنُ فهو كلامُ اللّه ، ونَجزمُ بأَنَّ كلَّ ما فيهِ حَقّ وصِدْق ، وصحيحٌ وصواب.
وبما أَنَّ القرآنَ صرَّحَ بأَنَّ إِسماعيلَ - صلى الله عليه وسلم - كان رسولاً نبياً ، فهو الصوابُ ، ونحنُ نُؤمنُ أَنَّ إِسماعيل هو أَحَدُ الأَنبياءِ الكرامِ عليهم الصلاة والسلام.
إِنَّ الخلافَ بَيْنَنا وبينَ الفادي وإِخوانِه النَّصارى كبير ، فمرجعيَّتُه التي يَحتكمُ إِليها هي أَسفارُ الكتابِ المقَدَّس ، وكُلُّ ما لم يَرِدْ فيها فهو عندَه خَطَأ ، وهذه المرجعيةُ مرفوضةٌ عندنا..
ومرجعيتُنا التي نحتكمُ إِليها هي القرآنُ ، وكلُّ ما ذُكِرَ فيه فهو صَواب ، وهذا مرفوضٌ عنْدَه ، لأَنه لا يوفنُ أَنَّ القرآنَ من عندِ اللّه! فكيفَ نَلْتَقي مَعَه ؟!.

كيف احتال إخوة يوسف - عليه السلام - على أبيهم ؟
ذَكَرَ القرآنُ أَنه لما تآمَرَ إِخوةُ يوسفَ عليه ، واتَّفَقوا على أَنْ يَطْرَحوهُ في غَيابةِ الجُبِّ ، احْتالوا على أَبيهم ، ليوافِقَ على إِرسالهِ معهم ، وأَوهموهُ أَنَّهم يُريدونَ مصلحةَ الصَّغير ، ليرتعَ ويلعبَ ويقفزَ ويمرح.
قال تعالى : *قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ *11* أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *12* قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ *13* قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ *14*.
وحاكَمَ الفادي المفترِي ما وردَ في هذه الآياتِ إِلى سِفْرِ التكوين ، فلم يَجِدْ فيه كَلاماً عنه ، وَوَجَدَ فيه كَلاماً آخَر ، فحكَمَ بردِّ ما في الآيات ، واعتبارِه من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية.
وتساءَلَ بخُبْثٍ ولُؤْم قائلاً : " ونحنُ نسأَلُ : من أَينَ جاءَتْ هذه المعلوماتُ ؟
معَ أَنَّ التوارةَ لا تقولُ : إِنَّ إِخوةَ يوسفَ طَلَبوا من أَبيهم أَنْ يُرْسِلَه معهم ليلعب ، ولا اتَّهَمَ يَعقوبُ أَولادَه بالغفلةِ عن يوسفَ حتى يأكُلَهُ الذئب! لكنَّ الواقعَ أَنَّ يَعقوبَ أَرسلَ يوسفَ ليسأَلَ عن سلامةِ إِخوتِه ، ولما
رأَوْهُ قالوا : هُو ذا صاحبُ الأَحلامِ قادم.
فالآنَ هَلُمَّ نَقْتُلْه ونَطْرَحْه في إِحدى الآبار ، ونقول : وَحْشٌ رديءٌ أَكله ، فنرى ماذا تكونُ أَحلامُه. [تكوين : 37/ 19 - 20]..
ولما باعوهُ للإسماعيليّين أَخَذوا قميصَه ، ولَوَّثوهُ بِدَمِ جدْي ، وأَحضروهُ إِلى أَبيهم ، ليوهموهُ أَنَّ ذِئْباً أَكَلَه.. "*1*.
إِذا وَرَدَ في القرآنِ كلامٌ عن أَمْرٍ ، ووردَ في الكتابِ المقَدَّسِ كَلامٌ آخَرُ عن الأَمْرِ نفسِه ، يَتَعارَضُ مع ما وردَ في القرآن ، فالصَّحيحُ عندنا هو ما وَرَدَ في القرآن ، لأَنه كلامُ اللّه ، ولا أَحَدَ أَصْدَقُ من اللّه ، وكلُّ ما خالفَه وعارضَه نحكمُ بأَنه خطأٌ وباطلٌ ومردود.
وهذه بدهيَّةٌ إِيمانيةٌ مقررةٌ عندنا.
ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ الإِخوةَ تآمَرُوا على يوسفَ ليتخلَّصوا منه ، وتَحايَلوا على أَبيهم ، ليأذنَ بخروجِه معهم ، وأَوهموه بِأَنَّهُمْ يُريدونَ مصلحَتَه ، بأَنْ يَخرجَ مَعَهُمْ ليرتعَ ويَلعبَ ، ولما ذَكَرَ لهم يَعقوبُ بأَنه يَخافُ أَنْ يَغْفَلُوا عنه ، ويَأكُلَه الذئب ، طَمْأَنوهُ ، بأَنَّ ذلك لَنْ يكون ، لأَنهم حَريصونَ عليه ، حافِظونَ له.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
93- أبناء يعقوب يطلبون أن يلعب يوسف معهم إنه جاء فى سورة يوسف من القرآن الكريم أن إخوة يوسف احتالوا على أبيهم فى أخذ يوسف منه بقولهم : *أرسله معنا غدا يرتع ويلعب * وليس فى التوراة هذه الحيلة.
الرد على الشبهة :
إن ما جاء فى القرآن ، ولم يجئ فى التوراة ؛ لا يدل على إيراد شبهة على القرآن ، وذلك لأن نسخ التوراة الثلاثة العبرانية واليونانية والسامرية لا تتفق على القصة اتفاقاً تامًّا. ففى اليونانية صواع الملك. وليس فى العبرانية صواع الملك. ففى التوراة العبرانية ترجمة البروتستانت : " ولما كانوا قد خرجوا من المدينة ولم يبتعدوا ؛ قال يوسف للذى على بيته : قم اسع وراء الرجال ، ومتى أدركتهم فقل لهم : " لماذا جازيتم شرًّا عوضاً عن خير ؟ أليس هذا هو الذى يشرب سيدى فيه. وهو يتفاءل به ؟ أسأتم فيما صنعتم " [تك 24 : 4 - 5] وفى الكتاب المقدس ترجمة 1993م بلبنان الصادر عن دار الكتاب المقدس فى الشرق الأوسط : " فما أن خرجوا من المدينة ، وابتعدوا قليلاً حتى قال يوسف لوكيل بيته : قم اتبع هؤلاء الرجال. فإذا لحقت بهم فقل لهم : لماذا كافأتم الخير بالشر ؟ لماذا سرقتم كأس الفضة التى يشرب بها سيدى. وبها يرى أحوال الغيب ؟ أسأتم فيما فعلتم ".
فكأس الفضة فى نسخة ، وهو غير موجود فى نسخ أخرى. اهـ *شبهات المشككين*.
وهذا معناهُ أَنَّ اعتراضَ الفادي عليه مردود ، وتخطئَتَه له هي الخطأُ الكبيرُ الذي وَقَعَ هو فيه ، لأَنَّهُ اعتمدَ على كلامِ سِفْرِ التكوين عنه ، وهو من تأليفِ الأَحبار ، الذين حَرَّفوا كلامَ اللّه ، ومَزَجوهُ بأَقوالِهِمْ وأَكاذيبهم
ومَزاعمِهم!!.
الذي وردَ في سِفْرِ التكوينِ : أَنَّ يَعقوبَ كان يسكنُ في " النَّقَبِ " في جنوبِ فلسطين.
وذهبَ أَبناؤُهُ العشرةُ من النَّقَبِ في الجنوب إِلى شَكيمَ – هي نابلس - في الشمالِ يَرْعَوْن غَنَمَهم ، وقَلِقَ يعقوبُ عليهم ، ولم يكنْ عندَه إِلّا ابْنُه يوسفُ ، وكان طِفْلاً صغيراً ، فطلبَ منه أَنْ يَذْهَبَ إِلى إِخوتِه ليطمئنَّ
عليهم! وسارَ الطفلُ وَحْدَه ، وقطعَ المسافةَ من الجنوبِ إِلى الشمالِ وحده ، واجتازَ منطقةَ النقبِ والخليل وبيتَ لحم والقدس ورام اللّه وحْدَه ، وهي مسافة طويلة ، يستغرقُ عُبورُها عدةَ أَيام!!! ووصلَ إِلى إِخوانِه في منطقةِ شكيم ، وكانوا يَرعونَ مواشيهم ، وكانوا يَكْرَهونَ يوسف ، فلما رأَوه قادماً إِليهم تآمَروا على إِلقائِه في أَحَدِ الآبارِ على الطريقِ ليتخلَّصوا منه ، فهجَموا عليه ، وجَرَّدوهُ من قميصه الموَشَّى ، وأَلْقوهَ في بِئْرٍ ، وذَبَحوا جَدْياً ، ولَطَّخوا القميصَ بدمِه ، وزَعَموا لأبيهم أَنَّ ذِئْباً أَكلَه!!.
وإِذا كان الفادي يَعتمدُ هذا الكلام ، لأَنه يؤمنُ أَنَّ كُلَّ ما في الكتابِ المقَدَّس صحيح ، فإِننا لا نَعتمدُه ولا نقولُ به ، لأَنه يُخالفُ ما ورَدَ في القرآن ، وأَيُّ كلامٍ يَتَعارضُ مع القرآنِ مردودٌ عندنا!!.

الشاهد ببراءة يوسف - عليه السلام -
ذكرَ القرآنُ أَنه بعد أَن اتهمت امرأةُ العزيزِ يوسفَ بمراودتِها ، ودافعَ يوسفُ عن نفسِه ، تدخَّلَ أَحَدُ أَفرادِ الأُسرةِ للحكْمِ في هذه المسألة.
قال تعالى : *وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *25* قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *26* وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ *27* فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ *28* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ *29*.
وذهبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ ليتعَرَّفَ منه على هويةِ هذا الشاهد ، وأَخَذَ عن البيضاويِّ قولَه : " قيل : هو ابنُ عَمٍّ لها ، كان صبيّاً في المهد ".
واتَّهَمَ الفادي القرآنَ بالخَطأ ، لأَنَّ البيضاويَّ ذَكَرَ ذلك! وكيفَ يتحملُ القرآنُ مسؤولية كلامٍ لم يَقُلْه ؟ ! ولذلك عَلَّقَ على ذلك بقوله : " ونحنُ نسأل : من أَينَ جاءَ هذا الشاهد ؟
هل كانَ في البيت ؟ ومعَ مَنْ كان ؟
والبيتُ لم يكنْ به أَحَد ؟..".
ويمكنُ أَنْ يصحَّ اعتراضُ الفادي لو قُلْنا : كان الشاهدُ طِفلاً صغِيراً في المهد! مع أَنَّ هذا الكلامَ الذي رواهُ البيضاويُّ لم يصِحّ ، ولا نقولُ به ، إِذ كيفَ يشهدُ هذه الشهادةَ الواعيةَ طفلٌ صغيرٌ في المهد ؟
وأَينَ كانَ هذا الطفل ؟
هل كانَ داخلَ البيتِ وشاهَدَ مراودةَ المرأةِ ليوسف ؟.
الراجحُ أَنَّ هذا الشاهدَ كانَ رجلاً واعياً حصيفاً حكيماً ، ولا نَعرفُ شيئاً عن هوية هذا الشاهد ، إِلّا أَنَّه من أَهْلِ امرأةِ العزيز.
ولا يَلْزَمُ أَنه شاهدَ مراودةَ المرأةِ ليوسفَ ، كما أَنه لا يلزمُ أَنه كانَ معَ العزيزِ عندما رآهُمَا لدى الباب ...
فمن المعقولِ - بعدَما اتَّهمت المرأةُ يوسفَ ، ودافعَ يوسفُ عنِ نفْسِهِ - أَنْ يَطلبَ العزيزُ حَكَماً ليحققَ في الأَمْرِ ويُصْدِرَ حُكْمَه ، وأَنْ يُختارَ هذا الحَكَمُ الشاهد القاضي من أَهْلِها ليكونَ أَبعد عن التهمة.
وتدلّ شهادةُ الشاهدِ على رجاحَةِ عقْلهِ واتزانِه ، حيثُ دَعا إِلى النظرِ إِلى القميصِ الذي يَرتديه يوسف ، فإِنْ قُدَّ من الأَمام كانت المرأةُ صادقةً في دَعْواها ، وكان هو كاذباً ، لأَنَّه يكونُ قد هَجَمَ عليها ، وهي تَردُّهُ وتُدافعُ عن نفسها ، فتَقُدُّ قَميصَه من قُبُك ، وإِنْ قُدَّ قَميصه من دُبُرٍ كانَ يوسفُ صادقاً وهي كاذبة ، لأَنه يكون هارباً منها ، وهي تَلحقُ به لتُعِيدَهُ إليها ، وتَشُدُّ قميصَه من الخلفِ فَتَقُدُّه!.
ولما رأَى العزيز القميصَ قُدَّ من دُبُرٍ ، عَرَفَ أَنَّ امرأَتَه هي التي راودَتْ يوسف ، فقال لها : هذا من كيدِكُنَّ ، إِنَّ كيدَكُنَّ عظيم.
وبهذا نعرفُ خَطَأَ الفادي عندما خَطَّأَ القرآنَ في كلامِه عن هذا الشاهد ، وعندما وَضَعَ عنواناً تهكُّمياً ، وهو : " اختراعُ طِفْلٍ يَنطقُ بالشهادة " ! والاختراعُ يَعْني الادِّعاءَ والافتراءَ والكَذِب.
وبما أَنَّ القرآنَ أَخبرَ عن الشاهدِ وشهادتِه فهو الصحيح ، لأَننا نَثِقُ ونؤمنُ بكلِّ ما وَرَدَ في القرآنِ!.
وفي الوقتِ الذي خَطَّأَ فيه الفادي القرآنَ في كلامِه عن الشاهد ، فقد اعتمدَ كلامَ الكتابِ المقَدَّس ، الذي زعمَ مُؤَلِّفوه الأَحبارُ أَنه لما راودت المرأةُ يوسفَ أَمسكَتْه من ثوبه ، فتركَ ثوبَه مَعَها وهَرَب!..
ونحنُ ننكرُ ذلك ونَرُدُّه ، ولا نقولُ إِلّا بما قال به القرآن.
ويُنكرُ الفادي المفْتَري أَنْ تكونَ المرأةُ قالَتْ لزوجِها ما ذَكَرَه القرآن عنها : *قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *25*.
وذلكَ في قولِه : " وكيفَ يُعلنُ فوطيفارُ براءةَ يوسفَ وذَنْبَ امرأتِه ، ثم يُبْقيها هي ويوسف في البيت ، ويرضى بهذا العار ؟
وكيفَ بَعْدَ أَنْ يَحكُمَ فوطيفارُ ببراءةِ يوسف ، وبعدَ أَنْ تُصَرِّحَ زوجتُه أَنها راودَتْه عن نفسِه فاستعصم ، تعودُ لِتهدِّدَ يوسفَ بالسجنِ إِنْ لم يَفعلْ ما أَمَرَتْه به من فحشاء ، فَيَقْبَلُ فوطيفارُ أَنْ يسجنَه ، لا لشَرّهِ بل لِعفَّتِهِ.. ".
واعتراضُ الفادي على هذا دليلُ جهلِه وغبائِه ، وهو اعتراضٌ لا مَعنى له ، فبما أَنَّ اللّهَ ذَكَرَ ذلك في القرآن فإِننا نجزمُ بأنه حَصَلَ كما أَخبرَ اللّه.
يوسف ومراودة نسوة المدينة
أَخبرَ اللّهُ أَنَّ نسوةً في المدينةِ عَذَلْنَ امرأةَ العزيز لحبِّها فَتاها يوسف ، ومراودَتِها له ، وكانت هي أَمْكَرَ منهن ، حيثُ أَعَدَّتْ لهنَّ مأدبة ، وأَظهرتْ لهنَّ يوسف ، فلما رأَيْنَه فُتِنَّ وأُعجبنَ به ، فجاهرت المرأةُ بُحبِّها له ، وتصميمِها على معاشرته.
قال تعالى : *وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ *30* فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ *31* قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ *32*.
واعترضَ الفادي المفترِي على ما قالَه اللّه ، وأَنكرَه وكَذَّبه ، وكانَ عنوانُ اعتراضِه : " وليمةٌ نسائيةٌ وهمية " أَيْ لم تكنْ تلك المأدبةُ حقيقية ، وإِنما كانَتْ وهميةً متخيَّلَة ، افْتَراها القرآن.
وقال في إِنكارِه وتكذيبِه : " ونحنُ نسأل : هل يُعقلُ أَنَّ زوجةَ ضابطٍ ، كبير ، تُهيِّئُ وليمةً خِصّيصاً ، وتَدْعو سيداتِ أَشرافِ المدينة ، لتُعلنَ أَمامَهنَّ غَرامَها وهيامَها بعبدِها ، وتكشفَ عن وجهها بُرْقُعَ الحياء ، دونَ أَنْ تخشى فضيحة ؟
وكيفَ يُعْقَلُ أَنَّ النسوةَ ينشغلْنَ بجمال يوسفَ حتى يُقَطِّعْنَ أَيديهنَّ بالسكاكين من غيرِ إِحساسٍ ، من شدةِ الذُّهول ؟
أَليس هذا من الخيالاتِ السقيمة ؟ ! "*1*.
اعتبرَ الفادي المفترِي كَلامَ القرآنِ عن المأدبةِ من الخيالاتِ السقيمة ، فهي مكذوبةٌ مختَلَقَة ، واعتبرَها متناقضةً مع المنطقِ العقليِّ! فمن غيرِ المعقول
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
94- وليمة نسائية وهمية إنه جاء فى سورة يوسف أن امرأة العزيز هيأت وليمة لبعض السيدات وأنهن قطعن أيديهن. وهذا غير معقول.
الرد على الشبهة :
كانت دعوة موسى - عليه السلام - فى الأصل عالمية لليهود وللأمم. وكان فيها الدعوة إلى حميد الصفات. وكان فيها عدم احتقار اليهودى للأممى ، وعدم التعدى على أمواله وحرماته. وكان فيها الحث على دعوة الأممى إلى معرفة الله وعبادته. وفى زمان سبى بابل حَرَّف اليهود التوراة ، وامتنعوا عن دعوة الأمم إلى معرفة الله ، وأباح اليهود لأنفسهم أخذ الربا من الأميين ، والزنا بنسائهم ، وسفك دمائهم وما شابه ذلك من الصفات الذميمة. وكتبوا ما يدل على ذلك فى التوراة ، وحذفوا من التوراة حال تحريفهم لها ما يمنعهم عن ظلم الأميين. ومن هذا الذى حذفوه : دعوة يوسف - عليه السلام - للمصريين الذين كانوا معه فى السجن إلى عبادة الله تعالى وترك الآلهة المتعددة ، وحذف قول النسوة ليوسف : *ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم * *1* لأن هذا يتعارض مع تخليهم عن دعوة الأمم ، ويتعارض مع ما اتفقوا عليه من العبث بنسائهم. وألا يكن هذا صحيحاً. فما هذه الترهات المكتوبة فى التوراة عن الأنبياء وغيرهم ؟ ففى التوراة أن لوطاً - عليه السلام - زنا بابنتيه [تك 19] وأن سليمان - عليه السلم - أحب نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون [الملوك الأول 11].
وقال كاتب التوراة : إن سليمان - عليه السلام - هو ابن داود من زوجة أُورِيّا الحِثِّى. أى أنه تعدى على زوجة رجل من الأمم هو من قبيلة بنى حث وليس من اليهود. وإذا كان هذا هو المكتوب بغية التعدى على نساء الأمم ؛ فإن العقل لا يتصور أن يضع فى التوراة عفة يوسف عن نساء الأمم. ولا يتصور العقل أن يكتب عن يوسف أنه فسر حلم الملك من قبل أن يخرج من السجن. لأنه لو كتب ذلك لكان معناه أن يوسف يحسن إلى من سيئ إليه. وهو يريد لليهود أن يسيئوا لمن يحسن ولمن لا يحسن.
وإن أصر مورد الشبهة على إيرادها. ففى نسخ التوراة زيادة ونقص ، وفى نسخ الإنجيل أيضاً. ومن أمثلة ذلك : المزمور المائة والحادى والخمسين ؛ فإنه فى النسخة القبطية فقط. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* يوسف : 31.
أَنْ تُجاهرَ المرأةُ بعشقها لفَتاها أَمامَ النساء ، وأَنْ تتخلَّى عن برقعِ الحياءِ!
وكأَنه لا يَعرفُ ماذا يَدورُ بين النساءِ الفاجراتِ من كلامٍ إِباحيٍّ بَذيءٍ ، حول الجنسِ والشهوة!! وْمن غيرِ المعقول عنده أَنْ تُصابَ النساءُ بالدهشةِ والذُّهولِ عندما شاهدْنَ جَمالَ يوسف فيقطِّعْنَ أَيديهنَّ بالسكاكين!! مع أَنه لا غرابةَ فيه ، فالنساءُ شهوانياتٌ خاضعاتٌ لسلطانِ الشهوة ، وكان جمالُ يوسفَ طاغياً ، فلما رأَيْنَه صَرَخْنَ قائلات : *مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ*.
وليس معنى قوله : *وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ* أَنهنَّ قَطَّعْنَ أَيديهنَّ حقيقة ، وفَصَلْنَ أَيديهنَ عن أَجسامِهن ، إِنما معناهُ أَنهنَّ جَرَحْنَ أَيديهنَّ بسكاكينهن ، ونزَفت الدماءُ منها ، دونَ أَنْ يَشعرنَ ، لفرطِ تأَثّرهِنَّ ودهشَتِهِنَّ وإِعجابِهن!!.
وبما أَنَّ اللّه أَخبرَ أَنَّ ذلك حَصَل ، فإِننا نجزمُ أَنه حصل ، ولا يَجوزُ لمسلم أَنْ يُكَذِّبَ كلامَ اللّه ، لأَنه لا أَحَدَ أَصدقُ من اللّه حديثاً! ولْيذهب الفادي وتكذيبُه إِلى الجحيم!!.

توجيه طلبِ يوسفَ ذكرَه عند الملك
أَخْبَرَنا اللهُ أَنه كانَ معَ يوسف في السجن رَجُلان ، وأَنه رأى كلّ واحدٍ منهما رؤيا ، وأَوَّلَ لكلِّ واحدٍ منهما رُؤْياه ، وطلبَ من الذي سَيفرجُ عنه أَنْ يَذْكُرَه عند الملك ، وأَنه مسجونٌ ظلماً ، لعلَّ الملكَ يفرجُ عنه.
قال تعالى : *وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ *42*.
معنى قوله : *اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ* : اذْكُرْ للملِك قِصَّتي ، وأَخْبِرْهُ أَنني مسجونٌ ظلماً.
ومعنى قوله : *فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ* : أنسى الشيطانُ الرجلَ الناجيَ المُفْرَجَ عنه تَذكيرَ الملكِ بقصةِ يوسفَ السجين.
فالهاءُ المفعولُ به في
" أَنساهُ " تَعودُ على الرجلِ الناجي ، وليس على يوسف.
و " ذِكْرَ " بمعنى تذكير ، والهاءُ المضافُ إِليه في " رَبِّه " تعودُ على الرجلِ نفسِه.
و " رَبّه " هو الملك ، الذي كانَ يؤمنُ أَنه ربُّه.
ولما نسيَ الرجلُ تذكير الملكِ لَبِثَ يوسُفُ في السجنِ بِضْعَ سنين ، لم يذكُرْه ولم يفطنْ له أَحَد.
وقد اعترضَ الفادي على الآية ، لأَنه ظَنَّ أَنها تَنهى عن استعانة الإِنسانِ بالإِنسان.
وذَهَبَ إِلى تفسيرِ البيضاوي ، ونَقَلَ منه كلاماً مَرْجوحاً ، وحَديثاً غيرَ صحيح..
قال الفادي : " قال البيضاوي : قال محمد : رحمَ اللّهُ أَخي يوسُف.
لو لم يَقُلْ : اذْكُرْني عنْدَ ربِّك ، لما لبثَ في السجن سَبْعاً بعد الخمس ".
يَعْني بكلمةِ " محمد " : محمداً رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
فهل يُمكنُ للإمامِ البيضاويِّ أَنْ يذكُرَ كلمة " محمد " غيرَ مقرونةٍ بالصلاةِ والسلام ، - صلى الله عليه وسلم - ؟
لِننظُر!..
قالَ البيضاوي : " أَو أُنْسِيَ يوسفُ ذِكْرَ اللّه ، حتَّى استعانَ بغيرِه..
ويؤَيِّدُهُ قولُه عليه الصلاة والسلام : رحم اللّه أخي يوسف ... ".
البيضاويُّ يَقول : " قالَ محمدٌ عليه الصلاة والسلام " ، ولما نَقَلَ المفتري الفادي هذه الجملة حَرَّفَها إِلى قوله : " قال محمدٌ ".
لأَنه لا يؤمنُ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسولُ اللّه ، ولا يستحقُّ منه الصلاةَ والسلامَ عليه ، لذلك يذكُرُ اسْمَه مُجَرداً ، بوقاحةٍ وسوءِ أَدبِ معه..
أَما نحنُ فإِننا مأمورونَ بالأَدَبِ مع رسولِنا ، فلا نذكُرُ اسْمَه إِلا مَقْروَناً بالصلاةِ والسلامِ عليه ، فنقول : قالَ محمدٌ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
والحديثُ الذي ذَكَرَهُ البيضاوي لم يصحّ عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه اتهامٌ وإدانةٌ ليوسفَ عليه الصلاة والسلام ، بأَنه نسيَ ذِكْرَ اللّهِ واستعانَ بغيرِه ، ولذلك عاقَبَهُ اللّهُ بأَنْ أَطالَ سجْنَه ، من خمسِ سنين إلى سبعِ سنين.
وقد عَلَّقَ البيضاويُّ على الحديثِ الذي لم يصحّ بقولِه : " والاستعانةُ بالعبادِ في كشفِ الشدائدِ وإنْ كانت محمودةً في الجملة ، لكنَّها لا تَلِيقُ بمنصبِ الأَنبياء ".
وهذا تفسير للآيةِ مَرجوح ، والراجحُ هو ما ذكَرْناه قبلَ قليل ، من أَنَّ المقصودَ بجملةِ *فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ* هو الرجلُ الناجي وليسَ يوسُفَ - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا هو الراجحُ عند البيضاويِّ نفسه ، ولذلك قال : " *فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ*.
فأُنْسِيَ الشَّرابيُّ أَنْ يَذْكُرَهُ لرَبِّه ، فأَضافَ إليه المصدَرَ لملابستِه له.. ".
وإِذا كانَ الراجحُ في معنى الآية ما قُلْناه ، فإِنَّ اعتراضَ الفادي عليها
مردود ، وهو قولُه : " ونحنُ نسأَلُ : هل حرام أَنْ يستعينَ الإِنْسانُ بأَخيه وقْتَ الشدائد ؟
لَمْ يَنْسَ يوسفُ ربَّه عندما كَلَّفَ الساقِيَ أَنْ يذكُرَه لدى فرعونَ ، ليُنْصِفَه ويُخرجَه من السجن ، كما لم يَنْسَ بولسُ الرسولُ ربَّه عندما استغاث من اليهود ، واستأْنَفَ قضيتَه إِلى محكمةِ قَيْصَر.
وماذا يَقولونَ في محمدٍ الذي استعانَ بِعَلِيٍّ وأَلْبَسَه ثوبَه تَعْمِيَةً لأَهْلِ قريش ، فنجا محمدٌ بعد أَنْ كان عُرْضَةً للخَطَر ؟
أَمَّا ذكْرُ السّاقي ليوسُفَ أَمامَ فرعونَ فيدلُّ على حكمةِ يوسف ، وعلى واجب الساقي ، من غير وقوعِ أَيِّ ضررٍ على أَيِّ أَحَد.. ".
والخلاصةُ : لم يُخطِئْ يوسفُ - صلى الله عليه وسلم - عندما طَلَبَ من الرجلِ المفْرَجِ عنه ذكْرَ قصَّتِه عندَ الملك ، ولم يكنْ هذا منه استعانةً بغيرِ اللّه ، ولا نسياناً لذِكْرِ اللّه ، ولم يتسلَّطْ عليه الشيطان ، ولم يُنْسِه ذكْرَ ربّه ، والذي نَسي هو الرجل ، حيث نَسِيَ تذكير الملكِ بقضيةِ يوسفَ المظلوم ، وأَدّى هذا إِلى أَنْ يَلبثَ يوسُفُ في السجنِ بضعَ سنين ، وهذه المدةُ لم تكنْ عقوبةً من اللّهِ ليوسفَ - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنه لم يُذْنِبْ حتى يعاقبهُ اللّه ، وإِنما كانت ابتلاءً من اللّهِ له.
والحديثُ الذي ذَكَرَه البيضاويُّ عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - لم يصحّ..
وهذا معناهُ رَفْضُ كلامِ الفادي المفترِي وَرَدُّه ، لأَنه بَناهُ على غيرِ أَساس!!.

عدد مرات مجيء إخوة يوسف لمصر
خَطّأَ الفادي المفترِي القرآن ، في حديثِه عن عددِ مَرّاتِ مجيءِ إِخوةِ يوسُفَ إِليه في مصر ، وحاكَمَ القُرآنَ إِلى سِفْرِ التكوين.
قالَ في اعتراضِه على القرآنِ وتخطئتِه له : " قالَ البيضاوي : *عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا* :
يأتيني بيوسفَ وبنيامين وأَخيهما الذي توقَّفَ بمصر..
ولكنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُخْبرُنا أَنَّ إخوةَ يوسُفَ العشرةَ جاؤوا إِلى مصْرَ ليَشْتَروا قَمْحاً ، فَعَرَفَهم يوسُفُ ، ولكنَّه تَنَكَّرَ لهم ، وليعرفَ أَحوالَهم اتَّهمهم أَنهم جواسيسُ ، فقالوا : لا ، بل إِنّنا إِخوة ، وأَحَدُنا مفقود ، وواحدٌ صَغيرٌ مع أَبيه ، ونحنُ العَشَرَةُ ، فأَخَذَ يوسفُ شمعونَ ، وقَيَّدَه رهينَة ، حتى يُحْضروا الأَخَ الأَصْغر ، ليُبَرْهِنوا أَنهم ليسوا جواسيس..
وهذا لم يَذْكُرْه القرآنُ!.
ولما رَجَعوا إِلى أَبيهم ، أَخذوا بنيامين ، وجاؤُوا به إِلى مصر ، وَوَضَعَ رجالُ يوسُفَ كأسَ يوسُفَ في عِدْلِ بنيامين ، واتَّهَموه بالسرقة ، فدافَعَ عنه إِخوتُه..
عندَها عَرَّفَهم يوسُفُ بنفسه ، وأَرسلَهم ليُحْضروا أَباهم ، فَحَضَروا مع أبيهم إِلى مصر ، حيثُ استَقَرُّوا..
ولكنَّ القرآنَ يَقولُ : إِن يوسُفَ حَبَسَ بنيامين ، وإِنَّ شمعون بقيَ في مِصْر ، وإِنَ إِخوةَ يوسُفَ رَجَعوا لأَبيهم بدونهما..
فجعَل عَدَدَ مراتِ مجيءِ إِخوةِ يوسُفَ لمصر أَربعَ مَرّاتٍ بَدَلَ ثلاث.. " *1*.
عندما يُحاكمُ الفادي القرآنَ إِلى كتابه المُقَدس ، وُيخَطِّئُه في ما خالَفَ فيه
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
95- عدم سجن بنيامين
إن فى القرآن أن يعقوب قال لأبنائه بعد رحيل بنيامين إلى مصر : *بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعاً* *1*. وقال المؤلف : إن المفسر البيضاوى يقول : إنه يقصد بقوله *بهم جميعاً* يوسف وبنيامين وأخيهما الذى توقف بمصر.
وإن القرآن جعل عدد مرات مجئ إخوة يوسف لمصر أربع مرات بدل ثلاث كما جاء فى التوراة ، وأن فى القرآن أن يوسف حبس بنيامين ، وأن إخوة يوسف رجعوا إلى أبيهما بدون شمعون وبنيامين.
الرد على الشبهة :
الخلاف بين التوراة وبين القرآن فى سرد حوادث القصة لا يدل على عيب فى القرآن ، ويدل على ذلك : ما فى التوراة من زيادة ونقص فى النسخة الواحدة ، وفى النسخ الثلاث. ومع هذا ففى التوراة ما يدل على ما جاء فى القرآن ومن ذلك :
1 - أن يوسف كان قد أنجب ولدين فى مصر هما أفرايم ومنسّى [تك 46 : 20] ويعقوب أبوه من الأنبياء الملهمين ، ويدل على ذلك أنه يقول :
*إنى لأجد ريح يوسف * *2* - *يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله * *3* فإذا قال *بهم* بضمير الجمع. وقد صرح من بعد بفقد اثنين هما : يوسف وأخيه فقط ؛ لا يدل ضمير الجمع على ولد ثالث محبوس فى مصر ، وإنما يدل على ولدى يوسف.
2 - أن فى التوراة ما يدل على سجن بنيامين وهو أنه لما دبر حيلته فى استبقائه وتمت الحيلة ، طلبوا منه أن يطلقه فرد عليهم بقوله : " حاشا لى أن أفعل هذا. الرجل الذى وُجد الكأس فى يده ؛ هو يكون لى عبداً ، وأما أنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم " [تك 44 : 17].
فقوله : " هو يكون لى عبداً " معناه : أنه استبقاه فى " مصر ".
3 - وفى التوراة ما يدل على بقاء كبيرهم فى مصر ، مع يوسف وبنيامين. وكبيرهم هو " راوبين " لا شمعون كما قال المؤلف إنه أخذه رهينة ، ولا يهوذا كما قال كاتب التوراة.
ومما يدل على بقاء كبيرهم : أنه استعطف يوسف بقوله : " فالآن ليمكث عبدك عوضاً عن الغلام عبداً لسيدى ، ويصعد الغلام مع إخوته ؛ لأنى كيف أصعد إلى أبى والغلام ليس معى ؟ لئلا أنظر الشر الذى يصيب أبى " [تك 44 : 33 - 34]. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* يوسف : 83.
*2* يوسف : 94.
*3* يوسف : 87.
كتابَه المقَدَّسَ يَقَعُ في خطأٍ منهجى كَبيرٍ ، سبق أَنْ ذكَرْناهُ أَكْثَرَ من مَرَّة ، إِنه يجعلُ كتابَه المقَدَّسَ أَصلاً ، ويجعلُ القرآنَ تابعاً له ، فإِنْ لم يوافِقْه ويُتابِعْه فهو المخطئ! وهذا باطلٌ ومردود ، فمن المعلومِ من الدينِ بالضرورة عندَنا أَنَّ القرآنَ هو الأصل ، وأَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ هو الذي يُحْمَلُ عليه ويُحاكمُ إِليه ، وما خالَفَ فيه القرآنَ ، فهو الذي أَخْطَأَ وليس القرآن!.
وخلاصَةُ ما قالَه القرآنُ عن ما جَرى بينَ يوسفَ وأَخيه هي :
بعدَ أَنْ سَلَّمَ الملكُ يوسفَ مقاليدَ البلاد ، وجَعَلَه على خزائنِ الأَرض ، جاءَ الناس من البلادِ المجاورةِ إِلى مصر ، ليأخُذوا منها القمح ، ومنهم إِخوةُ يوسف ، الذينَ جاؤوا من البَدْوِ إِلى مصر.
1 - جاءَ إِخوةُ يوسفَ العَشرةُ طالبينَ القمح ، ولما دَخَلوا عليه عَرَفَهم ، لكنَّهم لم يَعْرِفوه..
ولما جَهَّزهم بجَهازهم ، وأَعطاهم القمح الذي يُريدون ، أَعادَ لهم بضاعَتَهم التي أَتَوْا بها إِكراماً لهم ، وتَرْغيباً لهم بالعودة..
وقبلَ أَنْ يُغادروه طلبَ منهم أَنْ يُحْضِروا معهم أَخاهم من أَبيهم ، فإِنْ لم يَأتوا به فلنْ يُعطيهم كَيلاً ولا قمحاً ولا شيئاً كما ورد في الآيات *58 - 62* من سورة يوسف - صلى الله عليه وسلم -.
ولما رَجَعوا إلى أَبيهم أَخْبَروه بما حَصَلَ معهم ، وطَلَبوا منه أَنْ يُرْسِلَ معهم أَخاهم ، وذَكَّرَهم الأَبُ بما فَعَلوا مع أَخيهم يوسف ، وانْتَهى الأمْرُ إِلى أَن اشترط عليهم أَنْ يَحْلِفوا له الأَيْمانَ المغَلَّظَةَ أَنْ يُحافظوا على أَخيهم
الصغير ، وأَنْ يُعيدوهُ إليه سالماً ، إِلَّا أَنْ يَحْدُثَ شيءٌ لم يكنْ في الحسبان كما ورد في الآيات *63 - 68* من سورة يوسف - عليه السلام -.
2 - دخل الإِخوةُ العشرةُ على يوسف ، ومعهم أَخوهم الصَّغير ، الذي يُسَمّيه سِفْرُ التكوين " بنيامين " ، ونتركُ نحنُ اسْمَه ضمنَ مبهماتِ القرآن ، لعدمِ وجودِ دليلٍ على بيانِه.
وهذا هو اللقاءُ الثاني بين يوسفَ وإِخوتِه.
ولما عَرَّفَ يوسُفُ أَخاه الصَّغيرَ على نفسِه ، وطلبَ منه أَنْ لا يُخبرهم بذلك ، قامَ يوسُفُ بتصرفٍ ليحتفظَ بأَخيه ، حيثُ جَعَلَ السقايةَ في رَحْلِ أَخيه الصغِير ، وانتهى الأَمْرُ بأَخْذِه بتهمةِ السرقة ، ولم تنفع محاولاتُ الإِخوةِ إِطلاقَ سراحِ أَخيهم الصغير ، أَو جَعْلَ أَحَدِهم مكانَه كما ورد في الآيات *69 - 79* من سورة يوسف - صلى الله عليه وسلم -.
عند ذلك أَصَرَّ الأَخُ الأَكبرُ أَنْ يَبْقى في مصرَ ليُتابعَ الأَمْر ، وأَمَرَ إِخوانَه التسعةَ أَنْ يعودوا إِلى أَبيهم ، ويُخْبِروه بما حَدَث ، من أَخْذِ الأَخِ الصغيرِ بتهمةِ السرقة ، وعَجزِهم عن إِطلاقِ سَرَاحِهِ أَو استبدالِه.
كما ورد في الآيات *80 - 82* من سورة يوسف - عليه السلام -.
عند ذلك حَزنَ على فَقْدِ أَبنائِه الثلاثة : يوسف والابنِ الأَكبر والابنِ الأَصغر ، وقال : *عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا* ، ويقصدُ بذلك الأَبناءَ الثلاثة.
وطلبَ يعقوبُ من أَبنائه التسعةِ أَنْ يَعودوا إِلى مِصْر ، ويَتَحَسّسوا من يوسفَ وأَخيه الصغير ، ولا يَيْئَسوا من رَوْحِ اللهِ ، فَفَعَلوا.
كما ورد في الآيات *83 - 87* من سورة يوسف - صلى الله عليه وسلم -.
3 - دَخَلَ الإِخوةُ على يوسف ، وهذا هو اللقاءُ الثالثُ به ، وأَخْبَروه بما أَصابَهم من ضُرٍّ وتَعَبٍ ، ورَجوهُ أَنْ يُعيدَ معهم أَخاهم الصغير..
عند ذلك عَرفَهم يوسفُ على نفسِه ، فأَصابَتْهم الدهشةُ والمفاجأة ، وطلبَ منهم الإِتيانَ بأَبويهم وأَهْلِهم أَجمعين! وَأَن يأخذوا قميصه ، ويلقوه على وجه أبيه ليرتد بصيراً.
كما ورد في الآيات *88 - 98* من سورة يوسف - عليه السلام -.
4 - رجعَ الإِخوةُ إِلى مصر ، ومعهم أَهْلُهم أَجمعون ، والْتَقَوْا بيوسفَ - عليه السلام -
اللقاءَ الرابع ، ورَفَعَ أَبوَيْه على العرش ، وخَرَّ الجميعُ له سُجَّداً.
وبذلك استقرت العائلةُ كُلّها في مصر ، آمِنين مطمئنين.
كما ورد في الآيات *99 - 102* من سورة يوسف - عليه السلام -.
والمعتمدُ عندنا هو ما قالَه القرآن ، عن ما جرى بينَ يوسف - عليه السلام - وإِخوتِه ، ونَقبلُ ما وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس ، مما جاءَ موافِقاً للقرآن ، نَقْبَلُه لأَنه وَرَدَ في القرآن ، وليس لأَنه وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس.
ونَرُدُّ ما وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس مما جاءَ مخالفاً لما في القرآن ، ونعتبره مما عَبَثَتْ به أَيدي الأَحبارِ المحَرِّفين للتوراة.
قالَ الأَحبارُ : إِنَّ يوسفَ عَرَّفَ إِخوتَه على نفسه في لقائِه الثاني بهم ، وقالَ القرآنُ : إِنه عَرَّفَهم على نفسِه في لقائِه الثالثِ بهم ، والصوابُ ما وَرَدَ في القرآن.
وقالَ الأَحبارُ : إِنَّ يوسفَ أَخَذَ أَخاهُ الكبيرَ شمعونَ رهينة ، وحَبَسَه عنده إِلى أَنْ يَعودَ الإِخوةُ ومعهم أَخوهم الصغير بنيامين.
وهذا لم يَذْكُرْه القرآن ، ولذلك لا نَقولُ به.
وقالَ القرآنُ : إِنَّ يوسفَ هو الذي وَضَعَ السقايةَ في رَحْلِ أَخيه ، ثم أَخَذَه بتهمةِ السرقة ، وتأَخَّرَ الأَخُ الكبيرُ في مصر لمتابعةِ الموضوعِ ، ورجعَ الإِخوةُ التسعةُ إِلى أَبيهم ليُخبروه بالموضوع ، فزادَ حُزْنُ يعقوبَ على فَقْدِ أَبنائِه الثلاثة..
وهذا ما لم يذكُرْهُ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين.
ونحنُ نؤمنُ به ونعتمدُه لورودِه في القرآن ، ولا يهمُّنا عدمُ ورودهِ في الكتاب المقدس ، ولا وَزْنَ لاعتراضِ الفادي على ما قالَه القرآن وتخطئتِه له!.

حقيقة قميص يوسف
تَهَكَّمَ الفادي المفترِي على قميصِ يوسفَ - عليه السلام - ، الذي أَمَرَ إِخوانَه أَنْ يُلْقوهُ على وَجْهِ أَبيه ليرْتَدَّ بَصيراً ، وجعلَ عنوانَ اعتراضِه : " قميصٌ سحري ".
وقد أَشارَ إِلى القميصِ قولُه تعالى : *اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ *93*.
وذَكَرَ الفادي المفْتَري خُرافةً حولَ القميص ، نَسَبَها إِلى التابعيِّ المفَسِّر مجاهد بن جبر ، ولم يَذْكُر المرجعَ الذي أَخَذَها منه ، ويَستحيلُ أَنْ يقولَ التابعيُّ مجاهدٌ تلكَ الأُسطورةَ المكذوبة ، لتعارُضِها مع العقيدة والإِيمان!
وخلاصَةُ تلك الأَسطورةِ الباطلة أَنَ القَميصَ الذي كان يلبسُه يوسفُ كان قميصاً لإِبْراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - ، أَنزلَهُ اللّهُ عليه من الجنة ، عندما أُلْقِيَ في النار ، وكانَ قميصاً من حَرير ، وتوارَثَه أَبناؤُه إِسحاق ويعقوب ، ووضعَه يَعقوبُ في قَصَبَةٍ من فِضةٍ وعَلَّقَه في عنقِه ، تعويذةً تَدفَعُ عنه العين ، ولما أُلْقِيَ يوسفُ في البئرِ أتاهُ جبريلُ وأَلْبَسَهُ إِيّاه ، وكانَ يوسُفُ مَحفوظاً مُوَفَقاً بفضْلِ القميص..
وأَمَرَ يوسُفُ بإِرسال القميصِ إِلى أَبيه ، لأَنَّ فيه ريحَ الجَنَّة ، وله أَثَرُ السحر ، فما وُضِعَ على مَريضٍ إِلاّ عوفي.
وعَلَّقَ الفادي على هذه الأَسطورةِ المكذوبةِ فقال : " ونحنُ نسأَل : كيفَ يَلْبَس سُكانُ الأَرضِ ثيابَ سُكانِ السَّماء ؟
وكيفَ يعملُ القَميصُ عملَ المعجزاتِ ، على أَيْدي الذين توارَثوهُ ، أَيًّا كانوا وأَنى كانوا ؟ ما هو مَصيرُ هذا القميصِ الآن ؟
أَلا نَسْخَرُ من الذينَ يُلْبِسونَ أَولادَهُم وبهائِمَهم تَعاويذ ؟
وهل يَتَساوى الأَنبياءُ والآباءُ الكرامُ إِبراهيمُ وإِسحاقُ ويَعقوبُ ويوسفُ بمن يستعملونَ التعاويذ ؟ "*1*.
وبما أَنَّ الكلامَ الذي ذَكَرَه الفادي عن القميصِ خُرافَةٌ مكذوبة ، فكُلُّ الأَسئلةِ التي أَثارَها حولَه باطلةٌ مُلْغاة ، ولا دَاعي لها ، وكان الأَوْلى به أَنْ يُريحَ نَفْسَه فلا يُثيرُها ، لأَنها أَسئلةٌ تافهةٌ لا وَزْنَ لها! وهو خَبيثٌ مُتحامل على القرآن ، لأَنه حَمَّلَ القرآنَ مسؤوليةَ كلامٍ لم يذكُرْه ، وما دَخْلُ القرآنِ بخرافةِ القميص ؟
ولماذا يُخَطِّئُ الفادي القرآنَ بشيء ليسَ فيه ؟..
لو قالَ : إِنَّ هذا الكلامَ عن القميصِ خَطَأ ، لقبلْنا كلامَه ، لأَنه خَطَأٌ فِعْلاً ، أَمّا أَنْ يُنْسَبَ هذا الخطأُ للقرآن ، ويُسَجَّلَ ضمنَ أَخطاءِ القرآن التاريخية ، فهذا هو الاتّهامُ الباطلُ والتحاملُ المفضوخ!.
كلُّ ما ذَكَرَه القرآنُ عن القميصِ ، أَنَ يوسُفَ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ إِخوانَه أَنْ يُلْقوهُ على وجهِ أَبيه ، ليعودَ له بَصَرُه ، ولما فعلوا ذلك عادَ بَصيراً.
قال تعالى : *اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ *93* وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ *94* قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ *95* فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ *96*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
96- قميص سحرى
إنه جاء فى القرآن أن قميص يوسف لما رآه يعقوب ؛ أتى بصيراً إلى مصر مع أهله ، وقد كان قد عمى من الحزن.
ونقل من كتب التفسير أنه كان قميص إبراهيم.. إلخ.
واستبعد شفاء يعقوب برؤية القميص.

الرد على الشبهة :
إن التوراة مصرحة بعمى يعقوب ، وأنه سيبصر إذا وضع يوسف يده على عينيه. ذلك قوله : " أنا أنزل معك إلى مصر ، وأنا أصعدك أيضاً. ويضع يوسف يده على عينيك " [تك 46 : 4] هذه ترجمة البروتستانت. وفى ترجمة الكتاب المقدس بلبنان : " أنا أنزل معك إلى مصر ، وأنا أصعدك منها. ويوسف هو يغمض عينيك ساعة تموت " فيكون النص فى عدم العمى صراحة فى هذه الترجمة.
واتفقت التراجم على ضعف بصر يعقوب " وكانت عينا يعقوب كليلتين من الشيخوخة ، ولم يكن يقدر أن يبصر " [تك 48 : 10].
واستبعاد شفاء يعقوب برؤية القميص ؛ لا محل له. وذلك لأن فى التوراة من هذا كثير. فنبى الله اليسع - عليه السلام - لما مات ودفنوه فى قبره ؛ دفنوا معه بعد مدة ميتاً. فلما مست عظامه عظام اليسع ؛ ردت إليه روحه. وهذا أشد فى المشابهة من قميص يعقوب ففى الإصحاح الثالث عشر من سفر الملوك الثانى : " ومات اليشع فدفنوه. وكان غزاة موآب تدخل على الأرض عند دخول السنة ، وفيما كانوا يدفنون رجلاً إذا بهم قد رأوا الغزاة ؛ فطرحوا الرجل فى قبر اليشع. فلما نزل الرجل ومسَّ عظام اليشع ؛ عاش وقام على رجليه " [2مل 13 : 20 - 21]. اهـ *شبهات المشككين*.
ولا يوجَدُ في مصادِرِنا الإِسلاميةِ اليقينية - المحصورةِ في الكتابِ والسنة ما تُضيفُه على ما وَرَدَ في هذه الآيات ِ حولَ قَميصِ يوسفَ - عليه السلام - ، ونحنُ مأمورونَ أَنْ نبقى مع الآيات ، نؤمنُ بما وَرَدَ فيها ، ونسكتُ عما سَكَتَتْ عنه.
فنقول : كانَ القَميصُ قَميصاً عاديّاً ، كباقي القُمصانِ العادية ، يَلْبَسُه يوسُفُ - عليه السلام - ، كما يلبَسُ أَيُّ إنسانٍ قميصَه..
وأَوحى اللّهُ ليوسفَ أَنْ يرسلَ قميصه إِلى أَبيهِ ليعودَ له بصرُه ، ولما أُلقيَ على وجْهِه عادَ له بَصرُه ، وكان هذا بأَمْرٍ من اللّه ، الفَعَّالِ لما يُريد ، فهو سبحانَه الذي جَعَلَ القميصَ سَبَباً ماديّاً لإِعادةِ البصر ، وجعلَ هذا آيةً من آياتِه ، جَرَتْ على أيدي النبيَّيْن يعقوبَ ويوسفَ - صلى الله عليهما وسلم -.

امرأة فرعون تتبنَّى موسى - عليه السلام -
أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ أَنَّ امرأةَ فرعونَ رَأَت الطفلَ موسى في التابوت ، فأَحَبَّتْهُ وتَبَنَّتْه ، وطلبتْ من زوجِها فرعونَ أَنْ يَتَبَنّاهُ ولا يَقْتُلَه ، فاستَجابَ لها.
قال تعالى : *وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ *9*.
وقال تعالى : *وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى *37* إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى *38* أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي *39*.
أُخرَى@ إَذ أَوْحَيْنَاَ إِكَ أُقِكَ مَا يُوحَى@
ولكنَّ الفادي يُخَطِّئُ القرآنَ في هذا الكلام ، ويُحاكِمُه إِلى الكتابِ المقَدس ، وبما أَنه خالَفَ ما في الكتابِ المقَدَّس ، فما وَرَدَ في الثاني هو الصَّواب ، وما وَرَدَ في القرآنِ هو الخطأ!!.
ذَكَرَ الكتابُ المقَدَّسُ أَنَّ التي رأَتْ موسى هي ابنةُ فرعون وليستِ امرأَتَه.
قال الفادي : "ويُعَلمُنا الكتابُ المقدسُ أَنَّ ابنةَ فرعونَ هي التي نَزَلَتْ إِلى نهرِ النيلِ لِتَغْتَسِل ، لأَنهم كانوا يَعتبرونَه إِلهاً ، يُطَهِّرُهُم من النجاسَة.
فرأَتْ سُفْطاً من البَرَدى بين الحَلْفاء ، ففتَحَتْه ، فإذا صبيٌّ يَبْكي ، فأَخذتْه ابنةُ فرعونَ ابْناً لها.
لكنَها لم تكنْ زوجةَ فرعون ...
وقال موسى في سِفْرِ الخروج : إِنها ابنةُ فرعون ، وهو أَعلمُ بمَنْ رَبَّتْه ... "*1*.
الراجحُ والصحيحُ والمعتمدُ عندنا أَنَّ التي أَخَذَتْ موسى الرضيعَ وتَبَنَّتْهُ وَرَبَّتْه هي امرأةُ فرعون كما ذَكَرَ القرآن ، وليستْ ابنتَه كما ذَكَرَ الأَحْبارُ في العهد القديم ، ومن المعلومِ أَنه إِذا تعارضَ ما في القرآنِ مع ما وَرَد في الكتابِ المقَدَّس ، فالصحيحُ هو ما وَرَدَ في القرآنِ ، لأَنَّهً هو كلامُ اللّه المحفوظُ
الثابتُ ، ويُتْرَكُ ما وَرَدَ في الكتابِ المَقدَّس ، لأَنه هو الخطأ!!.

حول تقتيل أولاد بني إسرائيل
أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآن أَنَّ فرعونَ وآلَه كانوا يَسومون بني إِسرائيل سوءَ العذاب ، يُقَتِّلونَ أَبناءَهم ، ويَستحيونَ نساءَهم.
لكن مَتى كان هذا ؟
هل كانَ قَبْلَ بعثةِ موسى - عليه السلام - أَمْ بَعْدها ؟.
وَرَدَ في سورةِ القَصص أَنَّ هذا التعذيبَ والتقتيلَ كان قبلَ رسالةِ
موسى - عليه السلام -.
قال تعالى : *إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ *4* وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ *5* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ *6* وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *7*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
97- ابنة فرعون أو زوجته إن فى القرآن أن امرأة فرعون هى التى التقطت موسى - عليه السلام - ويقول : إن فى التوراة أن الملتقطة له هى ابنة فرعون وليست امرأته. وهذا تناقض.
الرد على الشبهة :
إن كلمات التوراة مشكوك فيها. والدليل على ذلك : أن اسم الرجل فى موضع ، يأتى فى موضع آخر باسم آخر. وكذلك المرأة. وهذا يتكرر كثيراً. فإسماعيل - عليه السلام - كانت له ابنة اسمها " محلث " وتزوجت " العيس " بن إسحاق - عليه السلام - [تك 28 : 9] وفى ترجمة لبنان " محلة " وفى نفس الترجمة " وبسمة " وفى ترجمة البروتستانت " بسمة " [تك 36 : 3].
وفىكتب تفسير التوراة تصريح بكلمات ملتبسة مثل " ثم يذبحه كل جماعة إسرائيل فى العشية " [خر 12 : 6] يقولون : " العشية " هذه اللفظة ملتبسة.. " والشيخ الكبير فى أرض مدين مختلف فى اسمه. ففى الخروج [2 : 18] " رعوئيل " وفى الخروج [4 : 18] " ثيرون " والابن الأول لموسى فى ترجمة " جرشوم " وعند يوسيفوس " جرشام " وفى ترجمة السبعين " جرسام " [خر 2 : 22]. اهـ *شبهات المشككين*.
تَذْكُرُ الآياتُ أَنَّ تَذبيحَ الأَبناءِ واستحياءَ النساءِ كان قبلَ ولادةِ موسى ، بل إِنَّ موسى وُلِدَ في هذا الجَوِّ ، وكان عُرْضَةً للذَّبْح ، لولا أَنَّ اللّهَ حَماهُ بأَنْ أَلْهَمَ أُمَّهُ حُسْنَ التصرف ، بأَنْ تَضَعَهُ في التابوت ، وتَضَعَ التابوتَ في اليَمِّ ، فيأْخُذَه الماءُ إِلى الساحل ، وهناكَ يَأْخُذُهُ رجالُ أُسْرَةِ فرعونَ ، ليُرَبّوهُ وَيَتَبَنَوْهُ!!.
ووردَ في سورةِ الأَعرافِ أَنَّ هذا التعذيبَ والتقتيلَ كان بعدَما بَعَثَ اللّه موسى رسولاً - صلى الله عليه وسلم - ، وبعدما قَدَّمَ نَفْسَه إِلى فرعون ، ودَعاهُ إِلى الإِيمانِ باللّه.
قال تعالى : *وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ *127* قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا*.
تَذْكُرُ هذه الآياتُ أَنَّ الملأَ من قومِ فرعونَ حَرَّضوهُ على البطشِ بموسى النبيِّ وأَتْباعِه ، فأَمَرَ بقتْلِ أَبناءِ بني إِسْرائيل واستحياءِ نسائِهم ، ولما فَعَلَ ذلك أَمَرَ موسى قومَهُ بالصبرِ والاستعانةِ باللّه! *1*.
واعتبرَ الفادي الآيتَيْن متناقضتَيْن ، قال : " تقولُ سورةُ الأَعرافِ : إِنَّ المصريّينَ اشتكَوْا لفرعونَ من تصرفِ موسى ، فأَمَرَ بقتْلِ أَبناءِ العبرانيّين واستحياءِ نسائهم..
وتقولُ سورةُ القَصصِ : إِنَّ فرعونَ قبلَ ولادةِ موسى أَمَرَ بذبْحِ الأَولادِ واستِحياءِ النِّساء ، حتى خافَتْ أُمُّ موسى عليه ، وخَبَّاَتْه في صفطِ البَرَدَى ، إِلى أَن انتشلَتْه ابنةُ فرعون..
فالآيتان مُتناقِضَتان ".
ومن المعلومِ عندنا أَنه لا تَناقُضَ في القرآن ، ولا تَعارُضَ بين آياتِه..
وفي الإِخبارِ عن تعذيب آلِ فرعونَ لبني إِسرائيل ، لا تَعارُضَ ولا تَناقُضَ بين سورةِ القَصَص وسورةِ الأَعراف.
إِنَّ تعذيبَ فرعونَ وآلِه لبني إسرائيل استمرَّ وَقْتاً طويلاً ، بدأ قبلَ ولادةِ موسى ، واستمرَّ إِلى ما بعد ولادته ، وبقيَ إِلى أَنْ عادَ موسى من أَرضِ مَدْيَنَ رسولاً إِلى فرعونَ ، ولما جَرى ما جَرى بينَ موسى - عليه السلام - وفرعون ، واصَلَ فرعونُ وآلُهُ التعذيبَ والتذبيحَ والتقتيل ، وجَدَّدَ فرعونُ أَمْرَهُ السابق بقَتْلِ الأَبْناء واستحياءِ النساء.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
98- طرح الأولاد فى النهر صدر قبل ولادة موسى لا بعد إرساليته إن فى سورة الأعراف : أن الملأ من قوم فرعون بعد ولادة موسى وظهور نبوته قالوا لفرعون : أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الأرض ؟ وقد رد عليهم بقوله : *سَنُقَتِّل أبناءهم وتستحيى نساءهم وإنا فوقهم قاهرون *
وفى سورة القصص : أن قتل الأبناء واستحياء النساء كانا من قبل ولادة موسى وهذا تناقض.
الرد على الشبهة :
إن قتل الأبناء واستحياء النساء كانا من قبل ولادة موسى - عليه السلام - وهو فيما بعد يهدد باستمرار القتل والزيادة فيه. اهـ *شبهات المشككين*.
وهذا معناهُ أَنه لا تناقُضَ بين حديثِ سورةِ القصصِ وسورةِ الأَعراف ، فالتعذيبُ بدأَ قبلَ ولادةِ موسى بفترة ، وهذا ما تحدثَتْ عنه سورةُ القَصص ، واستمرَّ إِلى ما بعد ولادتِه وطفولتِه وشبابِه ، وبقيَ متواصلاً إِلى أَنْ عاد موسى نبيّاً من مَدْين ، وازدادَ التعذيبُ والتذبيحُ والتقتيلُ بعدما احْتَدَمَ الصراعُ بين موسى - عليه السلام - وبينَ فرعون ، وهذا ما تحدَّثَتْ عنه سورةُ الأَعراف!!.
وأَكَّدَتْ آياتُ سورةِ غافر آياتِ سورةِ الأَعراف.
قال تعا لى : *وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ *23* إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ *24* فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ *25* وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ *26*.

حول صداق امرأة موسى - عليه السلام -
أَخْبَرَ اللّهُ أَنَ موسى - عليه السلام - اتفقَ مع الرجلِ الصالحِ في مدينَ على أَنْ يَعْمَلَ عنده ثمانيَ أَو عَشْرَ سنوات مقابل أَنْ يُزَوجَه ابنَتَه.
قال تعالى : *قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ *27*.
وقد اعترضَ الفادي على هذه الآية ، واعتبرَها من أَخطاءِ القرآن ، لأَنها مخالفةٌ لما في كتابِه المقَدَّس.
قال : " وَمَعروفٌ أَنَّ يَثْرونَ حما موسى - صلى الله عليه وسلم – له سبعُ بَناتٍ لا اثْنَتَيْن ، وزَوَّجَه واحدة ، بدونِ أَنْ يخْدمَه ثماني سنواتٍ أَو عَشْراً ...
وأَمّا الذي خَدَمَ حماهُ كصداقٍ لامرأَتِه فهو يَعقوب ، الذي خَدَمَ حماهُ سَبْعَ سنين " *1*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
99- صَدَاق امرأة موسى
إن فى سورة القصص أن موسى أصدق امرأته من مدين خدمة ثمانى أو عشر لأبيها. وفى التوراة أنه كان له سبع بنات لا اثنتين ، وأنه لم يصدق المرأة. لا بالخدمة ولا بما يقوم مقامها.
الرد على الشبهة :
هب أنه كان عنده سبعة. وقدم له اثنتين لائقتين بحاله لينتقى واحدة منهما. فما هو الإشكال فى ذلك ؟ وحال يعقوب مع خاله " لابان " ، كحال موسى مع كاهن مديان. فإنهما كانا يتعيشان من رعى الغنم. وخدم يعقوب خاله سبع سنين صداقاً لابنته الأولى " ليئة " وخدم سبع سنين أخرى صداقاً لابنته الأخرى " راحيل " وموسى هارب من أرض مصر بلا مال. فكيف يتزوج فى أرض غريبة بلا مال.
وفى النص ما يدل على ما اتفقا عليه. وهو " فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل. فأعطى موسى صفورة ابنته " ارتضى على ماذا ؟ ولماذا قال بعد الارتضاء : " فأعطى موسى صفورة ابنته " ؟ والنص كله هو : " وكان لكاهن مديان سبع بنات. فأتين واستقين وملأن الأجران ليسقين غنم أبيهن. فأتى الرعاة فطردوهن. فنهض موسى وأنجدهن وسقى غنمهن. فلما أتين إلى رعوئيل أبيهن قال : ما بالكن أسرعتن فى المجئ اليوم ؟ فقلن : رجل مصرى أنقذنا من أيدى الرعاة ، وإنه استقى لنا أيضاً وسقى الغنم. فقال لبناته : وأين هو ؟ لماذا تركتن الرجل ؟ ادعونه ليأكل طعاماً. فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل ، فأعطى موسى صفورة ابنته " [خر 2 : 16] وفى النص السامرى : " فلما أمعن موسى فى السكنى مع الرجل ؛ أعطاه صفورة ابنته لموسى زوجة ". اهـ *شبهات المشككين*.
واعتراضُ الفادي عندنا لا وَزْنَ له ، ولا يهمنا ماذا قالَتْ أَسفارُ العهدِ القديمِ عن يعقوبَ وموسى - صلى الله عليهما وسلم -..
إِنَ الذي يَعْنينا ويهمُّنا هو ما قالَه القرآن ، وهو الصحيحُ ، والمعتمدُ عندنا ، وكُل ما وَرَدَ فيه فهو الصواب.
لقد خَدَمَ موسى - صلى الله عليه وسلم - عند الرجلِ الصالحِ في مَدْيَن - الذي لم يَذكر القرآنُ اسْمَه - عَشْرَ سنوات ، مقابلَ زواجِه من إِحدى ابنَتَيْه ، كان فيها يَرعى الغنم ، وكانت السنواتُ العشرُ التي قضاها مَهْراً للمرأةِ التي تزوَّجَها.
هذا ما صَرَّحَ به القرآن ، وهو الذي نؤمنُ به عن يَقين.

وراثة بني إسرائيل للأرض
وَعَدَ اللّهُ بني إِسرائيلَ أَنْ يَرِثوا الأَرضَ بعدَ هلاكِ فرعونَ وجنودِه.
قال تعالى : *قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ *128* قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ *129*.
وأَرادَ الفادي أَنْ يُثيرَ شبهةً على الآية ، فذهبَ إِلى تفسير البيضاوي ، لعلَّهُ يَجِدُ فيه ما يُرِيدُ.
فَنَقَلَ عنه قولَه في تفسيرِ الآية.
" هي وَعْدٌ لهم بالنّصرة ، وتذكيرٌ لمَا وَعَدَهم ، من إِهلاكِ القِبط ، وتوريثِهم ديارَهم وتحقيقٌ له ... "..
وقالَ في تفسير قوله تعالى : *عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ... * : " وقد رُوِيَ أَنَّ مصرَ إِنما فُتِحَت لهم في زمنِ داود - صلى الله عليه وسلم -.
وعَلَّقَ الفادي على كَلام البيضاويّ بقولهِ : " ومعروفٌ للجميعِ أَنَّ بَني إِسرائيلَ وَرِثوا أَرْضَ مصر " *1*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
100- لم ترث إسرائيل مصر إن فى القرآن أن بنى إسرائيل ورثوا أرض مصر بعد هلاك فرعون. وهذا خطأ فإنهم لم يرثوا إلا أرض كنعان.

الرد على الشبهة :
1 - على قوله : إن دعوة موسى كانت خاصة لبنى إسرائيل. فإن حدود مصر تبدأ من " رفح " وهم يقولون : إن المواعيد هى من النيل إلى الفرات. فيكون الجزء من رفح إلى النيل داخلاً فى الإرث.
2 - والإرث ليس لاستغلال خيرات الأرض وتسخير أهلها فى مصالح اليهود. ولكنه " إرث شريعة " فإن الله قال لإبراهيم - عليه السلام - : " سر أمامى وكن كاملاً " [تك 17 : 1] أى امشى أمامى فى جميع البلاد لدعوة الناس إلى عبادتى وترك عبادة الأوثان. وقد سار إبراهيم ودعا بالكلام وبالسيوف. ولذلك سرّ الله منه ، ووعده بمباركة الأمم فى نسل ولديه إسحاق وإسماعيل. والبركة معناها : ملك النسل على الأمم إذا ظهر منه نبى. وسلمه الله شريعة. ولما ظهر موسى - عليه السلام - وسلمه الله التوراة. أمره بنشرها بين الأمم. وإذا نشرها بين أمة فإنه يكون وارثاً لهذه الأمة " إرث شريعة " إذ هو بنشرها يكون بنو إسرائيل والأمم متساوون أمام الله فيها. وما فائدة بنو إسرائيل إلا التبليغ فقط. وبه امتازوا عن الأمم. ويدل على ذلك : إرثهم لأرض كنعان - كما يقولون - فإنهم ورثوها لنشر شريعة التوراة فيها ، وكان الإرث على يد طالوت وداود - عليهما السلام - وقد قال داود - عليه السلام - لجالوت وهو يحاربه : إن الحرب للرب. أى أن القتال فى سبيل الله. ذلك قوله : " وتعلم هذه الجماعة كلها أنه ليس بسيف ولا برمح يخلّص الرب ؛ لأن الحرب للرب. وهو يدفعكم ليدنا "[صموئيل الأول 17 : 47].
وإذا أراد الله نسخ التوراة يكون معنى النسخ إزالة ملك النسل اليهودى عن الأمم ليقوم النسل الجديد بتبليغ الشريعة التى أقرها الله فيهم لتبليغها إلى الأمم. وهذا ما حدث فى ظهور الإسلام. فإن بنى إسماعيل - عليه السلام - حاربوا وملكوا ونشروا القرآن وعلموه للأمم. ولهم بركة. فإن الله قال لإبراهيم عن إسماعيل : " وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه " [تك 17 : 20].
وفى التوراة عن بركة إبراهيم : " وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض " [تك 12 : 3] ومعنى مباركة جميع أمم الأرض فى إبراهيم : هو أن نسله يبلغون للناس شرائع الله.
وفى التوراة عن إرث بنى إسماعيل للأمم : " ويرث نسلك أمماً ، ويعمر مدناً خربة " [إش 54 : 3 ].
3 - وكتب المؤرخين تدل على أن بنى إسرائيل أقاموا فى مصر. وقد نقل صاحب تفسير المنار فى سورة يونس عن يونانيين قدماء أن موسى - عليه السلام - رجع إلى مصر بعد هلاك جنود فرعون وحكم فيها ثلاث عشرة سنة. اهـ *شبهات المشككين*.
ولَسْنا مع البيضاوي في ما أَوردَه من أَنَّ المرادَ بالأَرضِ هناْ أَرضُ مِصْر ، لأَنَّ بَني إِسرائيلَ لم يَرِثوا أَرْضَ مصرَ من فرعونَ وآلِه ، ولم يَسْكُنوها بعدَ هلاكِ فرعون.
ولكن ما ذَكَرَه البيضاويُّ مما لا يتفقُ مع التاريخ لا يتحمَّلُه القرآن ، ولا يَجوزُ أَنْ يُعتبرَ من أخطاءِ القرآنِ التاريخية ، لأَنَ أَخطاءَ المفَسِّرين لا تكونُ أَخطاءً للقرآن ، لأَنَّها أَخطاءٌ في فهم الآيات ، وليسَ في نَصِّ الآيات.
ذَكَرَ القرآنُ " الأَرضَ " ، وليس " مصر " ، فقد قال موسى لبني إِسرائيل :
*إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* ، والمراد بالأَرضِ هنا كُلُّ بقاعِ الأَرض ، وكُلُّ بُلدانِها وأَقطارِها ، ومِصْرُ جزءٌ منها ، واللّهُ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ من عبادِه..
وقد أَورَثَ اللّهُ بني إِسرائيلَ أَرضَ فلسطين بعدَ ذلك ، واستخلَفَهم فيها ، وحَقَّقَ بذلك كلامَ موسى - صلى الله عليه وسلم - لهم : *عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ*.
وحَقَّق اللّهُ لهم ما أَخبرنا عنه في القرآنِ من أَنه مذكورٌ في الزبور.
قال تعالى : *وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ *105* إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ *106*.
ولكنَّ بَني إِسرائيلَ لم يُحْسِنوا الاستخلاف في أَرضِ كنعان ، ومارَسوا فيها ما حَرَّمَ اللّه ، فنزعَ اللّهُ الأَرضَ منهم ، وأَوقع بهم لعنتَه ، وأَخرجَهم منها أَذلاءَ صاغرين.

تسع آيات لا عشر ضربات
أَخْبَرَنا اللّهُ أَنه أَرسلَ موسى - عليه السلام - بتسعِ آياتٍ بَيِّنات ، قال تعالى : *فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ *12*.
وقال تعالى : *وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا *101* قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا *102* فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا *103* وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ*.
وأَرادَ الفادي أَنْ يُثيرَ إِشكالاً حولَ هذا الكلام ، وحاكَمَ القرآنَ إِلى كتابِه المقَدَّسِ ، فَزَعَمَ أَنه وَجَدَ خَطَأً في عَدَدِ الآيات ، التي آتاها اللّهُ لموسى - عليه السلام -.
قال : " يَقولُ الكتابُ المقَدَّس : إِنَّ الضرباتِ التي ضَرَبَ اللّهُ بها المصريّين عَشْرٌ لا تِسْعٌ ، وإِنَّ بني إسرائيلَ بعدَ هَلاكِ فرعونَ وجيشِه في البَحْر لم يَسْكُنوا في أَرضِ مصر ، بل في أَرَضِ كنعان ، وإِنَ فرعونَ لم يكنْ يُريدُ أَنْ يُخْرِجَ اليهودَ من مصر ، بل أَرادَ أَنْ يَستعبدَهم فيها.. "*1*.
واعتراضُ الفادي على الرقمِ المذكورِ في القرآنِ مَرْدود ، لأَنَ ذِكْرَ العددِ فيه مَقْصود ، فهي تسعُ آياتٍ بالضَّبْط ، وليستْ عَشْراً كما زَعَمَ الأَحبارُ في العهدِ القديم! وإذا تَعارضَ المذكورُ في الكتابِ المقَدسِ مع المذكورِ في
القرآن فإِنَّ الصوابَ هو ما ذُكِرَ في القرآن ، كما قَرَّرْنا أَكثرَ من مَرَّة.
والآياتُ التسعُ هي : العصا ، واليد ، والطوفان ، والجراد ، والقُمَّل ، والضفادع ، والدم ، والسنين ، ونقص الثمرات.
وظَنَّ الفادي لغَبائِه أَنَّ المرادَ بالأَرضِ في قوله تعالى : *وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ* أَرضُ مصر.
ولذلك اعترضَ على الآيةِ قائلاً : " وإِنَ بني إِسرائيل بعد هَلاكِ فرعونَ وجيشِه في البحرِ لم يَسْكُنوا في أَرضِ مصر ؟ بل في أَرضِ كَنْعان "..
وسبقَ أَنْ ناقشناهُ في هذه المسألةِ في المبحثِ السابق ، وقُلْنا : إِنَّ المرادَ بالأَرض التي أَسكنَ اللّهُ بني إِسرائيلَ فيها بعدَ خروجِهم من مصْرَ هي الأَرضُ المقدسةُ فلسطين ، والتي يُسميها الأَحبارُ أَرضَ كنعان!.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
101- ضربات مصر عشر لا تسع إن فى التوراة أن الآيات البينات عشر. وفى القرآن تسع.
وهذا تناقض.

الرد على الشبهة :
إن مفسرى التوراة صرحوا بالاختلاف فى عدد هذه الآيات. فالآية الثانية وهى الضفادع ؛ يوجد من يقول إنها التماسيح.
والآية الثالثة قال بعضهم إنها ضربة القمل ، وقال بعضهم إنها ضربة البعوض.
والآية الرابعة قال بعضهم إنها ذباب الكلب خاصة ، وقيل مطلق ذباب. اهـ *شبهات المشككين*.
والمرادُ بالأَرضِ في هذه الآية مختلفُ بقاعِ العالَمِ القديم ، مثلُ : فارسَ والروم والحبشة واليونان وغيرها ، التي شَتَّتَ اللّه اليهودَ فيها ، وعاشوا " عَصرَ الشَّتاتِ " الذي استمرَّ قُروناً عديدة.
وسَيَبْقَوْن مُشَتَّتينَ في مختلفِ بقاعِ الأَرض ، في مختلفِ البلدان ، إِلى أَنْ يَحينَ موعدُ إِفسادِهم الثاني ، حيثُ سيجمعُهم اللّهُ من تلك البلدان ، ويأْتي بهم إِلى الأرضِ المُقدَّسة! وهذا ما تصرحُ به الآية : *وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا *104*.
وهذا ما تحققَ في هذا الزمان ، الذي يَعيشُ فيه اليهودُ إفسادَهم الثاني الكبير ، حيثُ أَتى اللّه بهم لَفيفاً ، من مختلفِ القارّاتِ الخَمْس ، وأَقاموا دولَتَهم على الأَرضِ المقَدَّسَة!.

العيون المتفجرة من الحجر
أَخْبَرَنا اللّهُ أَنَّ بني إِسرائيلَ استسقَوْا موسى وهم في الصحراء ، فَأَمَرَهُ اللّهُ أَنْ يضربَ الحجرَ بعصاه ، ولما فعلَ فَجَّرَ اللّهُ من الحجرِ اثْنَتا عشرة عَيْناً ، على عَدَدِ أَسباطِ بني إِسرائيل.
قال تعالى : *وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ*.
وقال تعالى : *وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ*.
وخَطَّأَ الفادي كلامَ القرآن ، وحاكَمَه إِلى كلامِ العهدِ القَديم ، الذي أَلَّفَه الأَحبار ، وكلُّ ما خالَفَ العهدَ القديم عندَه خَطَأ!
نَقَلَ الفادي عن سِفْرِ الخروجِ : " أَنه لما خَرَجَ بنو إِسرائيلَ إِلى سيناء ، جاؤُوا إِلى " إِيليم " ، وَوَجَدُوا فيها اثنتئ عشرةَ عينَ ماء ، وسَبْعين نخلة ، فَنَزَلوا عندَ النخلِ والماءِ قليلاً ، ثم ارْتَحلوا إِلى بَرِّيَّةِ " سين " ، ونَزَلوا في " رفيديم "
فيها ، ولم يكنْ فيها ماءٌ ليَشْرَبوا ، وطَلَبوا من موسى أَنْ يُعطيهم ماءً لِيَشْرَبوا ، وتَذَمَّروا عليه وخاصَموه ، وصَرَخَ موسى إِلى الرَّبِّ ، طالِباً منه التَّصَرُّف ، فأَمَره الربُّ أَنْ يأخذَ الشَّعْبَ معه ، إِلى صخرةِ " حوريب " ، ويضربَ الصخرةَ بعصاه ، ولما فعلَ ذلك أَنْبَعَ اللّهُ منها عينَ ماءٍ لبني إِسرائيل ".
وعَلَّقَ الفادي على ما نَقَلَه من سِفْرِ الخروجِ بقوله : " فليست الاثْنَتا عشرةَ عيناً التي في إِيليمَ هي الصخرةُ التي في حوريب "*1*.
ما ذَكَرَهُ الأَحبارُ في سِفْرِ الخروج ، أَنَّ بَني إِسرائيلَ مَرّوا على اثْنَتَيْ عشرةَ عيناً ، أَنْبَعَها اللّهُ قبلَ مرورِهم ، وعندما احْتاجوا إِلى الماء بعد ذلك أَنبعهُ اللّهُ لهم ، بعدَ أَنْ ضربَ موسى الصخرةَ بعصاه ، فخرجَتْ منها عينُ
ماءٍ واحدة ، هذا مردود عندنا ، لأَنه يتعارض مع ما ورد في القرآن ، والمعتمدُ عندنا هو ما وردَ في القرآن! فالذي نقولُ به أَنه بينما كان بنو إِسرائيلَ في الصحراء ، احْتاجوا إِلى الماء ، فَطَلَبُوا من موسى - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يستسقيَ اللّهَ لهم ، فأَمَرَهُ اللّهُ أَنْ يضرِبَ الحَجَر بعَصاه ، وكان حَجَراً في ذلك المكان ، ولم يكنْ صخرةً كما زعَمَ الأَحبار ، ولما ضَرَبَه انفجرتْ منه اثْنَتا عشرةَ عيناً ، كلُّ عينٍ منفصلةٌ عن غيرِها ، على عَدَدِ أَسْباطِ بني إسرائيل ، ليشربَ كُلُّ سِبْطٍ من عينٍ خاصّة : *قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ*..
ولم يكنْ خروجُ هذه العيونِ من الحجرِ عاديّاً ، إِنما كان معجزةً خارقة ، من فعلِ اللّه - عز وجل -.
ولَسْنا مع الأَحبارِ في تحديدِهم الأَماكن ، في إِيليم وسين ورَفيديم وحُوريب ، ونَبْقى مع القرآنِ في إِبهام المكان ، ولا يَضُرّنا الجهلُ به ، لعدمِ تحديدِه في الآياتِ والأَحاديث ، فقد يكونُ في إِيليم ، وقد يكونُ في حوريب ،
وقد يكونُ في مكانٍ آخر ، وعلْمُ ذلك عندَ اللّهِ وَحْدَه!.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
103- صخرة حوريب وليست آبار إيلّيم جاء فى سورة البقرة : *وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً*.
وفى التوراة أن الاثنتى عشرة عيناً فى " إيليم " وفى القرآن أنهم فى " حوريب " وهذا تناقض.
الرد على الشبهة :
لم يذكر القرآن أن الاثنتى عشرة عيناً فى " حوريب ". اهـ *شبهات المشككين*.
الألواح التي كتبت عليها التوراة
أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ أَنَّه لما ناجاهُ موسى - عليه السلام - على جبلِ الطّور ، أَنزل عليه التوراةَ من السماءِ مكتوبةً على أَلواح.
قال تعالى : *قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ *144* وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا*.
وأَخَذَ موسى - عليه السلام - الأَلواحَ وتَوَجَّه إِلى بني إِسْرائيل ، فوجَدَهم يَعْبدونَ العجل ، فأَلْقى الأَلواح.
قال تعالى : *وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ*.
ولما زال عنه الغضبُ أَخَذَ الأَلواح ، ودَعا بني إِسرائيلَ إِلى الالتزامِ بما فيها.
قال تعالى : *وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ *154*.
وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ في كلامِه عن أَلواحِ التوراة ؟
فقال : " ومَعروف أَنَ موسى كتبَ الشريعةَ على لوحَيْن لا على أَلواح ، وعلى اللوحَيْن كَتَبَ الوصايا العشرَ فقط ، وليس تفصيل كُلِّ شيء " *1*.
لا نقول إِلاّ بما قال به القرآن ، من أَنَّ اللّهَ أنزل التوراةَ على موسى - صلى الله عليه وسلم - ، وهو على جبلِ الطور ، وكانت التوراةُ مكتوبةً على " أَلْواح " ، والأَلْواحُ جمع ، فهي عدةُ أَلواح ، أَبهمَ القرآنُ عَدَدَها ، فلا نعرفُه ، إِنما نقول : كانتْ أَلواحاً مكتوبةً في السماء ، ولا نَعرفُ كيف كُتِبَتْ في السَّماء ، ولا ما هو حجمُ كُلِّ
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
104- لوحا الشريعة إن الله كتب لموسى فى الألواح من كل شىء. وهذا على ما فى القرآن. وعلى ما فى التوراة كتب لوحين اثنين ، وكتب عليهما الوصايا العشر فقط.

الرد على الشبهة :
1-إن الألواح الأولى قد كسرت. وحل محلها ألواح جديدة.
2- والألواح الأولى كانت مكونة من :
أ - لوحين للعهد للعمل بالتوراة.
ب - ومن عدة ألواح مكتوب عليها كل أحكام التوراة.
ففى الأصحاح التاسع عشر من سفر الخروج وما بعده إلى الإصحاح الرابع والعشرين كل أحكام التوراة وبعدها " فجاء موسى وحدث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام ".
ثم صعد إلى جبل الطور فأعطاه الله :
أ - لوحى الحجارة.
ب - والشريعة والوصية.
ومن قبل نزوله من على الجبل ؛ عبدوا العجل من دون الله.
ولما سمع موسى بالخبر كسر لوحى العهد فى أسفل الجبل. ولكن كاتب سفر التثنية يقول : " إنه كسر لوحين كان عليهما كل أحكام الشريعة وعليهما مثل جميع الكلمات التى كلمكم بها الرب فى الجبل من وسط النار فى يوم الاجتماع " [تث 9 : 10] ولا يمكن للوحى العهد أن يحملا مع العهد كل أحكام الشريعة التى نزلت فى يوم الاجتماع ".
ولما كسر الألواح. أعطى الله له بدلهم ألواح جديدة [خر 32 : 29 ] والمكتوب على الألواح الجديدة ؛ أحكام الشريعة الموجودة فى الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر التثنية. وفيها : " لا تطبخ جديًا بلبن أمه ".
والمناسب لأحكام الشريعة *الألواح* بالجمع. ومنها لوحى العهد. اهـ *شبهات المشككين*.
لوح ومقاسُه ، ولا نعرفُ ما كُتِبَ على كُلِّ لوحٍ منها ، لأَنَّ اللّهَ لم يُبَيِّنْ ذلك في القرآن.
وما قالَه الأَحبارُ في سِفْرِ الخروجِ من أَنهما لوحانِ فقط ، وأَنَّ موسى عَلَّإِنر هو الذي كَتَبَهما بيدِه ، كلامٌ مردود عندنا لمخالفتِه ما وَرَدَ في القرآن!.
ثم إِنَّ اللّهَ أَخْبَرَنا أَنه كتبَ في التوراةِ كُلَّ شيء : *وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ*.
أَيْ أَنَ اللّهَ جعلَ فيها أَحكاماً وتشريعات ، وجعلَ فيها مواعظَ ونصائح ، وجعلَ فيها تفصيلَ كُلِّ ما يحتاجُ إِليه بنو إِسرائيل ، في ذلك الماضي السحيق.
وهذا معناه أَنْ نَرُدَّ كلامَ الأَحبار ، الذينَ يزعمونَ أَنَّ موسى - صلى الله عليه وسلم - لم يَكتبْ على اللَّوحَيْن إِلّا الوصايا العَشْرَ فقط.
فالوصايا العَشْرُ لا تَزيدُ عن عَشْرِ جُمَلٍ مختصرةٍ مجملة ، وهذه الوصايا العَشْرُ ليست موعظةً وتَفْصِيلاً لكُلّ شيء!.
إِنَّ مرجعيَّتَنا غيرُ مرجعيةِ الفادي وقومِه ، والحَكَمُ عندنا غيرُ الحَكَمِ عندهم ، وإِنَّ القرآنَ هو المهيمنُ على الكتابِ المقَدَّس ، ولا يكونُ الكتابُ المُقَدَّسُ الذي أَلَّفَه الأحبارُ مهيمناً على القرآنِ العظيم!.

هل طلب بنو إسرائيل رؤية اللّه ؟
أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ أَنَّ بني إِسرائيلَ طَلَبوا من موسى - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرَوا اللّهَ جَهرة ، وأَنْ يُشاهِدوهُ بعيونِهم ، فعاقَبَهم اللّهُ على هذا الطلبِ القبيحِ بأَنْ أَخَذَهم بالصاعقةِ ، ثم أَحياهم.
قال تعالى : *وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ *55* ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *56*.
وقال تعالى : *يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ*.
وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ لمخالفته ما وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس.
قال : " ولكنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُعَلِّمُنا أَنَ بني إِسرائيل خافوا من اللّه ، وقالوا لموسى : " تَكَلَّمْ أَنتَ مَعَنا ، ولا يتكلم اللّهُ معنا لئَلّا نَموت " ...
فعكسَ القرآنُ الموضوعَ ، وقالَ : إِنَّ بني إِسرائيلَ طَلَبوا أَنْ يَرَوُا اللّه فأَماتَهم اللّهُ بالصاعقة ، ثم بَعَثَهم ثانية..
ولعلَّ الدافعَ على هذا أَنْ يُخيفَ العَرَبَ الذينَ سأَلوا محمداً أَنْ يَنزّلَ لهم كتاباً من السماء ... " *1*.
يَزعمُ الفادي أَنَّ بَنِي إِسرائيل لم يَطْلُبوا أَنْ يَرَوُا اللّهَ جهرة ، كما ذَكَرَ القرآن ، وإِنَّما طَلَبوا أَنْ لا يُكَلِّمَهم اللّه ، لأَنهم خافُوا إِنْ كَلَّمَهم أَنْ يَموتوا.
ونحنُ لا يَعنينا ما قالَه الأَحبارُ في سِفْرِ الخروج ، إِنما يَعْنينا ما ذَكَرَهُ القرآن ، لأَنَّه عِندنا أَمْرٌ يَقينيّ جازم.
لقد كان بَنو إِسرائيلَ جاهِلين ، غَيْرَ مُعَظِّمينَ للّه ، فقد ظَنُّوا أَنه يُمكنُ أَنْ يَرَوا اللّه بعيونِهم ، وظَنُّوا أَنَّ موسى - صلى الله عليه وسلم - يرى اللّه عندما يُكلِّمُه ويُناجيه ، فحسدوهُ وغَاروا مِنْه ، وطَلَبوا أَنْ يَرَوا اللّه بِعيونِهم ، كما يَرى هو اللّهَ بعينَيْه..
علماً أَنَّ موسى - عليه السلام - لم يَرَ رَبَّه ، وعندما سأَلَ اللّهَ أَنْ يرَاهُ أَخْبَرَه أَنه لنْ يَراه.
قال تعالى : *وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ *143*.
وقد عَلَّقَ بنو إِسرائيل الجاهلين إيمانَهم لموسى واستسلامَهم وطاعتَهم له على رؤيتِهم اللّهَ جهرةً بعيونِهم ، وطَلَبوا منه أَنْ يَطْلُبَ مق اللّه أَنْ يَنزلَ أَمامَهم ، ويُخاطِبَهم ، فَيَرَوْهُ ويُشاهدوه وتسمعوه!! عند ذلك عاقَبهم ، فأَخَذَتْهم الصاعقة ،
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
105- هل طلبوا رؤية الله ؟
إن فى القرآن أن بنى إسرائيل طلبوا رؤية الله. وفى التوراة أنهم قالوا لموسى : " تكلم أنت معنا ، ولا يتكلم معنا الله ؛ لئلا يموت " [خر 20 : 19 ] فعكس القرآن الموضوع.
الرد على الشبهة :
إن المؤلف جاهل بما فى كتابه. وإن فيه :
أ - أن اليهود رأوا الله.
ب - وأن موسى طلب رؤية الله.
ج - وأنهم طلبوا أن لا يروا الله.
*أ* فموسى لما أخذ العهد على اليهود أن يعملوا بالتوراة ، بكّر فى الصباح وبنى مذبحاً فى أسفل الجبل. وأخذ العهد. ثم قال الكاتب : " ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرئيل ورأوا إله إسرائيل ، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء فى النقاوة ، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بنى إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا " [خروج 24 : 9 - 11].
*ب* وطلب موسى رؤية الله " فقال : أرنى مجدك " ورد عليه بقوله : " لا تقدر أن ترى وجهى.لأن الإنسان لا يرانى ويعيش " [خر 33 : 18].
*ج* ولما تجلى الله للجبل ؛ حدث من هيبته حال التجلى نار ودخان وارتجف كل الجبل جداً. فارتعب بنو إسرائيل من هذا المنظر ، وقالوا لموسى : إذا أراد الله أن يكلمنا مرة أخرى ؛ فليكن عن طريقك يا موسى ونحن لك نسمع ونطيع. فرد الله بقوله : أحسنوا فيما قالوا. وسوف أكلمهم فى مستقبل الزمان عن طريق نبى مماثل لك يا موسى من بين إخوتهم وأجعل كلامى فى فمه ؛ فيكلمهم بكل ما أوصيه به [تث 18 : 15 - 22]. اهـ *شبهات المشككين*.
فَصُعِقوا وأُغميَ عليهم ، وكانوا كالأَموات ، ثم أَيقظَهم وبَعَثَهم ، وأَعادَهم إِلى الحياة ، ليستكملوا أَعمارَهم.
وسألَ اليهودُ في المدينةِ رسولَ اللّه محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُنزلَ عليهم كتاباً من السماء ، وكانَ سؤالَ تَعَسفٍ وتعجيز ، كما كانَ سؤالُ أَجدادِهم لموسى - عليه السلام -.
قال تعالى : *يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ.

قارون الإسرائيلي الكافر
أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ عن قارونَ وكفرِه وغِناه ، وأَنَّه كان إسرائيليّاً كافراً ، انضمَّ إِلى فرعونَ ضدَّ موسى وقومِه بني إِسرائيل.
قال تعالى : *إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ*.
وكانتْ نهايةُ قارونَ سيئةً ، حيثُ خَسَفَ اللّهُ به وبدارِه الأَرض.
قال تعالى : *فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ *81*.
وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ ، ونَقَلَ عن السابقينَ أَنَّ قارونَ هو مَلِكُ ليديا في القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد ، وذَكَرَ الأَحبارُ في الكتاب المقَدَّسِ أَنَّ الذي خرجَ على موسى هو قورحُ وليس قارون.
قال : " ومعروفٌ أَنَّ قارونَ القرآن هو كروسوس ملكُ ليديا *560 - 546 ق. م* ، وهو عَلَم على الغِنى ، بينَ العربِ وغيرهم..
ولا يوجَدُ ما يُبَرِّرُ خَلْطَه بقورَح ، الذي وَرَدَ ذكْرُه في التوراة ، فلا علاقَة لقارونَ بقورح ، الذي ثارَ على داثان وأَبيرام على موسى ، فَفَتَحت الأَرْضُ فاها وابْتَلَعَتْهم ".
لا دليلَ على أَنَّ ملكَ ليديا في القرنِ السادس قبلَ الميلاد كان اسْمُه قارون ، وكلامُ المَؤَرِّخين ليس يقينياً قاطعاً ، إِنما هو محتملٌ للصحةِ والخَطَأ ، فلا يُعْتَمَدُعليه.
وكلامُ الأَحبارِ أَيضاً ليس يَقينيّاً ، فلا يُعْتَمَدُ عليه ، ولا يُحْكَمُ به على كلامِ اللّهِ في القرآن ، ولذلك لا نقول : إِنَّ قورحَ هو الذي خرجَ على موسى - صلى الله عليه وسلم - ، مع اثنيْنِ من بني إِسرائيل ، وأَنَّ اللهَ خَسَفَ بالثلاثةِ في البرية.
ونتوقَّفُ في هذا الكلامِ الذي ذَكَرهُ الأَحْبار ، فلا نُصَدّقُه ولا نُكَذِّبُه..
والذي نقولُه ونؤمنُ به أَنَّ قارونَ المذكورَ في القرآنِ ليس هو قارونَ ملكَ ليديا ، ولا قورحَ الذي خَرَجَ على موسى ، قارونُ المذكورُ في القرآنِ إِسرائيليّ من قومِ موسى ، وقد أَغناهُ اللّه ، وآتاهُ من الكنوزِ ما يعجزُ الرجالُ الأَشدّاءُ الأَقوياءُ عن حَمْلِه ، واختارَ الكفْرَ والبغيَ والطغيان ، وانحازَ إِلى فرعونَ ضدَّ قومِه الإِسرائيليين ، واستخدمَ أَموالَه وكنوزَه في محاربةِ موسى - صلى الله عليه وسلم - وأَتْباعِه ، ولم يَستجبْ لنصْحِ الناصحين المؤمنين ، فعاقَبَه اللّهُ وخَسَفَ به وبدارِه الأَرض ، قال تعالى : *فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ *81*.
والراجحُ أَنَّ قارونَ الإِسرائيليَّ كان قد انضمَّ إِلى فرعونَ ضدَّ بني إِسرائيل ، قبلَ أَنْ يبعثَ اللّهُ موسى - عليه السلام - نبيّاً إِلى فرعون ، ولذلك أَرسلَه اللّهُ نبيّاً إِلى الطُّغاةِ الثلاثة : فرعونَ وهامانَ وقارون.
قال تعالى : *وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ *23* إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ *24*.
والراجحُ أَنَّ اللّهَ خَسَفَ بقارونَ ودارِه الأَرض في مصر ، قبلَ أَنْ يَخرجَ بنو إِسرئيل منها!!.

بين داود وسليمان - عليهما السلام -
كان داودُ رسولاً ومَلكاً على بني إِسْرائيل ، وكان ابْنُه سليمان نبيّاً مَلكاً من بعدِه على بني إِسرائيل ، وكان سليمانُ مساعِداً لأَبيه في عهدِه - عليه السلام -.
وقد أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ عن استدراكٍ لسليمان على حُكْمٍ حَكَمَ به والدُه داودُ.
قال تعالى : *وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ *78* فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ *79*.
وأَوردَ الفادي روايةً عن ابنِ عباس - رضي الله عنهما - في حُكْمٍ داودَ وسليمانَ في قضيةِ الحرثِ والغنم ، استدركَ فيها سليمانُ على حُكْمِ أبيه..
وخَطَّأَ القرآنَ في استدراكِ سليمانَ على حُكْمِ أَبيه ، كما خَطَّأَ الروايةَ عن ابنِ عباس ، واعتبرَ ذلك مُتعارضاً مع فطنةِ ودقةِ وحُكْمِ داود.
قالَ في تخطئَتِه : " كانَ داودُ من الأَنبياءِ الملْهَمين ، ومن الملوك الحكماء ، فلا يُعْقَلُ أَن سُلَيمانَ كان يتعقَّبُ أَحكامَه ، وهو والدُه ، ولا نظنُّ أَنَّ داودَ الملْهَمَ يعْجَزُ عن حَلّ قضيةٍ كهذه..
أَمّا الذي انتقدَ أَحكامَ أَبيه فكانَ أَبْشالوم وليس سليمان ، فإنَّ أَبْشالومَ لما عَزَمَ على الثورةِ ضِدَّ والدِه كان يسترقُّ قلوبَ بني إِسرائيل ، ويقولُ : مَنْ يجعلُني قاضياً في الأَرضِ لأُنصفَ المظلومَ! فكانَ يَقْبَلُ الواحدَ ويكرمُه ويُعَظّمُه ، فاستمالَ الناسَ ثم قامَ بانقلابٍ فاشلٍ على والدِه ... " *1*.
ما ذَكَرَهُ الفادي عن قصةِ الملكِ اليهوديِّ أَبْشالوم مع أَبيه وثورتِه عليه نتوقَّفُ فيه ، فلا نُصَدّقُه ولا نُكَذِّبُه ، لعدمِ وجودِ دليلٍ عنْدَنا عليه.
أَمّا تخطئةُ الفادي لكلامِ القرآنِ عن ما جَرى بينَ داودَ وسليمانَ - صلى الله عليهما وسلم - فهي مردودةٌ عليه ، وما قالَه القرآنُ عنها فهو الصحيحُ والصَّواب ، وهذا عندنا يَقين.
لقد استدركَ سليمانُ على حكْمِ لأَبيه - صلى الله عليه وسلم - في قضيةِ الحَرْثِ والغَنَم ، وقَبِلَ داودُ استدراكَ ابنه وأَنْفَذَ له حُكْمَه ، وليس معنى هذا اتهامَ داودَ - صلى الله عليه وسلم - بالعجْزِ أَو الضعفِ أَو الخَطأ في الحُكْم ، فقد آتى اللّهُ داودَ فقْهاً وعلْماً وحكمةً وفِطْنَة ، قال تعالى عنه : *وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ*.
وقال تعالى : *وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ *20*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
106- سليمان أو أبشالوم
إن داود وسليمان - كما فى القرآن - حكما فى الحرث ، وإن سليمان راجع داود فى الحكم.
ثم ذكر كلام المفسرين فى هذه القضية. وعقب عليه بقوله : القضية تليق بأبشالوم بن داود ؛ لأنه كان دائماً يعارض أقوال أبيه ولا تليق بسليمان.
الرد على الشبهة :
إن فى التوراة أن سليمان كان حكيماً. أحكم من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته. واللائق بحكمته هو الحكم فى الحرث. ففى الإصحاح الرابع من سفر الملوك الأول : " وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بنى المشرق ، وكل حكمة مصر ، وكان أحكم من جميع الناس من إيثان الأرزاحى ، وهيمان وكلكول ودردع بنى ماحول ، وكان صيته فى جميع الأمم حواليه وتكلم بثلاثة آلاف مثل ، وكانت نشائده ألفا وخمسا. وتكلم عن الأشجار من الأرز الذى فى لبنان ، إلى الزوفا الثابت فى الحائط ، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك. وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته " [امل 4 : 30 - 34].
اهـ *شبهات المشككين*.
شَدَّدَ اللّهُ ملكَه وقَوّاه ، وآتاهُ اللّهُ الحكمة ، وهي الفهمُ والعقلُ والصواب ، كما آتاهُ فَصلَ الخطاب ، وهو منعُ الخلافِ والجدالِ والنزاع ، بين المتخاصمَيْن المحتكِمَيْن عنده ، حيثُ يُصْدِرُ حُكْمَهُ الذي يَحُلُّ المشكلة ، ويُنهي الأَمْر!.
وكان يساعِدُه في أَحكامِه ابْنُه سليمان ، الذي آتاهُ اللّهُ الحكمةَ والعلمَ والفهم ، وبذلك أُضيفَتْ حكمتُه إِلى حكمةِ أَبيه ، وأُضيفَ عِلْمُه إِلى عِلْمِ أَبيه..
وإِذا دَعت الحاجةُ استدركَ الابنُ على حُكْمِ أَبيه ، وتَقَبَّلَ الأَبُ استدراك الابنِ وحُكْمَه بِرضاً ، وأَمْضى حُكْمَه!.
وهذا ثَناءٌ على داودَ في فَهْمِه وحُكْمِه وعِلْمِه ، وليس اتِّهاماً له بالضعفِ والغفلةِ والجَهْل ، كما ظَنَّ الفادي الجاهل.
وقد أَشارت الآيتانِ من سورةِ الأَنبياءِ إِشارةً مجملةً مبهمةً إِلى حادثةٍ مُعَيَّنَة ، احتكمَ فيها خَصمانِ إلى داودَ - صلى الله عليه وسلم - ، ثم استدركَ عليه ابنُه سليمان ، فَقَبلَ الأَبُ حُكْمَه وأَمْضاه.
احتكمَ إِلى داودَ رَجُلانِ في قضيةِ الحَرْثِ والغَنَم ، والحرثُ هو الزَّرْع ، فدخلتْ غنم صاحب الغنم إلئ ذلك الزرع ، ونَفَشَتْ فيه لَيْلاً ، واشتكى صاحبُ الزرعِ على صاحبِ الغنمِ عندَ داودَ - صلى الله عليه وسلم - ، فحكمَ داودُ بحُكْمٍ لم تذكُرْه الآيَتان ، واستدركَ سليمانُ على حُكْم أَبيه ، وأصدرَ هو حُكْماً فَهَّمَه اللّهُ إِيّاه ، وكان هو الحكمَ الأَصَحّ!! ونُلاحظُ أَنَّ الكلامَ في الآيتيْن مجملٌ مختصرٌ مُبْهَم ، لم يَذكُرْ تفَاصيلَ القضيةِ المعروضَة ، ولا حُكْمَ داودَ في القضية ، ولا كيفيةَ استدراكِ سليمان ، ولا حُكْمَه فيها.
ولا يوجَدُ عندنا حديثٌ صحيحٌ مرفوعٌ لرسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، يُضيفُ شيئاً إِلى ما وَرَدَ في القرآن.
وقد وردَتْ روايةٌ موقوفةٌ على ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - ، يُمكنُ أَنْ " نستأنسَ " بها في تَصَوّرِ المسألة.
قالَ ابنُ عباس : دَخَلَ رجلانِ على داود ، أَحَدُهما صاحبُ
حَرْث ، والآخَرُ صاحب غَنَم.
فقال صاحبُ الحَرْث : إِنَّ هذا أَرسلَ غَنَمَهُ في حَرْثي ، فلم يُبْقِ من حَرثي شيئاً!.
فقال له داود : اذهبْ فإِنَّ الغنمَ كُلَّها لك!.
فَمَرَّ صاحبُ الغنمِ بسليمان ، وأَخبرَه بالذي قَضى به داود..
فَدَخَلَ سليمانُ على داود - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا نبيَّ اللّه! إِنَّ القضاءَ سِوى الذي قَضيْتَ!.
فقالَ له داودُ : كيفَ ؟
قال سليمانُ : إِنَّ الحرثَ لا يَخفى على صاحبِه ما يخرجُ منه في كُلِّ عام ، فلَه أَنْ يَبيعَ من أَولادِها وأصوافِها وأَشعارِها ، حتى يستوفيَ ثمنَ الحَرْث! فقالَ له داودُ : أَصبتَ.
القضاءُ ما قضيتَ!.
وفي روايةٍ أُخْرى لابنِ عباسِ : أَنه قال : قضى داودُ بالغنمِ لأَصحابِ الحَرْثِ ، فقالَ لهم سليمانُ : كيفَ قضى بينكم ؟
فأَخْبَروه..
فقالَ لهم : لو وُلّيتُ أَمْرَكْم لقضيتُ بغيرِ هذا! فأُخبرَ داودُ بكلامِ سليمانَ ، فقال له : كيفَ تَقْضي بينَهم ؟.
قالَ سليمانُ : أَدفعُ الغنمَ إِلى صاحبِ الحَرْثِ ، فيكونُ له أَولادُها وأَلبانُها ومنافعُها ، ويَبذُرُ أَصحابُ الغنمِ لأَهْلِ الحَرْثِ مثْلَ حَرْثهم ، فإِذا بَلَغَ الحرثُ الذي كانَ عليه ، أَخَذَ أَصحابُ الحرثِ حَرْثَهم ، وردّوا الغَنَمَ إِلى أَصحابِها.
إِنَّ هذا التفصيلَ موقوفٌ على ابنِ عباس ، ولم يرفَعْهُ إِلى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ونحنُ نذكُرُ كلامَه من بابِ الاستِئْناس ، مع التحفُّظِ والاحتياط.
لكنَّنا نقولُ : لم يُخطئْ داودُ - صلى الله عليه وسلم - في حُكْمه ، لأَنه معصومٌ من اللّه ، إِنما نقول : كانَ حُكْمُهُ خلافَ الأَوْلى ، فَفَهَّمَ اللّهُ سليمانَ المسألةَ ، وأَلهمه الحُكْمَ الأَصَحَّ والأَوْلى.
فحُكْمُ داودَ صحيحٌ صواب ، ولكنَّ حُكْمَ سليمانَ هو الأَصَحُّ الأَصوبُ..
واللّه أعلم!!.
بين هاجر ومريم - عليهما السلام -
أَخْبَرَنا اللّهُ عن ما جَرى لمريمَ العذراء - عليها السلام -، بعدما نَفَخَ فيها الروحُ جبريلُ ، وحَمَلَتْ بعيسى - عليه السلام -.
قال تعالى : *فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا *22* فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا *23* فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا *24* وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا *25* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا *26*.
وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في تخطئَتِه القرآنَ في كلامِه عن انتباذِ مريمَ عن أَهْلهِا ، وعن النخلةِ وجِذْعِهاَ ورُطَبِها ، وعن وَليدِها عيسى الذي كَلَّمها بعد لحظةٍ من ولادتِه.
وقد اعترضَ على القرآنِ من زاويةٍ أُخْرى ، حيثُ زَعَمَ أَنَّ القرآنَ خَلَطَ بينَ مريمَ وهاجر ، فنَسَبَ لمريمَ ما حَصَلَ مع هاجر.
قال : " وفي هذا خَلْطٌ بينَ مريمَ العذراء وهاجرَ أُمّ إِسماعيل..
فهاجر هربت إِلى البرية بإسماعيل ، ولما عطشت هيَّأَ اللّه لها عين ماء فشربت.
أَمّا العذراءُ فلم تَهْرُبْ إِلى بَرّيَّة ، ولا احتاجَتْ إِلى الماء ، ولا كانَتْ تحتَ نَخْلَة ... "*1*.
واعتراضُه مردود ، لأَنَّنا نتحفَّظُ على ما ذَكَرَهُ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين ، بالنسبةِ لهربِ هاجرَ بابنِها إِسماعيلَ إِلى البرية ، بسببِ اضطهادِ سارةَ لها ، فما ذَكروهُ ليس في مصادِرِنا ما يُؤَيِّدُه ويُصَدّقُه ، ولذلك نتوقف فيه بدونِ تصديقٍ أَو تكذيب ، ونقول : اللّهُ أَعلمُ بذلك *2*.
ويتجرأُ الفادي المفترِي على حديث القرآنِ عن مريم العذراء ، فيُكَذِّبُه
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
107- هاجر والسيدة العذراء
إنه جاء فى سورة مريم : أن مريم لما حملت بالمسيح انتبذت به مكاناً قصيًّا. وعندئذ قد جعل الله لها تحتها *سريًّا* أى نهرا جارياً لتشرب منه. وهذا فى التوراة عن هاجر أم إسماعيل ؛ فإنها لما عطشت هيأ الله لها عين ماء. وقد وضعه القرآن على مريم.
الرد على الشبهة :
إنه فسر السرى بالنهر الجارى. وليس كذلك. فإن الملاك ناداها بعدم الحزن ؛ لأن الله قد جعل تحت كفالتها ورعايتها غلاماً سيكون سيّدا. فالسرى هو السيد وليس هو جدول الماء. وقد تحقق هذا الوعد ؛ فإن المسيح صار سيِّدًا. أى معلماً للشريعة. وقال للحواريين عن هذا المعنى : " أنتم تدعوننى معلماً وسيداً. وحَسَناً تقولون ؛ لأنى أنا كذلك " [يو 13 : 13]. اهـ *شبهات المشككين*
*2* بل هو محض كذب وافتراء ، فقد كانت هجرة السيدة هاجر وابنها إسماعيل - عليهما السلام - بأمر من الله قالت للخليل - عليه السلام - آلله أمرك بهذا ؟
قال نعم.
قالت : إذن فلن يضيعنا.
قائِلاً : " وأَمّا العذراءُ فلم تَهْرُبْ إِلى بَرِّيَّة ، ولا احتاجَتْ إِلى ماء ، ولا كانتْ تَحْتَ نَخْلَة " !.
وقد أَحبَرَنا اللّهُ في القرآنِ أَنَّ مريمَ العذراءَ - عليها السلام - اعتزلَتْ أَهْلَها ، وابتعدتْ عنهم ، وانتبذَتْ بابنِها الذي حَمَلَتْه مكاناً قَصِيّاً..
وهناك جاءَتْها آلامُ المَخاض ، فأَلجأَتْها إِلى جذعِ نخلةٍ حَيَّة ، فاعتمدَتْ عليه ، واستندَتْ إِليه ، وازدادت الآلامُ بها حتى إِنها تمنتْ أَنْ تكونَ ماتَتْ قبلَ هذا الوضع..
وما هي إِلا لحظةٌ حتى وضعتْ مولودَها عيسى بيُسْر ، وما هي إِلّا لحظةٌ حتى سمعَتْ مولودَها يُكَلّمُها وهو تَحْتَها ، ويَدْعوها إِلى عدمِ الحُزْن ، ويُرشدُها إِلى أَنْ تَشربَ من ماءِ الجدولِ الذي أَجراهُ اللّهُ تحتَها ، وأَنْ تَهُزَّ جذعَ النخلةِ إِليها ، حيث يتساقَطُ عليها الرطَبُ الجنيُّ الذي أَنضجَهُ اللّهُ لها ، وإِذا رأَتْ أَمامها
أَحَداً لا تكلِّمُه ، لأَنها صائمةٌ عن الكلام ، وسيتولّى مولودُها مهمةَ الكلامِ نيابهً عنها.
هذا ما قالَه القرآنُ عن ولادةِ مريمَ ابنَها عيسى - عليهما السلام - ، وهو الصحيحُ والصوابُ عندنا ، ولا وَزْنَ لكلامِ الفادي المخالفِ له ، ولا قيمةَ لاعتراضِه عليه !!.

حول نزول المائدة على الحواريين
أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ أَنَّ الحوارِيّين طَلَبوا من عيسى - عليه السلام - أَنْ يسأَلَ اللّهَ إِنزالَ مائدةٍ من السماءِ عليهم ، فسأَلَ عيسى - عليه السلام - ربَّه.
قال تعالى : *وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ *111* إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *112* قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ *113* قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ *114* قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ *115*.
وقد اعترضَ الفادي المفترِي على كلامِ القرآنِ وخَطَّاَه ، واتَّهَمَه بعدمِ فهمِ كلامِ الأَناجيل عن معجزاتِ عيسى - عليه السلام - أَمامَ الحواريين ، وقصةِ " العَشاءِ الرباني "*1*.
قالَ : " لا يقولُ الإِنجيلُ إِنَّ تلامِيذَ المسيحِ طَلَبوا منه آيةً من السماء ، ولا يَقولُ إِنَّ مائدةً نزلَتْ من السماء ، ولكنَّ الذين تبعوا المسيحَ ليَسْمَعوا تَعاليمَه في البَريةِ مَكَثوا مَعَه وَقْتاً طويلاً ، ولم يُرِد المسيحُ أَنْ يَصْرِفَهم
صائمين ، لئلا يَخورُوا في الطريق ، فأَخَذَ خَمْسَ خبزاتٍ وسَمَكَتَيْن ، وبارَكَ وكَسَّرَ ، وأَطْعَمَهم جميعاً ، وزادت عن الآكلين اثنتا عشرةَ قُفَّة!!.
ولعلَّ قصةَ القرآنِ عن نزولِ مائدةٍ من السماءِ ، نَشَأَتْ عن عدمِ فهمِ بعضِ آياتِ الإِنجيل *1* ، فوردَتْ في " مَتى : 26/ 20 - 29 " ، و " مرقس : 14/ 17 - 25 " ، و " لوقا : 22/ 14 - 20 " ، و : " يوحنا : 13/ 1 - 35 " ، قصةُ العشاءِ الرّبّانيّ ، الذي رسَمَه المسيحُ تذكاراً لصلْبِه ، فوردَ في " لوقا : 22/ 30 " *2*.
بخصوصِ مائدةِ المسيح ، حيثُ قال لهم : " لتأْكُلوا وتَشْرَبوا على مائِدَتي في ملكوتي ، وتَجْلِسوا على كراسي ، لتُدينوا أَسباطَ إِسرائيل الاثني عَشَرَ ".
يَعترفُ الفادي بالمائدة ، التي أَكَلَ منها الحواريّون ؟
بحضورِ عيسى - عليه السلام - ، ويُحيلُ على الأَناجيلِ الأَربعةِ في حديثِها عنها ، ويذكُرُ أَنَّ تلك المائدةَ قامَتْ على تكثير الطعامِ بين يَدَيْ عيسى - عليه السلام - ، حيثُ كان معه خمسةُ أَرغفة وسمكَتان ، فَدَعا اللّهَ ليُبارِك فيها ، فبارَكَ فيها ، وتَعَشّى منها الحواريّون جميعاً " عَشاءً ربانياً " ، زادَ عنهم اثْنَتا عَشْرَةَ قُفَّةً مليئةً بالطعام!.
وإِنَّ اللّهَ الذي كَثَّرَ الطعامَ أَمامَ عيسى - عليه السلام - قادرٌ على إِنزالِ مائدةٍ من الطعام من السماء ، ليأكلَ منها الحواريّون ، فلا داعيَ لإِنكار إِنزالِ المائدةِ من
__________
*1* رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يطلع على الإنجيل ولم يخرج من مكة حتى يقال ذلك : وكان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب قال تعالى : *وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ *48*.
*2* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
108- لم تنزل مائدة من السماء
إن فى سورة المائدة : أن الحواريين قد طلبوا مائدة من السماء. وأن الله قال *إنى منزلها عليكم *ولا يقول الإنجيل : إن تلاميذ المسيح طلبوا منه آية من السماء ، ولا يقول : إن مائدة نزلت من السماء.
الرد على الشبهة :
إن المعترض غير دارس للإنجيل وغير دارس للتوراة. وذلك لأن فى إنجيل يوحنا أن الحواريين طلبوا آية من السماء " فقالوا له : فأية آية تصنع ؛ لنرى ونؤمن بك ؟ ماذا تعمل ؟ آباؤنا أكلوا المنّ فى البرية. كما هو مكتوب : أنه " أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا " [يو 6 : 30 - 31].
إنهم طلبوا مائدة من السماء ؛ لأنهم قالوا : " آباؤنا أكلوا المن فى البرية " بعد قولهم " فأية آية تصنع لنرى ونؤمن بك ؟ " واستدلوا على أكل آبائهم للمن بقولهم مكتوب فى التوراة أنه أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا. وهذا يدل على أن آباءهم أكلوا المن والسلوى فى سيناء. والنص هو : " وأمطر عليهم منّا للأكل وبرّ السماء أعطاهم " [مزمور 78 : 24].
فهل نزل المن من السماء ؟ وقد سماه داود - عليه السلام - مائدة فى قوله عنهم : " قالو : هل يقدر الله أن يرتب مائدة فى البرية ؟ " [مز 78 : 19] فمعنى نزوله من السماء : أنه من جهة الله لا من جهة إله آخر. ونص إنجيل يوحنا يبين أنهم طلبوا مائدة من السماء. ذلك قوله : " أنه أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا " فإذا بارك الله فى طعام من الأرض ليشبع خلقاً كثيراً ؛ فإنه يكون مائدة من السماء. كالمن النازل من السماء. وهو لم ينزل من السماء وإنما كان على ورق الشجر ، وكالسلوى.
ومن أعجب العجب : أن مؤلف الإنجيل قال كلاماً عن المسيح فى شأن محمد رسول الله لا يختلف اثنان فى دلالته عليه صلى الله عليه وسلم. وقد استدل المسيح فيه عليه صلى الله عليه وسلم بنص فى الإصحاح الرابع والخمسين من سفر إشعياء.
ويقول المعترض : ولعلّ قصة القرآن عن نزول مائدة من السماء نشأت عن عدم فهم بعض آيات الإنجيل الواردة فى متى 26 ومرقس 24 ولوقا 22 ويوحنا 13. وغرضه من قوله هذا أن لا يعرف المسلمون موضع المائدة من الأناجيل لأنها بصدد كلام من المسيح فى شأن محمد رسول الله ، وموضعها الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا. اهـ *شبهات المشككين*
السماءِ في الوقْتِ الذي يتمُّ الإِيمانُ بتكثيرِ الطعام ، طالما أَنَّ كلا الأَمْرَيْنِ من فعْلِ اللّه ، الذي هو على كلِّ شيءٍ قدير.
والإِيمانُ بأنَّ القرآنَ كلامُ اللّه ، يَدْعونا إِلى الإِيمانِ والتصديقِ بكلِّ ما وردَ في القرآن.
وقد أَخبرنا اللّهُ أَنه مُنَزِّلُ المائدة ، في قوله تعالى : *قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ* ، والتعبيرُ عن إِنزالها بصيغة اسمِ الفاعل : " مُنَزِّلُها " ، لتأكيدِ حقيقةِ إِنزالِها.

أصحاب القرية والرسل الثلاثة
أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ بقصةِ أَصحابِ القريةِ مع الرسلِ الثلاثة الذين أُرسلوا إِليهم ليَدعوهم إِلى اللّه.
وخلاصَةُ تلك القصةِ أَنه كانَ أَهلُ قريةٍ من القرى كافِرين باللّهِ ، فأَرسلَ اللّهُ إِليهم رجلَيْن رسولَيْن ، ولما وَصلا إِليهم وَدَعواهم إِلى اللّهِ كَذَّبوهُما ، فَعَزَّزَهما اللّهُ برسولٍ ثالث ، وقامَ الرسُل الثلاثة بإِقامةِ الحُجةِ على أَهْلِ القَرية ، ولكنَّهم لم يَسْتَجيبوا لهم..
وجاءَ رجل مؤمنٌ من أَقصى المدينة ، مُؤَيّداً الرسلَ الثلاثةِ ، ودَعا القومَ إِلى الإِيمان بالرسلِ وتصديقِهم والدخولِ في دينهم ، وعبادةِ اللّهِ وَحْدَه ، لكنَّهم لم يَسْتَجيبوا له..
وأَمامَ إِصرارِ أَهْلِ القريةِ على الكفرِ والتكذيبِ والإِيذاء ، حَقَّتْ عليهم كلمةُ اللّه ، فأَوقعَ بهم العذاب..
كما ورد في الآيات *13 - 29* من سورة يس.
وقد أَبهمَ القرآنُ تفصيلَ قصةِ أَصحابِ القرية ، فلم يذكُر اسْمَها ، ولا زمانَها ، ولا مكانَها ، ولا جِنسيةَ أَهْلِها ، كما لم يبيِّن أسماءَ الرسلِ الثلاثة ، ولا مَنْ أَرْسَلَهم ، هل هم رسلٌ من اللّهِ مباشرة ، أم أَرسلَهم رسولٌ من عند اللّه ، ولم يذكُرْ دِينَهم ، ولا كيفَ وَصَلوا إِلى القرية ، ولم يذكُر اسْمَ الرجلِ المؤمنِ الذي جاءَ يسعى ويَنْصُرُ الرسل ، ولا تفاصيلَ ما جَرى بينَه وبينَ القوم ، ولا كيفَ كانَتْ نهايةُ الرسلِ الثلاثة والرجلِ المؤمن ، هل قُتِلوا أَوْ نَجَوْا ، ولا كيفَ كانتْ تفَاصيلُ الصيحةِ الواحدةِ التي أَخذَتْهم وأَهلكَتْهم وجعلَتْهم خامدين!!.
ولم يَرِدْ حديث صَحيحٌ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُفَسِّرُ بعضَ المبهماتِ في قصةِ أَصحابِ القرية ، ويُوَضَحُ بعض التفاصيل ، ولو وَرَدَ لَقُلْنا به..
فالواجبُ علينا أَنْ نبقى مع القرآنِ في حديثهِ عن القصة ، ونسكتَ عن ما سكَتَ عنه ، ولا نُبَيِّنَ بعضَ المبهماتِ التي أَبهمها القرآنُ عمداً!.
ولكنَّ كثيراً من المفَسِّرين لم يَفْعَلوا ذلك ، وذَهَبوا إِلى الأَخبارِ والرواياتِ التي لم تثبت ، والإِسرائيلياتِ التي تُفَصِّلُ الكلام ، وفَسَّروا بها كلامَ اللّه ، وبَيَّنوا بها المبهماتِ التي أَبهمها القرآن.
ومن ذلك ما فعلَه الإِمامُ البيضاويُّ في تفسيرِ قصةِ أَصحابِ القريةِ في سورةِ يسَ ، مما جعلَ الفادي ينتقدُه ، ويُحَمِّلُ القرآنَ خَطَأَه!.
قال : " *أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ* : القريةُ هي إِنطاكية.
*إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ* : هم رسلُ عيسى - عليه السلام -.
*إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ* : لأَنه فِعْلُ رسولِه وخليفتِه ، وهما يَحيى ويونس ، وقيل : غيرهما.
*فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ* : هو شمعون.
*فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ* : وذلك أَنهم كانوا عبدةَ أصنام ، فأَرسلَ إِليهم عيسى - عليه السلام - اثْنَيْن ، فلما قَرُبا من المدينةِ رأَيا حبيباً النجار يَرعى غنماً ، فسأَلَهما فأَخبراه ، فقال : أَمعكما آية ؟
فقالا : نَشْفي المريضَ ، ونُبرئُ الأَكْمَهَ والأَبرص ، وكان له ولد ، فَمَسحاه فَبَرأ ، فآمَنَ حَبيب ، ففشا الخَبَرُ ، وشُفيَ على أَيديهما خَلْق كثير.
وبَلَغَ حديثُهما إِلى الملك ، فقالَ لهما : أَلَنا آلهة سوى أَصنامِنا ؟
قالا : نعم ، مَنْ أَوجدَك وآلهتَك ؟ ...
قال : حَتّى أَنظرَ في أَمْرِكما ، فحبَسَهما..
ثم بَعَثَ عيسى شمعون ، فدخَلَ مُتَنكراً ، وعاشَرَ أَصحابَ الملك ...
، فأَنس به الملك ، فقالَ له يوماً : سمعتُ أَنك حبستَ رجلَيْن فهل سمعْتَ ما يَقولان ؟
قال : لا.
فَدَعاهما.
فقال شمعون : مَنْ أَرسلكما ؟
قالا : اللّهُ الذي خَلَقَ كُلَّ شيء ، وليس له شريك.
فقال : صِفَاه وأَوْجِزا.
فقالا : هو يَفعلُ ما يشاءُ ويحكُمُ بما يُريد.
فقال : وما آيَتُكما ؟
قالا : ما يَتَمنّى الملِك.
فدعا بغُلامٍ مَطموسِ العينَيْن ، فدَعَوَا اللّهَ حتى انشقَّ له بَصَرُه ، وأَخَذا بُنْدُقَتَيْن ، فوضَعاهُما في حَدَقَتَيْه ، فصارا مقلَتَيْن ينظرُ بهما.
فقالَ شَمعون للملك : أَرأيتَ لو سأَلْتَ آلهتَك هل تصنَعُ مثلَ هذا ؟
فقالَ الملك : لا أُخفي عنك سِرّاً ، آلهتُنا لا تَسمعُ ولا تُبصر ، ولا تَضر ولا تَنْفَع..
ثم قال : إِنْ قَدَرَ إِلهُكما على إحياءِ الميتِ آمَنّا به ، فأَتَوا بغُلامٍ ماتَ منذُ سبعةِ أَيامِ ، فدعَوَا اللّه ، فقامَ حَيّاً ، وقال : إِني أُدخلتُ سبعةَ أَوديةٍ من النار ، وأنا أُحَذرُكُم ما أَنتم فيه.. فآمِنوا ...
وقال : فُتحتْ أَبوابُ السماء ، فرأيتُ شابّاً حَسَناً يشفعُ لهؤلاءِ الثلاثة ...
فلما رأى شمعونُ أَن قولَه أَثّرَ في الملكِ نَصَحَه ، فآمَنَ في جَمْع ، ومَنْ لم يؤمنْ صاحَ عليهم جبريلُ فَهَلَكوا..
*وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى*.
هو حبيبٌ النَجار ، وكان يَنحتُ أَصنامَهم ، وهو ممنْ آمَنَ بمحمد ، وبَيْنَهما ستُّمئة سنة..
وقيل : كانَ في غارٍ يَعْبُدُ اللّه ، فلما بَلَغَه خَبَرُ الرسولِ أَتاهم وأَظهر دينَه..".
تُحَدِّدُ هذه الروايةُ الإِسرائيليةُ القريةَ بأَنها إِنطاكية ، والرَّجلينِ الرَّسولينِ
بأَنهما يحيى ويونس ، وأَنَّ الذي أَرسلَهما هو عيسى ، وأَنَّ الرسولَ الثالثَ المؤَيّدَ لهما هو شمعون.
وأَنَّ الذي جاءَ يَسعى من أَقصى المدينة هو حَبيبٌ النجار ، وأَن حوارَهم كان مع ملكِ المدينة ، وأَنهم قَدَّموا له الآياتِ من الشفاءِ والإِحياءِ حتى آمَن ...
وقد اعترضَ الفادي على هذه الروايةِ الإِسرائيلية ، وحَمَّلَ القرآنَ مسؤوليتَها ، قال : " معلومٌ أَنَّ إِنطاكيةَ كانَتْ تحتَ حكْمِ الرومان ، فكيفَ يقولُ القرآنُ : إِن لها مَلِكاً ؟
ويقولُ البيضاوي : إِنَّ حبيباً النجارَ نَحّاتَ الأَصنامِ في إِنطاكية آمَنَ بمحمد ، فهل من المعقولِ أَنْ يؤمنَ برسالةٍ جاءَتْ بعْدَه بستِّمئة سنة ؟
ثم إِنَّه ليسَ مِن تلاميذِ مَنْ يُدْعى شمعون أو يونس ؟
فشمعونُ هو ابنُ يعقوبَ بنِ إِسحاقَ بنِ إِبراهيم ، ويونسُ أَو يونانُ هو أَحَدُ أَنبياءِ التوراة ، الذي ابْتَلَعَه الحوت ".
ونحنُ لَسْنا مع البيضاويِّ في الروايةِ الإِسرائيليةِ التي ذَكَرَها ، ولا نُفَسّرُ بها كلامَ اللّه ، ونَبقى مع حديثِ القرآنِ عن قصةِ أَصحابِ القرية ، لا نُضيفُ له أَيَ تفصيل.
وهذا معناهُ أَنَّ اعتراضَ الفادي على القرآنِ مَرْدودٌ من أَساسِه ، لأَنَّ القرآنَ لم يَذكرْ أَنَّ القريةَ هي إِنطاكية ، ولا أَنه كان يحكُمُها مَلِك ، ولم يُسَمِّ الرسلَ الثلاثة : يحيى ويونس وشمعون ، ولم يتحدَّثْ عن حبيبٍ النجار.
ولقد كانَ الفادِي متحامِلاً على القرآن ، عندما حَمَّلَه خَطَأَ كلام البيضاوي ، وادَّعى أَنَّ القرآنَ هو الذي قال : كان الملكُ يحكمُ إنطاكية! ومعلومٌ أَنَّ القرآنَ لا يتحمَّلُ مسؤوليةَ أَيِّ فهمٍ خاطئ له!!.

حول قوم عاد
أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ عن قصةِ قومِ عاد ، وكُفْرِهم باللّه ، وتكذيبهم نبيَّهم هوداً - عليه السلام - ، ولما أَصَرّوا على كفْرهم وتكذيبهم أَوقعَ اللّهُ بهم عِقابَه ، حيث أَخَذَتْهم الصيحةُ فقضتْ عليهم وأَهلكَتْهم.
وقد ذُكرتْ قصةُ عادٍ بالتفصيلِ في سور : الأَعرافِ وهودٍ والشعراءِ وفُصِّلت والقمر وغيرها.
وفَصَّلَتْ سورةُ الأَحقافِ - قليلاً - العذابَ الذي أَوقعَهُ اللّهُ بهم.
قالَ تعالى : *وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *21* قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *22* قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ *23* فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ *24* تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ *25*.
وقد اعترضَ الفادي على كلامِ القرآنِ عن قومِ عاد ، واعتبرَهُ غيرَ صَحيح ، لأَنه لا يتفقُ مع حديثِ العهدِ القديمِ..
وأَخَذَ من تفسيرِ البيضاويِّ تفصيلَ العذابِ الذي أوقعَهُ اللّهُ بهم.
قال : " قال البيضاوي : هودٌ هو ابنُ عبدِ اللّه بنِ رباح بنِ الخلودِ بن عاد بن عوص بن إِرَم بن سامِ بن نوح
وقومُ عادٍ كانوا يَعْبدونَ الأَصنام ، فبعثَ اللّهُ إِليهم هُوداً ، فكَذَّبوه وازدادوا
عُتُوّاً ، فأَمسكَ اللّهُ المطرَ عنهم ثلاث سنين ، حتى جهدَهم..
وأَنشأَ اللّهُ سَحاباتٍ ثلاثاً ، بيضاءَ وحمراءَ وسوداء ، ثم نادى مُنادٍ من السماء لزعِيمِهم " قِيَلِ بنِ عَثَر " : يا قِيَل! اخْتَرْ لنفسِك وقومِك.
فقالَ : اخترتُ السوداء ، فإِنها ْأَكْثرهُنَّ ماء!!..
فخرجَتْ على عادٍ من وادي المُغيث ، فاستَبْشروا بها ، وقالوا : هذا عارضٌ ممطِرُنا..
فجاءَتْهم منها ريخ عَقيم ، فأَهلكَتْهم..
ونجا هود والمؤمنونَ معه ، فأَتَوْا مكَّة ، وعَبَدوا اللّهَ فيها حَتى ماتوا ".
وعَلَّقَ الفادي على كلامِ البيضاويِّ قائلاً : " ولا تذكُرُ التوراةُ أَنَّ نبياً قامَ بينَ نوحٍ وإبراهيم ، وتذكُرُ بينَ ذريةِ نوحٍ رَجُلاً اسْمُه عاد ، ولا تذكُرُ عقاباً بانقطاعِ المطرِ ثلاث سنوات ، إِلَّا في أَيامِ النبيِّ إِيليا ".
وقد سبقَ أَنْ قَرَّرْنا القاعدةَ العلميةَ الموضوعيةَ في التعاملِ مع أَحداثِ الزمن الماضي ، وهي أَخْذُها من المصادرِ الإِسلاميةِ الموثوقة ، المحصورةِ في الآياتَ القرآنيةِ الصريحة ، والأحاديثِ الصحيحةِ المرفوعةِ إِلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -
وخلاصَةُ ما ذكَرَهُ القرآنُ حولَ قصةِ عادٍ : أَنهم كانوا يسكنونَ في منطقةِ الأَحقافِ في جَنوبِ شرقِ الجزيرةِ العربية ، وأَنهم كانوا بعدَ قومِ نوحٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنهم كانوا كافرينَ باللّه ، وكانوا ظَالمين معتدين ، أَقوياءَ أشِدّاء.
فبعثَ اللّه ُ لهم هوداً - صلى الله عليه وسلم - رسولاً ، وجَرى بينَه وبينهم جدالٌ ونقاش ، وأَصَرّوا على كفرهم ، ولما أَوقعَ اللّهُ بهم عذابَه أَنجى هوداً - عليه السلام - ، والذين آمَنوا معه ، وأَرسلَ على القوم الكافِرين ريحاً باردةً شديدةً قويةً عاتية ، سَخَّرها عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أَيامٍ حُسوماً ، وأَرسلَ عليهم سَحاباً أَسود ، اعترضَ جبالَهم ووديانَهم ، فظنّوه سَحاباً ممطراً ، واستبْشَروا به ، فأَهلكَهم اللّه.
ولَسْنا مع ما أَوردَه البيضاويُّ من نَسَبِ هودٍ إِلى نوح - عليهما السلام - ، لأَنه لا دليلَ عندَنا على هذا النَّسَب ، فلم يَرِدْ كلامٌ عنه في حديثِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم -..
كما أَننا لَسْنا مع البيضاوي في حديثِه عن السحاباتِ الثلاث ، وعن اختيارِ زعيمِهم السحابةَ السوداء " لأَنها ممتلئةٌ مطراً.
لا نقولُ إِلا بما قالَ به القرآنُ حولَ هذا العارضِ الذي يَحملُ العذاب :
*فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ *24* تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ* ... .
وإِذا كانَ في كلامِ البيضاويّ ما ليسَ عليه دليل ، فإِنَّ القرآنَ لا يتحملُ ذلك ، والقراَنُ لا يتحملُ إِلَّا ما ذكَرَه ونَصَّ عليه بصراحة! فاعتراضُ الفادي على القرآن مردود.
وقد أخطأَ الفادي عندما شَكَّكَ في كلامِ القرآن عن قوم عادٍ ، واعتبره من أخطاءِ القرآن التاريخية! وهو يَنفي وُجودَ قومِ عادٍ في التاريخ ، ويُنكرُ نبوةَ هودٍ - عليه السلام - ، والسببُ هو عدمُ حديثِ التوراةِ عن ذلك! وعدمُ حديثِ التوراةِ عن عادٍ لا يَعْني عدمَ وجودِهم في التاريخ ، فلم تَذكر التوراةُ كُلَّ شيء من قَصصِ السابقين ، وما سكَتَتْ عنه لا يَعني عدمَ وجوده! ثم إِنَّ الأَحبارَ حَرَّفوا التوراةَ وأَضافوا لها كثيراً من مزاعمِهم وأكاذيبهم وأَخطائِهم ، فليس كلُّ ما فيها صحيحاً!.
وبما أَنَّ القرآنَ تحدَّثَ عن عادٍ فهو الحديثُ الصحيح ، لأَنه هو مرجعُنا المأمونُ الموثوقُ به ، ولا وَزْنَ لاعتراضِ الفادي على حديثِه ، وتخطئتِه له!.
حول النبي ذي الكفل - عليه السلام - ذو الكِفْلِ نبيّ من الأَنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، وقد ذَكَرَهُ القرآنُ
ضمنَ الأَنبياء.
قال تعالى : *وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ *85*.
وقال تعالى : *وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ *48*.
وذَهَبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ لينظرَ فيما أَوردَه عن قصةِ ذي الكِفْلِ ، ليشكِّكَ في ذِكْرِ القرآنِ له.
قال : " قالَ البيضاويُّ في تفسيرِ سورةِ *ص* : ذو الكِفْلِ ابنُ عَمِّ الْيَسَع ، أَو بِشْرُ بنُ أَيّوب ، واخْتُلِفَ في نبوتِه ولَقَبِه.
فقيل : فَرَّ إِليه مئةٌ من أنبياءِ بني إِسرائيلَ من القَتْل ، فآواهُم وكَفِلَهم.
وقيلَ : كُفِلَ برجلٍ عملَ صالحاً ، وكان يُصَلي كُلَ يومٍ مئةَ صلاة ".
وقالَ البيضاويُّ في تفسيرِ سورةِ الأَنبياءِ : " ذو الكفلِ يَعْني إِلياس ، وقيل :
يوشع ، وقيل : زَكريا ، سُمِّي به لأَنه كانَ ذا حَظ من اللّهِ تعالى ، أَو تَكَفَّلَ أُمَتَه ! ".
وجاءَ في بعضِ التفاسير أَنَّ ذا الكفلِ نبيّ من بَني إِسرائيل ، وحكايَتُه أَنَّ مَلِكاً أَوحى اللّهُ إِليه إِنّي أُريدُ قَبْضَ روحِك ، فاعْرِضْ مُلْكَكَ على بَني إِسرائيل ، فمنْ تَكَفَّلَ أَنْ يُصَلِّيَ الليلَ ولا يَفْترَ ، ويَصومَ النهارَ ولا يُفْطِر ، ويَقضيَ بينَ الناسِ ولا يَغْضَب ، فادْفَع إِليه مُلْكَكَ ، فَفَعَلَ ذلك..
فقامَ شابّ ، فقال : أَنا أَتكفَّلُ لك بهذا..
فتكفَّلَ وَوَفّى ، فَشَكَرَ اللّهُ له ، ونَبَّأَه..
وسُمِّيَ ذا الكفل.. ".
وعَلَّقَ الفادي على ما نَقَلَه بتخطئةِ القرآن ، قال : " ولا تَذْكُرُ التوراةُ ذا الكفل ، ولكنها تذكُرُ أَنَّ الرجلَ الذي عالَ مئةً من الأَنبياءِ هو عوبديا ، وزيرُ الملك أَخْآب ، وكان يخشى الرَّبَّ جِدّاً ، وخَبَّأَ هؤلاء المئة وَقْتَ أَنْ قَتَلت الملكةُ إِيزابلُ أَنبياءَ الرب ".
لم يُفَصل القرآنُ الحديثَ عن ذي الكفل ، واكْتَفى بذكْرِهِ ضِمنَ الأَنبياء ، وكُلّ ما يتعلَّقُ بنبوَّتِه وقِصَّتِه فهو من مبهماتِ القرآن ، التي لا نعرفُ عنها شيئاً ، ولا نملكُ الوسيلةَ لبيانِها ، وكلُّ ما نقولُه عنه : إِنَ ذا الكفل نبيٌّ من أَنبياءِ بني إِسرائيل.
وهذا مَعْناهُ أَنْ نتوقَفَ في ما حكاهُ البيضاويُّ والمفسِّرونَ الآخرون عن قصته ، كما نتوقَّفُ في كُلِّ ما تذكُرُه الإِسرائيلياتُ ، فلا نُصَدِّقُه ولا نُكَذِّبُه ، والتوقُّفُ يعني أَنْ لا نذكُرَه ولا نعتمدَه ولا نقولَ به.
أَما منهجُ الفادي المفترِي في النظرِ إِلى ما ذَكَرَهُ القرآنُ ، فإِنه منهج خاطئٌ مردود ، فهو يُحاكمُ القرآنَ إِلى التوراة ، فما وافَقَ التوراةَ صَدَّقَه ، وما لم تذكُرْه التوراةُ خَطَّأَهُ وكَذَّبَهُ ورَدَّه.
ولذلك لا يَعتبرُ ذا الكِفْلِ نبيَّاً ، لأَنَّ التوراةَ لم تذكُرْ ذلك!.
ذو الكفلِ في نظر الفادي ليسَ نبياً ، والقراَنُ أَخْطَأَ عندما ذَكَرَهُ مع الأنبياء! أَما نحنُ فإِننا نؤمنُ أَنَّ ذا الكفلِ نبيٌّ من أَنبياءِ بني إِسرائيل ، لأَنَّ اللّهَ أَخْبَرَنا عنه في القرآن ، وتَفاصيلُ قِصتِه من مبهماتِ القرآن ، ومَنْ أَنكرَ كونَه نبياً فهو كافر باللّه لأَنه كَذَّبَ القرآنَ!!.

من هم أصحاب الرَّسِّ ؟
أَشارَ القرآنُ إِشارةً إِلى أَصحابِ الرّش.
قال تعالى : *وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا *38*.
وقال تعالى : *كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ *12*.
وذهب الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي ، ليتعَرَّفَ منه على أَصحابِ الرسّ.
ونَقَلَ عنه قولَه : " أَصحابُ الرسّ : قومٌ كانوا يَعبدونَ الأَصْنام ، فبعثَ اللّهُ لهم " شعَيْباً فكَذَّبوه ، فبينما هم حَوْلَ الرَّسِّ *وهي البئرُ غيرُ المطويَّة* انهارَتْ ، فَخُسِفَ بهم وبديارِهم..
وقيل : الرسُّ : قريةٌ بجهةِ اليَمامة ، كان فيها بقايا ثمود ، فبُعث لهم نبيّ فقَتَلوه ، فهَلكوا..
وقيل : الرسُّ : الأُخْدود.
وقيل : الرسُّ : بئرٌ بإِنْطاكية ، قَتَلوا فيها حَبيباً النجار..
وقيل : هم أَصحابُ حنظلةَ بنِ صفوان النبي ، ابْتلاهم اللّهُ تعالى بطيرٍ عَظيم ، كان فيها من كُلّ لون ، وسَمّوها عَنْقاء ، لطولِ عُنُقِها ، وكانت تسكنُ جَبَلَهم الذي يُقالُ له : فَتْح أَو دمخ ، وتنقضُّ على صبيانهم فتخطفُهم إِذا أَعوزَها الصيْد ، فدعا عليها حنظلةُ فأَصابَتْها الصاعقة.
ثم إِنهم قَتَلوه فأُهلِكوا..
وقيل : هم قومٌ كَذَّبوا نبيَّهم وَرسّوه ، أَيْ : دَسُّوهُ في بئر ".
وشَكَّكَ الفادي في هذا الكلام ، وهاجَمَ القرآنَ قائلاً : " ونحنُ نسألُ : ما هذه الرسّ ؟
وفي أَيِّ بلاد ؟
وفي أَيِّ زمن ؟
لماذا لم يُوَضّحْ لنا القرآنُ ذلك ، إِنْ كانَ للرس وجود ؟! *1*.
" الرَّس* " : مصدر. تقولُ : رَسَّ ، يَرُسُّ ، رَسّاً.
وهو بمعنى الإِدْخال. تقول : رَسَّه. أَيْ : أَدْخَلَه.
ويُطْلَقُ على البئرِ المحفورةِ في الأرض ، ولكنَّها لم تُطْوَ ، أَيْ : لم تُبْنَ من الداخل.
و "أَصحابُ الرسِّ " : هم قومٌ كانوا يُقيمونَ حولَ بئرٍ مطويّة ، غيرِ مبنيةٍ بالحجارة.
فقيل عنهم : أَصحابُ الرسِّ.
ولم يُفَصل القرآنُ الحديثَ عنهم ، ولم يَقُصَّ قصتَهم ، واكتفى بذكْرِ اسْمِهم ضمنَ مجموعةٍ من الأَقوامِ الكافرين السابقين ، في سورَتَي الفرقان وق.
فكانت قصةُ أَصحابِ الرسِّ من مبهماتِ القرآن.
ولم يَرِدْ حديثٌ صحيحٌ عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - يتحدثُ عنهم.
ولذلك لا نتحدَّث عنهم ، ونكتفي بالإِشارةِ القرآنيةِ المجملة.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
110- أصحاب الرس جاء فى سورة الفرقان *وأصحاب الرس* ثم ذكر كلام البيضاوى المفسر ، ووجه الإشكال عليه.
الرد على الشبهة :
إن كلام المفسر ليس بحجة ، ويوجد فى أرض العرب مدينة تسمّى مدينة " الرس " وهذا يدل على ذكر اسم قديم فى بلاد العرب. ربما يكون من اسم الأوائل. اهـ *شبهات المشككين*.
ولَسْنا مع البيضاويّ في ما نَقَلَه عنهم ، لأَنه كلامٌ لا دَليلَ عليه ، فقد ذَكَرَ خمسةَ أَقوالٍ في تَعيينهم ، وكلُّها أَقوالٌ ظنية ، والتفاصيلُ التي ذَكَرَها من بابِ الإِسرائيليات التي لم تصحّ عندنا ، فنتوقَفُ فيها ، لا نُصدِّقُها ولا نُكذبُها ولا نَرويها.
وما نقلَه البيضاويُّ في تَعيينِ أصحابِ الرس لا يتحملُه القرآن ، فإِنْ كانَ خطأً فيتحمَّلُ مسؤوليتَه الذين رَووه وذَكروه!!.
وتشكيكُ الفادي في وُجودِ أَصحابِ الرسّ اتهامٌ وتكذيبٌ منه للقرآن ، وتَساؤُلُه عن مكانِ وزمانِ أَصحابِ الرسّ من بابِ خبثِه ولؤمِه : " لماذا لم يُوَضِّحْ لنا القرآنُ ذلك إِنْ كانَ للرسِّ وُجود ؟! ".
إِننا نؤمنُ أَنَّ للرسِّ وجوداً ، وأنه كانَ قومٌ من الناسِ مُقيمونَ حولها ، نؤمنُ بذلك لأَنَ القرآنَ ذَكَرَ ذلك ، وكُلُّ ما وردَ في القرآنِ فهو صادق وصحيحٌ وثابت ، لأَنه كلامُ اللّه.
أَما لماذا لم يُوَضِّح القرآنُ زمانَ أَصحابِ الرسِّ أو مكانَهم ، ولم يُفصلْ قصتَهم مع نبيّهم ، فإِنَّ هذا يتفقُ مع منهج القرآنِ في حديثهِ عن قَصصِ السابقين.
إِنَّ القرآنَ ليس كتابَ تاريخٍ مُفَصَّل ، وحديثُه عن قَصصِ السابقين ليسَ روايةً تاريخيةً فنيةً مفصَّلَة ، إِنه لا يذكُرُ من أَخبارِ السابقين إِلّا ما فيه عبرةٌ وعِظَة ، وهو يعرضُ من أَخبارِهم ما يُحققُ أَهدافَه من الحديثِ عن قَصصِ السابقين ، وما يَعرضُه يتناسقُ مع السياق الذي وَرَدَ فيه.
وهذا مَعناهُ أَنَّ ما وردَ في القرآنِ من أَخبارِ السابقين هو لَقَطاتٌ ومَشاهد ومواقف قليلة ، وما لم يوردْه من تَفاصيلِ أَخبارِهم أَكثرُ مما أَورده ، وقد تعَمَّدَ القرآنُ إِبهامَ الكثير من تَفاصيلِ حياتِهم ، عن تَعَمُّدٍ وقَصْد ، لأَنَ اللّهَ الحكيمَ العليمَ يَذكرُ للناسِ ما يَحتاجونَ إِليه ويستفيدونَ منه ، وما طَواهُ عنهم يَعلم أَنهم لا يَحتاجون إِليه!.
المهمُّ أَنَّ ما ذَكَرَه القرآنُ من أَخبارِ السابقين صادقٌ صحيحٌ ثابت ، ولا يُلامُ القرآنُ على ما أَغفَلَه من تفاصيلِ قَصصِ السابقين ، إِنما يُلامُ أَوْ يتهم إِذا أَخطأَ فيما أَوردَه من قَصصهم!!.

حول لقمان الحكيم
في القرآنِ سورة سماها اللّهُ سورةَ لقمان ، وأَخبرَ المسلمين فيها عن طَرَفٍ من قصةِ لقمانَ الحكيم.
وقال فيها : *وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ *12* وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *13*.
وذَهَبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ ليأخذَ منه مادتَه التشكيكيةَ بالقرآن ، ونَقَلَ عنه قولَه : " لقمانُ بنُ باعوراء ، من أَولادِ آزَرَ ، ابنِ أُخْتِ أَيوب أَو خالتِه ، وعاش حتّى أَدركَ داودَ عليه الصلاة والسلام ، وأَخَذَ منه العلم ، وكان يُفتي قبلَ مبعَثِه ".
وعلقَ على كلامِ البيضاويِّ قائلاً : " فكيفَ يكونُ لقمانُ هذا نبيّاً ؟
وكيفَ يعتبرُه البيضاويُّ أَنه عاصرَ أيوبَ وعاصَرَ داودَ ، وبينَ أيوبَ وداودَ ما يقربُ من تسعمئةِ سنة ؟!
وأَينَ بلادُ عوصٍ حيث عاشَ أَيوبُ من بلادِ فلسطينَ حيثُ عاشَ داودُ ؟! ".
لم يُفَصّل القرآنُ الحديثَ عن لُقمان ، وكلُّ ما ذكَرَه عنه أَنه كان رَجلاً مؤمناً باللّه ، عابداً شاكِراً له ، آتاهُ اللّهُ الحكمةَ والعلمَ والفهم ، وكان داعيةً ناصحاً ، وكان له وَلد ، فقامَ بواجبِه في نصحِه وتوجيهِه وتذكيرِه وتعليمِه.
وقد ذَكرتْ سورةُ لقمانَ طَرَفاً مما وَعَظ ونصحَ به ابْنَه.
ولم تُضِفْ مصادرُنا الإسلاميةُ اليقينيةُ على ما وردَ في القرآنِ عنه ، ولذلك معظمُ ما يتعلقُ بقصتِه من مبهماتِ القرآن ، التي لا نملكُ دَليلاً على بيانها ، فلا دَليلَ على زمانِه أَو مكانِه ، ولا على القومِ الذين كانَ يَعيشُ معهم ، ولا نَعرفُ هل كان نبيَّاً أَمْ مجردَ مؤمن عالمٍ حَكيم ، ولا نَعرفُ من كلامِهِ ومواعظِه وحِكمِهِ إِلَّا ما وردَ في القرآنِ!.
وهذا معناهُ أَنْ نتوقَّفَ في القولِ بما وَرَدَ عنهُ من أَخبارٍ وأقوالٍ وحِكم ، لأَنها من الإِسرائيلياتِ والرواياتِ التي لم تَثْبُت ، فلا نُصدقُها ولا نُكذبُها ولا نَرويها.
ولَسْنا مع البيضاويّ في حديثِه عن لُقْمان ، لأَنه لا دليلَ عليه.
وقد كان الفادي مُتَحامِلاً على القرآنِ عندما اعترضَ على كلامِ البيضاوي ، وجَعَلَه من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية ، فما دَخْلُ القرآنِ في كلامِ البيضاوي ؟
لا يُسأَلُ القرآنُ إِلا عن الكلامِ الذي يذكُرُه ، ولا يُسْأَلُ عن كلامِ البَشَرِ المفَسِّرين ، فهم قد يُخطئونَ وقد يُصيبون!.
لم يُصَرِّح القرآنُ بنبوةِ لقمان ، كما أَنه لم يَنْفِ نبوَّتَه ، وإِنما سَكَتَ عنها ، ولذلك لا نَقولُ بنبوَّته ، لأَنه قد لا يكون نبيّاً!! ولا نَنْفي عنه النبوَّة ، لأَنه قد يكونُ نبيّاً ، فالأَسلمُ هو التوقُّفُ في هذا القول ، والاعترافُ بقصورِ العِلْم ، فنحنُ لا نَعلمُ إِلا ما عَلَّمَنا اللّهُ إِياه ، أَو وَفَّقَنا إِليه!.
ثم إِنَ ما ذكرَهُ الفادي نَقْلاً عن العهد القديم لا دليلَ عليه ، فلا دليلَ على أَنَّ أَيوبَ كانَ قبلَ داودَ - عليه السلام - بتسعمئة سنة ، ولا دَليلَ على أَنَّ أَيوبَ كان ببلادِ عوصٍ العربية ، ولم يَقُلْ لنا أَينَ تقعُ بلادُ عوصٍ في الجزيرةِ العربية.
فما عابَه الفادي على البيضاوي وَقَعَ هو فيه ، وما وَجَّههُ إِليه من انتقادٍ يُوَجَّهُ إِليه.

بين الإسكندر وذي القرنين
ذَكَرَ اللّهُ طَرَفاً من قصةِ ذي القرنَيْن في سورةِ الكهف الآيات *83 - 98*
وخلاصةُ ما ذكَرَه عنه : أَنه كانَ رَجُلاً مؤمناً صالحاً ، وكان قوياً شُجاعاً ظافراً منصوراً ، وقامَ بثلاثِ رحلات ، رحلةٍ نحو مغربِ الشمس ، فَتَحَ فيها بلاداً ، وأَحسنَ معاملةَ أَهلها ، ورحلةٍ نحو مشرقِ الشمس ، وصلَ فيها إِلى أرضٍ مكشوفةٍ سهلة منبسطة ، ورحلةٍ نحو الشمال ، وَجَدَ فيها قوماً ضِعافاً ، شكوا إِليه هجماتِ يأجوج ومأجوج ، فأَقامَ سَدّاً عالياً بين جبلَيْن ، ليقيهم من هجماتِهم.
ورجعَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي ، وأَخَذَ بعضَ ما قالَه عن ذي القرنَيْن ، ونسبَ له قوله : " قال البيضاوي وابنُ هشام : إِنَّ ذا القرنَيْن هو إسكندرُ الأَكبر.
وقال البيضاوي : *وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ* : يَعني إِسكندرَ الرومي ، مَلَكَ فارس والروم ، وقيل : مَلَكَ المشرقَ والمغرب ، ولذلك سُمِّيَ ذا القرنين ، أَو لأَنه طافَ قَرني الدنيا شرقَها وغربَها ، وقيلَ : لأَنه انقرضَ قرنان من الناس ، وقيلَ : كانَ له قرنان ، أَيْ ضفيرتان ، وقيل : كانَ لتاجه قَرْنان..
ويُحتملُ أَنه لُقّبَ بذلك لشجاعتِه ، كما يقال : الكبشُ للشُّجاع ، كأَنه ينطحُ أَقرانَه.
واختُلفَ في نبوَّته مع الاتفاقِ على إِيمانِه وصَلاحِه ".
ولا نُوافقُ البيضاويَّ على هذا الكلام ، لأَنه ليس عليه دليلٌ من القرآنِ أَو الحديثِ الصحيحِ عن رسول اللًه - صلى الله عليه وسلم - ، ولا داعي للأَقوال السبعةِ المختلفة التي ذَكَرَها في سببِ تسميته بذي القرنَيْن ، ولا داعيَ لترجيحِ أَحَدٍ منها ، لأَنها كُلَّها مما لا دليلَ عليه!.
لم يَزِد القرآنُ على وصْفِ ذلك الرجلِ بذي القرنَيْن ، وأَبهمَ اسْمَه وزَمانَه ومكانَه ، فلا نَعرفُ هل كان نبيّاً أَم لا ، ولا نَعرفُ اسْمَه ونَسَبَه ، ولا نَعرفُ البلدَ الذي كانَ يحكُمُه ، ولا نَعرفُ النبيَّ الذي كانَ في عصره ، ولا نَعرفُ تَفاصيلَ رحلاتِه المذكورةِ في سورةِ الكهف ، ولا يُمكنُنا تَحديدُ المكانِ الذي وَصَلَ إِليه في الغرب ، ولا تحديدُ العينِ الحمئةِ التي وَقَفَ عندها ، ولا تَحديدُ المكانِ في المشرق ، ولا تَحديدُ المكانِ الذي وَصَلَه في الشمال ، ولا السَّد الذي بَناه بين الجبلَيْن ، فهذا كُلُّه من المبهماتِ التي لا تَبيينَ لها ، لعدمِ وجودِ دليلٍ عليها.
ونَرُدُّ القولَ الذي أَوردَه البيضاوي من أَنَّ ذا القرنين هو الإسكندرُ الأَكبرُ الرومي ، ملكُ اليونانِ المعروف ، الذي فَتَحَ بلادَ اليونان والرومان وتركيا والشام ومصر وفارس ، وماتَ في شبابِه في مدينةِ بابل ، كما قال المؤرخون.
فهذا القول خطأ ، وإنْ قالَ به كثيرٌ من المؤَرِّخين والإِخباريّين والمفَسِّرين ، لأَنه يَتعارضُ مع القرآن ، فالإِسكندرُ المقدونيُّ الرومي كان وثنياً كافراً مشركاً باللّه ، وذو القرنين كان رَجُلاً مؤمناً صالحاً داعياً إِلى اللّه ، فأَيْنَ هذا من هذا ؟!.
إِذنْ أَخْطَأَ البيضاويُّ - رحمه الله - ومَنْ معه عندما قالوا : ذو القرنين هو الإِسكندر! لكنَّهُ خطؤُهم وليسَ خَطَأ القرآن.
وبهذا نَرُدُّ الأَسئلةَ والإِشكالاتِ التي أَثارها الفادي على حديثِ القرآنِ عن ذي القرنينِ في قوله : " ونحنُ نسأل : كيفَ يَجعل القرآنُ إِسكندرَ الأَكبرَ الملكَ اليونانيَّ الوثنيَّ نبيّاً يُخاطبُه اللّهُ ويُوحي إِليه ؟
وكيفَ يَعْزو إِليه زيارةَ سدودٍ تَحُدُّ الأَرضَ وآبارٍ تَغيبُ فيها الشمس ؟
وإِذا كانَ إِسكندرُ عَمَّرَ جيلَيْن كما قال البيضاوي ، فما كانَ أَقصر أَعمارِ أَهلِ زمانه ؟
فالتاريخُ يقول : إِنَّ إِسكندرَ توفيَ ابنَ ثلاثٍ وثلاثين سنة في مدينة بابل سنة *323 ق.م* ، وكيفَ يكونُ نبيّاً أَو صالِحاً مؤمناً ، وقد كانَ من عبدةِ الأَوثان ، وادَّعى أَنه ابنُ آمون إِله المصريين ؟! ".
إِنَّ الفادي يَفتري ويُغالط وَيَتَلاعب ، ويتهمُ القرآنَ بما ليسَ فيه ، ويَحَمّلُه أَخطاءَ المفسِّرين ، ويَنسبُ كلامَ المفسِّرين إِلى القرآن.
إِنه يَكذبُ في قولِه : " كيفَ يجعلُ القرآنُ إِسكندرَ الأَكبرَ الملكَ اليونانيَّ الوثنيَّ نبياً يُخاطبُه اللّهُ ويوحي إِليه ؟".
مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ ذلك ، وإِنما أَخْبَرَ عن ذي القرنين ، ولم يُصَرِّحْ بنبوةِ ذي القرنين ، فضلاً عن أَنْ يَقول : إِنَّ ذا القرنين هو الإِسكندر ، وإِنه نبيّ!.
إِنَّ الذي قَال بأَنَّ ذا القرنين هو الإِسكندرُ هو البيضاوي ومَنْ معه من المفسرينَ والمؤَرِّخين ، وقد أَخْطَؤوا في كلامِهم كما سبقَ أَنْ قَرَّرْنا ، فكيفَ يَنسبُ الفادي المفترِي كلامَهم إِلى القرآن ، ويَجعلُ خَطَأَهم من أَخطاءِ
القرآن ؟!.
وبمناسبةِ اتِّهامِه للقرآنِ وتشكيكِه في معلوماتِه ، فقد شَكَّكَ في كلامِ القرآنِ عن العينِ الحمئةِ التي وَصَلَها ذو القرنين ، وعن السَّدِّ الذي بَناه.
قال : " وإِنْ كانت الشمسُ تَغربُ في بئرٍ فهل تَدورُ الشمسُ حولَ الأَرض أَم الأَرضُ حولَ الشمس ؟
أَمّا السَّدُّ الذي بَناهُ إِسكندر من زُبَرِ *قِطَعِ* الحَدِيدِ والنحاسِ بين جَبَلَيْن ، أحدهما مأهولٌ بأُمَّةٍ صالحة ، والآخَرُ بأُمَّةٍ متوحشةٍ ، فلا نَجِدُ له أَثَراً ".
وقد سَبَقَ أَنْ نَاقَشْنا الفادي في تشكيكِه في غروبِ الشمسِ في عينٍ حمئة ، التي أَخبرَ اللّهُ عنها في قوله تعالى : *حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ*.
أَما تشكيكُه في إِخبار القرآنِ عن سَدِّ ذي القرنين بحجةِ أَنَّ السَّدَّ ليس موجوداً ؟
فلا وَزْنَ له ، لأَنَّ عَدَمَ وجودِ السَّدِّ على الأَرضِ لا يَعْني أَنه لم يُبْنَ ولم يَكنْ موجوداً من قبل ، فمن الراجح عندنا أَنَّ السَّدَّ قد تَمَّ نقضُه وهدمُه ، ولم يَعُدْ له أَثَر ، لكننا نوقنُ أَنَّ ذا القرنين بَناهُ بين الجبلَيْن من الحديدِ
والنحاس ، لأَنَّ اللّهَ أَخبرَنا عن ذلك في القرآن.

الكعبة ومقام إبراهيم - عليه السلام -
أَخْبَرَنا اللّهُ أَنَّ الكعبةَ هي أَولُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ لعبادةِ اللّه.
قال تعالى : *إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ *96* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا*.
وشَكَّكَ الفادي في هذا واعتبرَهُ من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية.
ونَقَلَ عن الدكتورِ علي حسني الخربوطلي قولَه : " إِنَّ الوثنيّين هم الذين بَنَوُا الكعبةَ لعبادةِ زُحَل والأَصنام ، وكان العربُ يحجّونَ إِليها لتعظيمِ أَصنامِهِم ".
ويُعَلِّقُ الفادي على كلام الخربوطلي بأَنه من الخطأ اعتبارُ الكعبةِ بيتاً لعبادةِ اللّه ، قال : " من الخَطَأ أَنْ يُقالَ : إِنَّ الكعبةَ بيتُ اللّهِ أَو مقامُ إبراهيم ، فأين بيتُ اللّهِ من بيتِ الأَصنام ؟ " *1*.
وما نسبَهُ الفادي إِلى الخربوطلي مردود ، والدكتورُ علي حسني الخربوطلي مسلمٌ ، لا يُخالفُ ما وَرَدَ في القرآن ، وهو في كتابه " الكعبة على مر العصور " يذكرُ بعضَ ما قيلَ عن تاريخِ الكعبةِ وماضيها ، فذَكَرَ أَنَّ بعضَهم ذهبَ إِلى أَنَّ الكعبة بُنيتْ لعبادةِ الكواكبِ والأَصنام ، والخربوطلي لا يَقولُ بذلك ، لكنه وجدَ هذا القول فسجَّلَه ، ضمن أقوالٍ أُخرى ، وباعتبارِه كاتباً مسلماً فقد رَجَّحَ ما وَرَدَ في القرآنِ ، من أَنها أَوَّلُ بيت وُضِعَ لعبادةِ اللّه!.
ولكنَّ الفادي الخبيث ، وَقَفَ أَمامَ الأَقوالِ التي أَوردَها الخربوطلي ، وَرجَّحَ القولَ الذي يتفقُ مع هواه ، فاختارَه من بين تلك الأَقوال ، ليجعَلَه دَليلاً على خطأ القرآن.
وكنا نتمنَى على الدكتورِ الخربوطلي لو لم يذكُرْ تلكَ الأَقوالَ الباطلةَ المردودة المخالفةَ للقرآن ، وأَنْ يكتفي بذكْرِ ما وَرَدَ في القرآن ، حتى لا يحتجَّ أَصحابُ الأَهواءِ والمغرضون - كالفادي - بتلك الأَقوال!!.
والراجحُ في نشأةِ الكعبةِ هو ما قالَه القرآنُ ، من أَنَّها أَوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناس لعبادةِ اللّه ، وكان الموحِّدونَ المؤمنونَ يحجُّونَ إِليها لعبادةِ اللّهِ وحْدَه.
وخَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ في إِخبارهِ أَنَّ إِبراهيمَ هو الذي بنى الكعبة ، وبقيَ " مَقامُ إبراهيم " الذي كان يَقِفُ عليه أَثناءَ البناءِ بجانبها ، قالَ تعالى : *فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ*.
وزَعَم أَنَّ إِبراهيمَ - عليه السلام - كانَ يُقيمُ في فلسطين ، فأَينَ هو من الحجاز ؟!.
قال : " ومعلومٌ أَنَّ إِبراهيمَ كان يَسكنُ أَرضَ
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
112- الكعبة مقام إبراهيم
إنه جاء فى القرآن أن الكعبة أول بيت وضع للناس. وأنها كانت مقام إبراهيم ، ومعلوم أن الكعبة من بناء الوثنيين كما جاء فى الكتب التاريخية.
الرد على الشبهة :
أولاً : إن الكعبة ليست من بناء الوثنيين كما جاء فى الكتب التاريخية التى لا يشك أحد فى أن لليهود دخل فيها. وإنما هى من بناء نوح - عليه السلام - فإنه لما خرج من السفينة ، ونجا من الغرق هو ومن آمن معه. بنى " مذبحاً " لذبح الحيوانات عنده قرباناً لله تعالى. ففى التوراة : " وبنى نوح مذبحاً للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ، ومن كل الطيور الطاهرة ، وأصعد محرقات على المذبح " [تك 8 : 20] وهذا المذبح كان فى أرض مكة المكرمة المدينة التى استقر الفلك فيها على الجُودِىّ. والدليل على ذلك قول التوراة : إن الناس من بعد نوح ارتحلوا شرقاً إلى أرض شنعار التى هى أرض العراق. فارتحالهم إلى الشرق إلى العراق يدل على أن السفينة كانت فى بلاد العرب. ذلك قوله : " وكانت الأرض كلها لساناً واحداً ولغة واحدة. وحدث فى ارتحالهم شرقاً أنهم وجدوا بقعة فى أرض شنعار ، وسكنوا هناك " [تك 11 : 1 - 2].
وليس فى القرآن نصوص صريحة على أن العرب قد عبدوا الأصنام حتى يقال : إن الكعبة كانت لصنم رُحل. وفى التوراة نصوص صريحة على أن اليهود وأدوا نبيهم وبناتهم فى النار للعرافة والسحر وأنهم عبدوا الأصنام. بل وفى القرآن نصوص صريحة على أن اليهود عبدوا صنم البعل فى أيام إلياس - عليه السلام - ففى الزمور المائة والسادس : " وأهرقوا دماً زكيًّا. دم نبيهم وبناتهم الذين ذبحوا لأصنام كنعان وتدنست الأرض بالدماء " [مز 106 : 38]. وفى الإصحاح الخامس والستين من سفر إشعياء : " أما أنتم الذين تركوا الرب ونسوا جبل قدسى ، ورتبوا للسعد الأكبر مائدة ، وملأوا للسعد الأصغر خمراً ممزوجة.. " [إش 65 : 11].
فى ترجمة الكتاب المقدس فى الشرق الأوسط سنة 1995م تحت كلمة السعد الأكبر : لجاد وهو المشترى ، وتحت كلمة السعد الأصغر : لمَنَى وهو الزهرة.
وفى ترجمة 1995م بلبنان : " ونسيتم جبلى المقدس. وهيأتم مائدة للإله جاد ، ومزجتم الخمر للإلهة مناة " والتعليق عندهم هكذا : جاد ومناة إلهان عند الكنعانيين.
هذا مما فى التوراة عن عبادة اليهود للأصنام ومما فيها : " بعدد مدنك صارت آلهتك يا يهوذا ، وبعدد شوارع أورشليم وضعتم مذابح للخزى ومذابح للتبخير للبعل " [إرمياء 11 : 13].
ويمكن الفهم من آيات فى القرآن أن العرب بنى إسماعيل - عليه السلام - لم يعبدوا الأصنام قط. فإبراهيم - عليه السلام - وهو يبنى الكعبة ولم يكن له من ولد غير إسماعيل ، يطلب من الله طلبين فى ذريته :
أولهما : أن يجنبهم عبادة الأصنام ، وثانيهما : أن يبعث فيهم نبيًّا منهم.
وإذ شهد الواقع بتحقيق الطلب الثانى فإن محمداً قد أرسل ؛ يكون الطلب الأول قد تحقق أيضاً.
وفى القرآن أن الله قد عاهد إبراهيم وإسماعيل بتطهير الكعبة من الأصنام ولم يذكر أنهم نقضوا العهد. كما ذكر أن اليهود نقضوا فى قوله *فبما نقضهم ميثاقهم.. * *1*.
وأما قوله تعالى : *أفرأيتم اللات والعزى ومناة.. * *2* فإن فى التوراة أن اليهود عبدوا صنم مناة. والضمير فى *أفرأيتم* يحتمل أنه للعرب ويحتمل أنه لليهود. واحتمال عوده إلى اليهود أقوى لوجود شواهد فى التوراة عليه. ولا يقدر عاقل على اتهام بدليل محتمل.
وأما قوله تعالى : *وإذا الموءودة سُئلت بأى ذنب قتلت * *3* ففى التوراة أن اليهود وأدوا نبيهم وبناتهم. وليس فى القرآن من نص صريح على نسبة الوأد إلى العرب. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* النساء : 155 ، المائدة : 13.
*2* النجم : 19 - 20.
*3* التكوير : 8 - 9.
كنعان ، ولم يَذهبْ إِلى بلادِ العرب ، فمن الخطأ أَنْ يُقالَ : إِنَّ الكعبةَ بيتُ اللّهِ أَو مقامُ إِبراهيم ، فأَينَ بيتُ اللّهِ من بيتِ الأَصْنام ؟!
وأَينَ العِبْرِيُّ من العربي ؟!
وأَينَ فلسطينُ من الحجاز ؟
وقد أَوردَ الدكتورُ طه حسين هذه الفكرةَ في كتابِه الشعر الجاهلي ".
أَمَّا أَنَّ إِبراهيمَ - عليه السلام - كان يُقيمُ في الأَرضِ المقدَّسَة ، فهذا حَقّ وصواب ، نقولُ به لأَنَّ القرآنَ أَخبرَ عنه.
وكونُه في بلادِ فلسطين لا يمنعُ ذَهابَه إِلى بلادِ الحجاز ، وليسَ في هذا محذورٌ عقلاً ، فقد كانَ في العراق ، ثم توجَّهَ إِلى فلسطين ، والمسافةُ بين فلسطينَ والحجازِ ليستْ أَبعدَ من المسافةِ بينَ فلسطينَ وجنوبِ العراق ، فلماذا صَدَّق الفادي وطه حسين قُدومَ إِبراهيمَ من العراقِ لفلسطين ، ولم يُصَدّقا ذهابَه من فلسطينَ إِلى الحجاز ؟
أَلِأَنَّ الخبرَ الأَولَ وَرَدَ في العهدِ القديم فَصَدَّقاه ، ولأَنَّ الخبرَ الثاني لم يَرِدْ في العهدِ القَديم ، فلم يُصَدِّقا به ؟
ومَنْ قالَ : إِنَّ الحقيقةَ محصورةٌ بما وردَ في العهدِ القديم ؟
ولماذا لم يُصَدّقا ما وَرَدَ في القرآن ؟
وهو كلامُ اللّهِ الثابتُ المحفوظ!.
إِنَ مرجعيتَنا الأُولى هي القرآن ، وكلُّ ما وَرَدَ في القرآنِ نُؤمنُ به ، وقد نَصَّ القرآنُ على أَنَّ إِبراهيمَ أتى إِلى بلادِ الحجاز ، وأَسكنَ بعضَ أَهْلِه فيها.
قال تعالى : *رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ*.
كما نَصَّ القرآنُ على أَنَ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ هما اللذان بَنَيا البيتَ الحرام.
قال تعالى : *وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *127*.
وعلى ضوءِ هذا البيانِ القرآنيِّ الصادقِ يكونُ كلامُ الفادي خَطَأً وباطلاً ومردوداً.
يمين أيوب والضغث والضرب
أَشارَ القرآنُ إِشارةً مبهمةً مجملةً إِلى يمينٍ حَلَفَه أَيوب ، فأَرشَدَه اللّهُ إِلى كيفيةِ التحللِ من يمينهِ ، وعَدَمِ الحنْثِ فيه ، بأَنْ يأخذَ ضِغْثأ فيضربَ به الطرفَ الآحْرَ.
قال تعالى : *وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ *44*.
وذهبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي ، ليأخذَ منه دليلاً على تخطئةِ القرآنِ في حديثِه عن يمينِ أَيوب - عليه السلام -.
قال : " قال البيضاوي : الضغْثُ : الحزمةُ الصغيرةُ من الحشيشِ ونحوِه *فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ* : رُوِيَ أَنَّ زوجةَ أَيوبَ " ليا بنت يعقوب " ، وقيل : " رحمة بنت أَفرايم بن يوسف " ذهبتْ لحاجةٍ فأَبطأَتْ ، فحلَفَ إِنْ برئ أَن يضربَها مئةَ ضربة ، فحلَّلَ اللّهُ يَمينَه بذلك ، وهي رخصةٌ باقيةٌ في الحدود ".
وأَثارَ الفادي تشكيكَه وشبهاتِه قائلاً : " ونحنُ نسأل : كيفَ يصحُّ لأَيّوب البارّ ، الصبورِ على ضَياعِ أَولادِه وعبيدِه ومواشيه ، أَنْ يغضبَ على زوجتِه ، وهو المشهودُ له في التوراةِ باللطفِ والحِلْم ، وخاصةً مع زوجته ، إِذْ قالَ لها :
" تتكلَّمين كَلاماً كإِحدى الجاهلات!! آلْخَيْرَ نقبلُ من عندِ اللّه والشَّرَّ لا نَقْبَل ؟ "..
وكيفَ يصحُّ لأَيوب أَنْ يتوعَّدَ زوجَتَه بالضربِ مئةَ ضربةٍ لمجردِ إِبطائِها ؟
وكيفَ يحلفُ لِيَضْرِبَنَهَا مئةَ سوط ، فينصحُه اللّهُ أَنْ يأخذَ حُزْمَةً فيها مئةُ عود ، فيضربَها بها ضربةً واحدةً فلا تقعُ يمينُه ؟
وأَينَ أَيوبُ من يعقوبَ حتى يزوَّجَ ابنتَه ؟
أو من يوسفَ حتى يتزوَّجَ حفيدتَه ؟
والمعروفُ أَنَّ أَيوبَ سابقٌ ليعقوبَ ويوسفَ تاريخياً ؟..
وهذه القصةُ موجودةٌ في خرافاتِ اليهودِ القدماء ".
لَسْنا مع الإِمامِ البيضاويِّ في تبيينِه ما أَبهمه القرآن ، لأَنَه لا دليلَ له على ذلك.
فلا نقول : إِنَّ امرأَتَه هي لَيا بنتُ يعقوب ، ولا نقول : إِنها رحمةُ بنتُ أَفرايم ، ولا نقول غيرَ ذلك ، وبهذا يسقطُ اعتراضُ الفادي على تعيينِ اسمِ زوجتِه ، واعتبارُه ذلك من أَخطاءِ القرآن ، لأَنَّ القرآنَ لم يُبَيِّنْ ذلك أَصلاً.
ويُخطئُ الفادي في زَعْمِه أَنَّ أَيوبَ كانَ قبلَ يعقوبَ ويوسفَ بفترةٍ طويلة ، وأَنه كانَ في بلادِ عوض العربية ، والراجحُ من خلالِ حديثِ القرآنِ عن الأَنبياءِ أَنه كانَ من أَنبياءِ بني إِسْرائيل المتأَخِّرين ، نقول هذا من بابِ الترجيحِ والاحتمال ، وليسَ من بابِ الجزمِ واليقين.
ولَسْنا مع الإِمام البيضاويِّ في تَبيينِه سَبَبَ حَلْفِ أَيّوب ، وكيفيةَ تكفيرِه عنه ، فلا دليلَ عندنا من الآيات ِ الصريحة والأَحاديثِ الصحيحة لرسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، على أَنَ أَيوبَ غضبَ على امرأتِه لأَنها أَبْطَأَتْ عليه ، فَحَلَفَ أَنْ يضربَها مئةَ سوط ، وأَرشدَهُ اللّهُ إِلى أَنْ يأخذَ غُصناً به مئةُ عود ، فيضربَها به ضربةً واحدةً ، لئلا يحنثَ في يمينِه.
وبهذا يسقطُ اعتراضُ الفادي على ما أَوردَه البيضاوي ، لأنه اعترضَ على كلامٍ لم يَصحّ ولم يَثْبُت ، وجَعَلَه دليلاً على إِدانةِ القرآنِ وتخطئتِه ، مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْه! وكيفَ يُدانُ القرآنُ ويُخَظَّأُ على كلامٍ لم يَقُلْه ؟!.
وعلَينا أَنْ نبقى مع القرآنِ والحديثِ الصحيح في فهمِ ما ذَكَرَه القرآنُ عن قَصَصِ السابقين ، ولا يَجوزُ أَنْ نُضيفَ إِليهما كلاماً لأَي شخصٍ آخر ، أَو من أَيِّ مصدرٍ آخَر.
وقد أَبهمَ القرآنُ الحديثَ عن يَمينِ أَيوبَ - عليه السلام - ، واكتفى بإِشارةٍ مجملة :
*وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ*.
ومعنى الآية : إِنَّ أَيوبَ - عليه السلام - حَلَفَ يَميناً أَنْ يَضربَ شَخْصاً ضَرْباً ، فَدَعاهُ اللّهُ إِلى أَنْ لا يَحنَثَ في يمينِه ، وذلك بأَنْ يأخذَ ضِغْثاً فيضربَ به الطرفَ الآخَر ، والضغْثُ هو القبضةُ من الحشيشِ أَو العيدان ؟
يمْسِكُ بها الكَفُّ.
فأَخَذَ أَيوبُ الضِّغْثَ من الحشيشِ أَو العيدانِ وضربَ به الطرفَ الآخَر ، وبذلك أَمضى يمينَه ولم يَحْنَثْ!.
وكلُّ كلامٍ إِضافةً على هذا الكلامِ لا دليلَ عليه ، ولا يَجوزُ أَنْ نُفَسِّرَ به كلامَ اللّه ، ولذلك نَستبعدُ ما قيلَ بأَنَّ أَيوبَ حَلَفَ على امرأتِه أَنْ يضربَها مئةَ سوط ، وأَنَّ اللّهَ أَمَرَهُ أَنْ يضربَها بغصْنٍ فيه مئةُ عودٍ كي لا يَحْنَث!.

الصرح الذي بُني لفرعون
أخْبَرَنا اللّهُ أَنَّ فرعونَ أَصَرَّ على كُفْرِهِ وادعى الأُلوهية ، وطلبَ من وزيرِه هامانَ أَنْ يَبنيَ له صَرْحاً ليبحثَ عن إِله موسى.
قال تعالى : *وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ *38*.
وقد اعترضَ الفادي على القرآن ، وخَطَّأَه ، ووضعَ لكلامِه عِنْواناً استفزازيّاً هو : " فرعونُ بنى بُرْجَ بابلَ بمصر! ".
وهو تهكُّمٌ وسخريةٌ بكلامِ القرآن ، فأَينَ برجُ بابلَ الذي في العراقِ من فرعونَ حاكم مِصر ؟!.
قالَ الفادي في تخطئتِه للقرآن : " ومعلومٌ أَنَّ البرجَ الذي كانَ بنو آدم يَبنونَه ليسَّ رأسُه السماء ، وقد صنَعوهُ من الطّينِ اللَّبِنِ المشويِّ بالنّار ، هو برجُ بابلَ في بلادِ الكِلْدانيّين ، وقد شَرَعوا في بنائِه عقبَ حادثةِ الكِلْدانيّين..
فلا يمكنُ أَنْ يكونَ الآمِرُ بالبرجِ هو فرعون ، كما أَنَّ البرجَ لم يُبْنَ في مصر ، ولا يُمكنُ أَنْ يكونَ وزيرُ فرعون هو هامانَ الوزيرَ الفارسيّ ، وقد بُنِيَ برجُ بابلَ قبلَ فرعونَ بقرونٍ طويلة! ".
خَطَّاَ الفادي القرآنَ في حديثهِ عن صَرْحِ فرعون ، بينما اعتمدَ حديثَ سِفْر التكوينِ عن برجِ بابل ، مع أَنها أُسطورةٌ وخُرافة ، لا تتفقُ مع الإِيمانِ باللّه ، وخلاصَتُها : أَنَّ الناسَ تجمعوا في سهل بابلَ بعدَ انتهاءِ طوفانِ قومِ نوحٍ ، فاتفقوا على أنْ يَبْنوا بُرْجاً عالياً ، يَمَسُّ رأْسُه السماء ، ليخلّدَ ذكْرَهم على الأَرض ، ولما شَرَعوا في بنائِه ، رآهم اللّهُ وهو في السماء ، وخافَ منهم أَنْ يَصْعَدوا إِليه ، فقال لمن حَوْلَه من الملائكة : هؤلاء بنو آدم يَبْنون بُرْجَهم إِلى السماء ، وإِنْ تَرَكْناهم وَصَلوا إِلينا ، فَتَعالوا نَنْزِلْ ونُبَلْبِلْ أَلسنَتَهم ونُفَرِّقْهم!! فنزلَ الرَّبُّ إِليهم وبَلْبَلَ أَلسنَتَهم ، فَتوقَّفوا عن البناء ، وتَشَتَّتوا وتَفَرقوا في الأَرض!!.
هذه الأُسطورةُ الخرافيةُ الكافرةُ يُصَدِّقُها الفادي لأَنها وردَتْ في العهدِ القديمِ ، مع أَنها لا تتفقُ مع قوةِ اللّهِ وقدرتِه وعظمتِه وعدلِه ، وهي من تأليفِ الأَحبارِ المحَرِّفين للتوراة.
أَما حديثُ القرآنِ عن الصرحِ الذي طَلَبَ فرعونُ من وزيرِه هامانَ أَنْ يبنيَه فإنه يُخَطِّئُه ويَرفضُه ، كما يَرفضُ أَنْ يكونَ هامانُ وزيراً لفرعون ، لأَنه كان وزيراً لملكِ الفرسِ ، الذي كان بعدَ فرعونَ بقرون.
والصَّرْحُ هو البناءُ العالي ، والأَبنيةُ العاليةُ موجودةٌ في كثيرٍ من المدنِ القديمة ، وقد ذَكَرَ القرآنُ صرحَيْن :
الأَول : صَرْحُ فرعونَ الذي بَناهُ له هامانُ من الطينِ المحروق ، والذي أَخبرتْ عنه آيةُ سورةِ القَصَص : *فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا*.
وأَخبرَتْ عنه آيةُ سورةِ غافر : *وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ *36* أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا*.
الثاني : صرحُ سليمانَ العجيب ، الذي فاجأَ به ملكةَ سبأ.
قال تعالى : *قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *44*.
وبما أَنَّ اللّهَ أَخبرَنا عن صرحِ فرعونَ الذي بناهُ له وزيرُه هامانُ فإِننا نُصَدِّقُ ذلك ونؤمنُ به ، ومعلوم أَنَّ الفراعنةَ تركوا خَلْفَهم مجموعةً من الأهراماتِ الأَثرية ، والذين بَنَوْا تلك الأَهراماتِ لا يَعجزون عن بناءِ صَرْحٍ عالٍ !!.
وقد سَبَقَ أَنْ ذَكَرْنا أَنه لا تَعارُضَ بين هامانَ المصري ، الذي كان وَزيراً لفرعون ، والذي ذَكَرَ القرآنُ اسْمَه صريحاً ، وبينَ هامان الفارسي ، الذي كان وزيراً لملكِ الفرس ، فكثيراً ما تتشابَهُ الأَسْماء!.

حول الطوفان على المصريين
أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ أنَّه لما أَصَرَّ فرعونُ وقومُه على الكفرِ واضطهادِ بني إِسرائيل ، أَرسَلَ اللّهُ عليهم عدةَ آيات ، وابتلاهم بعدةِ ابتلاءات ، لعلَّهم يَتَراجعونَ ويُؤمنون.
قال تعالى : *
وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ *132* فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ *133* وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ *134* فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ *135* فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ *136*.
ذَكَرت الآياتُ خمس عقوباتٍ عاقبَ اللّهُ بها فرعونَ وقومَه ، وهي :
الطوفانُ والجرادُ والقُمَّلُ والضفادعُ والدَّمُ ، وقد كان عاقَبَهم قبلَ ذلك بالمحلِ والجَدْبِ والسنين ونقصِ الثمرات ، وَوَرَدَ ذلك في قولِه تعالى : *وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ *130*.
ويبدو أَنَ هذه العقوباتِ كانَتْ متتابعة : فعاقَبَهم اللّهُ أَوَّلاً بالسنينَ والمحلِ ونقصِ الثمرات ، حيثُ حُبستْ عنهم الأَمْطار ، وقَلَّتْ مياهُ نهرِ النيل ، وجَفَّتْ مزروعاتُهُم ، وتَلِفَتْ أَشجارُهم وثِمارُهُم ...
ثم أَرسلَ اللّهُ عليهم الطوفان ، بأَن امتلأَ نهرُ النيلِ بالمياه ، التي أَدّى طوفانُها إِلى إِغراقِ أَراضيهم ومزروعاتِهم بالمياه..
ولَمّا انْحَسَرت المياهُ ونَبَتَ الزرعُ أَرسلَ اللّه عليه الجرادَ فقضى عليه ...
وما سَلِمَ من الزرعِ من الجراد ، وحَصدوه ، وخَزَّنوا حُبوبَه ، أَرسلَ اللّهُ عليه " القُمَّلَ " - بتشديدِ الميم - وهو السّوسُ الذي أَكَلَه ونَخَرَه وأَفْسَدَه..
أَمّا الضفادح والدمُ فهما عقوبتان منفصلتانِ عما قبلَهما ، ولا نَعرفُ عن تفاصيلِهما ، لأَنَ اللّهَ لم يُخبرْنا عن ذلك ، فنَكْتَفي بالإشارةِ القرآنيةِ الإِجمالية.
وقد رَفَضَ الفادي قَبولَ ذلك ، واعتبرَهُ من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية ، وحاكَمَ القرآنَ إِلى العهدِ القديم ، فوجَدَ فيه الحديثَ عن عَشْر ضَرْبات ، ضَرَبَ اللّهُ بها آل فرعون.
قال : " معلومٌ أَنَّ اللّهَ ضَرَبَ المصريين على يَدِ موسى عَشْرَ ضربات ، هي : الدَّمُ ، الضفادح ، البعوضُ ، الذُّبَّانُ ، موتُ المواشي ، الدمامِلُ ، البَرَدُ ، الجرادُ ، الظلامُ ، موتُ الأَبكار ...
أَمّا الطوفانُ فلم يُصِبْ مصرَ زمنَ فرعون ، بل كانَ حَدَثاً مَشْهوراً حَلَّ بقومِ نوح ".
وكلامُ الفادي عندنا مَرْدود ، وعودَتُه لسِفْرِ الخروجِ لاستخراجِ الضرباتِ الربانيةِ العشرة منه غيرُ صحيحة ، لأَنَّ الأَحبارَ حَرَّفوا أَسفارَ العهدِ القديم!
فنحنُ لا نعتمدُ ما وردَ فيه ، وإِنما نعتمدُ ما وَرَدَ في القرآن ، فنقول : أَرسلَ اللّهُ.
على فرعونَ وقومِهِ الطوفانَ والجرادَ وَالقُمَّلَ والضفادح والدم ، بعد أَنْ أَخَذَهم بالسنين ونقصِ الثمراتِ ، لعلَّهم يتذكرون!!.
وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ في حديثِه عن الطوفان ، الذي عاقَبَ اللّهُ به قومَ فرعون ، لأَنه لا يوجَد عندَه إِلّا طوفانٌ واحد ، وهو الذي عَمَّ الجبالَ والسهول ، وأَغرقَ قومَ نوحٍ الكافرين! وهذا بسببِ فكرِهِ القاصرِ وعقْلِه
الصغير ، فالطوفانُ زمنَ نوحٍ - عليه السلام - طوفانٌ عامّ شاملٌ كامل ، عمَّ وَجْهَ الأَرضِ كُلّها ، لكن هذا لا يَمنعُ وُجودَ وحدوثَ حوادثِ طوفانٍ أُخرى جزئية ، ومنها ذلك الطوفانُ الذي أَرسلَه اللّهُ على قومِ فرعون!!.
حول طالوت وجيشه
أَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ عن قصةِ طالوت ، وخلاصَتُها أَنَّ بَني إِسرائيل لما تسلَّطَ عليهم أَعداؤُهم ، طَلَبوا من نَبيٍّ لهم أَنْ يجعلَ عليهم مَلِكاً ، يَقودُهم لقتالِ أَعدائِهِمْ ، فأَخبرهم أَنَّ اللّهَ بَعَثَ لهم طالوتَ مَلِكاً ، فاعْتَرَضوا عليه بأَنه ليسَ من بيتِ الملوكِ ، وليسَ عندَه مال ، فأَخبرهم أَنَّ آيةَ مُلْكِه أَنْ يَأْتِيَهم التابوتُ الذي سَلَبَهم إِياهُ أَعداؤُهم..
وخرجَ طالوتُ بالجيش ، وطَلَبَ منهم أَنْ لا يَشْرَبوا من النهر ، إِلا غَرْفَةً باليد ، فشَربوا من النهر إِلا عَدَداً قليلاً منهم ، وخاضَ بذلك العددِ القليلِ المعركةَ الفاصلة ، وهَزَمَ اللّهُ أَعداءَهم ، وكانَ داودُ جنديّاً في جيشِ طالوت ، وقَتَلَ جالوتَ قائدَ الكفار ، وصارَ بعدَ ذلكَ نبياً ومَلِكاً على بَني إِسرائيل.
واعترضَ الفادي على عرضِ القرآنِ لقصةِ طالوت ، وحاكَمَ القرآنَ إِلى أَسْفارِ العهدِ القديم ، وحَكَمَ بخطَأِ ما جاءَ في القرآنِ مُخالِفاً لكلامِ الأَحْبار.
وقال : " والقصةُ أنَّ صموئيلَ النبيَّ مَسَحَ شاولَ الملك - الذي يُسميه القرآنُ طالوتَ لِطولِ قامتِه - ملكاً على بني إِسرائيل ، وفي أيامِه بارزَ داودُ جالوتَ - الذي هو جُولْيات - وقَتَلَه ، ونَصَرَ اللّهُ بني إِسرائيل..
غير أَنَّ القرآنَ خَلَطَ هذه القصةَ بحكايةِ جيشِ جَدْعون ، الذي امتحنَهُ بالشربِ من النهر ، عندما حارَبَ المدْيانيّين ، واعتبرَ أَنَّ شاولَ أَو طالوتَ هو جَدْعون ، واعتبرَ أَنَّ الحربَ مع الفلسطينيِّين هي الحربُ مع المديانيين ، مع أَنَّ بينَ الحادثتين زَمَن مديد! ".
إِنَّ المرجعَ والمعتمَدَ هو القرآن ، فإِذا قالَ القرآنُ قَوْلاً ، وقالَ الكتابُ المقَدَّسُ قولاً خالفه ، حَكَمْنا بخطأ قولِ الكتابِ المقَدَّس ، واعتمدْنا قولَ القرآن.
الكتابُ المقَدَّسُ سَمّى الملكَ شاول ، والقرآنُ سماهُ طالوت! والصحيحُ أَنَّ اسْمَه طالوت.
وسمّى الكتابُ المقدسُ قائدَ الأَعداءِ جوليات ، والقرآنُ سَمّاهُ جالوت! والصحيحُ أَنَّ اسْمَه جالوت.
وأَخبرَ القرآنُ أَنَّ طالوتَ هو الذي امتحنَ جُنودَه بالنهرِ الذي مَرّوا به ، وطلبَ منهم أَن لا يَشربوا منه إِلّا غَرفةً باليد ، فَشَربوا منه إِلا قَليلاً منهم ، وأَخبرَ الكتابُ المقَدَّسُ أَنَّ الذي امتحنَ الجنودَ بالنهرِ هو جدعون ، وكان قائداً لبَني إسْرائيل ، ظهرَ قَبْلَ طالوتَ بفترة!
والصحيحُ هو ما ذكره القرآن.
ولذلك كان الفادي مخطئاً في تخطئةِ القولِ الصحيحِ في القرآن.

حول كلام عيسى في المهد
أَخبرَ اللّهُ أَنَّ عيسى - عليه السلام - تكلمَ في المهد ، أَيْ كَلمَ الناسَ وهو على حضْنِ أُمِّه.
قال تعالى : *وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ *46*.
وقال تعالى : *إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا*.
وذَكَرَ القرآنُ أَنَّ عيسى تكلمَ في المهدِ مرتَيْن :
المرةُ الأُولى : بعد أَنْ وَلَدَتْه أُمُّه مباشرة ، فناداها مِنْ تحتها ، ودَعاها إِلى عَدَمِ الحُزْن ، وأَرشَدَها إِلى الطعامِ والشرابِ ، وعدم كلامِ الناس.
قال تعالى : *فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا *24* وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا *25* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا *26*.
المرةُ الثانية : بعدما حملَتْه وذهبَتْ به إِلى قومِها ، وتَعَجَّبوا من الأَمْرِ ، وسأَلوها عن تفسيرِ الأَمْر ، فلم تُكلمْهم ، وأَشارَتْ إِليه وهو على حضنِها ، فكلَّمَهم بلسانٍ فصيح ، وقَدَّمَ نفسَه إِليهم..
قال تعالى : *فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا *29* قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا *30* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا *31* وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا *32* وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا *33*.
ولكنَّ الفادي كَذَّبَ القرآنَ وخَطَّاَه ، وحاكَمَهُ إِلى كتابه المقَدَّس.
قال : " ويقولُ الكتابُ المقَدَّس : إِنه لما جاءَ المسيحُ في الجَسَدِ كان يَنْمو نُمُوّاً طبيعياً ، سواءٌ في بَدَنِه أَو عَقْلِه وتفكيرِه.
فقالَ الإِنجيل : " وأَمّا يَسوعُ فكان يتقدَّمُ في الحكمةِ والقامةِ والنعمة ، عندَ اللّهِ والناس " فلم يَحدثْ أَنْ تكلمَ المسيحُ في المهد " *1* *2*.
وإن كلام الفادي المفترِي مردود ، ومحاكمته القرآن إلى الكتاب المقدس خطأ منهجي منه ، لأن القرآن هو الأصل والمرجع ، وبما أنه ذكر أن عيسى - عليه السلام - تكلم في المهد ، فقد تكلم عيسى في المهد..
ثم إنه ليس في الأمر ما يدعو للاستغراب أو الإنكار ، لأن كلامه في المهد لم يكن أمراً مألوفاً معتاداً ، وإنما كان آية خارقة من آيات اللّه! واللّه الذي خلق عيسى - عليه السلام - من غير أب هو الذي أنطقه في المهد!!.

عيسى ومعجزة خلق الطير
أَخْبَرَنا اللّهُ أَنَّ عيسى - عليه السلام - كان يَصنَعُ من الطينِ شَكْلاً على هيئةِ الطيرِ ، ثم ينفخُ فيه فيكونُ طائِراً حَيّاً بإِذْنِ اللّه.
قال تعالى : *وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ*.
__________
*1* أيُّ سفهٍ هذا ، يستبعدون كلامه في المهد ، ويقولون بألوهيته !!!.
*2* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
115- يتكلم فى المهد
إنه قد جاء فى القرآن أن المسيح قد تكلم فى المهد. وليس فى الأناجيل ما يدل على كلامه فى المهد.
الرد على الشبهة :
إن مريم لم تكن مخطوبة ولا متزوجة. وقد أحصنت فرجها. أى منعت نفسها عن الزواج طيلة حياتها وسلكت فى سلك الرهبنة. ثم إنها ابنة كاهن من نسل هارون - عليه السلام - وابنة الكاهن إذا زنت فإنها تحرق بالنار. لما جاء فى سفر الأخبار : " وإذا تدنست ابنة كاهن بالزنا ؛ فقد دنست أباها ، بالنار تحرق " [لا 21 : 9]. ومريم قد أتت بولد وهى غير متزوجة. وهذا هو دليل الاتهام فلماذا لم تحرق ؟ إن عدم حرقها يدل على أن ابنها تكلم فى المهد. ومع ذلك فقد جاء فى بعض الأناجيل المرفوضة أنه تكلم فى المهد. ومن ذلك : " وبينما كانوا نياماً ؛ حذرهم الطفل من الذهاب إلى هيرودس " [بر 7 : 10]. اهـ *شبهات المشككين*
وقال تعالى : *وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي*.
وعَلَّق الفادي على هذا بِكلامٍ غامِض ؟
قال فيه : " يَقولُ المسلمون : إِنَّ المسيحَ لما كان صَبِيّاً خَلَقَ من الطينِ طَيْرا..
ويؤمنُ المسيحيّون أَنَّ المسيحَ كلمةُ اللّه ، وهو الذي *كُلُّ شيءٍ به كان ، وبغيرِه لم يكنْ شَىءٌ مما كان* ، ولكنّهم يؤمنونَ أَنَّ المسيحَ لما تَجَسَّدَ لبثَ ثَلاثينَ سنة قبلَ أَنْ يبدأَ في الكرازةِ وعَمَلِ المعجزات ".
لم يُصرح الفادي باعتراضِه على القرآن ، ولم يُوَضِّحْ ما يريدُ من كلامِه
عن المسيحِ - عليه السلام - ، فما معنى جملة " كُلُّ شيء به كان ، وبغيرِهِ لم يكنْ شيءٌ مما كانَ " !.
ظاهرُ هذه الجملةِ أَنَّ كُلَّ شيء في الوجودِ متعلقٌ ومرتبطٌ بعيسى - عليه السلام - ، وبدونه لا يوجَدُ شيء!! وهذا من صفاتِ اللّهِ الخالق ، وليسَ من صفاتِ عيسى المخلوق ، فهذه صورةٌ من صورِ إِشراكِ النصارى ، حيثُ أَشركوا عيسى باللّه في الخلقِ والقوةِ والفعلِ والتصرُّف ، وكأَنَ عيسى - عليه السلام - هو المتصرفُ في الأَشياء ، والقائمُ عليها ، والحافظُ لها!!.
ومع ذلك اعترضَ الفادي على القرآن ، وخَطَّأَهُ في إِخبارِه عن معجزةٍ باهرةٍ لعيسى - عليه السلام - ، حيث كانَ يأْخُذُ طيناً ، ويَصنعُ منه تِمثالاً على شَكْلِ طائر ، ثم يَنفخُ فيه ، فتدبُّ فيه الروح ، ويَصيرُ طائِراً حيّاً ، وهذا بإِذْنِ اللّهِ سبحانه ...
فاللّهُ في الحقيقةِ هو الذي جَعَلَه حَيَّاً ، ونفخةُ عيسى - عليه السلام - ما هي إِلّا سببٌ ماديّ ، لأَنَّ المسبّبَ والخالقَ والمريدَ هو اللّه - عز وجل.
وبما أَنَّ القرآنَ صَرَّحَ بذلك ، فإِنَّنا نؤمنُ به ونُصَدِّقُه ، ونَعتبرُه معجزةً من معجزاتِ عيسى - عليه السلام - ، أَجْراها اللّهُ على يَدَيْه.
من هو المصلوب ؟
الْتَبَسَ على النَّصارى صَلْبُ عيسى - عليه السلام - ، كما الْتَبَسَ على اليَهود..
وحَلَّ القراَنُ الإِشكالَ ، وأَزالَ اللَّبْسَ ، لكنَّ النَّصارى لم يُصَدِّقوا القرآن.
قال اللّه - عز وجل - : *وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا *156* وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا *157* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا *158*.
واعترضَ الفادي على نَفْيِ القرآن قَتْلَ عيسى - عليه السلام - وصَلْبَه ، واعتبرَه خَطَأً من أَخطاءِ القرآن ، واستغربَ من إِنكارِ القرآنِ أَمْراً مُجْمَعاً عليه بينَ اليهودِ والنصارى واليونان والرومان.
ونُسجلُ اعتراضَ الفادي قبلَ أَنْ نفَنِّدَه : " لماذا ينكرُ القرآنُ صَلْبَ المسيحِ وقَتْلَه بأَيدي اليهود ، مع أَنَّ اليهودَ يَعْترفون بذلك ، والنصارى يُؤَكِّدونه ويَفْتَخرون به ؟
والإِنجيلُ كُلّه هو خَبَرُ صَلْبِ المسيحِ والبشارةِ به ، كَفادٍ للبشر ؟.
ويذكُرُ القرآنُ في مواضعَ أُخْرى موتَ المسيحِ وقيامتَه ، وارتفاعَه إِلى السماء.
كقوله تعالى : *إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ* ، وفيه يَقولُ المسيحُ : *فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ* ، ويقولُ أَيضاً : *وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا *33*.
أَليسَ غريباً أَنْ يَجيءَ مَنْ يُنكرُ صَلْبَ المسيحِ بعدَ حدوثِه بستمئة سنة ؟!" *1*.
إِنَّ حادثةَ الصَّلْبِ حقيقةٌ تاريخية ، سَجَّلَها اليونانُ والرومانُ واليهودُ والمسيحيون..
وفي مجمع " نيْقية " الذي انعقدَ سنةَ *325 م* كتبَ أَساقفةُ العالَم المسيحيِّ قانونَ الإِيمان ، مُقَرّراً صَلْبَ المسيحِ لأَجْلِ خَلاصِنا ، وهو القانون
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
117- إنكار الصَّلب
إن القرآن ينكر صلب المسيح. والتاريخ يثبته.
الرد على الشبهة :
إن العلّة المترتبة على صلب المسيح هى غفران خطايا من يؤمن به ربًّا مصلوباً والغفران لكل من كان فى المدة من آدم إلى المسيح إذا قدّر أنهم لو كانوا له مشاهدين ، لكانوا به مؤمنين. فهل هذه العلة صحيحة ؟
بالتأكيد ليست بصحيحة. وذلك لأن آدم لما أخطأ هدته الحكمة أن يعترف بخطئه وأن يتوب. فتاب الله عليه. وإذ هو قد تاب ، فأى فائدة من سريان خطيئة آدم فى بنيه ؟ ففى سفر الحكمة : " والحكمة هى التى حمت الإنسان الأول أب العالم الذى خلق وحده لما سقط فى الخطيئة ؛ رفعته من سقوطه ، ومنحته سلطة على كل شىء" [حك 10 : 1 - 2].
وفى التوراة : أن نجاة المرء من غضب الله يكون بالعمل الصالح حسبما أمر الله. ومن لا يعمل بما أمر الله ؛ فإنه لا يكون له نجاة. ففى سفر الحكمة عن نوح - عليه السلام - وولده : " وعندما غاصت الأمم فى شرورها ؛ تعرفت الحكمة برجل صالح ، وحفظته من كل عيب فى نظر الله ، وجعلته قويًّا يفضل العمل بأمر الله على الاستجابة إلى عاطفته تُجاه ولده " [حكمة 10 : 5].
انظر إلى قوله " تجاه ولده " أى ولده الذى غرق لعدم إيمانه وعمله. وهذا النص من سفر الحكمة عن " ولده " ليس له نظير فى قصة نوح الموجودة فى التوراة العبرانية.
ويقول المسيح عيسى - عليه السلام - : " كل كلمة فارغة يقولها الناس؛ يُحاسبون عليها يوم الدين. لأنك بكلامك تُبرّر، وبكلامك تُدان " [متى 12 : 36 - 37].
وفى التوراة : " لا يُقتل الآباء عن الأولاد ، ولا يقتل الأولاد عن الآباء. كل إنسان بخطيئته يُقتل " [تث 24 : 16].
وفى الأناجيل أن المسيح بعد حادثة القتل والصلب ؛ ظهر أربعين يوماً للحواريين ، وتكلم عن ملكوت الله معهم. وهو ملكوت محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففى بدء سفر أعمال الرسل : " الذين أراهم أيضاً نفسه حيًّا ببراهين كثيرة بعدما تألم ، وهو يظهر لهم أربعين يوماً ، ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله " [أع 1 : 3] وظهوره وكلامه عن الملكوت ؛ يدلان على استمراره فى الدعوة. اهـ *شبهات المشككين*.
الذي يَتْلوهُ كُلُّ مسيحي في كُلّ كنيسة ، في كلِّ مكانٍ وزمان! وآثارُ المسيحيينَ في القرونِ العشرين الفائتة في كُلِّ أَنحاءِ العالَمِ تحملُ شاراتِ الصليب ؟
فكيفَ ينكرُ أَحَدٌ تاريخيةَ الصليب ؟! ".
يُؤمنُ كُلّ النصارى أَن اليهودَ والرومانَ قَتَلوا عيسى - عليه السلام - وصَلَبوه ، وأَنَ روحَه خرجَتْ على الصَّليب ، وبعد ثلاثةِ أيامٍ من دفْنِه رُدَّتْ إِليه روحُه ، فقام من قَبْرِه ، وصَعَدَ إِلى السماء!.
وكانَ اليهودُ يَتَباهون ويَتَفاخَرون بقتْلِ عيسى - عليه السلام - ، قال تعالى : *وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ*..
أَما النَّصارى فقد جَعَلوا الصليبَ جُزْءاً من عقيدتِهم ودينهم ، والشعارَ المميزَ لهم عن باقي أَتْباعِ الأَدْيان ، وَوَضَعوا الصليبَ في أَعناقِهم وعلى كنائِسهم وملابِسهم ومرافقِ حياتهم..
فإِذا نفى القرآنُ صَلْبَ عيسى - عليه السلام - نَفْياً صَريحاً فإِنَ النصرانيةَ تَتَهاوى من أَساسِها ، ولذلك كَذَّبَ الفادي القرآنَ في نفيهِ صَلْبَ عيسى - عليه السلام -.
وعندَ النظرِ في كَلامِ القرآنِ عن الصَّلْب نَرى أَنه لم يَنْفِ الصَّلْبَ جملةً وتَفْصيلاً ، وإِنما نفى صلبَ عيسى - عليه السلام - ، وكَذًّبَ اليهودَ في ادعاءِ ذلك..
قال تعالى : *وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ* ؟
فنفى أَنْ يَكونوا قَتَلوا عيسى - عليه السلام - أَوْ صَلَبوه.
ويُقررُ القرآنُ أَنَّ المختَلِفين في موضوعِ القتلِ والصلبِ من اليهودِ والنَّصارى في شكٍّ منه ، لم يَصِلوا إِلى اليقين ، لأَنهم لا يَنْطَلقونَ من العِلْم ، وإِنما يَتَّبِعونَ الظَّنَّ ، والظَّنّ لا يوصِلُ إِلى يَقين : *وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ... .
ويؤكِّدُ القرآنُ مرةً أُخرى أَنهم لم يَقْتُلوا عيسى يَقيناً ، لأَنَّ اللّهَ العزيزَ الحكيمَ رَفَعَهُ إِليه : *وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا *157* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا *158*.
وتَدلُّ الجملُ القرآنيةُ السابقةُ على أَنَّ القرآنَ لم يَنْفِ الصلبَ مُطْلَقاً ، وإِنما نفى صَلْبَ عيسى - عليه السلام - ، فاليهودُ والرومانُ أَرادوا صلْبَ عيسى - عليه السلام - ، ولكنَّ اللّهَ حَماهُ وعَصَمه منهم ، ورفَعَهُ إِلى السماءِ حَيّاً بِجسْمِه وروحِه..
أَمّا هم فقد صَلَبوا رَجُلاً آخَر ، وكُل ظَنَهم أَنه عيسى! فقالَ اليهود مُتَبَجّحين : إِنّا قَتَلْنا المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ رسولَ اللّه.
معنى قوله تعالى : *وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ* : شُبهَ لهم أَمْرُ الصلْبِ والقَتْل ، والْتَبَسَ عليهم ، وَوَقَعوا في لَبْسٍ وشَبَهٍ بشأنِه! وهذا معناهُ أَنهم قَتَلوا وصَلَبوا شَخْصاً مَشْبوهاً ، وكلُّ ظَنَهم أَنه عيسى ، مع أَنَ المقتولَ المصلوبَ لم يكنْ عيسى ، إنما كانَ شَخْصاً آخَر.
ومعنى قوله تعالى : *وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا *157* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ* : لم يقتل اليهودُ عيسى - عليه السلام - يَقيناً ، ولم يكن الشخصُ المقتولُ المصلوبُ عيسى حقيقة ، إِنما كانَ شَخْصاًاَخَرَ غَيْرَه ، بينما كان عيسى - عليه السلام - في السماء!!.
وهذا معناهُ أَنَّ هُناكَ شخصاً مقتولاً مصلوباً ، يَجزمُ اليهودُ والنصارى والرومانُ وغيرُهم أَنه المسيحُ عيسى ابنُ مريم رسولُ اللّه ، ويَنفي القرآن الذي أَنزلَه اللّهُ بعد ستمئة سنةٍ من الحادثةِ أَنْ يكونَ عيسى ، ويُشيرُ إِلى أَنَّه شخصٌ آخرُ غير عيسى!! فمن هو هذا الشخصُ الآخَرُ المقتولُ المصلوب ؟!.
لم يتحدَّثْ عنه رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - في حديثٍ صحيحٍ مرفوع ، وذَكَرَ قَصَّتَه الصحابى الجليلُ عبدُ اللّه بن عباس - رضي الله عنهما -.
وهو أَصَحُّ ما جاءَ في مصادِرِنا الإِسلامية ، بشأنِ الأحداث الخطيرة في تلك الليلة ، ورواية ابن عباس تتفق مع حديث القرآن عن عدم قَتْلِ عيسى وصَلْبِه ، وتُشيرُ إِلى شخصيةِ القَتيل.
ونسجل فيما يلي رواية ابن عباس ، وتمهيد ابن كثير لها ، وحديثه عن أحداث تلك الليلة المثيرة :
قالَ ابنُ كثيرٍ في تفسيره : " وكانَ من خبرِ اليهودِ - عليهم لَعائنُ اللّهِ وسَخَطُه وغَضَبُه وعِقابُه - أَنه لما بَعَثَ اللّهُ عيسى ابنَ مريم بالبيناتِ والهدى ، حَسَدوه على ما آتاهُ اللّهُ من النبوة ، والمعجزاتِ الباهراتِ التي كان يُبرئُ بها الأَكْمَهَ والأَبرصَ ويُحيي الموتى بإِذْنِ اللّه ...
فخالَفوه وكَذَّبوه ، وسَعَوْا في أَذاهُ بكُل ما أَمْكَنَهم ، حتى جعلَ نبيُّ اللّهِ عيسى - عليه السلام - لا يُساكنُهم في بلدة ، بل يُكثرُ السياحةَ هو وأُمُّه ...
ثم لم يُقْنِعْهم ذلك حتى سَعَوا إِلى ملكِ دمشق في ذلك الزمان – وكانَ رَجُلاً مشركاً من عبدةِ الكواكب ، وكانَ يُقالُ لأهْلِ مِلَّتِه : اليونان - وأَنْهَوْا إِليه أَنَّ في بيتِ المقدسِ رجلاً يَفتنُ الناسَ ويُضلُّهم ، ويُفسِدُ على الملكِ رعاياه.. فغضبَ الملكُ من هذا ، وكتبَ إِلى نائبِه بالقُدْس ، أَنْ يَحتاطَ على هذا المذكور ، وأَنْ يَصْلُبَه ، ويَضَعَ الشوكَ على رأْسِه ، ويكفَّ أَذاهُ عن الناس..
فلما وَصَلَ الكتابُ امتثلَ والي القدس ذلك.
وذهبَ هو وطائفة من اليهودِ إِلى البيتِ الذي فيه عيسى - عليه السلام - ، وهو في جماعةٍ من أَصحابِه ، اثْنَيْ عشر رجلاً.
فلما أَحَسَّ عيسى بهم ، وأَنه لا مَحالةَ من دخولِهم عليه ، أَو خروجِه إِليهم ، قالَ لأَصحابِه : أَيكم يُلْقى عليه شَبَهي ، وهو رفيقي في الجنة ؟.
فانتدبَ لذلك شابٌّ منهم ، فكأَنه استصغَرَه ، فأَعادَها ثانيةً وثالثة ، وكُلّ ذلك لا يَنْتِدبُ إِلّا ذلك الشّابّ ...
فقالَ له عيسى : أَنتَ هوإ! وأَلقى اللّهُ شَبَهَ عيسى عليه ، فكأَنَّه هوإ!.
وفُتِحَتْ " رُوزَنَة " من سَقْفِ البيتِ ، وأَخَذَتْ عيسى - عليه السلام - سِنَة من النوم ، فرُفعَ إِلى السماءِ وهو كذلك ...
فلما رُفعَ عيسى من سَقْفِ البيت ، خَرَجَ أُولئك النفرُ من البيت.
فلما رأى اليهودُ والجنودُ ذلك الشابَّ ظَنّوه عيسى ، فأَخَذوهُ فى الليل وصَلَبوه ، وَوَضَعوا الشوكَ على رأْسهِ..
وأَظهرَ اليهودُ أَنهم سَعَوْا في صَلْبِه ، وتَبَجَّحوا بذلك..
وسَلَّمَ لهم طوائفُ من النصارى ذلك ؟
لجهْلِهِم وقلةِ عَقْلِهم..
ما عدا مَنْ كانَ في البيتِ مع المسيح ، فإِنهم شاهَدوا رَفْعَه..
وأَما الباقونَ فإِنهم ظَنُّوا كما ظَنَّ اليهودُ أَنَّ المصلوبَ هو المسيحُ ابنُ مريم ...
حتى ذَكَروا أَنَّ مريمَ جَلَسَتْ تحتَ ذلك المصلوبِ وبَكَتْ.
وهذا كلُّهُ من امتحانِ اللّهِ لعبادِه ، لما لَه في ذلكَ من الحكمةِ البالغة.
وقد أَوضحَ اللّهُ الأَمْرَ وجَلّاه وأَظْهَرَه وبَينَه في القرآنِ العظيم ، الذي أَنزلَه على رسولِه الكريمِ - صلى الله عليه وسلم - ، حيثُ بَينَ أَنهم ما قَتَلوا عيسى - عليه السلام - وما صلَبوه ، ولكن شُبِّهَ لهم ، حيثُ أَلْقى اللّهُ شَبَهَه على ذلك الشّابّ ، فَبَدا لهم عيسى ، فقَتَلوه وصَلَبوه ، ظانّينَ أَنَّه عيسى! وأَخبرَ اللّهُ أَنَّ الذينَ اخْتَلَفوا في عيسى - عليه السلام - من اليهودِ الذين ادَّعَوْا قَتْلَه ، والنصارى الجُهّالِ الذين سَلَّموا لهم بذلك ، كُلُّهم في
شَكٍّ وحَيْرةٍ وضلالٍ من ذلك! وأَخبرَ أَنهم ما قَتَلوه مُتَيَقنِين أَنه هو ، وإِنما كانوا شاكّين مُتَوَهِّمين ...
قالَ ابنُ عباسٍ رضتها : " لما أَرادَ اللّهُ أَنْ يرفعَ عيسى - عليه السلام - إِلى السماء ، خَرَجَ على أَصحابِه ، وفي البيتِ اثْنا عَشَرَ رَجُلاً من الحواريّين ، خَرَجَ عليهم من عينٍ في البَيْت ، ورأسُه يَقطرُ ماءً ، فقالَ إِنَّ منكم مَنْ يكفرُ بي اثنتَي عَشْرَةَ مرة ، بعد أَنْ آمَنَ بي!.
ثم قال : أيكم يُلْقى عليه شَبَهي ، فيُقْتَلُ مكاني ، ويَكونُ معي في دَرَجتي ؟.
فقامُ شابّ من أَحْدَثِهم سِنّاً ، فقالَ له : اجلسْ ، ثم أَعادَ عليهم ، فقامَ ذلك الشابُّ ، فقالَ له : اجلسْ! ثم أَعادَ عليهم ، فقامَ ذلك الشاب ، فقال : أنا! فقالَ له عيسى - عليه السلام - : هو أَنت!!.
فأُلْقِيَ عليه شَبَهُ عيسى - عليه السلام - ، ورُفِعَ عيسى من " روزَنَةٍ " في البيتِ إِلى السماء ، وجاءَ الطَّلَبُ من اليهود ، فأَخذوا الشَّبَهَ ، فَقَتَلوه ، ثم صَلَبوه.. ".
وعلى ضوءِ كلامِ ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - وابنِ كثيرٍ - رحمه الله - ، يمكنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ أَحداثَ تلك الليلةِ المثيرةِ كما يَلي :
1 - نجحَ اليهودُ في إِقناعِ الحاكمِ الروماني في إِلقاءِ القبضِ على عيسى - عليه السلام -.
2 - توجِّهَتْ مجموعةٌ من الجنودِ الرومانِ واليهودِ إِلى المكانِ الذي فيه عيسى - عليه السلام -.
3 - كان عيسى - عليه السلام - في أَحَدِ بيوتِ القُدْس في تلك الليلة ، وكانَ معه اثْنا عَشَرَ رَجُلاً من الحوارِيّين.
4 - عَلِمَ عيسى - عليه السلام - بقدومِ الجنودِ لاعْتِقالِه وقَتْلِه ، فلم يَخَف ولم يَقْلَقْ ولم يَحْزَنْ ، لأَنَّه يوقنُ أَنَّ اللّهَ معه ، بِحِفظِه وعنايتِه ورعايتِه.
5 - أَخبرَ اللّهُ عيسى - عليه السلام - أَنهم لن يَصِلوا إِليه ، وطَلَبَ منه أَنْ يَنتدبَ من أَتْباعِه شاباً ، ليُلقيَ شَبَهَهُ عليه.
6 - أَخبرَ عيسى - عليه السلام - الحواريّين أَنَّ اللّه سيحميه ، وعَرَضَ عليهم أَنْ ينتدبَ أَحدهم ليفديَه بنفسِه ، بأَنْ يُلْقى عليه شَبَهُه ، فيُؤْخَذَ ويُقْتَلَ ويَموتَ شهيداً ، ويكونَ معه في الجنة.
7 - استجابَ لعيسى - عليه السلام - شابٌّ من أَصْغَرِ الحوارِيّين سِنّاً ، وبقيَ اسْمُه مبهماً.
8 - أَجرى اللّهُ على ذلك الشابِّ الفدائيِّ آيَتَه الخارقة ، فَحَوَّلَه إِلى عيسى ، بأَنْ أَلْقى شَبَهَه عليه ، بحيثُ لا يَشُكُّ مَنْ رآهُ أَنه عيسى.
9 - رَفَعَ اللّهُ رسولَه عيسى - عليه السلام - إِلى السماء ، بعدَ أَنْ أَلْقى عليه النَّوْم ، وكانَ الحوارتون معه في البيت ، فرأَوْه وقد أُلْقِيَ عليه النوم ، ورأَوْهُ وهو يُرْفَعُ من فتحةٍ في البيت!.
15 - لما دخلَ الجنودُ واليهودُ البيتَ ، رأَوْا أَمامَهم " عيسى " ، وهو في الحقيقةِ " عيسى المُتَحَولُ " ، شبيهُ النبي عيسى الذي رُفِعَ إِلى السماء.
11 - أَخَذَ الجنودُ عيسى المتحوِّلَ ، وهم لا يَشُكّونَ أَنه عيسى المطلوبُ ، ولم يَنْفِ الشابّ أَنَّه عيسى.
12 - لا نَعرفُ ماذا جَرى للحوارِيّين الأَحَدَ عَشَرَ الذين كانوا في البيت ، هل هَرَبوا أَم اعْتُقِلوا ، أَم اعْتُقِلَ بعضُهم وهربَ آخرون.
13 - أَخَذَ الجنودُ " عيسى الثاني الشّبِيه " ، وصَلَبوهُ على الخشبة ، وقَتَلوهُ على الصَّليب ، ولقيَ وَجْهَ اللهِ شهيداً ، بينما كان عيسى الرسولُ - عليه السلام - في السماء.
14 - كان الناسُ يَأتونَ إِلى الشّابِّ المقتولِ المصلوب ، ولا يَشُكونَ أَنه عيسى ، لأَنَّ اللّهَ أَلْقى شَبَهَه عليه ، فأَنزلوه عن الصَّليبِ ودَفَنوه.
15 - كان اليهودُ فَرِحين شامِتين ، لأَنهم قَتَلوا عيسى وصَلَبوه ، وأَذاعوهُ في الناس ، وقالوا : إِنا قَتلْنا المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ رسولَ اللّه..
بينما كانَ القتيلُ عيسى الشبيه.
16 - لَم يَعلم النَّصارى ماذا جَرى من معجزاتٍ ربانيةٍ في تلك الليلة ، وأَيْقَنوا أَنَّ الشابَّ الذي خَرَجَتْ روحُه على الصليب ، ودُفِنَ في الأَرضِ هو عيسى رسولُ اللّه ، عليه الصلاة والسلام ، وقالوا : قَتَلَ اليهودُ رسولَنا
وصَلَبوه.
17 - صَبَّ اليهودُ والرومانُ العذابَ على الحوارِيّين والمؤمنين بعيسى - عليه السلام - ، وقَتَلوا منهم وصلَبوا ، وشَرَّدوا وطَرَدوا..
ولم يلتقطْ ذلك الجيلُ من النصارى أنفاسَهم ليُفَكِّروا بتَأَن وتَمَهُّلٍ فيما جرى في تلك الليلةِ المثيرة.
18 - بقيتْ حقيقةُ ما جَرى في تلك الليلةِ خافيةً على اليهودِ والنصارى ، وهم يوقنون أَنَّ المقتولَ المصلوبَ هو عيسى رسولُ اللّه عليهِ الصلاة والسلام ، حتى بَعَثَ اللّهُ محمداً رسولاً - صلى الله عليه وسلم - ، بعد ستة قُرون ، وأنزل عليه القرآن ، وَوَضَّحَ حقيقةَ الأَمْرِ وأَزالَ اللبس ، وذَكَرَ أَنَّ المصلوبَ هو ذلك الشابُّ الفدائيُّ الشهيد ، وأَنَّ عيسى الرسولَ - عليه السلام - في السماء!!.
معى قوله تعالى : *إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ*
ادّعى الفادي أَنَّ القرآنَ ذَكَرَ موتَ عيسى - عليه السلام -.
قال : " ويذكُرُ القرآنُ في مواضِعَ أُخرى موتَ المسيح ، وقيامتَه وارتفاعَه إِلى السماء ، كقوله : *إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ* ، وقوله : *فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ*.
وقوله : *وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا *33*.
وهذا فهمٌ خاطى للآياتِ الثَّلاث ، فهي لا تتحدَّثُ عن موتِ عيسى - عليه السلام - على الصليب ، ثم دفنِه وقيامتِه ، وإِنما تتحدَّثُ عن موتِه ، وبعثِه يومَ القيامة.
معنى آيةِ سورةِ مريم : *وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا *33* :
أَنَّ اللّهَ سيمنَحُه السلام ، ويُنْجيه من الخَطَرِ في المواطنِ الثلاثةِ التي يتعرَّضُ فيها الإِنسانُ لخطرٍ كبير : يومَ ميلادِه ، ويومَ موتِه ، ويومَ بعثِه حَياً يومَ القيامة!.
والمرادُ بقولِه : *وَيَومَ أَمُوتُ* : موتُه الحقيقيُّ بعدَ إِنزالِه على الأَرضِ قُبَيْلَ قيامِ الساعة ، حيثُ سيُنزلُهُ اللّهُ حاكِماً بدينِ الإِسلام ، وسيكسرُ الصَّليب ويقتلُ الخنزير ، ويضعُ الجزية ، ويُقاتلُ النَّصارى ، ولا يقبلُ منهم إِلّا
الإِسلام..
ثم يموتُ الموتةَ التي كَتَبَها اللّهُ على كُلّ مخلوقٍ حيٍّ ، ثم يُصَلي عليه المسلمونَ ويَدفنونه.
والمرادُ بقوله : *وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا* : بَعْثُه يومَ القيامة ، معَ باقي الأَنبياءِ والإِنسِ والجِنّ.
فليس المرادُ بقولِه : *وَيَومَ أَمُوتُ* : موتَهُ على الصليبِ وخروجَ روحِه عليه.
كما أَنه ليس المرادُ بقولِه : *وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا* : قيامَه من قبرِه الذي دَفَنوهُ فيه ، بعد ثلاثةِ أَيامٍ من صَلْبِه ودَفْنِه.
أمّا معنى آيةِ سورةِ آلِ عمران : *إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ* فإِنه يَحتاجُ إِلى توضيح ، لنفيِ اللَّبْسِ وحَلِّ الإِشكال.
*مُتَوَفِّيكَ* في الآيةِ خبرُ " إِنَّ " مرفوعٌ بضمةٍ مقدَّرَةٍ على الياء ، وهو اسْمُ فاعلٍ من الفعلِ الخُماسيّ : تَوَفّى.
تقول : تَوَفّى ، فهو المتوفِّي.
والتوفّي في القرآنِ قد يُسْنَدُ إِلى اللّه.
قالَ تعالى : *وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ *40*.
وقد يُسْنَدُ إِلى الملائكة ؟
قال تعالى : *إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ*.
وقد يُسْنَدُ إِلى مَلَكِ الموت ؟
قالى تعالى : *قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ *11*.
وقد يُسْنَدُ إِلى الموتِ نفسِه ؟
قالى تعالى : *وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا *15*.
والتَّوَفّي المسنَدُ إِلى اللّهِ في القرآنِ ليس كُلُّه بمعنى الموت ، بل إِنه يَرِدُ فيه بمعنَيَيْن :
الأوَّل : الموتُ.
فاللّهُ يتوفّى الناسَ. أَيْ : يُميمُهم ويَقبضُ أَرواحهم.
قال تعالى : *فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ* ، وقالى تعالى : *وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ*.
الثاني : النّومُ.
فاللّهُ يتوفّى النّاسَ.
أَي : يجعلُهم يَنامون.
قال تعالى : *وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى*.
ومعنى الآية : اللّهُ يجعلُكم تَنامون في الليل ، ويَقبضُ أَرواحَكم أَثناءَ نومِكم ، ثم يُعيدُ أَرواحَكم إِلى أَجسادِكم عند استيقاظِكم ، ويبعثكم في النهار.
وقال تعالى : *اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى*.
اعتبرت الآيةُ النومَ مَوْتاً ، وقَسَّمَت الناسَ بِالنوم إِلى قسمَيْن :
هناك أُناسٌ يَنامونَ ، ويَموتون أَثناءَ النّوم ، لأَن اللّهَ أَنهى آجالَهم أَثناءَ النوم ، وقبضَ أَرواحَهم ، ولم يُرْجِعْها إِلى أَبدانهِم : *فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ*.
وهناك أُناسٌ يَنامونَ ، ويتوفّى اللّهُ أَرواحَهم أَثناءَ النوم ، ثم يُعيدُها إِلى أجَسادِهم عند الاستيقاظ ، لأَنه بَقيَتْ في أَعمارِهم بقية : *وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى*.
والفريقان يتوفّاهم اللّهُ أَثناءَ نَومِهم : *اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا*..
والتوفّي معناه القبضُ ، أَيْ : اللّهُ يَقبضُ أَرواحَ الأنفس كُلِّها حينَ نومِها ، فإِن انتهى عُمْرُ بعضِ الأَنفسِ أَمسكَ أَرواحَها أَثناءَ نومِها ، وإِنْ بقيتْ في عمرِ بعضِ الأَنفسِ بقيةٌ أَعادَ لها أَرواحَها.
وتدلُّ الآياتُ السابقةُ على أَنَّ التوفّي في القرآنِ بمعنى : " القبضِ "
والتغييب.
وهذا القبضُ والتغييبُ نوعان : قبضُ نَوْمٍ.. وقَبْضُ مَوْت.
فالتوفّي في القرآنِ نوعان : تَوَفّي نَوْم.. وتوفّي مَوْت.
والمعْنَيانِ مذكورانِ في قصةِ عيسى - عليه السلام - : فاللّهُ تَوَفّى عيسى - عليه السلام - تَوفّي نَوم ، ثم سيتوفَّاهُ توفّي مَوْت ...
التوفّي الأوَّل : وَرَدَ في قولِهِ تعالى : *إِد قَالَ ياعيسى إني متوفيك وَرَافِعُكَ إِلَىَّ* : أَي : إِنَّني أُلْقي عليكَ النَّوْم ، وأَتَوَفّاكَ تَوَفّي النَّوْم ، وأَقبضُكَ أَثناءَ نومك ، وأَرفعُك إِلَيَّ وأَنت نائم ، وأُطَفَرُكَ من الذينَ كفروا.
التوفي الثاني : وَرَدَ في قوله تعالى : *فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ* ، أَيْ : لما أَمَتَني وقَبَضتَ روحي ، كنتَ أَنْتَ الرقيبَ عليهم.
والخلاصةُ : توفّى اللّهُ عيسى - عليه السلام - تَوَفي نَوْم ، وذلك عندما أَتاهُ الجنودُ واليهودُ لقَتْلِه وصَلْبِه ، فحماهُ اللّهُ منهم ، وأَلْقى عليه النوم ، وتوفّاهُ وقَبَضَه أثناءَ نومِه ، ورَفَعَه إِليه ، وجَعَلَه في السَّماء ، وهو حيّ بروحِه وجسمِه في السماءِ ، حياةً خاصةً معجزة ، ليستْ كحياتِنا..
وسيَنزلُ قُبيلَ قيامِ الساعة.
وسوفَ يَتَوَفَّى اللّهُ عيسى - عليه السلام - تَوَفي الموت ، عِندما يُنزلُه في آخِرِ الزمان ، ويَعيشُ بين المسلمين ما شاءَ اللّهُ له أَنْ يَعيش..
ثم يتوفّاهُ اللّهُ بقبضِ روحهِ وموته ...
هذا ما قَرَّرَهُ القرآنُ بشأنِ تَوَفّي عيسى - عليه السلام - ، وهو الحَق الذي لا خَطَأَ فيه والله أَعلم!! *1*..
__________
*1* قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه :
المسألة الثانية :
اعترفوا بأن الله تعالى شرف عيسى في هذه الآية بصفات :
الصفة الأولى : {إِنّي مُتَوَفّيكَ} ونظيره قوله تعالى حكاية عنه {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [ المائدة : 117 ] واختلف أهل التأويل في هاتين الآيتين على طريقين أحدهما : إجراء الآية على ظاهرها من غير تقديم ، ولا تأخير فيها
والثاني : فرض التقديم والتأخير فيها ،
أما الطريق الأول فبيانه من وجوه الأول : معنى قوله {إِنّي مُتَوَفّيكَ} أي متمم عمرك ، فحينئذ أتوفاك ، فلا أتركهم حتى يقتلوك ، بل أنا رافعك إلى سمائي ، ومقربك بملائكتي ، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك وهذا تأويل حسن
والثاني : {مُتَوَفّيكَ} أي مميتك ، وهو مروي عن ابن عباس ، ومحمد بن إسحاق قالوا : والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله ثم إنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه أحدها : قال وهب : توفي ثلاث ساعات ، ثم رفع
وثانيها : قال محمد بن إسحاق : توفي سبع ساعات ، ثم أحياه الله ورفعه
الثالث : قال الربيع بن أنس : أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء ، قال تعالى : {الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا} [ الزمر : 42 ].
الوجه الرابع : في تأويل الآية أن الواو في قوله {مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} تفيد الترتيب فالآية تدل على أنه تعالى يفعل به هذه الأفعال ، فأما كيف يفعل ، ومتى يفعل ، فالأمر فيه موقوف على الدليل ، وقد ثبت الدليل أنه حي وورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : « أنه سينزل ويقتل الدجال » ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك.
الوجه الخامس : في التأويل ما قاله أبو بكر الواسطي ، وهو أن المراد {إِنّي مُتَوَفّيكَ} عن شهواتك وحظوظ نفسك ، ثم قال : {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} وذلك لأن من لم يصر فانياً عما سوى الله لا يكون له وصول إلى مقام معرفة الله ، وأيضاً فعيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة في زوال الشهوة ، والغضب والأخلاق الذميمة.
والوجه السادس : إن التوفي أخذ الشيء وافياً ، ولما علم الله إن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه الصلاة والسلام رفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى : {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء} [ النساء : 113 ].
والوجه السابع : {إِنّي مُتَوَفّيكَ} أي أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء وانقطع خبره وأثره عن الأرض كان كالمتوفى ، وإطلاق اسم الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن.
الوجه الثامن : أن التوفي هو القبض يقال : وفاني فلان دراهمي وأوفاني وتوفيتها منه ، كما يقال : سلم فلان دراهمي إلي وتسلمتها منه ، وقد يكون أيضاً توفي بمعنى استوفى وعلى كلا الاحتمالين كان إخراجه من الأرض وإصعاده إلى السماء توفياً له.
فإن قيل : فعلى هذا الوجه كان التوفي عين الرفع إليه فيصير قوله {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} تكراراً.
قلنا : قوله {إِنّي مُتَوَفّيكَ} يدل على حصول التوفي وهو جنس تحته أنواع بعضها بالموت وبعضها بالإصعاد إلى السماء ، فلما قال بعده {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} كان هذا تعييناً للنوع ولم يكن تكراراً.
الوجه التاسع : أن يقدر فيه حذف المضاف والتقدير : متوفي عملك بمعنى مستوفي عملك {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} أي ورافع عملك إلي ، وهو كقوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب} [ فاطر : 10 ] والمراد من هذه الآية أنه تعالى بشّره بقبول طاعته وأعماله ، وعرفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق في تمشية دينه وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يضيع أجره ولا يهدم ثوابه ، فهذه جملة الوجوه المذكورة على قول من يجري الآية على ظاهرها.
الطريق الثاني : وهو قول من قال : لا بد في الآية من تقديم وتأخير من غير أن يحتاج فيها إلى تقديم أو تأخير ، قالوا إن قوله {وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} يقتضي إنه رفعه حياً ، والواو لا تقتضي الترتيب ، فلم يبق إلا أن يقول فيها تقديم وتأخير ، والمعنى : أني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك في الدنيا ، ومثله من التقديم والتأخير كثير في القرآن.
واعلم أن الوجوه الكثيرة التي قدمناها تغني عن التزام مخالفة الظاهر ، والله أعلم. اهـ *مفاتيح الغيب 8 / 60 / 61*


من مواضيعي
0 لأهم 70 سؤال يدور بداخلك عن الدايت
0 غير المسلمين وكفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي
0 حسن الخلق
0 السلسلة التاريخية .. مكتبة الأطفال و الناشئة
0 هل يوجد ملحد على أخلاق
0 سكيولوجية الطفولية
0 انفوجرافيك ساعة الأرض
0 إنفوجرافيك كنوز من المعلومات دمرت عبر التاريخ

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المطاعن, التاريخية

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:26 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009