ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

نقض المطاعن الفنية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


نقض المطاعن الفنية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 04:06 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي نقض المطاعن الفنية

نقض المطاعن الفنية
ما المراد بالحروف المقطعة ؟
اعترضَ الفادي المفترِي على القرآن ، لإِيرادِه الحروفَ المَقطَّعَةَ في بدايةِ بعضِ سورهِ ، وذَكَرَ اعتراضَه تحتَ عنوانٍ قبيح ، هو " الكلامُ العاطِل " أَيْ أَنَّ في القرآنِ كَلاماً عاطِلاً ، وهذه صفةٌ مرذولةٌ ، يوصَفُ بها الشيءُ التافهُ الساقط ، ولقد أَرادَ المجرمُ بهذا العنوانِ شَتْمَ القرآنِ شَتْماً سوقيّاً بَذيئاً!!.
ومعلومٌ أَنَّ السورَ المفتتحة بالحروفِ المقطَّعَةِ تسع وعشرون سورة ، على عددِ حروفِ الهجاءِ في اللغةِ العربية.
والحروفُ المذكورة فيها هي :
- *الم* : في سور : البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة.
- *الر* : في سور : يونس وهود ويوسف وِإبراهيم والحجر.
- *حم* : في سور : غافر وفصلت والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف.
- *طسم* : في سورتي : الشعراء والقصص.
- وسورةٌ واحدةٌ لكلٍّ مما يلي : *المص* : سورة الأعراف.
و *المر* : - سورة الرعد.
و *كهيعص* : سورة مريم.
و *طه* : سورة طه.
و *طس* : سورة النمل.
و *يسَ* : سورة يس.
و *حم عَسق* : سورة الشورى.
و *ص* : سورة صَ.
و *ق* : سورة قَ.
و *ن* : سورة القلم.
وقالَ الفادي المفترِي في بدايةِ اعتراضِه : " جاءَ في فواتحِ تسعٍ وعشرين سورة بالقرآن حروفٌ عاطِلَة ، لا يُفْهَمُ معناها! ".
وبعدما ذَكَرَ أَسماءَ تلك السور قال : " ونحنُ نسأل : إِنْ كانتْ هذه الحروفُ لا يعلمُها إِلّا اللّه كما يَقولون ، فما فائدتُها لنا ؟
إِن اللّهَ لا يوحي إِلّا بما يُفيد ، فكلامُ اللّه بلاغَ وبَيانٌ وهدى للناس " *1*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
5- الكلام العاطل
يدعى المشكِّكُون أنه جاء فى فواتح 29 سورة بالقرآن الكريم حروف عاطلة ، لا يُفهم معناها نذكرها فيما يلى مع ذكر المواضع التى وردت فيها :
الحروف : السورة
الر : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر
الم : البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة
المر : الرعد
المص : الأعراف
حم : غافر، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف
حم عسق : الشورى
ص : ص
طس : النمل
طسم : الشعراء ، القصص
طه : طه
ق : ق
كهيعص : مريم
ن : القلم
يس : يس
ونحن نسأل : " إن كانت هذه الحروف لا يعلمها إلا الله *كما يقولون* فما فائدتها لنا ، إن الله لا يوحى إلا بالكلام الواضح فكلام الله بلاغ وبيان وهدى للناس ".
الرد على هذه الشبهة :
أطلقوا على هذه الحروف وصف " الكلام العاطل " والكلام العاطل هو " اللغو " الذى لا معنى له قط.
أما هذه الحروف ، التى أُفتتحت بها بعض سور القرآن ، فقد فهمت منها الأمة ، التى أُنزل عليها القرآن بلغتها العريقة ، أكثر من عشرين معنى*1* ، وما تزال الدراسات القرآنية الحديثة تضيف جديداً إلى تلك المعانى التى رصدها الأقدمون فلو كانت " عاطلة " كما يدعى خصوم الإسلام ، ما فهم منها أحد معنى واحداً.
ولو جارينا جدلاً هؤلاء المتحاملين على كتاب الله العزيز من أن هذه " الحروف " عاطلة من المعانى ، لوجدنا شططاً فى اتهامهم القرآن كله بأنه " كلام عاطل " لأنها لا تتجاوز ثمانى وعشرين آية ، باستبعاد " طه" و" يس " لأنهما اسمان للنبى صلى الله عليه وسلم ، حذف منهما أداة النداء والتقدير : يا " طه " يا " يس " بدليل ذكر الضمير العائد عليه هكذا :
*ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى* *2* و *إنك لمن المرسلين* *3*.
وباستبعاد هاتين السورتين من السور التسع والعشرين تُصبح هذه السور سبعاً وعشرين سورة ، منها سورة الشورى ، التى ذكرت فيها هذه الحروف المقطعة مرتين هكذا :
"حم ، عسق " فيكون عدد الآيات موضوع هذه الملاحظة ثمانى وعشرين آية فى القرآن كله ، وعدد آيات القرآن الكريم 6236 آية. فكيف ينطبق وصف ثمانٍ وعشرين آية على 6208 آية ؟.
والمعانى التى فُهمتْ من هذه " الحروف " نختار منها ما يأتى فى الرد على هؤلاء الخصوم.
الرأىالأول :
يرى بعض العلماء القدامى أن هذه الفواتح ، مثل : الم ، و الر ، والمص ". تشير إلى إعجاز القرآن ، بأنه مؤلف من الحروف التى عرفها العرب ، وصاغوا منها مفرداتهم ، وصاغوا من مفرداتهم تراكيبهم. وأن القرآن لم يغير من أصول اللغة ومادتها شيئاً ، ومع ذلك كان القرآن معجزاً ؛ لا لأنه نزل بلغة تغاير لغتهم ، ولكن لأنه نزل بعلم الله عز وجل ، كما يتفوق صانع على صانع آخر فى حذقه ومهارته فى صنعته مع أن المادة التى استخدمها الصانعان فى " النموذج المصنوع " واحدة وفى هذا قطع للحُجة عنهم.
ويؤيد هذا قوله سبحانه وتعالى :
*أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون * *4*.
يعنى أن اللغة واحدة ، وإنما كان القرآن معجزاً لأمر واحد هو أنه كلام الله ، نازل وفق علم الله وصنعه ، الذى لا يرقى إليه مخلوق.
الرأى الثانى :
إن هذه الحروف " المُقطعة " التى بدئت بها بعض سور القرآن إنما هى أدوات صوتية مثيرة لانتباه السامعين ، يقصد بها تفريغ القلوب من الشواغل الصارفة لها عن السماع من أول وهلة. فمثلاً " الم " فى مطلع سورة البقرة ، وهى تنطق هكذا.
" ألف لام ميم " تستغرق مسافة من الزمن بقدر ما يتسع لتسعة أصوات ، يتخللها المد مد الصوت عندما تقرع السمع تهيؤه ، وتجذبه لعقبى الكلام قبل أن يسمع السامع قوله تعالى بعد هذه الأصوات التسعة :
*ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * *5*.
وإثارة الانتباه بمثل هذه المداخل سمة من سمات البيان العالى ، ولذلك يطلق بعض الدارسين على هذه " الحروف " فى فواتح السور عبارة " قرع عصى " *6* وهى وسيلة كانت تستعمل فى إيقاظ النائم ، وتنبيه الغافل. وهى كناية لطيفة ، وتطبيقها على هذه " الحروف " غير مستنكر. لأن الله عز وجل دعا الناس لسماع كلامه ، وتدبر معانيه ، وفى ذلك يقول سبحانه وتعالى :
*وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون* *7*.
الرأى الثالث :
ويرى الإمام الزمخشرى أن فى هذه " الحروف " سرًّا دقيقاً من أسرار الإعجاز القرآنى المفحم ، وخلاصة رأيه نعرضها فى الآتى :
" واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه فى الفواتح من هذه الأسماء يقصد الحروف وجدتها نصف حروف المعجم ، أربعة عشر سواء ، وهى : الألف واللام والميم والصاد ، والراء والكاف والهاء ، والياء والعين والطاء والسين والحاء ، والقاف والنون ، فى تسع وعشرين سورة ، على حذو حروف المعجم ".
ثم إذا نظرت فى هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف ، بيان ذلك أن فيها :
من المهموسة نصفها :
" الصاد ، والكاف ، والهاء والسين والخاء ".
ومن المجهورة نصفها :
الألف واللام والميم ، والراء والعين والطاء ، والقاف والياء والنون.
ومن الشديدة نصفها :
" الألف والكاف ، والطاء والقاف ".
ومن الرخوة نصفها :
" اللام والميم ، والراء والصاد ، والهاء والعين ، والسين والحاء والياء والنون ".
ومن المطبقة نصفها :
" الصاد والطاء ".
ومن المنفتحة نصفها :
" الألف واللام ، والميم والراء ، والكاف ، والهاء والعين والسين والحاء ، والقاف والياء والنون ".
ومن المستعلية نصفها :
" القاف والصاد ، والطاء ".
ومن المنخفضة نصفها :
" الألف واللام والميم ، والراء والكاف والهاء ، والياء ، والعين والسين ، والحاء والنون ".
ومن حروف القلقلة نصفها : " القاف والطاء " *8*.
يريد أن يقول : إن هذه الحروف المذكورة يلحظ فيها ملحظان إعجازيان :
الأول : من حيث عدد الأبجدية العربية ، وهى ثمانية وعشرون حرفاً. فإن هذه الحروف المذكورة فى فواتح السور تعادل نصف حروف الأبجدية ، يعنى أن المذكور منها أربعة عشر حرفاً والذى لم يذكر مثلها أربعة عشر حرفا :
14+14 = 28 حرفاً هى مجموع الأبجدية العربية.
الثانى : من حيث صفات الحروف وهى :
الهمس فى مقابلة الجهارة.
الشدة فى مقابلة الرخاوة.
الانطباق فى مقابلة الانفتاح.
والاستعلاء فى مقابلة الانخفاض.
والقلقلة فى مقابلة غيرها.
نجد هذه الحروف المذكورة فى الفواتح القرآنية لبعض سور القرآن تعادل نصف أحرف كل صفة من الصفات السبع المذكورة. وهذا الانتصاف مع ما يلاحظ فيه من التناسب الدقيق بين المذكور والمتروك ، لا يوجد إلا فى كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم . وهو ذو مغزى إعجازى مذهل لذوى الألباب ، لذلك نرى الإمام جار الله الزمخشرى يقول مُعقباً على هذا الصنع الحكيم :
" فسبحان الذى دقت فى كل شىء حكمته. وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته. فكأن الله عز اسمه عدد على العرب الألفاظ التى منها تراكيب كلامهم ، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم ، وإلزام الحُجة إياهم *9*.
ثم أخذ الإمام الزمخشرى ، يذكر فى إسهاب الدقائق والأسرار واللطائف ، التى تستشف من هذه " الحروف " التى بدئت بها بعض سور القرآن ، وتابعه فى ذلك السيد الشريف فى حاشيته التى وضعها على الكشاف ، والمطبوعة بأسفل تفسير الزمخشرى. وذكر ما قاله الرجلان هنا يخرج بنا عن سبيل القصد الذى نتوخاه فى هذه الرسالة. ونوصى القراء الكرام بالاطلاع عليه فى المواضع المشار إليها فى الهوامش المذكورة وبقى أمرٌ مهمٌّ فى الرد على هذه الشبهة التى أثارها خصوم الإسلام ، وهى شبهة وصف القرآن بالكلام العاطل. نذكره فى إيجاز فى الأتى :
لو كانت هذه " الحروف " من الكلام العاطل لما تركها العرب المعارضون للدعوة فى عصر نزول القرآن ، وهم المشهود لهم بالفصاحة والبلاغة ، والمهارة فى البيان إنشاءً ونقداً ؛ فعلى قدرما طعنوا فى القرآن لم يثبت عنهم أنهم عابوا هذه " الفواتح " وهم أهل الذكر " الاختصاص " فى هذا المجال. وأين يكون " الخواجات " الذين يتصدون الآن لنقد القرآن من أولئك الذين كانوا أعلم الناس بمزايا الكلام وعيوبه ؟!
وقد ذكر القرآن نفسه مطاعنهم فى القرآن ، ولم يذكر بينها أنهم أخذوا على القرآن أىَّ مأخذ ، لا فى مفرداته ولا فى جمله ، ولا فى تراكيبه. بل على العكس سلَّموا له بالتفوق فى هذا الجانب ، وبعض العرب غير المسلمين امتدحوا هذا النظم القرآنى ورفعوه فوق كلام الإنس والجن.
ولشدة تأثيره على النفوس اكتفوا بالتواصى بينهم على عدم سماعه ، والشوشرة عليه.
والطاعنون الجدد فى القرآن لا قدرة لهم على فهم تراكيب اللغة العربية ، ولا على صوغ تراكيبها صوغاً سليماً ، والشرط فيمن يتصدى لنقد شىء أن تكون خبرته وتجربته أقوى من الشىء الذى ينقده. وهذا الشرط منعدم أصلاً عندهم. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* انظر للوقوف على هذه المعانى : التفسير الكبير " للفخر الرازى. تفسير سورة البقرة.
*2* طه : 2.
*3* يس : 3.
*4* هود : 13-14.
*5* البقرة : 2.
*6* يعنى الضرب بالعصى على الأرض لتنبيه المراد تنبيهه.
*7* الأعراف : 204.
*8* الكشاف *ج1 ص 100- 103*.
*9* الكشاف : *ج1 ص 103*.
وللردّ عليه ، نقررُ أنه لا يوجَدُ في القرآنِ حروفٌ أَو كلمات أَو جُمَل عاطلة ، لا معنى لها ، أو لا يمكنُ أَنْ يُفْهَمَ معناها ، كما أَنه لا توجَدُ في القرآن حروفٌ أَو كلماتٌ زائدة..
وكلُّ حرفٍ في القرآن له معنى ووظيفة ، ويُؤدّي معناه ضمنَ السياقِ الذي وَرَدَ فيه ، وإِذا حُذِفَ اختلَّ المعْنى ، وضعُفَ التركيبُ ، ونَقَصت الدِّلالة!!.
وهذا معناهُ أَنَ الحروفَ المقطَّعَةَ في افتتاحياتِ بعضِ السور ليستْ عاطلةً أَو مهملةً ، أَو ليس لها معنى ودلالة ، أو ليس لورودها على هذه الصورة حكمةٌ أَو فائدة.
ونعترفُ أَنَّ العلماءَ والمفسرين اخْتَلَفوا في نظرِهم إِلى الحروفِ المقطَّعَة ، وانقسموا في ذلك إِلى فريقين :
- الفريق الأول : لم يَخوضوا فيها ، ولم يُحاوِلوا تفسيرَها ، أَو بيانَ مَعْناها والحكمةِ منها ، وقالوا : هي مما استَأثَرَ اللّهُ بعلمِه ، فلا يعلمُها إِلّا هو ، ونحنُ لا نخوضُ فيها.
- الفريق الثاني : وَقَفوا أَمامَها ، وتأَمَّلوا فيها ، وحاولوا بيانَ معناها ، والحكمة من ورودِها!.
والراجحُ هو ما ذَهَبَ إِليه الفريقُ الثاني ، لأَنَّ اللّه َ أَوجبَ علينا تَدَبُّرَ القرآن ، وفَهْمَ معانيه ، ولم يَجعلْ فيه ما ليسَ له معنى ، أَو ما لا يمكنُ أَنْ نفهمَه ، فكل ما في القرآنِ له معنى ، وكلُّ ما فيه يمكنُ أَنْ نفهمَه.
والراجحُ أَن افتتاحَ بعضِ السورِ القرآنية بالحروفِ المقطّعَةِ للتَحدي والإِعجاز ، وإِثباتِ أَنَّ القرآنَ كلامُ اللّه.
وبيانُ هذا ، أَنه لما سمعَ المشركونَ القرآنَ من رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - رَفَضوا الاعترافَ بأَنه من عندِ اللّه ، واتَّهموا النبي - صلى الله عليه وسلم - بتأليفه ، ثم ادَّعوا بأَنَّ عندهم القدرةَ على الإِتيانِ بمثْلِه لو أَرادوا..
فتحدَّاهم اللّه ، وطَلَبَ منهم الإِتيانَ بمثْلِه ، أَو بعشْرِ سورٍ مثْلِه ، أَو بسورةٍ مثلِه ...
ومن بابِ المبالغةِ في التحدي افتتحَ بعضَ السورِ بالحروف المقَطَّعَة ، باعتبارِ الحروفِ هي المادَّة الأولية للكلامِ العَرَبي ، لأَنَّ الكلمةَ مكوَّنَة من تلك الحروفِ البنائية..
وكأَنَه لي قولُ لهم : القرآنُ بلسانٍ عربيٍّ مُبين ، مكوَّن من هذهِ الحروف ، ولغتُكم العربيةُ مكوَّنَة من هذه الحروف ، وأَنتم تُحسنونَ الكلامَ بهذهِ اللغة وتَزعمونَ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَلَّفَ القرآنَ من هذه الأَحرف..
فخُذوا هذه الأَحرفَ مفكوكَةً مَفْرودَة ، وصُوغوا منها سورةً أَو عَشْرَ سُوَرٍ مثلَ هذا القرآن!
فإِن استطعْتُم ذلك ثَبَتَ أَن القرآنَ من تأليفِ محمد - صلى الله عليه وسلم - ...
وإنْ لم تَستطيعوا وعَجَزْتُم عن الإِتيانِ بالمطلوب ثبتَ أَنَّ القرآنَ كلامُ اللّه ، وأَنَّ محَمَّداً هو رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ووجبَ عليكم تصديقُه والدخولُ في دينه!.
والدليلُ على أَنَّ هذا هو الرأيُ الراجح ، أَنَّ الحروفَ المقطَّعَة الواردةَ في بدايةِ بعضِ السور أَربعةَ عَشَرَ حرفاً.
بعدَ إِسقاطِ المكرر منها ، وأَنَّ بعضَهم جمعَها في جملةٍ مفيدةٍ ذاتِ دلَالة ، وهي : نَصّ حَكيمٌ قاطِعٌ لَهُ سِرٌّ.
ومما يُشيرُ إِلى هذه الدلالةِ والحكمةِ والنتيجةِ من ورودِ الحروفِ المقطعةِ في افتتاحياتِ بعضِ السور ، ورودُ آيةِ التحدي في سورةِ هود ، وهي مفتتحةٌ بقوله تعالى : *الر*.
وقالَ اللّهُ فيها يتحدّى المشركين : *أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *13* فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *14*.
***
هل في القرآن كلام أعجمي ؟
وَقَفَ الفادي أَمامَ بعضِ الكلماتِ القرآنية التي ظَنَّها أَعجمية ، واعتبرَ وُجودَها في القرآن يَتعارضُ مع الآياتِ التي تتحدَّثُ عن عربيةِ القرآن ، كقوله تعالى : *نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ *193* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *194* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ *195*.
وقوله تعالى : *قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ*.
وتساءَلَ بخبْثٍ قائلاً : " ونحنُ نسألُ : كيفَ يكونُ القرآنُ عَربيّاً مُبيناً ، وبه كلماتٌ أَعجميةٌ كثيرة ، من فارسيةٍ وآشوريةٍ وسريانيةٍ ويونانيةٍ ومصرية وحبشية ، وغيرها ؟! " *1*.
والكلماتُ غيرُ العربية التي ذَكرها تسعٌ وعشرون كلمة ، ما بين عبريةٍ وفارسيةٍ وآشورية ، ومصرية ويونانية وآرامية ، وسريانيةِ وحبشية ولاتينية.
وقد اختلف العلماءُ في القولِ بوجودِ كلماتٍ أعجميةٍ في القرآن :
- فمنهم مَنْ ذهبَ إِلى أَنَّ في القرآنِ كلماتٍ كثيرةً بلغاتٍ غيرِ عربية ؟
ففيه كلمات فارسيةٌ وحبشيةٌ وسريانيةٌ وآراميةٌ ويونانية.
- ومنهم مَنْ نفى وُجودَ أَيّ كلمةٍ غيرِ عربيةٍ في القرآن ، فكلُّ كلماتِه عربيةُ الأَصل ، حتى أَسماء الأَعلامِ للأَشخاصِ والأماكنِ والمواقع.
- ومنهم مَنْ تَوَسَّطَ ، فقالَ : كلُّ كلماتِ القرآنِ عربية ، إلّا أَسماءُ بعض الأَشخاصِ والأَماكنِ والمواقع ، مثلُ : آدمَ وإِبليسَ وإبراهيمَ وإِسماعيلَ وفرعونَ ومصر.
والراجحُ هو ما ذهب إليه الفريق الثالث ، فما في القرآن من الكلمات الأَعجمية أَسماءُ الأَعلامِ فقط ، أَما غيرُ الأَعلامِ فكلُّها كلماتٌ عربيةٌ مشتقة ، يمكنُ إِعادتُها إِلى جذورِها وأُصولِها العربيةِ ، ويمكنُ تحديدُ معناها العربي.
ووجودُ بعضِ الأعلامِ الأَعجميةِ في القرآنِ لا يَتعارضُ مع عربيةِ القرآن ، وأَنه نَزَلَ بلسانٍ عَربيٍّ مبين ، لأَنها كلماتٌ مترجمةٌ إِلى العربية ، ومسجلَةٌ في القرآن بحروفٍ عربية.
ومعلومٌ أَنْ أَسماءَ الأَعلام تُنقلُ وتُترجمُ من لغتِها الأَصليةِ إِلى اللغاتِ الأُخرى ، بحروفِ تلك اللُّغات ، وهذا أَمْرٌ متفقٌ عليه بينَ اللغات.
فالأَعلامُ الأَعجميةُ هكذا هي في لغاتِها الأَصلية ، وهي مترجمةٌ إِلى اللغةِ العربية ، ومذكورةٌ في القرآنِ بالحروفِ العربية.
ومن أَسماءِ الأَعلامِ الأَعجميةِ في القرآن ، أَسماءُ بعضِ الأَنبياء : آدم ،
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
4- الكلام الأعجمى
جاء فى سورة الشعراء : *نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربى مبين* *1*. وجاء فى سورة الزمر : *قرآنا عربياً غير ذى عوج * *2*. وجاء فى سورة الدخان : *فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون* *3*. وجاء فى سورة النحل : *ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين* *4*.
ونحن نسأل : " كيف يكون القرآن عربيًّا مبينًا ، وبه كلمات أعجمية كثيرة ، من فارسية ، وآشورية ، وسريانية ، وعبرية ، ويونانية ، ومصرية ، وحبشية ، وغيرها ؟ ".
هذا نص الشبهة الواردة فى هذا الصدد ، وتأكيدا لهذه الشبهة ذكروا الكلمات الأعجمية حسب زعمهم التى وردت فى القرآن الكريم وهى :
آدم أباريق إبراهيم أرائك استبرق إنجيل تابوت توراة جهنم حبر حور زكاة زنجبيل سبت سجيل سرادق سكينة سورة صراط طاغوت عدن فرعون فردوس ماعون مشكاة مقاليد ماروت هاروت الله.
الرد على هذه الشبهة :
هذه هى شبهتهم الواهية ، التى بنوا عليها دعوى ضخمة ، ولكنها جوفاء ، وهى نفى أن يكون القرآن عربيًّا مثلهم كمثل الذى يهم أن يعبر أحد المحيطات على قارب من بوص ، لا يلبث أن تتقاذفه الأمواج ، فإذا هو غارق لا محالة.
ولن نطيل الوقوف أمام هذه الشبهة ، لأنها منهارة من أساسها بآفة الوهن الذى بنيت عليه. ونكتفى فى الرد عليها بالآتى :
- إن وجود مفردات غير عربية الأصل فى القرآن أمر أقر به علماء المسلمين قديماً وحديثاً. ومن أنكره منهم مثل الإمام الشافعى كان لإنكاره وجه مقبول سنذكره فيما يأتى إن شاء الله.
- ونحن من اليسير علينا أن نذكر كلمات أخرى وردت فى القرآن غير عربية الأصل ، مثل : مِنْسَأَة بمعنى عصى فى سورة " سبأ " ومثل " اليم " بمعنى النهر فى سورة " القصص " وغيرها.
- إن كل ما فى القرآن من كلمات غير عربية الأصل إنما هى كلمات مفردات ، أسماء أعلام مثل : " إبراهيم ، يعقوب ، إسحاق ، فرعون " ، وهذه أعلام أشخاص ، أو صفات ، مثل : " طاغوت ، حبر" ، إذا سلمنا أن كلمة " طاغوت " أعجمية.
- إن القرآن يخلو تمامًا من تراكيب غير عربية ، فليس فيه جملة واحدة إسمية ، أو فعلية من غير اللغة العربية.
- إن وجود مفردات أجنبية فى أى لغة سواء كانت اللغة العربية أو غير العربية لا يخرج تلك اللغة عن أصالتها ، ومن المعروف أن الأسماء لا تترجم إلى اللغة التى تستعملها حتى الآن. فالمتحدث بالإنجليزية إذا احتاج إلى ذكر اسم من لغة غير لغته ، يذكره برسمه ونطقه فى لغته الأصلية ومن هذا ما نسمعه الآن فى نشرات الأخبار باللغات الأجنبية فى مصر ، فإنها تنطق الأسماء العربية نُطقاً عربيَّا. ولا يقال : إن نشرة الأخبار ليست باللغة الفرنسية أو الإنجليزية مثلاً ، لمجرد أن بعض المفردات فيها نطقت بلغة أخرى.
والمؤلفات العلمية والأدبية الحديثة ، التى تكتب باللغة العربية ويكثر فيها مؤلفوها من ذكر الأسماء الأجنبية والمصادر التى نقلوا عنها ، ويرسمونها بالأحرف الأجنبية والنطق الأجنبى لا يقال : إنها مكتوبة بغير اللغة العربية ، لمجرد أن بعض الكلمات الأجنبية وردت فيها ، والعكس صحيح.
ومثيرو هذه الشبهة يعرفون ذلك كما يعرفون أنفسهم فكان حرياًّ بهم ألا يتمادوا فى هذه اللغو الساقط إما احتراماً لأنفسهم ، وإما خجلاً من ذكر ما يثير الضحك منهم.
- إنهم مسرفون فى نسبة بعض هذه المفردات التى ذكروها وعزوها إلى غير العربية :
فالزكاة والسكينة ، وآدم والحور ، والسبت والسورة ، ومقاليد ، وعدن والله ، كل هذه مفردات عربية أصيلة لها جذور لغُوية عريقة فى اللغة العربية. وقد ورد فى المعاجم العربية ، وكتب فقه اللغة وغيرها تأصيل هذه الكلمات عربيَّا فمثلاً :
الزكاة من زكا يزكو فهو زاكٍ. وأصل هذه المادة هى الطهر والنماء.
وكذلك السكينة ، بمعنى الثبات والقرار ، ضد الاضطراب لها جذر لغوى عميق فى اللغة العربية. يقال : سكن بمعنى أقام ، ويتفرع عنه : يسكن ، ساكن ، مسكن ، أسكن.
- إن هذه المفردات غير العربية التى وردت فى القرآن الكريم ، وإن لم تكن عربية فى أصل الوضع اللغوى فهى عربية باستعمال العرب لها قبل عصر نزول القرآن وفيه.. وكانت سائغة ومستعملة بكثرة فى اللسان العربى قبيل نزول القرآن وبهذا الاستعمال فارقت أصلها غير العربى ، وعُدَّتْ عربية نطقاً واستعمالاً وخطاًّ.
إذن فورودها فى القرآن مع قلتها وندرتها إذا ما قيست بعدد كلمات القرآن لا يخرج القرآن عن كونه " بلسان عربى مبين "
ومن أكذب الادعاءات أن يقال : إن لفظ الجلالة " الله " عبرى أو سريانى وإن القرآن أخذه عن هاتين اللغتين. إذ ليس لهذا اللفظ الجليل " الله " وجود فى غير العربية :
فالعبرية مثلاً تطلق على " الله " عدة إطلاقات ، مثل ايل ، الوهيم ، وأدوناى ، ويهوا أو يهوفا. فأين هذه الألفاظ من كلمة " الله " فى اللغة العربية وفى اللغةاليونانية التى ترجمت منها الأناجيل إلى اللغة العربية حيث نجد الله فيها " الوى " وقد وردت فى بعض الأناجيل يذكرها عيسى عليه السلام مستغيثاً بربه هكذا " الوى الوى " وترجمتها إلهى إلهى.
إن نفى عروبة القرآن بناء على هذه الشبهة الواهية أشبه ما يكون بمشهد خرافى فى أدب اللامعقول. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* الشعراء : 193-195.
*2* الزمر : 28.
*3* الدخان : 58.
*4* النحل : 103.
نوح ، لوط ، إبراهيم ، إسماعيل ، زكريا ، يحيى ...
وغيرهم عليهم الصلاة والسلام.
وأسماءُ بعضِ المواقع ، مثل : مصر ، والجودي ، وأسماءُ بعضِ الأَشخاص ، مثلُ : إِبليس ، وفرعون ، وَوَدّ ، وسُواعٌ ، ويَغوثُ ، ويَعوقُ ، ونَسْرٌ.
ومن الأَسماءِ الأَعجميةِ التي ذكَرَها الفادي ، والتي نوافقهُ على أَنها أَعجمية ، لكنها معربةٌ في القرآنِ بحروفٍ عربية : آدمُ ، وإِبراهيمُ ، وتوراة ، وإنجيل ، و فرعون ، و هاروت ، وماروت.
وأَكثرُ من عشرينَ كلمةً من الكلماتِ القرآنيةِ التي زَعَمَها الفادي أَعجميةً هي كلماتٌ عربية ، لها جذورٌ وأُصولٌ عربية :
أباريق : مشتقةٌ من : بَرْقٌ..
و : أَرائك : مشتقةٌ من : أَرْكٌ..
و : إِستبرق : مشتقةٌ من : بَرْقٌ..
و : تابوتٌ : مشتقةٌ من : تَبْتٌ..
و : جهنمُ : مشتقَّةٌ من : جَهْمٌ..
و : خَبَرٌ : مشتقةٌ من : خَبْرٌ..
و : حُورٌ : مشتقةٌ من : حَوْرٌ..
و : زكاةٌ : مشتقةٌ من : زَكْوٌ..
و : زنجبيلٌ : مشتقّ من : زَنْجٌ..
و : السَّبْتُ : مشتقّة من : سَبْتٌ..
و : سِجّيل! : مشتقّة من : سَجْلٌ..
و : سُرادِقٌ : مشتقة من : سَرْدٌ..
و : سَكينَةٌ : مشتقة من : سَكْنٌ..
و : سورَةٌ : مشتقةٌ من : سَوْرٌ..
و : صِراطٌ : مشتقةٌ من : صَرْطٌ..
و : طاغوتٌ : مشتقّة من : طَغْوٌ..
و : عَدنٌ : مشتقةٌ من : عَدْنٌ..
و : فرْدَوسٌ : مشتقةٌ من : فَرْدٌ..
و : ماعونٌ : مشتقّة من : مَعْنٌ..
و : مشكاةٌ : مشتقةٌ من : شَكْوٌ..
و : مَقاليدُ : مشتقةٌ من : قَلْدٌ..
ولفظ الجلالة : اللّهُ : مشتقٌ من : أَلْهٌ.
***
دعوى التناقض في القرآن
ذَكَرَ الفادي المفترِي قولَ اللّهِ - عز وجل - : *أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا *82*.
وتدعو الآية ُ الناسَ جميعاً إِلى تدبُّرِ القرآن ، وإمعانِ النظر فيه ، وتَجزمُ بأَنهم لن يَجدوا فيه خَطَأً أو نقصاً ،
أَو اختلافاً أَو اضطراباً..
وعدمُ وجودِ ذلك فيه دَليل على أنه من عندِ اللّه ، ولو كان من عندِ غيرِ اللّهِ لما سَلِمَ من هذه العيوب.
وقد تحدّى القرآنُ الكفارَ أَنْ يَجدوا اختلافاً وتناقضاً فيه ، ودَعاهُم إِلى إِمعانِ النظر ، وإِطالةِ التدبُّر..
واستمرَّ التحدي منذُ نزولِ القرآنِ على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وما زالَ التحدي مستمراً خمسةَ عَشَرَ قَرْناً ، وسَيبقى مستمراً حتى قيامِ الساعة.
ونَظَرَ الكفارُ في القرآن ، وتدبَّروه ، وادَّعوا أَنهم وَجدوا فيه اختلافاً وتناقضاً..
وقَدَّموا ما زعموهُ..
وعندما نظر العلماء في ما قدموه وَجدوهُ تافِهاً ، يمكنُ الرَّدُّ عليه بمنتهى السهولة.
ومن هؤلاءِ الكفارِ الفادي المفترِي ، الذي ادَّعى أَنّه وَجَدَ اخْتِلافاً وتَناقضاً كَثيراً في القرآن.
ولذلكَ قالَ بعدَ أَنْ ذكرَ الآيَةَ السابقة : " ولكنّنا نجِدُ فيه التناقضَ الكثير ".
ثم سَجَّلَ المفترِي خمسةَ عَشَرَ موضوعاً في القرآن ، ادَّعى أَنَ القرآنَ متناقضٌ في حديثِه عن كلِّ واحدٍ منها ، وكانَ يَضَعُ عمودَيْن ليبيِّنَ التناقضَ في القرآن ، يجعلُ في العمودِ الأَولِ الآياتِ التي تتحدَّثُ عن الموضوع ، ويجعلُ في العمودِ المقابلِ الآياتِ التي تتناقضُ مع الآياتِ المقابلة.
والموضوعاتُ التي ادعى تناقضَ القرآنِ في حديثِه عنها هي : تَبديلُ وتَغييرُ كَلامِ اللّهِ في القرآن.
ومقدارُ اليومِ عند اللّه.
ووقوعُ الشفاعةِ في الآخرة..
وعَدَدُ أَهْلِ الجنة..
وأَيُّ دينٍ هو المقبولُ عندَ اللّه..
والصفحُ عن المخالفين..
والنهيُ عن الفحشاء..
والقَسَمُ بمكَّة..
والنهيُ عن النفاق..
والنهيُ عن الهوى..
والموقفُ من الخمر..
والموقفُ من الكفار..
وكيف كانت نهايةُ فرعون..
وخَلْقُ الأَرض والسماء..
والإِحكامُ والتشابهُ في القرآن.. *1*
وسوفَ ننظرُ في الآيات ِ التي زَعَمَها متناقضة ، ونَرُدُّ زعمَ التناقَضِ فيها بعونِ اللّه..
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
6- الكلام المتناقض
" جاء فى سورة النساء : *أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً* *1*.
ولكننا نجد فيه التناقض الكثير مثل :
كلام الله لا يتبدل : كلام الله يتبدل
*لا تبديل لكلمات الله * *2* : *وإذا بدلنا آية مكان آية..* *3*
*لا مبدل لكلماته * *4* : *ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها * *5*
*إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون * *6* : *يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب * *7*
هذه طريقتهم فى عرض هذه الشبهة يقابلون بين بعض الآيات على اعتبار تصورهم ، وهو أن كل آية تناقض معنى الآية المقابلة لها ، على غرار ما ترى فى هذا الجدول الذى وضعوه لبيان التناقض فى القرآن حسب زعمهم.
الرد على هذه الشبهة :
الصورة الأولى للتناقض الموهوم بين آية يونس : *لا تبديل لكلمات الله* وآية النحل *وإذا بدلنا آية مكان آية..* لا وجود لها إلا فى أوهامهم ويبدو أنهم يجهلون معنى التناقض تمامًا. فالتناقض من أحكام العقل ، ويكون بين أمرين كليين لا يجتمعان أبداً فى الوجود فى محل واحد ، ولا يرتفعان أبداً عن ذلك المحل ، بل لا بد من وجود أحدهما وانتفاء الآخر ، مثل الموت والحياة. فالإنسان يكون إما حيًّا وإما ميتا ولا يرتفعان عنه فى وقت واحد ، ومحال أن يكون حيًّا و ميتاً فى آن واحد ؛ لأن النقيضين لا يجتمعان فى محل واحد.
ومحال أن يكون إنسان ما لا حى ولا ميت فى آن واحد وليس فى القرآن كله صورة ما من صور التناقض العقلى إلا ما يدعيه الجهلاء أو المعاندون. والعثور على التناقض بين الآيتين المشار إليهما محال محال ؛ لأن قوله تعالى فى سورة يونس *لا تبديل لكلمات الله* معناه لا تبديل لقضاء الله الذى يقضيه فى شئون الكائنات ، ويتسع معنى التبديل هنا ليشمل سنن الله وقوانينه الكونية. ومنها القوانين الكيميائية ، والفيزيائية وما ينتج عنها من تفاعلات بين عناصرالموجودات ،أو تغييرات تطرأ عليها. كتسخين الحديد أو المعادن وتمددها بالحرارة ، وتجمدها وانكماشها بالبرودة. هذه هى كلمات الله عزّ وجلّ.
وقد عبر عنها القرآن فى مواضع أخرى ب.. السنن وهى القوانين التى تخضع لها جميع الكائنات ، الإنسان والحيوان والنبات والجمادات. إن كل شئ فى الوجود ، يجرى ويتفاعل وفق السنن الإلهية أو كلماته الكلية ، التى ليس فى مقدور قوة فى الوجود أن تغيرها أو تعطل مفعولها فى الكون.
ذلك هو المقصود به ب " كلمات الله " ، التى لا نجد لها تبديلاً ، ولا نجد لها تحويلاً.
ومن هذه الكلمات أو القوانين والسنن الإلهية النافذة طوعاً أو كرهاً قوله تعالى : *كل نفس ذائقة الموت* *8*. فهل فى مقدور أحد مهما كان أن يعطل هذه السنة الإلهية فيوقف " سيف المنايا " ويهب كل الأحياء خلوداً فى هذه الحياة الدنيا ؟
فكلمات الله إذن هى عبارة عن قضائه فى الكائنات وقوانينه المطردة فى الموجودات وسننه النافذة فى المخلوقات.
ولا تناقض فى العقل ولا فى النقل ولا فى الواقع المحسوس بين مدلول آية : *لا تبديل لكلمات الله* وآية : *وإذا بدلنا آية مكان آية..*.
لأن معنى هذه الآية : إذا رفعنا آية ، أى وقفنا الحكم بها ، ووضعنا آية مكانها ، أى وضعنا الحكم بمضمونها مكان الحكم بمضون الأولى. قال جهلة المشركين : إنما أنت مفتِرٍ *9*.
فلكل من الآيتين معنى فى محل غير معنى ومحل الأخرى.
فالآية فى سورة يونس *لا تبديل لكلمات الله* والآية فى سورة النحل : *وإذا بدلنا آية مكان آية..* لكل منهما مقام خاص ، ولكن هؤلاء الحقدة جعلوا الكلمات بمعنى الآيات ، أو جعلوا الآيات بمعنى الكلمات زوراً وبهتاناً ، ليوهموا الناس أن فى القرآن تناقضاً. وهيهات هيهات لما يتوهمون.
أما الآيتان *لا مبدل لكلماته* و*ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها* وقد تقدم ذكرهما فى الجدول السابق.
هاتان الآيتان بريئتان من التناقض براءة قرص الشمس من اللون الأسود :
فآية الكهف *لا مبدل لكلماته* معناها لا مغير لسننه وقوانينه فى الكائنات. وهذا هو ما عليه المحققون من أهل العلم ويؤيده الواقع المحسوس والعلم المدروس.
وحتى لو كان المراد من " كلماته " آياته المنزلة فى الكتاب العزيز " القرآن " فإنه - كذلك - لا مبدل لها من الخلق فهى باقية محفوظة كما أنزلها الله عز وجل ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها *10*.
أما آية البقرة : *ما ننسخ من آية * فالمراد من الآية فيها المعجزة ، التى يجريها الله على أيدى رسله. ونسخها رفعها بعد وقوعها. وليس المراد الآية من القرآن ، وهذا ما عليه المحققون من أهل التأويل. بدليل قوله تعالى فى نفس الآية : *ألم تعلم أن الله على كل شىء قدير *.
ويكون الله عز وجل قد أخبر عباده عن تأييده رسله بالمعجزات وتتابع تلك المعجزات ؛ لأنها من صنع الله ، والله على كل شىء قدير.
فالآيتان - كما ترى - لكل منهما مقام خاص بها ، وليس بينهما أدنى تعارض ، فضلاً عن أن يكون بينهما تناقض.
أما الآيتان الأخيرتان الواردتان فى الجدول ، وهما آية الحجر : *إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون* وآية الرعد : *يمحو الله ما يشاء ويثبت* فلا تعارض بينهما كذلك ؛ لأن الآية الأولى إخبار من الله بأنه حافظ للقرآن من التبديل والتحريف والتغيير ، ومن كل آفات الضياع وقد صدق إخباره تعالى ، فظل القرآن محفوظاً من كل ما يمسه مما مس كتب الرسل السابقين عليه فى الوجود الزمنى ، ومن أشهرها التوراة وملحقاتها. والإنجيل الذى أنزله الله على عيسى عليه السلام.
أما الآية الثانية : *يمحو الله ما يشاء ويثبت* فهى إخبار من الله بأنه هو وحده المتصرف فى شئون العباد دون أن يحد من تصرفه أحد. فإرادته ماضية ، وقضاؤه نافذ ، يحيى ويميت ، يغنى ويفقر ، يُصحُّ ويُمْرِضُ ، يُسْعِد ويُشْقِى ، يعطى ويمنع ، لا راد لقضائه ، ولا معقب على حكمه *لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون * *11*. فأين التناقض المزعوم بين هاتين الآيتين يا ترى ؟ التناقض كان سيكون لو ألغت آية معنى الأخرى. أما ومعنى الآيتين كل منهما يسير فى طريقٍ متوازٍ غير طريق الأخرى ، فإن القول بوجود تناقض بينهما ضرب من الخبل والهذيان المحموم ، ولكن ماذا نقول حينما يتكلم الحقد والحسد ، ويتوارى العقل وراء دياجير الجهالة الحاقدة ؟ نكتفى بهذا الرد الموجز المفحم ، على ما ورد فى الجدول المتقدم ذكره.
وهناك شبه أخرى يمكن سردها بإيجاز :
1- إنهم توهموا تناقضاً بين قوله تعالى : *يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون * *12*. وبين قوله تعالى : *تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة * *13*. وفى عبارة شديدة الإيجاز نرد على هذه الشبهة الفرعية ، التى تصيدوها من اختلاف زمن العروج إلى السماء ، فهو فى آية السجدة ألف سنة وهو فى آية المعارج خمسون ألف سنة ، ومع هذا الفارق العظيم فإن الآيتين خاليتان من التناقض. ولماذا ؟ لأنهما عروجان لا عروج واحد ، وعارجان لا عارج واحد.
فالعارج فى آية السجدة الأمر ، والعروج عروج الأمر ، والعارج فى آية المعارج هم الملائكة والعروج هو عروج الملائكة.
اختلف العارج والعروج فى الآيتين. فاختلف الزمن فيهما قصراً أو طولاً. وشرط التناقض - لو كانوا يعلمون - هو اتحاد المقام.
2- وقالوا أيضًا : إن بين قوله تعالى : *ثلة من الأولين وقليل من الآخرين* *14*. وقوله تعالى : *ثلة من الأولين وثلة من الآخرين * *15* تناقضا. وشاهد التناقض عندهم أن الله قال فى الآية *13**وقليل من الآخرين *وقال فى الآية *40* *وثلة من الآخرين* إذ كيف قال أولاً : *ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين* ثم قال ثانياً *ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين *ولو كان لديهم نية فى الإنصاف ، ومعرفة الحق ناصعاً ونظروا فى المقامين اللذين ورد فيهما هذا الاختلاف لوصلوا إلى الحق من أقصر طريق. ولكنهم يبحثون عن العيوب ولو كلفهم ذلك إلغاء عقولهم.
هذا الاختلاف سببه اختلاف مقام الكلام ؛ لأن الله عز وجل قسم الناس فى سورة الواقعة ، يوم القيامة ثلاثة أقسام. فقال : *وكنتم أزواجاً ثلاثة* :
*السابقون السابقون. *وأصحاب الميمنة. * وأصحاب المشئمة.
ثم بين مصير كل قسم من هذه الأقسام فالسابقون السابقون لهم منزلة : " المقربون فى جنات النعيم "
ثم بيَّن أن الذين يتبوأون هذه المنزلة فريقان :
كثيرون من السابقين الأولين ، وقليلون من الأجيال المتأخرين وذلك لأن السابقين الأولين بلغوا درجات عالية من الإيمان وعمل الباقيات الصالحات. ولم يشاركهم من الأجيال المتأخرة عن زمنهم إلا قليل.
أما أصحاب اليمين أو الميمنة فبلاؤهم فى الإسلام أدنى من بلاء السابقين الأولين. لذلك كانت درجاتهم فى الجنة أدنى من درجات السابقين الأولين ويشاركهم فى هذه المنزلة كثير من الأجيال اللاحقة بهم ؛ لأن فرصة العمل بما جعلهم أصحاب اليمين ، متاحة فى كل زمان.
ويمكن أن نمثل للسابقين الأولين بأصحاب رسول الله*ولأصحاب اليمين* بالتابعين ، الذين أدركوا الصحابة ولم يدركوا صاحب الرسالة. واذا صح هذا التمثيل ، ولا أظنه إلا صحيحاً ، صح أن نقول :
إن قليلاً منا ، بل وقليل جداً ، من يسير فى حياته سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كثيراً منا من يمكن أن يسير سيرة التابعين رضى الله عنهم.
وعلى هذا فلا تناقض أبداً بين الآيتين :
*ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين*.
و*ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين*.
3- وقالوا أيضًا : إن فى القرآن آية تنهى عن النفاق ، وآية أخرى تُكره الناس على النفاق أما الآية التى تنهى عن النفاق - عندهم - فهى قوله تعالى* : وبشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليما* *16*.
وأما الآية التى تُكره الناس على النفاق - عندهم - فهى قوله تعالى : *وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أَنَّى يؤفكون * *17*.
من المحال أن يفهم من له أدنى حظ من عقل أو تمييز أن فى الآية الأولى نهياً ، وأن فى الآية الثانية إكراهاً ويبدو بكل وضوح أن مثيرى هذه الشبهات فى أشد الحاجة إلى من يعلمهم القراءة والكتابة على منهج : وزن وخزن وزرع.
ويبدو بكل وضوح أنهم أعجميو اللسان ، لا يجيدون إلا الرطانة والتهتهة ؛ لأنهم جهلة باللغة العربية ، لغة التنزيل المعجز. ومع هذه المخازى يُنَصَّبُون أنفسهم لنقد القرآن ، الذى أعجز الإنس والجن.
لا نهى فى الآية الأولى ، لأن النهى فى لغة التنزيل له أسلوب لغوى معروف ، هو دخول " لا " الناهية على الفعل المضارع مثل : لا تفعل كذا.
ويقوم مقامه أسلوب آخر هو : إياك أن تفعل ، جامعًا بين التحذير والنهى ، ولا إكراه فى الآية الثانية. وقد جهل هؤلاء الحقدة أن الإكراه من صفات الأفعال لا من صفات الأقوال أما كان الحرى بهم أن يستحيوا من ارتكاب هذه الحماقات الفاضحة.
إن الآية الأولى : *وبشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما* تحمل إنذاراً ووعيداً. أما النهى فلا وجود له فيها والآية الثانية تسجل عن طريق " الخبر " انحراف اليهود والنصارى فى العقيدة ، وكفرهم بعقيدة التوحيد ، وهى الأساس الذى قامت عليه رسالات الله عز وجل.
وليس فى هذه الآية نفاق أصلاً ، ولكن فيها رمز إلى أن اليهود والنصارى حين نسبوا " الأبنية " لله لم يكونوا على ثقة بما يقولون ، ومع هذا فإنهم ظلوا فى خداع أنفسهم.
وكيف يكون القرآن قد أكرههم على هذا النفاق " المودرن " وهو فى الوقت نفسه يدعو عليهم بالهلاك بقبح إشراكهم بالله :
*قاتلهم الله*. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* النساء : 82.
*2* يونس : 64.
*3* النحل : 101.
*4* الكهف : 27.
*5* البقرة : 106.
*6* الحجر : 9.
*7* الرعد : 39.
*8* آل عمران : 185.
*9* انظر تفسير فتح القدير *ج2/232*
*10* تفسير فتح القدير *ج3 - ص 333*.
*11* الأنبياء : 23.
*12* السجدة : 5.
*13* المعارج : 4.
*14* الواقعة : 13 - 14.
*15* الواقعة : 39 - 40.
*16* النساء : 138.
*17* التوبة : 30.
أَوَّلاً : هل يتبدَّلُ كلامُ الله ؟
: ذَكَرَ الفادي ثلاثَ آياتٍ تدلُّ على أَنَّ كلامَ اللّهِ لا يَتَبَدَّلُ.
قال تعالى :*لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ*..
وقال تعالى : *لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ*.
وقال تعالى : *إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *9*.
ما هو موضوعُ الآيةِ التي أَخبرتْ أَنَّه لا مُبَدِّلَ لكلماتِ اللّه ؟.
آيةُ سورةِ يونس في سياقِ الحديثِ عن حفظِ اللّهِ لأوليائه.
قال تعالى : *أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *62* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *63* لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *64*.
المرادُ بكلماتِ اللّهِ هنا قَدَرُ اللّهِ وإِرادَتُه ومشيئَتُه سبحانه ، وليس كلامَه
القرآنَ الكريم ، فاللّهُ قَدَّرَ سعادةَ وفوزَ أَوليائِه المتقينَ في الدنيا والآخِرة ، وهذا لا بُدَّ أَن يَتَحَقَّقَ ، لأَنَّ اللّهَ هو الذي قَدَّره وأَرادَه ، ولا رادَّ لأَمْرِه ، ولا تَبديلَ لقَدَرِ اللّهِ وإِرادتِه.
وآيةُ سورةِ الكَهفِ تأمُرُ بتلاوةِ القرآن ، قال تعالى : *وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا *27*.
" مُبَدِّلَ " : اسم فاعل.
وهو اسْمُ " لا " النافية للجنس.
والمرادُ بكلماتِه هنا آياتُ القرآنِ وجُمَلُه وأَلفاظُه.
والتقدير : لا يَقْدِرُ أَحَدٌ من المخلوقينَ على أَنْ يُبَدّلَ كلماتِ اللّه ، التي أَنزلَها على رسولِه - صلى الله عليه وسلم -.
ومصداق هذه الآية ما صَرَّحَتْ به آيةُ سورةِ الحجر : *إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *9*. فبما أَنَّ اللّهَ تعهَّدَ بحفْظِ كتابه ، فلا يَقْدِرُ أَحَدٌ على أَنْ يُغَيِّرَ أَوْ يُبَدِّلَ فيه ".
لِننظر الآنَ في الآياتِ التي زَعَمَ الفادي الجاهلُ تعارُضَها مع هذه الآيات!.
قال تعالى : *وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ *101*.
وقال تعالى : *مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *106*.
وقال تعالى : *يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ *39*.
هل هذه الآيات ُ متعارضةٌ مع الآيات ِ السابقة ؟
وما وَجْهُ معارضتِها لها ؟
الآياتُ السابقةُ تقررُ أَنه لا يَقْدِرُ أَحَدٌ من المخلوقين على تبديلِ كلماتِ اللّه ، فهل تُقررُ هذه الآياتُ أَنه يمكنُ لأَحَدٍ من المخلوقين تبديلُ كلماتِ اللّه ؟.
آيةُ سورةِ الرعدِ لا تتحدَّثُ عن آياتِ القرآن ، وإِنما تتحدَّثُ عن المحوِ والإِثباتِ والتغييرِ والتبديلِ في قَدَرِ اللّه ، وتِجعلُ هذا بيَدِ اللّهِ وحده.
فاللّه يَمحو ويُغيرُ ما يَشاءُ من قَدَرِه ، ويُثْبِتُ ويُبْقي ما يَشاءُ من قَدَرِهِ ، وله الحكمةُ في ما يَمْحو وما يُثْبِت ، وعنده أُم الكتاب ، وهو اللوحُ المحفوظ ، الذي جعلَ فيه كُلَّ ما يريدُ فِعْلَه في هذا الكونِ ، قبلَ خَلْقِ السمواتِ والأَرض.
وظَنَّ الفادي الجاهلُ أَنَّ المرادَ بأُم الكتابِ هنا القرآنُ كُلُّه ، أَو سورةُ الفاتحة ، وهذا ظَنّ باطِل ، فالمرادُ بأُمِّ الكتابِ هنا اللوحُ المحفوظ.
وتتحدَّثُ آيةُ سورةِ البقرةِ عن النسخ ، وتجعلُه بيدِ اللهِ وحْدَه سبحانه ، فإذا نسخَ اللهُ آيةً من آياتِ القرآن ، وأَلْغى حُكْمَها ، فإِنه يأتي بآيةٍ أُخْرى ، فيها حُكْم خيرٌ من حُكْمِ الآيةِ المنسوخة ، أَو هو مثْلُه.
فاللّهُ هو الذي ينسخُ ما يشاءُ من أَحكامِ القرآن ، أَمّا المخلوقُ فإِنه يَستحيلُ عليه نسخُ أَو تبديلُ القرآن ، وكلُّ مسلمٍ يعتقدُ هذا عن يَقين.
وتَرُدُّ آيةُ سورةِ النحل على اتهاماتِ وإِشاعاتِ الكفار ، فإذا نَسَخَ اللّهُ اَيَةً بآية ، وبَدَّلَ آيةً مكانَ آية ، اتهمَ الكفارُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالتلاعبِ والتحريف ، وقالوا له : إِنما أَنتَ مُفْتَرٍ..
فتردّ عليهم الآيةُ بأَن النسخَ والتبديلَ لم يَصدرْ عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وإِنما هو من فعل اللّهِ وحدَه ، فالكلامُ كلامُه ، والأَمرُ أَمرُه ، وهو أَعلمُ بما يُنزلُ من الآيات ، وأَعلمُ بما يَنَسخُ ويُبدلُ ويُبقي من الأَحكام.
ولذلك لما طلبَ الكفارُ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تغييرَ القرآنِ أَو تبديلَه ، كان يردُّ عليهم بأَنه لا يكونُ له ذلك ، لأَنه متَّبعٌ لشرعِ اللّه ، قال تعالى : *وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *15*.
فلا تَعارضَ بين الآياتِ التي تَنفي إِمكانيةَ التبديلِ لكلماتِ اللّه ، وتلك التي تُثبتُ ذلك ، لأَنَّ كُلَّ مجموعةٍ متوجهةٌ إِلى حالَة ، بتَناسقٍ وتَوازنٍ وتَكامل.
الآياتُ التي تَنفي التبديلَ متوجهةٌ إِلى المخلوقين ، فلا يُمكنُ لأَيِّ مخلوقٍ - مهما عَلَتْ منزلتُه وعَظُمتْ قوتُه - أَنْ يُغيرَ أَو يُبدلَ كلماتِ اللّه ، سواء كانتْ أَقدارَ اللّه ، أَو كانت بعضَ آياتِ كتابِه.
والآياتُ التي تُخبرُ عن إِمكانيةِ تبديلِ آياتِ القرآن ، تجعلُ ذلك بيدِ اللّهِ وحده ، فهو صاحبُ الحَقِّ في نسخِ وتبديلِ ما يشاءُ من آياتِه ، وفْقَ ما يعلمُه من الحكمة ، وما يحققُه لعبادِه من المصلحة.
فأَينَ التعارضُ والتناقضُ بين الآيات ؟
المشكلةُ في جهلِ الفادي المفترِي ، الذي يصدقُ فيه قولُ الشاعر :
وَكَمْ من عائِبٍ قَوْلاً صَحيحاً ... وآفَتُه هي الفَهْمُ السَّقيمُ
ثانياً : التفاوت في مقادير أيام اللّه :
زعمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآن متناقِضٌ في حديثِه عن مقاديرِ الأَيامِ عند اللّه ، فما مقدارُ اليوم ، هل هو أَلْفُ سنة ، أم هو خمسونَ أَلْفَ سَنَة ؟!.
هناك آية تُخبرُ أَنه أَلْفُ سنة ، قال تعالى : *يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ *5*.
وهناك آية أُحْرى تخبرُ أَنه خمسونَ أَلفَ سنة ، قال تعالى :
*تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ *4*.
لا تتحدثُ الآيتانِ عن يومٍ واحد ، حتى يُظَنَّ التناقضُ بينَهما وإِنما تتحدثانِ عن يومينِ مختلفَيْنِ في المقدار : اليومُ الأولىُ مقدارُه أَلْفُ سنة مما نَعُدُّهُ نحن البَشَر.
واليومُ الثاني مقدارُه خمسونَ أَلْفَ سنة.
وحتى نفهمَ التفاوتَ بين ذَيْنِكَ اليومَيْن ، نتذكَّرُ تفاوُتَ أَيامِنا في الدنيا ، فمن المعلومِ أَنَّ النهارَ في الشتاءِ يكونُ قصيراً ، ما بينَ شروقِ الشمسِ وغروبها ، لكنَّ هذا النهارَ في الصيفِ يكونُ طويلاً قد يزيدُ سبعَ ساعاتٍ على نهارِ الشتاء.
فإِذا كانَتْ أَيامُنا القصيرةُ متفاوتةً في الطول والمقدار ، أَفلا تكونُ الأَيامُ عندَ اللّه متفاوتةً في ذلك ؟.
الذي يَعْرُجُ إِلى اللّه هو الأَمْرُ الذي يُدَبِّرهُ اللّه ، ويُنزلُه على الأَرض ، ويكونُ عروجهُ إِليه في يومٍ مقدارُه أَلْف سنةَ ، مما يَعُدُّهُ البشرُ من السنوات.
أَمّا عُروجُ الملائكةِ والروحِ إِلى اللّه ، فإِنه يكونُ في يومٍ مقدارُه خمسونَ أَلْفَ سنة ، ليستْ مما نَعُدُّ من السنواتَ.
ولذلك لم تَقُلْ آيةُ سورةِ المعارج : في يومٍ كان مقدارُه خمسينَ أَلْفَ سنةٍ مما تَعُدّون.
كما قالَتْ آيةُ سورةِ السجدة!.
إِنهما يومانِ مُختلفان ، مُتفاوتانِ في المقدار ، وفي كل منهما عروجٌ يختلفُ عن العروجِ في اليومِ الآخَر ، فعُروجُ الأَمْرِ إِلى اللّه يومُه أَقْصَرُ من يومِ عُروجِ الملائكة ، ولذلك ذُكِرَ عَدُّ سَنَواتِ البشرِ في اليومِ الأَقْصَر ، ولم يُذْكَرْ في اليومِ الأَطول.
ثالثاً : بين نفي الشفاعة وإثباتها في الآخرة :
نفى القرآنُ في بعضِ آياتِه وُجودَ شفاعَةٍ في الآخرة ، وأَثْبَتَ في آياتٍ أُخرى وُجودَها ، فوقَعَ الفادي الجاهلُ في حَيْرَة ، ومن ثَمَّ اتَّهَمَ القرآنَ بالتناقض.
والذي أَوصلَه إِلى هذا جهْلُه وحِقْدُه ، وتحامُلُه على القرآن.
من الآياتِ التي نَفَت الشفاعة عن غيرِ اللّه ، وقَصَرتْها عليه وَحْدَه سبحانه ، قوله تعالى : *قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *44*.
فالشفاعَةُ للّه وَحْدَه ، وهي بيدِ اللّهِ وَحْدَه ، هو المالكُ لها وللبشرِ ، وللسمواتِ والأَرض ، وللدنيا والآخرة.
ومنها قوئه تعالى : *اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ *4*.
وبعدما سَجَّلَ الفادي الجاهلُ الآيتَيْن ، سجَّلَ آيةً كريمةً اعْتَبَرَها مُصرحةً بالشفاعة ، وهي قولُه تعالى : *إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ *3*.
هل تتناقَضُ الآيةُ الثالثةُ مع الآيتَيْن السابقتَيْن ؟
لا أَدري كيفَ يفهمُ الفادي الجاهلُ القرآنَ ؟
وما عِلْمُه باللغةِ العربيةِ لغةِ القرآن ؟.
آيةُ سورةِ الزمرِ تَجعلُ الشفاعةَ للّه وحده : *قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا*
ومن معاني قَصْرِها على اللّه ، أَنه لا يَشفعُ أَحَدٌ إِلّا بإذْنِه سبحانه ، لأَنَّ الأَمْرَ أَمْرُه سبحانه ، ولا سلُطانَ لأَحَدٍ مع سُلطانِه ، لا في الدَّنيا ولا في الآخرة.
وهذا ما تُقَرِّرُهُ الآيةُ الثانية : *مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ* ، فإذا أَذِنَ اللّهُ للشفيعِ فإِنه يَشفع ، وإِذا لم يَأْذَنْ له فإِنه لا يُمكنُ أَنْ يشفع ، سواءٌ كان في الدنيا أَو في الآخرة.
وجاءت الآية ُ الثالثةُ مُؤَكِّدَةً لما قَرَّرَتْه الآية ُ الثانية : *مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ* ، فلا يَشفعُ أَيّ شفيعٍ إِلّا من بعدِ أَنْ ياذَنَ اللّهُ له.
أَيْنَ التناقضُ بين قولِه تعالى : *مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ* ، وقوله تعالى : *مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ* ؟
أَلا تَلْتَقي الآيتانِ على تقريرِ الحقيقةِ المتعلقةِ بالشفاعة ، وهي أَنه لا يَشفعُ أَحَدٌ لأَحَدٍ في الدنيا وفي الآخرةِ إِلّا بإذْنِ اللّه ؟!.
وقررتْ آيةُ الكرسي نفسَ الحقيقة : *مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ*.
وهكذا نَفهمُ نفيَ الشفاعةِ عن الكافرين ، الواردِ في قوله تعالى :
*فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ *100* وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ *101.
وقوله تعالى الذي يقرر أنه لا يشفع الشافع إلا بأمر اللّه تعالى : *يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا *109*.
رابعاً : هل أهل الجنة قليلون أم كثيرون ؟
زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَ حديثَ القرآنِ عن عَدَدِ أَهْلِ الجنةِ مُتناقض ،
تَناقَضَ - في نظرِه - قولُه تعالى : *ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ *13* وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ *14*.
مع قوله تعالى : *ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ *39* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ *40*.
لننظر : هل تَتناقَضُ الآياتُ مع بعضها ؟.
مَنْ هم *وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ *14* ؟
ومَنْ هم وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ *40* ؟
وهل أَصحابُ الجنةِ كلُّهم صنفٌ واحد ؟.
أَخبرتْ آياتُ سورةِ الواقعةِ أَنَّ الناسَ يومَ القيامة ثلاثَةُ أَصْناف :
السابقون ، وأَصحابُ اليمين ، وأَصحابُ الشمال.
قالَ تعالى : *وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً *7* فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ *8* وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ *9* وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ *10*.
أَصحابُ المشأمَةِ هم أَصحابُ الشمال ، وهم الكفارُ في جهنم ؟
قال اللّه - عز وجل - : *وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ *41* فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ *42*.
أَما السّابقون وأَصحابُ اليمين فهم المؤمنونَ في الجنة ، وهما صنفان مُتفاوتانِ في منازلِ الجنة : السابقون المقَرَّبون في أَعْلى منازلِ الجنة ، وأَصحابُ اليمينِ في أَوسطِ منازلِ الجنة.
قالَ اللّهُ عن الصنفِ الأَول : السابقين : *وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ *10* أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ *11* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ *12* ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ *13* وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ *14*.
وقالَ اللّهُ عن الصنفِ الثاني : أَصحابِ اليمين :
*وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ *27* فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ *28* وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ *29* وَظِلٍّ مَمْدُودٍ *30* وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ *31* وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ *32* لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ *33* وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ *34* إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً *35* فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا *36* عُرُبًا أَتْرَابًا *37* لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ *38* ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ *39* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ *40*.
معنى " ثُلَّةٌ " : مجموعَة.
والمرادُ بالأَوَّلين : أَصحابُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - على أَنهم أَفضلُ جيلٍ من أَجيالِ المسلمين.
والمرادُ بالآخِرين الأَجيالُ المتأخرةُ من المسلمين.
السابقون المقَرَّبون أَكثرهم من الأَوَّلين ، وقَليلٌ منهم من الآخِرين : *ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ *39* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ *40*.
أَمّا الصنفُ الثاني أَصحابُ اليمين ، فكثير منهم من الأوَّلين السابقين ، وكثيرٌ من الآخِرينَ المتأخرين : *ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ *39* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ *40*.
إِنَّ الفادي الجاهلَ غبيّ ، لا يُحسنُ فهمَ القرآن ، ولذلك قالَ بالتناقض ، وزالَ هذا التناقضُ المزعومُ ، بمعرفةِ مَنْ تتحدثُ عنهم كُلُّ مجموعةٍ من الآيات.
خامساً : هل اليهود والنصارى مؤمنون ؟
زَعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثهِ عن اليهودِ والنَّصارى ، فاعْتَبَرهم مرةً مؤمنين ، واعْتَبَرهم مرةً كافرين.
اعْتَبَرهم مؤمنين في قوله تعالى : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *69*.
واعْتبرَهُم كافِرين ، عندما اعْتَبَر الإِسلامَ وَحْدَه هو الدينَ المقبولَ عندَ اللّه.
قال تعالى : *وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ *85*.
فهل تَناقَضَ القرآنُ في حديثِه عن اليهودِ والنَّصارى ؟
الجوابُ بالنفي..
صرَّحَ القرآنُ بأَنَّ الإِسلامَ الذي جاءَ به رسولُنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وحدَه الدينُ المقبولُ عند اللّه ، قال تعالى : *إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ*.
وهذا مَعناهُ أَنَّ أَيَّ دينٍ آخَرَ غيرِ الإِسلامِ لا يُقْبَلُ من صاحبِه ، أَيْ أَنه كافرٌ مخلَّدٌ في نار جهنم ، قال تعالى : *وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ *85*
ولم يُصرحِ القرآنُ بأَنَّ اليهودَ والنَّصارى مؤمنون حتى نَتَّهِمَه بالتعارض.
والآيةُ التي أَوردَها الفادي أَخْطَأَ - كعادَتِه - في فَهْمِها : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *69*
ف *الَّذِينَ آمَنُوا* : المرادُ بهم أُمَّةُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
و *الَّذِينَ* : في محل نصبِ اسْمِ " إِنَّ ". وخَبَرُ " إِنَّ " محذوف.
والتقدير : إِنَّ المؤمنين فائزون مُخَلَّدون في الجنة.
والواوُ في *وَالَّذِينَ هَادُوا* : حَرْفُ استئناف.
وبَعْدَها جملة استئنافيةٌ جديدة.
*اَلَّذِينَ هَادُوا* : في مَحَلّ رفع مبتدأ.
*وَالصَّابِئُونَ* : معطوف على المبتدأ مرفوع.
*وَالنَّصَارَى* : مَعطوف عليه مرفوع أَيضاً.
و *مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ* : في محلِّ رفْع خَبر.
والتقدير : واليهودُ والصابئون والنصارى المؤمنُ باللّهِ واليومِ الآخر منهم هو المقبولُ عند اللّه.
إِنهما جملَتان مستقلَّتان إِذَنْ : الجملة الأولئ : *إِنَّ اَلَّذِينَ ءَامَنُوا*
أَيْ : إِنَّ المؤمنينَ مقبولون.
والجملةُ الثانية : *وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ... *
أَيْ : إِنَّ المقبولَ من هذه الأَصنافِ الثلاثة هو المؤمنُ باللّهِ واليومِ الآخر ، فإِنْ لم يكنْ مؤمناً باللّهِ واليومِ الآخِر لم يُقْبَلْ منه شَيءٌ.
ومتى يكَونُ اليهوديُّ والنصرانيُّ والصابئيُّ مؤمِناً باللّهِ واليومِ الآخِر ؟
لا يكونُ كذلكَ إِلّا إِذا آمَنَ بأَركانِ الإِيمانِ الستة : الإِيمانِ باللّهِ ، وملائكتِه ، وكتبه ، ورسلِه ، واليومِ الآخر ، والقَدَرِ خيرِه وشَرِّه..
لأَنَّ الإِيمانَ لا يَقبلُ التجزئةَ ، وتحقيقَ بعضِه وإِنكارَ بعضه.
وهذا معناهُ أَنه يجبُ على كُلّ واحدٍ من الطوائفِ الثلاثِ الإِيمانُ بكلِّ الرسل ، وعلى رأسِهم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، كما أَنه يجبُ عليه الإِيمانُ بكلّ الكتب ، وفي مقدِّمَتها القرآن.
فإِنْ آمَنَ بذلك يجبُ عليه الدخولُ في الإِسلام ، وإِنْ لم يدخلْ في الإِسلام لم يكنْ مؤمناً باللّهِ واليومِ الآخر حقّاً!!
فلا تَعارُضَ بين الآيتَيْن.
سادساً : بين الأمر بالصفح والأمر بالغلظة :
يَرى الفادي الجاهلُ أَنَّ قولَه تعالى : *وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ* ، يَتناقَضُ مع قوله تعالى : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *73*.
ووجْهُ التناقضِ بينهما عندَه أَنَّ آيةَ سورةِ الحجرِ تأمُرُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالصفحِ الجميلِ عن الكفار ، وآيةَ سورةِ التوبة تأمُرُه بالغلظةِ على الكفارِ والمنافقين وجهادِهم ، وهذا إِلغاءٌ لآيةِ الحِجْر.
إِنَّ الأَمْرَ بالصفح لا يَتَنَاقَضُ مع الأَمْرِ بالجهاد ، لأَنَّ الصفحَ عن صنفٍ من الكفار ، والجهادَ لصنفٍ آخَرَ من الكفار.
الصفحُ عن كفارٍ مُسالمين ، لا يَتآمرونَ على المسلمين ، ولا يُحاربونَ دينَهم ، فهؤلاء تَجبُ دعوتُهم للإِسلام ، فإِنْ لم يُلَبّوا الدعوة ، وأَصرّوا على كُفْرِهم ، وانصرفوا إِلى أَنفسِهم ، يَصفحُ عنهم المسلمون ويَتْرُكونَهم.
هذا ما تُقرر آيةُ سورةِ الحجر : *وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ *85*.
وما تُقرره آيةُ سورةِ الزخرف :*وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ *88* فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ *89*.
ثم إِنَّ الصفحَ عن الكفارِ كان في العهدِ المكي ، حيثُ كانَ المؤمنون مأمورينَ بكَفّ أَيديهم ، وعَدَم قتالِ الكفار ، لكنْ بعدَ الهجرة أَذِنَ اللّهُ لهم بالقتال ، وأَمَرَهم بجهادِهم والغلظةِ عليهم.
فالأَمْرُ بالصفْح موقوتٌ بوقْت ، وعندما يَنتهي ذلك الوقتُ ، يأْتي الأَمْرُ بالجهاد.
وهذا صريحٌ في قوله تعالى : *وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *109*.
فالعفوُ والصفحُ مستمرّان إِلى أَنْ يأتيَ اللّهُ بأَمْرِه ، فيأمرَ المسلمينَ بأَمْرٍ جَديد ، وهو الجهادُ والقتال!.
أَما الأَمْرُ بجهادِ الكفارِ والمنافقين ، والغِلظةِ عليهم فيه ، فهذا مُوَجَّهٌ ضدَّ صنفٍ آخَرَ من المنافقينِ والكافرين ، وهم أولئك الحاقدونَ المتآمرونَ على المسلمين ، الذين يُحاربونَهم ويُهاجمونَ دينَهم.
وبذلك نجمعُ بين الأَمْرِ بالصفح والأَمْر بالغلظةِ في الجهاد ، بأَنْ يُوَجَّهَ كُلُّ أَمْرٍ إِلى صنف ، ذي صفاتٍ خاصة ، تختلفُ عن صفاتِ الصنفِ الآخَر ، وتَقييدِ أَحَدِ الأَمريْن بزمنٍ وعهدٍ خاصّ ، فإِذا اختلفَ الزمانُ أَو المكانُ أَو
الأَشخاصُ فلا تَناقُضَ بين الأَمْرِ بالصلحِ والأَمرِ بالجهاد!!.
سابعاً : هل يأمر اللّه بالفحشاء ؟
زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَ القرآنَ تَناقَضَ في حديثِه عن الفحشاء ، فهو يُخبرُ أَنَ اللّه لا يامُرُ بالفحشاء ، وذلك في قولِه تعالى : *وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ *28*.
وهو يُثبتُ الأَمْرَ بالفحشاءِ للّه ، قال تعالى : *وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا *16*.
وليسَ الأَمْرُ كما فهمَه الجاهل ، فمن المعلومِ أَنَّ اللّهَ لا يأمُرُ بالفحشاء.
وهذا ما صَرَّحَتْ به آيةُ سورةِ الأَعراف ، حيث رَدَّتْ على أَكاذيبِ الكافرين ، فعندما كانوا يَفعلونَ الفاحشةَ كانوا يقولون : اللّهُ أَمَرَنا بها ، ويَرْضاها مِنّا ، ولو لم يَرْضَها منّا ولم يأمُرْنا بها لأَهْلَكَنا عندما فَعَلْناها! فكَذبَهم اللّهُ بقوله : *إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ*.
لقد حَرَّمَ اللّهُ الفحشاءَ ، فكيفَ يَامُرُ بها ، واللّهُ لا يَامُرُ إِلّا بالقِسْطِ والخَيْر ، ولذلكَ قالَ في الآيةِ التالية : *قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ*.
أَمّا آيةُ سورةِ الإِسراءِ فلا تَدُلُّ على أَنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بالفحشاء ، ولا تَتَناقَضُ مع آيةِ سورةِ الأَعْراف ، وإِنما تَلْتَقي معها في تقريرِ أَمْرِ اللّهِ بالخيرِ والقسط ، ونهيِه عن الشَّرّ والفَحْشاء.
بماذا يَأمُرُ اللّهُ المتْرَفين ؟
هل يَأْمُرُهم بالفسق والفَحشاء ؟
: *وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا *16*.
يَستحيلُ أَنْ يَأْمُرَ اللّهُ المتْرَفين بالفسقِ والفحشاء ، لأَنه سبحانه لا يَأمُرُ بالفحشاء!
وفي قولِه : *أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا* كلام مُقَدَّر ، يَقْتَضيه السياقُ والمعنى.
والتقديرُ : أَمَرْنا مُتْرَفيها بالطاعة ، فَعَصوْا أَمْرَنا وفَسَقوا فيها ، وبذلك حَقَّ عليهم القولُ والحكمُ والعذاب ، فأَهلكناهم ودَمَّرْناهم.
ومن المعلومِ أَنَ القرآنَ المعجزَ قد يَحذفُ بعضَ الكلماتِ من تعبيرِه قَصْداً ، حتى يُفَكَرَ فيه المتَدَبِّرون ، ويُقَدِّروا الكلامَ الذي يَقْتَضيه السياق ، ولا يَأْخُذوا الأَمْرَ على ظاهِرِه..
وهذا معنى لا يُدركُه الفادي الجاهلُ ، المحجوبُ عن القرآن.
ثامناً : حول القسم بالبلد الأمين :
الْتَبَسَ على الفادي الجاهلِ قَسَمُ القرآنِ بالبَلَدِ الأَمينِ مكةَ المكرمة ، فَظَنَّ القرآنَ متناقضاً ، لأَنه لا يقسمُ به في موضع ، ويُقسمُ به في موضعٍ آخر!.
فهم قولَه تعالى : *لَاَ أقُسِمُ بِهَذَا البَلَدِ* نفياً للقَسَم به ، واعْتَبَرَه مُنَاقضاً للقَسَمِ الصَّريح به في قوله تعالى : *وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ *1* وَطُورِ سِينِينَ *2* وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ *3* لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ *4*.
في سورةِ التينِ قَسَمٌ صريحٌ بالبَلَدِ الأَمين ، حيثُ أَقْسَمَ اللّهُ بأَربعةِ أَشْياء :
التينِ والزيتونِ وطور سينين والبلدِ الأَمين.
والمقسَمُ عليه الإِنسانُ ، الذي خَلَقَه اللّهُ في أَحسنِ تقويم ، ثم رَدَّهُ أَسْفَلَ سافلين.
وفي سورةِ البلدِ قَسَمٌ أَيْضاً ، لكنَّه قَسَمٌ بأُسلوبِ آخَر : *لَاَ أقُسِمُ بِهَذَا البَلَدِ*.
إِنَّ هذا ليسَ نفياً للقَسَم كما فَهِمَه الفادي الجَاهل ، إِنما هو توكيدٌ للقَسَم.
و " لا " هنا ليستْ حرفَ نَفْيِ في الحقيقة ، إِنما هي للتوكيد ، من باب التلويحِ بالقَسَم.
وكأَنه يَقول : لا تجَعَلْني أُقسمُ بهذا البلد ، فالأَمْرُ أَوضَحُ مِن أَن يحتاج إِلى قَسَم.
وهذا أَبلغُ في القَسَمِ مما لو قال : أُقسمُ بهذا البَلَد.
تاسعاً : حول المنافقين :
لم يُوَضِّح الفادي الجاهلُ : " التناقضَ التاسع " الذي سَجَّلَه على القُرآن ، فَذَكَرَ عمودَيْن : الأَوَّل سَمّاه " النهيُ عن النفاق " ، والثاني سَمّاه " الإِكراهُ على النفاق ".
وسَجَّلَ في العمودِ الأَوَّلِ قولَه تعالى : *بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *138* الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا *139*.
كما سَجَّلَ قولَه تعالى : *الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *67* وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ *68*.
في هذه الآياتِ التي سَجَّلَها تَهديدٌ شديدٌ من اللّهِ للمنافقين ، ووعيدٌ لهم بالعذاب ، وعرضُ بعضِ تصرفاتِهم وأَفعالِهم وأَقوالِهم القبيحة.
وسَجَّلَ في العمودِ الثاني الذي سَمّاهُ " الإِكراه على النفاق " قولَه تعالى :
*وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ *30*.
ولا حَديثَ في الآيةِ عن المنافقين ، إِنما تتحدَّثُ عن اليهودِ والنصارى ، وكُفْرِهم باللّه ، ونسبتِهم إِلى اللّه الولد ، مضاهاةً وتقليداً لأَقوالِ الكافرين من قبلِهم.
فكيف اعتبرَ الفادي الجاهلُ الآيةَ من بابِ " الإِكراه على النفاق " ؟!
وما مقصودُه بهذا العنوان ؟
هل يَقصدُ أَنَّ اللّهَ يُكْرِهُ اليهودَ والنَّصارى على النفاقِ إِكْراهاً ، ويأْمُرُهم به أَمْراً ؟
وهل الآيةُ تتحدَّثُ عن ذلك ؟
لا أَدري كيفَ يُفكرُ هذا الجاهل ، وكيفَ ينتقدُ القرآنَ!!.
ثم سجلَ قولَه تعالى : *فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *45*.
والآيةُ لا تتحدثُ عن المنافقين ، وإنما تتحدثُ عن إِهلاكِ وتدميرِ السابقينَ من الكافرين..
فأَينَ الإِكراهُ على النفاق في كلماتِ الآية ؟!.
كلامُ الفادي الجاهلِ حولَ التناقضِ التاسع غيرُ واضح ، فضلاً عن أَنه باطل ، لأَنه لا تَناقُضَ في القرآن ، ولا تَناقُضَ بين الآياتِ التي زَعَمَ هو تناقُضَها.
عاشراً : بين النهي عن الهوى وإباحته :
افْتَرى الفادي المفترِي على القرآن ، وعلى رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى المسلمين ، فزعَمَ أَنَّ القرآنَ تناقَضَ بين تحريمِ الهوى وإِباحتِه ، وزعَمَ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان يَتبعُ هواه وشهوتَه.
أَثنى اللّهُ على الصالحِ الملتزم الذي نهى نفسَه عن هواها ؟
قال تعالى : *وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *40* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى *41*.
وبعدَ أَنْ أَوردَ المفترِي الآيةَ زَعَمَ أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ أَوَّلَ مَنْ خالَفَها ، لأَنه اتبع هواه ، وأَباحَ ذلك لأَصحابه!!.
أ - قال المفترِي : " أَباحَ محمدٌ لأَتْباعِه القيامَ بالغاراتِ الدينية ، والدخولَ على الأَسيراتِ دونَ تطليقِهنَّ من أَزواجِهن ، فقال : *وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ..*
قالَ البيضاوىِ : إِلّا ما ملكتْ أَيمانُكم من اللّاتي سُبينَ ، ولهنَّ أَزواجٌ كُفار ، فهنَّ حَلالٌ للسّابين ، والزواجُ مرتفعٌ بالسَّبْي ، لقول أَبي سعيدٍ - رضي الله عنه - : أَصَبْنا سبايا يومَ أَوطاس ، ولهنَّ أَزواجٌ كُفّار ، فكَرِهْنا أَنْ نقعَ عليهن ، فسأَلْنا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآية فاستحلَلْناهُنَّ.
وإِيّاهُ عنى الفرزدقُ بقوله :
وذَاتُ حَليلٍ أَنكحَتْها رِماحُنا ... حَلالٌ لمنْ يَبْني بها لم تُطَلَّقِ "
الفادي خَبيثٌ مُغرضٌ في قوله : " أَباحَ محمدٌ لأَتْباعِه القيامَ بالغاراتِ الدينية " لأَنه يَجعلُ الصحابةَ مجموعةً من العصاباتِ وقُطّاعِ الطرق ، يُغيرونَ على الآمِنين المسالمين ، ويَجعلُ الجِهادَ في سبيلِ اللّه سَلْباً ونَهْباً وقَطْعاً للطريق ، مع أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - وأَصحابَه كانوا يُجاهدونَ في سبيلِ الله ، ويُقاتلونَ المحاربينَ لهم ، والطامِعين فيهم.
والفادي كان مُفْتَرٍ في قولِه : " والدخولَ على الأَسيراتِ دون تطليقِهن من أَزواجهن " ، فقال : *وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ* !! ولم يَقُلْ ذلك أَيُّ مذهبٍ إِسلامي ، ولا أَيُّ عالمٍ مسلمٍ مُعْتَبَر.
الأَسيراتُ هُنَّ النساءُ الكافراتُ المحاربات ، اللّواتي يَخْرُجْنَ مع الرجال الكفارِ لحربِ المسلمين ، وعندما تَنْتَهي المعركةُ بهزيمةِ الكفار ، تَقعُ بعضُ أولئك النساءِ المحارباتِ في السَّبْي ، فهنَ سبايا ، ولَسْنَ " أَسيرات " كما ادَّعى المفتري الفادي ؛ لأَنَّ للأَسيرِ الكافرِ المحاربِ أَحكاماً خاصة ، غيرَ أَحكامِ السبايا.
عندما يأخذُ المسلمون هذه النساءَ المقاتلاتِ سَبايا ، ماذا يريدُ الفادي المفتري من المسلمينَ أَنْ يَتصرفوا معهنّ ؟
هل يعيدونهنَّ إِلى الجيشِ الكافرِ مجنَّداتٍ فيه ، ليَعُدْنَ إِلى حربِ المسلمين من جديد ؟.
الإسلامُ اعتبرهنَّ سبايا ، وبما أَنهنَّ ليس لهنَّ أَهْل ، فلَنْ يُتْرَكْنَ " على رؤوسهن " في بلادِ المسلمين ، يَنشرنَ الفاحشةَ والفساد ، فلا بُدَّ أَنْ يُوَزَّعْنَ على المجاهدين ، بحيثُ يُؤوي المجاهدُ السَّبِيَّةَ ، ويتكفلُ بأُمورها وحاجاتِها.
وهذه السَّبِيَّةُ تكونُ مِلْكاً له ، لأَنه سيدُها والمسؤولُ عنها ، ولذلك أَطْلَقَ عليها القرآنُ *مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ* ، وهو يُلَبّي لها حاجاتِها الجنسيةَ بالإِضافةِ إِلى باقي حاجاتِها.
لكن متى يُعاشرُ المسلمُ سبيتَه ؟
ليس بمجردِ حصولِه عليها ، ولكنْ بعدَ أَنْ " تَحيضَ " حيضةً عنده ، وذلك " لاستبراءِ " رَحِمها ، لأَنَّ مجيءَ الدورةِ الشهريةِ لها معناهُ أَنها ليستْ حامِلاً من زوجِها الكافر ، فإِنْ كانَتْ " حامِلاً " لا يُعاشِرها سيدُها إِلّا بعدَ ولادتِها.
وبهذا نعرفُ كَذِبَ الفادي المفترِي عندما قال : " أَباحَ محمدٌ لأَتْباعِه الدخولَ على الأَسيرات دونَ تطليقهِن من أَزواجهنّ ".
فالمسلمُ لا يُعاشرُ أَمَتَه إِلّا بعدَ حيضتِها.
ومعلوئم أَنَّ وُقوعَها في السَّبْيِ - وهي المحاربةُ للمسلمين -
يُنهي علاقَتَها بزوجِها الكافر ، ولا تَحتاجُ إِلى تطليق منه!.
وهذا معنى كلامِ البيضاوي : " ما ملكتْ أَيمانُكم ، من اللّاتي سُبينَ ولهنَّ أَزواجٌ كُفار ، فهنَّ حَلال للسّابين ، والزواجُ مرتفعٌ بالسبي ".
ونُزولُ الآيةِ في سَبايا " أَوطاس " كما ذَكَرَ البيضاويُّ صحيح.
روى مسلمٌ عن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - : أَنَّ أَصحابَ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أصابوا سَبْياً يومَ أَوطاس ، لهنَّ أَزواجٌ من أَهْلِ الشرك ، فكانَ أُناسٌ من أَصحابِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَفّوا وتَأَثَّموا من غِشيانِهنّ ، فنزلَتْ هذه الآية.
وروى الترمذي الحادثة بلفْظٍ آخر ، عن أَبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه - قال : أَصَبْنا سَبْياً من سَبْي أَوطاس ، ولهنَّ أَزواج ، فكَرِهْنا أَنْ نَقَعَ عليهنَّ ولهنَ أَزواج ، فسأَلْنا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فنزلَتْ هذه الآية ...
وكانتْ غَزوةُ أَوطاس في السنةِ الثامنةِ من الهجرة بعدَ غزوةِ حنين ، وقد هُزِمَ فيها جيشُ المشركين ، ووقعَتْ بعضُ المشركاتِ المحارباتِ في الأَسْر ، فأَخذهنَ المسلمون سبايا ، ووَزَّعَهُنَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - على المجاهدين ، وكان بعضُهنَّ متزوجاتٍ من المشركين ، فتحرَّجَ بعضُ المسلمين عن معاشرتِهن ،
ولما سألوا رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَباحَ لهم معاشرتَهن ، وأَنزلَ اللّهُ الآيةَ في إباحةِ ذلك ، وهذا بعدَ استبرائِهن ، بأَنْ تَحيضَ الأَمَةُ عند سيدِها حَيْضة ، ويَثبتَ له عدمُ حَمْلِها.
ومعنى هذا أَنَّ وُقوعَ الكافرةِ المقاتلةِ في السَّبْيِ يُنهي زَواجَها من زوجِها الكافر ، لكنها لا تَحِلُّ لسَيِّدِها إِلّا بعدَ استبرائِها وحيضِها عندَه.
ولذلك قال ابنُ كثيرٍ في تفسير الآية : *إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ* : إِلّا ما ملكْتُموهن بالسَّبْي ، فإِنه يَحِلُّ لكم وَطْؤُهنَّ ، إِذا استبرأْتُموهن ".
وبهذا نعرفُ أَنَّ ما فعلَه الصحابةُ بالسبايا يومَ أَوطاس اتِّباع لشرعِ اللّه ، وليس اتِّباعاً للهَوى ، كما زَعَمَ المفْتري! وكان الصحابةُ مُحاربينَ لأَهوائِهم ، نَهوا نُفوسَهم عن الهوى ، كما أَمَرَهم اللّه سبحانه.
ب - افترى الفادي على رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، عندما قالَ : إِنه كانَ مُتَّبِعاً لهَواه وشهوتِه ، وذلك في قولِه الفاجر : " أَباحَ محمدٌ الزواجَ بأَيِّ مَنْ تَهواهُ ويَهْواها ، بلا قَيْدٍ أَوْ شَرط ، فوقَ زوجاتِه العديدات ، وفوقَ ما ملكَتْ يمينُه ، فقال : *وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ*.
زعمَ الفادي أَنَّ القرآنَ من تأليفِ وكلامِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وليس وحياً من عندِ اللّه ، ولذلك نَسَبَ الآيةَ من سورةِ الأَحزابِ إِليه ، وليسَ إِلى اللّهِ ، وأَسندَ الحكمَ الذي فيها إِليه ، وليسَ إِلى اللّه ، فقال : أَباحَ محمدٌ لنفسِه الزواج ...
وانظرْ إِلى وقاحَتِه وسوءِ أَدبه وفجورِه ، وهو يتكلَّمُ عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - : " أَباحَ محمدٌ الزواجَ بأَيّ مَنْ تَهواهُ ويَهْواها بلا قَيْدٍ أَو شَرْط ... ".
ونُنزهُ حَبيبَنا محمداً - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الكلامِ السوقيِّ الساقط ، فكيفَ يُتَّهَمُ بأَنه يَهوى ويَعشقُ امرأةً ليستْ زوجاً له ؟
وكيفَ تَهواهُ وتعشقُه امرأةٌ أَجنبيةٌ عنه ؟!.
وما أَباحَتْه الآيةُ له ليس اتّباعاً للهَوى والشهوة ، إِنما هي حالَةٌ خاصة ، في امرأةٍ خاصةٍ واحدة ، لم تتكرَّر له ولا لغيرِه : *وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ*.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عنْ سهلِ بنِ سعدٍ الساعديّ - رضي الله عنه - قال : إِني لفي القومِ عندَ رسولِ اللّهِ - عليه السلام - إِذ قامت امرأةٌ ، فقالَتْ : يا رسولَ اللّه! إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك ، فَرَ فيها رأَيَك.
فلم يُجِبْها شيئاً.
ثم قامت فقالَتْ : يا رسولَ اللّه!
إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك ، فَرَ فيها رأيَك.
فلَم يُجِبْها شيئاً.
ثم قامت الثالثةَ
فقالَتْ : إِنها قد وهبَتْ نفسَها لك ، فَرَ فيها رأْيَكَ.
فقامَ رجل فقالَ : يا رسولَ اللّه : أَنْكِحْنِيها.
فقال : هل عندَك من شيء ؟.
قال : لا.
قال : اذهَبْ فاطلُبْ ولو خاتَماً من حديد.
فذهَبَ وطَلَبَ ، ثم جاءَ فقال : ما وجدْتُ شيئاً ، ولا خاتَماً من حَدِيد!
قال : هل معكَ من القرآنِ شيء ؟.
قال : معي سورةُ كذا وسورةُ كذا.
قال : أَنْكَحْتُكَهَا بما مَعَك من القرآن! ".
هذه المرأةُ وهبتْ نفسَها للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، بمعنى أَنها فَوَّضَتْ أَمْرَها إِليه ، لأَنه إِمامُ المسلمين ، وهو أَوْلى بهم من أَنفسِهم ، وصَرَّحَ القرآنُ بذلك ، قال تعالى : *النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ*.
عندما فَوَّضَتْ أَمْرَها إِليه قالَتْ له : فَرَ فيها رَأْيَك! وليس معنى هذا أَنها رَمَتْ نفسَها عليه ، وأَنها هَويَتْه وعشقَتْه ، وطلبَتْ منه أَنْ يتزوَّجها ، إِنما فوَّضَتْه في التصرُّف المناسب ، وأَعَادَتْ عليه الكلامَ ثلاثَ مرات ، فطلبَ رجَلٌ من المسلمين أَنْ يُزَوِّجَه إِياها ، لأَنه وَليُّ أَمْرِها ، فطَلَبَها منه كما يطلبُ أَيُّ خاطبٍ البنتَ من أَبيها ، فزوَّجها له بما معه من القرآن!.
أَينَ هذا من اتِّهامِ الفادي المفترِي الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بالهوى والشهوةِ ، وهو لم يتزوَّجْ تلك المرأة ، إِنما زَوَّجَها لأَحَدِ أَصْحابه ؟.
ب - استدلَّ الفادي المفترِي على أَنَّ المسلمينَ مُتَّبعون لأَهوائِهم وشهواتِهم : بأَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَعَدَهم بالاستمتاعِ الجنسيّ بالحورِ العينِ في الجنة!
قال : " كما أَنَّ محمداً جعلَ نِكاحَ النساءِ أَمَلَ المستقبلِ في الجنة ، فقال :
*حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ*.. *لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ*.. *مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ*.
الفادي وأَهْلُ ملَّتِه يُؤْمنون بأَنَ نَعيمَ الجنةِ معنويّ وليس ماديّاً ، فليس في الجنةِ طَعامٌ ولا شرابٌ ولا استمتاعٌ بالنساء! ولذلك اعتبرَ حديثَ القرآنِ عن نساءِ الجنةِ من بابِ إِغراءِ المسلمين بذلك ، لأَنهم مُتَبِعون للهوى.
أَما نحنُ المسلمين فإِنَنا نؤمنُ أَنَّ نعيمَ الجنةِ مادّيّ ومعنوي ، ففيها طَعامٌ وشَرابٌ واستمتاعٌ بالنساء ، وفيها قُصورٌ وأَثاث ، وأَرائكُ ولباس ، وفيها بساتينُ وجنات ، وفيها فوق هذا كُلّه رضوانٌ من اللّهِ عليهم ، وسَعادَةٌ غامرةٌ تَملأُ حياتَهم " قال تعالى : *يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *71*.
وهم لم يَدْخُلوا الجنةَ إِلّا بعدما صَدَقوا مع اللّهِ في الدنيا ، وأَحسنوا
عبادَتَه ، ونَهوا نُفوسَهم عن الهوى والشهوةِ في الدنيا " قال تعالى : *وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *40* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى *41*.
أحد عشر : التناقض في الخمر بين الحل والحرمة :
كيفَ حَرَّمَ اللّهُ الخمرَ في الدنيا ، وأَباحَها للمؤْمنين في الجَنَّة ؟
اعتبرَ الفادي هذا تَناقُضاً في القرآن.
ذَكَرَ الآيةَ التي حَرَّمت الخمرَ في الدُّنيا ، وهي قولُ اللّهِ - عز وجل - *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *90*.
وذَكَرَ مُقابِلَها الآيةَ التي أَباحت الخمرَ في الآخرة ، وهي قولُ اللّهِ - عز وجل - : *مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى..*
وذكر بجانبها قوله تعالى عن شرب المؤمنين الخمر فىِ الجنة ، وهي قوله تعالى : *يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ *25* خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ *26*.
ولا تَناقُضَ بين حديثِ القرآنِ عن حرمةِ الخمرِ في الدنيا وإِباحتِها في الآخرة ، لأَنَّ خمرَ الدنيا ليستْ كخمر الجَنّة.
خمرُ الدنيا من أَسلحةِ الشيطانِ في إِغواءِ وإِفسادِ الناس ، وإِيقاعِ - العَداوةِ والبغضاءِ بينهم ، قال تعالى : *إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *91*.
وخمرُ الدنيا تذهبُ بعقولِ شاربيها ، فعندما يَسكرونَ يَفقدونَ السيطرةَ على أَقوالِهم وأَفعالهم ، ولذلك حَرَّمَها اللّهُ على الناس.
وخمرُ الجنة منزهةٌ عن هذه العيوبِ والمفاسد ، فلا سُلطانَ للشيطانِ عليها في الجنة ، وهي لا تَغتالُ عُقولَ شاربيها المؤمنين ، قال تعالى : *يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ *45* بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ *46* لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ *47*.
وقال لعالى : *وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ *22* يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ *23*.
فالخمرُ السيئةُ التي حَرَّمَها اللّهُ في الدنيا أُمُّ الخبائث ، وهي غيرُ الخمرِ الطيبةِ التي أَباحَها اللّهُ للمؤمنينَ في الجنة.
فلا تَناقُض بين حرمةِ هذه وإِباحةِ تلك !!.
ثاني عشر : بين النهي عن إيذاء الكفار والأمر بقتالهم :
زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثِه عن الكافرين ، وفي توجيهِ المسلمين إِلى كيفيةِ التعاملِ معهم ، فأَوردَ خمسَ آياتٍ تَنْهى عن إِيذاءِ الكفار ، وتأمرُ المسلمين بحسنِ معاملتِهم ، وأَوردَ في مقابِلِها خمسَ آياتٍ تتناقضُ معها ، وتأمرُ المسلمينَ بقتالِ الكفارِ وقَتْلِهم :
أ - نهى اللّهُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن إِيذاءِ الكفار ، قال تعالى : *وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا *48*.
الآيةُ محكَمة ، وهي تَنهى عن إِيذاءِ الكافرين والمنافقين ، صَحيح ، لكن مَنْ هم الذينَ تَنهى الآيةُ عن إِيذائِهم ، إِنهم الكافرونَ والمنافقونَ الذين لا يُؤذونَ المسلمين ، ولا يَتَآمرون عليهم ، ولا يُحاربونَهم ، وإِنما هم مُوادِعونَ مُسالِمون ساكتون ، ومن المعلومِ أَنَّ إِيذاءَ المسالمِ الساكنِ عدوانٌ عليه ، وهذا محرمٌ في الإِسلام.
ولا ننسى أَنَّ الآيةَ التي نهتْ عن إِيذاءِ الكافرين والمنافقين ، نَهَتْ أَيْضاً عن طاعتِهم ومتابعتِهم وموافقتِهم على باطلِهم ، ولا بُدَّ أَنْ نجمعَ بينَ جملتي الآية ، ولا يَجوزُ أَنْ نُلغيَ الجملةَ الأولى ونُبقي الجملةَ الثانية : *وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ*.
ب - أَوردَ الآيةَ التي تَنْهى عن الإِكراهِ في الدين ؟
قال تعالى : *لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *256*.
تَنهى الآيةُ إِكْراهَ أَي كافرٍ على الدخولِ في الدينِ الإِسلامي ، لأَنَّ الدخولَ في الإِسلامِ لا بُدَّ أَنْ يكونَ عن اقتناع.
لكن لا يعني هذا أَن لا نَدْعوه للإِسلام ، فلا بُدَّ أَنْ نُفَرقَ بين الدعوةِ والإِكراه ...
يَجبُ علينا أَنْ نَدعوَ كُلَّ كافرٍ للدخولِ في الإِسلام ، مهما كان دينه ، لأَن الإِسلامَ دعوةٌ للعالمين جميعاً.
وعندما نوجِّهُ له الدعوةَ نكون قد أَدَّيْنا الواجبَ الذي علينا ، فإِن استجابَ للدعوة واعتنقَ الإِسلام ، فازَ وأَفْلح ، وإِنْ رفضَ الدعوةَ وأَصَرَّ على كفره كان من الخاسرين ، ونحن لا نُكرهُه على الإِسلام ، ولا نُؤْذيه لِكفرِه طالما هو متوقّفٌ عن إِيذائِنا ، فإِنْ آذانا دَفَعْنا الإِيذاء.
جـ - أَوردَ الآيةَ التي تُرشدُنا إِلى مساعدةِ الكفار مالِياً ، قال تعالى : *لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ *272*.
ليسَ علينا هدى الكفار ، لكن بَعْدَ أَنْ نُوَجِّهَ لهم الدعوةَ ، ونُقدمَ لهم المساعدةَ الماليةَ إِذا كانوا محتاجين ، وهذا بعدَ أَنْ يُعْلِنوا خُضوعَهم لسلطانِ المسلمين ، بدفْعِ الجزية ، ويَكُفّوا أَيديهم عن إِيذاءِ المسلمين.
ومن روائع ما يُروى عن أَميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه - أَنه رأَى نصرانياً عَجوزاً هَرِماً محتاجاً ، فأَمَرَ بإِعطائِه مساعدةً من بيتِ مالِ المسلمين ، وقال : ما رحمْنا الرجلَ إِذا أَخَذْنا منه المال - الجزية - شابّاً ، وتخلَّينا عنه وهو هَرِم!.
د - زَعَمَ الفادي أَنَّ اللّهَ أَمَرَ المسلمينَ بتَرْكِ الكفارِ وشأنهم ، واستدلَّ على ذلك بقوله تعالى : *وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *20*.
وهذا استدلالٌ باطلٌ ، فإِنَّ الآيةَ صريحةٌ في دعوتِهم للدخولِ في الإِسلام ، قال تعالى : *فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ*.
إِنه لا يتركُهم وشأْنَهم ، وإِنما يُحاججُهم ويُحاجّونَه ، ويُكَلِّمُهم ويُكَلِّمُونَهُ ، فإِنْ لم يَسْتَجيبوا له صارحَهم بإِسْلامِه ، وهو يَدْعوهم دعوةً صريحةً للدخولِ في الإِسلام : *وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ*.
فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على الكفر ، أَيْقَنّا أَنهم كافِرون خاسِرون هالِكون ، وإِنْ كَفُّوا أَيديَهم عن إِيذائِنا تَرَكْناهم وشأنهم.
واستدلَّ أَيضاً على تركِ الكافرين بقوله تعالى : *وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ *107*.
وهذا استدلال باطل أَيضاً ، لأَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - مأمورٌ بتبليغِ الكفارِ الدعوة ، وإِقامةِ الحجةِ عليهم ، فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ تركَهم وشأنَهم ، ويكونُ قد قامَ بواجبِه ، ولم يجعَلْه اللّهُ حَفيظاً ولا وكيلاً عليهم ، ولم يأمُرْه بقذْفِ الإِيمانِ في قلوبِهم ، لأَنَّ هذا بيدِ اللّه.
واستدلَّ الفادي الجاهلُ أَيضاً على وجوبِ تركِ الكافرين وشأنهم بقولِه تعالى : *وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ *99* وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ*.
لا تَنفي الآيةُ وُجوبَ دعوةِ الكفارِ للإِسلام ، فإِنّ هذا واجبٌ على الدعاةِ ، إِنما تَنفي إِكراهَ الكفارِ على الإِيمان ، لأَنه لا إِكراهَ في الدينِ ، وبعدَ تبليغِ الدعوةِ وإِقامةِ الحجةِ يُتْرَكُ الكفارُ وشأنهم.
هـ - أَمَرَ اللّهُ المسلمين بدعوةِ الكفارِ إِلى سبيلِ اللّهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة ، وأَوردَ الفادي قولَه تعالى : *ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ *125*.
والآيةُ محكمة ، وتوضحُ لنا أُسلوبَ الدعوة ، وكيفيةَ التعاملِ مع الآخَرين ، وتقديمِ الدعوة لهم ، وإِقامةِ الحجةِ عليهم.
وأَوردَ الفادي المفترِي خمسَ مَجموعاتٍ من الآياتِ ، اعْتَبَرَها متناقضةً مع المجموعاتِ السابقة ، ولذلك اتهمَ القرآنَ بالتناقض.
1 - أَمَرَ اللّهُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بتحريضِ المؤمنين على قِتالِ الكافرين ، قال تعالى : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..*.
واعتبرَ الفادي الآيةَ متناقضةً مع الآيةِ التي تَنْهى عن إِيذاءِ الكافرين ، وهي قولُه تعالى : *وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ*.
ولا تَناقُضَ في الحقيقةِ بينَ النهيِ عن إِيذاءِ الكافرين ، والأَمْرِ بالتَّحريضِ على قِتالِهم ، لأَنَّ الكفارَ نوعان : النهيُ عن الإِيذاءِ ينطبقُ على نوعٍ من الكفار ، وهم الكفارُ المسالمونَ المحايدون ، الذين لا يَتآمرونَ على المسلمين ولا يُحاربونهم.
أَمَّا الأَمْرُ بقتالِ الكفارِ فإِنه ينطبقُ على نوعٍ آخرَ من الكفار ، وهم الذين يَتَآمَرونَ على المسلمين ويُحاربونَهم ، ويَطْعَنونَ في دينِهم ، ويَمنعونَ دعوتَهم ، ويَفْتِنون الناسَ عن الإِسلام.
2 - لا تَناقُضَ بين قولِه تعالى : *لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ* ، وبينَ قولِه تعالى : *وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ*.
تمنعُ الآيةُ الأُولى إِجبارَ الكفارِ على اعتناقِ الإِسلام ، لأَنَّ الإِسلامَ لا يَقبلُ الإِكراهَ والإِجبار ، ولا بُدَّ من أَنْ يَقتنعَ الإِنسانُ بالإسلامِ قناعةً خاصّة ، ينتجُ عنها اعتناقُه الإِسلام ، ولكنَّ عَدَمَ إِكراهِهم على اعتناقِ الإِسلام لا يُلْغي وُجوبَ دعوتهِم للدخولِ فيه ، فعلى الدعاةِ أَنْ يَدعوهم لهذا الدين ، لأَنه رسالةٌ عالمية ، ودينُ اللّهِ للعالَمين جَميعاً ، فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على كفرِهم تركْناهم وشأْنَهم ، وحسابُهم عند اللّهِ ، على أَنْ يَخْضَعوا لسلطان المسلمين.
فإِذا وَقَفَ الكفارُ أَمامَ الدعاة ، ومَنَعوهم من أَداءِ واجبِ الدعوةِ ، وفتنوهم وآذوهم وعَذَّبوهم واضطهدوهم ، كانوا هم المعْتَدين الظالمين ، وعند ذلك أَباحَ لنا اللّهُ مواجَهَتهم ، وأَمَرَنا بقتالِهم ، والدفاعِ عن الناسِ المعَذَّبين المفتونين الذينَ تحتَ سُلطانِهم! وإِذا تَركوا الدعاةَ يَدْعونَ ويتحركون ، ولم يَتَعَرَّضوا لهم بفتنةٍ ولا إِيذاء - وهذا نادراً ما يحصلُ من الكفار - فإِنهم لا يُقاتَلون.
3 - لا تَناقُضَ بين تقديمِ الأَموالِ والمساعداتِ للكفار ، الذي أَشارَ له قولُه تعالى : *وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ* ، وبينَ الأَمرِ بقتالِهم حتى يَدفعوا الجزيةَ ، الذي وَرَدَ في قولِه تعالى : *قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *29*.
فإِنَّ القتالَ مُوَجَّهٌ للكفارِ المقاتلينَ المحاربينَ المعتدينَ على المسلمين ، المتآمِرين عليهم ، وهم يُقاتَلونَ لأَنهم هم البادئونَ بالعُدوانِ والقتال ، والبادئُ أَظلم..
فإِذا هُزِمَ الكفارُ المقاتِلون فلا بُدَّ أَنْ يَخْضَعوا لسلطانِ المسلمين ، ويَعْتَرفوا بقوَّتهم ، والدليلُ على ذلك دفعُ الجزيةِ لهم ، وهذه الجزيةُ على القادرين منهم ، يَدْفَعونَها للمسلمين مقابلَ حمايتِهم لأَنفسِهم ودمائِهم وأَموالِهم ، ودفاعِهم عنهم.
وإِدْا كان هؤلاء الكفارُ المسالمونَ مُحتاجين إِلى المال ، وَجَبَ على المسلمين تَقديمُ المساعدةِ لهم ، وهم مأجورونَ على ذلك : *وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ*.
4 - لا تناقُضَ بين تركِ الكفار وشأنِهم الذي قد يُؤْخَذُ من قوله تعالى :
*أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ *99* وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ* ، ولا بين ملاحقتِهم والأَمْر بقتالِهم ، الذي وَرَدَ في قولِه تعالى : *وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا *89*.
إِنَّ تركَهم وشأنَهم يكونُ بعد تقديمِ الدعوةِ الإِسلاميةِ لهم ، وإِقامةِ الحجةِ عليهم ، فإِنْ أَصَرّوا على كُفْرِهم ، تَرَكَهُم المسلمون وشَأنَهم ، بشرطِ أَنْ لا يَتَآمَروا على المسلمين ، ولا يَقِفوا أَمامَ دينِهم ، ولا يَطْمَعوا فيهم ، وهذا ما تُقررُه آيةُ سورةِ يونس.
أَما إِذا تآمَرَ الكفارُ على المسلمين ، وحارَبوهم ، أَو فَتَنوهم عن دينهم ، ونَشَروا بينهم الكفرَ والفساد ، فإِنهم يكونونَ مُعْتَدين على المسلمين ، وعند ذلك يُقاتِلُ المسلمون هؤلاء الكفارَ المُعْتَدين الظالمين ، وهذا ما تصرحُ به آيةُ سورةِ النساء ، فهي تتحدثُ عن صنفٍ خاصٍّ من الكفار ، وهم الذين قالَتْ عنهم : *وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً*.
إِنهم يَحرصون على كفرِ المسلمين ، ويَنشرونَ بينهم الكفر والانحراف ، ليستووا معهم ، فإِن لم يَتَوقَّفوا عن هذا العدوان وَجَبَ على المسلمين قِتالُهم وأَخْذُهم : *فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ*.
5 - لا تَناقُضَ بين وُجوب دعوةِ الكفارِ بالحسنى ، الذي وَرَدَ في قولِه تعالى : *ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* ، وبينَ الأَمْرِ بقتالِهم ، الذي وَرَدَ في قوله تعالى :
*فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا*.
إِنَّ الدعوةَ هي أَولُ ما يُوَجَّهُ إِلى الكفار ، وهي لا تَكونُ إِلّا بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة ، فإِنْ رَفَضوا الدعوة ، وقاموا بقِتالِ المسلمين وَجَبَ على المسلمين قِتالُهم لأَنهم معتدون ظالمون.
وكم كان الفادي مُفْتَرِياً عندما اعتبرَ قِتالَ الكفارِ المقاتِلينَ دعوةً بالسيف ، علماً أَنَّ السيفَ لم يكنْ يوماً أُسلوباً من أَساليبِ الدعوةِ إِلى الإِسلام ، لأَنه يَهدفُ إِلى تحطيمِ قوةِ الكفارِ العسكرية ، التي يُحارِبونَ بها الإِسلام
والمسلمين ، ويَحرمونَ شعوبَهم من نورِ الإِسلام ، وعندما يَتحققُ هذا الهدفُ بالقتالِ وتَتحطمُ قوةُ الكفارِ العسكرية ، ويَخضعونَ لسلطانِ المسلمين ، يتوقَّفُ المسلمونَ عن قتالِهم وقَتْلِهم ، ويتوجَّهون إِلى شعوبِهم بالدعوة ، التي لن تكونَ إِلَّا بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة.
وكان الفادي كاذباً على رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، عندما قالَ عنه : " لهذا فَتَكَ محمدٌ بمعارضيه في الدين ، مثلُ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ ، وأَبي عَفْك ، وأَبي رافعِ بنِ أَبي عَقيق ".
إِنه لا يُحسنُ قراءةَ الأَسماء ، فالثاني ليس " أَبا عَفْك الشيخ " ، وإِنما هو " ابنُ أَبي عَفْك " ، والثالث ليس : " أَبا رافع بنِ أَبي عَقيق " ، وإِنما هو : " أَبو رافع بنُ أَبي الحقيق ".
ولقد أَمَرَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بقَتْلِ هؤلاءِ الثلاثة - وآخرينَ غيرِهم مَعْروفين في كتبِ السيرة - ليس لأَنَّهم كُفارٌ مُعارِضونَ له في الدين ، فقد كان كُفار كَثيرون يُعارضونَه في الدّين ، ويَسْتَحِبّونَ الكفرَ على الإِيمان ، ومع ذلك لم يَقْتُلْهم ، وكان منهم منافقون مثلُ عبدِ اللّه بن أُبَيّ ، وكان منهم يهودٌ مثلُ كَعْبِ بنِ أَسَد ، زعيمِ يهودِ بني قريظة ، الذي عَقَدَ معه رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَهْداً ، ومثلُ حُيَيِّ بنِ أَخْطَب زعيمِ يَهودِ بني النضير ، الذي عَقَدَ معه رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - عهداً آخر.
قَتَلَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء الكفارَ الثلاثة : ابنَ الأَشرف ، وابنَ أَبي عفك ، وابنَ أَبي الحقيق ، لأَنهم تآمَروا على المسلمين ، وجَيَّشوا الجيوشَ ضدَّ المسلمين ، وحَرَّضوا الآخَرين على قتالِهم ، وشَنّوا على المسلمينَ حَرْباً إِعلاميةً شَعْواء ، وبذلك كانوا مُعْتَدين ، فَقَتَلَهم لعدوانِهم وليس لمجرد كفرِهم ، كذلك قَتَلَ ابْنَ أَخطب وابْنَ أَسَد لأَنهما نقضا عَهْدَهما معه ، وحارَباه مع جنودِ الأَحزاب.
"ثالث عشر : هل نجا فرعون أم غرق ؟ :
زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ تَناقَضَ في حديثِه عن نهايةِ فرعون ، فذكَرَ في سورتي الإِسراءِ والقَصصِ أَنه غَرِقَ مع جنودِه في اليَمّ ، وذَكَرَ في سورةِ يونس أَنَّ اللّهَ نَجَّاه ببدنِه..
فهل نَجا أَمْ غَرِق ؟!.
كانَ القرآنُ صَريحاً في إِخبارِه عن غَرَقِ فرعونَ مع جنودِه ، وأَوردَ الفادي آيتَيْن صريحتَيْن بذلك ، هما : قولُه تعالى : *فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا *103*.
وقولُه تعالى : *فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ *40*.
والآيةُ التي لم يَفهم الفادي مَعْناها لجهْلِه ، فاعْتَبَرَها إِخباراً عن نجاةِ فرعونَ من الغرقِ هي قولُه تعالى : *وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ *90* آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ *91* فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ *92*.
دليلُ عدمِ موتِ فرعونَ ونجاتِه من الغرقِ في نظرِ الفادي الجاهلِ جملَةُ :
*فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ* ، أَيْ : أَنَّ اللّهَ أَنْقَذَهُ من الغَرق ، ونَجّاه ببدَنِه وروحِه وعادَ إِلى شعبه مَلِكاً عليهم! وهذا فهمٌ خاطئ يَدُلُّ على جهلِ الفادي بلغةِ القرآن.
تتحدَّثُ آياتُ سورةِ يونس عن اللحظاتِ الأَخيرةِ من حياةِ فرعون..
لما لحقَ فرعونُ وجنودُه موسى - عليه السلام - وأَتْباعَه ، وأَنْجى اللّهُ موسى ومَنْ معه ، ودَخَلَ فرعونُ وجنودُه الطريقَ اليَبَسَ في البحر ، أَطبقَ اللّهُ عليهم البحر ، وصاروا تحتَ الماء ، فأَهلكهم اللّه.
أَمّا فرعونُ فلم يكتفِ القرآنُ بذكْرِ وفاتِه ، وإِنما ذَكَرَ اللحظاتِ الأَخيرةَ من حياتِه ، قبلَ خروجِ روحِه ، وذِكْرِ ماذا قالَ وماذا قيلَ له..
أَطبقَ اللّهُ عليه الماءَ ، وصارَ هو تحتَ الماء ، ولما أَدركَه الغرق وأَحاط به من كُلِّ جانب ، وأَيقنَ بالموت ، أَعلنَ إِيمانَه باللّه ، الذي حارَبه وهو في قمةِ مُلْكِه : *حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ *90*.
وكان بجانِبه الملائكةُ الموكَّلون بقبضِ روحه ، وسَمعوهُ وهو يُعلنُ إِيمانَه ، وأَحَبّوا أَنْ يُشْعِروهُ بخسارتِه ، ليزدادَ نَدَماً وخِزْياً قبلَ موتِه ، فأَمرهم اللّهُ أَنْ يقولوا له : *آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ *91* فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً..*.
والمعنى : آلآنَ أَعلنتَ إِيمانَك يا فرعون ؟!
لقد جاءَ إِيمانُك متأَخِّراً ، ولو جاءَ في وقتِه المناسبِ لقُبِلَ منك ، أَما الآنَ فإِنه لَنْ يُقبلَ منك ، وستموتُ تحتَ الماء ، وسنُنَجيك ببدنِكَ بعدَ خروجِ روحِك ، ولن يَسقطَ بدنُك في قاعِ البحر ، ولن يكونَ طعاماً للسَّمك ، وسنأْمُرُ موجَ البحرِ أَنْ يَقذِفك على شاطئ البحر ، وسيَرى الناسُ بدنَك الهامدَ على الشاطئ ، فتكونُ لمن خَلْفَك آيةً وعبرة ، ودلالةً على أَنك مخلوق ضعيف ، ولستَ إِلهاً وربَّاً للناس.
ونجَّى اللّهُ بَدَنَ فرعونَ بعدَ خروجِ روحِه وموتِه ، ولم يَسقطْ بدنُه في قعرِ البحر ، ولم تبتلِعْه الأَسماك ، وأَمَرَ الموجَ أَنْ يقذفَه على الشاطئِ ، ومَرَّ به رجالُ دولتِه ، وشاهَدوه جُثَّةً هامدة ، وأَيْقَنوا أَنه ماتَ تحتَ الماء ، وأَنَّ بَدَنَه على الشاطئ ، أَخذوه وحَنَّطوه ، ووَضعوهُ فِي تابوتِهِ ، ودَفَنُوهُ في مدافنِ الملوك في وادي طيبةَ عاصمتهم.
واكتشفَ علماءُ الآثارِ جُثَّتَه ، واسْتَخْرَجوها من المدافن ، وعُرِضَتْ في متحفِ الآثار ، وأَبقى اللّهُ جثةَ فرعونَ آيةً على مدارِ القرون ، وما زالتْ آيةً تنشرُ دروسَها وعِبَرَها بعد مرورِ آلافِ السنين على موتِ صاحبها!.
وبهذا نعرفُ التوافقَ بين قولِه تعالى : *فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً* ، وقوله تعالى : *فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا*.
رابع عشر : السماء والأرض أيهما خلقت أولاً ؟ :
زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثِه عن خَلْقِ السماءِ والأَرض ، ففيه آياتٌ تُخبرُ أَنَّ الأَرضَ خُلِقَتْ أَولاً ، وفيه آياتٌ تُخبرُ أَنَ السماءَ خُلقتْ أوَّلاً.
فأَيهما خُلقتْ أَولاً ؟.
سَجَّلَ الفادي آياتٍ من سورةِ فُصِّلَتْ ، على أَنَّ اللّهَ خلقَ الأَرضَ أَوَّلاً.
قال تعالى : *قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ *9* وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ *10* ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *11* فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *12*.
وسجلَ مقابلَها آياتٍ من سورةِ النازعات ، على أَنَّ اللّهَ خلقَ السماءَ أَوَّلاً.
قال تعالى : *أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا *27* رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا *28* وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا *29* وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *30* أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا *31* وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا *32* مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ *33*.
وانطلاقاً من القاعدةِ اليقينيةِ من أَنه لا تَناقُضَ في القرآن ، فمن الواجبِ إِمعانُ النظرِ في هذه الآيات ، والجمعُ بينها ، وإِزالةُ التناقضِ الظاهري عنها.
توحي لنا آياتُ القرآنِ على أَنَّ خَلْقَ السمواتِ والأَرضِ كان على مرحلتَيْن :
المرحلة الأولى : خَلْقُهُما خَلْقاً أَوَّليّاً ، بدون تفصيلٍ أَو تَقْدير.
خُلقت السماءُ أَوَّلاً ، ثم الأَرضُ بعد ذلك ، وهذا ما أَخبرتْ عنه آياتُ سورةِ النازعات ، فهي صريحةٌ في أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السماء أَوَّلاً : *أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا *27*..
ثم خَلَقَ الأَرضَ بعد ذلك : *وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *30*.
المرحلة الثانية : تقديرُ وتَفصيلُ وترتيبُ السمواتِ والأَرض.
وكانَ هذا في الأَرضِ أَوَّلاً ، ثم صارَ في السماءِ بعد ذلك ، وهذا ما أَخبرتْ عنه آياتُ سورةِ فصلت.
فاللّهُ خَلَقَ الأَرضَ في يومين : *أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ* وفَصلَها وقَدَّرَها ، وجعلَ فيها جبالَها وأَنهارَها ، وقَدَّرَ فيها أَقواتَها ، في يومَيْن آخرين ، فكانَ مجموعُ خَلْقِ الأَرض أَربعةَ أَيام : *وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ *10*.
وبعدما تَمَّ تَفصيلُ وتَرتيبُ خَلْقِ الأَرص ، استوى اللّهُ إِلى السماء ، فسوّاهُنَّ سبعَ سمموات ، وذلك في يومين : *فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا*.
ويمكنُنا أَنْ نقولَ في ترتيبِ خَلْقِ السمواتِ والأَرض : السماءُ ، ثم الأَرض.
وأَنْ نقولَ في تفصيلِ خلْقِهما : الأَرضُ ، ثم السماءُ ...
أَيْ : سماء ، أَرض.. ثم : أَرض ، سماء..
خامس عشر : هل القرآن محكم أو متشابه ؟ :
زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ متناقضٌ في إِخبارِه عن طبيعتِه ، فأَخبرَ أَنه مُحْكَمٌ مُبينٌ واضح ، وأَخبرَ في موضعٍ آخرَ أَنه متشابه!.
سَجَّلَ آيةً تُخبرُ أَن القرآنَ مُبين ، وهي قوله تعالى : *وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ *103*.
وسَجَّلَ مقابلَها آيةً تُخبرُ أَنَّ القرآنَ متشابه ، وهي قولُه تعالى : *هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ *7*.
إِنَّ الذي يُقابلُ التشابهَ هو الإِحكامُ وليسَ الإِبانة ، فنقول : هو مُحْكَم ، في مقابلِ قولِنا : هو مُتَشابه.
فَوَضْعُ الفادي " المبينَ " مقابل " المتشابه " دَليلُ جهلِه باللغةِ العربيةِ ومصطلحاتِ القرآن.
فالقرآنُ كُلّه مُبين ، أَيْ : كُلُّهُ واضحٌ ظاهرٌ مَفهومٌ بَيَنٌ للناس.
أَما الإِحكامُ فهو الإِتقانُ والإِجادةُ والدقة ، وحُسْنُ الترتيب والتفصيل ، والقرآنُ كُلُّه مُحْكَمٌ مُتقنٌ مفصَّلٌ بهذا الاعتبار ؟
قال تعالى : *الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ *1* أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ *2*.
وأَمّا التشابهُ فهو التماثلُ والتَّساوي ، يقال : فُلانٌ يُشْبِهُ فُلاناً ، أَيْ : هو يُماثلُه ويُساويه ، فَهما مُتَماثِلان مُتَشابهان.
والقرآنُ كُلُّه متشابهٌ بهذا المعنى ، لأَنَّ سُوَرَهُ وآياتِه متماثلة ، متساويةٌ في الوضوحِ والبيان ، والفصاحةِ والبلاغة ، وفي الدلالةِ على أَنها من عندِ اللّه.
وصَرَّحَ القرآنُ بأَنه كُلَّه متشابهٌ بهذا المعنى للتشابه.
قال تعالى : *اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ*.
وللتّشابهِ معنى آخر هو : الاشْتِبَاه ، بمعنى أَنَّ القارئَ يَقَعُ في اشتباهٍ وشُبْهَة ، ويَختلطُ عليه الأَمْرُ ، ويَلتبسُ عليه المعنى ، بسببِ لَبْسٍ في الكلامِ الذي أَمامه ، وغُموضٍ في معناه.
وفي القرآنِ بعضُ الآيات ِ المتشابهاتِ بهذا المعنى ، كما وَضحَتْ سورةُ آلِ عمران : *مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ*.
وتُشيرُ الآيةُ إِلى أَنَّ مُعظمَ آياتِ القرآنِ محكمات ، أَيْ واضحاتُ الدلالة على المعنى ، لا تَحتاجُ إِلى آياتٍ أُخرى لحُسْنِ فهم المعنى ، وهذه الآيات ُ المحكماتُ هُنَّ أُمُّ الكتاب ، وأَصْلُه الذي لا بُدَّ أَنْ يُعادَ كُلُّ شيء إِليه.
كما تشيرُ الآيةُ إِلى أَنَّ بعضَ آياتِ القرآنِ متشابهات ، وهذه الآياتُ المتشابهاتُ قليلةٌ بجانبِ المحكمات.
وسَببُ التشابهِ في الآياتِ القليلةِ المتشابهةِ هو " الغموضُ المقصود " في معناها ، واللَّبْسُ الذي قد يَقَعُ فيه بعضُهم عندما ينظرُ فيها ، كما فَعَلَ هذا الفادي الجاهلُ في تناقضاتِه الخمسة عشر التي زَعَمَ وُجودَها في القرآن ، والتي نَقَضْناها في هذا المبحث.
وأَخبرت الآية ُ عن اختلافِ نظرةِ الناسِ للآياتِ المتشابهات ، فقالت :
*فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا*.
*الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ* : هم الذين يَبحثونَ عن الشبهاتِ والإِشكالات ، ويُريدونَ اتباعَ الباطل ، ويَهدفونَ إِلى فتنةِ الناس ، من أَمثال هذا الفادي الجاهلِ مريضِ القلب ، هؤلاءِ يَتَّبعونَ الآياتِ المتشابهاتِ لتحقيقِ أَهدافِهم المريضة.
*وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ* : هم المتمكِّنونَ من العلم ، الذين يُحسنونَ فَهْمَ القرآن ، ولذلك يَحْملونَ الآياتِ المتشابهاتِ القليلةِ على الآياتِ المحكماتِ الكثيرة ، التي هي أُمُّ الكتابِ وأَصْلُ المتشابهات ، ويَخرجونَ من ذلك بزيادةِ الإِيمانِ واليقين ، ويُعْلنونَ ذلك قائلين : *آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا*.
أَيْ : آمَنَّا بالقرآن ، وأَيْقَنّا أَنه كَلامُ اللّه ، وكُلٌّ من آياتِه المحكَماتِ والمتشابهاتِ من عندِ ربنا.
وبالمثال يَتَّضِحُ المقال :
قال اللّهُ عن عيسى ابنِ مريم - عليه السلام - : *إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا*.
في معنى هذه الآيةِ لَبْسٌ وغُموض ، فما معنى قول اللّهِ له : *إِنِّي مُتَوَفِّيكَ* ؟
قد يَحتجُّ بها اليهودُ على أَنهم صَلَبوا عيسى - عليه السلام - وقَتَلوه ، وقد يحتجُّ بها النَصارى على أَنَّ عيسى - عليه السلام - قُتِلَ وصلِبَ ، ودينُهم يقومُ على الصَّلْب ، وشعارُه الصليب..
وقد يقولُ لنا قسّيسٌ جاهِلٌ مثلُ هذا الفادي : لماذا لا تُصَدّقونَ قرآنَكم أَيها المسلمون ، وهو يُصرحُ بأَنَّ عيسى توفَّاهُ اللّه ، ومعناهُ أَنه ماتَ ، وخرجَتْ روحُه على الصليب!!.
نقولُ لهؤلاء : حتى نَفهمَ هذه الآيةَ التي فيها تَشابُهٌ ولَبْس وغموض ، لا بُدَّ أَنْ نَحملَها على آيةٍ محكَمَة ، هي لها أُمٌّ وأَصْلٌ ، لإزالةِ لَبْسِها وغُموضِها " وهي قول اللّه تعالى : *وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا *157* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ*.
إِنّنا نوقنُ بما صرَّحَتْ به هذه الآية ُ المحكَمَة ، من أَنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوا عيسى - عليه السلام - ولم يَصْلُبوه ، والذي قَتَلوهُ وصَلَبوهُ شخْصٌ آخرُ شُبِّهَ لهم ، ورَفَعَ اللّهُ عيسى حَيّاً إِلى السماء ، بروحِه وجِسْمِه ، وهو الآنَ حَيٌّ عندَ اللّه ، بروحِه وجِسْمِه.
وعندما نَحْملُ قولَه : *إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ* على قوله : *وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ* نقول : المرادُ بالتَّوَفّي هو القبضُ والتَّغييبُ ، وذلك عن طريقِ النوم ، أَيْ : أَلْقى اللّهُ على عيسى - عليه السلام - في تلك الليلةِ النَّوْمَ ، وتوفَّاهُ وهو نائم ، أَيْ غَيَّبَهُ وقَبَضَه وهو نائم ، ورفَعَهُ إِليه وهو مُتَوفّى نائمٌ.
***
حول التكرار في القرآن
أَثارَ الفادي الجاهلُ إِشْكالاً حولَ التكرارِ في القرآن ، تحتَ عنوان " الكلامُ المتكرر " ، واعتبرَ هذا الكلامَ عَيْباً وخَلَلاً ، وداعياً إلى المَلَل ، وقالَ في آخِر اعتراضِه : " ونحنُ نسأل : أَليسَ في هذا التكرارِ عيبُ الخَلَلِ والملل ، والبُعْدُ عن ضُروبِ البلاغة ؟ " *1*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
8- الكلام المكرر
هذه الشبهة من الشبهات التى أكثروا اللغو حولها. واتخذوها كذلك منفذاً للطعن فى القرآن الكريم بأنه ليس وحياً من عند الله.
وركزوا كل التركيز على تكرار القصص فى القرآن وذكروا بعض القصص الذى تكرر ، مع الإشارة إلى مواضعه فى سور القرآن ، كما ذكروا تكرار بعض العبارات والجمل.
ولغوا لغواً كثيراً ، حول تكرار قصة آدم فى القرآن ، وقالوا إنها تكررت خمس مرات. ونحن نقول بل تكررت سبع مرات.
كما فعلوا الشىء نفسه مع التكرار الوارد فى سورة " الرحمن " وادعوا أن القرآن إذا حُذف منه المكرر لم يبق منه إلا ما يملأ كراسة واحدة.
لذلك فإننا فى الرد عليهم سنقف وقفة متأنية ، نلقنهم فيها درساً بليغاً حول التكرار الوارد فى القرآن المحفوظ وبخاصة فى سورة الرحمن ، وتكرار قصة آدم *فى مواضع سبعة. لنقيم الحجة لله.
* الرد على هذه الشبهة :
يقع التكرار فى القرآن الكريم على وجوه :
مرة يكون المكرر أداة تؤدى وظيفة فى الجملة بعد أن تستوفى ركنيها الأساسيين.
وأخرى تتكرر كلمة مع أختها لداع ، بحيث تفيد معنى لا يمكن الحصول عليه بدونها.
فاصلة تكرر فى سورة واحدة على نمط واحد.
قصة تتكرر فى مواضع متعددة مع اختلاف فى طرق الصياغة وعرض الفكرة.
بعض الأوامر والنواهى والإرشادات والنصح مما يقرر حكماً شرعيًّا أو يحث على فضيلة أو ينهى عن رذيلة أو يرغب فى خير أو ينفر من شر.
وتكرار القرآن فى جميع المواضع التى ذكرناها ، والتى لم نذكرها مما يلحظ عليها سمة التكرار. فى هذا كله يباين التكرار القرآنى ما يقع فى غيره من الأساليب لأن التكرار وهو فن قولى معروف. قد لا يسلم الأسلوب معه من القلق والاضطراب فيكون هدفاً للنقد والطعن. لأن التكرار رخصة فى الأسلوب إذا صح هذا التعبير والرخص يجب أن تؤتى فى حذر ويقظة.
* وظيفة التكرار فى القرآن :
مع هذه المزالق كلها جاء التكرار فى القرآن الكريم محكماً. وقد ورد فيه كثيراً فليس فيه موضع قد أخذ عليه دَعْ دعاوى المغالين فإن بينهم وبين القرآن تارات ؛ فهم له أعداء وإذا أحسنا الفهم لكتاب الله فإن التكرار فيه مع سلامته من المآخذ والعيوب يؤدى وظيفتين :
أولاهما : من الناحية الدينية.
ثانيهما : من الناحية الأدبية.
فالناحية الدينية باعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع لا يخلو منها فن من فنونه ، وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية هو تقرير المكرر وتوكيده وإظهار العناية به ليكون فى السلوك أمثل وللاعتقاد أبين.
أما الناحية الأدبية فإن دور التكرار فيها متعدد وإن كان الهدف منه فى جميع مواضعه يؤدى إلى تأكيد المعانى وإبرازها فى معرض الوضوح والبيان. وليكن حديثنا عنه على حسب المنهج الذى أثبتناه فى صدر هذا البحث.
* تكرار الأداة :
ومن أمثلتها قوله تعالى : *ثم إن ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحِيِم* *1*.
*ثم إن ربك للذيِن عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم * *2*.
والظاهر من النظر فى الآيتين تكرار " إنَّ " فيهما. وهذا الظاهر يقتضى الاكتفاء ب " إنَّ " الأولى. ولم يطلب إلا خبرها. وهو فى الموضعين أعنى الخبر " لغفور رحيم " لكن هذا الظاهر خولف وأعيدت " إنَّ " مرة أخرى.ولهذه المخالفة سبب.
وهذا السبب هو طول الفصل بين " إنَّ " الأولى وخبرها. وهذا أمر يُشعِر بتنافيه مع الغرض المسوقة من أجله " إنَّ " وهو التوكيد. لهذا اقتضت البلاغة إعادتها لتلحظ النسبة بين الركنين على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد.
على أن هناك وظيفة أخرى هى : لو أن قارئاً تلا هاتين الآيتين دون أن يكرر فيهما " إنَّ " ثم تلاهما بتكرارها مرة أخرى لظهر له الفرق بين الحالتين : قلق وضعف فى الأولى ، وتناسق وقوة فى الثانية.
ومن أجل هذا الطول كررت فى قول الشاعر *3* :
وإن امرأً طَالَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ *** عَلَى مِثْلِ هَذاَ إنَّهُ لَكَرِيمُ يقول ابن الأثير رائياً هذا الرأى : ".. فإذا وردت " إنَّ " وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام. فإعادة " إنَّ " أحسن فى حكم البلاغة والفصاحة كالذى تقدّم من الآيات " *4*.
* تكرار الكلمة مع أختها :
ومن أمثلتها قوله تعالى : *أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم فى الآخرة هم الأخسرون* *5*.
فقد تكررت " هم " مرتين ، الأولى مبتدأ خبرها : " الأخسرون ". والثانية ضمير فصل جئ به لتأكيد النسبة بين الطرفين وهى : هُمْ الأولى بالأخسرية.
وكذلك قوله تعالى : *أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال فِى أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون* *6*.
تكررت هنا " أولئك " ثلاث مرات. ولم تجد لهذه الكلمة المكررة مع ما جاورها إلا حسناً وروعة. فالأولى والثانية : تسجلان حكماً عامًّا على منكرى البعث : كفرهم بربهم وكون الأغلال فى أعناقهم.
والثالثة : بيان لمصيرهم المهين. ودخولهم النار. ومصاحبتهم لها على وجه الخلود الذى لا يعقبه خروج منها.
ولو أسقطت*أَولئك *من الموضعين الثانى والثالث لرك المعنى واضطرب. فتصبح الواو الداخلة على : *الأغلال فى أعناقهم*. واو حال. وتصبح الواو الداخلة على : *أَصحاب النار هم فيها خالدون* عاطفة عطفاً يرك معه المعنى.
لذلك حسن موضع التكرار فى الآية لما فيه من صحة المعنى وتقويته. وتأكيد النسبة فى المواضع الثلاثة للتسجيل عليهم بسوء المصير.
***
* تكرار الفاصلة :
سبق أن ذكرنا فى مبحث الفواصل بسوء المصير من تكرار الفاصلة مرتين بدءاً وثلاث مرات نهاية. وقد وجهنا أسلوب التكرار فى تلك الصور. ولكنَّا هنا أمام فاصلة لم تقف فى تكرارها عند حد المرات الثلاث. بل تعدت ذلك بكثير. لذلك آثرنا أن نبحثها هنا إذ هى بهذا الموضع أنسب *7*.
ونعتمد فى دراستنا لتكرار الفاصلة على ثلاث سور هى : " الرحمن القمر المرسلات ". وهى السور التى برزت فيها هذه الظاهرة الأسلوبية. بشكل لم يرد فى غيرها ، كما ورد فيها.
فقد تكررت : *فبِأى آلاء ربكما تكذبان * *8* فى " الرحمن ". وتكررت *فكيف كان عذابى ونذر* *9* فى " القمر ". وتكررت : *ويل يومئذ للمكذبين* *10* فى " المرسلات ".
* تكرار الفاصلة فى " القمر " :
ولهذا التكرار فى المواضع الثلاثة أسباب ومقتضيات. ففى سورة القمر " نجد العبارة المكررة وهى : *فكيف كان عذابى ونذر*قد صاحبت فى كل موضع من مواضع تكرارها قصة عجيبة الشأن ، وكان أول موضع ذُكِرت فيه عقب قصة قوم نوح. وبعد أن صوَّر القرآن مظاهر الصراع بينهم وبين نوح عليه السلام ثم انتصار الله لنوح عليهم. حيث سلَّط عليهم الطوفان. فأغرقهم إلا مَن آمن وعصمه الله.
ونجد أن الله نجَّى نوحاً وتابعيه. ولكن تبقى هذه القصة موضع عظة وادكار، ولتلفت إليها الأنظار وللتهويل من شأنها جاء قوله تعالى عقبها : *فكيف كان عذابى ونذر*مُصدَّراً باسم الاستفهام " كيف " للتعجيب مما كان ، ولقد مهَّد لهذا التعجيب بالآية السابقة عليه. وهى قوله تعالى : *ولقد تركناها آية فهل من مدكِر* *11*.
والموضع الثانى لذكرها حين قص علينا القرآن قصة عاد وعتوها عن أمر الله وفى " عاد " هذه نجد العبارة اكتنفت القصة بدءاً ونهاية. قال تعالى : *كذبت عادُ فكيف كان عذابىِ ونذر *ِإنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً فى يومِ نحْسٍ مستمر * تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابى ونذر * *12*.
وتكرار العبارة هكذا فى البداية والنهاية إخراج لها مخرج الاهتمام. مع ملاحظة أن أحداث القصة هنا صُورت فى عبارات قصيرة ولكنها محكمة وافية.. ولم يسلك هذا المسلك فى قصة نوح أعنى قصر العبارات والسبب فيما يبدو لى أن إهلاك قوم نوح كان بالإغراق فى الماء. وهى وسيلة كثيراً ما تكون سبب هلاك. فقد كانت سبب هلاك فرعون وملئه.. أما أن يكون الإهلاك بالريح فذلك أمر يدعو إلى التأمل والتفكر.
ولعل مما يقوى رأينا هذا. أن هذه القصة قصة عاد وردت فى موضع آخر من القرآن يتفق مع هذا الموضوع من حيث الفكرة ، ويختلف معه قليلاً من حيث طريقة العرض وزيادة التفصيل.
جاء فى سورة الحاقة : *وأما عاد فأهلكوا بريح صرصرٍ عاتية* سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسوماً فترى القوم فيها صرعَى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية* *13*.
فإرسال الريح هكذا سبع ليال وثمانية أيام حسوماً مدعاة للعظة والاعتبار.
ومثله : *وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم* *14*. *فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا مَن أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً فى أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون * *15*.
فقد بطرت " عاد " نعم ربها عليها. وغرها ما فيه من أسباب التمكين فى الأرض وقوة البطش أن تبارز ربها ومولى نعمها بالمعاصى ، فأهلكها الله بما لا قبل لها به. وفى كل موضع يذكر القرآن فيه قصة هؤلاء ، تأتى عباراته قوية هادرة واعظة زاجرة..
جاء فى موضع آخر : *ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التى لم يُخلق مثلها فى البلاد * *16*
وكانت عاقبتها خسراً وهلاكاً مع من طغى فى الأرض بغير الحق : *فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد* *17*.
أما الموضع الأخير الذى ذكرت فيه هذه العبارة : *فكيف كان عذابى ونذر *فحين قص الله علينا قصة " ثمود " ، وقد جاءت فيها كذلك مهيئة لتلقى صورة العقاب بعد التشويق إليها عند السامع. ولفت نظره إليها : *فكيف كان عذابى ونذر* إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر* *18*.
ومن هنا ندرك شدة اقتضاء المقام لهذا التكرار. فليست إحدى العبارات فى موضع بمغنية عن أختها فى الموضع الآخر. إنما هو اتساق عجيب تطلبه المقام من الناحيتين : الدينية والأدبية.
من الناحية الدينية حيث تحمل المومنين على التذكر والاعتبار عقب كل قصة من هذه القصص ، ومن الناحية الأدبية لأن العبارة : *فكيف كان عذابى ونذر*تأتى عقب كل قصة أيضاً لافتة أنظار المشاهدين إلى " كنه " النهاية وختام أحداث القصة.
وقد مهد القرآن لهذا التكرار حيث لم يأت إلا بعد خمس عشرة آية تنتهى كلها بفاصلة واحدة تتحد نهاياتها بحرف " الراء " مع التزام تحريك ما قبلها. وذلك هو نهج فواصل السورة كلها. وقد أشاع هذا النسق الشاجى نوعاً من الإحساس القوى بجو الإنذار. والسورة فوق كل هذا مكية النزول والموضوع.
كما أن الطابع القصصى هو السائد فى هذه السورة. فبعد أن صور القرآن الكريم موقف أهل مكة من الدعوة الجديدة. وبَيَّن ضلال مسلكهم. وقد كان الرسول *حريصاً على هدايتهم فى وقت هم فيه أشد ما يكونون إعراضاً عنه. لهذا اقتضى الموقف العام سوق عِبَر الماضين ليكون فى ذلك تسلية للرسول*ومن اتبعه وزجر لمن عارضه وصد عنه.
وما دام هذا هو طابع السورة فإن أسس التربية خاصة تربية الأمم تستدعى تأكيد الحقائق بكل وسيلة ومنها التكرار الذى لمسناه فى سورتنا هذه ؛ حتى لكأنه أصيل فيها وليس بمكرر.
* تكرار آخر فى سورة " القمر " :
وفى هذه السورة " القمر " مظهر آخر من مظاهر التكرار ، هو قوله تعالى : *ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر* *19*. حيث ورد فى السورة أربع مرات ، وهذه دعوة صالحة للتأمل فيما يسوقه الله من قصص.
وقد اشتملت هذه الآية : *ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر *على خبر واستفهام ، والخبر تمهيد للاستفهام الذى فيها ولفت النظر إليه.
***
* التكرار فى سورة " الرحمن " :
أما التكرار الوارد فى " الرحمن " فى قوله تعالى : *فبأى آلاء ربكما تكذبان*حيث تكررت الآية فيها إحدى وثلاثين مرة فله أسبابه كذلك. ويمكن أن نسجل هذه الملاحظات :
أولاً : إن هذا التكرار الوارد فى سورة " الرحمن " هو أكثر صور التكرار الوارد فى القرآن على الإطلاق.
ثانياً : إنه أى التكرار فى هذا الموضع قد مُهِّدَ له تمهيداً رائعاً.حيث جاء بعد اثنتى عشرة آية متحدة الفواصل. وقد تكررت فى هذا التمهيد كلمة " الميزان " ثلاث مرات متتابعة دونما نبو أو ملل :
*والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا فى الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان * *20*.
وهذا التمهيد قد أشاع كذلك لحناً صوتيًّا عذباً كان بمثابة مقدمة طبيعية لتلائم صور التكرار ولتألفها النفس وتأنس بها فلا تهجم عليها هجوماً ؛ لأن القرآن قد راعى فى فواصل المقدمة التمهيدية ما انبنت عليه فواصل الآية المكررة.
ثالثاً : إن الطابع الغالب على هذه السورة هو طابع تعداد النعم على الثَقَلين : الإنس والجن ، وبعد كل نعمة أو نِعَم يعددها الله تأتى هذه العبارة : *فبأى آلاء ربكما تكذبان*.
وعلى هذا الأساس يمكن بيسر فهم عِلّة التكرار الذى حفلت به سورة الرحمن أنه تذكير وتقرير لنعمه. وأنها من الظهور بمكان فلا يمكن إنكارها أو التكذيب بها.
" فتكرار الفاصلة فى الرحمن.. يفيد تعداد النِّعَم والفصل بين كل نعمة وأخرى لأن الله سبحانه عدَّد فى السورة نعماءه وذكَّرعباده بآلائه. ونبههم على قدرها وقدرته عليها ولطفه فيها. وجعلها فاصلة بين كل نعمة لتعرف موضع ما أسداه إليهم منها. ثم فيها إلى ذلك معنى التبكيت والتقريع والتوبيخ ؛ لأن تعداد النِعَم والآلاء من الرحمن تبكيت لمن أنكرها كما يبكت منكر أيادى المنعَم عليه من الناس بتعديدها" *21*. ولقائل أن يسأل : إن هذه الفاصلة قد تكررت بعدما هو ليس بنعمة من وعيد وتهديد. فكيف يستقيم التوجيه إذن بعد هذه الآيات ؟
*يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأى آلاء ربكما تكذبان* *22*.
*يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصى والأقدام * فبأى آلاء ربكما تكذبان* *23*.
*هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون * يطوفون بينها وبين حميم آن * فبأى آلاء ربكما تكذبان* *24*.
وظاهر هذه الآيات بلاء وانتقام وليس بنعم.
والجواب : ولكن المتأمل يدرك أن فى الإنذار والوعيد وبيان مآل الضالين عصمة للإنسان من الوقوع فيما وقعوا فيه فيكون مصيره مصيرهم.
ومن هذا الاعتبار يتبين أن هذه المواضع مندرجة تحت النعم ، لأن النعمة نوعان : إيصال الخير. ودفع الشر. والسورة اشتملت على كلا النوعين فلذلك كررت الفاصلة.
* التكرار فى سورة " المرسلات " :
بقى التكرار الوارد فى سورة " المرسلات". وقد صنع ما صنع فى نظيريه فى " القمر " و " الرحمن " من التقديم له بتمهيد.. وله مثلهما هدف عام اقتضاه.
بيد أن التمهيد يختلف عما سبق فى " القمر و " الرحمن ". فقد رأينا فيهما اتحاد الفاصلة فى الحروف الأخيرة مع التزام نهج معين فيما قبله. أما هنا فإن الأمر يختلف. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1*النحل : 110.
*2* النحل : 119.
*3* ديوان الحماسة : 2/105 ولم ينسب لقائل معين.
*4* المثل السائر *ج3 ص7* تحقيق د/ بدوى طبانة ود/ الحوفى.
*5* النمل : 5.
*6* الرعد : 5.
*7* انظر كتابنا : خصائص التعبير فى القرآن الكريم وسماته البلاغية *مبحث الفواصل* مكتبة وهبة بالقاهرة
*8* وردت 31 مرة.
*9* وردت 4 مرات.
*10* وردت 10 مرات
*11* القمر : 15.
*12* القمر : 18 21.
*13* الحاقة : 6 8.
*14* الذاريات : 41 42.
*15* فصلت : 15 16.
*16* الفجر : 6 8.
*17* الفجر 13 14. *18* القمر : 30 31.
*19* القمر : 17 ، 22 ،32 ، 40.
*20* الرحمن : 7-9.
*21* خزانة الأدب للحموى : ص 144-145.
*22* الرحمن : 35 - 36.
*23* الرحمن : 41-42.
*24* الرحمن : 43-45.
اعترضَ على تكرارِ قولِه تعالى : *فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ* في سورة الرحمن ، حيث ذُكرت الآيةُ إِحدى وثلاثين مرةً.
وهذا ليسَ تِكراراً في الحقيقة ، وإِنما هو " تَنْويعٌ " في العرض ، وفَرْق بين التكرارِ والتنويع ، فالتكرارُ هو إِعادَةُ الآيةِ أَو القصةِ أَو الموضوعِ مرةً أُخرى ، بدونِ إِضافةٍ معلومةٍ أَو جملةٍ أَو كلمة ، وبدونِ هدفٍ وغَرَضٍ جَديد.
وهذا التكرارُ عيبٌ في التأليف ، وضعفٌ في الأُسلوب ، ودليلٌ على الخلل ، والتدنّي في البلاغةِ والفصاحة ، يُنَزِّهُ الكاتبُ البليغُ كلامَه عنه.
ولذلك نقول : لا تكرارَ في القرآن.
إِنّ الذي في القرآنِ هو التنويع ، وذلك بأَنْ يُضيفَ القرآنُ الجديدَ في كُلِّ مَرَّةٍ يُعيدُ فيها ذِكْرَ القصةِ أَو الآيةِ أَو الجملةِ أَو الكلمة ، إِما معلومةٌ جديدة ، وإِما كلمةٌ جديدة ، وإِمّا لهدفٍ جَديد ، وإِمّا للتناسبِ مع سياق جديد..
وهذا ليسَ تكراراً كما زَعَمَ الفادي الجاهل ، وإِنما هو تَنويع.
إِنَّ قولَه تعالى : *فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ* قد ذُكِرَ في سورةِ الرحمن إحدى وثلاثين مرةً ، ولكنَّ هذه الآيةَ كانت تُذْكَرُ في كُل مرةٍ لهدفٍ جديد ، وكانت متناسبةً مع الآياتِ التي سَبَتَتْها ، وخاتمةً مناسبةً لها ، لأَنَّ سورةَ
الرحمن كُلَّها معرضٌ لآلاءِ اللّهِ وبعَمِه ، وكانت كُلَّما تَذكُرُ بعضَ نِعَمِ اللّه أَو أَفعالِه أَو الأَدلةِ على وحدانيتِه وعظمتِه تَختمُ ذلك بالآية : *فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ* على اعتبار أَنَّ الموضوعَ الذي تتحدَّثُ عنه هو بعضُ آلاءِ اللّه..
فهي أَشبهُ ما تكونُ بلازمةٍ شعرية ، كتلكَ اللّوازمِ الشعريةِ التي كانَت تُخْتَمُ بها رباعياتُ بعضِ القصائدِ الشعريةِ الموزونة.
ولْنأخذْ على ذلك مثالاً من السورة : ذُكِرَت : *فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ*
في آية *18* لغيرِ الهدفِ الذي ذُكِرَتْ لأَجْلِه في آية *16*.
إِنها في الآيةِ السادسة عشرة مرتبطةٌ مع الآياتِ التي قبلَها ، والتي تتحدثُ عن خلقِ الإِنسِ والجن ، قال تعالى : *خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ *14* وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ *15* فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *16*.
فهي تَذكيرٌ بنعمةِ خَلْقِ الإِنسِ والجِنَ.
أَما في الآيةِ الثامنة عشرة فإِنها مسبوقة بقولِه تعالى : *رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ *17* ، فهي بهدفِ التذكيرِ بمُلْكِ اللّهِ لكلِّ ما في الكون ، ومنه مُلْكُه للمشرقَيْن وللمغربَيْن.
وهي في الآية *21* خاتمة لموضوع جَديد ، وردَ في قولِه تعالى : *مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ *19* بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ *20* فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *21*.
وهو التذكيرُ بنِعَمِ اللّهِ وقدرتِه وعظمتِه ، في خلقِ الماءِ العذبِ والماءِ المالح.
وهكذا في باقي مَرّاتِ وُرودِها ، فليسَ الأَمْرُ تَكراراً مُخِلّاً ، كما زعَمَ الفادي الجاهل ، وإِنما هو تَنويعٌ وإضافة.
وانتقدَ الجاهلُ وُرودَ بَعْضِ قَصصِ القرآنِ في أَكثرَ من سورة ، واعْتَبَرَ ذلك من التَّكرارِ المعنوي ، قال : " وفي القرآنِ الكثيرُ من التكرارِ اللفظي ، كما في سورةِ الرحمن ، والتكرارِ المعنوي كما في قَصص الأَنبياء ، فَضْلاً عما فيها من سَجْعٍ مُتَكَلَّفٍ ".
وذَكَرَ بعضَ القَصصِ التي اعْتَبَرَها مُكَررَة ، والسورِ المذكورةِ فيها كُلُّ قِصَّة ، وهي : " قصة آدم ، وقصة نوح ، وقصة إبراهيم ، وقصة لوط ، وقصة موسى ، وقصة سليمان ، وقصة يونس - الذي سماه يونان ، وقصة
عيسى - صلى الله عليهم وسلم -.
وكلامُ الجاهلِ باطل ، وانتقادُه مردودٌ عليه ، فهو يعيبُ ما لا عيبَ فيه ، وهو يُخَطِّئُ الصَّوابَ ، ويَنتقدُ الصحيح ، وإِنَ ذِكْرَ القصةِ القرآنيةِ في أَكثرَ من سورةٍ ليسَ من بابِ التكرارِ المُمِلّ والمُخِلِّ ، وإِنما هو من بابِ التنويعِ
الهادف ، والإِضافةِ الحكيمة ، والتناسقِ المعجز.
وعندما نتدبَّرُ المواضعَ المختلفةَ التي وَرَدَتْ فيها القصةُ القرآنية ، فسنجدُ أَنَّ اللقطاتِ المعروضةَ من القصةِ متناسبة ومتناسقة ومترابطةٌ مع موضوعِ السورة ، ومعَ السياقِ الذي وردَتْ فيه ، ومتصلةٌ بما قبلَها وما بعدَها ، وتَلْتقي مع السياقِ في تحقيق أَهدافِه العلميةِ والإِخباريةِ والتربوية ...
وفي كُلّ مرةٍ جديدةٍ تُعرضُ فيها بعضُ لقطاتِ القصةِ تكونُ فيها معلومةٌ جديدة ، أَو فيها جزئيةٌ جَديدة ، تضافُ للمعلومةِ المذكورةِ سابقاً.
ولا يَتسعُ المجالُ لتفصيلِ القولِ في هذا الموضوع ، ولا لعرضِ الأَمثلةِ التطبيقيةِ من القصصِ القرآني ، فإِنَّ الكلامَ في هذا يَطول!.
إِنَّ من الخطأ الكبيرِ أَنْ نَقولَ : تَكَرَّرَ ذِكْرُ قصةِ آدم - مَثَلاً - في سور :
البقرة ، والأَعراف ، والحجر ، وطه ، وصَ.
والواجِبُ أَنْ نقول : ما هو الجزءُ من القصةِ المعروضُ في سورةِ البقرة ، وما الذي أَضافَتْهُ سورةُ الأَعرافِ على سورة البقرة ، وما الذي ذَكَرَتْه سورةُ طه أَو الحِجْر أَو *ص* ، وما وَجْهُ الاتصالِ والارتباطِ بين المعروضِ في سورةِ الأَعراف - أَو أَيّةِ سورةٍ أُخرى - وبينَ موضوع السورة ، والسياقِ الذي ورد فيه..
إِنَّ هذا التنويعَ الهادفَ الحكيمَ وَجْهٌ من وجوهِ الإِعجازِ القرآني ، ومزيةٌ من مزايا القرآنِ العظيمة ، وليس مَأخَذاً على القرآن.
***
هل في القرآن من كلام الآخرين ؟
خَصَّصَ الفادي المفترِي الجاهلُ هذا المبحثَ من كتابه لاتِّهامِ القرآنِ بأَنَّه من تأليفِ محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنه نَقَلَه عن كلامِ الآخرين ، من العربِ واليهودِ والنَّصارى والفرسِ وغيرهم ، فهو أَساطيرُ الأَوَّلين اكْتَتَبها.
ولْننظرْ في اتِّهاماتِه التي أَوردَها تحتَ عنوانِ " الكلام المنقول " ، لنرى سَخافَتَها وتَفاهَتَها ، وجَهْلَ مَنْ أَطْلَقوها.
سَجَّل في بدايةِ اتهاماتِه قولَه تعالى : *وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا *5* قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا *6*.
ثم علق على الآيتَيْن تَعْليقاً فاجِراً قبيحاً ، قال : "تدلُّ هذه الآية ُ على أَنَّ محمداً قال : إِنَّ القرآنَ نَزَلَ عليه وَحْياً مِن الله ...
ولكنَّ مُعاصريه لم يَجِدوا في ما جاءَ به شيئاً جَديداً ، فقالوا : إِنَّه جاءَ بأساطيرِ الأَولين ، التي كانَ يَسمعُها ، وكَتَبَها قرآناً.
فهي ليستْ وَحْياً!
لقد اقتبسَ محمدٌ أَشعارَ امرئ القيس ، وأَقوالَ عمرَ بن الخطاب ، وكُتُبَ جُهّالِ اليهودِ والمسيحيين ، وكُتُبَ الفرسِ ، وكُتُبَ الحنفاءِ ، وغيرهم ... ".
هكذا بجملةٍ فاجرةٍ يُلْغي هذا الفاجرُ الوحيَ والنبوةَ والرسالة ، ويَعتمدُ اتهاماتِ الكفرةِ الفجرةِ السابقين ، التي ذَكَرَها القرآن ، ثم نَقَضَها وَرَدَّها ، لكنه لكُفْرِه وفُجورهِ لا يَقْبَلُ رَدَّ القرآنِ عليها.
قالَ الكفارُ عن آياتِ القرآن : هيَ أَساطيرُ الأَوَّلين ، وقَصصُ السابقين وأَخبارُهم ، طلبَ محمدٌ من الكُتّابِ أَنْ يكْتُبوها له ، فَفَعَلوا وقَدَّموها له ، وصارَتْ تُملى عليه في الصباحِ والمساء ، فأَخَذَها منهم ، وزعَمَ أَنها جاءَتْه
وحياً من عندِ اللّه ، وليس في المسألةِ وَحْيٌ ولا نبوَّة!!.
وَرَدَّ اللّهُ على هذا الاتهامِ بتقريرِ حقيقةِ الوحي ، وتَأكيدِ أَنَّ القرآنَ كَلامُ اللّه - عز وجل - *قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ*.
واللّهُ يَعلمُ السِّرَّ ويَعلمُ الجهر ، لكنه ذَكَرَ هنا السِّرَّ دونَ الجهر ، لأَنَّ إِنزالَ القرآنِ عن طريقِ جبريل - عليه السلام - ، كان بطريقةٍ غيبيةٍ خفيَّةٍ سِرِّيَّة.
والفادي الحاقدُ أَغفلَ عامداً كلامَ اللّهِ الذي رَدَّ على اتِّهامِ الكفار ، وأَبْقى كلامَهم مُعْتَمِداً له.
ومن أَكاذيبهِ الصارخةِ المتهافتةِ قولُه عن الكفار : " ولكنَّ مُعاصِريه لم يَجِدوا في ما جاءَ به شَيْئاً جديداً ".
أَيْ أَنَّ القرآنَ تكرارٌ لما قالَه السابقون ، وتَرديدٌ لكلامِهم ، وليس فيه أَيُّ شيء جديد! علماً أَنَّ القرآنَ لم يتأَثَّرْ بما كانَ حولَه من معارفَ وثقافاتٍ وخرافات ، وكُلُّ ما أَتى به فهو جَديد ، لم يُسْبَقْ إِليه.
أولاً : ماذا أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من امرئ القيس ؟ :
زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ بعضَ كلامِ الشاعرِ الجاهليِّ المشهورِ " امرئِ القَيْس " ، وسَجَّلَه في القرآن ، ونَسَبَه إِلى اللّه ، وادَّعى أَنَّ اللّهَ أَنزلَه عليه! وقَدَّمَ الغبيُّ دليلاً على دعْواه وزعْمِه أَبياتٍ ركيكة ، ادَّعى أَنها لامرئ القيس ، مع أَنها ليستْ له ، وإِنما هي في غايةِ الضعفِ والركاكة ، وشعْرُ امرئ القيس في غايةِ الفصاحةِ والبلاغة.
ولْنقرأْ هذا الشعرَ الركيكَ ، الذي صاغَه شاعِرٌ متأَخِّر ، ونَسَبَه الفادي
الجاهلُ إِلى امرئ القيس :
دَنَت السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرْ ... عَنْ غَزالٍ صادَ قَلْبي ونَفَرْ
أَحْوَرٌ قَدْ حِرْتُ في أَوْصافِهِ ... ناعِسُ الطَّرْفِ بِعَيْنَيْهِ حَوَرْ
مَرَّ يَوْمَ العيدِ بي في زينةٍ ... فَرَماني فَتَعاطى فَعَقَرْ
بِسِهامٍ مِنْ لِحاظٍ فاتِكٍ ... فَرَّ عَنّي كَهَشيمِ المُحْتَظِرْ
وَإِذا ما غابَ عَنِّي ساعَةً ... كانَت السَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرّ
كَتَبَ الحُسْنُ على وَجْنَتِهِ ... بِرَحيقِ المِسْكِ سَطْراً مُخْتَصَرْ
عادَةُ الأَقْمارِ تَسْري في الدُّجى ... فَرَأَيْتُ اللَّيْلَ يَسْري بالقَمَرْ
بالضُّحى وَاللَّيْلِ مِنْ طُرَّتِهِ ... فَرْقُهُ ذا النَّورِكَمْ شَيءٌ زَهَرْ
قُلْتُ إِذْ شَقَّ العِذارُ خَدَّهُ ... دَنَت السّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرْ
ليسَ مُحمدٌ - صلى الله عليه وسلم - الذي أَخَذَ بعضَ جُمَلِ هذه القصيدة ، وَوَضَعَها في القرآن ، كما ادَّعى الفادي الجاهل ، وإِنما الشَاعِرُ الضعيفُ الركيكُ المتأَخِّر - الذي لم أَعرف اسْمَه - هو الذي حاكى القرآنَ كَلامَ اللّه ، واقْتَبسَ من القرآنِ بعضَ جُمَلِه ، زَيَّنَ بها قَصيدَتَه.
وديوانُ الشاعرِ الجاهليِّ البليغِ امرئ القيسِ مَطْبوعٌ مُتَداوَل ، ونَتَحَدّى الفادي الجاهلَ أَو أَيَّ واحدٍ من أَهْلِ مِلَّتِه أَنْ يُرينا هذه القصيدةَ الركيكةَ في ديوانِ امرئِ القيس! فافتراءُ الفادي المفترِي لا يَثْبُتُ أَمامَ البحثِ العلمي.
أَخَذَ الشاعرُ المتأخِّرُ من سورةِ القمرِ قولَه تعالى : *اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* فافتتَحَ بها قصيدَتَه ، كما خَتَمَها بها في الشطرِ الثاني من بيتِه الأَخير ، مع بعضِ التحوير.
حيثُ قال : دَنت الساعةُ وانشقَّ القمر.
كما أَخَذَ من السورة قولَه تعالى : *فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ* ، ووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الثالث : فرماني فتعاطى فعقر.
وأَخَذَ من السورةِ قوله تعالى : *إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ* ، ووَضَعه في الشطرِ الثاني من البيتِ الرابع : فَرَّ عَنّي كهشيمِ المحتَظِر.
وأَخَذَ من السورةِ قولَه تعالى : *بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ* ، ووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الخامس : كانت الساعةُ أَدهى وأَمَرّ.
وأخذ من سورة الضحى قوله تعالى : وَالضُّحَى *1* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى *2*. ووضعه في الشطر الأول من البيت الثامن : بالضحى والليل من طُرَّتِه..
وذَكَرَ الفادي المفترِي بَيْتَيْنِ آخَرَيْن ، لا يَختلفانِ عن الأَبياتِ السابقةِ في الركاكةِ والضَّعف ، والغَزَلِ الساقط ، نَسَبَهما لامرئ القيس أَيْضاً ، وزَعَمَ أَنَ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ منهما كلاماً في القرآن.
وهما : أَقْبَلَ وَالعُشّاق مِنْ حَوْلِهِ ... كأَنَّهم من كلِّ حَدْبِ يَنْسِلونْ
وَجاءَ يَوْمَ العيدِ في زينَتِه ... لِمِثْلِ ذا فَلْيَعْمَلَِ العامِلونْ
وما قلناهُ عن الأَبياتِ السابقةِ نقولُه هنا ، ويَبدو أَنهما لنفسِ ناظمِ الأَبياتِ السابقة ، حاكى القرآنَ ، وأَخَذَ منه بعضَ كلامِه ، وَوَظَّفَهُ بوَقاحَةٍ للغزل بعشيقِه والثناءِ عليه.
أَخَذَ من سورةِ الأَنبياءِ قولَه تعالى : *حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ *96*.
ووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الأَول : كأَنهم من كلِّ حَدَبٍ ينسلون.
وأَخَذَ من سورةِ الصافاتِ قولَه تعالى : *لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ *61*..
وَوَضَعَه في الشطرِ الثاني من بيته الثاني.
ثانياً : ماذا أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كللام عمر بن الخطاب ؟ :
زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ كَلاماً لعمرَ وَوَضَعَهُ في القرآن ، وهو المسَمّى بموافقاتِ عُمَر.
والموافقاتُ التي ذَكَرَها صاغَها بأُسلوبه ، وَوَظَّفَها دَليلاً لاتهاماتِه.
أ - موافَقَة عمر في عداوة الله عدوَّ جبريل :
قالَ عن هذه الموافقة : كانَ لعمرَ بن الخطاب أَرضٌ بأَعلى المدينة ، وكان مَمَرُّهُ على مِدْراسِ اليهود ، فكانَ يَجلسُ إِليهم ، ويَسمعُ كَلامَهم..
فقالوا يوماً : ما في أَصحابِ محمدٍ أَحَبُّ إِلينا منك ، وإِنا لنطمعُ فيك! فقالَ عُمَر : واللّهِ ما آتيكم لحُبِّكم ، ولا أَسأَلُكم لأَني شاكٌّ في ديني ، وإِنما أَدخلُ إِليكم لأَزدادَ بصيرةً في أَمْرِ محمدٍ.
فقالوا : مَنْ صاحبُ محمدٍ الذي يأْتيه من الملائكة ؟
قال : جبريل.
قالوا : ذلكَ عَدُوُّنا.
فقال عمر : مَنْ كانَ عدوّاً للّهِ وملائكتِه ورسلِه وجبريلَ وميكالَ فإِنَّ اللّهَ عَدُوُّه.
فلما سمعَ محمدٌ بذلك قال : هكذا أُنزلَتْ ، وأَوردَها في قرآنِه في سورةِ البقرة.
وقالَ محمد لعمر : لقد وافَقَكَ رَبُّك يا عمر.
وعَلَّقَ على ما أَوردَه بقوله : " ونحنُ نسأل : أَليسَ الأَصحُّ أَنْ يقولَ محمد : إِنَّ عُمَرَ وافقَ رَبَّه ، لا العكس ؟
والأَغربُ من هذا أَنَّ محمداً يَنتحلُ أَقوالَ عمر ، ويقولُ : إِنها هكذا نَزَلَتْ! وفي هذه الحالة : هل يُعْتَبَرُ عمرُ نبيّاً يوحى إِليه ؟
أَمْ أَنَّ محمداً انتحلَ أَقوالَ غيره ، وقال : إِنها وَحْي ؟ ".
وهذه الروايةُ في سببِ نزولِ قولِه تعالى : *مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ *98*.
التي اعتَمَدَها الفادي المفترِي لأَنها توافقُ هواه ، رواية ضعيفة ، مذكورة في بعضِ التفاسير عن الشعبيّ عن عمرَ بن الخطاب ، ومذكورةٌ بأسانيدَ أُخرى عن قتادةَ عن عُمَر ، وحكمَ عليها بالضعفِ الإِمامُ الحافظُ ابنُ كثير.
قالَ ابنُ كثير عن روايةِ الشعبيِّ بعد أَنْ أَوْرَدَها بإِسنادَيْن : " وهذانِ الإِسنادان يَدُلّانِ على أَنَّ الشعبيَّ حَدَّثَ به عن عمر ، ولكن فيه انْقطاعٌ بينَه وبينَ عمر ، فإِنَّه لم يُدْرِكْ زَمانَه ، واللّهُ أَعلم ".
وقال عن إسنادِ روايةِ قتادة : " وهو أَيضاً منقطع ".
وإِذا كانت هذه الروايةُ منقطعةَ الإِسنادِ ، فهي ضعيفةٌ مردودةٌ لم تَصح ، وبما أَنها مردودة ، فإِنَّ تَساؤُلاتِ الفادي المفترِي عليها داحِضةٌ زائفة ، وهو مُجرمٌ مفترٍ ، متحامِلٌ خَبيث ، عندما قال : " والأَغْرَبُ من هذا أَنَّ محمداً يَنتحلُ أَقوالَ عُمَر ويقول : هكذا أُنزلَتْ!!.
والروايةُ الصحيحةُ في سببِ نُزولِ قولِه تعالى : *قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *97* مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ *98*.
تُصَرِّحُ بأَنَّ الحادثةَ جَرَتْ بينَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبين اليهود.
روى أَحمدُ والطبرانيُّ والبيهقيُّ عن ابنِ عباس - رضي الله عنهما - قال : حَضَرَتْ عصابة من اليهودِ نبيَّ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْماً ، فقالوا : يا أَبا القاسم! حَدّثْنا عن خِلالٍ نسأَلُكَ عنهنّ ، لا يعلمهنَّ إِلّا نبيّ.
قال : سَلُوني عما شِئْتُم.
ولكن اجْعَلوا لي ذِمَّةَ اللّه ، وما أَخَذَ يعقوبُ - عليه السلام - على بَنيه ، لئنْ حَدَّثْتُكُم شيئاً فعرفْتُموه ، لَتُتابِعُنّي على الإِسلام!.
قالوا : فذلكَ لك.
قال : فَسَلوني عما شئْتُم.
فسأَلوهُ أَربعةَ أَسئلة ، وأَجابَهم عليها ، ووَافَقوهُ على الجَواب ، وشَهِدوا أَنه جَوابٌ صَحيح.
ولكنَهم تَهَرَّبوا من تنفيذِ ما وَعَدوهُ به - كعادتهم - وأَثاروا مشكلةً جديدة ، فقالوا له : حَدِّثْنا مَنْ وَليُّك من الملائكة ؟
فعندَها نُجامِعُك أَو نُفارِقُك!.
قال : فإِنَّ وَلِيِّي جبريلُ ، ولم يَبعث اللّهُ نبيّاً قَطّ إِلّا وهو وَلِيُّه.
قالوا : فعندَها نُفارقُك ، لو كان وَلِيُّكَ سِواهُ من الملائكة لتابَعْناك وصَدَّقْناك.
قال : فما يمنَعُكُم من أَنْ تُصَدقوه ؟.
قالوا : إِنّه عَدُوُّنا!!.
فأَنزلَ اللّهُ قولَه تعالى : *قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ*.
ب - ثلاث موافقات لعمر :
ذَكَرَ الفادي المجرمُ حديثَ البخاريِّ في موافقاتٍ ثَلاثٍ لعُمَرَ - رضي الله عنه - ، لكنه عَلَّقَ عليها تَعليقاً خَبيثاً ، حيثُ وَظَّفَها دَليلاً على أَنَّ القرآنَ من كلامِ البشر.
قال : " روى البخاريُّ وغيرُه عن عمرَ أَنه قال : وافَقْتُ رَبّي في ثلاث :
قُلْتُ : يا رسول اللّه! لو اتخذْتَ من مَقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى.
فأَخَذَها من لسانِه ، وأَوردَها في قرآنه ، بأَنْ قال : *وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى*.
وقلتُ : يا رسول اللّه إِنَّ نساءَكَ يدخلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجر ، فلو أَمرتَهنَّ أَنْ يحتجِبْن.
فأَخَذَها محمدٌ من لسانِ عمر ، وأَوردَها في آية *53* من سورة الأحزاب.
واجتمعَ على محمدٍ نساؤُه في الغيرة ، فقالَ عمرُ لهنَّ : عسى ربُّه إِنْ طلقكُنَّ أَنْ يُبدِلَه أَزواجاً خيراً منكن.
فأَخَذَها محمد بنَصها ، وأَوردَها في سورةِ ْالتحريم.
فهل يؤخَذُ كَلامُ اللّهِ من أَفواهِ الناس ؟ ".
إِنَّ الفادي الخبِيثَ غيرُ أَمينٍ على الكلامِ الذي يَنقلُه ، وهو يُغَيِّرُ ويُبَدّلُ فيه على هَواهُ ، ويَتَلاعَبُ بأَلفاظِه ، ويَزيدُ ويُنْقِصُ منها ، ويُضيفُ لها ما يُريد.
روى البخاريُّ ومسلم وغيرهما عن أَنَسِ بنِ مالك ل به قال : قال عُمَرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه - : وافَقْتُ ربي في ثلاث ؟
فقلْتُ : يا رسول اللّه! لو اتَّخَذْنا من مقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى.
فنزلَت الآية : *وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى*.
وقلتُ : يا رسولَ اللّه! لو أَمرتَ نساءَك أَنْ يَحتجِبْن ، فإِنه يُكَلِّمُهنَّ البَرّ والفاجر ، فنزلَتْ آيةُ الحجاب : *وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ..*.
واجتمعَ نساءُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الغيرة عليه ، فقلْتُ لهنَّ : عسى ربُّه إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبدِلَه أَزواجاً خيراً منكنّ.
فنزلَت الآية : *عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ... *.
موافقاتُ عمرَ - رضي الله عنه - ليستْ كما نَظَرَ إِليها هذا الفادي المجرمُ الخَبيث ، وإِنما هي من " أَسباب النزول " ، وأَسبابُ النزولِ علْمٌ ضروريٌّ من علوم القرآن ، لا بُدَّ لكلِّ ناظرٍ في القرآنِ منْ أَنْ يتعلَّمَه ويَفْهَمه ، فهناك بعضُ آياتِ القرآنِ نزلَتْ بعد حادثةٍ أَو مشكلةٍ وقعَتْ بين الصحابة.
وهذا من حيويةِ القرآنِ وأَثَره في المسلمين ، وحَلِّه لمشكلاتِهم ، وهذه مزيةٌ له ، وليستْ مَطْعَناً يوجَّهُ له.
وأَشارَ إِليها قولُه تعالى : *وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا *106*.
وموافقاتُ عمرَ - رضي الله عنه - دَليلٌ على فطنتِه وذكائِه ، وعلى حُسْنِ تَفكيرِه ونَظَرِه ، وعلى حُضورِ ذِهْنِه واهتمامِه بأَحوالِ المسلمين ، فهو يُفكرُ ويَنظرُ ويَجتهدُ ، ويَقترحُ ويَنصحُ ويُشير ، وشاءَ اللّهُ الحكيمُ أَنْ يُنزلَ الآياتِ الثلاث - الصلاةِ في مقامِ إِبراهيم ، وأَمْرِ نساءِ النبيِّ بالحجاب ، وتهديدِهنَّ إِنْ لم يتوقَّفْن عن الغيرة - بعدَ ثلاثةِ اقتراحاتٍ لعمر ، وبذلك ويكونُ التفاعلُ والتأَثُّرُ بالآياتِ أكثر ، ويكونُ ثناءً على عمرَ العبقريِّ - رضي الله عنه -..
واللّهُ حكيم في ما كانَ يُنْزِلُه من آياتِ القرآن ، يَختارُ بحكمتِه سبحانه الوقْتَ المناسب لإِنزالِ الآية أَو الآيات ، ويَجعلُ ذلك الإِنزالَ مُتوافِقاً مع حالةِ المسلمين ، أَوْ حَلّاً لمشكلة ، أَو علاجاً لحادِثَة.
ولكنَّ الجاهلَ المفتريَ يَجعلُ مزيةَ القرآنِ مَطْعناً فيه ، ويَعتبرُ مَنْقَبَتَه دَليلاً على اتِّهامه ، والسببُ هو تَحامُلُه وحِقْدُه وسَفَهُه وعُدوانيتُه!!.
ثالثاً : ماذا أخذ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من كتب اليهود ؟
وَضعَ الفادي المفترِي عنواناً مثيراً : " ما أَخَذَهُ من كُتُبِ جُهّالِ اليهود " ،
وقالَ تحتَ هذا العنوان : " هاكُم جَدْولاً بالموضوعاتِ التي انتحلَها محمد ،
ومكانُها في المؤلفاتِ اليهوديةِ التي أَخَذ عنها " *1*.
والموضوعاتُ التي ذكرها أَحَدَ عَشَرَ موضوعاً ، وكان يذكُرُ موضِعَ كُلِّ موضوعٍ في القرآن ، وموضعَه في كتبِ اليهود.
والموضوعاتُ التي ذَكَرَها هي :
1 - تَعَلُّمُ " قايين " من الغرابِ كيفيةَ دَفْنِ أَخيه.
وهو ابنُ آدمَ الكافر ، الذي سَمّاهُ اليهودُ والنصارى " قايين " ، وسَمّاهُ بعضُ المسلمين " قابيل ".
علماً أَنَّ اسْمَه لم يُذْكَرْ في القرآن.
وقد ذُكرتْ قصةُ ابْنَي آدم في سورة المائدة : 30 - 35 ،.
وادعى الفادي أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - أخذ هذا الموضوع من الكتاب اليهودي " فرقى ربي أليعزر ، فصل : 21 ".
2 - طرحُ نمرودَ لإِبراهيمَ في النار ، وعدمُ مقدرةِ النارِ على إِحراقه.
وقد ذكر هذا في السور التالية : الأنبياء 57 - 75 ،.
والصافات : 91 - 98 ،.
وادعى الفادي الجاهلُ أَنَّ قصةَ إِلقاءِ إِبراهيمَ في النارِ وَرَدَتْ في تسعِ سُوَر ، هي : البقرة : 260.
والأنعام : 74 - 84.
والأنبياء : 52 - 72.
والشعراء : 69 - 79.
والعنكبوت : 15 - 16.
والصا فات : 81 - 85.
والزخرف : 25 - 27.
والممتحنة : 4.
وهذا دليلُ جهْلِه بالعلمِ والبحثِ وبالقرآن ، لأَنَّ الكلامَ ليس عن قصة إِبراهيمَ - عليه السلام - ، ومواجهتِه لقومِه ، وإِنما الكلامُ عن محاكمتِه بعد تحطيمِه الأَصنامَ ، وحُكْمِهم عليه بالإِحراقِ بالنّار ، وهذا لم يَرِدْ إِلّا في سورةِ الأَنبياء وسورةِ الصافات.
ولَسْنَا مع الإِخبارِيّين الذين جَعَلوا اسْمَ الملِكِ زمنَ إِبراهيم - عليه السلام - : " نمرود ".
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
11- الكلام المنقول عن غيره دعوى أن القرآن مقتبس من التوراة
الشبهة التى تمسكوا بها وُرُودُ مواضع بينها تشابه فى كل من التوراة والقرآن الكريم. ومن أبرزها الجانب القصصى. وبعض المواضع التشريعية تمسكوا بها ، وقالوا : إن القرآن مقتبس من التوراة ، وبعضهم يضيف إلى هذا أن القرآن اقتبس مواضع أخرى من " الأناجيل ".
* الرد على هذه الشبهة :
كيف يتحقق الاقتباس عموماً ؟
الاقتباس عملية فكرية لها ثلاثة أركان :
الأول : الشخص المُقتَبَس منه.
الثانى : الشخص المُقتَبِس *اسم فاعل*.
الثالث : المادة المُقتَبَسَة نفسها *اسم مفعول*.
والشخص المقُتَبَس منه سابق إلى الفكرة ، التى هى موضوع الاقتباس ، أما المادة المقُتَبَسَة فلها طريقتان عند الشخص المُقِتَبس ، إحداهما : أن يأخذ المقتبس الفكرة بلفظها ومعناها كلها أو بعضها. والثانية : أن يأخذها بمعناها كلها أو بعضها كذلك ويعبر عنها بكلام من عنده.
والمقتبس فى عملية الاقتباس أسير المقتبس منه قطعاً ودائر فى فلكه ؛ إذ لا طريق له إلى معرفة ما اقتبس إلا ما ذكره المقتبس منه. فهو أصل ، والمقتبس فرع لا محالة.
وعلى هذا فإن المقتبس لابد له وهو يزاول عملية الاقتباس من موقفين لا ثالث لهما :
أحدهما : أن يأخذ الفكرة كلها بلفظها ومعناها أو بمعناها فقط.
وثانيهما : أن يأخذ جزءً من الفكرة باللفظ والمعنى أو بالمعنى فقط.
ويمتنع على المقتبس أن يزيد فى الفكرة المقتبسة أية زيادة غير موجودة فى الأصل ؛ لأننا قلنا : إن المقتبس لا طريق له لمعرفة ما اقتبس إلا ما ورد عند المقتبس منه ، فكيف يزيد على الفكرة والحال أنه لا صلة له بمصادرها الأولى إلا عن طريق المقتبس منه.
إذا جرى الاقتباس على هذا النهج صدقت دعوى من يقول إن فلاناً اقتبس منى كذا.
أما إذا تشابه ما كتبه اثنان ، أحدهما سابق والثانى لاحق ، واختلف ما كتبه الثانى عما كتبه الأول مثل :
1- أن تكون الفكرة عند الثانى أبسط وأحكم ووجدنا فيها مالم نجده عند الأول.
2- أو أن يصحح الثانى أخطاء وردت عند الأول ، أو يعرض الوقائع عرضاً يختلف عن سابقه.
فى هذه الحال لا تصدق دعوى من يقول إن فلانا قد اقتبس منى كذا.
ورَدُّ هذه الدعوى مقبول من المدعى عليه ، لأن المقتبس *اتهامًا* لما لم يدر فى فلك المقتبس منه *فرضاً* بل زاد عليه وخالفه فيما ذكر من وقائع فإن معنى ذلك أن الثانى تخطى ما كتبه الأول حتى وصل إلى مصدر الوقائع نفسها واستقى منها ما استقى. فهو إذن ليس مقتبساً وإنما مؤسس حقائق تلقاها من مصدرها الأصيل ولم ينقلها عن ناقل أو وسيط.
وسوف نطبق هذه الأسس التى تحكم عملية الاقتباس على ما ادعاه القوم هنا وننظر :
هل القرآن عندما اقتبس كما يدعون من التوراة كان خاضعاً لشرطى عملية الاقتباس وهما : نقل الفكرة كلها ، أو الاقتصار على نقل جزء منها فيكون بذلك دائراً فى فلك التوراة ، وتصدق حينئذ دعوى القوم بأن القرآن *معظمه* مقتبس من التوراة ؟
أم أن القرآن لم يقف عند حدود ما ذكرته التوراة فى مواضع التشابه بينهما ؟ بل :
1 عرض الوقائع عرضاً يختلف عن عرض التوراة لها.
2 أضاف جديداً لم تعرفه التوراة فى المواضع المشتركة بينهما.
3 صحح أخطاء " خطيرة " وردت فى التوراة فى مواضع متعددة.
4 انفرد بذكر " مادة " خاصة به ليس لها مصدر سواه.
5 فى حالة اختلافه مع التوراة حول واقعة يكون الصحيح هو ما ذكره القرآن. والباطل ما جاء فى التوراة بشهادة العقل والعلم إذا كان الاحتمال الأول هو الواقع فالقرآن مقتبس من التوراة..
أما إذا كان الواقع هو الاحتمال الثانى فدعوى الاقتباس باطلة ويكون للقرآن فى هذه الحالة سلطانه الخاص به فى استقاء الحقائق ، وعرضها فلا اقتباس لا من توراة ولا من إنجيل ولا من غيرهما.
لا أظن أن القارئ يختلف معنا فى هذه الأسس التى قدمناها لصحة الاتهام بالاقتباس عموماً.
وما علينا بعد ذلك إلا أن نستعرض بعض صور التشابه بين التوراة والقرآن ، ونطبق عليها تلك الأسس المتقدمة تاركين الحرية التامة للقارئ سواء كان مسلماً أو غير مسلم فى الحكم على ما سوف تسفر عنه المقارنة أنحن على صواب فى نفى الاقتباس عن القرآن ؟.
والمسألة بعد ذلك ليست مسألة اختلاف فى الرأى يصبح فيها كل فريق موصوفاً بالسلامة ، وأنه على الحق أو شعبة من حق.
وإنما المسألة مسألة مصير أبدى من ورائه عقيدة صحيحة توجب النجاة لصاحبها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أو عقيدة فاسدة تحل قومها دار البوار يوم يقدم الله إلى ما عملوا من عمل فيجعله هباءً منثوراً.
الصورة الأولى من التشابه بين التوراة والقرآن. لقطة من قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز
تبدأ هذه اللقطة من بدء مراودة امرأة عزيز مصر ليوسف *عليه السلام* ليفعل بها الفحشاء وتنتهى بقرار وضع يوسف فى السجن. واللقطة كما جاءت فى المصدرين هى :
أولاً : نصوصها فى التوراة : *1*
" وحدث بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت عينها إلى يوسف وقالت : اضطجع معى ، فأبى وقال لامرأة سيده : هو ذا سيدى لا يعرف معى ما فى البيت وكل ما له قد دفعه إلى يدى ، ليس هو فى هذا البيت أعظم منى. ولم يمسك عنى شيئا غيرك لأنك امرأته. فكيف أصنع هذا الشر العظيم ، وأخطئ إلى الله ، وكانت إذ كلمت يوسف يومًا فيوما أنه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها..
ثم حدث نحو هذا الوقت أنه دخل البيت ليعمل عمله ولم يكن إنسان من أهل البيت هناك فى البيت فأمسكته بثوبه قائلة اضطجع معى فترك ثوبه فى يدها وخرج إلى خارج ، وكان لما رأت أنه ترك ثوبه فى يدها ، وهرب إلى خارج أنها نادت أهل بيتها وكلمتهم قائلة :
" انظروا قد جاء إلينا برجل عبرانى ليداعبنا دخل إلىّ ليضطجع معى فصرخت بصوت عظيم ، وكان لما سمع أنى رفعت صوتى وصرخت أنه ترك ثوبه بجانبى وهرب وخرج إلى خارج. فَوَضَعَتْ ثوبه بجانبها حتى جاء سيده إلى بيته فكلمته بمثل هذا الكلام قائلة دخل إلىَّ العبد العبرانى الذى جئت به إلينا ليداعبنى وكان لما رفعت صوتى وصرخت أنه ترك ثوبه بجانبى وهرب إلى خارج فكان لما سمع سيده كلام امرأته الذى كلمته به قائلة بحسب هذا الكلام صنع بى عبدك أن غضبه حمى..
فأخذ سيدُه يوسف ووضعه فى بيت السجن المكان الذى كان أسرى الملك محبوسين فيه ".
نصوص القرآن الأمين
*وَرَاوَدَتْهُ التى هوَ فى بيتها عن نفسه وغلّقتِ الأبوابَ وقالتْ هيت لك قال معاذ الله إنهُ ربى أحسنَ مثواى إنهُ لايُفلحُ الظالمون *ولقد هَمَّتْ به وَهَمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاء إنه من عبادنا المخلَصين * واستبقا الباب وقدت قميصه من دُبرٍ وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاءُ من أراد بأهلكَ سوءًا إلا أن يُسجن أو عذابُ أليم * قال هى راودتنى عن نفسى وشهد شاهدٌ من أهلها إن كان قميصَه قُد من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قُد من دُبرٍ فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قُد من دُبرٍ قال إنه من كيدكُنَّ إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبكِ إنك كنتِ من الخاطئ... *2* ثم بدا لهم من بعد مارأوا الآيات لَيَسْجنُنَّهُ حتى حين * *3*.
تلك هى نصوص الواقعة فى المصدرين :
وأدعو القارئ أن يقرأ النصين مرات قراءة متأنية فاحصة. وأن يجتهد بنفسه فى التعرف على الفروق فى المصدرين قبل أن يسترسل معنا فيما نستخلصه من تلك الفروق. ثم يكمل ما يراه من نقص لدينا أو لديه فقد يدرك هو ما لم ندركه ، وقد ندرك نحن ما لم يدركه وربَّ قارئ أوعى من كاتب..
الفروق كما نراها
التوراة : القرآن الأمين
المراودة حدثت مرارًا ونُصح يوسف لامرأة سيده كان قبل المرة الأخيرة : المراودة حدثت مرة واحدة اقترنت بعزم المرأة على يوسف لينفذ رغبتها.
تخلو من الإشارة إلى تغليق الأبواب وتقول إن يوسف ترك ثوبه بجانبها وهرب وانتظرت هى قدوم زوجها وقصت عليه القصة بعد أن أعلمت بها أهل بيتها. : يشير إلى تغليق الأبواب وأن يوسف هم بالخروج فَقَدَّتْ ثوبه من الخلف وحين وصلا إلى الباب فوجئا بالعزيز يدخل عليهما فبادرت المرأة بالشكوى فى الحال.
لم يكن يوسف موجوداً حين دخل العزيز ولم يدافع يوسف عن نفسه لدى العزيز. : يوسف كان موجوداً حين قدم العزيز ، وقد دافع عن نفسه بعد وشاية المرأة ، وقال هى راودتنى عن نفسى.
تخلو من حديث الشاهد وتقول إن العزيز حمى غضبه على يوسف بعد سماع المرأة : يذكر تفصيلاً شهادة الشاهد كما يذكر اقتناع العزيز بتلك الشهادة ولومه لامرأته وتذكيرها بخطئها. وتثبيت يوسف على العفة والطهارة.
تقول إن العزيز فى الحال أمر بوضع يوسف فى السجن ولم يعرض أمره على رجال حاشيته.
يشير إلى أن القرار بسجن يوسف كان بعد مداولة بين العزيز وحاشيته.
تخلو من حديث النسوة اللاتى لُمْنَ امرأة العزيز على مراودتها فتاها عن نفسه ، وهى فجوة هائلة فى نص التوراة.
يذكر حديث النسوة بالتفصيل كما يذكر موقف امرأة العزيز منهن ودعوتها إياهن ملتمسة أعذارها لديهن ومصرة على أن ينفذ رغبتها
هذه ستة فروق بارزة بين ما يورده القرآن الأمين ، وما ذكرته التوراة. والنظر الفاحص فى المصدرين يرينا أنهما لم يتفقا إلا فى " أصل " الواقعة من حيث هى واقعة وكفى ، ويختلفان بعد هذا فى كل شىء. على أن القرآن قام هنا بعملين جليلى الشأن :
أولهما : أنه أورد جديداً لم تعرفه التوراة ومن أبرز هذا الجديد :
*1* حديث النسوة وموقف المرأة منهن.
*2* شهادة الشاهد الذى هو من أهل امرأة العزيز.
ثانيهما : تصحيح أخطاء وقعت فيها التوراة ومن أبرزها :
*1* لم يترك يوسف ثوبه لدى المرأة بل كان لابساً إياه ولكن قطع من الخلف.
*2* غياب يوسف حين حضر العزيز وإسقاطها دفاعه عن نفسه.
اعتراض وجوابه :
قد يقول قائل : لماذا تفترض أن الخطأ هو ما فى التوراة ، وأن الصواب هو ما فى القرآن ؟! أليس ذلك تحيزاً منك للقرآن ؛ لأنه كتاب المسلمين وأنت مسلم ؟ ولماذا تفترض العكس ؟ وإذا لم تفترض أنت العكس فقد يقول به غيرك ، وماتراه أنت لا يصادر ما يراه الآخرون. هذا الاعتراض وارد فى مجال البحث. وإذن فلابد من إيضاح.
والجواب :
لم نتحيز للقرآن لأنه قرآن. ولنا فى هذا الحكم داعيان :
الأول : لم يرد فى القرآن - قط - ما هو خلاف الحق ؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وقد ثبتت هذه الحقيقة فى كل مجالات البحوث التى أجريت على " مفاهيم " القرآن العظيم فى كل العصور. وهذا الداعى وحده كافٍ فى تأييد ما ذهبنا إليه.
الثانى : وهو منتزع من الواقعة نفسها موضوع المقارنة وإليك البيان : كل من التوراة والقرآن متفقان على " عفة يوسف "وإعراضه عن الفحشاء. ثم اختلفا بعد ذلك :
فالتوراة تقول : إن يوسف ترك ثوبه كله لدى المرأة وهرب والقرآن يقول : إنه لم يترك الثوب بل أمسكته المرأة من الخلف ولما لم يتوقف يوسف عليه السلام اقتطعت قطعة منه وبقيت ظاهرة فى ثوبه.
فأى الروايتين أليق بعفة يوسف المتفق عليها بين المصدرين ؟! أن يترك ثوبه كله ؟! أم أن يُخرق ثوبه من الخلف ؟!
إذا سلمنا برواية التوراة فيوسف ليس " عفيفاً " والمرأة على حق فى دعواها ؛ لأن يوسف لا يخلع ثوبه هكذا سليماً إلا إذا كان هو الراغب وهى الآبية.
ولا يقال إن المرأة هى التى أخلعته ثوبه ؛ لأن يوسف رجل ، وهى امرأة فكيف تتغلب عليه وتخلع ثوبه بكل سهولة ، ثم لما يمتنع تحتفظ هى بالثوب كدليل مادى على جنايته المشينة ؟!
وهل خرج يوسف " عريانًا " وترك ثوبه لدى غريمته..؟!
والخلاصة أن رواية التوراة فيها إدانة صريحة ليوسف وهذا يتنافى مع العفة التى وافقت فيها القرآن الأمين.
أما رواية القرآن فهى إدانة صريحة لامرأة العزيز ، وبراءة كاملة ليوسف عليه السلام .
لقد دعته المرأة إلى نفسها ففر منها. فأدركته وأمسكته من الخلف وهو ما يزال فاراً هارباً من وجهها فتعرض ثوبه لعمليتى جذب عنيفتين إحداهما إلى الخلف بفعل المرأة والثانية إلى الأمام بحركة يوسف فانقطع ثوبه من الخلف.
وهذا يتفق تماماً مع العفة المشهود بها ليوسف فى المصدرين ولهذا قلنا : إن القرآن صحح هذا الخطأ الوارد فى التوراة.
.. فهل القرآن مقتبس من التوراة ؟!
فهل تنطبق على القرآن أسس الاقتباس أم هو ذو سلطان خاص به فيما يقول ويقرر ؟.
المقتبس لا بد من أن ينقل الفكرة كلها أو بعضها. وها نحن قد رأينا القرآن يتجاوز هذه الأسس فيأتى بجديد لم يذكر فيما سواه ، ويصحح خطأ وقع فيه ما سواه.
فليس الاختلاف فيها اختلاف حَبْكٍ وصياغة ، وإنما هو اختلاف يشمل الأصول والفروع. هذا بالإضافة إلى إحكام البناء وعفة الألفاظ وشرف المعانى *4*.
إن الذى روته التوراة هنا لا يصلح ولن يصلح أن يكون أساساً للذى ذكره القرآن. وإنما أساس القرآن هو الوحى الصادق الأمين. ذلك هو مصدر القرآن " الوضىء " وسيظل ذلك هو مصدره تتساقط بين يديه دعاوى الباطل ومفتريات المفترين فى كل عصر ومصر.
الصورة الثانية من صور التشابه بين التوراة والقرآن قصة هابيل وقابيل ابنى آدم
نصوص التوراة :
" حدث من بعد أيام أن قابين قدم من أثمار الأرض قربانا للرب ، وقدم هابيل أيضا من أبكار غنمه ، ومن سمانها ، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه ولكن إلى قابين. وقربانه لم ينظر. فاغتاظ قابين جداً وسقط وجهه. فقال الرب لقابين لماذا اغتظت ولماذا سقط وجهك ؟ إن أحسنت أفلا رفع ؟؟. وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها ، وأنت تسود عليها. وكلم قابين هابيل أخاه. وحدث إذ كانا فى الحقل أن قابين قام على هابيل أخيه وقتله. فقال الرب لقابين أين هابيل أخوك فقال لا أعلم أحارس أنا لأخى ؟ فقال ماذا فعلت ؟ صوت دم أخيك صارخ إلىَّ من الأرض. فالآن ملعون أنت من الأرض التى فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك متى عملت الأرض ؟؟ تعود تعطيك قوتها. تائهاً وهارباً تكون فى الأرض فقال قابين للرب : ذنبى أعظم من أن يحتمل أنك قد طردتنى اليوم على وجه الأرض ، ومن وجهك أختفى وأكون تائهاً وهارباً فى الأرض فيكون كل من وجدنى يقتلنى فقال له الرب : لذلك كل من قتل قابين فسبعة أضعاف ينتقم منه. وجعل الرب لقابين علامة لكى لا يقتله كل من وجده. فخرج قابين من لدن الرب وسكن فى أرض نود شرقى عدن " *5*.
نصوص القرآن الأمين
*واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبلُ الله من المتقين * لئن بسطت إلىَّ يدك لتقتلنى ما أنا بباسطٍ يدى إليك لأقتلك إنى أخافُ الله ربَّ العالمين * إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين* فطوعت له نفسهُ قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابًا يبحث فى الأرض ليُرِيَهُ كيف يوارى سوءة أخيه * قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارىَ سوءة أخى فأصبح من النادمين * من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك فى الأرض لمسرفون * *6*.
الفروق بين المصدرين
اتفق المصدران حول نقطتين اثنتين لا ثالث لهما واختلفا فيما عداهما. اتفقا فى : مسألة القربان. وفى قتل أحد الأخوين للآخر. أما فيما عدا هاتين النقطتين فإن ما ورد فى القرآن يختلف تماماً عما ورد فى التوراة ، وذلك على النحو الآتى :
التوارة/القرآن الأمين
تسمى أحد الأخوين بقابين وهو " القاتل " والثانى " هابيل " كما تصف القربانين وتحدد نوعهما./ لايسميهما ويكتفى ببنوتهما لآدم كما اكتفى بذكر القربانين ولم يحددهما.
تروى حواراً بين قابين والرب بعد قتله أخاه ،وتعلن غضب الرب على قابين وطرده من وجه الرب إلى أرض بعيدة./ لا يذكر حواراً حدث بين القاتل وبين الله ، ولا يذكر أن القاتل طرده الله من وجهه إلى أرض بعيدة ، إذ ليس على الله بعيد.
التوراة تخلو من أى حوار بين الأخوين./ يذكر الحديث الذى دار بين ابنى آدم ويفصل القول عما صدر من القتيل قبل قتله وتهديده لأخيه بأنه سيكون من أصحاب النار إذا قتله ظلماً..
لا مقابل فى التوراة لهذه الرواية ولمْ تبين مصير جثة القتيل ؟! / يذكر مسألة الغراب ، الذى بعثه الله لٍِيُرى القاتل كيف يتصرف فى جثة أخيه ، ويوارى عورته.
تنسب الندم إلى " قابين " القاتل لما هدده الله بحرمانه من خيرات الأرض ، ولا تجعله يشعر بشناعة ذنبه./ يصرح بندم " القاتل " بعد دفنه أخيه وإدراكه فداحة جريمته.
لا هدف لذكر القصة فى التوراة إلا مجرد التاريخ. فهى معلومات ذهنية خالية من روح التربية والتوجيه. /يجعل من هذه القصة هدفاً تربوياً ويبنى شريعة القصاص العادل عليها. ويلوم بنى إسرائيل على إفسادهم فى الأرض بعد مجىء رسل الله إليهم.
أضف إلى هذه ما تحتوى عليه التوراة من سوء مخاطبة " قابين" الرب ، فترى فى العبارة التى فوق الخط : " أحارس أنا لأخى " فيها فظاظة لوصدرت من إنسان لأبيه لعد عاقًّا جافًّا فظًّا غليظًّا فكيف تصدر من " مربوب " إلى " ربه " وخالقه..؟!
ولكن هكذا تنهج التوراة فلا هى تعرف " قدر الرب " ولا من تنقل عنه حواراً مع الرب.
ولا غرابة فى هذا فالتوراة تذكر أن موسى أمر ربه بأن يرجع عن غضبه على بنى إسرائيل ، بل تهديده إياه سبحانه بالاستقالة من النبوة إذا هو لم يستجب لأمره.
والواقع أن ما قصَّهُ علينا القرآن وهو الحق من أمر ابنى آدم مختلف تماماً عما ورد فى التوراة فى هذا الشأن.
فكيف يقال : إن القرآن اقتبس هذه الأحداث من التوراة وصاغها فى قالب البلاغة العربية ؟!
إن الاختلاف ليس فى الصياغة ، بل هو اختلاف أصيل كما قد رأيت من جدول الفروق المتقدم.
والحاكم هنا هو العقل فإذا قيل : إن هذه القصة مقتبسة من التوراة قال العقل :
* فمن أين أتى القرآن بكلام الشقيق الذى قتل مع أخيه ، وهو غير موجود فى نص التوراة التى يُدعى أنها مصدر القرآن ؟!
* ومن أين أتى القرآن بقصة الغراب الذى جاء ليُرى القاتل كيف يوارى سوءة أخيه وهى غير واردة فى التوراة المُدَّعى أصالتها للقرآن ؟!
* ولماذا أهمل القرآن الحوار الذى تورده التوراة بين " الرب " وقابين القاتل وهذا الحوار هو هيكل القصة كلها فى التوراة ؟!
إن فاقد الشىء لا يعطيه أبداً ، وهذا هو حكم العقل. والحقائق الواردة فى القرآن غير موجودة فى التوراة قطعاً فكيف تعطى التوراة شيئاً هى لم تعرف عنه شيئاً قط..؟!
لا.. إن القرآن له مصدره الخاص به الذى استمد منه الوقائع على وجهها الصحيح ، ومجرد التشابه بينه وبين التوراة فى " أصل الواقعة " لا يؤثر فى استقلال القرآن أبداً.
الصورة الثالثة من صورالتشابه بين التوراة والقرآن مقارنة بين بعض التشريعات
المحرمات من النساء
قارَنَّا فيما سبق بين بعض المسائل التاريخية التى وردت فى كل من التوراة والقرآن الأمين. وأثبتنا بأقطع الأدلة أن القرآن له سلطانه الخاص به فيما يقول ويقرر ، ورددنا دعوى أن القرآن مقتبس من التوراة. وبَيَّنَّا حكم العقل فى هذه الدعوى كما أقمنا من الواقع " المحكى " أدلة على ذلك.
ونريد هنا أن نقارن بين بعض المسائل التشريعية فى المصدرين ؛ لأنهم يقولون : إن المسائل والأحكام التشريعية التى فى القرآن لا مصدر لها سوى الاقتباس من التوراة.
وقد اخترنا نص المحرمات من النساء فى التوراة لنقابله بنص المحرمات من النساء فى القرآن الحكيم ليظهر الحق.
النص فى المصدرين
أولاً : فى التوراة :
" عورة أبيك وعورة أمك لا تكشف. إنها أمك لا تكشف عورتها. عورة امرأة أبيك لا تكشف. إنها عورة أبيك. عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة فى البيت ، أو المولودة خارجاً لا تكشف عورتها. عورة ابنة ابنك أو ابنة بنتك لا تكشف عورتها إنها عورتك. عورة بنت امرأة أبيك المولودة من أبيك لا تكشف عورتها إنها أختك. عورة أخت أبيك لا تكشف إنها قريبة أبيك. عورة أخت أمك لا تكشف إنها قريبة أمك عورة أخى أبيك لا تكشف ، إلى امرأته لا تقرب إنها عمتك. عورة كنتك لا تكشف. إنها امرأة ابنك لا تكشف عورتها.
عورة امرأة أخيك لا تكشف إنها عورة أخيك. عورة امرأة ، وبنتها لا تكشف ، ولا تأخذ ابنة ابنتها أو ابنة بنتها لتكشف عورتها إنهما قريبتاها. إنه رذيلة. ولا تأخذ امرأة على أختها للضر لتكشف عورتها معها فى حياتها *7*.
ثانياً : فى القرآن الحكيم :
*ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ماقد سلف إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا * حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيما والمحصنات من النساء.. * *8*.
هذان هما النصان فى المصدرين. نص التوراة ، ونص القرآن الحكيم. فما هى أهم الفروق بينهما ياترى ؟!
وقبل إجراء المقارنة نفترض صحة النص التوراتى وخلوه من التحريف إذ لا مانع أن يكون هذا النص فعلاً مترجماً عن نص أصلى تشريعى خلا مترجمه من إرادة تحريفه.
والمهم هو أن نعرف هل يمكن أن يكون نص التوراة هذا أصلاً اقتبس منه القرآن الحكيم فكرة المحرمات من النساء ، علماً بأن النص التوراتى قابل إلى حد كبير لإجراء دراسات نقدية عليه ، ولكن هذا لا يعنينا هنا.
الفروق بين المصدرين :
التوراة :
1- لا تقيم شأنًا للنسب من جهة الرضاعة.
2- تحرم نكاح امرأة العم وتدعوها عمة.
3- تحرم نكاح امرأة الأخ لأخيه.
4- لا تذكر حرمة النساء المتزوجات من رجال آخرين زواجهم قائم.
5- تجعل التحريم غالباً للقرابة من جهة غير الزوج مثل قرابة الأب الأم العم 000 وهكذا.
القرآن الأمين :
1- يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.
2- لا يحرم نكاح امرأة العم ولا يدعوها عمة.
3- لا يحرم نكاح امرأة الأخ لأخيه إذا طلقها أو مات عنها أخوه.
4- يحرم نكاح المتزوجات فعلاً من آخرين زواجاً قائماً ويطلق عليهن وصف المحصنات من النساء.
5- يجعل التحريم لقرابة الزوج ممن حرمت عليه. أو قرابة زوجته أحياناً.
هذه الفروق الواضحة لا تؤهل النص التوراتى لأن يكون أصلاً للنص القرآنى ، علميًّا ، وعقليًّا ، فللنص القرآنى سلطانه الخاص ومصدره المتميز عما ورد فى التوراة. وإلا لما كان بين النصين فروق من هذا النوع المذكور.
وقفة مع ما تقدم :
نكتفى بما تقدم من التوراة وإن كانت التوراة مصدراً ثَرَاً لمثل هذه المقارنات ، ولو أرخينا عنان القلم لما وقفنا عند حد قريب ولتضاعف هذا
الحجم مئات المرات. ومع هذا فما من مقارنة تجرى بين التوراة وبين القرآن إلا وهى دليل جديد على نفى أن يكون القرآن مقتبساً من كتاب سابق عليه ، فالقرآن وحى أمين حفظ كلمات الله كما أنزلت على خاتم النبيين *وقد رأينا فى المقارنات الثلاث المتقدمة أن القرآن فوق ما يأتى به من جديد ليس معروفاً فى سواه إنه يصحح أخطاء وقعت فيما سواه وهذا هو معنى " الهيمنة " التى خَصَّ الله بها القرآن فى قوله تعالى : *مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه * *9*.
فالأمور التى لم يلحقها تحريف فى التوراة جاء القرآن مصدقاً لها أو هو مصدق لكل من التوراة والإنجيل بالصفة التى أنزلها الله عليهما قبل التحريف والتبديل.
أما الأمور التى حُرفت ، وتعقبها القرآن فقصها قصًّا صحيحاً أميناً ، وصحح ما ألحقوه بهما من أخطاء ، فذلك هو سلطان " الهيمنة " المشهود للقرآن بها من منزل الكتاب على رسله.
فالقرآن هو كلمة الله " الأخيرة " المعقبة على كل ما سواها ، وليس وراءها معقب يتلوها ؛ لأن الوجود الإنسانى ليس فى حاجة مع وجود القرآن إلى غير القرآن.
كما أن الكون ليس فى حاجة مع الشمس إلى شمس أخرى تمده بالضوء والطاقة بعد وفاء الشمس بهما.
ولنأخذ صورة مقارنة من العهد الجديد أيضًا حيث يختلف عن العهد القديم وذلك لأن نص الإنجيل الذى سندرسه يقابله من القرآن نصان كل منهما فى سورة مما يصعب معه وضع النص الإنجيلى فى جدول مقابلا بالنصين القرآنيين. ولهذا فإننا سنهمل نظام الجدول هنا ونكتفى بعرض النصوص ، والموازنة بينها والموضوع الذى سنخضعه للمقارنة هنا هو بشارة زكريا عليه السلام بابنه يحى عليه السلام وذلك على النحو الآتى :
الصورة الرابعة من الإنجيل والقرآن
بشارة زكريا ب " يحيى " *عليهما السلام*
النص الإنجيلى :
" لم يكن لهما يعنى زكريا وامرأته ولد. إذ كانت اليصابات يعنى امرأة زكريا عاقراً.وكان كلاهما متقدمين فى أيامهما فبينما هو يكهن فى نوبة غرفته أمام الله حسب عادة الكهنوت أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب ويبخر ، وكان كل جمهور الشعب يصلى خارجاً وقت البخور. فظهر له ملاك الرب واقفاً عن يمين مذبح البخور. فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف. فقال له الملاك : لاتخف يا زكريا ؛ لأن طلبتك قد سمعت وامرأتك اليصابات ستلد لك ولداً وتسميه يوحنا ، ويكون لك فرح وابتهاج. وكثيرون سيفخرون بولادته ؛ لأنه يكون عظيماً أمام الرب. وخمراً ومسكراً لا يشرب ، ومن بطن أمه يمتلئ بروح القدس ويرد كثيرين من بنى إسرائيل إلى الرب إلههم ، ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء.والعصاة إلى فكر الأبرار ، لكى يهئ للرب شعباً مستعدًّا. فقال زكريا للملاك : كيف أعلم هذا و أنا شيخ وامرأتى متقدمة فى أيامها..؟!
فأجاب الملاك وقال : أنا جبرائيل الواقف قدام الله. وأرسلت لأكلمك وأبشرك بهذا. وها أنت تكون صامتاً ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذى يكون فيه هذا لأنك لم تصدق كلامى الذى سيتم فى وقته. وكان الشعب منتظرين زكريا ومتعجبين من إبطائه فى الهيكل. فلما خرج لم يستطع أن يكلمهم ففهموا أنه قد رأى رؤيا فى الهيكل. فكان يومئ إليهم. وبقى صامتاً.." *10*.
النصوص القرآنية :
*1* سورة آل عمران :
*هنالِكَ دعا زكريا ربَّهُ قال رب هب لى من لدُنك ذريةً طيبةً إنك سميعُ الدعاء * فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يُبشرك بيحيى مصدقاً بكلمةٍ من الله وسيداً وحصوراً ونبيًّا من الصالحين * قال رب أنى يكون لى غلامٌ وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر قال كذلِكَ الله يفعلُ ما يشاء * قال ربِّ اجعل لى آية قال آيتك ألا تُكلم الناسَ ثلاثةَ أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشى والإبكار* *11*.
*2* سورة مريم :
*ذكر رحمة ربك عبده زكريا * إذ نادى ربَّه نداءً خفيًّا * قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربِّ شقيًّا * وإنى خفت الموالى من ورائى وكانت امرأتى عاقراً فهب لى من لدنك وليًّا * يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله ربِّ رضيًّا * يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميًّا * قال رب أًنَّى يكون لى غلام وكانتً امرأتى عاقراً وقد بلغت من الكبر عتيًّا * قال كذلكَ قال ربكَ هو علىَّ هينٌ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا * قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويًّا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا * يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيًّا * وحناناً من لدنَّا وزكاةً وكان تقيًّا * وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصيًّا * وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًّا* *12*.
ذلك هو نص الإنجيل. وذان هما نصا القرآن الأمين. والقضية التى نناقشها هنا هى دعوى " الحاقدين " أن القرآن مقتبس من الأناجيل كما ادعوا قبلا أنه مقتبس من التوراة.
وندعو القارئ أن يراجع النص الإنجيلى مرات ، وأن يتلو النصوص القرآنية مرات ، ويسأل نفسه هذا السؤال :
هل من الممكن علميًّا وعقليًّا أن يكون النص الإنجيلى مصدرًا لما ورد فى القرآن الأمين ؟!
إن المقارنة بين هذه النصوص تسفر عن انفراد النصوص القرآنية بدقائق لا وجود لها فى النص الإنجيلى. ومن أبرز تلك الدقائق ما يلى :
أولاً : فى سورة آل عمران :
*أ* تقدم على قصة البشارة فى" آل عمران" قصة نذر امرأة عمران ما فى بطنها لله محرراً. وهذا لم يرد فى النص الإنجيلى.
*ب* الإخبار بأنها ولدت أنثى " مريم " وكانت ترجو المولود ذكرا وهذا لم يأت فى النص الإنجيلى.
*ج* كفالة زكريا للمولودة "مريم " ووجود رزقها عندها دون أن يعرف مصدره والله سبحانه وتعالى أعلم سؤاله إياها عن مصدره. وهذا بدوره لم يرد فى النص الإنجيلى.
*د* القرآن يربط بين قصة الدعاء بمولود لزكريا وبين قصة مولودة امرأة عمران. وهذا لا وجود له فى النص الإنجيلى.
*ه* دعاء زكريا منصوص عليه فى القرآن وليس له ذكر فى النص الإنجيلى.
ثانياً : فى سورة مريم :
*أ* ما رتبه زكريا على هبة الله له وليًّا ، وهو أن يرثه ويرث من آل يعقوب. ولم يرد هذا فى النص الإنجيلى.
*ب* السبب الذى حمل زكريا على دعاء ربه وهو خوفه الموالى من ورائه والنص الإنجيلى يخلو من هذا.
*ج* كون زكريا أوحى لقومه بأن يسبحوا بكرة وعشيًّا. ولا وجود لهذا فى النص الإنجيلى.
*د* الثناء على المولود " يحيى " من أنه بار بوالديه عليه سلام الله يوم ولادته ويوم موته ويوم بعثه حيًّا ورد فى القرآن ولا مقابل له فى النص الإنجيلى.
هذا كله جديد خاص بالقرآن لا ذكر له فى سواه. وهذا يعنى أن القرآن قد صور الواقعة المقصوصة تصويراً أمينًا كاملاً.
وهذه هى المهمة الأولى التى تعقب بها القرآن المهيمن ما ورد فى الإنجيل المذكور.
وبقيت مهمة جليلة ثانية قام بها القرآن المهيمن نحو النص الإنجيلى ، كما قام بمثلها نحو النصوص التوراتية المتقدمة. وتلك المهمة هى : تصحيح الأخطاء التى وردت فى النص الإنجيلى.
ومن ذلك :
*أ* النص الإنجيلى يجعل الصمت الذى قام بزكريا عقوبة له من الملاك.
فصحح القرآن هذه الواقعة ، وجعل الصمت استجابة لدعاء زكريا ربه. وقد حرص على هذا النصان القرآنيان معاً. ففى آل عمران *قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً*وفى مريم : *قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا *.
فالصمت فكان تكريما لزكريا عليه السلام من الله ، وليس عقوبة من الملاك ، وقد انساق بعض مفسرى القرآن الكريم وراء هذا التحريف الإنجيلى فقال : إن الصمت كان عقوبة لزكريا ، ولكن من الله لا من الملاك.
وها نحن نرفض هذا كله سواء كان القائل به مسلما أو غيرمسلم.
فما هو الذنب الذى ارتكبه زكريا حتى يعاقب من الله أو حتى من الملاك ؟!
هل إقراره بكبر سنه وعقر امرأته هو الذنب ؟!
لقد وقع هذا من إبراهيم عليه السلام حين بشر بإسحق ، ووقع من سارة حين بشرت به فلم يعاقب الله منهما أحداً.
وقد وقع هذا من " مريم " حين بُشِّرَتْ بحملها بعيسى ولم يعاقبها الله عليه. فما السر فى ترك إبراهيم وسارة ومريم بلا عقوبة وإنزالها بزكريا وحده مع أن الذى صدر منه صدر مثله تماماً من غيره.
أفى المسألة محاباة..؟! كلا.. فالله لا يحابى أحداً.
إن أكبر دليل على نفى هذا القول هو خلو النصوص القرآنية منه ، وليس هذا تعصباً منا للقرآن. وإنما هو الحق ، والمسلك الكريم اللائق بمنزلة الرسل عند ربهم.
إن الصمت الذى حل بزكريا كان بالنسبة لتكليم الناس ، ومع هذا فقد ظل لسانه يلج بحمد الله وتسبيحه فى العشى والإبكار كما نص القرآن الأمين.
*ب* النص الإنجيلى يحدد مدة الصمت بخروج زكريا من الهيكل إلى يوم أن ولد يحيى.
وهذا خطأ ثانٍ صححه القرآن المهيمن فجعل مدته ثلاثة أيام بلياليهن بعد الخروج من المحراب.
*ج* النص الإنجيلى يجعل البشارة على لسان ملاك واحد ، بينما النصان القرآنيان يجعلانها على لسان جمع من الملائكة : *فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب * *13*.
*يا زكريا إنا نبشرك بغلام.. * *14*.
وهذا خطأ ثالث وقع فيه النص الإنجيلى فصححه القرآن الأمين.
*د* النص الإنجيلى يجعل التسمبة ب " يحيى " يوحنا من اختيار زكريا بيد أن الملاك قد تنبأ بها.
وهذا خطأ رابع صححه القرآن الأمين فجعل التسمية من وحى الله إلى زكريا : *.. اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا * *15*.
*ه* النص الإنجيلى يقول : " إن زكريا حين جاءه الملاك وقع عليه خوف واضطراب ".
وقد خلا النص القرآنى من هذا.. فدل خلوه منه على أنه لم يقع.
ذلك أن القرآن الحكيم عَوَّدَنَا فى قَصِّهِ للوقائع المناظرة لهذه الواقعة أن يسجلها إذا حدثت ولا يهملها ، بدليل أنه قد نَصَّ عليها فى واقعة السحرة مع موسى عليه السلام فقال : *فأوجس فى نفسه خيفة موسى * *16*. وقال فى شأنه كذلك عند انقلاب العصى حية لأول مرة : *فلما رآها تهتز كأنها جَانُّ وَلَّى مُدبِراً ولم يُعَقِّبْ * *17*. وحكاها عن إبراهيم عليه السلام حين جاءته الملائكة تبشره فقال حكاية عن إبراهيم لضيوفه : *إنا منكم وجلون * *18*. وحكاها عن مريم حين جاءها الملك : *قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا * *19*.
وحِرْصُ القرآن على ذكر هذا الانفعال *الخوف ، إذا حدث* يدل على أن خلوه منه بالنسبة لزكريا دليل على أنه لم يقع منه خوف قط ، وهذا " الخلو "يعتبر تصحيحاً لما ورد فى الإنجيل من نسبة حدث إلى زكريا هو فى الواقع لم يصدر منه.
فهذه خمسة أخطاء قام بتصحيحها القرآن الأمين نحو نصوص الإنجيل المذكورة هنا فى المقارنة. وبهذا نقول :
إن القرآن أدى هنا فى تعقبه للنص الإنجيلى مهمتين جليلتين :
الأولى : تصوير الواقعة المقصوصة تصويراً أميناً كاملاً.
الثانية : تصحيح الأخطاء الواردة فى النص الإنجيلى المقارن.
وقفة أخيرة مع دعوى الاقتباس :
موضوع الدعوى كما يروج لها المبشرون أن القرآن اقتبس من الكتاب المقدس كل قَصَصِهِ التاريخى.
والواقعة التى هى موضوع دعوى الاقتباس هنا هى حادثة تاريخية دينية محددة ببشارة زكريا عليه السلام بيحيى عبد الله ورسوله ووثائق تسجيلها هما : الإنجيل ، ثم القرآن الأمين.
وصلة الإنجيل بالواقعة المقصوصة أنه سجلها فرضًا بعد زمن وقوعها بقليل ؛ لأن عيسى كان معاصراً ليحيى عليهما السلام وصلة القرآن الأمين بها أنه سجلها بعد حدوثها بزمن طويل " حوالى سبعمائة سنة ".
وقرب الإنجيل من وقوع الحادثة المقصوصة ، وبُعد القرآن الزمنى عنها يقتضى إذا سلمنا جدلاً بدعوى الاقتباس المطروحة أن يأتى الاقتباس على إحدى صورتين :
أولاهما : أن يقتبس القرآن جزءًا مما ورد من القصة الكلية فى الإنجيل. وتظل القصة فيه ناقصة عما هى عليه فى المصدر المقتبس منه *الإنجيل* على حسب زعمهم.
ثانيهما : أن يقتبس القرآن القصة كلها كما هى فى الإنجيل بلا نقص ولا زيادة ، سواء أخذها بألفاظها أو صاغها فى أسلوب جديد *البلاغة العربية كما يدعون* ، بشرط أن يتقيد بالمعانى الواردة فى المصدر المقتبس منه ؛ لأن الفرض قائم *حتى الآن* على أن القرآن لم يكن له مصدر يستقى منه الواقعة غير الإنجيل المقتبس منه.
ومحظور على القرآن عملا بهذه القيود التى تكتنف قضية الاقتباس للوقائع التاريخية من مصدرها الأوحد أن يأتى بجديد أو يضيف إلى الواقعة ما ليس فى مصدرها الأوحد.
فماذا صنع القرآن إذن ؟
هل اقتبس من الإنجيل جزءًا من الواقعة ؟ أم الواقعة كلها ؟!
دائراً فى فلك الإنجيل دورة ناقصة أو دورة كاملة ؟!
لو كان القرآن قد فعل هذا : اقتبس جزءاً من الواقعة كلها ، وَ لَوْ مع صياغة جديدة لم تغير من المعنى شيئا ؛ لكان لدعوى الاقتباس هذه ما يؤيدها من الواقع القرآنى نفسه. ولما تردد فى تصديقها أحد.
ولكننا قد رأينا القرآن لم يفعل شيئًا مما تقدم. لم يقتبس جزءاً من الواقعة ولا الواقعة كلها.
وإنما صورها تصويراً أميناً رائعاً. سجل كل حقائقها ، والتقط بعدساته كل دقائقها. وعرضها عرضاً جديداً نقيًّا صافياً ، وربط بينها وبين وقائع كانت كالسبب الموحد لها فى بناء محكم وعرض أمين.
ولم يقف القرآن عند هذا الحد.. بل قام بإضافة الكثير جدًّا من الجديد الذى لم يعرفه الإنجيل. وصحح كثيراً من الأخطاء التى وردت فيه بفعل التحريف والتزوير. إما بالنص وإما بالسكوت. وهذا لا يتأتى من مقتبس ليس له مصدر سوى ما اقتبس منه.
وإنما يتأتى ممن له مصدره ووسائله وسلطانه المتفوق ، بحيث يتخطى كل الحواجز ، ويسجل الواقعة من " مسرحها " كما رآها هو ، وعقلها هو ، وسجلها هو. وكان هذا هو القرآن.
إن المصدر الوحيد للقرآن هو الوحى الصادق الأمين.. وليس ما سجله الأحبار والكهان ، والفريسيون ، والكتبة فى توراة أو أناجيل.
إن مقاصد القرآن وتوجيهاته وكل محتوياته ليس فى التوراة ولا فى الإنجيل منها شىء يذكر. وفاقد الشىء لا يعطيه. هذا هو حكم العقل والعلم ، ومن لم يخضع لموازين الحق من عقل وعلم ونقل فقد ظلم نفسه. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* سفر التكوين الإصحاح *39* الفقرات *7 19*.
*2* لم نذكرالنص القرآنى الخاص بحديث النسوه إذ لا مقابل له فى التوراة.
*3* يوسف : 23-29 ثم آية 35.
*4* تأمل عبارة التوراة " اضطجع معى " تجدها مبتذلة فاضحة تكاد تجسم معناها تجسيماً. ثم تأمل عبارة القرآن *و راودته التى هو فى بيتها عن نفسه *تجدها كناية لطيفة شريفة بعيدة عن التبذل والإسفاف. والألفاظ أوعية المعانى والمعانى ظلال الألفاظ..
*5* سفر التكوين *4-3-16*
*6* المائدة : 27-32.
*7* سفر اللاويين *18 7 18*.
*8* النساء : 22-24.
*9* المائدة : 48.
*10* إنجيل لوقا *7- 22* الإصحاح الأول.
*11* آل عمران : 38-41. وراجع قبله الآيات من 35-37 للأهمية
*12* مريم : 8 - 15
*13* آل عمران : 39.
*14* مريم : 7.
*15* مريم : 7.
*16* طه : 67.
*17* القصص : 31.
*18* الحجر : 52.
*19* مريم : 18.
وهو الذي أَشارَ له قولُه تعالى :
*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ* ، ويُلاحَظُ أَنَّ الآيةَ لم تَذْكُر اسْمَه ، وبما أَنَّ اسْمَه لم يَرِدْ في حَديثٍ صَحيحٍ عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، فإِنَّنا نتوقَّفُ في ذِكْرِ اسْمِه ، ونَجعل ذلك من مبهمات القرآن ، ونقول : اللّه أعلم باسمه.
وادَّعى الفادي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتاب اليهودي : " مدراس رباه " فصل : 14.
في تفسير تك : 15 - 17.
ولا أَدري من أَيْنَ أَخَذَ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - هذا الكتابَ اليهودي ، وهو الأُمّيُّ ، والكتابُ المذكورُ مجهول عند حاخاماتِ اليهود ؟!.
3 - اجتماعُ سليمانَ - عليه السلام - مع رجال جيشهِ من الجنِّ والإِنسِ والطير ، وقصةُ الهدهدِ معَ ملكةِ سبأ ، وإِحضاره عرشَ ملكةِ سبأ.
وقد وَرَدَ هذا الموضوعُ في سورةِ النمل : 17 - 44 ،.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ قصةَ سليمانَ - عليه السلام - مع ملكةِ سبأ من الكتابِ اليهودي : " الترجوم الثاني عن كتاب أَستير ".
ولا أَدري كيفَ قرأَ الرسولُ الأُميُّ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هذا الكتابَ اليهوديَّ المفقودَ ، الذي لم يكنْ موجوداً عند اليهودِ في الحجاز ؟!.
4 - لم يُحسن الفادي الجاهلُ فَهْمَ إِشارةِ القرآنِ إِلى قصةِ الملَكَيْن اللَّذَيْنِ
أَنزلهما اللّهُ في مدينة بابل ، والتي وردَتْ في الآيةِ : *96* من سورة البقرة.
وأَخَذَ تفاصيل إِسرائيلية باطلة ، واتهمَ الملَكَيْن هاروت وماروت بالباطل.
قال عنهما : " تَركيبُ الشهوةِ في الملاكين هاروت وماروت ، وارتكابُهما شربَ الخمرِ والزنى والقتلَ وتعليمَ الناس السحر ".
وادَّعى الجاهلُ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ قصةَ هاروتَ وماروت من الكتابِ اليهودي : " مدراس بلكوت " : الفصل : 44.
وكَذَبَ اليهودُ في اتهامِهم المَلَكَيْن هاروتَ وماروتَ بارتكابِ جرائمِ شربِ الخمرِ والزنى والقتل ، بعدَ أَنْ رَكَّبَ اللّهُ فيهما الشهوة.
ويَجِبُ علينا أَنْ نَبقى مع الإِشارةِ القرآنيةِ المجملةِ إِلى قصتهما ، فهما مَلَكان كريمان ، أَنزلَهما اللّهُ من السماء على أَهل بابل ، ليُحَذِّراهم من السحر ، ويَنْهَيَاهُمْ عن ممارستِه ، ثم صَعَدا إِلى السماء مَلَكَيْن كريمَيْن ، لم يَفْعَلا ذنباً ، ولم يرتكبا فاحشة.
5 - وَرَدَ رفعُ جبلِ الطورِ فوقَ رؤوسِ اليهودِ في سورة البقرة : *63*
و *93*.
وفي سورة الأعراف : *155* و *171*.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي : " عبوداه زاراه " : الفصل الثاني.
6 - ذَكَرَ القرآنُ عبادةَ بني إِسرائيل العجلَ الذهبيَّ الذي له خُوار ، أَثناءَ غيبةِ موسى - عليه السلام - عنهم ، ذاهباً إِلى جبلِ الطور.
وورد ذلك في سورة الأعراف : *148 - 153*.
وورد في سورة طه : *86 - 98*.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي : " فرقى ربي أليعازر. فصل : 45 ".
7 - ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ اللّهَ جَعَلَ من السماءِ سبعَ سمواتٍ في أَكثرَ من آية ، منها آيةُ *29* من سورة البقرة.
كما ذَكَرَ أَنَّ لجهنَّمَ سبعةَ أَبواب ، كما وردَ في آيةِ *44* من سورة الحجر.
وَزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهوديِّ " حكيكا 5 " باب : 9. فصل : 2.
وكتاب : " زوهر " فصل : 2.
8 - أَخبرَ اللّهُ أَنه لما خَلَقَ السمواتِ والأَرضَ كان عرشُه على الماء.
وَوَرَدَ هذا في الآية من سورةِ هود.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من كتابِ اليهود : " تفسير راشي في تك " 1 : 2.
9 - تكلَّمَ القرآنُ عن أَصحابِ الأَعراف ، وما يقولونَه لأَصحابِ الجنة وأَصحابِ النار.
وَوَرَدَ هذا في سورةِ الأَعراف : آيات 46 - 49 ،.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهوديِّ : " مدراس تفسير جامعة 7 : 14 ".
10 - أَخبرَ اللّهُ أَنَّ علامةَ بَدْءِ الطوفان زَمَنَ نوحٍ - عليه السلام هو فورانُ الماءِ من وسطِ التَّنّور.
وَوَرَدَ هذا في سورةِ هود ، آية *45*.
وادَّعى الفادي الجاهلُ أَنّ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي : " روش هشاناه " فصل 2 : 16.
11 - أَشارَ القرآنُ إِلى أَن اللّهَ حَفِظَ القرآنَ المجيدَ في اللوحِ المحفوظِ
عنده ، وَوَرَدَ هذا في آيَتَى *21 - 22* من سورةِ البروج.
وادَّعى الفادي المفتري أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي : " فرقي أبوت " باب : 5 ، فصل : 6.
والكتبُ اليهوديةُ التي ذَكَرَها الفادي المفترِي لا يَعرفُها معظمُ الأَحْبارِ والحاخامات اليهود ، ولم تكنْ موجودةً عند اليهودِ في بلادِ الحجاز ، فمن أَيْنَ اطَّلَعَ عليها محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - ؟!!
ومِنْ مَنْ أَخَذَها ، وهو لم يُجالس اليهودَ والنصارى في مكة ؟
وكيف يَقرأُ فيها باللغةِ العبرية وهو الأُمِّيُّ الذي لم يَقْرَا ولم يَكتبْ باللغةِ العربية ؟!.
رابعاً : ماذا أَخدْ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من كتب النصارى ؟
:
ادّعى الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ بعضَ موضوعاتِ القرآنِ من " كتب جهلة المسيحيين " على حَدِّ قولِه.
وذَكَرَ خمسة موضوعاتٍ في القرآن ، وذكر في مقابلِها الكتبَ النصرانيةَ التي أَخَذَ منها.
1 - ادَّعى أَنَّ قصةَ أَصحابِ الكهف التي وَرَدَتْ في سورةِ الكهف 91 -
26 ، أَخَذَها رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - من الكتابِ النصرانيِّ : " مجد الشهداء " فصل : 95. تأليف غريغوريوس.
2 - ذَكَرَ القرآنُ قصةَ مريم ، منذُ أَنْ كانَتْ جَنيناً في رَحِمِ أُمِّها ، إِلى أَنْ كفَّلَها اللّهُ زكريا - عليه السلام - ، وَوَرَدَ هذا في الآيات : 351 - 48 ، من سورة آل عمران.
وزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ النصراني : " بروت يو أنجيليون " : إصحاح : 3 ، 4 ، 5 ، 7 ، 8 ، 19 ، 11 ، 15.
3 - ذَكَرَ القرآنُ حَمْلَ مريمَ بعِيسى - عليه السلام - ، وكيف انْتَبَذَتْ من أَهْلِها مكاناً قصياً ، وكيفَ أَنجبتْ عيسى ، وبماذا أَرشدها وليدُها.
وَوَرَدَ هذا في آياتِ *16 - 26* من سورة مريم*.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتاب النصراني : " حكاية مولد مريم وطفولة المخلص " الفصل : 25.
4 - ذَكَرَ القرآنُ أَنّ عيسى - عليه السلام - كانَ يَصنعُ من الطينِ كهيئةِ.
الطير ، ثم يَنفخُ فيه فيكونُ طَيْراً بإِذنِ اللّه.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَْخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليوناني : " بشارة هوما الإسرائيلي ". فصل : 2.
5 - صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اليهودَ والرومانَ لم يَقْتُلوا عيسى - عليه السلام - ولم يَصْلُبوه ، وإِنما شُبّهَ لهم ، فقَتَلوا وصَلَبوا الشَّبيه.
وَوَرَدَ هذا في آية *157* من سورة النساء.
وادَّعى الفادي المفترِي أنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا الموضوعَ من رجل نصراني اسْمُه " باسيليوس ".
قال عنه : " حَسْبَ بدعةِ باسيليوس ، الذي قالَ : إِنَّ المسيحَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ على " سمعان القيرواني " ، فصُلِبَ بَدَنُه ، لأَنَّ المسيحَ ليس له جَسَدٌ حقيقي ، بل أُخذ شبه جسد ".
وكيفَ يَدّعي هذا المفترِي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - قرأَ كُتُباً نصرانية متخصصةً بعدَّةِ لغات ، في أَماكنَ خاصة ، في كنائسَ عديدة ، في بلادِ الشامِ ومصر ، بل وفي اليونان! وكأَنَّ النبيَّ الأُمّيَّ - عليه السلام - كان عالماً بعدةِ لُغاتٍ ؟
منها : الآرامية واليونانية ، اللَّتين كُتبت بهما الأَناجيل! وكأَنه - صلى الله عليه وسلم - سافَرَ إِلى كنائسِ الشام ومصر واليونان ، وتَعَلَّمَ من رُهبانِها تلك الكتب ، وأَخَذَ من كُلّ كتابٍ أَشطُراً أو صفحات!!
لا أَدري أَينَ ذهبَ عَقْلُ هذا الفادي المفترِي وهو يكتبُ هذا الكلام ؟!.
خامساً : ماذا أخذ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من كتب الفرس ؟ :
ادَّعى الفادي المجرمُ أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ كَثيراً من القرآنِ من كتب الفرس ، وأَنه سَمِعَ قَصَصَ ملوكِ الفرسِ وعَقَائِدَهُمْ من الناسِ حولَه ، ثم أَلَّفَ منها قرآنَه.
قالَ المجرم : " ومن المعلوم أَنَ الفرسَ كانوا مُتَسَلِّطينَ على كثيرٍ من قبائلِ العرب ، قبلَ مولدِ محمدٍ وفي عصره ، فانتشرَتْ قَصصُ ملوكهِم وعقائِدُهُمْ وخرافاتُهم بين العرب ، فتركَتْ تأثيرها على محمد ، وَدوَّن منها
الشيءَ الكثيرَ في قرآنِه ".
ومَن الذي اكتشفَ محمداً - صلى الله عليه وسلم - وهو يَسطو على قَصصِ الفرسِ ويَضَعُها في قرآنِه ، كما يَدَّعي الفادي المجرم ؟
إِنه الزعيمُ القرشي " النَّضرُ بنُ الحارث " !
قالَ المجرم : " يَشهدُ القرآنُ أَنَّ النَّضْرَ بنَ الحارث كان يُعَيِّرُ محمداً بأَنه ناقلُ أَقوالِ الفرس ، ولم يأخُذ من الوحيِ شيئاً ...
وكان النَّضرُ بنُ الحارث يُحَدِّثُ الناسَ عن أَخبارِ ملوكِ الفرس ، ثم يقول : واللّهِ ما محمدٌ بأَحسنَ حَديثاً منّي ، وما حديثُه إِلّا أَساطيرُ الأَولين ، اكتتَبَها كما اكْتَتَبْتُها..
فردَّ عليه محمدٌ في قرآنِه بقولِه : *إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ *15*.
وجعل يسب النضر قائلاً : *وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ *7* يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *8*".
يُصَرّحُ المجرمُ في الفقرةِ السابقةِ أَنَّ القرآنَ ليسَ وحياً من عندِ اللّه ، وإِنما هو من صياغةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ولذلك قالَ : " فَرَدَّ عليه محمدٌ في قراَنِه بقولِه : *إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ *15* ".
أَيْ أَنَّ هذه الآيةَ من سورةِ القلمِ من تأليفِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، هو الذي صاغَها وَوَضَعَها في سورةِ القلم.
وسَجَّلَ المجرمُ آيتَيْن من سورةِ الجاثية اعتبَرَهما " سَبَّاً " صاغَهُ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وشَتَمَ به النَّضْرَ بنَ الحارِث ، وَوَضَعَهُ في السورة.
وصَدَّق المفترِي افتراءَه ، وجعلَه حقيقةً يَقينيَّة ، ورَتَّبَ عليه نتائجَ اعتبرها قاطعة ، ولذلك قالَ : " ونحنُ نسأَل : كيفَ يَسمحُ محمدٌ لنفسِه أَنْ يَشْتُمَ النَّضْرَ ، وقد اقتبسَ في قرآنِه من أَساطيرِ الفرس ، ما كان من معراج أَرتيوراف ، وَوَصْفَ الفردوس بِحورِه ووِلْدانِه ؟
وقد جَعَلَ محمدٌ فِعْلاً مُعَلِّمَه " سلمانَ الفَارسيَّ " واحداً من الصحابة ؟ ".
وللردّ على المفترِي المجرمِ نقول : لم يَشْتُم الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - النَّضْرَ بْنَ الحارث ، لأَنه لم يكن سَبّاباً ولا لَعّاناً ولا شاتِماً ، ولم يكنْ فاحِشاً بذيءَ اللسان ، وكان كَلامُه كلُّه رِقَّةً وأَدَباً وذوقاً ، ولم تَصدُرْ عنه كلمةٌ واحدةٌ جارحة..
وأَخطأَ الفادي المجرمُ الجاهلُ في زعمِه أَنَّ آيةَ سورةِ القلمِ وآيتيْ سورةِ الجاثية السابقة نزلَتْ في النَّضْرِ بنِ الحارثِ.
وقد وَرَدَتْ بعضُ الرواياتِ في أَنَّ الذي نزلَ في النَّضرِ بنِ الحارث قولُه تعالى : *وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *6*.
ولكنَّ الراجحَ أَنه لم يَنْزلْ فيه ، كما أَنه لم ينزلْ فيه آياتُ سورةِ القلمِ والجاثية..
ولم تَصحّ قصةُ النضرِ بن الحارث ، وأَنه كان " يُشَوِّشُ " على رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، بما كانَ يَحكي للناسِ من قَصصِ مُلوكِ الفرس ، ولم يَصِحّ إِنزالُ آياتٍ في قصته.
ولكنَّ الفادي جاهل ، وهو لجهلِه يَعتمدُ على رواياتٍ موضوعة ، وأَخبارٍ باطلة ، ويَبْني عليها اتهاماتِه ضِدَّ القرآنِ والرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يَجمعُ بينَ الجهلِ والحِقْدِ والافتراءِ والادّعاء!!.
أ - هل أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حادثة المعراج من الفرس ؟ :
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - لم تَحْدُثْ له حادثةُ الإِسراءِ والمعراج ، وإنما قرأَ هذه القصةَ في كتابٍ فارسي ، بلغةٍ فارسية ، ونَسَبَها لنفسه ، وادَّعى أَنه هو الذي عُرِج به!!.
لِنقرأ هذه الفقرةَ الفاجرةَ من كلامِ الفادي الفاجر : " جاءَتْ قصَّةٌ فارسيةٌ قديمةٌ في كتابٍ باللغةِ الفارسية ، اسْمُه : " أرتيوراف نامك " ، كُتِبَ سنةَ أَربعمئةٍ قبلَ الهجرة ، وموضوعُ القصةِ أَنَّ المجوسَ أَرْسَلوا روحَ " أَرتيوراف " إِلى السماءِ ، وَوَقَعَ على جسدِه سُبات ، وكان الغرضُ من رحلتِه هو الاطلاع على كُلِّ شيء في السماء ، والإِتيانَ بأَنبائِها..
فعَرَجَ إِلى السماء ، وأَرشَدَهُ أَحَدُ رؤساءِ الملائكة ، فَجالَ من طبقة إِلى طبقة ، وترقى بالتدريج إِلى أَعلى فأَعلى ...
ولما اطَّلَعَ على كُلِّ شيء أَمَرَه " أُورمَزْد " الإِلهُ الصالحُ أَنْ يَرجعَ إِلى الأَرضِ ، ويُخبرَ الزرادشتيةَ بما شاهَد.
فأَخَذَ محمدٌ قصةَ مِعْراج " أَرتيوراف " ، وجَعَلَ نفسَه بَطَلَها!
وقال : *سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *1*.
وقال محمدٌ في الحديثِ عن ليلةِ الإِسراء : " أُتِيتُ بدابَّةٍ دونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحمارِ ، أَبيض يُقالُ له : البُراق ، يَضَعُ خَطْوَهُ عند أَقصى طَرْفِه ، فجلَسْتُ عليه ، فانْطلَقَ بي جبريل ، حتى أَتى السماءَ الدنيا ، فاستفتَحَ ورأى آدم ، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الثانية ، فرأيتُ عيسى ويحيى ، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الثالثة فرأيتُ يوسف ، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الرابعة فرأيتُ إِدريس ، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الخامسة فرأيتُ هارونَ ، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ السادسة فرأيتُ موسى ، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ السابعةِ فرأيتُ إِبراهيم ، ثم رجعْتُ إِلى سدرةِ المنتهى ، فرأيتُ فيها أَربعةَ أَنهار ، منها النيلُ والفرات ، ثم أُتيت بإِناءٍ من خَمْرٍ وإِناءٍ من لَبَن ، وإِناءٍ من عَسَل ، فأَخَذْتُ اللَّبَن ، فقال : هي الفطرةُ أَنتَ عليها وأُمَّتُكَ ... ".
إِذَنْ : لم يحدث الإِسراءُ برسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ولا العروجُ به إِلى السمواتِ العُلَى ، والذي اكتشفَ هذه الحقيقةَ هو هذا القِسّيسُ الفادي ، حيث اطَّلعَ هذا الفادي على المرجعِ الذي أَخَذَ منه رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ادِّعاءَه.
إِنه كتاب فارسي قَديم ، مُؤَلَّف بلغةٍ فارسيةٍ قديمة ، يتحدَّثُ عن أُسطورةِ معراج " أَرتيوراف " ،
وقد اطَّلَعَ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - على هذا الكتابِ الفارسي ، وهو متمكِّنٌ من اللغةِ الفارسية في نظرِ الفادي المكتَشِف ، لأَنه عالِمٌ باللُّغاتِ المختلفة ، قراءةً وكتابةً ومحادثة ، ومنها العربيةُ والآراميةُ والحبشيةُ والفارسية واليونانية والرومانية والعبرية و ...
وأُعجبَ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - بقصةِ أَرتيوراف ، وادَّعاها لنفسه ، وكَذَبَ على الناس ، وزَعَمَ أَنه هو الذي عُرِجَ بهِ إِلى السماءِ وليس أَرتيوراف!! وأَثبتَ ذلك في قرآنِه الذي أَلَّفَه ، وادَّعى أَن اللّهَ أَوحى به إِليه!!.
هكذا يُسجلُ الفادي المجرمُ كلامَه ، ويُدَوِّنُ اتِّهاماتِه لرسولِنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، ويَلْبَسُ ثوبَ الموضوعيةِ والحياد ، ويقولُ كَلاماً حاقِداً لا يَصدُرُ عن منصفٍ مُحايد!!.
ب - هل أخذ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وصف الحور العين من الفرس ؟ :
ادَّعى الفادي المجرمُ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ وَصْفَ الحورِ العينِ في الجنةِ عن كُتُبِ الفرس ، ووَضَعَه في القرآن ، ونَسَبَه إِلى اللّه ، قال : " أَخَذَ القرآنُ الاعتقادَ بوجودِ الحورِ العينِ في الجَنَّةِ مما قَالَه الزرادشتيةُ القُدَماءُ ، عن وُجودِ أَرواح الغاديات الغانياتِ المضيئاتِ في السماء ، وأَنَّ مكافأةَ أَبطال الحروبِ هي الوجودُ مع الحورِ ووِلْدانِ الحور ، وكانَ الاعتقادُ بوجودِ الحورِ سارِياً عندَ الهنودِ أَيْضاً ، وكلمةُ " حوري " في لغةِ " أُوْستا " *وهي من لُغاتِ الفرسِ القديمة* تَعْني الشمسَ وَضَوْءَها ، وفي اللغةِ البهلويةِ " هور " ، وفي لغةِ الفرسِ الحديثةِ " حنورِ " ، ولَفَظَها العَرَبُ " حُور " أكتاب " شرائع منوا " فصل : 5 ، البيت : 89 ، فَجَرْياً على هذهِ العقيدةِ الفارسيةِ والتعبيرِ الفارسيِّ قال القرآن : *حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ *72*.
وقال : *وَحُورٌ عِينٌ *22* كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ *23*".
رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مطلعٌ على كُتُبِ الفرسِ القديمة ، وخبيرٌ باللغةِ الفارسية ، يَذهبُ إِلى بلادِ الفرس ، ويقرأُ تلك الكتب ، ويأخُذُ منها ما يُريد ، ويَصوغُه باللغةِ العربية ، ويجعَلُه قرآناً ، واكتشفَ الفادي الباحثُ ذلك ، وذَكَرَ لنا الكتابَ الذي كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - يأخذُ منه إ!.
من ما أَخذَه من ذلك الكتابِ القولُ بأَنَّ في الجنةِ نساءً من الحورِ العين ، فهذه عَقيدةٌ فارسيةٌ زرادشتيةٌ ، وكلمةُ " حور " هنديةٌ فارسية ، معناها الشمسُ ، حَوَّرَها الفرسُ إِلى " هور " ، وأَخَذَها منهم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وحَرَّفَها إِلى كلمةِ " حور "..
هذا ما يقررُه الباحثُ المتمكِّنُ من فقهِ اللغات ، الفادي أَفندي!!.
إِن كلمةَ " حَوْرٌ " كلمةٌ عربيةٌ.
أَصيلة ، وكانَ يَستعملها العربُ في الجاهليةِ قبلَ الإِسلام ، ويَجعلونَها وَصْفاً للنساءِ الحسانِ الجَميلات.
قالَ العالمُ اللغويُّ الإِمامُ ابنُ فارس : " الحَوَرُ : شِدَّةُ بَياضِ العينِ في شِدَّةِ سَوادِها.
قالَ أَبو عمرو : الحَوَرُ : أَنْ تَسْوَدَّ العَينُ..
وإِنما قيلَ للنِّساءِ : " حورُ العين " لأَنهنَّ شُبّهْنَ بالظِّباء ".
وجاءَ في لسانِ العرب : " الحَوْرُ : الرُّجوعُ عن الشيء ، وإِلى الشيء.
حارَ إِلى الشيء : رَجَعَ إِليه.
وأَحارَ عليه جوابَه : رَدَّهُ.
و : المحاورةُ : المجاوبة.
و : الحَوَرُ : أَنْ يَشتدَّ بياضُ العينِ وسَوادُ سَوادِها ، وتَستديرَ حَدَقَتُها ، وتَرِقَّ جُفونُها ، ويَبْيَضَّ ما حوالَيْها.
وقيل : الحَوَرُ شِدَّةُ سَوادِ المقلَةِ في شِدَّةِ بياضِها ، في شِدَّةِ بَياضِ الجَسَد.
قال الأَزهري : لا تُسَمّى حوراءَ حتى تكونَ مع حَوَرِ عَيْنَيْها بيضاءَ لونِ الجَسَدِ ...
والأَعرابُ تُسَمّي نساءَ الأَمصارِ حواريات لبياضهِنَّ ، وتَباعُدِهنَّ عن قَشْفِ الأَعراب بنظافتِهنَّ ...
فالحواريّاتُ من النساء : النقيّاتُ الأَلوانِ والجُلودِ لبياضهِنَّ".
وبهذا نَعرفُ أَنَّ مادَّةَ " حَوْرٌ " عربيةٌ أَصيلة ، في جَذْرِها واشتقاقاتِها وتَصريفاتِها واستعمالاتِها ، وليستْ فارسيةً أَو مُعَرَّبَةً عن الفارسية ، كما زعمَ هذا الفادي المفترِي.
وقد وَرَدَتْ مادَّةُ " حَوْرٌ " في القرآنِ ثلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، وَوَرَدَ منها الكلماتُ التالية : يَحورُ بمعنى : يَرجعُ : مرةً واحدة.
و : يُحاورُ بمعنى : يُراجعُ ويُناقشُ
ويُجادلُ في الكلام. وَرَدَ مرتَيْن.
و : تَحاوُرٌ : بمعنى المراجعة والمناقشة. وَرَدَ مرةً واحدة.
و : حورٌ عين : صفةُ نساءِ الجَنَّة. وَرَدَ أَربعَ مرات.
و : الحواريّون : أَصحابُ عيسى - عليه السلام -. وَرَدَ خمسَ مرات.
قال اللّهُ عن الحورِ العين : *كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ *54*.
وقال تعالى : *مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ *20*.
وقال تعالى : *فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ *70* فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *71* حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ *72*.
وقال تعالى : *وَحُورٌ عِينٌ *22* كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ *23*.
ب - هل سلمان الفارسي هو مؤلف القرآن ؟ :
من مفترياتِ الفادي المفترِي الكبيرةِ الفاجرةِ زَعْمُهُ أَنَّ مُعَلِّمَ النبيِّ - عليه السلام - هو سلمانُ الفارسيُّ - رضي الله عنه - ، كان يُلَقِّنُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - القرآنَ ، فيصوغُه بدوْرِه بالعربية ، ويَنسبُه إِلى اللّه!!.
قال تحتَ عنوان : " مُلَقِّنُ محمدٍ : سلمان الفارسي " : " شهدَ القرآنُ أَنَّ المقصودَ بإِملائِه القصصَ الفارسيةَ علي محمدٍ هو سلمانُ الفارسي ، فقال :
*وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ *103*.
وسلمانُ هذا فارسيّ أَسلم ، وكان من الصحابة ، وهو الذي أَشارَ على محمدٍ وَقْتَ حصارِ المدينة بحفْرِ الخندق ، فنفَّذَ محمدٌ نصيحتَه ، وهو الذي أَشارَ على محمدٍ باستعمال المنجنيقِ في غزوةِ ثقيف في الطائف.
وقد اتهمَ العربُ محمداً أَنَّ سلمانَ هذا هو الذي ساعَدَه على تأليفِ قرآنه ، ومنه اسْتَقى الكثيرَ من قَصَصه وعباراتِه ، ومع أَن محمداً قال : إِن سلمانَ أَعجميّ والقرآنَ عربيّ ، ولكن هذا لا يمنعُ أَنْ تكونَ المعاني لسلمان ، وصياغتُها في أُسلوبها العربي لمحمد".
يَكْذِبُ المفْتَري عندما يَزعُمُ أَنَّ القرآنَ شَهِدَ أَنَّ المقصودَ بإِملاءِ القَصصِ الفارسيةِ على رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - هو سلمانُ الفارسيُّ - رضي الله عنه - ، وأَنه هو الأَعجميُّ المقصودُ بقوله تعالى : *وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ *103*.
لم يَقُلْ أَحَدٌ من العلماءِ المسلمين أَن الآيةَ نازلة في سلمانَ الفارسي ، لأَنَّ سورةَ النحلِ مكية ، ولم يكنْ سلمانُ مُسْلماً وقْتَ نزولِها ، إِنما أَسلمَ في المدينةِ بعدَ الهجرة.
والراجحُ أَنَّ المقصودَ بالآيةِ بعضُ العبيدِ الأَعاجمِ في مكة.
روى الواحديُّ في " أَسبابِ النزول " ، والطبريُّ في تفسيرِه ، عن عبدِ اللّه بنِ مسلم الحضرميِّ - رضي الله عنه - : أَنه كانَ لهم عَبْدانِ من أَهْلِ غَيْرِ اليمن ، وكانا طِفْلَيْن ، وكان يُقالُ لأَحَدِهما : يَسار ، وللآخَر. جَبْر.
فكانا يَقْرَأانِ التوراةَ ، وكانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ربما جَلَسَ إِليهما.
فقالَ كفارُ قريش : إِنما يَجلسُ إِليهما يتعلَّمُ منهما ، فأَنزلَ اللّهُ قولَه تعالى : *لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ *103*.
وقالَ محمدُ بنُ إِسحاق في السيرة : كانَ الغلامُ النصرانيُّ واسْمُه " جَبْر "
عَبْداً لبعضِ بني الحَضْرَمي.
وقالَ عِكرمةُ وقَتادة : كان اسْمُه يعيش.
وقالَ ابنُ عباس : كان اسْمُه بلعام.
وبعدَ أَنْ ذكرَ الحافظُ ابنُ كثير الاختلافَ في اسمِ ذلك الغلامِ الأَعجميّ ، قال : " وقالَ الضَّحّاكُ بنُ مزاحم : هو سلمانُ الفارسي.
وهذا القولُ ضَعيف ، لأَنَّ هذه الآيةَ مكية ، وسلمانُ إِنما أَسلمَ بالمدينة ".
وقالَ ابنُ كثير في تفسيرِ الآية : " يَقولُ تعالى مُخْبِراً عن المشركين ، ما كانوا يقولونَه من الكذبِ والافتراءِ والبُهْت ، أَنَّ محمداً إِنما يُعَلِّمُه هذا الذي يَتْلوهُ علينا من القرآنِ بَشَر..
ويُشيرونُ إِلى رجلٍ أَعجمي كان بينَ أَظْهرِهم ، غُلامٌ لبعضِ بُطونِ قريش ، كان بَيّاعاً يَبيعُ عند الصفا ، وربما كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَجلسُ إِليه ويُكلمُه بعضَ الشيء ، وذاك كانَ أَعجميَّ اللسانِ لا يَعرفُ العربية ، أَو أَنه كانَ يَعرفُ الشيءَ اليسير ، بقَدْرِ ما يَرُدُّ جَوابَ الخطابِ فيما لا بُدَّ منه ، فلهذا قالَ اللّهُ تعالى رَدّاً عليهم في افترائِهم ذلك : *لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ *103*.
أَي : القرآنُ لسانٌ عربيٌّ مبين ، فكيفَ يتعلَّمُ مَنْ جاءَ بهذا القرآنِ - في فصاحتِه وبلاغتِه ومعانيه التامةِ الشاملة ، التي هي أَكملُ من كُلِّ كتابِ نَزَلَ على بني إِسرائيل - من رجلٍ أَعجميٍّ ؟
لا يَقولُ هذا مَنْ له أَدنى مِسْكَةٍ من عَقْل.. ".
لقد كَذَبَ الفادي المفترِي كذبتَيْنِ كبيرتَيْن : كَذَبَ عندما زَعَمَ أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ هذا القرآنَ عن رجلٍ أَعجمي ، ولا نجدُ في الرَّدِّ عليه أَبلغَ من قولِه تعالى : *لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ *103*.
والكِذْبةُ الثانيةُ عندما زَعَمَ أَنَّ هذا الأَعجميّ المعلِّمَ هو سلمانُ الفارسيّ - رضي الله عنه - ، وهو يقولُ هذا الكلامَ لأَنه جاهلٌ بالقرآنِ ، وبالسيرةِ ، وبالتاريخِ ، وبأُسس البحثِ العلميِّ المحايدِ النزيه.
إِنه جاهِلٌ لا يَعرفُ أَنَّ سورةَ النحل مكيّة ، وجاهلٌ لأَنه لا يَعرفُ أَنَّ إِسلامَ سلمانَ الفارسيِّ كانَ في المدينة.
وهو حاقدٌ متحاملٌ ، يُغالطُ عندما يَدَّعي أَنَّ سلمانَ الفارسيَّ كان يُعلمُ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - العلومَ والقصصَ والأَخبارَ
والمعاني ، باللغةِ الفارسية ، فيتلقَّفُها منه ، ويَصوغُها بلغتِه العربية : " ولكنَّ هذا لا يَمنعُ أَنْ تكونَ المعاني لسلمان ، وصياغتها في أُسلوبِها العربيِّ لمحمد ".
وقد كانَ سلمانُ الفارسيُّ - رضي الله عنه - خبيراً بشؤونِ الحرب ، ولذلك هو الذي أَشارَ على رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - بحَفْرِ الخندق ، في السنةِ الخامسةِ من الهجرةِ ، لما هاجمتْ أَحزابُ الكفارِ المدينة ، ففوجئوا بذلك الخندق ، الذي لم يَألَفوه من قبل.
كما أَشارَ على رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بضربِ الطائفِ بالمنجنيق ، في السنةِ الثامنةِ من الهجرة.
سادساً : ما الذي أخذه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من كتب الحنفاء ؟ :
تكلمَ الفادي الجاهلُ عن " الحنفاءِ " كَلاماً باطلاً ، دَل على جهلِه وافترائِه ، وزَعَمَ فيه أَنَّ هؤلاءِ الحنفاءَ كانوا من الذين عَلَّموا رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
أ - من هو الحنيف ؟ :
من جهل الفادي أنه لم يَعْرِفْ معنى كلمة " حنيف " في اللغةِ العربية ، فبَعْدَ أَنْ دكَرَ بعضَ الآياتِ التي وَصفَتْ إِبراهيمَ - عليه السلام - بأَنه حَنيفٌ ، كقوله تعالى : *قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *95*.
ادَّعى الجاهلُ الغبيُّ أَنَ كلمةَ " حَنيف " عبريةٌ وسريانيةٌ وليست عربية.
قال في افترائِه : " وكلمةُ *حنيف* في اللغةِ العبريةِ والسريانيةِ تَعْني " نَجساً " أَو " مُرْتَدّاً " ، وُصِمَ بها العربُ الذين هَجَروا عبادةَ الأَصْنام ، وارتَدُّوا عن دينِ أَسلافِهم ".
" حَنيف " عند الجاهلِ ليستْ صفةَ مَدْح ، بل صفة ذَمِّ ، بمعنى : نَجِس ، وهي عبريةٌ وليستْ عربية! هكذا يَدَّعي هذا الباحثُ الموضوعيُّ المحايد!!.
علماً أَنَّ الكلمةَ عربيةٌ أَصيلةٌ ، ذاتُ جَذْرٍ لغويّ صحيح ، ومعنى عربي :
واضح مفهوم.
هل الحنيفُ هو النجسُ ؟ لِنَنْظُر :
قال ابنُ فارس : " الحَنَفُ هو الميْلُ.
ورجلٌ أَحْنَف : مائِلُ الرّجْلَيْن.
والحَنيفُ : المائل إِلى الدينِ المستقيم.
ويُقال : الحَنيفُ هو النّاسِك ، والحَنيفُ هو المستقيمُ الطريقة ، وهو يَتَحَنَّفُ.
أَيْ : يَتَحَرّى أَقومَ الطَّريق ".
وجاءَ في لسانِ العرب : " الحَنيفُ : المسلم ، الذي يَتَحَنَفُ عن الأَدْيان ، أَيْ : يَميلُ إِلى الحَقّ.
وقيلَ : هو الذي يَستقبلُ قبلةَ البيتِ الحرامِ على ملَّةِ إِبراهيم ، على نبيّنا وعليه الصلاةُ والسلام.
وقيلَ : هو المخْلِص ، وقيل : هو مَنْ أَسْلَمَ في أَمْرِ اللّه ، فلم يَلْتَوِ في شيء.
وقيل : كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ لأَمْرِ اللّهِ ولم يَلْتَوِ فهو حَنيف.
فالحَنيفُ : المستقيم ، والحَنَفُ : الاستقامة.
والدّينُ الحَنيفُ : الإِسلام.
والحنيفيةُ : مِلَّةُ الإِسلام.
وفي الحديث : " بُعِثْتُ بالحنيفيةِ السَّمْحَة ".
قالَ الزجاج : الحَنيفُ في الجاهليةِ : مَنْ كانَ يَحُجُّ البيتَ ، ويَغتسلُ من الجَنابة ، ويَختتن ، فلما جاءَ الإِسلامُ كانَ الحنيفُ المسلمَ.
وفي الحديثِ القدسيّ : " خَلَقْتُ عبادي حُنَفاء ".
أَيْ : طاهِري الأَعضاء من المعاصي ... ".
الحَنيفُ في اللغةِ العربيةِ هو الطاهرُ وليس النَّجس ، وهو المسلمُ وليس المرتَدّ ، وهو المستقيمُ على الحَقّ ، وليس المنحرفَ عنه ، فهو صفةُ مدحٍ وثناء ، وليسَ صفةَ ذَم ، كما ادّعى هذا الجاهلُ الغبيُّ.
ولذلك جاءَتْ هذه الصفةُ للمدحِ والثناء ، وَوُصِفَ بها إِبراهيم - عليه السلام - أَكثرَ من مَرَّة.
كما في قولِه تعالى : *وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *135*.
وكما في قولِه تعالى : *مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *67*.
وكما في قولِه تعالى : *إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *120*.
ولذلك أَمَرَ اللّهُ رسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَقْتديَ بإِبراهيمَ - عليه السلام - ، وأَنْ يكونَ حَنيفاً مثْلَه.
قالَ تعالى : *قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا*.
وقال تعالى : *فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا*.
وأَمَرَ اللّهُ كُلَّ عبادِه المسلمين أَنْ يَكونوا حُنَفاء ، على اختلافِ زمانِهم أَو مكانِهم.
قال تعالى : *وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ *5*.
إِبراهيمُ - عليه السلام - حَنيفٌ ، ورسولُنا - صلى الله عليه وسلم - حَنيفٌ..
والنَّجِسُ المرتَدُّ الخبيثُ المفتري هو هذا الفادي المجرمُ ، الذي يتلاعَبُ حتى بمعاني الكلمات!.
ب - حول نشأة الحنفاء ونهايتهم :
يواصِلُ الفادي الجاهلُ جَهْلَه ، فيتحدَّثُ عن نشأَةِ الحُنَفاء ، ويَذْكُرُ أَمْراً ساذجاً مُضْحِكاً ، يَدَّعي أَنه نَقَلَه عن السيرةِ النبويةِ لابنِ هشام.
زَعَمَ أَنَّ قُريشاً اجتمعتْ في يومِ عيدٍ لهم ، حول صنمٍ من أَصنامِهم ، يَعبدونَه ويُعَظّمونه ...
فاعتزلهم أَربعةُ نَفَر ، وجَلَسُوا يتحدثون فيما بينهم ، وهم : وَرَقَةُ بنُ نوفل ، وعبيدُ اللّه بن جحش ، وعثمانُ بن الحويرث ، وزيدُ بن عمرو بن نفيل..
وقال بعضُهم لبعض : تَعلمونَ أَنَّ قومَكم ليسوا على شيء ، وأَنهم تركوا دينَ أَبيهم إِبراهيم ، وعبدوا أَحجاراً لا تَضُرُّ ولا تَنفع ...
وتواصى هؤلاء الأَربعةُ أَنْ يَتَفَرَّقوا في البلدان ، للبحثِ عن الدينِ الحق.
وزَعَمَ الفادي أَنَّ وَرَقَة بنَ نوفل تَنَصَّر ، وأَنَّ عُبيدَ اللّهِ بنَ جحشِ بقيَ حائِراً ، إِلى أَنْ أَسلمَ ثم تَنَصَّر ، وأَنَّ عثمانَ بنَ الحويرث تَنَصَّر ، وزيدَ بنَ عمرو اعتزل قَومَه ، وطَردوه من مكة ، وأَقامَ على جبل حراء".
وهذا كلامٌ باطل ، يَدُل على أَنَّ " الحنفاءَ " لم يوجَدوا إِلّا في قريش ، قُبيلَ بعثةِ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنهم أَربعةُ رجالٍ فقط ، انتهى ثلاثةٌ منهم إِلى النصرانية وصاروا نصارى ، والرابعُ هو الذي عَلَّمَ محمداً - صلى الله عليه وسلم - القراَن!!.
" الحُنَفاءُ " هم : الذينَ لم يُشركوا باللّه ، ولم يَعْبُدوا الأَصنام ، وآمَنوا باللّه وحْدَه لا شريكَ له ، وبَقوا على دينِ إِبراهيمَ - عليه السلام - ، فقد كانوا يَعلمونَ أَنَّ إِبراهيمَ - عليه السلام - كان " حَنيفاً " ، ولهذا أَعلنَ كُلُّ واحدٍ منهم أَنه حنيف ، يَقْتَدي بإِبراهيم - عليه السلام - ، وسُمّوا بالحنفاء.
أَيْ أَنَّ دينَهم كانَ " الحنيفية " ، القائمةَ على توحيدِ اللّه ، وعدمِ الشركِ به.
وكان هؤلاء قبلَ بعثةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بمئاتِ السِّنين ، ولم يتوقَّفْ وجودُ الحنفاءِ في بلادِ العرب منذُ إِسماعيلَ - عليه السلام - ، ولم يكونوا في مكةَ وَحْدَها ، إِنما كانوا موجودين في مختلفِ بلادِ العرب ، كمكةَ والمدينةِ والطائف ونجد واليمن وعُمان وغيرها.
فلم يكونوا مجردَ أَربعةِ رجالِ كما زعم الفادي.
وكَذَبَ الفادي المفترِي عندما ادَّعى أَنَّ ورقةَ بنَ نوفل اعتنقَ النصرانية ، وذلك في قولِه : " فأَما وَرَقَةُ بنُ نوفل فاستحكَمَ في النصرانية ، واتبعَ الكتبَ من أَهلِها ، حتى عَلِمَ عِلْماً من علمِ أَهْلِ الكتاب ".
لقد بقيَ وَرَقَةُ على الحنيفية ، ولم يَدخلْ في اليهوديةِ ولا في النصرانية ، لقد كان قارِئاً كاتِباً ، مطَّلِعاً على التوراة ، يقرأُ فيها ، ويعرفُ النبوةَ والأَنبياء ، لكنه لم يَعتنقْ أَيّاً من الديانتَيْن اليهوديةِ والنصرانية.
وبقيَ ورقةُ بنُ نوفلَ حَيّاً حتى بعثةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وكان قَريباً لزوجِه خديجةَ - رضي الله عنها - ، وقد قابلَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - ورقةَ بعدَ نزولِ الوحيِ عليه ، وثَبّتَه على الحَقّ.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ - رضي الله عنها - حديثَ " بدءِ الوحي " الطويل ، ونسجلُ هنا الجزءَ المتعلقَ بورقة ، قالت : " ... فقالَتْ خديجةُ لورَقَة : أَي عَمّ! اسمعْ من ابنِ أَخيك.
فقالَ له ورقة : يا بنَ أَخي ماذا تَرى ؟ فأَخبره رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ ما رآه.
فقالَ له ورقَة : هذا الناموسُ الذي أُنزلَ على موسى - عليه السلام - ، يا لَيْتَني فيها جَذَعاً ، يا لَيْتَني أَكونُ حيّاً إِذْ يخرجُك قومُك! فقال رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
**أَوَ مُخْرِجيَّ هُمْ ؟ ".
قَالَ ورقَة : نَعَمْ. لم يأتِ رجلٌ قَط بمثْلِ ما جئْتَ به إِلّا عودِي ، وإِنْ يدركْني يومُك أَنْصرْكَ نَصراً مُؤَزَّراً.
ثم لم يَنشِب ورقةُ أَنْ تُوُفَي ".
وَرَقَةُ حَنيفٌ مُوَحِّد ، يَعرفُ النبوةَ والأنبياء ، لذلك عَرَفَ أَنَّ اللّهَ بَعَثَ محمداً رسولاً نبياً - صلى الله عليه وسلم - ، وأَنزل عليه الوحيَ ، وأَنَّ جبريلَ الذي أُنزلَ عليه هو الذي أَنزلَه اللّهُ على كُل نبيٍّ قبلَه..
وأَخبرَ ورقةُ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَنْ قُريشاً
سيُخرجونَه من مكة ، وسيُعادونَه ويُحاربونَه ، لأَنَّ الأَقوامَ السابقين عادوا أَنبياءَهم وحارَبوهم ، وتمنّى لو كانَ في شبابِه وقُوَّتِه لينصُرَه ويؤَيدَه ويكونَ معه ، وَوَعَدَه أَنْ يَدخلَ في دينِه إِنْ أَدركَه وبقيَ حَيّاً ، لكنَّه سرعانَ ما توفي!.
أَيْ أَنَّ ورقةَ أَيقنَ أَنَّ محمداً هو رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وتمنّى لو دَخَلَ هو في الإِسلام ، وكان يَنْوي ذلك ، لكنَّه ماتَ قبلَ أَنْ يبدأَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة.
ب - زيد بن عمرو ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
ادعى الفادي المجرمُ أَنَّ قُريشاً نَفَوا زيدَ بنَ عمرو ، فأَقامَ في غارِ حراء ، وهناك كانَ يجتمعُ به محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فعلَّمَه زيدٌ القرآن!! قالَ الفاجرُ فَضَّ اللّهُ فاه :
" وأَما زيدُ بنُ عمرو فلم يدخُلْ في يهوديةٍ ولا نصرانية ، وفارَقَ دينَ قومِهِ ، فاعتزلَ الأَوثانَ ، ونهى عن قتْلِ الموءودةِ ، وقال : أَعبدُ رَبَّ إِبراهيم ، ونادَى قومَه بعيبِ ما هم عليه ، وكان يَجهرُ في الكعبةِ بمبادئِه ، فطردَه عَمُّه خَطَّاب من مكة ، وأَلزمَه أَن يُقيمَ على جبلِ حراء أَمامَ تلك المدينة ، ولم يَأذَنْ له بالدخولِ إِلى مكة..
وكان محمدٌ يَذهبُ إِلى جبلِ حِراء ، ويَصرِفُ هناكَ شهراً كُلَّ سنة ، حَيثُ طبعَ زيدٌ على محمدٍ في ذلك الغارِ أَكبرَ أَثَرٍ في أَفكارِهِ وتوجيهِه ".
ما ادَّعاهُ المجرمُ غيرُ صَحيح ، فلم تَنْفِ قريشٌ زيدَ بنَ عمرو من مكة ، ومن ثَمَّ لم يكنْ مُقيماً في غارِ حِراء ، فقد كانَ مُقيماً في مكَّة ، ويتجوَّلُ فيها ، ويَجلسُ عند الكعبة ، ويَنشُدُ الأَشْعار ، ويَنطقُ بالأَقوال في عَيْبِ الشركِ باللّه ، والجهرِ بتوحيدِ اللّه ، وكانوا يَسمعونَه ولا يهتَمُّون به.
ولم يَلْتقِ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - بزيدِ بنِ عمرو في غارِ حِراء ، كما ادعى المجرمُ ، وماتَ زيدُ بنُ عمرو قبلَ بعثةِ رسولِ اللّه - عليه السلام - ، والذي أَدرك النبوةَ هو ابنُه سعيدُ بنُ زيد ، الذي كانَ من خَيارِ الصحابة ، ومن العشرةِ المبَشَّرين بالجنة.
وانظر إِلى فُجورِ الفادي عندما يُوَظِّفُ الروايةَ الصحيحةَ تَوْظيفاً سيئاً ، يوافِقُ هواه ، ويَستدلُّ بها على ادِّعاءاتِه واتهاماتِه.
فالرسولُ - صلى الله عليه وسلم - كان يَذهبُ إِلى غارِ حراءَ شَهْراً في السنة ، هو شَهْرُ رمضان ، هذا صحيح ، حيثُ كان يَخْلو إِلى نفسِه ، يُفَكِّرُ ويتأَمَّل ...
لكنَّه لم يكن هناك مع زيدِ بنِ عمرو ، ولم يُعَلِّمْه زيدٌ القرآنَ ، ولم يُلَقّنْه التوحيدَ.
وعندما كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وحيداً في غارِ حِراءَ فاجأَه الوحْيُ ، وأَنزلَ اللّهُ عليه جبريلَ - عليه السلام -.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ أُمِّ المؤمنين - رضي الله عنها - قالت : " أَوَّلُ ما بُدِئَ به رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحةُ في النومِ ، فكانَ لا يَرى رؤيا إِلّا جاءَتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبْح ...
ثم حُبِّبَ إِليه الخَلاء ، وكانَ يَخْلو بغارِ حِراء ، فيتحنَّثُ فيه - وهو التعبّدُ - الليالي ذواتِ العَدَد ، قبلَ أَنْ يَنْزعَ إِلى أَهْلِه ، ويتزوَّدَ
لذلك ، ثم يَرجعَ إِلى خَديجة ، فيتزوَّدَ لمثْلِها ...
حتى جاءَهُ الحق وهو في غارِ حراء..
فجاءَه المَلَكُ ، فقالَ : اقْرَأ ... ".
د - هل أَثَّرَ زيدُ بنُ عمرو في القرآن ؟ :
ما زالَ الفادي المفْتَري مُصرًّاًعلى فُجورِه ومزاعمِه بأَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - تَلَقّى القرآنَ عن زَيْدِ بنِ عمرو.
وأَورَدَ بعضَ الأَبياتِ الشعريةِ التي نُسبتْ لزيدِ بن عَمرو ، ولَخَّصَ هو بعضَ أَفكارِها ، الرافضةِ للشرك ، والداعيةِ إِلى التوحيد ، ثم زَعَمَ أَنَّ هذه الأَبياتِ أَثَّرَتْ في القرآن.
قال المجرم : " أَقوالُ زيدِ بنِ عمرو وأَثَرُها في القرآن :
قالَ زيدُ بنُ عمرو في فراقِ قومِه :
أَرَبّ واحدٌ أَمْ أَلْفُ رَبٍّ ... أَدينُ إِذا تَقَسَّمَتِ الأُمورُ
عَزَلْتُ اللَّاتَ والعُزّى جَميعاً ... كَذلكَ يَفْعَلُ الجَلِدُ الصَّبورُ
فَلا عُزّى أَدينُ وَلا ابْنَتَيْها ... وَلا صَنَمَى بَني عَمروٍ أَزورُ
وَلا هُبَلاً أَدينُ وَكانَ رَبّاً ... لَنا في الدَّهْرِ إِذ حِلْمِي يَسيرُ
عَجِبْتُ وَفي اللَّيالي مُعْجباتٌ ... وَفي الأَيّامِ يَعْرِفُها البَصيرُ
بِأَنَّ اللّهَ قَدْ أَفْنى رِجالاً ... كَثيراً كانَ شَأْنُهُمُ الفُجورُ
وَأَبْقى آخَرينَ بِبِز قَوْمٍ ... فَيَكْبُرُ مِنْهُمُ الطفْلُ الصَّغيرُ
وَبَيْنا المَرْءُ يَفْتُرُ ثابَ يَوْماً ... كَما يَتَرَوَّحُ الغُصْنُ المَطيرُ
وَلكِنْ أَعْبُدُ الرَّحْمنَ رَبّي ... لِيَغْفِرَ ذَنْبِيَ الرَّبُّ الغَفورُ
فَتَقْوى اللّه رَبِّكُمُ احْفَظوها ... متى ما تَحْفَظوها لا تَبورُ
تَرى الأَبْرارَ دارَهُمُ جنانٌ ... وللكُفّارِ حامِيَةٌ سَعيرُ
وَخِزْيٌ في الحَياةِ وَإِنْ يَموتوا ... يُلاقوا ما تَضيقُ به الصُّدورُ "
وعَلَّقَ المفْتَري على شِعْرِ زيدِ بنِ عمرو بقوله : " فهذه القصيدةُ العامرةُ تُبَيِّنُ مَبادئَ الحُنَفاءِ التي تَأَثَّرَ بها محمد ، وجَعَلَها من مقوِّماتِ دينِه ، فقصيدةُ زيدِ بنِ عمرو قبلَ الإِسلام تُعلنُ المبادئَ التالية :
رفضُ عبادةِ الأَوثان.
والإِقرارُ بوحدانيةِ اللّه.
والوعدُ بالجنة.
والوعيدُ بالعذابِ في سَعيرِ جهنم.
وأَسماءُ اللّهِ الرَّبِّ الرحمنِ الغفور.
والمناداةُ بدينِ إِبراهيم.
وقد أَخَذَ الإِسلامُ أَهَمَّ مبادِئِه عن الحنفاء ، كما عَلمَها زيدُ بنُ عمرو لمحمدٍ !! ".
صحيحٌ أَنَّ زيدَ بنَ عمرو قال بعضَ أبياتِ هذه القصيدة التي نُسبتْ له ، وبعضُ أَفكارِها التي وَرَدَتْ كانَ زيدٌ مؤمناً بها ، لأَنه كانَ مُوَحِّداً حنيفاً ، على دينِ إِبراهيمَ - عليه السلام -.
ولكنَّ زيداً ماتَ قبلَ بعثةِ محمدٍ رسولِ اللّه - عليه السلام - ، ولزيدٍ أَبياتٌ وعباراتٌ توحيدية أُخرى ، لأَنه كانَ مؤمناً مُوَحداً للّه.
ولا يُسْتَغْرَبُ اتفاق بعضِ المبادئ والأَفكارِ التي كان يُؤمنُ بها زيدُ بنُ عمرو - أَو غيرُه في العربِ الحنفاء - مع ما جاءَ في القرآنِ ، لأَن تلكَ المبادئَ أَخَذوها عن دينِ إِبراهيمَ - عليه السلام -.
لقد جاءَ إِبراهيمُ عليه السلام - بالتوحيد ، وجاءَ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد ، وجاءَ كُلُّ نبيٍّ بالتوحيد ، ولا خِلافَ في العقيدةِ بينَ رسولٍ ورسول ، فكلّهم جاؤوا بعقيدةٍ واحدة ، ولا غرابةَ في اتفاقِ القرآنِ مع ما كان يؤمنُ به المؤمنُ الحنيفُ زيدُ بن عمرو.
قال تعالى : *وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ *25*.
وقال تعالى : *شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ*.
سابعاً : ما الذي أخذه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من الكتب السماوية ؟ :
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ القرآنَ من الكتبِ السماوية السابقة ، المتمثلةِ في أَسْفارِ العهدِ القديمِ وأناجيلِ العهدِ الجديد ، وادَّعى أَنَّ القراَنَ اعترفَ بذلك ، واستشهدَ على ذلك بقولِه تعالى : *إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى *18* صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى *19*.
ومعنى الآيةِ عندَه أَنَّ آياتِ القرآنِ موجودةٌ في الصحف الأُولى ، كصحفِ إِبراهيمَ وموسى - عليهما السلام -.
أَيْ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ آياتِ القرآنِ من الصحفِ الأُولى ، التي أُنزلَتْ على إِبراهيمَ وموسى ، وزَعَمَ أَنَّ اللّهَ أَنزلَها عليه.
وهذا الفهمُ الخاطئُ للآيةِ سَبَبُهُ جهلُ الفادي وغباؤُه ، اسْمُ الإِشارةِ " هذا "
في الآية : *إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى* يَعودُ في زعمِه على القرآن.
وهذا باطلٌ.
إِنَّ اسْمَ الإِشارةِ يَعودُ على المعنى الذي قَرَّرَتْه الآياتُ السابقةُ من
السورة ، مثلُ قوله تعالى : *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *14* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى *15* بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *16* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى *17*.
أَيْ : هذا المعنى في الآياتِ موجودٌ في الصحفِ الأُولى ، كصحفِ إِبراهيمَ وموسى.
وهذه الآياتُ تُقررُ حقائقَ إِيمانيةً عقيدية ، وهذه الحقائقُ موجودةٌ في الصحفِ الأُولى ، فاللّهُ أَخبرَ " في صحفِ إِبراهيمَ وموسى أَنَّ مَنْ تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ ربِّه فصلّى ، فهو مفلحٌ فائزٌ ناجح..
ولكنَّ معظمَ الناسِ لا يَأخذون بذلك ، وإنما يُؤْثِرونَ ويُفَضلونَ الحياةَ الدنيا ، وهم خاسرونَ مُخطئون في إِيثارِهم واختيارِهم ، لأَنَّ الآخِرَةَ خَيرٌ وأَبقى.
فهذه الآيات ُ شاهدةٌ بوحدةِ الصحفِ والكتبِ التي أَنزلَها اللّهُ على رسلِه ، ووحدةِ الرسالاتِ في الأُصول ، وهي مسائلُ الإِيمانِ والعقيدة ، وكلُّهم جاؤوا بعقيدةٍ واحدةٍ ، تقومُ على توحيدِ اللّه ، وإفرادِه بالعبادةِ والاستعانة ، وطالَبوا بتحقيقِ أَركانِ الإِيمان ، والخلافُ بينَهم إِنما كان في الشرائعِ ، لقوله تعالى :
*لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا*.
وذَكَرَ الفادي المفْتَري بعضَ الموضوعاتِ التي أَخَذَها محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الكتبِ السابقة فقال : "..
وفي هذا اعترافٌ صريحٌ أَنَّ القرآنَ *عَدَا قصص نساءِ محمدٍ وغاراته* مأخوذٌ عن الكتابِ المقدس..
فمِنْ سِفْرِ التكوينِ اقتبسَ قصةَ الخليقةِ وآدمَ وحَوّاء وقايينَ وهابيلَ وأَخنوخَ ونوحٍ وإبراهيمَ ولوطٍ وإسحاق ويَعقوبَ ويوسُفَ ...
وعن سِفر الخروج أَخَذَ قصةَ موسى وفرعون وعامودَ السحاب والمنِّ والسلوى والصخرةِ والوصايا العشر والعجل الذهبي واللوحين والتابوت ...
وعن سِفر اللّاويين أَخَذَ شريعةَ العينِ بالعينِ والسِّنِّ بالسن والذبائح الدموية ...
وعن سِفْرِ العددِ أَخَذَ قصةَ الجواسيس وقورح والبقرة الحمراء وبلعام ...
وعن سفرِ التثنية أَخَذَ أَنَّ موسى كتبَ التوراة ، وأَنَّ الكهنةَ حفظوها ...
ومن سِفْرِ يَشوع اقتبسَ قصةَ دُخول بني إِسرائيلَ أَرضَ الموعد..
وأَخَذَ قصةَ جَدْعون عن سِفْرِ القضاة..
وقصةَ شاول وداود وجوليات وتوبةَ داود عن سِفْرَي صموئيل..
وقصةَ سليمان من سِفر المزامير وأَشعياء وحزقيال.
وقصةَ يونان عن سِفر يونان..
وقصةَ زكريا ويحيى ومريم العذراء وميلاد المسيح ومعجزاتِه وموته وصعوده عن الأَناجيل.
وانتشار المسيحية ومجمع أورشليم ورسامة القساوسة عن أعمال الرسل..
وبعضَ الآياتِ اقتباساً من رسائل بولس الرسول إِلى أَهلِ رومية وكورنثوس وغلاطية وفيلبي
وتسالونيكي والعبرانيين ، ومن رسائل يعقوب وبطرس ورؤيا يوحنا اللاهوتي ".
إِذا توافَقَ القرآنُ في أَيِّ قصةٍ أَو خَبَرٍ مع أَسفارِ التوراةِ والأَناجيل ، فهو دليلٌ على أَنَّ محمداً " - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ ذلك من تلك الكتب ، أَيْ أَنه رجعَ إِليها وقرأَ فيها وحفظها ، ثم أَخَذَ واقتبسَ وصاغَ منها ما يَشاء ، وادَّعى أَنَّ اللّهَ أَنزلَها عليه !!.
لا أَدري كيفَ يَلبسُ هذا الفادي الجاهلُ ثوبَ البحثِ العلميِّ الموضوعيِّ المنصفِ المحايد ، ولا كيفَ يَفهمُ الأُمورَ ، ولا كيفَ يَقرأُ في الأَديانِ والرسالات!!.
إِننا نؤمنُ أَنَّ اللّهَ أَنزلَ التوراةَ على موسى - عليه السلام - ، قبلَ أَنْ يُحَرّفَها اليهود ، كما نؤمِنُ أَنَّ اللّهَ أَنزلَ الإِنجيلَ على عيسى - عليه السلام - ، قبلَ أَنْ يُحرفَه النَّصارى ، وبما أَنَّ الكتبَ الثلاثةَ من عندِ اللّهِ فلا بُدَّ أَنْ تكونَ متوافقةً متساندة ، ولا يَجوزُ أَنْ تكونَ مُتعارضةً متناقضة.
ويَجبُ أَنْ يَكونَ الكتابُ اللاحقُ المتأَخِّرُ مُصَدِّقاً للكتابِ السابق ، وإذا جاءَ مُناقِضاً له ، أَو مُخَطِّئاً أَو مُكَذِّباً لما فيه ، فأَحَدُ الكتابَيْنِ ليسَ من عند اللّه !!.
وإِنَّ من المتَّفِقِ مع التفكيرِ العقليِّ المنطقيِّ أَنَّ كَلامَ اللّهِ صادقٌ صَحيحٌ صائب ، وأَنه لا يَجوزُ لبعضِ كلامِ اللّهِ أَنْ يُخَطِّئَ أَو يكَذِّبَ أَو يَنْقُضَ أَو يَرُدَّ بعضَ كَلامِ اللّه.
ولهذا نقول : يَستحيلُ عَقْلاً وشَرْعاً أَنْ يُخَطِّئَ الإِنجيلُ التوراة ، أَو أَنْ يُناقِضَ القرآنُ ما في الإِنجيلِ والتوراة!!
كلُّ ما وردَ في الإِنجيلِ النازلِ على عيسى - عليه السلام - مُوافقٌ ومُصدِّقٌ للتوراةِ النازلةِ على موسى - عليه السلام -.
وكلُّ ما وردَ في القرآنِ النازلِ على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - موافِقٌ ومُصَدِّقٌ لما وَرَدَ في التوراةِ النازلةِ على موسى ، والإِنجيلِ النازلِ على عيسى - عليه السلام -.
هذا أَمْرٌ بَدَهيّ عقليّ مُقَرّر!!.
وقد أَخبرَ اللّهُ أَنَّ عيسى جاءَ مُصَدّقاً لموسى - عليه السلام - ، وأَنَّ الإِنجيلَ جاءَ مُصَدّقاً للتوراة.
قال تعالى عن ما قالَه عيسى - عليه السلام - لبني إِسرائيل : *وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ*.
وقال تعالى : *وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ*.
وقال تعالى عن موافقة وتصديق الإِنجيل للتوراة : *وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ *46*.
ويُلاحَظُ أَنَّ الحالَ " مُصَدّقاً " وَرَدَ في الآيةِ مرتَيْن.
كان في المرةِ الأُولى حالاً لعيسى - عليه السلام - : *بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ.. *.
وكانَ في المرةِ الثانيةِ حالاً للإِنجيل : *وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ*.
ومن المعلومِ أَنَّ الإِنجيلَ مُكَمّلٌ للتوراة ، حتى الأَناجيل المحرفة التي كَتَبها النصارى ، متوافقةٌ في كثيرٍ من أَفكارِها مع أَسفارِ العهدِ القديم المحرَّفَةِ التي كتبها الأَحْبار.
فلماذا لم يَتَّهِم الفادي المجرمُ عيسى - عليه السلام - بأَنه أَلَّفَ الإِنجيلَ من عنده ، لأَنه متوافقٌ مع التوراة في كثيرٍ من الأَخبارِ والقَصصِ والحكايات ؟
بينما اتَّهَمَ محمداً - صلى الله عليه وسلم - بأَنه أَلَّفَ القرآنَ من عندِه ، لأَنه متوافقٌ مع التوراةِ والإِنجيل ؟!
ولماذا حَرَّمَ على القرآنِ ما أَباحَه للإِنجيل ؟
وأَينَ هذا من الموضوعيةِ والمنهجية ؟!.
لو خالَفَ القرآنُ التوراةَ والإِنجيل ، ولو كَذَبَ ما فيهما من حقائقَ صادقة فسوفَ يُشَكُّ في أَنَّه من عندِ اللّه ، لأَنَّ مَنْ ناقَضَ وكَذَّبَ كَلامَ اللّه فليس من عندِ اللّه.
ولذلك نَعتبرُ موافقةَ القرآنِ للتوراةِ والإِنجيل ، وتصديقَه لما فيهما ، شهادةً له تُقررُ أَنه من عندِ اللّه ، أَوحى به إِلى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وليس شُبهةً تُوَْجَّهُ ضِدَّه ، كما فَعَلَ ذلك الفادي المفترِي.
وأَخْبَرَنا اللّهُ في القرآنِ أَنه جعلَ القرآنَ مُصدِّقاً لما قبلَه من التوراةِ والإِنجيل ، قال تعالى : *وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا*.
والقرآنُ ليس مجردَ مصدّقٍ للتوراةِ والإِنجيل ، وإِنما هو مهيمنٌ عليهما ، فهو الحاكمُ عليهما ، وهو المرجعُ لما وَرَدَ فيهما ، لأَنَّ اللّهَ أَنزلَه بعدهما "
قال تعالى : *وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ*.
ونُذَكِّرُ بحقيقةٍ قاطعةٍ هي أَنَّ القرآنَ مُصَدِّق للتوراةِ الربانية ، التي أَنزلَها اللّهُ على موسى - عليه السلام - ، وللإِنجيلِ الربانيّ الذي أَنزلَه اللّهُ على عيسى - عليه السلام -..
أَمّا التوراةُ التي بينَ أَيدي اليهودِ الآنَ فإِنَّ القرآنَ مُكَذِّبٌ لما فيها من أَخطاء وأَكاذيب ، لأَنها من تأليفِ الأَحبار الكافرين.
والأَناجيلُ التي بين أَيدي النصارى الآن يُكَذّبُ القرآنُ ما فيها من أَكاذيب ، لأَنها من تأليفِ الرهبان!!.
***
حول إنزال القرآن مفرقاً
شاءَ اللّهُ الحكيمُ إِنزالَ الكتبِ السابقةِ جملةً واحدة ، وشاءَ الحكيمُ سبحانه أَنْ لا يكونَ إِنزالُ القرآنِ كذلك ، ولذلك أَنزلَه مُفَرَّقاً مُنَجَّماً ، واستمرَّ إِنزالُه مدة البعثة ، التي كانت ثلاثةً وعشرين عاماً.
وقد أَثارَ الكفارُ السابقونَ اعتراضاً وإِشكالاً على ذلك ، واقترحوا أَنْ ينزلَ القرآنُ جملةً واحدة ، كالكتبِ السابقة ، وذَكَرَ اللّهُ قولَهم ورَدَّ عليه في أَكثر من آية.
وأَعادَ الفادي المفترِي اعتراضَ السابقين ، واعْتَبَرَه مَطْعَناً يوجَّهُ ضِدَّ القرآن ، ودَليلاً على أَنه ليسَ من عندِ اللّه.
وجعلَ اعتراضَه تحتَ عنوان : " الكلامُ المفَكَّك ".
أَيْ أَنَّ القرآنَ كلامٌ مُفَكَّك مُتقطع متفرِّق ، لا يَجمعُه نظام أَو تناسُق ، فهو مُتَعارِض مُتَناقِض مع نفسِه ، فما قالَه قبلَ عَشْرِ سنوات يُخالِفُه الآن ، وما أَخبرَ عنه في الماضي يَتَراجَعُ عنه في الحاضر ، وما أَباحَه سابقاً يتراجَع عنه لاحِقاً.
وهذا التعارضُ والاختلافُ دَليل على أَنه ليسَ من عندِ اللّه!!.
أَوردَ المفترِي قوله تعالى : *وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا *106*.
تُشيرُ الآيةُ إِلى حقيقةِ إِنزالِ القرآنِ مُفَرَّقاً منجماً ، على حسبِ الحوادثِ والأَسباب ، وتُبينُ الحكمةَ من هذا الإِنزال ، وهي أَنْ يقرَأَهُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - على الناسِ على مُكْثٍ وتَمَهُّل.
ثم ذَكَرَ المفترِي تَفسيرَ البيضاوي للآيَة ، وتَلاعَبَ في كلامِه كعادتِه ، وقَدَّمَ وأَخَّرَ وحَذَفَ.
وأَوردَ قولَه تعالى : *وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا *32*.
تَذْكُرُ الآيةُ اعتراضَ الكفارِ على إِنزالِ القرآنِ مُنَجَّماً ، وتَرُدُّ عليهم بالإِشارةِ إِلى حكمةِ ذلك التنزيل.
ثم ذَكَرَ المفترِي تفسيرَ البيضاوي للآية ، الذي سَجَّلَ فيه لسِتَّ حِكَم تبدو من ذلك ، وقَدَّمَ وأَخَّرَ في ما ينقلُه كعادتِه.
ثم سَجَّلَ اعتراضَه الفاجرَ بقوله : " ونحنُ نسأل : كيفَ يكونُ القرآنُ وحياً ، وهو متقطِّغ مُفَرَّق ، يأتي بعضُه في وَقْتٍ ، ويتأخَّرُ بعضُهِ إِلى وقتٍ آخَر ؟
لقد كانَ محمدٌ يَرتبكُ عندما كان العربُ أَو اليهودُ أَو النَّصارى يسأَلونَه ، وأَحياناً كان يَحْتجُّ بأَنَّ جبريلَ تَأْخَّرَ بسببِ وُجودِ الكلاب! ".
إِنَّ هذا الفادي المفترِي ، مثله مثل باقي الكفار ، لا يعجبُه شيء في ما يتعلَّقُ بالقرآن ، لأَنَّ القرآنَ عندَه مُتَّهَم دائماً ، ومُخْطِئ دائماً.
فلو أَنَّ اللّهَ أَنزله دفعةً واحدةً لاعترضَ عليه هذا الفادي ، وقال : إِنَّ محمداً أَخَذَهُ من التوراة ، وادَّعى أَنَّ اللّهَ أَنزلَه عليه دفعةً واحدةً مثل التوراة!.
وبما أَنَّ اللّهَ أَنزلَه عليه منجَّماً مفرَّقاً ، فقد اعترضَ الفادي على ذلك ، وقالَ - كما قالَ كفارُ قريش - :
لماذا لم يُنزلْه عليه دفعةً واحدةً مثلَ التوراةِ والإِنجيل ؟!
وهذا الاعتراضُ المستمِرُّ منه على القرآنِ دليلُ انحرافِ فكرِه ، وسَوادِ قلبِه ، واتِّباعِه لهواه ، ورفضِه الاستجابة لمنطقِ الحق.
ونصَّ القرآنُ على حكمةِ إِنزالِه منجَّماً مفرَّقاً ، وذَكَرَ المفسِّرون ومؤَلّفو الكتبِ في علومِ القرآنِ الحِكَمَ العديدةَ من هذا التفريقِ في إِنزاله.
فاللّهُ يقول : *وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا *106*.
الحكمةُ هي أَنْ يقرَأَهُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - على الناس ، وأَنْ يُعَلِّمَهم إِياه ، ويُربيهم به ، وهم أُمّيّون لا يُحسنونَ الكتابةَ والقراءة ، فكان من الحكمةِ إِنزالُه مفرقاً ، ليُحْسِنوا التعاملَ والتفاعلَ معه ، وتنفيذَ أَحكامِه ، وتربيةَ نفوسِهم به..
ومعلوم أَنه لا بُدَّ في التربيةِ والمجاهدةِ من المكثِ والتَّأَنّي والتمهُّلِ والتدرُّج ، وهذا يتطلَّبُ التفريقَ والتنجيم.
واللّهُ تعالى يقولُ : *وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا *32*.
الحكمةُ التي ذَكَرَتْها الآيةُ هي تَثبيتُ فُؤادِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك بمواساتِه على ما يَجِدُ من حَرْبِ وتَكْذيبٍ وعِداء ، ففي كُلِّ موقفٍ من مواقفِ مواجهتِه للكفار ، يُنزلُ اللّهُ عليَه آياتٍ جديدة ، يُحَدِّثُه فيها عن ما جَرى لنبي قَبْلَه ، أَو يُفَرِّحُه بأَنه معه ، ويَدْعوهُ إِلى الصبرِ والثبات.
وقد ذَكَرَ العلماءُ حِكماً عديدةً من إِنزالِ القرآنِ مُنَجَّماً مُفَرَّقاً ، نَكتفي بالإِشارةِ إِلى الحِكَمِ التي ذَكَرَها البيضاوي ، ونَقَلَها عنه المفترِي رافضاً لها :
1 - المساعَدَةُ على حِفْظِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - للآيات ، لأَنه أُمِّىّ ، فلو أُنزلَ عليه جملةً واحدة لَخُشِيَ أَنْ لا يَحْفَظَه.
2 - نُزولُه مُنَجَّماً بحسبِ الحوادثِ يساعِدُ على حُسْنِ فَهْمِ المؤمنين للآياتِ وتدبُّرِها.
3 - استمرارُ تَحَدّي الكفار ، ومطالبتهِم بالإِتيانِ بمثله ، واستمرارُ إِظهارِ عجْزِهم ، وهذا يُؤَكِّدُ حقيقةَ كونِ القرآنِ من عندِ اللّه.
4 - تَثبيتُ فؤادِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وقلوبِ المؤمنين على الحق ، في كُلّ دفعةٍ جديدةٍ من الآيات.
5 - تربيةُ المسلمين ، فعندما تقع الحادثةُ تَنزلُ آياتٌ جديدةٌ تُعالجُها ، وهذا ما ثَبَتَ في علْمِ " أَسباب النزولِ " ، الذي هو من أَهَمِّ عُلومِ القرآن.
6 - معرفةُ الحكمِ المتأَخِّرِ الناسخِ للحُكْمِ المنسوخِ المتَقَدّم.
والفادي غَبِيّ جاهِلٌ ، لا يَعرفُ هذه الحِكَمَ من إِنزالِ القرآنِ مُنَجَّماً ، ولذلك اعتبرَهُ كَلاماً مُفَكَّكاً.
عِلْماً أَنَّ القرآنَ كُلَّه وحدةٌ موضوعيةٌ واحدة ، تَقومُ على التناسقِ والتناسبِ والترابط ، فرغْمَ أَنَّ نُزولَه استمرَّ ثلاثةً وعشرين عاماً ، إِلّا أَنّه مُتَكامِلٌ مُتَرابط ، لا تَرى فيه تَفَكُّكاً أَو انفِصالاً أَو اختِلافاً أَو اضطِراباً ، وأَكَّدَ هذه الحقيقةَ قول اللّهِ - عز وجل - : *أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا *82*.
ويَبدو التناسقُ والترابطُ في الوحداتِ التالية : كلماتُ الجملةِ القرآنية ، وجُمَلُ الآيةِ الطويلة ، وآياتُ السورة ، وسُورُ القرآنِ مجتمعة..
وهذا لا يوجَدُ في الكتبِ السابقة ، التي حَرَّفَتْها أَيْدي البَشَر.
وقد اعتنى علماءُ ومفَسِّرونَ ببيانِ وإظهارِ التناسقِ بينَ آياتِ السورة ، وفي مقدمةِ هؤلاءِ الإِمامُ المفَسِّرُ البقاعيُّ في تفسيرِه " نَظْمُ الدُّرَر في تناسبِ الآيِ والسور ".
وسيد قطب في تفسيرِه : " في ظلال القرآن ".
ويأتي بعد هذا المفترِي المجرمُ ليزعُمَ أَنَّ القرآنَ كَلامٌ مُفَكَّكٌ مُجَزَّأٌ ، ويَطرَحَ تَساؤُلَه الفاجرَ الدالَّ على خُبْثِه وجَهْلِه : " كيفَ يكونُ القرآنُ وَحْياً وهو منقطعٌ مُفَرَّقٌ ، يأتي بعضُه في وَقْت ، ويتأَخَّرُ بعضُه إِلى وَقْتٍ آخر ؟ ".
وهو لا يتوقَّفُ عن الافتراءِ والكذبِ عندما يقولُ : " لقد كانَ محمَّدٌ يَرتبكُ عندما يسأَلُه العَرَبُ أَو اليهودُ أَو النصارى ، وأَحياناً كان يحتجّ بأَنَّ جبريلَ تَأَخَّرَ بسببِ وُجودِ الكلاب ".
لم يَرتبِكْ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مرةً واحدة ، عندما وُجّهَ له أَيُّ سؤال ، ولم يَضطربْ ويتلعْثَم لأَنه لم يَعرف الجواب..
إِذا كانَ يَعرفُ جوابَ السؤالِ ذَكَرَه ، وإذا لم يَعرف الجوابَ يَنتظرُ الجوابَ من اللّه ، والانتظارُ ليسَ ارْتِباكاً أَو اضطراباً كما ادَّعى الجاهل ، إِنما هو تأكيدٌ على حقيقةِ نبوتِه وتَلَقّيه الوحْيَ من اللّه.
وهذا موجودٌ في مبحثِ " نُزولِ القرآن " ، واسْمُه : " ما نزلَ بعد طولِ انتظار " ، مثلُ إِنزالِ الآياتِ بشأنِ خولةَ بنتِ ثعلبة وزوجِها أَوسِ بن الصامت ، وإنزالِ الآيات ِ ببراءَةِ عائشة - رضي الله عنها - بعدَ حديثِ الإِفْك ، وإنزالِ الآياتِ بشأْنِ قصةِ أَصحاب الكهف وذي القرنين والروح ، وهي موجودَةٌ في كتبِ التفسيرِ والحديثِ لا يتسعُ المَجالُ لذِكْرِها.
وأَمَّا أَنَّ جبريلَ لم يَنزلْ على رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - لوجودِ كلبٍ عندهُ فهذه أُكذوبةٌ مضحكةٌ وروايةٌ باطلة ، وَرَدَتْ في بعضِ الكتبِ التي لا تتحرّى الدِّقَّةَ والصحة ، فتلَقفَها الفادي المجرمُ المفترِي وَرَدَّدَها..
وتَزعمُ الروايةُ الأُكذوبةُ أَنَّ جبريلَ تَوَقَّفَ لعدةِ أَسابيع عن النزولِ على رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، فرآهُ في الطريقِ وسأَلَه عن سببِ توقُّفِه ، وقال له : لماذا لم تَنْزِلْ عَلَيَّ فأَنا مشتاقٌ إِليك ؟
فقالَ له : كيفَ أَنزلُ عليك وفي بيتك كَلْبٌ ميتٌ منذُ أَسابيع!
فأَخرجَ الرسولُ كَلْباً ميتاً تحتَ سريرِه ، فنزلَ عليه جبريلُ فوراً بسورة الضحى ، التي قال اللّه له فيها : *وَالضُّحَى *1* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى *2* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى *3*.
إِنَّ أَيَّ إِنسانٍ عاقلٍ يرفضُ هذا الهُراء ، والمَثَلُ يقولُ : إِذا كان المتكلِّمُ مجنوناً فلْيكن المستمعُ عاقلاً!!
فهلْ يُعْقَلُ أَنْ يَدْخُلَ كلبٌ بيتَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا يَراه هو أَو أَحَدٌ من أَهلِ بيتِه ؟
ويَبْقى مختفياً تحتَ سريره ؟
وهل يُعْقَلُ أَنْ يَموتَ الكلْبُ تحتَ سريره ، وتبقى جُثَّتُه عدةَ أَسابيع ، لم يُلاحِظْها أحد من أَهلِ بيتهِ ؟
أَلم تَخرجْ منها الرائحةُ الكريهة ؟
أَلم تَتَحَلَّلْ ؟
أَلم يشمَّ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - رائحتَها وهو نائمٌ على السرير ، وهي متحللةٌ تحتَ السرير ؟
يُريدُ المفترِي منّا أَنْ نُلغيَ عُقولَنا ، وأَنْ نُصَدِّقَ هذا الهراءَ السخيف الذي قالَه ، والذي يَصْدُقُ فيه كلامُ الشاعر :
هذا كَلامٌ لَهُ خَبيءٌ ... معْناهُ لَيْسَتْ لَنا عُقولُ
***
حول الكلمات الغريبة في القرآن
وَجَّهَ الفادي المفترِي انتقادَه لوجودِ كلماتٍ غريبةٍ في القرآن ، وقال : " في القرآنِ كثيرٌ من الكلماتِ الغريبة ، وهاكُم جَدْولاً ببعضِها ".
وبعدَ أَنْ سجلَ عشرينَ كلمةً منها ، ذَكَرَ موقفَ عمرَ بنِ الخطاب وعبد اللّه بن عباس - رضي الله عنهما - من هذه الكلمات ، قال : " قَرَأَ عمرُ بنُ الخطابِ على المنبر : *وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *31*.
فقال : هذه الفاكهةُ قد عرفْناها ، فما الأَبُّ ؟
ثم رجعَ إِلى نفسه فقال : إِنَّ هذا لهو التكلفُ يا عمر..
وقالَ ابنُ عباس : لا أَعرفُ غِسْلينَ وحَناناً وأَوّاه والرَّقيم "
وختمَ كلامَه بسؤالِه الخبيث : " ونحن نسأل : أَليستْ هذه الأَلفاظُ الغريبةُ مخالِفةً للذوقِ السليمِ في فَنِّ الإِنشاء ؟! ".
ولنقضِ شبهاتِه ودحضِ افتراءاتِه نُقررُ أَنَّ الكلماتِ الغريبةَ في القرآنِ كلماتٌ عربيةٌ أَصيلة ، لها أُصول وجُذورٌ عربية فصيحة ، وليستْ كلماتٍ أَعجميةً أَو معرَّبة ، ووجْهُ غرابتِها هو نُدرةُ استعمالِها في الأَساليبِ العربية ، ونُدرةُ دورانِها على أَلسنةِ وأَقلامِ العرب ، مما جعلَها شبهَ مهجورةِ الاستعمال ، فغابَ عن الذهنِ العربيِّ المعنى المباشِرُ لها ، مما تَطَلَّبَ العودةَ إِلى القواميسِ والمعاجم لمعرفةِ معناها..
فهي ليستْ غريبةً على اللغةِ العربية في جذورِها واشتقاقاتِها ، ولكنها غريبة على الثقافةِ العربية عند المتكلمينَ العرب ، وإِذا جازَ توجيهُ اللومِ فإِنه لا يُوَجَّهُ إِلى القرآنِ الذي استعملَها ، وإِنما يُوَجَّهُ إِلى القُرّاءِ والكُتّابِ والمثَقَّفينَ العرب ، لأَنهم لم يَرْتَقوا إِلى مستوى البلاغةِ القرآنية..
وأَنت لا تَلومُ السامي في ارتقائِه ، وإِنما تلومُ الذي لا يرتقي إِلى مستواه.
ثم إِنَّ غرابةَ معاني تلك الكلماتِ ، تَزولُ بالعودةِ إِلى كتبِ التفسيرِ المختصرة ، ومَنْ أَرادَ التوسُّعَ والاستزادةَ فيمكنُه ذلك ، بالعودةِ إِلى كتبِ القواميسِ والمعاجم.
ويَكفي لمعرفةِ المعاني السريعةِ لهذه الكلماتِ وغيرِها اصطحابُ كتابِ " كلمات القرآن : تفسير وبيان " لحسنين مخلوف - رحمه الله -..
وقد طُبعَ هذا الكتابُ عدةَ طَبْعاتٍ على هامشِ المصحف ، ويمكنُ لقارئ القرآنِ أَن يَنظرَ إِلى هامشِ الصفحةِ من القرآنِ ، ليَعرفَ معنى الكلمةِ الغريبةِ في الآية.
وبهذا لم تَعُدْ تلك الكلماتُ الغريبةُ غريبةً ، لا على القارئِ العادي للقرآن ، ولا على الباحث في معاني وتفسيرِ القرآنِ!!.
إِننا نَعتبرُ وُجودَ هذه الكلماتِ الغريبةِ في القرآن شهادَةً للقرآنِ في بلاغتِه وسُمُوّه وإِعجازِه ، وجَمالاً جَديداً يُضافُ إِلى مظاهرِ جَمالِه في أَساليبِ بيانِه ، وهي ليستْ مخالِفةً للذوقِ السليمِ في فنِّ الإِنشاءِ كما زَعَمَ
الفادي الجاهل.
والروايةُ عن عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه - في موقفِه من " الأَبِّ " في القرآنِ صحيحة ، لكنَّ الفادي الجاهلَ لم يَعرفْ مَعْناها ، فأَساءَ توظيفَها ضدَّ القرآن.
إِنَّ عمرَ - رضي الله عنه - عربيٌّ فصيح ، وهو يَعرِفُ معنى " الأَبِّ " في اللغة ، ويَعرفُ معناها في الآية : *وَفَاكِهَةً وَأَبًّا* ، ويَعلمُ أَنها مذكورو في مقابلِ الفاكهةِ المخصَّصةِ للإنسان ، فهي طعامٌ للأَنعام.
ووجْهُ تَرَدُّدِه ولومِه لنفسِه أَنه أَرادَ أَنْ يُحددَ أَصنافَ الأَبِّ ، من أَيِّ أَنواعِ النباتِ هو ؟
فكأَنه يقول : عَرَفْنا الفاكهةَ ، التي منها الزيتونُ والأَعنابُ والرمانُ والتمر ، فما هو الأَبُّ الذي تأكله الأَنعام ؟
هل هو " البَرسيمُ والفَصَّةُ" ؟
وهل هناك أَسماءٌ غيرها ؟
ثم تراجَعَ وقال : إِنَّ هذا لهو التكلُّفُ يا عمر.
فالتكلُّفُ ليسَ في محاولةِ معرفةِ معنى الأَبّ ، لأَنه يَعرفُ معناه ، ولكنَّه في محاولةِ تحديدِ أَنواعِه وأَصنافِه وأَسمائِه.
أَما الروايةُ المنسوبةُ إِلى ابنِ عباس - رضي الله عنهما - : "لا أَعرفُ معنى غسلين وحناناً وأواه والرقيم " فهي ليسَتْ صحيحة ، وهي مطعونٌ فيها ، وتَتعارضُ مع علمِ ابنِ عباس - رضي الله عنهما - بمعاني القرآن ، الذي كانَ أَعلمَ الصحابةِ بالقرآن ، وقد استجابَ اللّهُ دعاءَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - له : " اللهمَّ فَقهْهُ في الدينِ وعَلِّمْهُ التأويل ".
وهو الصحابيُّ الذي حازَ لَقَبَ : *حَبْرُ الأُمَّة وتُرجمانُ القرآن*.
وما من كلمةٍ من كلماتِ القرآن إلا وكانَ يَعرفُ معناها الدَّقيقَ ، وكانَ يحفظُ الشواهدَ عليها من الشعرِ العربيّ الجاهليّ. وقد امتحنَه زَعيمُ الخوارجِ نافعُ بنُ الأَزرق ، وسأَله عن معنى حوالي مئةِ كلمةٍ غريبةٍ في القرآن ، وعندما كانَ يُجيبُهْ كانَ يطالبه بالشاهد الشعري ، فيقول له : " وهل تعرف العرب ذلك من كلامها ؟" ، فكان ابنُ عباس يُقَدمُ له المطلوب.
وقد جَمعتْ تلك الأَسئلةَ والأَجوبةَ والشواهدَ الشعريةَ الدكتورةُ عائشةُ عبد الرحمن - بنتُ الشاطئ - في كتابها : " إِعجازُ القرآن البياني ومسائل نافعِ بنِ الأَزرق " ...
والذي عنده هذا العلمُ لا يَقول : لا أَعرفُ معنى كذا في القرآن!.
حول الناسخ والمنسوخ في القرآن
خَصصَ الفادي المفترِي حَيِّزاً كبيراً من كتابِه للاعتراضِ على النسخِ في القرآن ، وإِثارةِ الشبهاتِ والإِشكالاتِ عليه.
وجَعَلَ تلك الاعتراضاتِ في المباحثِ التالية : عُيوبُ الناسخِ والمنسوخ..
وأَمثلةٌ للناسخِ والمنسوخ..
والأَسبابُ الحقيقيةُ للناسخِ والمنسوخ.
وبدأَ كلامَه بذكرِ أَربعةِ آياتٍ أَخبرتْ
عن النسخِ في القرآن ، هي : سورة البقرة : 106.
وسورة النحل : 151.
وسورة الرعد : 39.
وسورة الحج : 52.
وتحتَ عنوان : " عُيوب الناسخِ والمنسوخ " سَجَّلَ ستةَ عيوبٍ لوجودِ النسخ في القرآن! وادَّعى أَنَّ القرآنَ وحْدَه الذي فيه ناسخٌ ومنسوخ ، من بينِ سائرِ الكتبِ الدينية ، ووجودُ النسخ في القرآن دَليلٌ على أَنه ليس كلامَ اللّه ، لأَنَّ " كَلامَ اللّهِ الحقيقيَّ لا يَجوزُ فيه الناسخُ والمنسوخ ".
ولا يهمُّنا البحثُ عن الناسخِ والمنسوخِ في التوراةِ والإِنجيل ، وإِنما يهمُّنا ثقريرُ الأَساسِ المنطقيِّ المنهجيِّ للنظرِ إِلى النسخِ في القرآن ، فالنسخُ في القرآنِ ليس مشكلة ، ولا يَتناقَضُ مع العقلِ والمنطق ، فاللّهُ هو الحاكمُ المشرعُ سبحانه ، يُشَرِّعُ ما شاءَ من الأَحكام وفقَ حكمَتِه سبحانه ، ويَجعلُ بعضَ تلك الأَحكامِ موقوتةً بزمنٍ محدَّد ، وفقَ حكمتِه سبحانه ، وعندما يَنتهي ذلك الزمنُ ويُحقِّقُ ذلك الحكمُ هَدَفَه يَنسخُه اللّهُ ويُلْغيه ، وفقَ حكمتِه سبحانه..
فالحكْمُ السابقُ شَرَعَه اللّه ، والحكمُ الناسخُ له فيما بعد شَرَعَه اللّه ، وبما أَنَّ الناسخَ والمنسوخَ من عندِ اللّه ، فاللّهُ الحكيمُ العليمُ يَفعلُ ما يشاء ، لا رادَّ لأَمْرِه ، ولا مُعَقِّبَ لحكْمِه..
وهذا معناه أَنَّ الفادي المفترِي كاذبٌ في زعمِه أَنَّ كلامَ اللّهِ الحقيقيَّ لا يَجوزُ فيه النسخ.
وبعد هذه المقدمةِ العقليةِ المنهجيةِ نَبحثُ عن النسخ في القرآن ، هل تَحَدَّثَ القرآنُ عن النسخ ؟
فإذا وردتْ آيةٌ واحدةٌ في القرآن ، فإِنها كافيةٌ لإِثباتِ النسخِ وإِيمانِنا به ، لأَنَ القرآنَ يُعلِّمُنا المنهجيةَ العلمية ، ويَجعَلُ عُقولَنا تَابعةً لكلامِ اللّه ، فاهمةً متدبِّرَةً له ، تَدورُ معه حيثُ دار ، وتَقولُ بما قالَ به ، وتُؤمِنُ
بما وردَ فيه ، ولا يَجوزُ لأَيِّ عقلٍ أَن يكونَ فوقَ كلامِ اللّه ، وأَنْ يكونَ هو الحَكَمَ والمهيمنَ على كَلامِ اللّه.
أَكثرُ من آيةٍ قَررت النسخ ، وجعلَتْه بيدِ اللّه ، منها قولُه تعالى : *مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا* ، فاللّهُ هو الذي يَنسخُ
الآيةَ أَو يُنْسِيْهَا ، واللّهُ هو الذي يأْتي بخيرٍ منها أَو مثلِها ، واللّهُ على كل شيء قديرٌ ، وهو الحكيمُ الخبير.
ومنها قولُه تعالى : *وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ *101*.
إِننا نعتمدُ على هاتيْن الآيتيْن في إِيمانِنا بالنسخِ في القرآن ، وفي فهمِنا للناسخِ والمَنسوخِ أولاً : لا عيوب في النسخ في القرآن :
سَجَّلَ الفادي الجاهلُ ستةَ عيوبِ للنسخِ في القرآن..
وهي لا تَصمدُ أَمامَ النظرِ والبحث ، ولا تَثبتُ أَمامَ المنَهجيةِ والعلمية :
1 - اعتبرَ الجاهلُ النسخَ مُتَناقِضاً مع الحكمةِ والصدقِ والعلم ، فقال :
" لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ في كلام اللّه ضدّ حكمتِه وصدْقِه وعلْمِه ، فالإِنسانُ القصيرُ النظرِ هو الذي يَضعُ قوانين ، ويُغَيّرُها ويُبدلُها بحسبِ ما يَبدو له من أَحوالٍ وظروف..
لكنَّ اللّهَ يَعلمُ بكلِّ شيء قبلَ حدوثِه ، فكيفَ يُقالُ : إِنَّ اللّهَ يُغيرُ كلامَه ويبدلُه وينسخُه ويُزيلُه ؟
أَليسَ من الأَوفقِ أَنْ ئنزهَ اللّهَ فنقولَ : ليس اللّهُ إِنْساناً فيكذب ، ولا ابنَ إِنسانٍ فيندم ؟! " *1*.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
9- الكلام المنسوخ
النسخ فى اللغة هو الإزالة والمحو ، يقال : نسخت الشمسُ الظلَّ ، يعنى أزالته ومحته ، وأحلت الضوء محله.
ثم تطورت هذه الدلالة فأصبح النسخ يطلق على الكتابة ، سواء كانت نقلاً عن مكتوب ، أو ابتدأها الكاتب بلا نقل.
والنُّساخ أو الوراقون هم جماعة من محترفى الكتابة كانوا ينسخون كتب العلماء *ينقلون ما كتب فيها فى أوراق جديدة فى عدة نسخ ، مثل طبع الكتب الآن*.
أما النسخ فى الشرع فله عدة تعريفات أو ضوابط ، يمكن التعبيرعنها بالعبارة الآتية :
" النسخ هو وقْفُ العمل بِِحُكْمٍٍ أَفَادَه نص شرعى سابق من القرآن أو من السنة ، وإحلال حكم آخر محله أفاده نص شرعى آخر لاحق من الكتاب أو السنة ، لِحكمة قصدها الشرع ، مع صحة العمل بحكم النص السابق ، قبل ورود النص اللاحق *1* والنسخ موجود بقلة فى القرآن الكريم ، مثل نسخ حبس الزانيات فى البيوت حتى الموت ، وإحلال الحكم بالجلد مائة ، والرجم حتى الموت محل ذلك الحبس *2*.
النسخ و وروده فى القرآن ، على أن القرآن ليس وحياً من عند الله. ونذكر هنا عبارة لهم صوَّروا فيها هذه الشبهة :
" القرآن وحده من دون سائر الكتب الدينية ، يتميز بوجود الناسخ والمنسوخ فيه ، مع أن كلام الله الحقيقى لا يجوز فيه الناسخ والمنسوخ ؛ لأن الناسخ والمنسوخ فى كلام الله هو ضد حكمته وصدقه وعلمه ، فالإنسان القصير النظر هو الذى يضع قوانين ويغيرها ويبدلها بحسب ما يبدو له من أحوال وظروف.
لكن الله يعلم بكل شئ قبل حدوثه. فكيف يقال إن الله يغير كلامه ويبدله وينسخه ويزيله ؟
ليس الله إنساناً فيكذب ، ولا ابن إنسان فيندم ؟!
* الرد على هذه الشبهة :
نحن لا ننكر أن فى القرآن نسخاً ، فالنسخ موجود فى القرآن بين ندرة من الآيات ، وبعض العلماء المسلمين يحصرها فيما يقل عن أصابع اليد الواحدة ، وبعضهم ينفى نفياً قاطعاً ورود النسخ فى القرآن *3*.
أما جمهور الفقهاء ، وعلماء الأصول فيقرونه بلا حرج ، وقد خصصوا للنسخ فصولاً مسهبة فى مؤلفاتهم فى أصول الفقه ، قل من لم يذكره منهم قدماء ومحدثين. والذى ننكره كذلك أن يكون وجود النسخ فى القرآن عيباً أو قدحاً فى كونه كتاباً منزلاً من عند الله. ذلك ظن الذين كفروا ، فويل للذين كفروا من النار.
إن الناسخ والمنسوخ فى القرآن ، كان إحدى السمات التربوية والتشريعية ، فى فترة نزول القرآن ، الذى ظل يربى الأمة ، وينتقل بها من طور إلى طور ، وفق إرادة الله الحكيم ، الذى يعلم المفسد من المصلح ، وهو العزيز الحكيم.
أما ما ذكرتموه من آيات القرآن ، ساخرين من مبدأ الناسخ والمنسوخ فيه فتعالوا اسمعوا الآيات التى ذكرتموها فى جداول المنسوخ والناسخ وهى قسمان :
أحدهما فيه نسخ فعلاً *منسوخ وناسخ*.
وثانيهما لا ناسخ فيه ولا منسوخ فيه ، ونحن نلتمس لكم العذر فى هذا " الخلط " لأنكم سرتم فى طريق لا تعرفون كيفية السير فيه.
القسم الأول : ما فيه نسخ :
من الآيات التى فيها نسخ ، وذكروها فى جدول الناسخ والمنسوخ الآيتان التاليتان : *واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا * *4*.
ثم قوله تعالى : *الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله 000 * *5*.
هاتان الآيتان فيهما نسخ فعلاً ، والمنسوخ هو حكم الحبس فى البيوت للزانيات حتى يَمُتْنَ ، أو يجعل الله لَهُنَّ حكماً آخر.
وكان ذلك فى أول الإسلام. فهذا الحكم حكم حبس الزانية فى البيت ، حين شرعه الله عز وجل أومأ فى الآية نفسها إلى أنه حكم مؤقت ، له زمان محدد فى علم الله أزلاً. والدليل على أن هذا الحكم كان فى علم الله مؤقتاً ، وأنه سيحل حكم آخر محله فى الزمن الذى قدره الله عز وجل هو قوله : *أو يجعل الله لهن سبيلاً *. هذا هو الحكم المنسوخ الآن وإن كانت الآية التى تضمنته باقية قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.
أما الناسخ فهو قوله تعالى فى سورة "النور" فى الآية التى تقدمت ، وبين الله أن حكم الزانية والزانى هو مائة جلدة ، وهذا الحكم ليس عامّا فى جميع الزناة. بل فى الزانية والزانى غير المحصنين. أما المحصنان ، وهما اللذان سبق لهما الزواج فقد بينت السنة قوليًّا وعمليًّا أن حكمهما الرجم حتى الموت.
وليس فى ذلك غرابة ، فتطور الأحكام التشريعية ، ووقف العمل بحكم سابق ، وإحلال حكم آخر لاحق محله مما اقتضاه منهج التربية فى الإسلام.
ولا نزاع فى أن حكم الجلد فى غير المحصنين ، والرجم فى الزناة المحصنين ، أحسم للأمر ، وأقطع لمادة الفساد.
وليس معنى هذا أن الله حين أنزل عقوبة حبس الزانيات لم يكن يعلم أنه سينزل حكماً آخر يحل محله ، وهو الجلد والرجم حاشا لله.
والنسخ بوجه عام مما يناسب حكمة الله وحسن تدبيره ، أمَّا أن يكون فيه مساس بكمال الله. فهذا لا يتصوره إلا مرضى العقول أو المعاندين للحق الأبلج الذى أنزله الله وهذا النسخ كان معمولاً به فى الشرائع السابقة على شريعة الإسلام.
ومن أقطع الأدلة على ذلك ما حكاه الله عن عيسى عليه السلام فى قوله لبنى إسرائيل : *ولأحل لكم بعض الذى حُرِّم عليكم* *6*.
وفى أناجيل النصارى طائفة من الأحكام التى ذكروها وفيها نسخ لأحكام كان معمولاً بها فى العهد القديم.
ومثيروهذه الشبهات ضد القرآن يعرفون جيداً وقوع النسخ بين بعض مسائل العهد القديم والعهد الجديد. ومع هذا يدعون بإصرار أن التوراة والأناجيل الآن متطابقان تمام الانطباق *7*.
ومن هذا القسم أيضاً الآيتان الآتيتان :
*يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون* *8*.
وقوله تعالى : *الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين* *9*.
والآيتان فيهما نسخ واضح. فالآية الأولى توجب مواجهة المؤمنين لعدوهم بنسبة *1 : 10* ، والآية الثانية توجب مواجهة المؤمنين للعدو بنسبة *1 : 2*.
وهذا التطور التشريعى قد بين الله الحكمة التشريعية فيه ، وهى التخفيف على جماعة المؤمنين فى الأعباء القتالية فما الذى يراه عيباً فيه خصوم الإسلام ؟
لو كان هؤلاء الحسدة طلاب حق مخلصين لاهتدوا إليه من أقصر طريق ، لأن الله عزوجل لم يدع مجالاً لريبة يرتابها مرتاب فى هاتين الآيتين. لكنهم يبحثون عن " العورات " فى دين أكمله الله وأتم النعمة فيه ، ثم ارتضاه للناس ديناً.
وقد قال الله فى أمثالهم :
*ولو نزلنا عليك كتاباً فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين* *10*.
ومن هذا القسم أيضاً الآيتان الآتيتان :
*والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصيةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج...* *11*.
وقوله تعالى : *والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً...* *12*.
أجل ، هاتان الآيتان فيهما نسخ ؛ لأن موضوعهما واحد ، هو عدة المتوفى عنها زوجها.
الآية الأولى : حددت العدة بعام كامل.
والآية الثانية : حددت العدة بأربعة أشهر وعشر ليال.
والمنسوخ حكماً لا تلاوة هو الآية الأولى ، وإن كان ترتيبها فى السورة بعد الآية الثانية.
والناسخ هو الآية الثانية ، التى حددت عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر ليال ، وإن كان ترتيبها فى السورة قبل الآية المنسوخ حكمها.
وحكمة التشريع من هذا النسخ ظاهرة هى التخفيف ، فقد استبعدت الآية الناسخة من مدة العدة المنصوص عليها فى الآية المنسوخ حكمها ثمانية أشهر تقريباً ، والمعروف أن الانتقال من الأشد إلى الأخف ، أدعى لامتثال الأمر ، وطاعة المحكوم به.. وفيه بيان لرحمة الله عز وجل لعباده. وهو هدف تربوى عظيم عند أولى الألباب.
القسم الثانى :
أما القسم الثانى ، فقد ذكروا فيه آيات على أن فيها نسخاً وهى لا نسخ فيها ، وإنما كانوا فيها حاطبى ليل ، لا يفرقون بين الحطب ، وبين الثعابين ، وكفى بذلك حماقة.
وها نحن نعرض نموذجين مما حسبوه نسخاً ، وهو أبعد ما يكون عن النسخ.
النموذج الأول :
*لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى* *13*.
*قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون* *14*.
زعموا أن بين هاتين الآيتين تناسخاً ، إحدى الآيتين تمنع الإكراه فى الدين ، والأخرى تأمر بالقتال والإكراه فى الدين وهذا خطأ فاحش ، لأن قوله تعالى *لا إكراه فى الدين* سلوك دائم إلى يوم القيامة.
والآية الثانية لم ولن تنسخ هذا المبدأ الإسلامى العظيم ؛ لأن موضوع هذه الآية " قاتلوا " غير موضوع الآية الأولى : *لا إكراه فى الدين*.
لأن قوله تعالى : *قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر* له سبب نزول خاص. فقد كان اليهود قد نقضوا العهود التى أبرمها معهم المسلمون. وتآمروا مع أعداء المسلمين للقضاء على الدولة الإسلامية فى المدينة ، وأصبح وجودهم فيها خطراً على أمنها واستقرارها. فأمر الله المسلمين بقتالهم حتى يكفوا عن أذاهم بالخضوع لسلطان الدولة ، ويعطوا الجزية فى غير استعلاء.
أجل : إن هذه الآية لم تأمر بقتال اليهود لإدخالهم فى الإسلام. ولو كان الأمر كذلك ما جعل الله إعطاءهم الجزية سبباً فى الكف عن قتالهم ، ولاستمر الأمر بقتالهم سواء أعطوا الجزية أم لم يعطوها ، حتى يُسلموا أو يُقتلوا وهذا غير مراد ولم يثبت فى تاريخ الإسلام أنه قاتل غير المسلمين لإجبارهم على اعتناق الإسلام.
ومثيرو هذه الشبهات يعلمون جيداً أن الإسلام أقر اليهود بعد الهجرة إلى المدينة على عقائدهم ، وكفل لهم حرية ممارسة شعائرهم ، فلما نقضوا العهود ، وأظهروا خبث نياتهم قاتلهم المسلمون وأجلوهم عن المدينة.
ويعلمون كذلك أن النبى *عقد صلحاً سِلْمِيًّا مع نصارى تغلب ونجران ، وكانوا يعيشون فى شبه الجزيرة العربية ، ثم أقرهم عقائدهم النصرانية وكفل لهم حرياتهم الاجتماعية والدينية.
وفعل ذلك مع بعض نصارى الشام. هذه الوقائع كلها تعلن عن سماحة الإسلام ، ورحابة صدره ، وأنه لم يضق بمخالفيه فى الدين والاعتقاد.
فكيف ساغ لهؤلاء الخصوم أن يفتروا على الإسلام ما هو برئ منه ؟
إنه الحقد والحسد. ولا شىء غيرهما ، إلا أن يكون العناد.
النموذج الثانى :
*يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما* *15*.
*إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه* *16*.
والآيتان لا ناسخ ولا منسوخ فيهما. بل إن فى الآية الثانية توكيداً لما فى الآية الأولى ، فقد جاء فى الآية الأولى : " فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما "
ثم أكدت الآية الثانية هذا المعنى : *رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه*فأين النسخ إذن ؟.
أما المنافع فى الخمر والميسر ، فهى : أثمان بيع الخمر ، وعائد التجارة فيها ، وحيازة الأموال فى لعب الميسر " القمار " وهى منافع خبيثة لم يقرها الشرع من أول الأمر ، ولكنه هادنها قليلاً لما كان فيها من قيمة فى حياة الإنسان قبل الإسلام ، ثم أخذ القرآن يخطو نحو تحريمها خطوات حكيمة قبل أن يحرمها تحريماً حاسماً ، حتى لا يضر بمصالح الناس.
وبعد أن تدرج فى تضئيل دورها فى حياة الناس الاقتصادية وسد منافذ رواجها ، ونبه الناس على أن حسم الأمر بتحريمها آتٍ لا محالة وأخذوا يتحولون إلى أنشطة اقتصادية أخرى ، جاءت آية التحريم النهائى فى سورة المائدة هذه : *رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون* هذه هى حقيقة النسخ وحكمته التشريعية ، وقيمته التربوية ومع هذا فإنه نادر فى القرآن. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* هذا التعريف راعينا فيه جمع ما تفرق فى غيره من تعريفات الأصوليين مع مراعاة الدقائق والوضوح.
*2* الجلد ورد فى القرآن كما سيأتى. أما الرجم فقد ورد قوليا وعمليا فى السنة ، فخصصت الجلد بغير المحصنين.
*3* منهم الدكتور عبد المتعال الجبرى وله فيه مؤلف خاص نشرته مكتبة وهبة بالقاهرة ، والدكتور محمد البهى ومنهم الشيخ محمد الغزالى.
*4* النساء : 15.
*5* النور : 2.
*6* آل عمران : 50.
*7* انظر كتابنا " الإسلام فى مواجهة الاستشراق العالمى " طبعة دار الوفاء.
*8*الأنفال : 65.
*9*الأنفال : 66.
*10* الأنعام : 7.
*11*البقرة : 240
*12* البقرة : 234.
*13* البقرة : 256.
*14* التوبة : 29.
*15* البقرة : 219.
*16* المائدة : 90.
اعتبرَ الجاهلُ النسخَ ثمرةً للبَداء ، وهو ظهورُ الشيء بعدَ خَفائِه ، واللّهُ منزَّهٌ عن البَداء ، لأَنه سبحانه أَحاطَ بكلِّ شيء علْماً ، وهو يعلمُ الشيءَ قبلَ حُدوثِه..
ومن جهلِ الفادي قياسُه فعْلَ اللّهِ على فعْل الإِنسان ، وعدمُ ملاحظتِه الفرق بينَ مَقامِ اللّهِ وضَعْفِ الإِنسان.
فالإِنسانُ جاهلٌ قَصيرُ النظر ، ولذلك يُغَيِّرُ ويُبَدّلُ في قوانينِه ، بحسَب ما يَبدو له من علمٍ جَديد.
ونسخُ اللّهِ لبعضِ أحكامِه ليس من هذا الباب ، فلا بَداءَ في علْمِ اللّه ، وهو سبحانه يَجعلُ بعضَ أَحكامِه موقوتةً بزمنٍ مُحَدَّد ، لتحقيق مصلحةِ المسلمين ، فإِذا انتهى زَمَنُها نَسَخها وأَتى بأَحكامِ أُخْرى بَدَلَها.
وهو العليمُ الخبيرُ الحكيم.
ويُشيرُ إِلى هذه الحقيقةِ قولُه تعالى : *وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ *101*.
فالآيةُ صريحةٌ في تَقريرِ حقيقةِ علْمِ اللّهِ بما يُنزل ، وجاءَ هذا التقريرُ في جملةٍ معترضةٍ للاستدراك *وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ*..
فالنسخُ والتبديلُ في الآياتِ مبنيّ على علْمِ اللّهِ بما يُنزلُ قبلَ أَنْ يُنزلَه ، فلا بِداءَ فيه.
2 - ادَّعى الجاهلُ المفترِي أَنه لا يوجَدُ نَسخ في اليهوديةِ والنصرانية ، ونَقَلَ كَلاماً منسوباً لعيسى - عليه السلام - في نفيِه.
قال : " لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ ليس له وُجود في اليهوديةِ ولا في المسيحية.
قالَ المسيح : لا تَظنوا أَنِّي جئتُ لأَنقضَ الناموسَ أَو الأنبياء ، ما جئتُ لأنقضَ بل لأُكملَ ، فإِنِّي الحقَّ أَقولُ لكم : إلى أنْ تزولَ السمواتُ والأرضُ لا يَزولُ حرفٌ واحدٌ أَو نقطة واحدةٌ من الناموس ، حتى يكونَ الكُلّ ".
وادّعاءُ الجاهلِ باطلٌ مردودٌ عليه ، وهو مُفْتَرٍ في نفيِه النسخَ بين اليهوديةِ والنصرانيةِ ، وقد نَسَخَ اللّهُ برسالةِ عيسى - عليه السلام - بعضَ الأَحكامِ التي جعلَها على اليهود ، وجاءَ هذا المعنى صريحاً في قولِه تعالى : *وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ *50*.
لقد جمعَتْ هذه الآيةُ الحكيمةُ بينَ " الإِحكامِ والنسخ " في رسالةِ عيسى - عليه السلام -.
- الإِحكامُ في قوله : **وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ*.
لقد كانَ عيسى - عليه السلام - مُصدِّقاً للتوراةِ ومُؤَيّداً لها في الجانبِ المحكَمِ منها الذي لا نَسخَ فيه ، وهو الجانبُ الإِيمانى والأَخلاقيُّ والإِخْبارِيّ.
ومعلوم أَنه لا نَسخَ في العقائدِ أَو الأَخلاقِ أَو الأَخبارِ ، فالإِنجيلُ موافقٌ تَماماً للتوراةِ النازلةِ على موسى - عليه السلام - في ذلك وهو لا يَعترفُ بأَسفارِ العهدِ القديمِ التي كَتبها الأَحبارُ ونَسبوها إِلى اللّه زوراً.
على هذا الجانبِ المحْكَم من التوراة نَحملُ الكلامَ الذي نَسَبَه الفادي إِلى عيسى - عليه السلام - إِنْ صَحَّتْ نسبتُه له - ! فهو لا يَنقضُ الناموسَ أَو الأَنبياء ، وما جاءَ لينقضَ ما وردَ في التوراةِ بل ليُكَمّلَه ويُصَدّقَه ، أَيْ : مسائلُ الإِيمانِ المذكورةُ في التوراةِ ثابتةٌ محكَمَة ، لا نَسخَ لها ، لا في الإِنجيلِ ولا في القرآن.
- والنسخُ في رسالةِ عيسى - عليه السلام - الموجهةِ إِلى بني إِسرائيلَ في قوله في الآية : *وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ*.
إِنَّ هذه الجملةَ صَريحةٌ في نَسْخِ الإِنجيلِ لبعضِ أَحكامِ التوراة ، فقد كانت بعض الأَشياءِ محرمةً على اليهود ، وجاءَ عيسى - عليه السلام - ليُحِلَّ لهم تلك الأَشياءَ المُحرَّمة ، وإِذا كانَ هذا لا يُسَمّى نَسْخاً فماذا يُسَمّى ؟!.
ومن الدليلِ على وُقوعِ النسخِ في الشريعةِ اليهوديةِ نفسِها أَنَّ بعضَ الأَشياءِ كانت مُباحةً لليهود ، وشرعَ اللّهُ إِباحتَها في التوراةِ النازلةِ على موسى - عليه السلام - ، ثم حَرَّمَ اللّهُ عليهم تلك المباحات ، عِقاباً لهم على ظُلمِهم وعُدوانِهم.
قال تعالى : *فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا *160*.
كانت بعضُ الطيباتِ مُباحةً لليهود ، وبعدما ظَلَموا وبَغَوا عاقَبَهم اللّه ، فنسخَ إِباحتَها ، وحَرَّمَها عليهم!.
لقد مَرَّتْ بعضُ الأَحكامِ التىِ شَرَعَها اللّهُ لليهودِ بالمراحلِ التالية :
الإِباحةُ ، ثم الحرمَةُ عِقاباً لهم ، ثم الحِلُّ والإِباحةُ على لسان عيسى - عليه السلام -.
فكيفَ يتجرأُ الفادي المدَّعي بعدَ ذلك ليقول : لا نَسخَ في اليهوديةِ ولا في النصرانية ؟!.
3 - من عيوبِ النسخِ في نَظَرِ الفادي أَنه يفتحُ بابَ الكذبِ والادّعاء ، ولذلك لا بُدَّ من منعِه! قال : " لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ يَفتحُ بابَ الكذبِ والادِّعاء ، فإِذا قالَ مُدَّعي النبوةِ قَوْلاً وظَهَرَ خَطَؤُه ، أَو إِذا اعترضَ عليه
سامِعوه ، قال : إِنه منسوخ ، ويَأتي بقولي آخَرَ..
فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان ، كما يَنسخُ إِلهُ محمدٍ ما يُلقيهِ عليه من قرآن ".
وهذه الشبهةُ مردودةٌ على الجاهل ، ولا تُوَجَّهُ إِلى النسخِ في القرآن ، فالأَمْرُ ليس من بابِ الادِّعاءِ والتقوُّل والافتراء ، وليسَ كما يفعلُه ويقولُه الكَذّابون المدَّعون ، وإِنما هو من فعْلِ اللّهِ سبحانه ، ولذلك أُسندَ إِلى اللّهِ وليس إِلى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - : *مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا*.
و *وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ..*
وكَلامُ مُدَّعي النبوةِ باطلٌ مردودٌ عليه ، سواء ادَّعى النسخَ أَم لا !!.
4 - تساءلَ الفادي بخبثٍ عن مصيرِ الآياتِ المنسوخة ؟
قال : " لأَنَّ محمداً اعتبرَ الناسخَ والمنسوخَ من نفسِ كلامِ اللّه ، فهل كانَ المنسوخُ كَلاماً إِلهيّاً مكتوباً في اللوحِ المحفوظ ؟
وهل يَترتبُ على نسخِه في القرآن نسخُه أَيْضاً في اللوحِ المحفوظ ؟
وكيفَ يَسمحُ اللّهُ لكلامِه العزيزِ بالزوال والإِهمال ؟
وإِلّا فلماذا كُتِبَ ؟ ".
وهذه الأَسئلَةُ مردودةٌ ومتهافتةٌ ولا وَزْنَ لها ، لأَنَّ الراجحَ هو أَنَّ النسخَ في أَحكامِ القرآنِ وليسَ في آياتِه وكلماتِه ، ولم يَثبتْ عندنا آياتٌ منسوخةٌ بكلماتِها ، حتى تُوَجَّهَ لها أَسئلةُ الفادي التشكيكية! فلم تُنْسَخْ كلمةٌ أو آيةٌ من القراَن ، والآياتُ التي أَنزلَها اللّهُ على رسولِه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بَقيتْ كما هي ، لم تُنسخْ أَو تُغيّرْ أَو تُبدّلْ ، هذا ما نقولُ به ، وكلُّ كلام غير هذا مرجوحٌ مردودٌ عندنا.
5 - ادَّعى الفادي المفترِي أَنه يتعذرُ حصرُ المنسوخِ في القرآن ، مما يجعلُ القرآنَ مُبْهَماً مُلْتبساً مشكوكاً فيه ، وإِذا جُرِّدَ القرآنُ من الناسخِ والمنسوخِ لم يبقَ منه شيء!!.
قال : " لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ متغلغلٌ في جميعِ أَجزاءِ القرآن ، بحيثُ يتعذَّرُ على الراسخين في العلمِ معرفةُ الناسخِ والمنسوخِ بطريقَةٍ
لا تقبلُ الشك ، مما يَجعلُ أَقوالَ القرآنِ مبهمةً ملتبسة ".
وادَّعى أَنَّ السورَ التي فيها منسوخٌ وليسَ فيها ناسخ أَربعونَ سورة ، والسورَ التي فيها ناسخٌ وليس فيها منسوخٌ سِتُّ سُور ، والسورَ التي فيها ناسخٌ ومنسوخٌ خمس وعشرون سورة ، والسورَ التي ليسَ فيها ناسخٌ ولا مَنسوخ ثلاثٌ وأَربعون سورة.
وخَتَمَ كلامَه بعبارةٍ فاجرةٍ خبجثة ، قالَ فيها : " فإِذا جُرِّدَ القرآنُ من الناسخ والمنسوخ كان كراسةً صغيرة! ومع ذلك ادَّعوا أَنه المعجزةُ الكبرى " !.
إِنَّ المنسوخَ غيرُ متغلغلٍ في جميعِ أَجزاءِ القرآنِ وسورِه المكيةِ والمدنيَّة ، والأَرقامُ التي ذَكرها المفترِي لأَعدادِ السورِ التي فيها ناسخٌ أَو منسوخٌ مردودة ، لأَنه مُبالَغٌ فيها.
والآياتُ التي فيها نسخٌ حَصرَها العلماءُ ، والراجحُ أَن هذه الآياتِ لا تَتجاوزُ عَدَدَ أَصابعِ اليدَيْن!.
ويُصِرّ المفترِي على القولِ بالنسخِ بالتلاوة ، أَيْ إِلغاءِ كثيرٍ من آياتِ القرآن ، وهذا رأيٌ مرجوحٌ ومردودٌ عندنا ، رغمَ أَنه قالَ به بعضُ علماءِ المسلمين ، والراجحُ عندنا أَنَّ النسخَ إِنما هو في الأَحكامِ فقط ، والأَحكامُ
المنسوخةُ في القرآنِ لا تتجاوزُ عشرةَ أَحكام!!.
ومن غباءِ وسخفِ الفادي دعوتُه إِلى تجريدِ القرآنِ من الناسخ والمنسوخ ، وادّعاؤُه أَنه لو حصلَ ذلك لما بقيَ من القرآنِ إِلّا " كراسة صغيرة" !!.
فإذا كانَ " نسخُ التلاوةِ " غيرَ موجودٍ في القرآن ، وإِذا كانت الآياتُ التي نُسختْ أَحكامُها لا تَزيدُ على عشرِ آيات ، ولا تَكادُ تملأ صفحةً واحدة ، فكيفَ يقولُ هذا الغبيُّ المفترِي ما قال ؟!
إِننا نوقنُ أَنّه لم تنسخْ آيةٌ واحدةٌ من القرآن بكلماتِها وصياغتِها ، وأَنه لا يمكنُ إِلغاءُ آيةٍ واحدةٍ من القرآن ، كما أَننا نوقنُ أَنَّ القرآنَ هو المعجزةُ الكبرى حَقّاً ، وأَنه كلامُ اللّهِ المحفوظ ، لم يُغَيَّرْ منه كلمةٌ واحدة.
6 - العيبُ السادسُ الذي سَجَّلَه الفادي على النسخِ قَسَّمَ فيه النسخ إِلى ثلاثةِ أَقسام ، وكُلُّها في نظرِه مردودة.
قال : " لأَنَّ النسخَ في القرآنِ عند علماءِ المسلمين ثلاثةُ أَنواع :
فالنوعُ الأَولُ ما نُسِخَ تلاوتُه وحكْمُه ، أَيْ : بعدَ كتابتِه وقراءَتِه لم يَكتُبوه ولم يَقرؤوه..
والنوعُ الثاني : ما نُسِخَ حُكمُه وبَقيتْ تلاوتُه ، وهو مقدار كبيرٌ من آياتِ القرآن ، يَقْرؤونها ويَعتقدون أَنَّ أَحْكامَها ملغِيَّة ، فلا يَعملونَ بها..
والنوعُ الثالث : ما نُسخَتْ تلاوَتُه وبقيَ حُكْمُه..
وأَمامَ هذا النوعِ نتساءَل : لماذا يُكلفُنا اللّهُ أَنْ نَعملَ بآيةٍ غيرِ موجودة ؟
أَلَم يَكن الأَوْلى أَنْ تَبْقى في كتابِه حتى يُحاسِبَنا بمقتضاها ؟! ".
صحيحٌ أَنه لم يأتِ بأَقسامِ النسخِ الثلاثةِ من عنده ، وأَنه نَقَلَها من بعضِ المراجعِ الإِسلامية ، وأَنه قال بها كثيرٌ من العلماءِ المسلمين ، لكنَّ تعليقاتِ المفتري واستنتاجاتِه مرذولةٌ باطلة.
النوعُ الأَول : ما نُسختْ تِلاوتُه وحُكْمُه.
وفَسَّرَهُ المفترِي بأَنَّ المسلمينَ لم يَكتبوه ولم يَقرؤوه ، بعدَ كتابتِه وقراءتِه.
وهذا يَعني أَنهم هم الذين تَصَرَّفوا بالنسخِ في القرآنِ على هواهم ، وأَنهم أَهملوا الاهتمامَ بالقرآن ، وأَنهم أَسْقَطوا منه كثيراً من آياتِه ، وأَضاعوا كثيراً من أَحكامِه.
ورغم أَنَّ كثيراً من السابقين قالوا بهذا النوعِ من النسخِ ، إِلّا أَننا لا نقولُ
به ، ونَعتبرُه مَرْدوداً ، لأَنه لم يثبتْ عندَنا نَسْخُ شيء من أَلفاظِ وكلماتِ القرآن!
النوعُ الثاني : ما نُسِخَ حكْمُه وبقيتْ تلاوتُه.
وعَلَّقَ عليه المفترِي بقولِه : " وهو مقدارٌ كبيرٌ من آياتِ القرآن ، يَقرؤونَها ويَعتقدونَ أَنَّ أَحكامها ملغيةٌ فلا يَعملونَ بها ".
وهذا النوعُ هو الوحيدُ في القرآن ، فالمنسوخ في القرآنِ هو بعضُ الأَحكامِ فقط ، مع أَنَّ الآياتِ التي عرضَتْ تلك الأَحكام المنسوخة بقيَتْ في القرآن.
لكن هذه الآياتِ المنسوخة ليستْ كثيرةً كما زعمَ المفترِي ، وإنما هي - آياتٌ قليلة ، لا تَتجاوزُ عَشْرَ آيات.
النوع الثالث : ما نُسختْ تلاوتُه وبَقيَ حُكْمُه.
وعَلَّقَ عليه المفترِي بأَنه كانَ الأَوْلى أَنْ تبقى تلك الآياتُ المنسوخةُ في القرآن ، وأَنْ لا تُرفَعَ منه.
ومَثَّلَ العلماءُ لهذا النوع من النسخ برجْمِ الزاني والزانية إِذا كانا محصنَيْن متزوجَيْن ، ويَزعمونَ أَنه كانَتْ آيةٌ في القرآن ، نَصُّها : " الشيخُ والشيخةُ إِذا زنيا فارجُموهما ألبتة " ، فنَسخَها اللهُ من القرآنِ وأَبْقى حكمَها!.
ونحنُ لا نقولُ بهذا النوعِ من النسخ ، ونَرى أَنَّ رجمَ الزاني المحصَنِ ثبتَ بالسُّنَّة وليس بالقرآن ، وثبوتُه بالسنة يكفي لاعتمادِه حُكْماً شرعياً.
والخلاصةُ أَنَّ النسخَ الوحيدَ في القرآنِ هو نسخُ الحكمِ مع بقاءِ التلاوة ، والآياتُ التي نُسِخَ حكمُها في القرآنِ قليلةٌ لا تَتجاوزُ عَشْرَ آيات.
ثانياً : أمثلة الناسخ والمنسوخ في القرآن :
عرضَ الفادي الجاهلُ خمسةَ أَمثلةٍ اعتبرَها من " الناسخِ والمنسوخ " في القرآن ، كان يَذكرُ الآيةَ المنسوخة ، وبجانبها الآيةَ الناسخة ، والحكمَ المنسوخ والحكمَ الناسخ ، ومعظمُ هذه الأَمثلةِ لا نسخَ فيها.
ولْننظرْ في الأَمثلةِ التي ذكرها :
1 - الحكمُ المنسوخُ هو : السِّلْمُ في سبيلِ الدعوة ، الذي قَرَّرَه قولُه تعالى : *لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ*.
وقولُه تعالى : *وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ *99*.
وادَّعى المفترِي أَنَّ الحكمَ الناسخَ هو : القتالُ في سبيلِ الدعوة.
وأَنَّ النصَّ الناسخَ هو قولُه تعالى : *قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *29*.
وقولُه تعالى : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *73*.
وكلامُ المفترِي دليلُ جهْلِه ، فالدعوةُ إِلى اللّهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة أمر مُحْكَم وليس منسوخاً ، وهو باقٍ حتى قيامِ الساعة ، ودليلُه الآيةُ
المحكمةُ : *ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ*.
وآيةُ سورةِ البقرةِ التي ذَكَرَها الفادي محكمةٌ وليستْ منسوخَة : *لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا* إِنها تنهى عن إِكراهِ الكافرين من اليهودِ والنصارى وغيرهم على الدخولِ في الإِسلام ، وإِجبارهم عليه ، لأَنَّ الدينَ لا يَقبلُ الإِجبارَ والإِكراه ، وإِنما يقومُ على الرضا والاختيار والاقتناع..
ولكنَّ عدمَ إِكراهِهم على الإِسلام لا يَعْني عدمَ دعوتِهم إِليه ، فيجبُ على المسلمينَ أَن يَدْعوهم إِلى الإِسلامِ ، ويُقيموا عليهم الحجة ، وأَنْ تَكونَ دعوتُهم بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة ، فإن استجابوا - للدعوةِ أَفْلَحوا ، وإِلّا كانوا خاسِرين..
فلا نسخَ في قولِه تعالى : *لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ* ، ولا نسخ في قوله تعالى : *أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ *99*.
والآياتُ التي تأمُر بقتالِ وجهادِ الكفارِ والمنافقين ليستْ ناسخةً لآياتِ وجوبِ الدعوةِ إِلى اللّه ، كقولِه تعالى : *قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ*.
وقوله تعالى : *جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ*.
لأَنه لا تَعارُضَ بين الآيات ِ الآمرةِ بالجهادِ والقتالِ والآياتِ الآمرةِ بالدعوةِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة ، لأَنَّ القتالَ موجَّهٌ إِلى الأَعداءِ المحاربين ، الطامِعين في بلادِ المسلمين ، أَو الذينَ يَمنعونَ الدعاةَ من تبليغِ الدعوة ، والهدفُ من قتالِهم هو إِيقافُ عدوانِهم ، وتحطيمُ قوتِهم ، وليس إِكراهَهم على الدخولِ في الإِسلام.
فإِذا تَوقَّفَ الأَعداءُ عن العدوان ، قام الدعاةُ بدعوتِهم إِلى هذا الدين ، فإِنْ رَفضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على كفرهم ، تُرِكوا وشأنهم ، وعذابُهم عندالله!!.
2 - الحكمُ المنسوخ : هو حبسُ الزانيات ، الذي قَرَّرَه قولُه تعالى : *وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا *15*.
إذا ارتكبت امرأة فاحشةَ الزنى ، وثَبَتَ زِناها بشهادةِ أَربعةِ شهود ، وَجَبَ حبسُها في بيتِ أَهْلِها حتى تَموت ، أَو يأتيَ اللّهُ بحكْمٍ جديد.
والحكمُ الناسخُ هو جلْدُ الزانيةِ والزاني المحصنَيْن مئةَ جلدة ، الذي قَرَّرَه قولُه تعالى : *الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ*.
وهذا المثالُ للنسخ في القرآنِ صَحيح ، فآيةُ سورةِ النساء أَمَرَتْ بحبسِ النساءِ الزانيات ، ولكنَّ اللّهَ نَسَخَ هذا الحكمَ بآيةِ سورةِ النور ، حيثُ أَمَرَ بضربِ الزانيَيْن مئةَ جلدة.
وَأَكَّدَ هذا النسخَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم.
روى مسلم عن عبادةَ بنِ الصامت - رضي الله عنه - عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : " خُذوا عَنّي ، خُذوا عَنّي ، قد جعلَ اللّهُ لهنَّ سبيلاً.
البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مئةٍ ونَفْيُ سَنَة ، والثَّيّبُ بالثيبِ جلدُ مئةٍ والرجمُ ".
3 - الحكمُ المنسوخ : ثَباتُ الواحدِ لعشرةٍ من الكفار في القتال ، الذي قرره قوله تعالى : *إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ*.
أَمَرَ اللّهُ المؤمنين بقتالِ الكفار ، والثباتِ في قتالِهم ، وعدمِ الفرارِ منهم ، وأَوجبَ على المسلمِ أَنْ يَثبتَ أَمامَ عشرةِ كفار.
قال تعالى : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ *65*.
والحكمُ الناسخ هو ثباتُ الواحدِ لاثنين من الكفارِ في القتال ، والذي قَرَّرَهُ قولُه تعالى : *الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ*.
وهذا المثالُ صحيحٌ للنسخِ في القرآن ، ويبدو أَنَّ وُجوبَ ثباتِ المؤمنِ أَمامَ عشرةٍ من الكفارِ كانَ في بدايةِ الدعوةِ الإِسلامية ، حيثُ كان عددُ المسلمين قليلاً ، وكانَ إِيمانُهم كبيراً ، وكانتْ حماستُهم للقتالِ عالية ، ويمكنُ للمؤمنِ أَنْ يُقاتِلَ عشرةً ، وأَنْ يَصمدَ أَمامَهم.
وفيما بعدُ انتشرَ الإِسلام ، وازدادَ عددُ المسلمين ، ولعلَّه تَدَنّى مستوى حماسِهم ، ودَبَّ فيهم الضعف ، فخفَّفَ اللّه عنهم ، ونَسَخَ الحكمَ السابق بحكْمٍ جديد ، هو أَنْ يثبتَ المؤمنُ أَمامَ اثنيْن من الكفار.
4 - الحكمُ المنسوخُ هو : اعتدادُ المتوفّى عنها زوجُها سنةً كاملة ،
والذي قَرَّرَهُ قولُه تعالى : *وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ*.
والحكمُ الناسِخُ هو اعتدادُ المتوفّى عنها زوجُها أَربعةَ أَشهرٍ وعشرةَ أَيام ،
الذي قَرَّرَه قولُه تعالى : *وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ*.
والراجحُ أَنه لا نَسْخَ في عدةِ المتوفّى عنها زوجُها ، وأَنَّ الآيةَ *234*
من سورةِ البقرة التي تأمرُ المرأةَ المتوفّى عنها زوجُها بالعدةِ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرةَ أَيام ليستْ ناسخةً للآية *240* ، التي تتحدثُ عن الإِقامةِ حَوْلاً كاملاً ، ولا تَعارُضَ بين الآيتَيْن حتى نَلجأَ إِلى النسخ.
عِدَّةُ المرأةِ المتوفّى عنها زوجُها هي أَربعةُ أَشهرٍ وعشرةُ أَيام : *يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا*.
ويَحرمُ عليها أَثناءَ العدةِ أَنْ تُخْطَبَ أَوْ تَتزوج ، ويَجبُ عليها أَنْ تقضيَ هذه المدةَ في بيتِ زوجِها المتوفّى.
وقولُه تعالى : *وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ* يَجعلُ للمرأةِ المتوفّى عنها زوجُها الحَقَّ في أَنْ تُقيمَ في
بيتِ زوجِها المتوفّى حولاً كاملاً ، وذلكَ بأَنْ تزيدَ على مدةِ العِدَّةِ الواجبةِ عليها ، وعلى أَهْلِ زوجِها المتوفّى أَنْ لا يَمنعوها من ذلك ، ولكنَّ هذا الحَقَّ ليس واجباً عليها ، فإِنْ خرجَتْ قبلَ انقضاءِ الحولِ جازَ لها ذلك : *فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ*.
الآيةُ *234* تتحدَّث عن العِدَّةِ الواجبةِ على المتوفّى عنها زوجُها ، والآيةُ *240* تتحدث عن المدَّةِ الزائدةِ التي يمكِنُ لها أَنْ تُقيمَها المعتدَّةُ في بيتِ زوجِها المتوفّى ، ويَجوزُ لها أَنْ تُقَلِّلَ مدةَ الإِقامةِ عن الحَوْل ، لكنَّه لا يجوزُ لها أَنْ تُنقصَ أَيامَ العِدَّةِ يوماً واحداً.
5 - الحكمُ المنسوخ : في الخمرِ والميسرِ إِثمٌ وَمنافعُ للناس ، الذي قررَه قولُه تعالى : *يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا*.
والحكمُ الناسخ هو تحريمُ الخمرِ والميسرِ لأَنهما رجسٌ من عملِ الشيطان ، والذي قَرَّرَهُ قولُه تعالى : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *90*.
والراجحُ أَنه لا نسخَ في الأَمْرِ ، ولا تَعارُضَ بين آيةِ سورةِ البقرة وآيةِ سورةِ المائدة.
فآيةُ سورةِ المائدة نَصتْ على تَحريمِ الخمرِ والميسر ، وأَمَرت المسلمين باجتنابهما ، ووصفَتْهما بأَنهما رجسٌ من عملِ الشيطان ، وهي الدليلُ القرآنيُّ على حرمةِ الخَمرِ والميسر ، حيثُ استقرَّتْ حرمَتُهما حتى قيامِ الساعة.
وآيةُ سورةِ البقرة لا تَتعارضُ معها ، حتى نقولَ : إِنها منسوخة ، لأَنها نَزَلَتْ جواباً على سؤالٍ للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَخبرتْ أَنّ في الخمرِ والميسر إِثماً كبيراً ومنافعَ للناس : *يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا*.
فيهما إِثم كبيرٌ لأَنهما رجسٌ من عملِ الشيطان ، ولذلك حَرَّمَهما اللّهُ في سورةِ المائدة.
لكن فيهما منافعُ للناس ، وتلك موجودةٌ فيهما حتى بعدَ تحريمِهما ، وتتمثَّلُ هذه المنافعُ في المتاجرةِ فيهما صناعةً وبيعاً واكتساباً ، حيثُ تُشادُ مصانعُ للخمر ، وتُفتحُ محلاتٌ لبيعِ الخمر ، وهذه المصانعُ
والمتاجرُ تَدرُّ رِبحاً ومالاً لأَصحابِها ، وهي منافعُ مالية مادية لهم..
لكنَّ هذه المنافعَ لبعضِ الناس مفاسدُ لمعظمِ الناس ، ولذلك حَرَّمَ اللّهُ الخمرَ رغم هذه المنافعِ للبعض ، وجعَلَها أُمَّ الخبائث ، للمضارِّ والمفاسدِ التي تُوقِعُها بالناس!.
ثالثاً : الأسباب الحقيقية للناسخ والمنسوخ :
حَشَرَ الفادي المفترِي نفسَه في الناسخِ والمنسوخِ في القرآن ، وتعامَلَ معه بجهْلِهِ وغَبائِه ، وفَسَّرَهُ على أَساسِ تَحامُلِه على القرآن ، وسوءِ ظَنِّهِ به ، واتِّهامِه له ، وجَزْمِه بأَنه من كلامِ البَشَر وليس من كلامِ اللّه.
وحاوَلَ الوقوفَ على الأَسبابِ الحقيقية للنسخِ ، وهو بهذهِ النفسيةِ الحاقدةِ العدائية ، وزَعَمَ أَنه عَرَفَ الأَسبابَ الحقيقيةَ لسبعةِ أمثلةٍ من النسخِ في القرآن.
ونَنظرُ في الأَسبابِ التي ذَكَرَها لنقفَ على جَهْلِه وتحامُلِه وحِقْدِه :
1 - لماذا نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام ؟ :
زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ حَرَّمَ القتالَ في الشهرِ الحرام.
ولم يَذْكُر الآيةَ التي حَرَّمَتْ ذلك.
ثم زَعَمَ أَن هذه الحُرمةَ نُسخَتْ بالإِباحة ، وذلك بآية :
*يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ*.
والسببُ الحقيقيُّ للنسخِ في نظرِه هو رغبةُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - في السَّلْبِ والنهبِ والقتل ، وتبريرُه لذلك ، قالَ فَضَّ اللّهُ فاه : " جاءت هذه الآية ُ الناسخةُ بعد القتالِ الذي قامَ به عبدُ اللّهِ بنُ جحش الأَسديُّ في الشهرِ الحرام ، وإِعطائِه خُمس السَّلْبِ لمحمد ، وتعييرِ قريشٍ لمحمدٍ بِسببِ ارتكابِ المسلمين القتالَ في الشهرِ الحرام.
فلكَي يُسكتَهم ويُرضي أَصحابَه ويُبررَ سَلَبَه قالَ بهذه الآيةِ الناسخة! ".
محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - في نظره - هو الذي يُؤَلِّفُ آياتِ القرآن ، ويَنسبُها إِلى اللّه ، وذلك ليُبررَ بها أَعمالَه ويُرضيَ أَصحابَه!!
هذا هو السببُ الحقيقيُّ عند المجرمِ لنسخِ حرمةِ القتالِ في الشهرِ الحرام.
فقد أَرسلَ عبدَ اللّه بنَ جحش ، ومعه مجموعةٌ من أَصحابِه ، فأَغَاروا على تجارةٍ لقريشٍ في الشهرِ الحرام ، وقَتَلوا مَنْ فيها ، وصادَروها ، وأَعْطوا ما فيها للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فأَلَّفَ آيةً نَسَخَ فيها حرمةَ
القتالِ في الشهرِ الحرام ، ليُبررَ فِعْلَه ، ويُرضيَ أَصحابَه!!.
وكلامُ الفادي المجرمِ خَطَأ وباطل ، وهو دَليلُ جهْلِه وغَبائِه.
لقد كانتْ حادثةُ سريةِ عبد اللّهِ بنِ جحش - رضي الله عنه - في منتصفِ السنةِ الثانيةِ للهجرة ، قبلَ غزوةِ بدر ، وهي لم تَنسخْ حُرمةَ القتالِ في الشهرِ الحرامِ ، ولم تَجعلْ ذلك القتالَ مباحاً ، بل اعتبرَتْه مُحَرَّماً ، لكنَّ جرائمَ قريشٍ كانت أَكبر.
وخلاصةُ حادثةِ تلك السَّرِيَّةِ أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - "شَكَّلَ " سريةً مجاهدةً بقيادةِ عبدِ اللّه بن جحش - رضي الله عنه - ، وأَمرهم أَنْ يَتَوَجَّهوا إِلى منطقةِ " نَخْلَة " ، على طريقِ مكة ، وأَنْ يَرْصُدوا فيها قافلةً تجارية لقريش..
ولما كَمَنوا في المنطقةِ مَرَّتْ بهم القافلةُ المرصودة ، واخْتلفَ أَصحابُ السريَّةِ في التاريخ : هل هذا اليومُ هو آخرُ أَيامِ شهرِ جمادى الثانية ، الذي يَجوزُ القتالُ فيه ، أَم هو أَولُ أَيامِ شهرِ رجب المحَرّم الذي يَحرمُ القتالُ فيه ؟
ورجَّحوا أَنه آخرُ أَيامِ شهرِ جمادى ،
وهاجموا القافلةَ ، فَقَتلوا أَحَدَ المشركين ، وأَسَروا اثنَيْن ، وهربَ الرابعُ إِلى مكة ، ليُخبرَ قُرَيْشاً بما جَرى ، وأَتَوا بالقافلةِ والأَموالِ والأَسيرَيْن إِلى رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة.
وأَثارَتْ قريشٌ حرباً إِعلاميةً ضخمةً ضدَّ المسلمين ، وقالَتْ لقبائلِ العرب : انْظُروا إِلى محمد الذي يَزعمُ أَنه رسولُ اللّه ، وأَنه يحترمُ الحُرُمات ، ها هو ينتهكُ حرمةَ الشهرِ الحرام ، الذي أَجمعَ العربُ على تحريمِ القتالِ فيه ، ويَقتلُ أَحَدَ رجالِنا في رجب الحرام!.
فأَنزلَ اللّهُ آيةً محكمةً تَرُدُّ على إشاعاتِ قريش ، وتُدينُ قتْلَ الرجلِ في الشهرِ الحرام ، وتَذكرُ جرائمَ قريشٍ الكبيرةَ الفظيعةَ بجانبِ قَتْلِ ذلك الرجل!
وهي قولُ اللّهِ - عز وجل - : *يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا*.
والمعنى : يَسألُ الكفارُ عن حكمِ القتالِ في الشهرِ الحرام ، وعن حكمِ القَتْلِ في الشهرِ الحرام ، والجوابُ على سؤالهم أَنَّ القتالَ والقَتْلَ فيه كبيرٌ.
وهذا معناهُ : أَنَّ الصحابةَ الذين قَتَلوا الرجلَ في الشهرِ الحرام كانوا مُخطئين في اجتهادِهم ، لأَنه لا يَجوزُ القتالُ والقتلُ في الشهرِ الحرام.
لكنَّ خطأَ الصحابة في قَتْلِ الرجلِ في الشهرِ الحرام لا يَكادُ يُذْكَرُ أَمامَ سلسلةِ الجرائمِ التي ارتكبَتْها قريشٌ ضدَّ المسلمين ، وذَكرت الآيةُ تلك الجرائمَ بقولها : *وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ*.
والمعنى : إِذا أَخطأَ المسلمون بقَتْلِ رجلٍ كافرٍ في الشهرِ الحرام ، فإِنَّ كُفارَ قريشٍ قد ارتكبوا سلسلةً فاحشةً من الجرائم ، منها : صَدُّهم عن سبيلِ اللّه ، والكفرُ باللّه ، والكفرُ والشركُ وعبادةُ غيرِ اللّه في المسجدِ الحرام ، وإِخراجُ أَهْلِ المسجدِ الحرامِ المؤمنين الصالحين من المسجد ، وفتنتُهم المسلمينَ وتعذيبُهم
ليرتَدّوا عن دينهم..
هذه الجرائمُ أَكبرُ عندَ اللّه من قَتْلِ ذلك الرجل ، فلماذا تَتَباكى قريشٌ على الحرمات ، وهي التي تَنتهكُ حرمَتَها ؟!.
وبهذا نعرفُ أَنَّ الآيةَ لم تَنْسَخْ حرمةَ القتال في الشهبرِ الحرام ، كما فَهم منها الفادي الجاهل ، وإِنما أَكَّدَتْ حرمةَ ذلك القتال ، ولامَت الصحابةَ على قَتْلِهم الرجلَ المشرك ، واعتبرتْ ذلك الحادثَ كبيراً : *قُل قِتَالٌ فِيهِ كبِير* ،
لكنَّ جرائمَ قريشٍ أَكبرُ من القتل.
2 - لماذا نسخت القبلة إلى بيت المقدس ؟ :
كانتْ قبلةُ المسلمين بيتَ المقدس ، وصَلّوا إِليها سبعةَ عشرَ شهراً بعدَ الهجرة ، ثم نَسَخَ اللّهُ تلك القبلة ، وحَوَّلهم إِلى الكعبة ، وذلك في قوله تعالى :
*قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ*.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنه اكتشفَ الأَسبابَ الحقيقيةَ لهذا النَّسخ.
قال : " جاءَتْ هذهِ الآية ُ الناسخةُ ، بعدَ أَنْ كانَ المسلمون يُصَلُّون مستَقْبِلين بيتَ المقدس ، وأَرادَ محمدٌ أَنْ يَستميلَ العربَ إِليه ، ولكي لا يَتحوَّلوا إِلى اليهوديةِ التي كان يُقَدّسُ قبلَتَها ، قال : إِنَّ اللّهَ غَيَّرَ له القبلةَ إِلى القبلةِ التي يَرْضاها ، فحُكْمُ النسخِ ليس حسبَ المشيئةِ الإِلهية الثابتة ، بل حسبَ هوى محمدٍ ورضاه!! ".
يُفَسرُ المجرمُ المفترِي الأَحكامَ الشرعيةَ تفسيراً سياسيّاً ومصلحياً ، ويُنَحّي التفسيرَ الإِيماني ، لأَنه يَنفي أَساساً كونَ القرآنِ من عند اللّه ، ويجعلُه من تأليفِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
كانَ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - يُقَدِّسُ قبلةَ اليهود ، وكان يُصَلِّي إِليها ، لكنه خشيَ أَنْ يتأَثَّرَ قومُه العربُ باليهود ، وأَنْ يَتَحَوَّلوا إِلى الديانةِ اليهودية ، وبذلك يغلبُه اليهود.
وأَرادَ أَنْ يستميلَ العربَ إِليه ، فحوَّلَ القبلةَ من بيتِ المقدسِ إِلى الكعبة ، التي كان قومُه العربُ يقدسونَها ، ويَعتبرونَها قبلةً لهم..
وادَّعى أَنَّ اللّهَ أَنزلَ عليه القرآنَ بنسْخِ القبلةِ السابقةِ والتحوُّلِ إِلى القبلةِ الجديدة!
فالنسخُ في القرآنِ ليس من عندِ اللّه ، ولا بأَمْرِ اللّه ، وإِنما هو وفقَ هوى ورغبةِ ورضا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، يَنسخُه متى يَشاء ، ويُثبتُه متى يَشاء!!.
بهذا التحليلِ الخبيثِ يتعامَلُ المفترِي الحاقدُ مع مسألةِ تحويلِ القِبلة ، ويُلغي الجانبَ الربانيَّ الإِلهي ، ويَجعلُ الإِسلامَ والقرآنَ والشريعةَ والأَحكامَ نتاجَ اللهو واللعبِ والعبثِ والهوى والمزاج.
وقد كانتْ آياتُ القرآنِ صريحةً في إِسنادِ تحويلِ القبلةِ إِلى اللّه ، وفي الردِّ على السفهاءِ من الناس ، الذين اعْتَرَضوا على تحويلِ القبلة.
وعند قراءةِ كلامِ الفادي المفترِي عن سببِ تحويلِ القبلةِ نجدُ أَنه أَحَدُ هؤلاء *السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ*.
قال تعالى : *سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *142* وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ *143* قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ *144* وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ *145* الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ *146* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ *147*.
الآياتُ صريحة في أَنَّ نسخَ القبلةِ إِلى بيتِ المقدس ، وتحويلَها إِلى الكعبة ، إِنما هو من اللّه ، وله الحِكَمُ العديدةُ من القبلةِ الأُولى ، ومن التحويلِ إِلى القبلةِ الجديدة ، حِكَمٌ تربويةٌ وتشريعية ، ورَدَّت الآياتُ على شبهاتِ واعتراضاتِ السفهاءِ من اليهود.
وهذه الآياتُ أَبلغُ رَدٍّ على تحليلاتِ الفادي المفتري ، ونقضٍ لاتهاماتِه ضد رسولِنا الحبيبِ - صلى الله عليه وسلم -.
3 - هل نسخ تمسك الرجل بزوجته ؟ :
نَظَرَ الفادي المجرمُ نظرةً خبيثةً لحادثةِ زَواجِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - من زينبَ بنتِ جحشٍ - رضي الله عنها - ، بعدَ أَنْ طَلَّقَها مُتَبَنّاهُ زيدُ بنُ حارثة - رضي الله عنه - ، لخلافاتٍ زوجيةٍ بينهما ، وفَسَّرَ المجرمُ الحادثةَ تفسيراً فاجِراً حاقِداً لئيماً ، اتهمَ فيه رسولَنا - صلى الله عليه وسلم - بأَنه متبعٌ للهوى والشهوة.
قالَ اللهُ - عز وجل - : *وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا *37*.
ادَّعى المجرمُ المفترِي أَنَّ في الآيةِ نَسْخاً ، وأَنه وفقَ هوى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -.
قال : " جاءت هذه الآية ُ الناسخةُ لزيدٍ أَنْ يتقيَ اللّهَ ويتمسكَ بزوجتِه زينب ، بعد أَنْ خافَ محمدٌ من تعييرِ العربِ له أَنه يتزوجُ بزوجةِ ابنِه بالتبنّي ، مع ما سبقَ وأَضمَره محمدٌ في نفسِه ساعةَ رأى زينبَ واشْتهاها ، فقال : سبحانَ مُقَلِّبِ القلوب.
ثم قال : إِنَّ اللّهَ أَمَرَه بالزواجِ من زينب! ".
ادَّعى المجرمُ أَن جملةَ : *أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ*
المذكورةَ في الآيةِ منسوخةٌ ، وأَنَّ التي نسخَتْها هي الجملةُ التي بعدَها في الآية : *فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا*.
وادَّعى الفاجرُ المفترِي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - رأى زينبَ زوجةَ ابنِه بالتَّبَنّي زيدِ بن حارثة ، فأَحَبَّها واشْتَهاها ، وأَضمرَ في نفسِه الزواجَ منها ، ولكنه خشيَ من تَعييرِ العربِ له ، بأَنه تزوجَ امرأةَ ابنِه ، وكان قد أَوصى زيداً بها قائِلاً له : أَمْسِكْ عليك زوجَكَ واتَّقِ اللّه.
فَنَسَخَ هذه الوصية ، وزعمَ أَنَّ اللّهَ هو الذي زوَّجَه من زينب ، وأَنزلَ عليه الآيةَ المذكورة ، التي فيها جملة : *فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا*.
مع أَنه لا يوجَدُ في الآيةِ منسوخٌ ولا ناسخ ، وإِنما هذا ثمرةُ جَهلِ الفادي المفترِي وإِجرامه وفجورِه ، والأَسبابُ التي ذكرها لزعْمِ النسخِ نتَاجُ حِقْدِه وخيالِه المريض.
وخلاصةُ حادثةِ زواج الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - بإِيجازٍ هي :
كانت زينبُ بنتُ جحشٍ - رضي الله عنها - ابنةَ عمةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يَعرفُها منذ صغرِها ، وكانَ قبلَ البعثةِ قد تَبَنّى زيدَ بنَ حارثة ، واشتهرَ بين قريشٍ باسمِ : زيدِ بنِ محمد ، وكان زيدٌ من السابقين إِلى الإِسلام - رضي الله عنه -.
وقد أَبطلَ اللّهُ المَبني ، وأَمَرَ بنسبةِ الأَبناءِ بالتبَنّي إِلى آبائِهم الحقيقيّين ، وذلك في قوله تعالى : *وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ *4* ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ*.
وبذلك أُعيدَتْ نسبةُ زيدٍ إِلى أَبيه حارثة ، فلم يقولوا : زيدُ بنُ محمد ، وإِنما يقولون : زيدُ بنُ حارثة.
وأَرادَ اللّهُ الحكيمُ الخبيرُ أَنْ يُبطلَ كُلَّ آثارِ التَبني ، بتجربةٍ عمليةٍ على يدِ
رسولِه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، فأَمَرَ اللّهُ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُزَوِّجَ ابنةَ عمتِه زينبَ لزيدِ بنِ حارثة ، فنفَّذَ أَمْرَ اللّهِ وزوَّجَه بها..
وكانَ في زينبَ حِدَّةٌ وشِدَّة ، وكانتْ تَرى نفسَها أَفضلَ من زيد ، لأَنها قرشيةٌ هاشمية ، وهو عَبْدٌ مُحَرَّر..
ولذلك كانت تنشأُ بينهما خلافاتٌ عديدة ، وكان زيدٌ يشكو زينبَ إِلى رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وكانَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - يوصيهِ بها ، ويَدْعوه إِلى الصبرِ عليها ، ولما أَخبره أَنه يُريدُ أَنْ
يُطَلقَها نهاهُ عن ذلك ، وقال له : أَمْسِكْ عليك زوجَك واتقِ اللّهَ فيها.
وأَخبرَ اللّهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ الحياةَ الزوجيةَ لن تستمرَّ بينهما ، وأَنَّ زيداً سيُطَلِّقُ زينب ، وأَنه هو الذي سيتزوَّجُ زينبَ بعد تطليقِ زيدٍ لها ، وذلك لإِبطال كُلِّ آثارِ التبني ...
وكان - صلى الله عليه وسلم - يَعلمُ أَنَّ قَدَرَ اللّهِ لا بُدَّ أَنْ يَتم ، وصارَ يفكرُ في ما سيقولُه عنه الناس بعد زواجِه بزينب.
وطَلَّقَ زيدٌ زينب ، ولما انتهتْ عِدَّتُها أَمَرَ اللّهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يتزوَّجَها ، وأَثارَ المنافقون الخبثاءُ الشبهاتِ ضدَّ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وقالوا : لقد تزوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابنهِ زيد!.
فأَنزلَ اللّهُ الآيةَ ، لإِبطالِ تلك الشبهات ، وبَيَّنَ حكمةَ ذلك الزواج " قال تعالى : *وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا *37* مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا *38* الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا *39* مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا *40*.
ذَكرت الآية ُ ما قالَه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - لزيد : *أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ*.
ومعنى قوله : *وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ* : تُخْفي في نفسِك ما أَخبرَكَ اللّهُ به ، من أَنَّ زيداً سَيُطَلِّقُ زينبَ ، وستتزوجُها أَنت من بعدِه بأَمْرِ اللّه.
واللّهُ سيُبدي هذا الأَمْرَ ويُظهِره للناس ، وسيتمُّ الطلاقُ ، وستتزوَّجُها أَنت فعلاً.
ومعنى قوله : *وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ* : تُفكرُ في كلامِ الناسِ وشبهاتِهم واتهاماتِهم لك ، ولحسبُ لهم حِساباً ، مع أَنَّ الأَوْلى أَنْ لا تخشى الناسَ ، وأَن لا تهتمَّ بما سيقولونَه عنك ، لأَنك على صواب ، واللّهُ هو الأَحَقُّ أَنْ تَخْشاه.
ونَصت الآيةُ على حكمةِ هذا الزواج : *لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا* ، وأَدعياؤهم هم أَبناؤُهم بالتبني ، ويَجوزُ للرجلِ أَنْ يتزوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابنِهِ بالتبنّي ، لأَنه ليس ابنَه حقيقة.
وأَخبرت الآيات ُ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليس أَباً لأَحَدٍ من رجالِ المسلمين : *مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ*.
وشاءَ اللّهُ الحكيم أَنْ يموتَ أَبناؤُه وهم صغار.
وبهذا نعرفُ أَنه لا منسوخ ولا ناسخ في الآية التي تحدثَتْ عن ذلك الزواج ، وليس في الأَمْرِ هوى أَو شهوة ، كما قالَ ذلك المجرمُ المفترِي.
4 - حولَ النسخ في معاشرة الزوجات في ليل رمضان :
أَثارَ الفادي المجرمُ سؤالاً خَبيثاً حولَ النسخِ في بعضِ أَحكامِ الصيام :
" لماذا نُسخَ الامتناعُ عن النساءِ وقتَ الصيام ؟ ".
واعترضَ فيه على قولِ اللّهِ - عز وجل - :
*أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ*.
وعَلَّقَ المجرمُ على الآيةِ زاعماً اكتشافَه السببَ الحقيقيَّ للنسخ ، فقال :
" جاءَتْ هذه الآيةُ الناسخةُ بعدَ اعترافِ أَصحابِ محمد ، ومنهم عمرُ بن الخطاب ، أَنهم خانوا نِظامَ الصيامِ المتَّبَع ، بإِتْيانِهم نساءهم بعد صلاةِ العشاء ، فجَعلت الآيةُ الناسخةُ الممنوعَ ممكِناً ، والمحَرَّمَ مُحَلَّلاً "!!.
إِنَّ المجرمَ يأْبى إِلا الغَمز واللمزَ والإِيذاء ، ولذلك عَلَّقَ على القصةِ الصحيحةِ باعترافِ بعضِ الصحابة بمخالفتِهم بقوله : " فجعَلت الآيةُ الناسخةُ الممنوعَ ممكِناً ، والمحرمَ مُحَلَّلاً ".
مع أَنَّ النسخَ هنا ليس تَحليلاً للحرام ، وإِنما هو إِلغاءٌ وإِبطالٌ للحرام ، ووضْع للحَلالِ مكانَه.
ولذلك عَرَّفَ العلماءُ النسخَ قائلين : هو رَفْعُ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخّر.
وسُؤالُ المجرمِ خَبيثْ : لماذا نُسِخَ الامتناعُ عن النساءِ وقْتَ الصيام ؟
هَدَفُه منه التشكيكُ بالحكمِ الشرعي ، عِلْماً أَنَّ الآيةَ لم تَنسخ الامتناعَ عن النّساء وقتَ الصيام ، فالامتناعُ عن النساءِ وقتَ الصيامِ في نهارِ رمضان ما زالَ قائماً ، ومَنْ جامعَ امرأَتَه في نهارِ رمضان وجبَ عليه القضاءُ والكفارة ، وذلك بعتْقِ رقبة ، أَو صيامِ شهريْن متتابعَيْن ، أَو إِطعامِ ستّين مسكيناً.
وحتى نعرف النسخَ في الآية لا بُدَّ أَنْ نتعرفَ على مناسبةِ نزولِها.
كانَ الإِمساكُ عن الطعامِ والشرابِ والجماعِ بمجردِ النوم في ليلِ رمضان ، فإِذا نامَ المسلمُ بعدَ الإِفطار وجبَ عليه الإِمساكُ حتى مغربِ اليومِ التالي ، ولو كان نومُه بعدَ صلاةِ العشاءِ مباشرة ، وهذا الحكمُ ثابتٌ في السُّنَّةِ
وليسَ في القرآن.
وكانَ أَحَدُ الأَنصارِ - وهو قَيْسُ بنُ صِرْمَة - يعملُ في أَرضِه طولَ النهار ، وعادَ إِلى بيتِه في المساء ، وقامت امرأَتُه لتعِدَّ له الإِفطار ، ولكنَّه غلبَتْه عينُه فنام ، وجاءَتْه امرأَتُه بالطعام فوجدَتْه نائماً ، فأَمسكَ ولم يَأكل ، وذهبَ في الصباحِ إِلى أَرضِه ، ولكنه سقطَ في الأَرضِ مغشيّاً عليه من التعبِ والجوعِ والإِرهاقِ.
وجاءَ عمرُ بن الخطابِ - رضي الله عنه - إِلى رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسولَ اللّه!
لقد هلكْتُ! لقد عدتُ إِلى بيتي ليلةَ أَمس ، فوجدْتُ امرأَتي نائمةً ، فوقعْتُ عليها.
فأَنزلَ اللّهُ قولَه تعالى : *أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ*.
لقد رحمَ اللّهُ المسلمين وخَفَّفَ عنهم ، فأَباحَ لهم ما كانَ منعَهم فى ليلِ رمضان ، وأَباحَ لهم الطعامَ والشراب ومعاشرةَ الزوجات طيلةَ ليلِ رمضان :
*فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ*.
أللّهُ هو الذي شرعَ لهم الحكْمَ السابقَ بالإِمساكِ بمجردِ النَّوْم ، واللّهُ هو الذي نَسَخَ ذلك الحكم ، وأَباحَ لهم كلَّ المفطراتِ في ليلِ رمضان ، وأَوجبَ الإِمساكَ بطُلوعِ الفجر.
5 - حول نسخ ما حرمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نفسه :
طَرَحَ الفادي المجرمُ سُؤالاً قالَ فيه : " لماذا نَسَخَ ما حَرَّمَه على نفسِه ، وحَنَثَ بالقَسَم ؟ ".
وقالَ في توضيح الأَمر : جاءَ في سورةِ التحريم : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *1* قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *2*.
وعَلَّقَ المجرمُ على الآيةِ وما زَعَمَه فيها من نَسْخٍ بقولِه : "
روى محمد هذه الآيةَ بعد أَنْ أَتى بماريةَ القبطية في بيتِ زوجتِه حفصةَ بنتِ عمر بن الخطاب ، وفي غيبتِها ، فَشَقَّ ذلك على حَفْصَة ، فأَرضاها ، وقالَ لها : اكتمي عَلَيَّ ، وقد حَرَّمْتُ ماريةَ القبطيةَ على نفسي ، ولكنَّ حفصةَ أَخبرَتْ عائشةَ ، فغضبَ محمدٌ ، وطَلَّقَ حفصة.
فكيفَ السبيلُ لتحليلِ ماريةَ بعدَ أَنْ حَرَّمَها على نفسِه ؟
وكيفَ السبيلُ لمراجعةِ حفصةَ التي طَلَّقها ؟
أَتى الناسخ يُحللُ ذلك ، ويُعفي من القَسَم! فقد أَقَرَّ اللّهُ بمعاشرةِ ماريةَ المحَرَّمَة ، وبرجوعِ حفصةَ المطَلَّقة ".
القصةُ التي أَوردَها المفترِي مرجوحةٌ وليست راجحة ، فلا نَقولُ بها.
والراجحُ أَنَّ اللّهَ أَنزلَ الآياتِ في عتابِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنه حَلَفَ يَميناً حَرَّمَ فيه شيئاً أَباحَهُ اللّهُ له.
وخلاصةُ الحادثةِ أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَهَبَ يوماً إِلى امرأَتِهِ زينبَ بنتِ جحش - رضي الله عنها - ، وشَرِبَ عندَها عَسَلاً ، وكانَ يُحبُّ العَسَلَ.
ثم غادرَ حجرةَ زينب ، وتوجَّهَ إِلى حفصةَ - رضي الله عنها - ، فقالَتْ له حفصةُ : يا رسولَ اللّه! لقد أَكلتَ مَغافير!.
والمغافيرُ اسْمٌ لنباتٍ حُلْوِ الطعمِ كَريهِ الرائَحة.
وكانَ - صلى الله عليه وسلم - يُحبُّ أَنْ تُشَمَّ منه دائماً رائحةٌ طيبة ، فقال لها : لقد شربتُ عند زينبَ عَسَلاً ، ولا أَشربُ
عندها العسلَ بعد ذلك..
وأَقسمَ على ذلك اليمين..
ففرحَتْ حفصةُ بذلك ، وأَخبرتْ به عائشةَ - رضي الله عنها -.
فأَنزلَ اللّهُ الايةَ يُعاتبُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ*.
أَيْ : لِمَ تَمتنعُ من شربِ العسلِ عندَ زينب ، وقد أَباحَ اللّهُ لك ذلك.
ومعنى قولِه : *قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ* :
شَرَعَ اللّهُ لكم التحللَ من أَيْمانِكم التي تَحلفونَها ، وذلك بدفعِ الكفارة.
وقد حَنثَ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - بيمينِه
بعدَما عاتبه اللّهُ ، فدفعَ الكفارة بأَنْ أَعتقَ رقبة ، وعادَ إِلى شربِ العسل.
وبهذا نعرفُ أَنه لا مَنسوخَ ولا ناسخَ في الآيات ، فمن أَينَ أتى الفادي المجرمُ الجاهلُ بدعوى النسخ ؟!
كُلُّ ماِ هنالك أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - حَلَفَ يَميناً بالامتناعِ عن بعضِ المباح ، فعاتَبَه اللّه ، ودَعاهُ إِلى دَفْعِ الكفارة.
والمفتري كاذبٌ في دعوى تطليقِ حفصةَ ، فلم يُطَلِّقْها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
6 - هل نسخَ تَحريمُ إِتلافِ أَشجارِ الأَعداء ؟ :
ادّعى الفادي المجرمُ أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - حَرَّمَ إِتْلافَ أَشجارِ الأَعداء وقْتَ حربِهم ، ثم نسخَ ذلك وأَباحَ إِتلافَ أَشجارِهم والعبثَ بمزارعِهم.
أَوردَ قولَه تعالى : *مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ *5*.
وعَلَّقَ على الآيةِ قائلاً : " لما حاصرَ محمدٌ يهودَ بني النَّضير بجوارِ يثرب ، قَطَعَ نخيلَهم ، فنادوه من الحصون : يا محمد! قد كُنتَ تَنهى عن الفسادِ ، وتُعيبُه على مَنْ صَنَعَهُ ، فما بال قَطْعِ النخيلِ وتحريقِها ؟
فارتابَ بعضُ الصحابة بِجَوازِ هذا الفعل ، وتأَثَّروا من اعتراضِ بني النضير ، فأَتى الناسخُ ، وجعلَ هذه الأَفعالَ الفاسدةَ بإِذن الله! ".
لا نَسْخَ في هذه الحادثةِ ، ودعوى النسخِ في ذهنِ الفادي المجرم ، ليتهكَّمَ على القرآن ، ويُدينَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
لما حاصرَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يهودَ بني النَّضيرِ في السنةِ الرابعةِ للهجرة ، شَنَّ عليهم حرباً اقتصادية ، فأَمَرَ الصحابةَ بقَطْعِ وحَرْقِ بعضِ نَخيلِهم في بساتينِهم ، ليوقعَ الحسرةَ في نفوسِهم ، فأَنكروا عليه ذلك ، ونَادَوهُ من الحصونِ قائلين : يا أَبا القاسم : قد كنتَ تَنْهى عن الفسادِ ، فلماذا تَقطعُ النخيلَ وتَحرقُه ؟!.
وكأَنَّ بعضَ الصحابةِ تَحَرَّجوا من ذلك ، فأَرادَ اللّهُ أَنْ يُزيلَ ذلك التحرجَ من قلوبهم ، فأَنزلَ آيةً حكيمةً تبَيّنُ مشروعيتَه ، وهي قولُه تعالى : *مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ *5*.
أَيةُ نخلةٍ قَطعوها كان ذلك بإِذْنِ اللّه ، وأَيةُ نخلةٍ تَركوها قائمةً على أُصولِها كان ذلك بإِذن اللّه ، والمرادُ بإِذْنِه سبحانه رِضاهُ عن ذلك وإِباحتُه ، ومنحُ الثوابِ للصحابةِ الذين فَعَلوه ، ومن حِكَمِ ذلك أَنه أَرادَ سبحانه أَنْ يَنصرَ المؤمنين ، ويُخزيَ اليهودَ الفاسقين الكافرين.
واللّهُ هو الذي أَوحى إِلى نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، وهو أَمَرَ الصحابةَ به فنفَّذوه.
فأَينَ الناسخُ والمنسوخُ في الآية ؟
وما الذي نسخَتْه الآيةُ ؟
ولماذا زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنها ناسخة ؟
وكيف يَصِفُ قطعَ النخيلِ الذي أَذِنَ اللّهُ به ورضيَه وأَباحَه أَفعالاً فاسدة ؟
وهل اللّهُ يأذنُ ويُجيزُ أَفعالاً فاسدة ؟!.
إِنَّ الآيةَ أَباحَتْ قطعَ نخيلِ اليهود ، ودلَّتْ على مشروعيةِ الحربِ الاقتصاديةِ ضدَّ الأَعداءِ المحاربين ، وتَدميرِ اقتصادِهم وممتلكاتِهم ، وهذا التشريعُ الذي قررَتْه لا يُسمى نَسْخاً ، لأَنه لم يَنسخْ حكْماً تشريعياً قبلَه! ولكنَّ الفادي المفترِي جاهل ، ولذلك جَعَلَها ناسخةً لحرمةِ قَطْعِ النخيل ، مع أَنه لم يَسبقْ أَنْ جاءَ حكمٌ شرعيٌّ بحرمةِ قَطْعِ النخيل!.
7 - لا نسخ في الصلاة على غير المسلم :
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الصلاةَ على غيرِ المسلم كانت جائزة ، ولما صَلّى الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - على عبدِ اللّه بنِ أُبَيّ اعترضَ عليه عمرُ بنُ الخطاب ، فنسخَ إِباحةَ الصلاةِ ، وحَرَّمَها إرضاءً لعمر.
قالَ المجرمُ : " جاءَ في سورةِ التوبة *84* : *وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ *84*.
جاءَتْ هذه الآية ُ بعدَ فراغِ محمدٍ من صلاتِه على جثةِ المنافقِ عبدِ اللّه بنِ أُبيِّ ابن سلول ، وإِقامتهِ على قبرِه حتى نهايةِ دفنِه ، وكان عمرُ يُمانعُ محمداً من الصلاةِ عليه بسببِ نفاقِه ، فلم يَمتنع ، ولكن إِرضاءً لعمرَ نزلَ الناسخُ ليوقفَ تأثيرَ الصلاة ".
والحادثةُ ليستْ كما قال هذا المفترِي ، ولم تكن الصلاةُ على المنافقِ أَو الكافرِ إِذا ماتَ مُحَرَّمَة ، ولو كانت كذلك لما فعلَها رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنه كان ملتزماً بأَحكامِ اللّه ، ولا يُمكنُ أَنْ يفعلَ شيئاً حَرَّمَهُ اللّهُ عليه.
كانت الصلاةُ على غير المسلمِ مسكوتاً عنها ، لا مُباحَةً ولا مُحَرَّمَة ، لم يَرِدْ نَصّ بإِباحتِها ، ولا بحرمتِها.
وتُوفيَ عبدُ اللّه بنُ أُبَيِّ ابن سَلُول زعيمِ المنافقين ، وكان مُسْلماً في الظاهر ، ومحسوباً على المسلمين ، فَدَعا الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - المسلمينَ إِلى الصلاةِ عليه.
فتدخَّلَ عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله عنه - ، وقال : كيفَ تُصلّي عليه وهو المنافق ؟
فلم يلتفتْ له رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وصلّى على ابنِ أُبَي.
فأنزلَ اللّهُ الآيةَ يَنهى الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاةِ على أَحَدٍ من الكافرين أَو المنافقين ، كما ينهاهُ عن تَشييعِ جنازتِه ، أَو الإِقامةِ على قبره.
ولم تَنزل الآية ُ إِرضاءً لعمر ، كما ادَّعى ذلك المفترِي.
وهذه الآية ُ ليستْ ناسخةً ، كما ادَّعى المفترِي الجاهل ، لأَنه لم يسبقْها حكْمٌ شرعيّ بإِباحةِ الصلاة على الكافرِ أَو المنافق ، حتى تنسخَه وتُحَرِّمَ ذلك.
والنسخ هو رفعُ حكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخِّر.
وبهذا نعرفُ جَهلَ الفادي المفترِي بأَحكامِ الناسخِ والمنسوخ ، ومع ذلك يَدَّعي وقوفَه على الأَسبابِ الحقيقيةِ للناسخِ والمنسوخ ، والأَسبابُ التي عَرَضَها هي في مخيَّلتِه المريضة ، وهدفُه منها التهكمُ على الإِسلام ، واتهامُ القرآن ، وإِدانَةُ الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ومعظمُ الأَمثلةِ التي ذكَرَها وحَلَّلَها لا نسخَ فيها!.
***
حول الكلام المتشابه في القرآن
اعترضَ الفادي المفترِي على وُجودِ الكلامِ المتشابهِ في القرآن ، واعْتَبره نَقصاً في إِحكامِ القرآنِ وبلاغَتِه ، وأَنَّ المسلمَ يُلغي عَقْلَه أَمامَه ويُسَلِّمُ به تسليماً أَعمى.
قالَ : " جاءَ في سورةِ آل عمران : *فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا*.
اعترفَ القرآنُ أَنَّ به آياتٍ مُحْكَمات ، لا تَقبلُ الصرفَ عن ظاهرها ، ولا الذهابَ في محتملاتِها مذاهبَ شَتّى..
كما قالَ : إِنَّ به آياتٍ متشابهات ، لا يَتضحُ مَعْناها ، لأَنها مجملة ، أَو غيرُ موافقةٍ للظاهرِ إِلّا بتدقيقِ الفِكْر ، وما يَعْلمُ تَأْويلَها إِلّا اللّه.
وإِنَّ على أَشَدِّ الناسِ رسوخاً في العلمِ أَنْ يُسَلِّموا بها تَسليماً أَعمى.
ونحنُ نسألُ : أَليسَ وجودُ هذه المتشابهاتِ نَقْصاً في البلاغةِ والإِحكام ؟
فكيفَ نتأكدُ ممَّا لا يَعلمُ تأويلَه إِلّا اللّه ؟.
قالَ الإِنجيل : " امْتَحِنوا كُلَّ شيء ، تَمَسَّكُوا بالحَسَن ".
فهل يَحتملُ القرآنُ الامتحان ؟ ".
آياتُ القرآن نوعان : آياتٌ محكَمات ، وآياتٌ متشابهات.
قالَ تعالى : *هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ*
ومعظمُ آياتِ القرآنِ محكَمات ، والآياتُ المتشابهاتُ آياتٌ قليلةٌ جدّاً.
والمحكَمات هنَّ أُمُّ الكتاب ، والأَصْل الواضحُ الذي يَجبُ حملُ الآيات ِ المتشابهاتِ عليها ، لإِحسانِ فهمِها ومعرفةِ مَعْناها.
والمحكَماتُ واضحاتُ الدلالة ، لا لَبْسَ ولا غُموضَ فيها ، ولا إِشكالَ عليها.
أَمّا المتشابهات فإِنّ فيها لَبْساً وإِشكالاً ، ومَعْناها غيرُ واضحٍ وُضوحَ معنى المحكَمات ، ويقفُ العلماءُ أَمامَها باحِثينَ متفكِّرين ، ويَجبُ عليهم أَنْ يَحْمِلوها على الآياتِ المحكمَات ، لِيُزيلوا اللَّبسَ عنها ، ويُحْسِنوا معرفةَ
مَعناها.
ولا يَستحيلُ معرفةُ معنى الآيات ِ المتشابهاتِ كما ادَّعى الفادي المفْتَري ، فإِنَّ معرفةَ معناها ممكِنَة ، بل هي واجبة ، لأَنه يَجبُ علينا معرفةُ كُلِّ معاني القرآن ، ولم يُخاطبنا اللّهُ في القرآنِ بشيءٍ لا نَعرفُ معناه ، فقد أَنزلَه علينا بلسانٍ عربيٍّ مُبين ، وأَوجبَ علينا فَهْمَه ، وتَدَبُّرَه ، فكلُّ ما في القرآن مَفهومُ المعنى ، ومنه الآيات المتشابهات.
لكن معرفة معنى الآيات المتشابهات يحتاج إلى مزيد من النظر والتفكر والبحث ، لأَنها ليستْ بوضوحِ الآياتِ المحكَمات ، ولَنْ يُعْرَفَ معناها بدقَّةٍ وإِتْقانٍ إِلّا بَحَمْلها على أُصولِها من الآياتِ المحْكَمات ، وهذا ممكنٌ يتمُّ على أَيْدي الراسخين في العلم.
وهناكَ أَشخاصٌ في قلوبِهم مَرَض ، من أَمثالِ هذا الفادي المفتري المجرم ، يَتركونَ الآياتِ المحكَماتِ الواضحاتِ الكثيرة ، ويَبْحَثونَ عن الآياتِ المتشابهاتِ القليلة ، بهدفِ فتنةِ المؤمنين ، وتَشكيكِهم في القرآن ، ويُثيرون الشبهاتِ والإِشكالاتِ على معاني الآيات ِ المتشابهات ، ولو حَمَلوا الآياتِ المتشابهاتِ على أُصولِها المحكماتِ لأَحْسَنوا فهمَ تلك المتشابهات.
إِذنْ معرفةُ معنى الآياتِ المتشابهاتِ ممكنةٌ بل واجبة ، والمؤمنُ يَتعاملُ معها بوعْي عقلي ، ولا يُسلمُ بها تَسليماً أَعمى ، كما ادَّعى هذا الفادي الأَعْمى.
والذي لا يَعرفُهُ الراسخون في العلمِ من المتشابهاتِ هو كيفيتُها الواقعيةُ العمليةُ المادية ، لأَنها غيبية غيرُ مُدْرَكَةٍ بالعقل ، والعقلُ عاجز عن تكييفِها ، فلذلك يَكِلونَ كيفيتَها إِلى اللّه ، ويَقولون : آمَنّا بالقرآن ، كُلّ قسمَيْه من المحْكَمِ والمتشابه من عندِ رَبِّنا.
والفادي لجهْلِه وغَبائِه وصِغَرِ عَقْلِه لم يُفَرِّق بين معرفةِ مَعاني الآيات ِ المتشابهات الممكِنة ، التي تتمّ على أَيدي الراسخين في العلم ، وبينَ تَكييفِها الواقعيّ العمليِّ الذي لا يُمكنُ أَنْ تَقومَ به عقولُ الراسخين في العلم ، فيَكِلونَ هذا التَّكييفَ إِلى اللّه!!.
ووجودُ الآياتِ المتشابهاتِ القليلةِ في القرآن ، تأكيد على بلاغةِ القرآن وسُمُوِّهِ وإحْكَامِهِ وإِعجازِهِ ، وليس نَقْصاً في بلاغتِهِ وإِحكامِهِ ، كما ادَّعى الجاهلُ ، والقرآنُ يَدعو الراسخينَ في العلم من أُولي الأَلباب إِلى إِمعانِ النظرِ في الآياتِ المتشابهات ، وإِطالةِ الوقفةِ أَمامَها ، وحَمْلِها على أُصولِها المحكَمات ، لإِزالةِ اللَّبس الخارجيِّ عنها ، وإِحسانِ فَهْمِها ، وتَقديمِها للآخرين.
وكان الفادي الجاهلُ غبيّاً عندما طَرَحَ سؤالَه في آخرِ كلامِه : " فهل يَحتملُ القرآنُ الامتحان ؟ ".
نقولُ : نعم.
القرآنُ يَحتملُ الامتحان.
وهو يَتَحَدّى الكافرين ، ويَدْعوهم إِلى امتحانِه ، ويحثُّهم على امتحانِه ، ويُقررُ لهم أَنهم لن يَجدوا فيه خَطَأً أَو اختلافاً أَو تفاوتاً أَو تناقضاً أَو اضطراباً ، ويَتَحَدّاهم باستخراجِ ذلك منه.
وأَوضحُ دعوةٍ قرآنيةٍ لهم في قوله تعالى : *أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا *82*.
وامتحنَ الكفارُ القرآن ، ونَظَروا فيه بهدفِ الوقوفِ على الخطأ والاختلافِ والتعارضِ والتناقض ، واستمرَّ امتحانُهم ونَظَرُهم خمسةَ عشر قرناً ، وقَدَّموا في ذلك كلاماً تافِهاً لا وَزْنَ ولا قيمةَ له ، مثلَ هذا الكلامِ الذي قَدَّمَه هذا الفادي المفتري الجاهل ، ويُمكنُ الرَّدُّ على شبهاتِهم بسهولةٍ ويُسْر ، ولم يَتَأَثَر القرآنُ بما قالوه عنه ، وبَقيَ صخرةً قويةً ثابتة ، يَصدُق عليهم وعليه قولُ الشاعر :
كَناطِحِ صَخْرَةٍ يَوْماً لِيوهِنَها ... فَما وَهاها وَأَوْهى قَرْنَهُ الوَعِلُ
***
هل القرآن مثل كلام الناس ؟
وضَعَ الفادي المفترِي عِنواناًا ستفزازياً مُثيراًْ " الكلامُ المماثلُ لغيرِه من كلامِ الناس " ادَّعى فيه أَنَّ القرآنَ مثلُ كَلامِ الناس.
وجاءَ في عرضِه لفكرتِه الخبيثة قولُه : " جاءَ في سورةِ الإِسراء *88* :
*قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا *88*.
ونحنُ نسألُ : أَليست المعلَّقاتُ السبعُ ومَقاماتُ الحريريِّ أَفصحَ من القرآن ؟
أَو ليس امرؤُ القيس أَفصحَ من محمد ؟
أَليستْ قصائدُ المتنبي وابن الفارضِ وخُطَبُ قِسّ بنِ ساعِدَة وغيرهم تُحاكي فَصاحةَ القرآن ، وتُخرجُه عن كونِه معجزة ؟
فليس القرآنُ من المعجزةِ في شيء ، لأَنَّ المعجزةَ حَدَثٌ يحدُثُ خِلافَ مَجرى الطبيعةِ وناموسِها ، فإِماتةُ حَيٍّ بطريقةٍ ما لا يُعَدُّ مُعجزة ، لحدوثِه وفقَ ناموسِ الطبيعة ، ولكنَّ إِحياءَ الميتِ بواسطةِ دُعاءٍ وأَمْرٍ يُحْسَبُ مُعجزة..
وعليه فتأليفُ كتابٍ في نهايةِ البلاغةِ والفصاحةِ لا يُعَدُّ معجزة ، بل يُعَدُّ من نوادِرِ أَعمالِ الإِنسان.
وإِنْ حَسَبْنا القرآنَ بناءً على سموِّ بلاغَتِه وفصاحتِه معجزةً ، سيلزَمُنا أَن نَحْسِبَ كثيراً من أَشعارِ العَرَبِ وخُطَبِهم مُعْجزات!
وإِنْ كانَ القرآنُ يتحدّى الناسَ جَميعاً في فصاحتِه ، فأَي مسلمٍ يَقرأُ للعربِ قصائِدَهم العامرةَ وخُطَبَهم الرنانة ، ويتذرَّعُ بالشجاعةِ في الرأي ويُعلنُ الحقيقةَ السافرةَ أَنَّ محمداً كأَحَدِ هؤلاءِ العرب ، أَو يقل عنهم!.
وكم هم الذين يَزيدون فصاحةً من أُدباءِ اليهودِ في اللغةِ العِبْرِية ، ومن أُدباءِ اليونانِ في اللغةِ اليونانية ، ومن أُدباءِ الرومانِ في اللغةِ الرومانية ، كما هو معروفٌ أَنَّ لكلّ لغةٍ أُدباءَها.
أَما معلوماتُ القرآن فلم تَزِدْ عن أَقوالِ العربِ والمجوسِ واليهود والنصارى ، الذين أُخِذَ عنهم! ".
إِنَّ المجرمَ الفاجرَ يَرى أَنَّ القرآنَ من كلامِ محمد - صلى الله عليه وسلم - وليس من كَلامِ اللّه ، وأَنَّ بعضَ كلامِ العرب أَفصحُ من القرآن ، كشعرِ امرئ القيس والمتَنَبي ، وحتى مقاماتُ الحريري الركيكةُ أَفصحُ عنده من القرآن.
وهو يَرى أَنَّ القرآنَ ليس معجزةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنَّ المعجزةَ في نظرهِ حَدَثٌ يَحدثُ على خلافِ الطبيعة ، كإِحياء الميت ، والقرآنُ في نظرِه ليس على خلافِ الطبيعةِ البشرية ، إِنه كتابٌ أَلَّفَه محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - على مستوى من الفصاحةِ والبلاغة ، فالقرآنُ صناعةٌ بشريةٌ من نَوادرِ أَعمالِ الإِنسان!
ولو كانَ القرآنُ معجزةً لكانتْ كُلُّ خُطَبِ العربِ وأَشعارِهم معجزات!!.
ويرى المجرمُ أَنَّ تحدّي القرآنِ الناسَ في فصاحتِه لا مَعنى له ، لأَنَّ مؤَلّفَه محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَقَلُّ من مستوى العربِ في الفصاحةِ والبلاغة!!.
إِنَّ المجرمَ يَهذي في هذا الكلام ، ويُقدمُ كَلاماً تافِهاً ساقِطاً ، يوحي به إِليه حِقْدُه ولؤمُه وخبثُه وكيدُه ، ولذلك يُغالطُ الحقائِق ، ويطلبُ من القارئ تَصديقَه!!.
هَبْ أَنَّ القرآنَ أَقَلُّ فصاحةً وبلاغةً من خُطَب وأَشعارِ العرب ، فلماذا لم يَأتوا بالمطلوبِ لما تَحَدّاهم القرآن ؟
ولماذا لم يُؤَلًّفوا سورةً أَوْ عَشْرَ سُوَر ؟
وما الذي مَنَعَهم من ذلك وهم الأَفصحُ والأَبلغ ؟
وهم الحَريصونَ على أَنْ لا يَنْهَزِموا في ميدانِ البيانِ والفصاحةِ والبلاغة!!.
ومَن الذي قالَ : إِنَّ القرآنَ ليس معجزة ؟
إِنَّ المعجزةَ هي الأَمْرُ الخارقُ للعادة ، يُجريهِ اللّهُ على يَدِ النبيّ ، وما ذَكَرَهُ من إِحياءِ الميتِ معجزةٌ ، لكنَّها ليستْ خاصةً به.
إِنَّ المعجزاتِ نوعان :
النوعُ الأَول : معجزات ماديَّة ، سالمةٌ من المعارضة ، بحيثُ لا يَستطيعُ الخصْمُ نَقْضَها ومعارضَتَها وإبطالَها ، مثلُ عصا موسى - عليه السلام - ، التي جعلَها اللّهُ حَيَّةً تَسعى ، والْتَقمتْ كُلَّ ما قَدَّمَ السحرةُ من حِبالٍ وعِصِي ، ومثلُ النارِ التي جَعَلَها اللّهُ بَرْداً وسلاماً على إِبراهيم - عليه السلام - ، ومثْلُ إِحياءِ الميت الذي تَم على يَدِ عيسى - عليه السلام -.
النوعُ الثاني : معجزاتٌ معنويةٌ غيرُ محسوسةٍ ولا ملموسة ، مثلُ القرآنِ الذي جَعَلَهُ اللّهُ آيةً بيانيةً عقليةً للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهو معجزةٌ عقليةٌ يُخاطبُ اللّهُ بها العقلَ الإِنساني ، ويُقَدمُ الأَدلةَ العقليةَ العديدةَ على أَنه من عندِ الله ، وشاءَ اللّهُ الحكيمُ أَنْ تكونَ معجزةُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - الأُولى عقليةً بيانية ، لأَنَ رسالتَه مستمرة حتى قيامِ الساعة ، فلا نبيَّ بعده.
فحصْرُ الفادي المجرمِ المعجزاتِ بالنوعِ الأَوَّلِ دَليلُ جهْلِه وغبائِه.
ولقد كانَ لرسولِنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - معجزاتٌ ماديةٌ ثانوية ، مثلُ تكثيرِ الطعامِ والماءِ بين يديه ، وتسبيحِ الحصى بين يدَيْه ، ومعجزةِ الإِسراءِ والمعراج.
وعندما طلبَ المشركونَ من الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - تقديمَ معجزات مادية ، كتلك التي أَتى بها الأَنبياءُ السابقون ، رَدَّ اللهُ عليهم بلَفْتِ نظرِهم إِلى معجزتِه الأَهَم التي هي القرآن.
قالَ تعالى : *وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ *50* أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *51*.
ويُغالطُ الفادي المجرمُ ، ويُخالفُ المنطقَ والموضوعيةَ ، عندما يَدعي أَنَّ أَشعارَ العربِ أَفصحُ من القرآن ، وحتى مقاماتُ الحريري أَفصحُ من القرآن ، وإِنَّ الباحثينَ المنصفينَ المُحايدين ، الذين يَحتَرمونَ عُقولَهم وعقولَ القراء ، ويَحترمون الحقيقةَ والموضوعية ، قَرّروا أَنه لا مجالَ للمقارنةِ بينَ القرآنِ وبين الشعرِ العربي ، لأَنَّ فصاحةَ القرآنِ وبلاغتَه بَلَغَتْ حَدَّ الإِعجاز ، ولذلك عَجَزَ العربُ المشركون عن معارضةِ القرآن ، والإِتيانِ بمثلِه ، أَو بعشرِ سورِ مثلِه ، أَو بسورةِ مثله.
ولقد أَخبرَ القرآنُ استحالةَ قدرةِ الناسِ على معارضةِ القرآنِ والإِتيانِ بمثْلِه ، قال تعالى : *قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا *88*.
وهذه الآيةُ الجازمة ، يُصَدّقُها الواقعُ التاريخي ، على مَدارِ خمسةَ عَشَرَ قرناً ، فكم حارَبَ القرآنَ من أَصنافِ الكفار ، وكم حاوَلوا معارضَتَه ونَقْضَه ، ولكنَّ جَميعَ محاولاتِهم باءَتْ بالفَشَل ، ولم يتمكَّنوا من معارضتِه والإِتيانِ بمِثْلِه ، ويَبقى خَبَرُ الآيةِ قائماً : *لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا*.
ويَبْقَى هذا دليلاً قاطِعاً على أَنَّ القرآنَ من عندِ اللّه! وأَنه لا يُماثِلُ ولا يُشابِهُ كَلامَ الناس.
***
حول الاختلاف والتناقض في القرآن
أَخبرَ اللّهُ أَنَّ القرآنَ ليسَ مُختلفاً ولا مُتناقضاً ، ولو كانَ من عندِ غير اللّهِ لكانَ فيه الكثيرُ من الاختلافِ والتناقض.
قال تعالى : *أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا *82*.
ولكنَّ الفادي المجرمَ لم يُصَدِّق الآيةَ ، وإِنما كَذَّبَها ، وادَّعى أَنَّ القرآنَ مختل مُضطرب مُتناقض.
وقالَ تحتَ عنوان : " الكَلامُ المختلف " : " جاءَتْ في القرآنِ اختلافاتٌ كثيرةٌ لاختلافِ قراءاتِه ، وصارَتْ سُنَّة أَنَّ عباراتِ القرآنِ على سبعةِ أَحرفٍ أَو سبعةِ أَوجهٍ ، حتى ليَصعبُ على الإِنسانِ أَنْ يُصدرَ حُكْماً صحيحاً ، لعدمِ تأكيدِه إِلى أَيِّ قراءةٍ يَستند ... "*1*.
يَزْعُمُ المفترِي أَنَّ القراءاتِ تُؤَدّي إِلى الاختلافاتِ الكثيرةِ في القرآن.
وكأَنَّ هذه القراءات من وَضْعِ واختيارِ البشر ، وهذا زعمٌ باطل.
وإِنَّ القراءاتِ الصحيحةَ عَشْرُ قراءات ، هي : قراءةُ ابنِ كثيرٍ المكي ، ونافعِ المدني ، وابنِ عامر الشامي ، وأَبي عمرو البصري ، وعاصمِ الكوفي ، وحمزةَ الكوفي ، والكسائي الكوفي ، وأَبي جعفر المدني ، ويعقوبَ البصري ، وخَلَفٍ البغدادي.
وكُلُّ هذه القراءاتِ العشرِ أَنزلَها اللّهُ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، فكلُّها كَلامُ اللّهِ قَطْعاً.
وشروطُ القراءةِ الصحيحةِ ثلاثة : أَنْ تكونَ صحيحةَ السَّنَد ، وأَنْ تُوافِقَ رَسْمَ المصحف العثماني ، وأَنْ تُوافِقَ اللغةَ العربية..
فإِذا اختلَّ واحِدٌ من هذه الشروطِ الثلاثة كانت القراءةُ شاذةً غيرَ صحيحة ، وحكَمْنا بأَنها ليستْ قرآناً.
ولا اختلافَ بين القراءاتِ العشرِ كما زَعَمَ هذا الجاهل ، لأَنها كُلها متوافقةٌ مع رسمِ المصحف ، والخلافُ بينها يسيرٌ في بعضِ الحركاتِ أَو الحروف ، وضمنَ المصحف ، واللّهُ أَنزلَ الآيةَ بأَكثرَ من قراءةٍ لحِكَمٍ عديدة.
وعلْمُ " القراءات " عِلْمٌ أَصيل ، وقد حَصَرَ علماءُ القراءات تلكَ القراءات حَصْراً دَقيقاً مضبوطاً ، وحَدّدوا كيفيةَ النطقِ بكلّ قراءة ، وأَلَّفوا في ذلك العديدَ من الكتب ، وصارَ بإِمكانِ أَيِّ قارئٍ للقرآن أَنْ يُتقنَ قراءةَ أَيِّ إِمامٍ من القُرّاءِ العشرة.
ولكنَّ الفادي الجَاهلَ محجوب عن هذا العلمِ ، لكُفْرِه وحِقْدِه وجَهْلِه وغبائه.
وكما اعترضَ الفادي الجاهلُ على القراءات اعترضَ على الأَحرفِ السبعة ، التي أَنزلَ اللّهُ القرآنَ عليها ، واعتبرَها سَبَباً في وجودِ الاختلافِ
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
3- تعدد قراءات القرآن
مقدمة : تعدد القراءات ألا يدل على الإختلاف فيه ، وهو نوع من التحريف ؟
القراءات : جمع قراءة ، وقراءات القرآن مصطلح خاص لا يراد به المعنى اللغوى المطلق ، الذى يفهم من اطلاع أى قارئ على أى مكتوب ، بل لها فى علوم القرآن معنى خاص من إضافة كلمة قراءة أو قراءات للقرآن الكريم، فإضافة " قراءة " أو "قراءات " إلى القرآن تخصص معنى القراءة أو القراءات من ذلك المعنى اللغوى العام ، فالمعنى اللغوى العام يطلق ويراد منه قراءة أى مكتوب ، سواء كان صحيفة أو كتابًا ، أو حتى القرآن نفسه إذا قرأه قارئ من المصحف أو تلاه بلسانه من ذاكرته الحافظة لما يقرؤه من القرآن ومنه قول الفقهاء :
القراءة فى الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء تكون جهرًا ، فإن أسرَّ فيهما المصلى فقد ترك سُنة من سنن الصلاة ، ويسجد لهما سجود السهو إن أسر ساهيًا. فقراءة القرآن هنا معنى لغوى عام ، لا ينطبق عليه ما نحن فيه الآن من مصطلح : قراءات القرآن. وقد وضع العلماء تعريفًا للقراءات القرآنية يحدد المراد منها تحديدًا دقيقًا. فقالوا فى تعريفها :
" اختلاف ألفاظ الوحى فى الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما *البرهان فى علوم القرآن *1/318**.
وقد عرفها بعض العلماء فقال :
" القراءات : هى النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبى صلى الله عليه وسلم .." *القراءات القرآنية تاريخ وتعريف*.
ومما تجب ملاحظته أن القراءات القرآنية وحى من عند الله عزَّ وجل ، فهى إذن قرآنً ، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة :
قوله تعالى : *لقد جاءكم رسول من أنْفُسِكُمْ **1*. هذه قراءة حفص عن عاصم ، أو القراءة العامة التى كُتب المصحف فى خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه عليها ، والشاهد فى الآية كلمة "أنفُسِكُم" بضم الفاء وكسر السين ، وهى جمع : " نَفْس " بسكون الفاء ، ومعناها : لقد جاءكم رسول ليس غريبًا عليكم تعرفونه كما تعرفون أنفسكم لأنه منكم نسبًا ومولدًا ونشأة ، وبيئة ، ولغة.
وقرأ غير عاصم : " لقد جاءكم رسول من أَنْفَسِكُمْ " بفتح الفاء وكسر السين ، ومعناها : لقد جاءكم رسول من أزكاكم وأطهركم.
و" أنْفَس " هنا أفعل تفضيل من النفاسة. فكلمة " أنفسكم " كما ترى قرئت على وجهين من حيث النطق. وهذا هو معنى القراءة والقراءات القرآنية.
مع ملاحظة مهمة ينبغى أن نستحضرها فى أذهاننا ونحن نتصدى فيما يأتى للرد على الشبهة التى سيوردها خصوم القرآن من مدخل : تعدد قراءات القرآن أن هذه القراءات لا تشمل كل كلمات القرآن ، بل لها كلمات فى الآية دون كلمات الآية الأخرى ، وقد رأينا فى الآية السابقة أن كلمات الآية لم تشملها القراءات ، بل كانت فى كلمة واحدة هى " أنفسكم ".
وهذا هو شأن القراءات فى جميع القرآن ، كما ينبغى أن نستحضر دائمًا أن كثيرًا من الآيات خلت من تعدد القراءات خلوًّا تامًّا.
ومثال آخر ، قوله تعالى :
" مالك يوم الدين " والشاهد فى الآية كلمة " مالك " ، وفيها قراءتان :
" مالك " اسم فاعل من " مَلِكَ " وهى قراءة حفص وآخرين. " مَلِك " صفة لاسم فاعل ، وهى قراءة : نافع وآخرين.
ومعنى الأولى " مالك " القاضى المتصرف فى شئون يوم الدين، وهو يوم القيامة.
أما معنى " مَلِك " فهو أعم من معنى " مالك " أى من بيده الأمر والنهى ومقاليد كل شىء. ما ظهر منها وما خفى.
وكلا المعنيين لائق بالله تعالى ، وهما مدح لله عز وجل.
ولما كانت هذه الكلمة تحتمل القراءتين كتبت فى الرسم هكذا "ملك " بحذف الألف بعد حرف الميم ، مع وضع شرطة صغيرة رأسية بين الميم واللام ، ليصلح رسمها للنطق بالقراءتين.
ومثال ثالث هو قوله تعالى :
*يوم يُكشف عن ساق **2*.
والشاهد فى الآية كلمة " يُكشَف " وفيها قراءتان الأولى قراءة جمهور القراء ، وهى " يُكشف " بضم الياء وسكون الكاف ، وفتح الشين. بالبناء للمفعول ، والثانية قراءة ابن عباس " تَكْشِفُ " بفتح التاء وسكون الكاف ، وكسر الشين ، بالبناء للفاعل ، وهو الساعة ، أى يوم تكشف الساعة عن سياق. قرأها بالتاء ، والبناء للمعلوم ، وقرأها الجمهور بالياء والبناء للمجهول.
والعبارة كناية عن الشدة ، كما قال الشاعر :
كشفت لهم ساقها * * * وبدا من الشر البراح *3*.
هذه نماذج سقناها من القراءات القرآنية تمهيدًا لذكر الحقائق الآتية :
- إن القراءات القرآنية وحى من عند الله عز وجل.
- إنها لا تدخل كل كلمات القرآن ، بل لها كلمات محصورة وردت فيها ، وقد أحصاها العلماء وبينوا وجوه القراءات فيها.
- إن الكلمة التى تقرأ على وجهين أو أكثر يكون لكل قراءة معنى مقبول يزيد المعنى ويثريه.
- إن القراءات القرآنية لا تؤدى إلى خلل فى آيات الكتاب العزيز ، وكلام الله الذى أنزله على خاتم رسله عليهم الصلاة والسلام.
ومع هذا فإن خصوم الإسلام يتخذون من تعدد قراءات بعض كلمات القرآن وسيلة للطعن فيه ، ويرون أن هذه القراءات ما هى إلا تحريفات لحقت بالقرآن بعد العصر النبوى.
وكأنهم يريدون أن يقولوا للمسلمين ، إنكم تتهمون الكتاب المقدس بعهديه *التوراة والإنجيل* بالتحريف والتغيير والتبديل ، وكتابكم المقدس *القرآن* حافل بالتحريفات والتغييرات والتبديلات ، التى تسمونها قراءات ؟
وهذا ما قالوه فعلاً ، وأثاروا حوله لغطًا كثيرًا ، وبخاصة جيش المبشرين والمستشرقين ، الذين تحالفوا إلا قليلاً منهم على تشويه حقائق الإسلام ، وفى مقدمتها القرآن الكريم.
ونكتفى بما أثاره واحد منهم قبل الرد على هذه الشبهة التى يطنطنون حولها كثيرًا ، ذلكم الواحد هو المستشرق اليهودى المجرى المسمى : " جولد زيهر " الحقود على الإسلام وكل ما يتصل به من قيم ومبادئ.
إن هذا الرجل لهو أشد خطرًا من القس زويمر زعيم جيش المبشرين الحاقدين على الإسلام فى عهد الاحتلال الإنجليزى للهند ومصر.
أوهام جولد زيهر حول القراءات القرآنية :
المحاولة التى قام بها جولد زيهر هى إخراج القراءات القرآنية من كونها وحيًا من عند الله ، نزل به الروح الأمين إلى كونها تخيلات توهمها علماء المسلمين ، وساعدهم على تجسيد هذا التوهم طبيعة الخط العربى ؛ لأنه كان فى الفترة التى ظهرت فيها القراءات غير منقوط ولا مشكول ، وهذا ساعد على نطق الياء ثاء فى مثل " تقولون " أو " تفعلون " ! فمنهم من قرأ بالتاء " تقولون " ومنهم من قرأ بالياء " يقولون ".
هذا من حيث النقط وجودًا وعدمًا ، أما من حيث الشكل أى ضبط الحروف بالفتح أو الضم مثلاً ، وأرجع إلى هذا السبب قوله تعالى : *وهو الذى أرسل الرياح بُشرًا..**4*.
فقد قرأ عاصم : " بُشرا " بضم الباء وقرأها الكسائى وحمزة : " نَشْرا " بالنون المفتوحة بدلاً من الباء المضمومة عند عاصم.
وقرأ الباقون : " نُشُرا " بالنون المضمومة والشين المضمومة ، بينما كانت الشين فى القراءات الأخرى ساكنة *5*.
وفى هذا يقول جولد زيهر نقلاً عن الترجمة العربية لكتابه الذى ذكر فيه هذا الكلام *6* :
" والقسم الأكبر من هذه القراءات يرجع السبب فى ظهوره إلى خاصية الخط العربى ، فإن من خصائصه أن الرسم الواحد للكلمة قد يقرأ بأشكال مختلفة تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها ، كما أن عدم وجود الحركات النحوية ، وفقدان الشكل *أى الحركات* فى الخط العربى يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب. فهذه التكميلات للرسم الكتابى ثم هذه الاختلافات فى الحركات والشكل ، كل ذلك كان السبب الأول لظهور حركة القراءات ، فيما أهمل نقطه أو شكله من القرآن ".
إن المتأمل فى هذا الكلام ، الذى نقلناه عن جولد زيهر ، يدرك أن الرجل يريد أن يقول فى دهاء وخبث. إن هذه القراءات تحريفات معترف بها لدى المسلمين خاصتهم وعامتهم ، وأن النصوص الإلهية المنزلة على رسولهم أصابها بعض الضياع إنه لم يقل صراحة بالتحريف وإنما وضع المبررات لوجود التحريف فى القرآن الحكيم.
ثم أخذ بعد ذلك يورد أمثلة من القراءات وينسبها إلى السببين اللذين تقدم ذكرهما ، وهما :
- تجرد المصحف من النقط فى أول عهده.
- تجرد كلماته من ضبط الحروف.
فإلى السبب الأول نسب قوله تعالى :
*ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون**7*.
والشاهد فى كلمة " تستكبرون " وهى قراءة الجمهور. وقد قارنها جولد زيهر بقراءة شاذة " تستكثرون " بإبدال الباء ثاء ، يريد أن يقول : إن الكلمة كانت فى الأصل " يستكبرون " غير منقوطة الحروف الأول والثالث والخامس فاختُلِف فى قراءتها :
فمنهم من قرأ الخامس " باء " والأول تاء فنطق : تستكبرون ، ومنهم من قرأ الخامس " ثاء " فنطق " تستكثرون.
هذا هو سبب هاتين القراءتين عنده.
وكذلك قوله تعالى : *وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه..**8*.
والشاهد فى كلمة " إياه " ضمير نصب منفصل للمفرد الغائب الذكر.
ثم قارنها بقراءة شاذة لحماد الراوية هكذا " اباه " بإبدال الياء من " إياه " باء " اباه " أى وعدها إبراهيم عليه السلام أباه ؟ *9*.
أما اختلاف القراءات للسبب الثانى ، وهو تجرد كلمات المصحف عن الضبط بالحركات ، فمن أمثلته عنده قوله تعالى :
*ومَنْ عِنْدَهُ علم الكتاب **10*.
وقارن بين قراءاتها الثلاث : " مَنْ عنْدَهُ " " مِنْ عِنْدِه " "مَنْ عِنْدِهِ " ؟ !
هذا هو منهجه فى إخراج القراءات القرآنية من كونها وحيًا من عند الله ، إلى كونها أوهامًا كان سببها نقص الخط العربى الذى كتب به المصحف أولاً عن تحقيق الألفاظ من حيث حروفها ومن حيث كيفية النطق بها. واقتفى أثره كثير من المبشرين والمستشرقين.
الرد على هذه الشبهة :
لقد حظى كتاب الله العزيز بعناية منقطعة النظير ، فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم ، وبعد وفاته. ومن الحقائق الراسخة رسوخ الجبال أن طريق تَلَقِّى القرآن كان هو السماع الصوتى.
- سماع صوتى من جبريل لمحمد عليهما السلام.
- وسماع صوتى من الرسول إلى كتبة الوحى أولاً وإلى المسلمين عامة.
- وسماع صوتى من كتبة الوحى إلى الذين سمعوه منهم من عامة المسلمين.
- وسماع صوتى حتى الآن من حفظة القرآن المتقنين إلى من يتعلمونه منهم من أفراد المسلمين.
هذا هو الأصل منذ بدأ القرآن ينزل إلى هذه اللحظة وإلى يوم الدين ، فى تلقى القرآن من مرسل إلى مستقبل.
وليست كتابة القرآن فى مصاحف هى الأصل ، ولن تكون. القرآن يجب أن يُسمع بوعى قبل أن يقرأ من المصحف ، ولا يزال متعلم القرآن فى أشد الحاجة إلى سماع القرآن من شيوخ حافظين متقنين ، وفى القرآن عبارات أو كلمات مستحيل أن يتوصل أحد إلى نطقها الصحيح عن مجرد القراءة فى المصحف ، ولو ظل يتعلمها وحده أيامًا وأشهرا.
وبهذا تهوى الأفكار التى أرجع إليها جولد زيهر نشأة القراءات إلى الحضيض ، ولا يكون لها أى وزن فى البحث العلمى المقبول ؛ لأن المسلمين من جيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان لم يتعلموا القرآن عن طريق الخط العربى من القراءة فى المصاحف ، وإنما تعلموه سماعًا واعيًا ملفوظًا كما خرج من فم محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قيض الله لكتابه شيوخًا أجلاء حفظوه وتلوه غضًا طريًا كما كان صاحب الرسالة يحفظه ويتلوه كما سمعه من جبريل أمين الوحى.
أجل.. كان سيكون لأفكار جولد زيهر وجه من الاحتمال لو كان المسلمون يأخذون القراءة قراءة من مصاحف. أما وقد علمنا أن طريق تلقى القرآن هو السماع الموثق ، فإن أفكار جولد زيهر تذهب هباء فى يوم ريح عاصف.
ثانيًا : إن القراءات الصحيحة مسموعة من جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومسموعة من محمد صلى الله عليه وسلم لكتبة الوحى ، ومسموعة من محمد ومن كتبة الوحى لعموم المسلمين فى صدر الإسلام الأول ، ثم شيوخ القرآن فى تعاقب الأجيال حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
لقد سمع المسلمون من محمد المعصوم عن الخطأ فى التبليغ " فتبينوا " و " فتثبتوا " فى قوله تعالى :
*يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا **11* بالباء والياء والنون.
وسمعوها منه " فتثبتوا " بالتاء والثاء والباء والتاء وكلا القراءتين قرآن موحى به من عند الله. وليس كما توهم جولد زيهر، إنهما قراءتان ناشئتان عن الاضطراب الحاصل من خلو كلمات المصحف من النقط والشكل فى أول أمره ؟.
والقراءتان ، وإن اختلف لفظاهما ، فإن بين معنييهما علاقة وثيقة ، كعلاقة ضوء الشمس بقرصها : لأن التبين ، وهو المصدر المتصيد من " فتبينوا " هى التفحص والتعقب فى الخبر الذى يذيعه الفاسق بين الناس ، وهذا البَين هو الطريق الموصل للتثبت. فالتثبت هو ثمرة التبين. ومن تبيَّن فقد تثبت. ومن تثبت فقد تبين.
فما أروع هذه القراءات ، ورب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما ، إن قراءات القرآن لهى وجه شديد الإشراق من وجوه إعجاز القرآن ، وإن كره الحاقدون.
وكما سمع المسلمون من فم محمد ، الذى لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم فى الآية السابقة : " فتبينوا " و " فتثبتوا " سمعوا منه كذلك ، " يُفَصِّل " و " نُفصِّلُ " فى قوله تعالى :
*ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون **12*.
و " نفصل الآيات "
وفاعل الفصل فى القراءتين واحد هو الله عز وجل :
وقد اختلف التعبير عن الفاعل فى القراءتين ، فهو فى القراءة الأولى " يفَصِّل " ضمير مستتر عائد على الله عز وجل فى قوله :
*ما خلق الله ذلك إلا بالحق*أى يفصل هو الآيات. فالفاعل هنا مفرد لعوده على مفرد " الله ".
وفى القراءة الثانية عُبِّر عن الفاعل بضمير الجمع للمتكلم "نُفَصِّل" أى نفصل نحن.
والله واحد أحد ، ولكن النون فى " نفصل " لها معنى فى اللغة العربية هو التعظيم إذا كان المراد منها فردًا لا جماعة. ووجه التعظيم بلاغةً تنزيل الفرد منزلة " الجماعة " تعظيمًا لشأنه ، وإجلالاً لقدره.
وفى هاتين القراءتين تكثير للمعنى ، وهو وصف ملازم لكل القراءات.
وللبلاغيين إضافة حسنة فى قراءة " نفصل " بعد قوله : " ما خلق الله.. " هى الانتقال من الغيبة فى " ما خلق الله " إلى المتكلم فى " نفصل " للإشعار بعظمة التفصيل وروعته.
وبعد : إن إرجاع القراءات القرآنية لطبيعة الخط العربى الذى كان فى أول أمره خاليًا من النقط والشكل ، كما توهم " جولد زيهر " ومن بعده " آثر جيفرى " فى المقدمة التى كتبها لكتاب المصاحف ، لأبى داود السجستانى ، وتابعهما المستشرق " جان بيرك " ، إن هذه النظرية مجرد وَهْمٍ سانده جهل هؤلاء الأدعياء على الفكر الإسلامى، مبدؤه ومنتهاه الحقد على الإسلام والتطاول على القرآن ، لحاجات فى نفوس " اليعاقيب ".
وقد قدمنا فى إيجاز ما أبطل هذه الأوهام ، وبقى علينا فى الرد على هذه الشبهة أن نذكر فى إيجاز كذلك جهود علمائنا فى تمحيص القراءات ، وكيف وضعوا الضوابط الدقيقة لمعرفة القراءات الصحيحة ، من غيرها مما كان شائعًا وقت جمع القرآن فى عهد عثمان بن عفان " رضى الله عنه ".
تمحيص القراءات :
وضع العلماء الأقدمون ضوابط محكمة للقراءات الصحيحة التى هى وحى من عند الله. وتلك الضوابط هى :
1- صحة السند ، الذى يؤكد سماع القراءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2- موافقة القراءة لرسم المصحف الشريف ، الذى أجمعت عليه الأمة فى خلافة عثمان رضى الله عنه مع ملاحظة أن الصحابة الذين نسخوا القرآن فى المصحف من الوثائق النبوية فى خلافة عثمان ، نقلوه كما هو مكتوب فى الوثائق النبوية بلا تغيير أو تبديل. ورسم المصحف الذى بين أيدينا الآن سنة نبوية ؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم أقر تلك الوثيقة ، واحتفظ بها فى بيته حتى آخر يوم فى حياته الطيبة.
ولذلك أجمع أئمة المذاهب الفقهية على تحريم كتابة المصحف فى أى زمن من الأزمان ، على غير الرسم المعروف بالرسم العثمانى للمصحف الشريف. ونقل هذا الإجماع عنهم كثير من علماء تاريخ القرآن *13*.
3- أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه تراكيب اللغة العربية ؛ لأن الله أنزل كتابه باللسان العربى المبين.
4- أن يكون معنى القراءة غير خارج عن قيم الإسلام ومقاصده الأصول والفروع.
فإذا تخلف شرط من هذه الشروط فلا تكون القراءة مقبولة ولا يعتد بها.
وعملاً بهذه الضوابط تميزت القراءات الصحيحة من القراءات غير الصحيحة ، أو ما يسمى بالقراءات الشاذة ، أو الباطلة.
ولم يكتف علماؤنا بهذا ، بل وضعوا مصنفات عديدة حصروا فيها القراءات الصحيحة ، ووجهوها كلها من حيث اللغة ، ومن حيث المعنى.
كما جمع العلامة ابن جنى القراءات الشاذة ، حاصرًا لها ، واجتهد أن يقومها تقويمًا أفرغ ما ملك من طاقاته فيه ، وأخرجها فى جزءين كبيرين.
أما ذو النورين عثمان بن عفان رضى الله عنه ، حين أمر بنسخ الوثائق النبوية فى المصاحف ، فقد أراد منه هدفين ، ننقل للقارئ الكريم كلامًا طيبًا للمرحوم الدكتور/ محمد عبد الله دراز فى بيانهما :
" وفى رأينا أن نشر المصحف بعناية عثمان كان يستهدف أمرين :
أولهما : إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة ، التى كانت تدخل فى إطار النص المدون يعنى المصحف ولها أصل نبوى مجمع عليه ، وحمايتها فيه منعًا لوقوع أى شجار بين المسلمين بشأنها ، لأن عثمان كان يعتبر التمارى *أى الجدال* فى القرآن نوعًا من الكفر.
ثانيهما : استبعاد ما لا يتطابق تطابقًا مطلقًا مع النص الأصلى *الوثائق النبوية* وقاية للمسلمين من الوقوع فى انشقاق خطير فيما بينهم ، وحماية للنص ذاته من أى تحريف ، نتيجة إدخال بعض العبارات المختلف عليها نوعًا ما ، أو أى شروح يكون الأفراد قد أضافوها إلى مصاحفهم " *14*.
هذه هى عناية المسلمين من الرعيل الأول بالقرآن الكريم وتعدد قراءاته ، وحماية كتاب الله من كل دخيل على نصوص الوحى الإلهى.
هذا ، وإذا كان جولد زيهر ، وآثر جيفرى المبشر الإنجليزى ، وجان بيرك قد أجهدوا أنفسهم فى أن يتخذوا من قراءات القرآن منفذًا للانقضاض عليه ، والتشكيك فيه ، فإن غيرهم من المستشرقين شهدوا للقرآن بالحق ، ونختم ردنا على هذه الشبهة بمستشرق نزيه ، أثنى على القرآن وقال إنه النص الالهى الوحيد ، الذى سلم من كل تحريف وتبديل ، لا فى جمعه ، و فى تعدد مصاحفه ، ولا فى تعدد قراءاته. قال المستشرق لوبلوا : [ إن القرآن هو اليوم الكتاب الربانى الوحيد ، الذى ليس فيه أى تغيير يذكر ]. ومن قبله قال مستشرق آخر *د. موير* كلاما طيباً فى الثناء على القرآن ، وهو : [ إن المصحف الذى جمعه عثمان ، قد تواتر انتقاله من يد ليد ، حتى وصل إلينا بدون أى تحريف ، ولقد حفظ بعناية شديدة ، بحيث لم يطرأ عليه أى تغيير يذكر ، بل نستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أى تغييرعلى الإطلاق فى النسخ التى لا حصر لها ، المتداولة فى البلاد الإسلامية الواسعة ، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة وهذا الاستعمال الإجماعى لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم حجة ودليل على صحة النص المُنزل، الموجود معنا والذى يرجع إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان رضى الله عنه الذى مات مقتولا*15*. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* التوبة : 128.
*2* القلم : 42.
*3* معانى القرآن للقراء *3/177*.
*4* الفرقان : 48.
*5* انظر : رسم المصحف *29* للدكتور / عبد الفتاح شلبى ، مكتبة وهبة.
*6* المذاهب الإسلامية *ص4* ، ترجمة د. محمد يوسف موسى.
*7* الأعراف : 48.
*8* التوبة : 114.
*9* رسم المصحف *30* ، مرجع سبق ذكره.
*10* الرعد : 43.
*11* الحجرات : 6.
*12* يونس : 5.
*13* ينظر : البرهان فى علوم القرآن ، مرجع سبق ذكره.
*14* " مدخل إلى القرآن الكريم " *ص43* مرجع سبق ذكره.
*15* حياة محمد : تأليف
w.MUIR نقلا عن *مدخل إلى القرآن الكريم*.
والاضطرابِ في القرآن.
وقالَ في اعتراضه : " قال محمد : " هذا القرآنُ أُنزلَ على سبعةِ أَحرف ، فاقرؤوا ما تيسَّرَ منه "..
قال محمدٌ هذا الكلامَ لعمرَ بن الخطّاب ، لَمّا جاءَه عمرُ بهشامِ بنِ حكيم وقد لَبَّبَهُ بردائِه ، لما سمعَهُ يقرأُ سورةَ الفرقان على غيرِ ما أَقرأَها محمدٌ لعُمَر.
فقالَ عمرُ : يا رسولَ اللّه! إِني سمعتُ هذا يقرأُ سورةَ الفرقانِ على حروفٍ لم تُقْرِئْنيها..
فقال له محمدٌ : " اقْرأَ يا هشام ".
فقرأَ عليه القراءةَ التي سمعَه عمرُ يقرؤُها.
فقال محمد : " هكذا أُنزلَتْ! "
ثم قالَ محمد : " اقرأْ يا عمرُ ".
فقرأَ بقراءَتِه التي أَقرأَه بها محمد ، فقالَ محمدٌ : " هكذا أُنزلَتْ! " ثم قالَ : " إِنَّ هذا القرآنَ أُنزلَ على سبعةِ أَحرف ، *
فاقرؤوأ ما تيسَّرَ منه ! ".
قالَ المفَسِّرون : سبعةُ أَحْرف.
أَيْ : سبعةُ أَوْجُهٍ مختلفة ، أَو سبعُ قراءاتٍ مختلفه ".
القصةُ التي ذَكَرَها الفادي صحيحة ، وقد أَجازَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - قراءهً هشامِ بنِ حكيم ، وأَجازَ قراءةَ عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه - ، لأَنه أَقْرَأَ كُلَّ واحدٍ بما قرأَه ، وكان الخلافُ بينَ قراءةِ هشام وقراءةِ عُمَر قليلاً ، وعَلَّلَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم – الاختلافَ بينهما بأَنَّ اللّهَ أَنزلَ القرآنَ على سبعةِ أَحْرُف ، وأَنه يَجوزُ قراءةُ القرآنِ بأَيِّ حرفٍ منها ، وكلٌّ من عمرَ وهشامٍ قرشيٌّ ، ومع ذلك قرأَ كُلُّ واحدٍ بقراءةٍ تَعَلَّمَها من رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
والأَحْرفُ السبعةُ توقيفيةٌ ، ولَيستِ اجتهاديةً باجتهادِ واختيارِ الصحابة ، اللّهُ هو الذي أَنزلَها للتيسيرِ على الناس ، وأَجازَ القراءةَ بأَيِّ حرفٍ منها.
والراجحُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ هي " وُجوهُ التغايرِ السبعة " في قراءةِ الكلمةِ القرآنية ، بمعنى أَنَّ أَقْصى وجوهِ التغايرِ في قراءةِ الكلمةِ القرآنيةِ هو سبعةُ وجوه.
ومُعظمُ كلماتِ القرآنِ تُقرأُ على حرفٍ واحد ، وبوَجْهٍ واحدٍ فقط ، لكنَّ بعضَها قد يُقرأُ على حرفين أَو ثلاثة ، ولا تَزيدُ أَوجُهُ قراءَتِه عن سبعةِ وُجوه.
والراجحُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ موجودةٌ في القرآن ، لم يُنسخْ ولم يُرفعْ منها شيء ، وأَنَّ رسمَ المصحف زمنَ عثمانَ - رضي الله عنه - احْتَواها وضَمَّها ، وهذه الأَحرفُ السبعةُ آلَتْ إِلى القراءاتِ العشرِ الصحيحة ، التي رَصَدَها ولسَجَّلَها العلماء ، وقرؤُوا بها القرآن.
وبهذا نَعرفُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ والقراءاتِ العشرَ أَنزلَها اللّهُ على رسولِه - صلى الله عليه وسلم - ، وأَذِنَ للمسلمين القراءةَ بها ، فهي كلامُ اللّه وليسَ تأليفَ المسلمين ، وأَنَ رسمَ المصحفِ العثمانيِّ حوى وشملَ الأَحرفَ السبعةَ والقراءاتِ العشر ، وأَنه يَجوزُ القراءةُ بأَي حرفٍ منها أَو أَيةِ قراءةٍ منها ، وأَنَّ معظمَ كلماتِ القرآنِ لا تُقرأُ إِلّا على حرفٍ واحدٍ بقراءةٍ واحدة ، وأَنها لا اختلافَ ولا تَعارضَ بينها ، وأَنها تتكاملُ للدلالةِ على المعنى القرآني.
ونوردُ مثالاً على هذه القراءاتِ والأَحرفِ من سورةِ الفرقان لتتضحَ المسألة.
قالَ تعالى : *وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا *25*.
في كُلٍّ من *تَشَقَّقُ* و *نُزِّلَ* قراءتان :
في " تَشَقَّقُ " قراءتان :
الأُولى : قراءةُ عاصم وحمزة والكسائي وخلف وأَبي عمرو : " تَشَقَّقُ "
بتَخفيفِ التاءِ والشينِ.
على أَنه فعلٌ مضارع ، حُذِفَتْ منه التاءُ الأُولى ، لأَنَّ أَصْلَه : تَتَشَقَّقُ ، وماضيه : تَشَقَّقَ.
والمعنى : تَتَشَقَّقُ السماءُ بالغمام.
الثانية : قراءةُ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب : " تَشَّقَّقُ "
بتشديدِ الشين ، على إِدغامِ التاءِ الثانيةِ في الشّين ، لأَنَّ أَصْلَه : تَتَشَقَّقُ.
والقراءتانِ متقاربتانِ متكاملتان ولَيْستا مختلفتَيْن أَو متناقضتين ، فهما تَتفقان على أَنَ الفعلَ مضارع : " تَتَشَقَّقُ " ، على وزْن " تَتَفَعَّلُ ".
لكنَّ القراءةَ الأُولى حَذَفت التاءَ الأُولى للتخفيف ، والقراءةُ الثانيةُ أَدغمت التاءَ الثانيةَ في الشينِ للتخفيف أَيضاً.
وفي " ونُزِّلَ الملائكة " قراءتان :
الأُولى : قراءةُ ابنِ كثير المكي : " وَنُنَزِّلُ الملائكةَ " على أَنَّ الفعلَ المضارعَ مُسندٌ إِلى اللّه ، و " الملائكةَ " : مفعولٌ به.
والمعنى : وننزلُ نحنُ الملائكةَ تنزيلاً.
الثانية : قراءةُ التسعة - نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب وخلف - : *وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ*.
على أَنه فعلٌ ماض مبنيٌّ للمجهول ، و " الملائكةُ " : نائبُ فاعلٍ مرفوع.
والمعنى : يُنَزَّلُ الملائكةُ تنزيلاً في ذلك اليوم.
والقراءَتان متكاملتان ، وليستا مختلفتَيْن ، فإِذا كانَ اللّهُ يُنزلُ الملائكةَ تنزيلاً على قراءةِ ابن كثير ، فإِنَّ الملائكةَ يُنَزَّلونَ تَنزيلاً في ذلك اليوم ، على قراءةِ القراءِ التسعة.
مع أمثلة الفادي للاختلاف في القرآن :
قَدَّمَ الفادي الجاهلُ أَمثلةً على دَعواهُ الغبيةِ على وُجودِ الاختلافِ في القرآن ، وليتَه لم يُقَدّمْ تلك الأَمثلة ، فقد فَضحَ نفسَه ، وأَبانَ عن جَهْلِه وغَبائِه.
ذَكَرَ أَنَّ الاختلافَ اللفظي في القرآنِ له ثَلاثَةُ مظاهر : تَبديلُ اللفظِ ، وتَبديلُ التركيب ، والتبديلُ بالزيادةِ والنقصان.
لِننظرْ في الأَمثلةِ الدالَّةِ على الاختلافِ بتبديلِ الأَلفاظِ والتراكيبِ ، والزيادةِ والنقصان.
- قالَ تعالى : *وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ *5*.
ادعى الفادي أَنَّ الآيةَ : " وتكونُ الجبالُ كالصّوفِ المنفوش ".
فَتَم تَبديلُ " الصّوفِ " إِلى " العِهْنِ " ولا أَدري مَنْ أَدراهُ أَنَّ أَصْلَ الآيةِ بالصوفِ وليس بالعهن.
- قال تعالى : *فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ*.
ادعى الفادي أَنَّ الآيةَ : " فَامْضُوا إِلى ذكر اللّه ".
فتمَّ تَبديلُ " فامضوا " إِلى *فَاسْعَوْا*.
- قال تعالى : *ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ*
ادَّعى الفادي أَنَّ الآيَةَ : " فكانت كالحجارة " ، فَتَمَّ تَبديلُ الفعلِ " فكانت " إِلى الضمير : *فَهِىَ*.
- قالَ تعالى : *وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ*.
ادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ :
" ضربت عليهم المسكنة والذلة " ، فَقَدَّموا الذِّلَّةَ على المسكنة ، وجَعَلوها :
*الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ*.
- قال تعالى : *وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ*.
ادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ : " وجاءت سكرة الحق بالموت " ، فَتَمَّ تَبديلُ الآيةِ إِلى : *وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ*.
- قالَ تعالى : *النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ*.
ادَّعى الفادي أَنَّ أَصْلَ الآية : " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ".
فَحَذَفوا جُملة : " وهو أب لهم ".
أَمّا الاختلافُ في المعنى فقد أَوردَ عليه الفادي الجاهلُ مثالَيْن :
- قال تعالى : *فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا*.
ادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ بالجملةِ الخبرية ، على أَنَّ " رَبُّنا " مبتدأ مرفوع ، و " باعَدَ " فعل ماضٍ مبنيٌّ على الفتح ، والجملةُ الفعلية : " بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا " في محلِّ رفْع خبر.
واعتبارُ الجملةِ خبريةً قراءةٌ قرآنية صحيحة ، حيث قَرَأَ يَعقوبُ البصري :
" قَالُوا رَبُّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أسْفَارِنَا ".
وبما أَنها قراءو صحيحة فليس فيها اختلافٌ في المعنى كما ادَّعى الفادي الجاهل.
- قال تعالى : *إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ*.
ادَّعى الفادي أَنَّ الجملةَ خطاب لعيسى - عليه السلام - : " يا عيسى ابْنَ مريم هَلْ تَستطيعُ رَبَّك ".
على أَنَّ " رَبَّكَ " مفعولٌ به ...
وهذه قراءة عشرية صحيحة.
حيثُ قَرَأَ الكسائيّ الكوفي : " هل تَسْتَطيعُ رَبَّكَ ".
والمعنى على قراءةِ الكسائي : هل تَستطيعُ يا عيسى أَنْ تَدْعوَ رَبَّكَ أَنْ يُنزلَ علينا مائدةً من السماء ؟
وإِنْ دعَوْتَه فهل يَستجيبُ لك ؟.
إِنَ ادِّعاءَ الفادي المفترِي وجودَ اختلافٍ في القرآن باطلٌ متهافت ، والأَمثلةُ التي ذَكَرَها دليلُ جَهْلِه وغَبائِه ، فاللّهُ يَقولُ : *وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ *5*.
والغبيُّ يُكَذِّبُ ذلك ويقول : الآيةُ هكذا : " وتكونُ الجبالُ كالصوفِ المنفوش "..
واللّهُ يقول : *وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ*. والغبيّ يُكَذّبُ ذلك ويقول : الآيةُ هكذا : " وجاءت سكرةُ الحَقِّ بالموت " ، ويُسمي هذا الهراءَ بَحْثاً علميّاً موضوعيّاً محايداً!!..


من مواضيعي
0 بعثة المسيح عليه السلام
0 الاكتفاء بالحاجات الأساسية في القرآن و في النظرة المادية
0 قراءه في مخطوطات قمران ج 1 ( تحريف العهد القديم ومسيح السيف 1 )
0 هل الشيعة أشد على الإسلام من اليهود والنصارى عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
0 كيف يبعث الله رجلين أكل أحدهما الآخر؟
0 برنامج مكتبة الشيخ عطية سالم
0 البحث علي جوجل باحترافية
0 غير متزوجات ... ولكن سعيدات

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المطاعن, الفنية

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:57 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009