ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

نقض المطاعن اللاهوتية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


نقض المطاعن اللاهوتية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 04:13 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي نقض المطاعن اللاهوتية

نقض المطاعن اللاهوتية
التوحيد والتثليث والأقانيم
اعترضَ الفادي على الآياتِ التي تُبطلُ التثليث ، وتُكَفِّرُ النَّصارى القائلين بأَنَّ اللّهَ ثالثُ ثَلاثة.
والآياتُ التي ذَكَرَها هى قولُه تعالى : *يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا *171*.
وقولُه تعالى : *لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *73*.
وقولُه تعالى : *وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ*.
تَنهى الآيةُ الأُولى النَّصارى عن الغُلُوِّ في دينِهم ، وعن المبالغةِ في النظرِ إِلى عيسى - عليه السلام - ، وتَدْعوهُم إِلى عَدَمِ تَأليهه ، وعدمِ إِشراكِه مع اللّه ، فإِنْ قالوا : الآلهةُ ثَلاثَة ، كانوا كافِرين ، وتُخبرُهم عن حقيقةِ عيسى - عليه السلام - ، فهو رسولُ اللّه ، وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريم ، فَحَمَلَتْ به ووضَعَتْه ، وهو روحٌ من عندِ اللّه ، جَعَلَها في جَسَدِه ، فصارَ عيسى الرسول البَشَرَ - عليه السلام.
وتُصرحُ الآيةُ الثانيةُ بكفْرِ النَّصارى الذين آمَنوا بالتَّثْليث ، وقالوا : إِنَّ اللّهَ ثالثُ ثلاثةِ آلِهة ، هي : اللّه وعيسى وأمُّه مريم ، أَو : اللّهُ وعيسى وجبريل.
وتُخبرُ الآية ُ الثالثةُ عن السؤال الذي سيوجِّهُه اللّهُ إِلى عيسى - عليه السلام - يومَ القيامة ، حيث سيقول له : أَأَنْتَ قُلْتَ للناس : اتَّخذوني وأُمَيَ إِلهَيْنِ من دونِ اللّه ؟
وسيتبرأُ عيسى - عليه السلام - ممن عَبَدوهُ وأَلَّهُوه.
وتَلتقي الآياتُ مع آياتٍ غيرها على تقريرِ وحدانيةِ اللّه ، ونفيِ وُجودِ شركاءَ معه ، وكُفرِ النَّصارى القائلين بالتثليث أَو الثالوث!.
يَعترضُ الفادي على هذه الآيات ، وينكرُ كونَ النصارى قائِلين بثلاثةِ آلهة.
قال : " يَتَّضحُ من هذه الآياتِ أَنَّ مُحَمَّداً سمعَ من بعْضِ أَصحابِ البدعِ من النَّصارى أَنه يوجَدُ ثلاثةُ آلهة ، هم : اللّهُ ومريمُ وعيسى ، فَرَدَّ على هذه البدعة ، وكَرَّرَ المرةَ بعدَ المرةِ أَنَّ اللّهَ إِلهٌ واحد! ".
يعترفُ الفادي في هذه الفقرةِ بوجودِ فرقةٍ من النَّصارى يقولون : اللّهُ ثالثُ ثلاثة ، هم : اللّهُ ، ومريمُ ، وعيسى ، ويَعتبرُ هذه الفرقةَ النصرانيةَ مبتدعَة ...
وقد ذَكَرَ القرآنُ ذلك وأَبْطَلَه وكَذَّبَ قائِليه ، وهذا ما ظَهَرَ واضحاً صريحاً في الآياتِ السابقة : *لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ... * ، *فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ... * ، و *يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... *.
ويُصرحُ الفادي في عبارتِه بأَنَّ القرآنَ من تأليفِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وليْس من عندِ اللّه ، وذلك في قوله : "..
إن محمداً سمعَ من بعضِ أَصحابِ البدعِ من النَّصارى أَنه يوجَدُ ثلاثةُ آلهة..
فَرَدَّ على هذه البدعة " ! فالرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي سمعَ تلك البدعة بأُذُنَيْه ، وهو الذي رَدَّ على تلك البدعة ، وكَرَّرَ في القرآنِ المرةَ بعد الأُخرى أَنَّ اللّهَ إِلهٌ واحد! فالكلامُ كلامُه والرَّدُّ رَدُّه ، والقرآنُ من
تأليفِه ، وليس وحياً من عندِ اللّه مُنَزَّلاً عليه!!.
مع أَنَّ الآياتِ صريحةٌ في أَنَّ اللّهَ هو الذي أَخْبَرَ عن كُفْرِ النَّصارى وتَثْليثهم.
ولنقرأ هذه الآياتِ التي تتحدَّثُ عن نفسِ الموضوع.
قال اللّه - عز وجل - :
*لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ *72* لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *73* أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *74* مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ *75* قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *76*.
وزَعَمَ الفادي أَنَّ الوحدانيةَ هي أَساسُ الدينِ النصراني ، وأَنه لا يوجَدُ نصرانى يَعْبُدُ ثلاثةَ آلهة ، قال : " وكُلُّ مَنْ له إِلمامٌ بالتوراةِ والإِنجيلِ يَعرفُ أَنَّ وحدانيةَ اللّهِ هي أَساسُ الدينِ المسيحيّ..
فقد قالَت التوراةُ والإِنجيل : " الرَّبُّ إِلهنا رَبّ واحِد "التثنية : 6/ 4.
ومرقس : 29/12 ، ولم يَقُلْ مسيحيّ حقيقيّ قَطّ إِنَّ العذراءَ مريمَ إِله ، مع كلِّ التقديرِ والمحبَّةِ لها ".
وهذه دعوى كبيرةٌ ادَّعاها الفادي ، ونَرجو أَنْ تكونَ صحيحةً صادقة ، لكنَ واقِعَهم لا يُصَدِّقُها ولا يتوافَقُ معها.
ويَشرحُ الفادي الثالوثَ ، ويجعلُه بمعنى التوحيد ، ويَزعمُ أَنَّ القرآنَ اتفقَ مع الإِنجيلِ على القولِ به!!.
قال : " المسيحيّون لا يَعبدونَ ثلاثةَ آلِهة ، بلْ إِلهاً واحداً في وحدانيةٍ جامعةٍ : هو الآبُ والابنُ والرّوحُْ القُدُس ، أَو بعبارةِ القرآن : اللّه وكلمتُه وروحُه!! والكلُّ في ذاتٍ واحدة ".
النصارى حسبَ زعمِ الفادي يَعْبُدونَ إِلهاً واحداً في وحدانيةٍ جامِعَة ، تتعدَّدُ فيها الأَقانيمُ الثلاثة : الآبُ والابنُ والروحُ القُدُس!.
علماً أَنَّ الأَقانيمَ الثلاثةَ هي ثلاثُ ذواتٍ مُنفصلَة ، فالآبُ عندهم هو اللّه ، والابنُ عندَهم هو عيسى ، والروحُ القُدُسُ هو جبريلُ عليه السلام - ، فكيف صارَتْ هذه الذواتُ والشخصياتُ المتباينةُ إِلهاً واحداً جامعاً ؟!.
وزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ القرآنَ يقولُ بالثالوث المقَدَّس مثلُ الإِنجيل ، والثالوثُ القرآنيُّ هو : اللّهُ وكلمتُه وروحُه!!.
وأَينَ وردَتْ هذه الكلماتُ الثلاثُ بهذا اللفظِ في القرآن ؟
إِنّ الفادي كاذبٌ مُفْتَرٍ مُدَّع.
قالَ اللهُ في القرآن : *إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ*.
لا تتكلمُ الآيةُ عن ثلاثةِ أَقانيم ، وإِنما تُبطلُ الأَقانيمَ الثلاثة ، وتَذْكُرُ حقيقةَ عيسى ابنِ مريمَ - عليه السلام -.
وتَصِفُه بثلاثِ صِفات :
الأُولى : أَنَّهُ رسولُ اللّه : جعلَه اللّهُ نبيّاً رَسولاً ، وأَرسلَه إِلى بني إِسرائيل.
الثانية : أَنَّهُ كلمةُ اللّه : *وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ*.
ومعنى كونِ عيسى - عليه السلام - كلمةَ اللّهِ : أَنَّ اللّهَ خَلَقَه بكلمةِ " كُنْ " الكونيةِ التكوينيّة ، التي يَخْلُقُ بها سبحانَه جميعَ المخلوقين.
وهي الكلمةُ التي خَلَقَ بها أَبا البشر آدم - عليه السلام - ، وقد أَشارَ لها في قولِه تعالى : *إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *59*.
أَيْ : أَنَّ اللّهَ خَلَقَ عيسى بكلمتِه " كُنْ " ، فكانَ كما أَرادَ اللّه ، كما خَلَقَ آدمَ بكلمتِه " كُنْ " ، فكانَ كما أَرادَ اللّه!.
أَلْقى اللّهُ العظيمُ كلمتَهُ " كُنْ " إِلى مريم ، فكانت المخلوقَ عيسى الرسولَ - عليه السلام - ، حيثُ تَخَلَّقَ عيسى في رحمِها ، ولما نفخَ اللهُ فيه الروح ، وضعَتْه مولوداً بشراً.
وكلُّ المخلوقاتِ يخلُقُها اللّهُ العظيمُ بكلمتِه " كن " ، التي خَلَقَ بها عيسى - عليه السلام - ، وجاءَ هذا صَريحاً في قوله تعالى : *إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *82*.
الثالثة : أَنَّهُ روحٌ من عند اللّه : *وَرُوحٌ منهُ*.
أَيْ : أَنَّ اللّهَ خَلَقَ روحَ عيسى - عليه السلام - ، كما خَلَقَ روحَ أَيِّ إِنسان ، سواءٌ كانَ نبيّاً أَو إِنساناً عاديّاً ، وأَمَرَ جبريلَ الروحَ القُدُسَ أَنْ يحملَ روحَ عيسى المخلوقة ، وأَنْ ينفُخَها في مريمَ العذراءِ البتولِ - عليها السلام - ، ففعل ، وحملَتْ بعيسى بأَمْرِ اللّه *1*.
و " مِنْ " في قوله : *وَرُوحٌ منْهُ* بيانيَّة ، وليستْ تبعيضيَّة ، تُبَيِّنُ أَنَّ روحَ عيسى التي نُفخَتْ في فَرْجِ مريمَ إِنما هي من عندِ اللّه.
وقد حَرَّفَ الفادي المفترِي صفاتِ عيسى - عليه السلام - الثلاثةَ : " رسولُ اللّهِ وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريم وروحٌ منه " لتكونَ أَقانيمَ ثلاثةً يؤمنُ بها النصارى : " اللّهُ وكلمتُه وروحُه " ، وكَذَبَ المفترِي في قولِه : " والكلُّ في ذاتٍ واحدة ".
فالأَقانيمُ الثلاثةُ : الآبُ والابنُ والروحُ القُدُسُ ثَلاثُ شخصياتٍ منفصلة ، وليستْ ذاتاً واحدة.
أَما الصفاتُ الثلاثةُ المذكورةُ في القرآن : " عيسى ابنُ مريم : رسولُ اللّه ، وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريمَ ، وروحٌ منه " فهي ثلاثُ صفاتٍ لِذاتِ المسيحِ وشخصِه - عليه السلام.
فالمسيحُ رسولُ اللّه ، وهو نفسُه كلمةُ اللّه ، خُلِقَ بكلمةِ " كُنْ "
الإِلهية ، وهو نفسُه روحٌ من اللّه ، الروحُ التي في بَدَنِه من عندِ اللّه.
وانتقلَ الفادي المفترِي إِلى افتراءٍ آخَرَ يتعلَّقُ بالثالوث ، زَعَمَ فيه التقاءَ القرآنِ مع الإِنجيلِ في القولِ بالثالوث!! قال : " وقد اتفقَ القرآنُ مع الكتابِ المقَدَّسِ في إِسنادِ الفعلِ وضميرِ المتكلمِ في صيغةِ الجَمْعِ إِلى اللّه..
ولم يَرِدْ في الكتابِ المقَدَّسِ ولا في القرآنِ كلامُ مخلوقٍ كائناً مَنْ كان تَكَلَّمَ عن نفسِه بصيغةِ الجَمْع ، مما يدلُّ على وحدةِ الجوهرِ مع تَعَدُّدِ الأَقانيمِ في الذاتِ العلية.
فمثلاً وَردَ في سورةِ البقرة : *نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا* ، بصيغةِ الجمع ، وَوَرَدَ في سورةِ الأَعراف : *اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ* ، بصيغةِ المفرد..
فتُشيرُ الصيغةُ الأُولى إِلى جمعِ الأَقانيم ، وتُشيرُ الصيغةُ الثانيةُ إِلى توحيدِ الذات.. ".
__________
*1* قال الثعلبى :
سمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبي يقول : كان لهارون الرشيد غلام نصراني متطبّب وكان أحسن خلق الله وجهاً وأكملهم أدباً وأجمعهم للخصال التي يتوسل بها إلى الملوك وكان الرشيد مولعاً بأن يسلم وهو ممتنع وكان الرشيد يمنيه الأماني [ فيأبى ] فقال له ذات يوم : مالك لا تؤمن؟ قال : لأن في كتابكم حجة على من انتحله ، قال وما هو ؟
قال : قوله { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ } أفغير هذا دين النصارى أن عيسى جزء منه ، [ فغمَّ ] قلب الرشيد لذلك فدعا العلماء والفقهاء فلم يكن منهم من يزيل تلك الشبهة حتى قيل : قدم حجاج خراسان وفيهم رجل يقال له علي بن الحسين بن واقد من أهل مرو إمام في أهل القرآن ، فدعاه وجمع بينه وبين الغلام ، فسأل الغلام فأعاد قوله ، فاستعجم على علي بن الحسين الوقت جوابه فقال : يا أمير المؤمنين قد علم الله في سابق علمه أن مثل هذا [ الحدث ] يسألني في مجلسك ، وإنه لم يخل كتابه من جوابي وليس يحضرني في الوقت لله عليَّ أن لا أُطعم حتى آتي الذي فيأمن حقها إن شاء الله ، فدخل بيتاً مظلماً ، وأغلق عليه بابه [ وانشغل ] في قراءة القرآن حتى بلغ سورة الجاثية { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِنْهُ } [ الجاثية : 13 ] فصاح بأعلى صوته : افتحوا الباب فقد وجدت ، ففتحوا ، ودعا الغلام وقرأ عليه الآية بين يدي الرشيد ، وقال : إن كان قوله * وروح منه * توجب أنَّ عيسى بعض منه وجب أن يكون ما في السماوات وما في الأرض بعضاً منه ، فانقطع النصراني وأسلم وفرح الرشيد فرحاً شديداً ووصل علي بن الحسين بصلة فاخرة فلما عاد إلى مرو صنف كتاب " النظائر في القرآن " وهو كتاب لا يوازيه في بابه كتاب. اهـ *الكشف والبيان. 3 / 419 : 420*
يَزعمُ المفترِي الجاهلُ أَنَّ إِسنادَ ضميرِ الجمعِ إِلى اللّه الأَحَدِ في القرآنِ دليلٌ على " الثالوثِ المقَدَّسِ " ، وعلى تَعَدُّدِ الأَقانيم في الذاتِ العليةِ الواحدةِ وِحدَةَ جَوْهَر! وما دَرى الجاهلُ أن هذه النونَ في *نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا* لا تُسَمّى نونَ الجمع ، وإِنما تُسمى " نونَ العَظَمَة " ، فاللّهُ المتكلمُ واحدٌ أَحَدٌ ، فَرْدٌ صَمَد ، وعندما يتكلمُ بضميرِ " نحنُ " - المنفصلِ أَو المتصلِ أَو المستتر - فإِنما يُريدُ أَنْ يُعَظِّمَ نَفْسَه..
وليسَ في الأَمْرِ تَعَدُّدُ أَقانيم أَو شخصياتٍ أَو جواهر أَو إِرادات..
إِنما هو إِلهٌ واحدٌ سبحانه!!.
ويَزعمُ المفترِي أَنَّهُ لم يَرِدْ في القرآنِ كلامُ مخلوقٍ كائناً مَنْ كانَ تكلَّمَ عن نفسِه بصيغةِ الجمع ، وهذا زعمٌ باطلٌ منقوض ، ويَكفي في تكذيبِه تذكرُ قولِ اللّهِ وَجضَّ : *وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ *127*.
لما حَرَّضَ الملأُ من قومِ فرعونَ فرعونَ على محاربةِ موسى ، والقضاءِ عليه هو وأَتْباعه ، رَدَّ فرعونُ عليهم بضميرِ الجمع ، مع أَنه شخصٌ واحد ، وأَوردَ في كلامِه أَربعَ كلماتٍ بصيغةِ الجمع : " سَنُقَتِّلُ " ، و " نَسْتَحْيي " ، و " إِنّا " ، و " قاهرون ".
فكيفَ يَدَّعي الفادي المفترِي أَنه لم يتكلمْ فَرْدٌ مخلوق بصيغةِ الجمعِ في القرآن ؟!.
وحتى يُقْنِعَنا بأَنَّ التثليثَ توحيدٌ للّه ، وأَنَّ القرآنَ قالَ بالتثليث ، قَدَّمَ كلامَ القرآنِ عن أسماءِ اللّهِ الحسنى دليلاً على التثليث ، وخَصَّ اسْمَ " الوَدود "
بالذّكْر..
قال : " ومن أَسماءِ اللّه الحسنى أَنه الوَدود ، لقوله - عز وجل - : *وَهُوَ اَلغَفُورُ اَلْوَدُودُ* فالوُدُّ صفةٌ من صفاتِه ، ومن معرفتِنا أَنَّ هذه الصفةَ أَزلية ، نستدلُّ أَنَّ هناكَ تَعَدُّد أَقانيم في الوحدةِ الإِلهية ، لتَبادُلِ الوُدِّ بينَها قبلَ أَن يُخْلَقَ شيء..
وإلَّا ففي الأَزَلِ اللَّانهائي كانت صفةُ الوُدِّ عاطلةً عن العمل ، وابتدأَتْ تَعمل ، فبدأَ اللّهُ " يَوَدُّ " ، بعدَ أَنْ خَلَقَ الملائكةَ والناس!.
وحاشَ لِلّه أَنْ يكونَ قابلاً للتَّغَيُّر ! ".
الوَدودُ من أَسماءِ اللّه ، والوُدُّ من صفاتِ اللّه ، وتَقَومُ هذه الصفةُ على المحَبَّة ، فاللّهُ وَدود يُحِبُّ عبادَهُ ، ويُحسنُ إِليهم ويُنعمُ عليهم.
وعلى هذا تكونُ " وَدود " صفةً مُشَبَّهَة بمعنى اسمِ الفاعل ، فهي بمعنى " وادّ " ، والوادُّ هو المحِبُّ المنعمُ المحسِنُ.
ويمكنُ أَنْ تَكونَ " ودود " بمعنى اسْمِ المفعول " مَودود ".
أَي : هو سبحانَه المودودُ المحْبوب ، يَوَدُّهُ عِبادُه ويُحبونَه ، ويَدْعونَه ويَتَقَرَّبونَ إِليه.
ولا يَلزمُ من كونِ اللّهِ وَدوداً تَعَدُّدُ الأَقانيم ، لأَنَّ الوُدَّ صفةٌ قائمةٌ بالموصوف - عز وجل - ، لا تَنفصلُ عنه ، ولا تتحوَّلُ إِلى " أُقنومٍ " آخَرَ.
غيرِ اللّه!.
وهكذا باقي صِفاتِ اللّه ، كالعِلْمِ والرحمةِ والسمعِ والبَصَرِ ، فهي صفات متعدّدَةٌ لموصوفٍ واحد ، فاللّهُ عليم ، وهو نفسُه رَحيم ، وهو نفسُه سميع بَصير وَدود.
ويُغالطُ الفادي في زَعْمِ الشراكةِ بينَ المؤمنين وربّهم ، عندَ إِيمانِهم بصفاتِ اللّه ، تلك الشراكةُ التي تَقودُ للإِيمانِ بالأَقانيم الثلاثة.
قال : " وهل نَستطيعُ أَنْ نُوَفّقَ بينَ الإِيمانِ بصفاتِ اللّهِ الأَزليةِ كالسَّمعِ والتكلُّم ، دونَ الإِيمانِ بثلاثةِ أَقانيمَ في إِلهٍ واحد ؟
ولا نَستطيعُ أَنْ نملأَ الفجوة الهائلةَ بين علاقةِ الإِنسانِ باللّهِ على غيرِ قاعدةِ الأُبوة والبُنُوَّة ، وحياةِ الشركةِ المعلنةِ في عقيدةِ الثالوثِ القويمة " !!.
ولا أَدري كيفَ يَقودُ الإِيمانُ بأَسماءِ اللّه وصفاتِه إِلى الإِيمانِ بالأَقانيمِ الثلاثة ، إِنَّ اللّهَ الواحدَ الأَحَدَ الصمد ، هو العليمُ الحكيمُ الحليمُ السميعُ الحيّ القَيوم ...
فهو سبحانَه مُتَّصِفٌ بهذه الصفاتِ العظيمةِ الجليلة ، ولهذهِ الصفاتِ الجليلةِ آثارٌ عملية ، ومظاهِرُ إِيجابية ، تتعلَّقُ بحياةِ البشرية ، وهذه المظاهِرُ الإِيجابيةُ لا تَعني الأَقانيمَ الثلاثةَ التي يُؤْمِنُ بها النصارى ، لأَنَّهُ فَرْقٌ بين الآثارِ العمليةِ لصفاتِ اللّه ، وبين الزعمِ بوجودِ ثلاثةِ كيانات ، انبثقَ كلُّ كيانٍ عن الذي قَبْلَه ، وكأَننا أَمامَ شخصياتٍ ثلاثة : الآبُ والابنُ والروحُ القُدُس!!.
ويَدْعو الفادي الجاهلُ إِلى مَلْءِ الفجوةِ الهائلةِ بين اللّهِ والإِنسانِ بالتثليثِ والشراكة : " ولا نَستطيعُ أَنْ نملَأَ الفجوةَ الهائلةَ بين علاقةِ الإِنسانِ باللّه على غيرِ قاعدةِ الأُبُوةِ والبنوةِ ، وحياةِ الشركةِ المعلنةِ في عقيدةِ الثالوث القويمة "!!.
وهذا هو أَساسُ الانحرافِ عند النصارى ، الذي دَفَعَهم إِلى الإِيمانِ بالأَقانيمِ الثلاثةِ والقولِ بالتثليث : إِنه ملءُ الفجوةِ بينَ اللّهِ والإنسان ، بحيثُ أَدّى ذلك إِلى اتِّحادِ الخالقِ والمخلوق ، وصارتْ حياةُ المخلوقِ انعكاساً
للخالق ، ومَظْهَراً مادّياً عمليّاً له!.
وهذا هو ما تَمَيَّزَ به الإِسلام ، حيثُ حَرَصَتْ نصوصُه على عدمِ مَلْءِ الفجوةِ بين اللّهِ والإِنسان ، بل التأكيدُ المتواصلُ على الفصلِ الدقيقِ بين الخالقِ والمخلوق ، والعابدِ والمعبود ، ولذلك قامَت العقيدةُ الإِسلاميةُ على الإِيمانِ بحقيقتَيْن منفصلتَيْن : حقيقةِ الأُلوهية ، وحقيقةِ العبودية..
فالرَّبُّ هو اللّهُ وحْدَه ، وما سواه ليسَ رَبّا ولا إِلهاً ولا مَعْبوداً ، إِنما هو عبدٌ مخلوقٌ ضعيفٌ عاجز!!.
ووردَ هذا في آياتٍ عديدةٍ في القرآن ، في مقدمتِها سورةُ الإِخلاص :
*قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *1* اللَّهُ الصَّمَدُ *2* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *3* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *4*.
ولا يلزمُ من الفصلِ التامِّ بين الخالقِ والمخلوق ، والعابدِ والمعبود ، واللّهِ والإِنسان تعطيلُ صفاتِ اللّه ، أَو السيرُ في الحياةِ بعيداً عن اللّه ، فالمؤمنُ يستحضرُ دائما عظَمةَ اللّه ، ويشعُرُ بمعيَّتِهِ ، ويأنَسُ به ، ويَعيشُ مظاهرَ صفاتِه الإيجابية ، ويَرى آثارَها فيه وفيما حولَه ، فيعيشُ باللّه وللّه وفي اللّه ومع اللّه ...
لكنْ مع استحضارِه الفرقَ البعيدَ بينَه وبينَ اللّه ، ويَقينه بأَنَّ اللّه متفردٌ في ذاتِه وصفاتِه واَفعالِه.
قال تعالى : *لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *11*.
وبهذا نعرفُ جهلَ الفادي الجاهلِ وخَطَأَه عندما زَعَمَ أَنَّ عَدَمَ القولِ بالثالوثِ معناهُ الإِيمانُ باللّه بدونِ الأُنسِ الروحي به ، وهذا إِيمانُ الشياطين.
قال : " إِنَّ الإِيمانَ بالتوحيدِ المجَرَّدِ بدونِ أُنسٍ روحي باللّه هو إِيمانُ الشياطين أَنْتَ تؤمنُ أَنَّ اللّهَ واحِد ؟ حَسَناً تفعل..
والشياطينُ يُؤْمنونَ ويَقْشَعِرّون ! ".
إِننا نؤمنُ باللّه ، ونُوحِّدُ اللّه ، ونعتقدُ أَنه متفرّدٌ في ذاتِه وصفاتِه وأَسمائِه وأَفعالِه ، ونُنكرُ الأَقانيمَ التي يؤمنُ بها النَّصارى ، ولا نَجعلُ ذواتاً متولّدَةً عن ذاتِه ، ولا نجعل أَشخاصاً مُتَفَرّعينَ عن شخصه ، ونؤمنُ أَنه سبحانَه خَلَقَ كُلَّ المخلوقاتِ بكلمةِ " كُنْ " التكوينية.
- ونحنُ المسلمونَ أَكثرُ النّاسِ أُنْساً باللّه ، وسعادةً بذكْرِه ، وملاحظةً للآثارِ العمليةِ لصفاتِه العلية ، واسْتِحْضاراً لعظمتِه ورعايتِه وقيوميَّتِه سبحانه.
ويُجهدُ الفادي الجاهلُ نَفْسَه في إِقناعِنا بأَنَّ الثالوثَ يَعْني الوحدانية ، وأَنَّ التَّثْليثَ يَعْني الوحده ، فيقول : " ومثل التثليثِ مثل العقلِ والفكرِ والقولِ ، فهذه ثلاثَةُ أَشياءَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ لشيء واحد ؟
والنارُ والنورُ والحرارةُ ثلاثةُ أَشياءَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ لشيء واحد! فهل نَستبعدُ وُجودَ ثلاثةِ أَقانيمَ متميزةٍ غيرِ منفصلةٍ في إِلهٍ واحد حسبَ إِعلانِ كتابِه المقَدّس ؟ ".
إِنَّ الفادي الجاهلَ يُشَبِّهُ الأَقانيمَ الثلاثةَ : الآبَ والابنَ والروحَ القُدُس ، بالعقلِ والفكر والقول ، ويُشَبِّهُها بالنار والنورِ والحرارة.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ هو التثليت والتميزُ ، وعدمُ الانفصال ، والتَّوَحُّد!.
يريدُ الجاهلُ أَنْ يُقْنِعَنا أَنَّ العقلَ والفكرَ والقول ، وأَنَّ النارَ والنُّورَ
والحرارة ، مِثْلُ اللّهِ وعيسى وجبريل! صحيحٌ أَنَّ العقلَ والفكرَ والقولَ ثلاثُ صفاتٍ لموصوفٍ واحد ، وهو ما يقولُه الإِنسان بعد تفكير ، حيثُ يفكِّرُ الإِنسانُ ، ثم يُعملُ عَقْلَه ، ثم يَنطقُ بما فَكّرَ به ، وكأَنَّ القولَ يَمُرُّ بثلاثِ
محطات : الفكرِ والعقلِ والفمِ.
لكنَّه شيءٌ واحد ، هو القول!!.
وكذلك النارُ والنورُ والحرارة ، فهي نارٌ ، لكنَّها موصوفةٌ بأَنها نورٌ نظراً لإِضاءَتِها ، وموصوفةٌ بالحرارةِ نَظَراً لحرارَتِها ، فالنورُ والحرارةُ صفتانِ لموصوفٍ واحدٍ ، هو النار.
إِنَّ المثَلَيْن اللذَيْنِ أَوردَهما الفادي يُوَضّحانِ إِيمانَ المؤمنِ بصفاتِ اللّه ، كالعلمِ والحياةِ والسمعِ والبَصَر ، فهي صفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ هو اللّهُ سبحانه ، ولا يَلْزَمُ من تَعَدُّدِ الصفاتِ تَعَدُّدُ الذات ، كما أَنها ليستْ صفاتٍ متميزة ، لأَنَّ كُلَّ صفةٍ تَلْحَظُ معنىً من معاني الذات الإِلهية ، فصفةُ العلمِ تَلْحَظُ هذا المعنى ، وصفةُ السمعِ تَلْحَظُ هذا المعنى ، وهكذا باقي الصفات.
ولا تَمَيُّزَ ولا انفصال بين هذه الصفات ، وإِنما بينها تكامُلٌ وتَناسُق ، لأَنها كُلَّها تَدُلُّ على ما يَتصفُ به اللّهُ من صفاتِ الكمالِ والجلال.
ومَنْ قال : إِنَّ صِفَتَي النورِ والحرارةِ متميزَتان ؟
إِنهما صِفَتانِ مُتكامِلَتان للنّارِ المشتعلة ، لا يُمكنُ التمييزُ بينهما ولا التفريق ، فالنُّورُ في النارِ مُتَداخِلٌ مع الحرارة ، إِذْ كُلُّ جُزْءٍ من النّار حارٌّ مضيء ، وتَجتمعُ فيه الإِضاءَةُ معَ الحرارة!.
أَما الأَقانيمُ الثلاثةُ التي يؤمنُ بها النصارى فإِنَّها ليستْ صفاتٍ لموصوفٍ واحد ، إِنما هي ثلاثَةُ كياناتٍ متميّزة منفصلَة ، فالآبُ عندهم هو اللّه ، والابنُ عندهم هو المسيحُ عيسى ابنُ مريم ، والروحُ القُدُس عندهم هو جبريل ، فهلْ هذه الكياناتُ الثلاثةُ مثلُ : النارِ والنورِ والحرارة ، أَو مثلُ الفكرِ والعقلِ والقولِ ؟
اللهم لا!!.
مَنْ هم الجاهلونَ إِذَنْ ؟
هل هم المسلمون الذين يَقولون : اللّهُ أَحَد ، اللّهُ الصَّمَد ، لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ له كُفُواً أَحَد ؟
أَم هم النصارى الذين يقولون : الآبُ ، والابنُ ، والروحُ القُدُس.
ثلاثةُ أَقانيمَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ عن الذات الواحدة ؟
مع أَنها منفصلةٌ عن الذاتِ الواحدة!!.
وكَذَبَ المفترِي الفادي في اتِّهامِه للقرآنِ وتخطئتِه له ، وصَدَقَ اللّهُ القائلُ في القرآن : *لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ*..
وصَدق اللّهُ في نصحِه للنصارى قائلاً : *فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ*.

الذنوب بين الاستغفار والتكفير والفداء
وَعَدَ اللّهُ المؤمنين أَنْ يُكَفِّرَ عنهم الصغائرَ إِن اجْتَنَبوا الكبائر.
قال تعالى : *إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا *31*.
وجاءَ في صفاتِ المؤمنين الفائزين قولُه تعالى : *الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ*.
وأَثارت الآيتانِ اعتراضَ الفادي ، واعتبرَهما من مبادئِ القرآنِ الخاطئة ، لأَنَّهما تَتَعارضانِ معَ مَبدأ " الفِداء " عند النَّصارى ، وسَجَّلَ اعتراضَه وتخطئتَه بقولِه : " ونحنُ نسأل : هل من المعقولِ أَنْ يَغفرَ اللّهُ أَو القاضي لمذنبٍ ارتكبَ السرقةَ لأَنه تجنَّبَ القتْلَ ؟
يؤكّدُ الكتابُ المقَدَّسُ لنا أَنه لا غُفرانَ بغيرِ الفادي المسيح ، الذي قالَ عنه القرآنُ : *آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا* ، فالإِله القُدّوسُ العادلُ لا يَمنحُ الغفرانَ للخاطئ بدونِ كَفّارَة ، ولا يَصفحُ عنه بدونِ فِداء!
إِنَّ الغفرانَ بغيرِ حساب استهتارٌ بصفاتِ اللهِ القُدّوسَةِ الكاملة ، فالعَدْلُ يَطلبُ قِصاصَ الخاطئ ، والرحمةُ تَطلبُ العفْوَ عنه ، وإِجابةُ أَحَدِ المطلَبَيْنِ تَعني تَعطيلَ إِحدى الصفتَيْن ! ".
لا يُصَدِّقُ الفادي المفترِي القرآنَ في وَعْدِه غفرانَ الصغائرِ باجتنابِ الكبائر ، مع أَنه وَعْدٌ قرآنيٌّ صريح ، يَجزمُ به المؤمنُ ويَفرحُ له ، لأَنه وَعْدُ اللّهِ الذي لا يُخلفُ الميعاد.
وهذا من رحمةِ اللّهِ بالمؤمنين ، فهو يَعلمُ أَنه لا بُدَّ للمؤمنِ أَنْ يَضعفَ ويَزِلَّ ويُخطئَ ويُذْنِب ، وهو غيرُ معصومٍ من الأَخطاءِ والذنوب ، وبما أَنَّه يتجنبُ الكبائر ، كالقتْلِ والزّنى والرِّبا والسرقةِ والخَمْر ، فإِنَّ اللّهَ يَغفرُ له الصغائرَ اللَّمَم ، التي يُلِمُّ بها بدونِ قَصْدٍ أَو تَعَمّد ، كالكلمةِ الخَطَأ ، والنظرةِ الخَطَأ ، والموقفِ الخَطَأ ، والشعورِ الخَطَأ ، على أَنْ يعترفَ بذنْبِه ويُسارعَ إِلى التوبةِ والاستغفار ، ويُتبعَ السيئاتِ الحسناتِ لتَمحوَها وتَذهبَ بها..
قالَ تعالى : *وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ*.
هذا المبدأُ القرآنيُّ لا يُعجبُ الفادي المفترِي ، واعْتَبَرَه لا يتفقُ مع العقلِ والمنطق ، ومنطقُه العقليُّ يُقَرِّرُ أَنَّ اللّهَ القُدّوسَ العادلَ لا يَغفرُ للمخطئ بدونِ كَفّارَة ، ولا يَصفَحُ عنه بدونِ فِداء! وإِذا ظَنَّ المسلمُ أَنَّ اللّهَ يُمكنُ أَنْ يغفرَ له بدونِ فداءٍ أَو كفارةٍ فهذا استهتارٌ منه باللّه ، لأَنَّ اللّهَ العادلَ لا يَرحمُ بدونِ قِصاص ، ولا يَغفرُ بدونِ كَفارةٍ أَو فداء.
وهل يَقْتُلُ المذنبُ نَفْسَه لتكونَ كَفارة ؟!
وهل يَسفكُ دَمَه ليكونَ فداء ؟!..
لا داعي لذلك ، فقد فَدى اللّهُ ذُنوبَ المذنبينَ السابقينَ واللاحقينَ بابنِه الفادي المسيح ، الذي أَذِنَ لليهودِ أَنْ يَقْتُلوهُ ويَصْلبوه ، ليكونَ قَتْلُه كفارةً لذنوبِ المذْنبين جميعاً ، ويكونَ دَمُه المسفوكُ على الصليبِ كفارةً لجميعِ الذنوب!!.
وعلى المذنبينَ والعصاةِ والمخطئين أَنْ يَفْرَحوا ويَطمئنوا ، فاللّهُ فَداهم بابنِه الفادي ، وروحُ الفادي كفارةٌ لذنوبهم ، ولا يُطْلَبُ منهم شيءٌ ! لا توبةٌ ولا استغفار ، ولا اجتنابٌ للكبائر ، ولا تَرْكٌ للصغائر ، ولا دَفْعٌ للكفارات!!
ليَعْمَلوا ما شاؤوا من الذنوبِ الكبيرةِ والصغيرة ولا يخافوا ، فالمسيحُ الفادي فَداهم وفَدى ذنوبَهم بنفسِه!.
اعتبرَ الفادي المفترِي القرآنَ مخطِئاً عندما دَعا المسلمين إِلى تَجَنُّبِ الكبائر ، وإِلى فعْلِ الحسنات ، وإِلى التوبةِ والاستغفار ، هذا كلُّه لا داعيَ له ،
والبركةُ في المسيحِ الفادي ، الذي فداهم بنفسه!!.
واستشهدَ الفادي المفترِي على هذا الفداءِ العجيبِ بالقرآن ، حيثُ أَخْبَرَ أَنَّ اللّهَ جعلَ المسيحَ آيةً ورحمة.
قال تعالى : *وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا *21*.
فالمسيحُ رحمةٌ من اللّهِ للناس ، لأَنه فَداهم بنفسِه ، ورضيَ أَنْ يُقْتَلَ ويُصْلَبَ ليخلِّصَهم من ذنوبهم!!.
وهذا فهمٌ خاطئ وتفسيرٌ منحرفٌ للآية ، فاللّهُ أَخبرَ أَنه سيجعلُ المسيحَ - عليه السلام - آيةً منه للناس ، لأَنه خَلَقَه بدونِ أَب ، وبغيرِ الطريقةِ المعتادةِ للولادةِ والنَّسْل ، فكانَ خَلْقُه ونُمُوُّه في رَحِمِ أُمّه آيةً دالَّةً على وحدانيةِ اللّهِ وقدرتِه.
واللّهُ جعلَه رحمةً منه للناس ، وليستْ رحمةُ الناسِ به لأَنه فدى الناسَ بدمِه ، وقُتِلَ وصُلِبَ من أَجْلِهِم ، فهذا لم يَحْصُل ، وهو الآنْ حَيّ في السماءِ..
إِنما هو رحمةٌ لهم بنبوتِه ورسالتِه ، وبالإِنجيلِ الذي أَنزلَه اللّهُ عليه ليكونَ هدىً للآخَرين.
وكلُّ رسولٍ أَرسلَه اللّهُ رحمةً للذينَ أُرسلَ إِليهم.
ولهذا خاطَبَ اللّهُ رسولَنا محمداً - صلى الله عليه وسلم - بهذا ، فقالَ له : *وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *107*.
وأَكَّدَ الفادي فِكْرَه الكنسيَّ في جعْلِ قَتْلِ عيسى وصَلْبِه - كما يَفهمُ النَّصارى - توفيقاً بين عَدْلِ اللّهِ في القصاصِ ورحمتِه بالعفو!
قال : " والمسيحيةُ تَكشفُ الستارَ عن حكمةِ اللّهِ المطْلَقَة ، فعن طريقِ قُدرةِ اللّهِ غيرِ المحدودة جاءَ التّجَسُّدُ ، وعن طريقِ الصلبِ جاءَ التوفيقُ بين عدلِ اللّهِ الكاملِ ورحمتِه الكاملة.
قالَ الإِنجيل : " إِنَّ الناموسَ بموسى أُعْطيَ ، أَما النعمةُ والحقّ فبيسوعَ المسيحِ صارا.. " أيوحنا : 1/ 17 ، ".
إِننا نرفضُ هذا الفكْرَ الكنسيَّ حولَ الخَلاصِ والتكفيرِ والفداء ، لأَننا نؤمنُ أَنَّ اللّهَ عَصَمَ رسولَه عيسى - عليه السلام - من أَعدائِه ، فلم يَقْتُلوه ولم يَصلبوه ، فليسَ هناك قَتْلٌ ولا صَلْبٌ ولا فداءٌ ولا تكفير!!.
وهذا معناهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عصى أَو أَذْنَبَ عليه أَنْ يَتوبَ إِلى اللّهِ ويَستغفرَهُ ،
ليغفِرَ اللّهُ له ذَنْبَه ، وعليه أَنْ يجتنبَ الكبائرَ ليكُفِّرَ اللّهُ له الصغائر ، وعليه أَنْ يُكْثِرَ من الحسناتِ التي تُذْهِبُ السيئاتِ.
وقد اعترضَ الفادي المتحاملُ على القرآنِ في تقريرِه أَنَّ الحسناتِ يُذْهِبنَ السيئات ، واعتبرَ هذا لا يَتفقُ مع عدلِ اللّه ، ولا يُريحُ ضميرَ المسلمِ العاصي.
لِنقرأْ قولَه العجيب : " أَمّا قولُ القرآن : *إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ* ، فهو لا يتفقُ مع قَداسةِ اللّهِ وعَدْلِه ، ولا يُعطي الضميرَ راحةً ولا سَلاماً ولا شعوراً بفَرَحِ الغفران ".
وهذا تَوَقّحٌ من الفادي على القرآن ، وتخطئةٌ صريحةٌ له ، واتهامٌ له بأنه لا يَتفقُ مع عدلِ اللّهِ وقداستِه ، ولا أَدري لماذا ؟!
أَليس اللّهُ الرحيمُ هو الذي قضى أَنْ تُذْهِبَ الحسناتُ السيئاتِ ؟ !
وماذا في ذلك طالما أَنه أَمْرُ اللّهِ وقَضاؤُه ؟!
وهو الفَعّالُ لما يُريدُ سبحانه..
أَليس اللّهُ هو العزيزُ الغفور ، الذي يَغفرُ لمن يشاء ؟
أَليس اللّهُ هو التوَّابُ الذي يَتوبُ على عبادِه التّائبين ؟
لماذا يَدَّعي المفترِي أَنَّ هذا كلَّه لا يَتفقُ مع عدلِ اللّه ؟!.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ مفهومَ الذنبِ والتوبةِ والاستغفارِ في الإِسلام لا تُعطي ضميرَ المسلمِ راحةً ولا سَلاماً ولا فرحاً..
وقد نَقَلَ أَقوالاً عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأَصحابه ، كأَبي بكرٍ وعمرَ وعلي - رضي الله عنهم - ، تُعَبِّرُ عن ما كانوا يَعيشونَه من قَلَقٍ واضطرابٍ واكتئابِ وإِحباط..
وهذه الأَقوالُ مكذوبةٌ لم تَصْدُرْ عنهم ، أَو لعلَّ بعضَها صَدَرَ عنهم لَكنَّ الفادي المفترِي أَساءَ فَهْمَها وتأْويلَها وتفسيرَها.

ما هي مصادر القرآن البشرية ؟
يَرى الفادي المفترِي أَنَّ القرآنَ ليس كلامَ اللّه ، وِإنما أَخَذَهُ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - من مصادِرَ بشريةٍ حولَه! وزَعَمَ أَنَّ القرآنَ لا يَثبتُ أَمامَ التدبرِ والبحثِ والفحص.
__________
*1* وهل من العدل أن يتحمل المسيح ذنوب الخلق ، هذا منطق لا ترتضيه البهائم؟؟!!!.
وقد دَعانا اللّهُ أَنْ نتدبَّرَ القرآنَ لمعرفةِ تناسُقِه وصحَّحِه وصَوابِه ، وخُلُوِّهِ عن الخطأ والتناقضِ والاختلافِ والاضطراب ، وذلك في قولِه تعالى : *أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا *82*.
وعلق الفادي على الآية بقوله : " وهل يَحتملُ القرآنُ التدبُّرَ والفحصَ ؟
وهل يَقبلُ المسلمونَ مبدأَ البحثِ للوقوفِ على حَقيقةِ القرآن ؟..
لقد دَلَّت الأَبحاثُ أَنَّ محمداً أَخَذَ القرآنَ وشرائعَه من الصابئين ، وعربِ الجاهلية ، واليهودِ ، والمسيحيين ، وعن تَصَرُّفاتِه التي جعلَها سُنَّةً لغيرِه ".
هكذا إِذن! القرآنُ في نظرِ المفترِي لا يَصْمُدُ أَمامَ الفحصِ والبحثِ والتدبُّر! وقد دَلَّت الأَبحاثُ على أَنَ القرآنَ بشريُّ المصدر ، أَخَذَهُ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الناس الذين حولَه ، كالعربِ واليهودِ والصابئين..
ولم يُخْبرنا الفادي المفتري من هم الذينَ قاموا بتلك الأَبحاث ، ولا كيفيةَ قيامِهم بها ، ولا مكانَها وزمانَها ونتائجَها.
وللتَّدليلِ على دَعواهُ عَرَضَ نماذجَ من ما أَخَذَهُ محمدٌ عن كل من :
الصابئين والعربِ واليهودِ والنصارى وعاداتِه الشخصية! لِننظرْ في النماذجِ التي قَدَّمَها :
أولاً : ما أَخذه عن الصابئين :
زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - اعتبرَ الصابئين أَصحابَ دينٍ سماوي ، وأَدخلَهم الجنة ، فقال : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *69*.
وقال أَيضاً بنفسِ الفكرةِ في سورة البقرة *61* ، وسورة الحج *17* ...
هل هذه الآيةُ اعترافٌ بدينِ الصابئين ، وتَقريرٌ أَنهم على حق ، وأَنهم من أَهلِ الجنة ؟
إِنها تَذْكُرُ الصابئين مع اليهودِ والنصارى ، فهل كُلُّ اليهودِ مؤمنون في الجنة ؟
وهل كُلُّ النصارى مؤمنونَ في الجنة ؟
كلا.
لا يُعْتَبَرُ مؤمناً مَقْبولاً من الصابئين واليهودِ والنَّصارى إِلّا مَنْ اَمنَ باللّهِ واليومِ الآخرِ وعملَ صالحاً!.
ومتى يكونُ الإِيمانُ باللّه صَحيحاً كاملاً ؟
لا يَكونُ صحيحاً مقبولاً إلا إذا آمنَ صاحبُه بكلِّ رسلِ اللّهِ وأَنبيائِه ، وبكلِّ كتبه ، فمنْ لم يؤمنْ بنبوةِ رسولٍ من رسلِه لم يُقْبَلْ إِيمانُه كُلُّه ، ومَنْ لم يُؤْمِنْ بأَحَدِ كُتُبه التي أَنزلَها على رسلِه لم يُقْبَلْ إِيمانُه كُلُّه..
فهل الصابئون واليهودُ والنصارى يؤمنونَ بكلِّ كُتُبِ اللّه ورسلِه ؟
الجوابُ بالنفي!!.
لا يؤمنُ الصابئونَ بدينِ اليهودِ والنصارى والمسلمين ، فهم كافرونَ مُخَلَّدونَ في جهنم..
ولا يؤمنُ اليهودُ بدينِ النصارى ، وينكرونَ رسالةَ عيسى وكتابَه الإِنجيلَ ، كما يُنكرونَ رسالةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - والقرآنَ المنزَّلَ عليه.
فهم كفارٌ لم يؤمنوا باللّهِ حقّاً..
أَمّا النَّصارى فإِنهم لا يؤمنون باللّهِ حَقّاً ، لأَنهم لا يؤمنونَ أَنَّ القرآنَ كَلامُ اللّه ، ولا أَنَّ محمداً هو رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
أَما نحنُ المسلمين فإِنَّنا وَحْدَنا الذين نؤمنُ باللّهِ حَقّاً ، ونُحققُ أَركانَ الإِيمانِ كاملة ، فإِننا نؤمنُ بكُل الرسلِ الذين أَرسلَهم اللّه ، وفي مقدمتِهم موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ، ونؤمنُ بكلِّ الكتبِ التي أَنزلها اللّه ، ومنها التوراةُ والإِنجيلُ والقرآن.
وعندما ننظرُ في الآيةِ موضوعِ الحديث ، فإِننا نَراها تُقَدِّمُ لنا المسلمين باعتبارِهم الأُمَّةَ التي حَقَّقت الإِيمانَ الصحيحَ الكامل ، أَمّا الأُمَمُ الأُخرى فإِنَّ الواحدةَ منها لا تُقْبَلُ إِلّا إِذا كانَ إِيمانُها مثْلَ إِيمانِ المسلمين.
قال تعالى : *فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا*.
وتتكوَّنُ الآية ُ من جملتَيْن : الجملة الأُولى : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا*.
والمرادُ بالموصولِ وصلَتِه *الَّذِينَ آمَنُوا* المسلمون.
وخَبَرُ " إِنَّ " محذوف ، والتقدير : إِنَّ المؤمنين مفلحون ...
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *69*
والجملة الثانية : *وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ*..
فالواوُ في : *وَالَّذِينَ هَادُوا* حرفُ استئناف وليسَ حرفَ عَطْف.
*وَالَّذِينَ هَادُوا* مبتدأ.
*وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى* معطوفٌ عليه.
والخَبَرُ هو : *مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ*.
ومعنى هذه الجملةِ الاسمية : *وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ* : المؤمنونَ من هذهِ الطوائف : اليهود والصابئين والنصارى ، هم الذينَ آمَنوا باللّه واليوم الآخر..
ولَنْ يَكونوا مؤمنين باللّهِ حقّاً إِلّا إِذا آمَنوا بكلِّ كتبِه وخاتمِها القرآنِ ، وآمَنوا بكلِّ رسلِ اللّه ، وخاتمِهم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
وليسَ في هذه الآية ثناءٌ على الصابئين ، وشهادةٌ لهم بأَنهم من أَهلِ الجنة ، كما زَعَمَ الفادي المفترِي *1*.
وكَذَبَ الفادي المفترِي عندما زَعَمَ أَنَّ الإِسلامَ أَخَذَ عقيدتَه عن الصابئين! وذلك في قوله : " وقد نَقَلَ الإِسلامُ عنهم عقائدَهم ، المعمولَ بها فيه إِلى الآن!!".
ولم يَجِد المفترِي دَليلاً على دعواهُ الكبيرةِ الضالّة ، إِلّا كَلاماً مُجْمَلاً نقلَه من كتاب " بلوغ الأَرَب في أَحوالِ العرب " للآلوسي ، ولم يُقَدِّم الآلوسي دَليلاً على كلامِه ، واكتفى بادِّعاءِ أَنَّ للصابئةِ خمسَ صلواتٍ مثْلَ صلواتِ المسلمين ، ويُصَلُّونَ على الجنازةِ مثلَ صلاةِ المسلمين عَلَيْها ، ويصومون ثلاثينَ يوماً مثلَ المسلمين ، ويتوجَّهون في صلاتهم نحو الكعبة ، ويُحَرِّمونَ الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزير ، ويُحَرِّمونَ زواجَ المحرمات من القريبات مثل المسلمين!!
وَهَبْ أَنَّ هذا الكلامَ صحيحٌ فهل مَعْناهُ أَنَّ الإِسلام أَخَذَ عنهم عقائِدَهم ؟
إِنَّ " الصابئينَ " فرقةٌ صغيرةٌ قليلةُ العدد ، لا يتجاوزُ عَدَدُ أَفرادِها بضعةَ آلاف ، وهم مُقيمونَ في العراق ، ولعلَّهم تَأَثَّروا بالإِسلام على مَدارِ التاريخِ الإِسلامي ، فأَخذوا منه بَعْضَ أَحكامِه وتَشريعاتِه..
أَمّا أَنْ يكونَ الإِسلامُ هو الذي أَخَذَ
__________
*1* المعنى كما قاله المحققون : كل هؤلاء الفرق إن آمنوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم وأزال ذنبهم ، حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضاً كذلك.. والله أعلم.
عنهم عقائِدَهم وأَحكامَهم ، فهذا ادعاءٌ كبيرٌ ليس عليه دَليل.
وبهذا نَرى أَنَّ القرآنَ لم يَأخُذْ من الصابئين شيئاً ، وأَنَّ الفادي كاذبٌ مُفْتَرٍ عندما ادَّعى ذلك!!.
ثانياً : ما أَخَذَه عن عرب الجاهلية :
نَقَلَ الفادي المفترِي أَقوالاً عن بعضِ العلماءِ المسلمين عن أَحوالِ العربِ الجاهليِّين الدينية ، مثلِ الشهرستاني في المِلَلِ والنَحَل ، والآلوسي في نهايةِ الأَرب ، وزَعَمَ أَنَّ الإِسلام جاءَ بها واعتَمَدَها ، وأَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَها عنهم ، وبذلك صارَتْ حياةُ العربِ الجاهليةُ من مصادرِ القرآن ، وهذا معناهُ أَنَّ القرآنَ من عندِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وليس من عندِ اللّه!!.
ومما نَقَلَه عن الشهرستاني والآلوسي عن أحوال العرب الدينيةِ في الجاهليةِ : كانوا يُحَرّمونَ الجمعَ بين الأُختين ، ويُحَرِّمونَ نِكاحَ زوجةِ الأَب ، ويَحُجّون ويَعْتَمرون ، ويَطوفون ويَسعون ، ويَغْتسِلون من الجنابة ، ويقومونَ بتقليمِ الأَظفار ، ونَتْفِ الإِبْط ، وحَلْقِ العانة ، ويَقْطعون يَدَ السارقِ اليمنى..
وكانوا يَلتزمونَ بدينِ إِبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وكانوا يُوَحِّدونَ اللّهَ ولا يُشركونَ به أَحَداً ، ويُصَلّون ويَصومون ويُزَكّون ويَحُجّون ، ثم طَرَأَ عليهم الشركُ بعد ذلك.
وليس غريباً أَنْ يَلتزمَ العربُ الجاهليّون بدينِ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ - عليهما السلام - فقد بَعَثَ اللّهُ إِسماعيلَ رسولاً إِليهم - عليه السلام - ، والبيتُ الذي بَناهُ إِبراهيمُ وإسماعيلُ - عليهما السلام - ما زالَ موجوداً بينهم ، وقد كانوا مُوَحِّدينَ للّه فترةً من الزمان ، ثم طرأَ عليهم الشركُ بعد ذلك ، عندما أَدخَل عمرُو بنُ لُحَيّ عبادةَ الأَصنامِ عليهم ، ووضعَ الأَصنامَ في الكعبة ، وحَتّى بعد شِرْكِهم باللّه ، بقيتْ فيهم بعضُ الأَحكامِ والقيمِ والأَعرافِ الصحيحة ، التي أَخَذوها عن شريعةِ إِسماعيلَ - عليه السلام -.
وليس غريباً أَنْ يأتيَ الإِسلامُ بتلك الأَحكامِ والتشريعات ، وأَنْ يكونَ مُصَدِّقاً لها ، لأَن اللّهَ بعثَ إِسماعيل - عليه السلام - رسولاَ ، كما بَعَثَ محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسولاً ، فالشريعةُ التي جاءَ بها إِسماعيلُ هي من عندِ اللّه ، والشريعةُ التي جاء بها محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هي من عندِ اللّه أَيضاً ، والشرائعُ التي بَعَثَ اللّهُ بها الرسلَ يُصَدِّقُ بعضُها بعضاً ، مع أَنَّ كُلَّ شريعةٍ قد تختصُّ بما لم يوجَدْ بالشرائعِ قبلَها.
وقد جاءَ عيسى مُصَدِّقاً لما جاءَ به موسى قبلَه ، عليهما الصلاة والسلام ، قال تعالى : *وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ*.
وجاءَ القرآنُ مُصَدِّقاً وموافقاً لما سَبَقَه من الكتبِ الربانية ، فيما لم يُحَرَّفْ منها ، قال تعالى : *وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ*.
وكونُ القرآنِ مُصَدِّقاً للتوراةِ والإِنجيلِ ليس معناهُ أَنه أَخَذَ حَقائِقَه وأَحكامَه منهما ، ولا يقولُ هذا إِلَّا جاهل متحامل مثلُ هذا الفادي المفترِي.
وكونُ الإِسلامِ موافِقاً لشريعةِ إِسماعيل - عليه السلام - لا يَعني أَنَّ محمداً " - عليه السلام - أَخَذَ رسالتَه من العربِ الجاهليّين ، كما قالَ هذا المفترِي ، إِنما يَعني توافُقَ الرسالتَيْن والشريعتَيْن : رسالةِ إِسماعيلَ وشريعتِه ، مع رسالةِ محمدٍ وشريعتِهِ ، عليهما الصلاة والسلام ، لأنهما من عند اللّه.
ثالثاً : ما أخذه عن اليهود :
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ التوراةَ وأَسفارَ العهدِ القديمِ كانت أَحَدَ مصادرِ القرآن ، وأَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ القصصَ الكثيرةَ التي سَجَّلَها في القرآنِ عن أَسفارِ العهدِ القديم!! وهذا يَعني أَنها كانَتْ بينَ يَدَيْه ، يقرأُ فيها ويَختارُ منها ، ويَنقلُ عنها ، ويَنسبُها إِلى اللّه! وما كان الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - قارئاً ولا ناقلاً ولا كاتباً.
وأَشارَ اللّهُ إِلى أُمّيَّتِه الدالةِ على نبوَّتِه ورسالتِه ، فقالَ تعالى : *وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ *48*.
ولْنقرأْ دعوى الفادي الباطلة ؟
قال : " في التوراةِ قصةُ آدمَ وقابيل وهابيلَ ونوحٍ وإِبراهيمَ وإِسماعيلَ وإِسحاقَ ولوطٍ ويوسفَ وموسى وفرعونَ وبني إِسرائيل والمَنِّ والسَّلوى والوصايا العشر والتّابوت ، وشريعةِ العين بالعين والذبائح ، وقصة الجواسيس وقورحَ وبلعامَ وجَدعونَ وصموئيلَ وشاولَ وداودَ وسليمانَ وإِيليا واليشعَ وأَيوب.
واقتطفَ القرآنُ من أَقوالِ دوادَ وأَشعياءَ وحزقيالَ ويونان وغيرهم.
وقال : *وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ *196* ".
القَصَص المذكورةُ في القرآنِ أَخَذَها محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من التوراة ، في زعْمِ هذا المفتري ، ودليلُه على هذه الدعوى وجودُ تلك القَصصِ في التوراةِ ووجودُها في القرآن ، وهذا يعني أَنَّ الكتابَ المتأَخِّر أَخَذَها من الكتابِ المتَقَدِّم!!.
وعندما ننظرُ في حديثِ القرآنِ عن القصةِ من قَصَصِ السابقين وحديثِ التوراةِ عنها فإِننا نجدُ فَرْقاً واضِحاً بين الحديثَيْن ، ولا يَلْتَقيانِ إِلّا في ذكْرِ عنوانِ القِصَّةِ ومُجْمَلِها ، ولكنَّهما يَختلفانِ في التفاصيل ، ويَظهرُ هذا في كلِّ قصةٍ ذَكَرَها القرآن ، كقصةِ آدمَ وقصةِ نوحِ وقصةِ إبراهيمَ وقصةِ يوسف وقصة موسى!.
والفادي نفسُه اعترفَ بالفَرْقِ بين حديثِ القرآنِ وحديثِ التوراةِ عن قَصَصِ السابقين ، واعتبرَ هذا الفرقَ دليلاً على وُقوعِ الأَخطاءِ التاريخيةِ في القرآن ، وسَبَقَ أَنْ ناقَشْناه في تلك الادِّعاءات.
وعجيبٌ موقفُ هذا الفادي وفهمُه الأَعوج ، فإِذا وافَقَ القرآنُ التوراةَ في حديثِه عن قَصصَ السابقين قال : أَخَذَ محمدٌ القرآنَ عن التوراة ، ونَقَلَ ما فيها!
وإِذا خالَفَ القرآنُ التوراةَ في بعضِ التفاصيل قال : أَخطأَ القرآنُ في حديثِه لأَنه خالَفَ التوراة!! المهمّ أَنَّ القرآنَ عندهُ متَّهَمٌ على كلِّ حال ، سواءٌ وافَقَ التوراةَ أَو خالَفَها!.
إِنَّ وجودَ فروقٍ بينَ حديثِ القرآن وحديثِ التوراةِ عن قَصَصِ السابقين دليلٌ على أَنَّ القرآنَ وحيٌّ من عند اللّه ، ولو كانَ من تأليفِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - لَنَقَلَ كُلَّ ما وَجَدَهُ أَمامَه ، سواء كانَ خَطَأً أَوْ صَواباً.
وأَشارَ القرآنُ إِلى هذهِ الحقيقة ، واعتبرَ ذِكْرَ أَحداثِ القصةِ في القرآنِ دليلاً على أَنه من عندِ اللّه.
قال تعالى في خاتمةِ قصةِ نوح في سورةِ هود :
*تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا*.
وقالَ في خاتمةِ قصةِ يوسف : *ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ *102*.
وقالَ في حديثِه عن قصةِ موسى : *وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ *44* وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ *45* وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ*.
ومن مُغالطاتِ الفادي المفترِي أَنه أَرادَ أَنْ يَجعلَ القرآنَ نفسَه شاهداً
على أَنه مأخوذٌ من التوراة ، فَذَكَرَ قولَه تعالى : *وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ* ، شاهداً على ذلك.
قَطَعَ الآيةَ عن سياقِها ليُسيءَ الاستدلالَ بها ، وهي واردةٌ في سياقِ آياتٍ تتحدَّثُ عن مصدرِ القرآن ، وتَجزمُ بأَنه من عندِ اللّه.
قال تعالى : *وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *192* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ *193* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *194* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ *195* وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ *196* أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ *197*.
وليس معنى قوله : *وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ* أَنَّ مادةَ هذا القرآن مأخوذةٌ من زُبُرِ الأَوَّلين ، وكتبِ الأَنبياءِ السابقين ، كالتوراةِ والزبور والإِنجيل ، ولكن معناها أَنَّ القرآنَ مُصَدِّقٌ للكتبِ الربانيةِ السابقة ، المنزَّلَةِ على الأَنبياءِ السابقين ، وموافقٌ لها في ما قَدَّمَتْه من حقائقَ عقيديةٍ وأَخلاقيةٍ وعلمية.
رابعاً : ما أخذه عن النصارى :
زَعَمَ الفادي أَنَّ الإِنجيلَ كان أَحَدَ المصادرِ التي أَخَذَ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - منه مادَّةَ القرآن! وقالَ في زعمه : " أَخَذَ القرآنُ عن الإِنجيلِ قصةَ بشارةِ الملاكِ لزكريا عن يوحَنّا ، وقصةَ بشارةِ المَلاكِ لمريمَ العذراءِ عن ميلادِ المسيح ، وعن اسمِه الكريمِ كلمةِ اللّه ، وعن مَسْحِه بالروحِ القُدُس وتعاليمِه ، ومعجزاتِه من حيثُ شفاءُ الأَبرص ، وتفتيحُ عينِ الأَعمى ، وإِقامةُ الموتى ، ورفضُ اليهودِ له ، وموتُه ، وارتفاعُه للسماء ، وشهادةُ الرسلِ والكنيسةِ والقساوسة..
واقتطفَ من أَقوالِ بولس الرسول من رسائِلِه لأَهْلِ رومية وكورنثوس وغلاطية وفيلبي وتسالونيكي والعبرانيين..
واقتطفَ من أَقوالِ يعقوب الرسول وبولس الرسول ويوحَنا الرائي.. ".
وما قلناهُ في المبحثِ السابقِ نقولُه هنا ، فالقرآنُ موافقٌ للإِنجيلِ الحَقِّ الذي أَنزلَه اللّهُ على عيسى - عليه السلام - ، ومُصدِّقٌ له ، لأَنَّ الاثنينِ من عندِ اللّه ، وكُتُبُ اللّهِ يُصَدِّقُ بعضها بعضاً ، وتتوافقُ فيما تَعرضُه من معلوماتٍ وأَخبارٍ وحقائق.
صَدَّق القرآنُ الإِنجيلَ في الإِخبارِ عن بشارةِ زكريا بيحيى - عليهما السلام - ، وعن نَذْرِ أُمِّ مريمَ وولادتِها لها ، وعن بشَارةِ مريمَ بعيسى ، ومجيءِ جبريلَ - عليه السلام - لها ، وعن حملِها بعيسى وولادَتِه ، وعن كونِ عيسى - عليه السلام - عبدَ اللّهِ ورسولَه ، وعن آياتِه التي آتاهُ اللّهُ إِياها ، وعن دعوتِه لبني إِسرائيل ، وعداوتِهم له ، ومحاولتِهم صلْبَه ، وإِنجاءِ اللّهِ له ، وعن تبشيرِه بالنبيِّ الخاتمِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم.
ومع كونِ القرآنِ مُصدِّقاً للإنجيل في هذه الموضوعات ، إِلّا أَنَّ هناكَ فروقاً بين القرآنِ والأَناجيلِ الموجودةِ في ذكْرِ بعضِ التفصيلات ، ولعلَّ السببَ في ذلك هو تَحريفُ النصارى لأَناجيلِهم ، وإِضافةُ كلامِهم إِلى كلامِ اللّه فيها ، وتَسَرُّبُ الخطأ إِليها ، ولذلك لا يُتابِعُها القرآنُ في تلك الأَخطاء!!.
ووجودُ هذه الفروقِ بين القرآنِ والأَناجيلِ دليلٌ على أَنَّ القرآنَ وَحْيٌ من عندِ اللّه ، فلو أَخَذَ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - مادَّتَه من الأَناجيلِ لأَخَذَ كُلَّ ما فيها ، سواء كان خَطَأً أَو صواباً! وهذا أَمْرٌ يعترفُ به كلُّ مُنْصفٍ محايد ، يُفكرُ بعقلِه ويَبحثُ عن الحق!!.
خامساً : ما أخذه من تصرفاته :
زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - مَلَأَ القرآنَ بأَخبارِه وسيرتِه وتصرفاتِه وأَعمالِه.
قال : " يَحوي القرآنُ الكثيرَ من أَحوالِ محمدٍ الشخصية ، التي جعلَها سُنَّةً لأَتْباعِه ، فَذَكَرَ فيه غزواتِه وحوادثَ زوجاتِه ، عائشة وزينب وخديجة ومارية القبطية وحفصة وأم هانئ وغيرهن..
ودَوَّنَ ما أَصابَه من أَثَرِ السِّحْرِ وتعوُّذاتِه منه ، وسَجَّلَ بعضَ أَقوالِ الصحابة ، وقالَ : إِنها تنزيلُ الحكيم العليم!! ".
إِنَّ مزاعمَ الفادي باطلةٌ تافهة ، فالقرآنُ ليس " سيرةً ذاتيةً " لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، سَجَّلَ فيها تفاصيلَ حياتِه ودقائقَ أَعمالِه ، وليس كتابَ " مذكَّرات " ، دَوَّنَ فيها كلَّ ما جرى له ، كما يفعلُ الذين يكتبونَ مُذَكَّراتِ حياتِهم!! وإِنَّ الحديثَ عن حياةِ الرسولِ الخاصةِ - صلى الله عليه وسلم - قليلٌ في القرآن.
فقد حَزِنَ - صلى الله عليه وسلم - كثيراً لموتِ زوجِه خديجةَ - رضي الله عنها - قبلَ الهجرة ، حتى سُمِّيَ ذلك العامُ عامَ الحزن ، وحَزِنَ لموتِ ابنِه إِبراهيمَ بعد الهجرة..
ولم يَتحدث القرآنُ عن موتِهما ، ولا عَنْ حُزْنِ الرسولِ - عليه السلام - ، ولو كان القرآنُ من تأليفِه لوجَدْنا فيه صفحاتٍ في رثائِهما ونعيِهما ومشاعرِه تجاههما!.
أَمّا حديثُ القرآنِ عن جهادِ الرسولِ - عليه السلام - لأَعدائِه فهذا لا غرابةَ فيه.
فقد تَحَدَّثَ القرآنُ عن دعوةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وتبليغِه ، وعن موقفِ أَعدائِه المشركين
والمنافقينَ واليهودِ منه ، وعن مواجهتِهم له ، ومحاولاتِهم القضاءَ عليه وعلى دعوتِه ، وعن جهادِه لهم وانتصارِه عليهم ، وجَعَلَ ذلك كُلَّه عِبرةً وعِظَةً لأَصْحابِه الذين عاشوا معه ، والمؤمنينَ الذين سيأتونَ من بعدِه ، ولذلك قال تعالى في تعقيبِه على أَحداثِ إِجلاءِ بني النضير : *فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ *2*.
إِنَّ القرآنَ كتابُ تعليمٍ وتوجيه ، وكتابُ هدايةٍ وبَيان ، وكتابُ تربيةٍ وتزكية ، وكتابُ تشريعٍ وتكليف ، وكتابُ جهادٍ ومواجهة ، وحَفقَ القرآنُ هذه المقاصدَ الحيةَ بمختلفِ الوسائلِ والأَساليب ، ومنها ذِكْرُ أَحوالِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وأَحوالِ أَصحابِه وأَحوالِ أَعدائِه ، وجعلَ ذلك وسيلةً لبيانِ فضْلِ اللّهِ على المسلمين ، ومعيتِه لهم ، وحفظِه لهم ورعايتهم ، وتوجيهِهِم إِلى محبةِ اللّهِ وذكْرِهِ وشكره.
وقد أَخطأَ الفادي المفترِي عندما عَدَّ أُمَّ هانئ - رضي الله عنها - ضمنَ أَزواجِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، مع أَنه لم يتزوَّجْها.
وكَذَبَ كِذْبَةً فاجرةً عندما ادّعى أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - سَجَّلَ في القرآنِ بعضَ أَقوالِ الصحابة ، زاعِماً أَنها وحيٌ من اللّهِ إِليه! ونتحدّاهُ
أَنْ يُثبِتَ هذا الافتراء!!.

هل صلاة الجمعة من تشريع الجاهلية ؟
اعترضَ الفادي المفترِي على مشروعيةِ صلاةِ الجمعةِ في القرآن ، وادّعى أَنها منْ تَشريعِ الجاهلية.
وقد أَمرَ اللّهُ المؤمنين بصلاةِ الجمعةِ في قوله تعالى : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *9* فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *10* وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ *11*.
نَقَلَ الفادي عن تفسيرِ البيضاويِّ أَنَّ يومَ الجمعةِ في الجاهليةِ كان يُسَمّى يومَ العَروبَة ، وقيلَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَمّاهُ يومَ الجمعة كعبُ بنُ لُؤَيّ ، أَحَدُ أَجدادِ قريش ، لأَنَّ الناسَ كانوا يَجتمعونَ إِليه فَيحدِّثَهم عند الكعبة.
وقالَ البيضاويُّ :
إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلّاها رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - كانت عندَ قدومِه المدينة حيثُ أدركَتْه صلاةُ الجمعةِ قُبيلَ المدينة ، فصَلّاها في تجمعٍ للمسلمين في وادٍ لبني سالم بن عوف.
وَنَقَلَ عن كتابِ بُلوغِ الأَربِ للآلوسي أَنَّ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ كانَ يَجمعُ قريشاً في ذلك اليومِ حولَ الكعبةِ ، ويَخطبُ فيهم ، ولذلك سماهُ يومَ الجُمُعة.
وعَلَّقَ الفادي الجاهلُ على ذلك النقل بقولِه : " فيومُ الجمعةِ مصدَرُه عَرَبُ الجاهلية ، ومن وَضْعِ كعبِ بنِ لُؤَي ، وليس من وحيِ السماء ".
نُبادرُ إِلى القول : لم يَثْبُتْ بروايةٍ معتمدةٍ ما قالَه البيضاويُّ والآلوسيُّ عن وجودِ اسمَيْن ليومِ الجمعة ، وعن سببِ تغييرِه من يومِ العَروبة إِلى يومِ الجمعة ، وعن أَنَّ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ أَؤَلُ مَنْ جَمَعَ قريشاً وخطبَ فيهم حولَ الكعبة ، وكانَ هذا قبلَ ولادةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - بعشراتِ السنين.
وبما أَنَ هذا القولَ لم يَثْبُتْ عندنا ، فإِننا نتوقفُ فيه ، فلا نُكَذِّبُه ولا نُصَدّقُه.
وَهَبْ أَنَّ القولَ صحيح ، فإِنه لا يُؤَدّي إِلى النتيجةِ الخاطئةِ التي خرجَ بها الفادي الجاهلُ منه!! وأَقْصى ما يَدُلُّ عليه أَنَّ يومَ الجمعةِ سُمِّيَ بذلك قبلَ ميلادِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - بعشراتِ السنين ، وأَنَّ العربَ الجاهليّين كانوا يَجتمعونَ فيه ويتحدَّثون ا! وأَينَ هذا من مشروعيةِ صلاةِ الجمعة ، التي أَمَرَ اللّهُ المسلمين أَنْ يُؤَدّوها فيه ؟!.
نعمْ مصدرُ يومِ الجمعةِ عربُ الجاهلية ، وهم سَمّوهُ بهذا الاسمِ قبلَ الإِسلامِ بعشراتِ السنين ، كما أَنهم سَمّوا باقي أَيام الأُسبوعِ بأَسمائِها في ذلك الزمنِ البعيد..
ولم يَدَّعِ المسلمونَ أَنَّ اسمَ يومِ الجمعةِ جاءَ وَحْياً من السماء ، حتى يُسَجِّلَ الجاهلُ اعتراضَه وتخطئتَه للقرآن!.
لما بَعَثَ اللّهُ محمداً رسولاً - صلى الله عليه وسلم - وأَنزلَ عليه القرآن ، ْ كانَ هذا اليومُ يُسَمّى يومَ الجمعة ، ولم يُسَمّهِ القرآنُ يومَ الجمعة ، والجديدُ في الأَمْرِ أَنَّ اللّهَ شَرَعَ فيه صلاةَ الجمعة ، وكان تشريعُها قُبيلَ دُخولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ يومَ الهجرة ، ثم أَنزلَ اللّهُ سورةَ الجمعةِ بعد الهجرة ، وأَمَرَ المسلمينَ بأَداءِ الصلاة ، وكان الأَمْرُ في آياتِ سورة الجمعة تأكيداً لمشروعيتِها يومَ الهجرة!.
وبهذا نَعْرِفُ جهلَ الفادي في عدمِ تفريقِه بين اسْمِ يومِ الجمعة الذي سُمّيَ به قبلَ الإِسلامِ بعشراتِ السنين ، وبين مشروعيةِ الصلاةِ فيه ، التي شَرَعَها اللّهُ وأَمَرَ المسلمينَ بها يومَ الهجرة!.
ونقلَ الفادي خَبَرَاً نَسَبَهُ إِلى كتابٍ مجهول ، سَمّاه " السيرة النبوية المَلكيَّة " ، زَعَمَ أَنَّ المسلمينَ هم الذين اقْتَرحوا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ الجمعة.
قال : " وَرَدَ في كتابِ *السيرة النبوية الملكية* أَنه لما هاجَرَ محمدٌ إِلى المدينةِ قال له المسلمون : إِنَّ لليهودِ يَوْماً يَجتمعونَ فيه للعبادةِ وسَماعِ الوعظِ هو يومَ السبت ، وللنصارى يوماً يجتمعونَ فيه للعبادةِ وسَماعِ الوعظ ، ونحنُ المسلمينَ لا يومَ لنا نجتمعُ فيه لعبادةِ اللّهِ تعالى أُسوةً بأَهْلِ الكتاب ، فأَشارَ عليهم بيوم الجمعة ".
وهذا الخَبَرُ موضوعٌ مكذوبٌ باطل ، ولذلك لم يَرِدْ في حديثٍ صحيحٍ أَو حَسَنٍ أو ضَعيف ، وهو يوحي بأَنَّ تشريعَ صلاةِ الجمعةِ بَشَرِيّ ، وليش ربّانيّاً من عندِ اللّه ، خَضَعَ فيه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - لرغبةِ المسلمين ، المتأَثِّرين باليهودِ والنصارى ، فلما طَلبوا منه استجابَ لهم وشرعَ لهم صلاةَ الجمعة!!.
وقد كانَ الفادي خَبيثاً عندما عَلَّقَ على خبرِه الموضوعِ قائلاً : " ونحنُ نَسأل : إِذا كانَ اليهودُ يَجتمعونَ للعبادةِ يوم السبت ، لذكْرِ خَلْقِ اللّهِ العالمَ في ستةِ أَيام ، واستراحتِه في اليومِ السابع ، وإِذا كان النَّصارى يَحفظونَ يومَ الأَحَدِ لذكْرى قيامةِ المسيح فيه ، فما الذي يَجعلُ المسلمينَ يَجتمعونَ يومَ الجمعة ؟
هل لِيُحاكوا أَهْلَ الكتاب ؟
- لِمَ لَمْ يَختاروا اليومَ الذي صنَعَه الربّ ، بل اليومَ الذي وَضَعَتْهُ عربُ الجاهلية ؟! ".
يُريدُ الفادي الخبيثُ من تعليقِه أَنْ يَجعلَ المسلمين مُقَلِّدين لليهودِ والنصارى ، راغبينَ في محاكاتِهم ، فبما أَنَّ اليهودَ والنَّصارى يَجتمعونَ يَوْماً في الأُسبوع فلماذا لا يَفعلُ المسلمون مثلَهم ؟
وهو بهذا يُؤَكِّدُ على بشريةِ القرآن ، وبشريةِ التشريعِ الإسلامي.
وعندما ننظرُ في الآيةِ التي أَمرت المؤمنين بصلاةِ الجمعة ، فَسنجدُها تَكْليفاً مباشِراً من اللّهِ للمؤمنين : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *9*..
فاللّهُ هو الذي خاطَبَهم وكَلَّفَهم وأَمَرَهم ، وشرعَ لهم صلاةَ الجمعةِ في يومِ الجمعة ، ولم يكن الآمِرُ هو الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بناءً على طلبٍ منهم ، كما زَعَمَ الفادي المفترِي!.
وقد أَخْبَرَنا رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ يوم الجمعةِ هو أَفضلُ أَيامِ الأُسبوع ، جعلَه اللّهُ أَفْضَلَ الأَيام قبلَ وجودِ اليهودِ والنصارى ، وأَنَّ اليهودَ والنصارى كانوا مأمورين بيومِ الجمعة ، لكنَّهم تركوه ، فاختارَ اليهودُ السبت ، واختارَ النصارى الأحَد ، وكانوا مُتَّبِعين لهواهم!.
روى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ - رضي الله عنه - عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : " نَحنُ الآخِرون ، السابقونَ يومَ القيامة ، بيد أَنهم أُوتوا الكتابَ من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، وهذا يومهم الذي فَرَضَ اللّهُ عليهم ، فاخْتَلَفوا فيه ، فَهدانا اللّهُ له ، فهم لنا فيه تَبَعَ ، اليهودُ غداً ، والنَّصارى بعدَ غد ".
وروى مسلم عن أَبي هريرة وعن حذيفةَ بنِ اليمان - رضي الله عنهما - قالا : قالَ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - : " أَضل اللّهُ عن الجمعةِ مَنْ كانَ قَبْلَنا ، فكانَ لليهودِ يومُ السبت ، وكانَ للنصارى يومُ الأَحَد ، فجاءَ اللّهُ بنا ، فهدانا اللّهُ ليومِ الجُمُعَة ، فجعلَ الجمعةَ والسبتَ والأَحد ، وكذلك هم تَبَعٌ لنا يومَ القيامة ، نحنُ
الآخِرون من أهلِ الدنيا ، والأوَّلونَ يومَ القيامة ، المقضيُّ بينهم قبلَ الخلائِق ".
وروى مسلمٌ عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال : " خَيْرُ يومٍ طَلَعَتْ فيه الشمسُ يومُ الجمعة ، فيه خُلِقَ آدَم ، وفيه أُدخلَ الجَنة ، وفيه أُخرجَ منها ".
ولا وَزْنَ لكلامِ الفادي المفترِي واعتراضه ، بعدَ هذه الآياتِ الصريحةِ والأَحاديثِ الصحيحة عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، حولَ فَضْلِ يومِ الجمعةِ وصلاةِ الجمعة!.

هل يباح القتال في الأشهر الحرم ؟
جَعَلَ اللّهُ أَربعةَ أَشهر في السنةِ أَشْهُراً حُرُماً ، حَرَّمَ فيها القتال.
وهذه الأَشهرُ هي : ذو القعدة وذو الحجة ومُحرمٌ ورجب.
قالَ تعالى : *إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ*.
واعترضَ الفادي على القرآنِ في حديثِه عن حرمةِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم ، ثم إِباحتِه القتالَ فيها بعدَ ذلك.
قال : " يُحَرِّمُ الإِسلامُ القتالَ والقَتْلَ والثَّأرَ تَحريماً مُطْلَقاً في الأَشْهُرِ الحُرُم ، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم ، مهما كانت الدواعي إِلى ذلك ، ويعودُ أَصْلُ ذلك إِلى عربِ الجاهليةِ قبلَ الإِسلام " !.
وبعدَ أَنْ نَقَلَ كَلاماً للآلوسيِّ في نهايةِ الأَرَبِ أَكَّدَ مُغالَطَتَه واتِّهامَه السابقَ بقولِه : " فالإِسلامُ أَخَذَ هذا التحريمَ عن عربِ الجاهلية ، ولم يَأتِ بجديد ".
وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي في زعمهِ أَخْذَ القرآنِ تشريعاتِه من الجاهلية.
صحيحٌ أَنَّ العربَ الجاهليّين كانوا يُحَرِّمونَ القتالَ في الأَشْهُرِ الحُرُم ، لكنَّ هذا ليسَ تشريعاً منهم ، وإِنما أَخَذوهُ عن شريعةِ إِسماعيلَ - عليه السلام - ، ضمنَ الكثيرِ من الموروثاتِ الدينيةِ التي وَرِثوها عنه - عليه السلام - ، كالحَجِّ إِلى الكعبة..
ولكنَّهم تَلاعَبوا بحرمةِ الأَشهرِ الحُرُمِ بالنسيء ، فإِذا كانَتْ مصلحَتُهم بالقتالِ في أَحَدِ الأَشهرِ الحُرُم ، نَسَؤُوا حُرْمَتَه إِلى شهرٍ آخَر.
وقد ذَمَّهم اللّهُ بقولِه تعالى : *إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ *37*.
ولما جاءَ الإِسلامُ حَرَّمَ النسيءَ الذي كان يمارسُه الجاهليّون ، وثَبَّتَ حرمةَ الأَشهرِ الأَربعةِ الحُرُم.
قال تعالى : *إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ*.
وقد أَكَّدَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - على حُرمةِ الأَشهرِ الحُرُم ، وثَبَّتَها ، ومنعَ النَّسيءَ فيها ، في خطبةِ الوَداع ، التي أَلْقاها يومَ عرفةَ في حَجَّةِ الوداع.
روى البخاريُّ عن أَبي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال : " إِنَّ الزمانَ قد اسْتَدار ، كهيئَتِهِ يومَ خَلَقَ اللّهُ السمواتِ والأَرض ، السنةُ اثْنا عَشَرَ شَهْراً ، منها أَربعةٌ حُرُمٌ ، ثَلاثٌ مُتَواليات : ذو القعدةِ وذو الحجةِ والمحرم ، ورجبُ مضرَ الذي بينَ جمادى وشعبان ".
وبهذا نَعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يأخذْ تشريعَ حرمةِ الأَشهرِ الحُرُمِ عن الجاهليةِ العربية ، وإِنما هو تَشريعٌ ذاتيٌّ منه ، توافَقَ مع شريعةِ إِسماعيل - عليه السلام - ، على اعتبارِ أَنَّ شريعةَ إِسماعيلَ وشريعةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - عندِ اللّه.
وبهذا نعرفُ افتراءَ الفادي في قولِه : " فالإِسلامُ أَخَذَ هذا التحريمَ عن عَرَبِ الجاهلية ، ولم يَأتِ بجديد " !.
وقد افْتَرى الفادي على الإِسلام افتراءً آخَرَ عندما زَعَمَ أَنَّ الإِسلامَ يُحَرّمُ القِتال والقَتْلَ تَحريماً مُطْلَقاً في الأَشهرِ الحُرُم ، مهما كانَت الدواعي : " يُحَرِّمُ الإِسلامُ القَتْلَ والقِتال والثَّأرَ في الأَشهرِ الحُرُم ، مهما كانت الدواعي إِلى ذلك ".
والصحيحُ أَنَّ الإِسلام حرمَ على المسلمين أَنْ يَبْدَؤوا هم بالقتال في الأَشهرِ الحرم ، لكنَّه يُبيحُ للمسلمين أَنْ يُقاتِلوا الكُفارَ في الأَشْهُرِ الحُرُم ، إِذا بدأَ الكفارُ بالقتال ، وعلى هذا قولُه تعالى : *الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ *194*.
ومعنى الآية : التزامُ المسلمينَ بحرمةِ الشهرِ الحرامِ مشروطٌ بالتزامِ المشركين ، لأَنه لا بُدَّ على الطَّرَفِ الآخرِ من الالتزام ، فإِذا لم يلتزم المشركونَ بذلك وهاجَموا المسلمين واعْتَدَوْا عليهم ، كانَ المسلمون في حِلٍّ من الالتزام ، لأَنه لا معنى لأَنْ يُواجِهَ المسلمونَ عُدْوانَ الكافرين بالكَفّ عن قتالِهم والرَّدِّ على عدوانِهم ، لأَنَّ هذا الشهرَ حرام! فالحُرُماتُ قِصاص ، بمعنى أَنَّ المسلمين مُلْتَزمون بحرمَتِها إِذا التزمَ الكفارُ بها ، فإِن انتهكوا حُرْمَتَها واعتَدَوْا على المسلمين ، جازَ للسلمين قتالُهم ، والبادئُ أَظْلَم!.
واستشهدَ الفادي الجاهلُ على حُرْمَةِ الأَشهرِ الحُرُمِ بآيةٍ من سورةِ التوبة ، زَعَمَ أَنها نفسها في سورةِ محمد.
قال : " جاءَ في سورةِ محمد : 4 ، وسورة التوبة : 5 : *فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ*.
وبمراجعةِ سورةِ محمدٍ لم نَجد الآيةَ الرابعةَ فيها بهذا النَّصِّ كما زَعَمَ المفتري ، ونَصُّها هو : *فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا*.
فإِحالةُ الفادي المفتري على آيةٍ ليستْ بالنَّصِّ الذي أَوردَه صورةٌ من صورِ تَحريفِه وتَلاعُبِه بكتابِ اللّه!.
واستشهادُ الفادي بالآيةِ الخامسةِ من سورةِ التوبة على حُرْمَةِ القتال في الأَشهرِ الحُرُمِ دليل على جهلِه ، والراجحُ أَنَّ الأَشهرَ المذكورةَ فيها غيرُ الأَشهرِ الحُرُمِ التي تَحَدَّثْنا عنها.
لقد ذَكَرَ القرآنُ نوعَيْنِ من الأَشهرِ الأَربعةِ الحُرُم :
النوع الأَول : الأَشهرُ الأَربعةُ الحُرُمُ ، التي حَرمَ اللّهُ على المسلمينَ البدءَ بقتالِ الكفارِ فيها ، وأَجازَ لهم الرَّدَّ على عدوانِهم ، وهي : ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب.
والتي ثَبَّتَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - حُرْمَتَها ، ومنعَ النَّسيءَ فيها.
النوع الثاني : الأَشهرُ الأَربعةُ الحُرُم ، التي جعلَها الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - مهلةً للمشركين لتَصويبِ أَوضاعِهم وتَرتيبِ أُمورِهم..
حيثُ سيعلنُ الحَرْبَ عليهم بعد انْقضائِها ، لتطهيرِ الجزيرةِ العربيةِ من الشركِ والكفر.
وهي المذكورةُ في مقدمةِ سورةِ التوبة.
قالَ تعالى : *
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *1* فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ *2* وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *3* إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ *4* فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *5*.
وقد كانَ نزولُ مقدمةِ سورةِ التوبة في أَواخِرِ السنةِ التاسعةِ من الهجرة ، حيثُ وَجَّهَ رسولُ اللِّهِ - عليه السلام - أَبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ليحُجَّ بالمسلمين في موسمِ السنةِ التاسعة ، وبعدما تَوَجَّهَ أَبو بكرٍ - رضي الله عنه - بالحُجّاجِ إِلى مكةَ أَنزلَ اللّهُ على رسولِه - صلى الله عليه وسلم - مطلعَ سورةِ التوبة ، بتحديدِ العهودِ بين رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين ، وإِعطائِهم مُهْلَةَ أَربعةِ أَشهر ، تبدأُ من يومِ عرفةَ من السنةِ التاسعةِ ، لترتيبِ أُمورهم ، حيثُ سيُعلنُ عليهم الحربَ بعد انقضائِها ، لتحريرِ الجزيرةِ العربيةِ من الشرك..
فأَرسلَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عليَّ بْنَ أَبي طالبٍ - رضي الله عنه - ليلحقَ بأَبي بكرٍ - رضي الله عنه - ، ويُخبرَ الناسَ في موسمِ الحج بمضمونِ الآيات.
وكانَ عليٌّ ومعه بعضُ الصحابة يَصيحونَ في تَجَمُّعاتِ الحُجّاجِ في عرفاتٍ ومِنى ومكةَ بمضمونِها.
قالَ عليّ بنُ أَبي طالب ل لمحبه : بَعَثَني رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - في موسم الحَجّ أُنادي في الناسِ بأَربعةِ أُمور : لا يَدخلُ الجنةَ إِلّا نفسٌ مؤمنة ، ولا يَحُجَّ بعدَ هذا العامِ مشرك ، ولا يَطوفُ بالبيتِ عريان ، ومَنْ كانَ بينه وبينَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - عهدٌ فمدَّتُه أَربعةُ أَشهرٍ فقط.
وكان بدءُ الأَربعةِ أَشهرٍ المذكورةِ في قوله تعالى : *فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ* هو العاشرَ من ذي الحجة من السنةِ التاسعة ، وتنتهي في العاشرِ من شهرِ ربيعِ الثاني من السنةِ العاشرة!!.
والذي حَصلَ أَنَّ كُل القبائلِ العربيةِ أَسلمتْ في كُلِّ الجزيرةِ العربيةِ خلالَ الأَشهرِ الأَربعة ، وبَعَثَتْ وُفودَها ومَندوبيها إِلى رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - في عامِ الوفود ، وهو السنةُ العاشرةُ من الهجرة.
ولكنَّ الفادي الجاهلَ لا يَعرفُ هذه المعلومات ، فجعلَ الأَربعةَ أَشهرٍ المذكورةَ في الآيةِ الخامسةِ من سورة التوبة ، هي نفسَها الأَربعةَ أَشهرٍ المذكورةَ في الآيةِ السادسة والثلاثين من السورة!!.
وقد تَوَقَّحَ الفادي المجرمُ على الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، وشَتَمَهُ وشَتَمَ الإِسلامَ والقرآن ، وذلك في قولِه الفاجر : " ...
فالإِسلامُ أَخَذَ هذا التحريمَ عن عربِ الجاهلية ، ولم يأتِ بجَديد..
وأَمّا الجديدُ في الأَمْرِ فهو أَنه بعد أَنْ وافَقَ الإِسلامُ العربَ على الأَشهرِ الحُرُمِ التي جَعلوها فُرصةً للسَّلامِ والتعايشِ والهدوءِ النِّسْبِيّ ، وجعلَ هذا التحريمَ شريعةً من اللّه ، رأى محمدٌ أَنَّ هذا يَتعارضُ مع رغبتِه في الغزوِ والانتقام ، فَغَدَرَ بأَعدائِه ، وأَباحَ ما سبق تحريمُه ، وناقَضَ نفسَه بقولِه في سورة البقرة : *يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ* ...
تَأَمَّلْ مَعَنا الجُمَلَ الخبيثةَ في كلامه ، التي هاجَمَ فيها الإِسلامَ والقرآن ، وأَصَرَّ على بشريةِ القرآن ، وأَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَهُ من عربِ الجاهلية ، ثم نَسَبَهُ إِلى اللّه ، وجَعَلَ أحكامَه شريعةً من اللّه! وتَأَمَّلْ شَتْمَهُ للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ، عندما زَعَمَ أَنَّ رغبَتَه قائمةٌ على الغزوِ والانتقام ، وَوَصَفَهُ بالغَدْرِ! وناقَضَ نفسَه حيثُ أَباحَ ما سبقَ أَنْ حَرَّمَه على نفسِه من القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم.
وزَعَمَ الفادي المجرمُ أَنَّ القرآنَ من تأليفِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، حيثُ قال : " وناقَضَ نفسَه بقولِه في سورةِ البقرة ... ".
أَيْ أَنَّ سورةَ البقرةِ من تأليفِه ، والقرآنَ كُلَّه من تأليفِه..
وكُلُّ كتابِ الفادي المفترِي يُؤَكِّدُ على تكذيبِه القرآن ، ونَفْيِ أَنْ يكونَ من عندِ اللّه ، وتأكيدِ أَنه من كلامِ وتأليفِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك وَقَعَ في الأَخطاءِ والتناقُض إ!.
وَوَصْفُ الفادي الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بالغَدْرِ دليلٌ على بذاءَتِه ووَقاحتِه ، وقد شهدَ أَبو سفيانَ الذي كانَ زعيمَ مكةَ الكافرة وأَشَدَّ الناسِ عداوةً لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بأَنه لم يَغْدِر.
فعندما سَأَلَه هِرَقْل : هل يَغْدِر ؟
أَجابَه قائلاً : إِنه لا يَغْدِر!.
ويأتي هذا الدَّعِيُّ المفترِي اليومَ ليقولَ : إِنه يَغْدِر!!.

ما هو أصل التكبير ؟
يَرى الفادي المفترِي أَنَّ أَصْلَ التكبيرِ جاهليّ ، وأَنَّ الجاهليّين كانوا يقولون : اللّهُ أَكبر!.
أَوردَ قولَ اللّهِ - عز وجل - : *وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا *111*.
ومعنى قولِه : " كبره تكبيراً " : قل : اللّهُ أَكبر!.
كما أَوردَ قولَ اللّهِ في الإِخبارِ عن ما جرى بينَ إِبراهيمَ - عليه السلام - وبينَ قومِه ، عندما أَبْطَلَ كونَ الكواكبِ اَلهة : *فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ *78*.
وفَهِمَ الفادي الجاهلُ من كلامِ إِبراهيمَ - عليه السلام - أَنه كانَ يؤمنُ بوجودِ آلهةٍ مع اللّه ، وأَنَّ بعضَ تلك الآلهةِ صغير ، وأَنَّ الشمسَ أَكبرُ من تلك الآلهة.
وخَرَجَ من هذا بافتراءٍ كبير ، هو أَنَّ التكبيرَ من أَصْلٍ جاهليّ ، وأَنَّ المسلمينَ عندما يَذكرونَ اللّهَ قائِلين : " اللّه أكبر " ، إِنما أَخَذوا هذا عن الجاهليّين المشركين! وأَنَّ معنى " الله أَكبر " عندَه أَنَّ اللّهَ أَكبرُ من الآلهةِ
الصغيرة ، التي تُساعِدُه في إِدارةِ هذا العالم! فالمسلمونَ في نظره مشركون ، يُؤمنونَ بوجودِ آلهةٍ صغيرةٍ بجانبِ اللّهِ الأَكبر!!.
قالَ في افترائِه : " كان عَرَبُ الجاهليةِ يُكَبِّرونَ اللّهَ في بعضِ الأَحوالِ قائلين : اللّهُ أَكبر..
بناءً على اعتقادِهم بوجودِ إِلهٍ في السماء ، أَو اللّهُ بينَ كُلِّ الآلهةِ هو إِلهُها ورَبُّها ، والآلهةُ الأُخرى أَعوانُه وعُمّالُه في أَرضِه.
وزَعَمَ النَّقْلَ عن كتابِ بلوغِ الأَرَب للآلوسي أَنه لما افْتَدى عبدُ المطلب - جَدُّ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ابْنَه عبدَ اللّه بمئةٍ من الإِبِل ونجا ابْنُه من الذَّبْحِ صاحَ عبدُ اللّه قائلاً : اللّهُ أَكْبَر.
وكَبَّرَتْ قريشٌ معه! ".
إِنَ كلامَه عن إِيمانِ العربِ الجاهليّين بوجودِ آلهةٍ مع اللّهِ صَحيح ، فهذا معروفٌ عنهم ، وقد ذَكَرَهُ القرآنُ في آياتٍ عديدة ، وأَبْطَلَه وفَنَّدَه ، وعَرَضَ الأَدلةَ العديدةَ على أَنَّ اللّهَ هو الإِلهُ وَحْدَه ، لا شريكَ له.
أَمّا زعْمُه أَنَّ العربَ الجاهليّين كانوا يُكَبّرونَ اللّهَ في بعضِ أَحوالِهم فهذا باطل ، وزَعْمُه أَنَّ عبدَ اللّه كَبَّرَ اللّهَ لما نَجا من الذَّبْحِ باطل ، وهو يَعتمدُ على بعضِ الأَخبارِ والرواياتِ غير الثابتة ، ومعلومٌ أَنه ليس كُلُّ قولٍ أَو خبرٍ في كتبِ المؤَرّخين أَو المحَدِّثين أَو المفسرين معتمداً ، ولا بُدَّ من تخريجِ تلك الأَقوالِ والأَخبار ، واعتمادِ ما صَحَّ منها!!.
وقد كانتْ فريةُ الفادي كبيرةً ، عندما زَعَمَ أَنَّ المسلمين أَخَذوا قولَهم :
" اللّه أَكبر " عن العربِ الجاهليّين ، واعتبرَ هذه العبارةَ صورةً من صورِ الشركِ باللّه ، لأَنها تدل على وُجودِ آلهةٍ صغارٍ بجانبِ اللّهِ الأَكبر!!.
إِنَّ كلمةَ " اللّهُ أَكبر " عنوانُ التوحيد ، بجانبِ الكلمةِ الطيبة : " لا إِله إِلّا اللّه " ، ولذلك جعَلها الإِسلامُ عنوانَ الدخولِ في الصلاة ، والانتقال فيها ، وفي العيدَيْن وغيرهما.

حول عالم الجن
تَحَدَّثَ القرآنُ عن عالَمِ الجِنّ ، وأَخبرَ عن استماعِ نَفَرٍ من الجِنِّ القرآنَ من رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وإيمانِهم به ، ودخولِهم في الإِسلام.
قال تعالى : *وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ *29* قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ *30* يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *31*.
وقد خَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ في حديثِه عن عالَمِ الجن ، ونفى وجودَ جِن مؤمنين ، لأَنَّ عالَمَ الغيب عنْدَه إِما ملائكةٌ وإمّا شياطين ، وأَثارَ حولَ القرآنِ أَسئلةً تشكيكيةً.
قال : " ويُعَلِّمُنا الكتابُ المقَدسُ بوجودِ ملائكةٍ وشياطين ، ولكنَّه لا يُعَلمُ بوجودِ الجِنّ ، الذي يَقولُ المسلمونَ : إِنهم جنسٌ عاقلٌ بينَ الإِنسِ والشياطين ، وإنهم لما سَمعوا القرآنَ آمَنوا به وباللّه ، وبَشَّروا الجِنَّ الآخَرين ، وقالوا : إِنَ القرآنَ جاءَ من بعدِ موسى.
فلماذا لم يُسمع اللّهُ الجِنَّ رسالةَ موسى وعيسى ؟
ولماذا خَصَّ الجِنَّ بالقرآنِ وَحْدَه ؟
ولماذا يَقولُ الجِنُّ : إِنَّ القرآنَ جاءَ من بعْدِ موسى ؟
ولم يَقُلْ من بعدِ الزبورِ والإِنجيل ، مع أَنَّ الإِنجيلَ أَقربُ إِليهم من عَهْدِ موسى ؟
وكيف يَتَصَوَّرُ صاحبُ القرآنِ أَنَّ الجنَّ وهم أَرواحٌ يَتَزَوَّجونَ وَيَتَناسلونَ مع أَنهم يقولون : إِن إِبليسَ من الجن ؟ ".
يَزعمُ الفادي أَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ لا يتحدَّثُ إِلا عن الملائكةِ والشياطين ، وهو لا يتحدثُ عن الشياطينِ وطبيعتِهم والمادةِ التي خُلِقوا منها ، ويَنفي الفادي وجودَ عالَمِ الجِنّ ، لأَنَّ الكتابَ المقَدّسَ لم يتحدثْ عنه.
وقد كانَ القرآنُ صريحاً في حديثِه عن الجِنّ ، حيثُ ذَكَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ الجِنَّ قبلَ الإِنْس ، وأَنَّه خَلَقَهم من مارِجِ من نار.
قال تعالى : *وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ *26* وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ *27*.
وأَخْبَرَنا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المادَّةِ التي خُلِقَ منها كلّ من الملائكةِ والجِنِّ والإِنس : " خَلَقَ اللّهُ الملائكةَ من نور ، وخَلَقَ الجِنَّ من النار ، وخَلَقَ آدَمَ مما وَصَفَ لكم ".
والمخلوقاتُ العاقلةُ في هدا الكونِ ثلاثةٌ هي : الملائكةُ والجِنُّ والإِنس.
وسُمَيَ الجِنُّ جِنّاً لأَنهم يَسْتَتِرون عن الإِنسِ ولا يَرونَهم.
قالَ تعالى عن إِبليسَ والجِنّ : *إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ*.
والشياطينُ ليسوا جِنْساً مستقلّاً كالإِنْس والجِن ، وإنما وَصفٌ يُطْلَقُ على الكافرين ، سواء كانوا إِنساً أَو جِنّاً ، فهناك شياطينُ الإِنس وهناك شياطينُ الجن.
قال تعالى : *وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا* ، وَوُصِفَ الكفارُ بأَنهم
شياطينُ لأَنهم مُتَمَرِّدونَ بَعيدونَ عن رحمةِ اللّه.
وإبليسُ شيطان لأَنه أَولُ كافر ، وهو من الجِنِّ بنَصِّ القرآن.
قالَ تعالى : *وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ* ، فهو جِنّيٌّ من حيثُ النَّسَب والجنس ، وهو شيطان من حيثُ الوصف.
والجِنُّ مُكَلَّفون كالإِنس ، لأَنهم عقلاءُ مثلُهم ، ومنَحَهم اللّهُ من وسائلِ العلمِ والمعرفةِ والقدرة والإرادةِ ما أَهَّلَهم للمسؤوليةِ والتكليف.
وبعثَ اللّهُ رسلاً للجِنِّ كما بَعَثَ رُسُلاً للإِنسِ ، والراجحُ أَنَّ رُسُلَ الجِنِّ من الجِن ، لأَن اللّهَ بعثَ كلَّ رسول بلسانِ قومِه ، ليُبينَ لهم الدعوة ، ويَفْهَموا عليه كلامَه.
قال تعالى : *وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ*.
وأَخبرَنا اللّهُ أَنه بعثَ للجنِّ رُسُلاً من الجنِّ.
قال تعالى : *يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا*.
ولذلك لم يُبْعَثْ أَحَدٌ من الرسلِ السابقين المذكورين في القرآن إِلى الجن ، ولم يُبْعَثْ رسولاً للناسِ كافَّة ، وإِنما بُعِثَ كُلٌّ منهم إِلى قومِه خاصّة ، يَنطبقُ هذا على نوحٍ وإِبراهيم ، كما ينطبقُ على موسى وهارون ، وعلى داودَ وسليمان ، وعلى زكريا وعيسى - صلى الله عليهم وسلم -.
وخَصَّ اللّه أَفضلَ الخلقِ وأَشرفَهم محمداً - صلى الله عليه وسلم - بخاصيةٍ ، دالَّةٍ على فضْلِه على باقي الأَنبياءِ والمرسلين ، فبعَثَه للناسِ كُلِّهم ، على اختلافِ الزمانِ والمكان ، حتى قيام الساعة ، ونَسَخَ برسالتِه جميعَ الرسالاتِ السابقة.
وَوَرَدَ هذا صريحاً في أكثرَ من آية ، منها قولُه تعالى : *قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *158*.
ولم يَبْعَثْهُ للإِنس كلّهم فقط ، وإِنما بَعَثَه للإِنسِ والجِنِّ جَميعاً ، وأَمَرَ الجن بأَنْ يُؤمنوا به كالإِنس ، واستجابَ فريقٌ منهم وآمَنوا به ، وصاروا مسلمين ، والذين لم يَدْخُلوا في الإِسلامِ كافرون مخلَّدون في نار جهنم ، ككفارِ الإِنس.
قال تعالى : *وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *128*.
ولذلك ساقَ اللّهُ إِلى رسولِه نَفَراً من الجنّ ، فسمعوا القرآنَ منه ، وتأَثَّروا به ، وأَعلنوا إِيمانَهم وإسلامَهم ، قال تعالى : *وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ *29*.
وقال تعالى : *قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا *1* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ*.
بعدَ هذا التيانِ نَعرفُ سخافةَ وغباءَ الفادي الجاهلِ في اعتراضِه على حديثِ القرآنِ عن الجن ، وفي أَسئلتِه التشكيكيةِ التي أَثارَها حولَ الجِنّ وموسى وعيسى - عليهما السلام - ، والجنِّ والتوراةِ والزبورِ والإِنجيل!! فلم يكونوا مكَلَّفين بالإِيمانِ بموسى وعيسى - عليهما السلام - ، ولا الإِيمانِ بالكتبِ السابقةِ كالتوراةِ والإِنجيل ، لأَنهم مأمورونَ بالإِيمانِ بالقرآنِ فقط.
وحديثُهم عن التوراةِ النازلةِ على موسى - عليه السلام - لا غَرابةَ فيه ، وهو الذي أَشارَ له قولُه تعالى : *قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ *30*.
فرغْمَ أَنَّ الجنَّ لم يكونوا مكَلَّفين بالتوراةِ وبموسى - عليه السلام - ، إِلّا أَنهم كانوا يَعرفونَ أَنَّ اللّهَ بعثَ موسى - عليه السلام - رسولاً ، وأَنزلَ عليه التوراةَ ، لأَنَّ الجنَّ يعلمونَ أَخبارَ الإِنسِ وأَحوالَهم ، وأَخبرَهم رسلُهم من الجنِّ بهذه الأَخبارِ عن موسى والتوراة.
المهمُّ عندنا أَنَّ مرجعيّتَنا هو القرآن ، وكلُّ ما وردَ فيه فهو حَق ، نؤمنُ به ونُصدِّقُه ، لأَنه كلامُ اللّهِ الذي لا يأتيه الباطلُ من بينِ يَدَيْه ولا من خلْفِه.

هل يأمر اللّه بالفسق والفحشاء ؟
اعترضَ الفادي على قولِ اللّهِ - عز وجل - : *وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا *16*.
وأَثارَ حولَ هذه الآيةِ أَسئلةً خبيثة ، تدلُّ على تخطئتِه لها.
قال : " فهل يُريدُ اللّهُ إِهلاكَ النّاس ؟
وهل يأْمُرُ مُتَنَعِّميهم بالفسق ، لتحقَّ العقوبةُ عليهم وعلى الفقراءِ بينَهم ؟
وهلْ يُناسبُ هذا عدل اللّهِ وقداستَه وأَمانتَه ؟
وكيفَ يُنْسَبُ للّهِ الجورُ والفسقُ والظلم ؟ ".
وذَكَرَ آياتٍ أُخرى تُناقضُ الآيةَ السابقةَ في نظره.
قال : " ويُناقضُ القرآنُ قولَه السابقَ بقولِه : *وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *168* إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ*، وقوله : *إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *90*.
وقوله : *وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ *28*.
ولا تَناقُضَ بينَ آيةِ سورةِ الإِسراءِ والآياتِ الثلاثِ التي أَوردَها ، لأَنه لا تناقُضَ بينَ آياتِ القرآن ، وهذه بدهيَّةٌ مُقَرَّرة.
فتتفقُ الآياتُ الثلاثُ مع آيةِ سورةِ الإسراءِ على أَنَّ اللّهَ لا يأْمرُ بالفحشاء ، ولا يأمرُ بالفسق ، ولا يأمرُ بالحرام ، ولذلك كَذَّبَ القرآنُ المشركين الذينَ فعلوا الفحشاءَ ، وزَعموا أَنَّ اللّهَ هو الذي أَمرهم بها ، وأَخبرَ أَنه لا يأمُرُ إِلّا بالقسطِ والعدلِ والخير : *قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ *28* قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ*.
أَما آيةُ سورةِ الإِسراءِ فإِنَّ الفادي الجاهلَ لم يفهمْ معناها ، ولذلك خَطَّأَها وأَثار حولَها أَسئلتَه التشكيكيةَ الخبيثة.
إِنَّ الآيةَ تُخبرُ عن سُنَّةٍ ربانيةٍ مطردة ، بشأْنِ فسقِ المترفين وبطرِهم ، وتكبرِهم على أَوامرِ ربّهم ، ونشرِهم الفسادَ في البلاد ، مما يُؤَدّي إِلي العقابِ والإِهلاكِ والتدمير.
تُخبرُ الآية ُ عن إِنعامِ اللّهِ على أَهلِ القريةِ بالمال ، وغنى مجموعةٍ منهم ، وتحوُّلِهم إِلى أَغنياءَ مُترفين ، ويأمُرُ اللّهُ هؤلاء المتْرَفين بعبادتِه وطاعتِه ، وتنفيذِ أَوامره ، واجتنابِ مُحَرَّماتِه ، لكنهم يَتَكَبَّرونَ على اللّه ، ويرفضونَ طاعتَه ، ويُخالفون أَمره ، ويَفسقونَ في القرية ، ويَنْشُرون فيها الفسادَ والمعاصي والفسوق ، ويُفْسِدونَ بذلك أَهْلَها ، فيحق عليها القول ، وتنطبقُ عليها السنةُ الربانية ، ويوقعُ بها العقابَ ، ويُدَمِّرُها تَدْميراً.
في معنى الآيةِ جُمَلٌ مُقَدَّرَة ، لتوضيح المعنى ، ومعلومٌ أَنَّ الحذفَ والذكْرَ ملحوظانِ في القرآن ، ومرادانِ لحكمةٍ مقصودة ، فإِذا ذَكَر القرآنُ الجملةَ ذَكَرَها لحكمةٍ مقصودةٍ مرادة ، وإِذا حَذَفَها حَذَفَها لحكمةٍ مقصودةٍ مرادة ، فهو معجزٌ في ما يَذْكُر ، ومعجزٌ في ما يَحْذِف!.
وتقديرُ الآية : إِذا أَرَدْنا أَنْ نهلكَ أَهْلَ قرية ، أَمَرْنا مُتْرَفيها بالطاعة ، لكنَّهم يَرفضون أَمْرَنا ، ويَفْسُقونَ فيها ، وبذلك يحقُّ عليها قولُنا ، وتنطبقُ عليها سُنَّتُنا ، ونُدَمِّرُها تَدْميراً.
وتَهدفُ الآيةُ إِلى أَنْ تُقَررَ قاعدةً مطردة ، وهي ارتباطُ الترفِ بالتمردِ والعصيانِ والمخالفةِ والفسقِ ، وانتشارُ الفسادِ ثمرةٌ للترفِ والفسق ، وهذا كلّه طريقٌ للهلاكِ والعقابِ والتدمير.
وبهذا نعرفُ غَباءَ أَسئلةِ الفادي التي اعترضَ بها على الآيَة.
فاللّهُ لا يُريدُ إِهلاكَ الناسِ ابتداءً ، لأَنه مُنَزهٌ عن الظلمِ سبحانه ، ولكنَّه يُرتِّبُ الإِهلاكَ على العصيانِ والفسقِ والذنوب ، فإِذا عصى الناسُ عاقَبَهم اللّه وقَرَّرَ إِهلاكهم ، وهذا عدلٌ منه سبحانه!.
ولم يأْمر اللّهُ المتْرَفين بالفسقِ كما فهمَ الفادي الجاهل ، وإِنما أَمَرهم بالطاعة ، لكنَّ الفسقَ ناتجٌ عن عِصيانِهم لأَمْرِ اللّه ، وعِقابُ اللّهِ للفاسقين المترفين المجرمين عَدْلٌ منه سبحانه.
ومَنْ قالَ : إِنَ الآية تَنسبُ الجورَ والفسقَ والظلمَ إِلى اللّه ؟!
هذا هو فهمُ الفادي الجاهل! إِنَّ الآيةَ تَنسبُ العَدْلَ إِلى اللّه ، وتُرَتّب العِقابَ على الفسق الناتجِ عن معصيةِ اللّه!.
لم يشك الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالوحىِ
وَضعَ الفادي المفترِي عِنواناً مثيراً هو : " الوحيُ الذي يَشُكُّ فيه مُبَلِّغُه "
اعترضَ فيه على آيتَيْن من القرآن ، ووظَّفَهما دليلاً على عَدَمِ نبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى سيطرةِ الوساوسِ عليه بشأنِ الوحي :
الأولى : قوله تعالى : *كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *2*.
اعتبرَ الفادي الآيةَ دَليلاً على شَكِّ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - بالوحيِ والنبوة ، وزعم أَنه ملأَ الحرجُ والشَّكُّ صَدْرَه ، وسيطرت الوساوسُ عليه ، ولذلك تَدْعوه الآية إِلى إِخراجِ الحَرَجِ من صَدْرِه ، وإِزالةِ الشّكّ والوساوسِ عنه!.
ونَقَلَ كَلاماً عن البيضاوي يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إِليه.
قال : " وقالَ البيضاويُّ في تفسيرِ الآية : *حَرَجٌ منهُ* : أَيْ شَكّ فيه.
فإِنَّ الشّاكّ حَرِجُ الصدْرِ وضَيِّقُ القَلْبِ مَخافَةَ أَنْ يُكَذَّبَ فيه..".
وقد تَصرَّفَ المفْتَرِي في كلامِ البيضاوي! والذي قالَه البيضاويُّ هو :
*فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ* : أَيْ : شَكّ ، فإِنَّ الشّاكَّ حَرِجُ الصَّدْرِ.
أَو : ضِيقُ قَلْبٍ من تبليغِه ، مخافَةَ أَنْ تُكَذَّبَ فيه ، أَو تُقَصرَ في القيام بحقِّه..
وتَوجيهُ النهيِ إِليه للمبالغة..".
لا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - كان عندَه شَكّ في الوحْي ، كما فهمَ الفادي منها ذلك ، إِنما تَنهى الآيةُ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - عن التحرج من تَبليغِ الوحْيِ وإِنذارِ الناسِ به : *فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ*.
أَيْ : لا تتحرجْ من إِنذارِ الناسِ به..
وفَرْقٌ بين القول : كانَ عنْدَه شَكّ في الوحيِ والنبوة.
وبينَ القول : يَدْعوهُ اللّهُ إِلى عدمِ التحرجِ من إِنذارِ الناسِ به!.
وإِذا تحرجَ من الإِنذارِ والتبليغِ ، يكونُ التحرجُ خشيةَ أَنْ يُكَذّبَه الكافرون ، أَو خشيةَ تقصيرِه من القيامِ بِالحَقِّ وأَداءِ الواجب.
ولا تَدُلُّ الآية ُ على أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - تحرجَ من الإِنذار ، إِنما تدلُّ على أَنه إِذا أَصابَه التحرجُ من الإِنذارِ فعليه أَنْ يُزيلَه.
علماً أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لم يتحرجْ من الإِنذارِ أَبداً!!.
الثانية قولُه تعالى : *فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ *94*.
إِنْ شَك الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بالوحيِ الذي أَنزلَه اللّهُ إِليه فعليه أَنْ يُزيلَ هذا الشَّكَّ ، بسؤالِ أَهْلِ الكتابِ من قَبْلِه ، أَمّا إِنْ لم يَشُكّ بالوحيِ فلا داعي لسؤالِ أَهْلِ الكتاب..
فهلْ شَكَّ بالوحْيِ واضطرَّ إِلى السؤالَ ؟
الجوابُ بالنَّفْي ، فلم يَشُكَّ بالوَحي ، ولم يضطرَّ إِلى السؤال.
ولما أَرادَ الفادي المفترِي أَنْ يُوَظِّفَ الآيةَ لافترائِه ، ويجعلَها إِدانةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأَنَّه شاكٌّ بالوحيِ والنبوة ، ذَهَبَ إِلى تفسيرِ البيضاويِّ كعادتِه ، فلما لم يَجدْ عنْدَه ما يُريدُ ؟
تَرَكَه ، وتَوَجَّهَ إِلى تفسيرِ الرازي! فلماذا الرازي في هذه المرة ؟
لأَنَّ المفترِي يظنُّ أَنَّ عنده ما يوافقُ هواه!.
قالَ الفادي : " قالَ الإِمامُ الرازي في تفسيرِ سورة يونس : من الوجوهِ في تفسيرِ النصّ : *فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ* الخطابُ لمحمد.
وأَنَّ محمداً من البشر ، وكان حصولُ الخواطرِ المشوِّشةِ والأَفكارِ المضطربة في قلبِهِ من الجائزاتِ ، وتلكَ الخواطرُ لا تندفع إلّا بإيرادِ الدلائلِ وتقريرِ البينات ، حتى إِنَّ بسببِها تَزُولُ عن خاطرِه تلك الوساوس ".
ولما رَجَعْنا إِلى تفسيرِ الرازي وَجَدْنا الأَمْرَ على غيرِ ما ذَكَرَه الفادي المفترِي.
فقد ذَكَرَ الرازي قولَيْن في تحديد المخاطبِ بالآية :
الأول : الخطابُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الظاهرِ ، والمرادُ غيرُه.
الثاني : الخطابُ للإِنسانِ الشّاكِّ في نبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم.
والتقديرُ : إِنْ كنتَ أَيها الإنسانُ في شَكٍّ مما أَنزلْنا إِليك من الهدى على لسانِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، فاسأَلْ أَهْلَ الكتابِ لِيَدُلُّوكَ على صحةِ نبوَّتِه.
ونفى الرازي أَنْ يكونَ الخطابُ في الحقيقةِ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ورَجَّحَ أَنْ يكونَ الخطابُ في الظاهرِ له ، لكنَّ المرادَ غيره.
وقالَ كَلاماً رائعاً في توجيهِ ذلك :
" والذي يَدُلُّ على صحةِ ما ذَكَرْناهُ من وجوه :
الاوَّل : قولُه تعالى في آخرِ السورة : *يا أيُّهَا ألنَّاسُ إِن كنُتم فِى شَكٍّ من دِينِى*.
فَبَيَّنَ أَنَّ المذكورَ في الآيةِ السابقة هم المذكورونَ في هذه الآيةِ على سبيلِ التصريح.
الثاني : أَنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لو كانَ شاكاً في نبوةِ نفسِه لكانَ شَكُّ غَيرِه في نبوتِه أَوْلى ، وهذا يوجبُ سُقوطَ الشريعةِ بالكلية.
الثالث : بتقديرِ أَنْ يكونَ شاكاً في نبوةِ نفسِه ، فكيفَ يزولُ ذلك الشَّكُّ بإِخبارِ أَهْلِ الكتابِ عن نبوَّتِه ، مع أَنهم في الأَكثرِ كُفّار ؟!
وقد ثَبَتَ أَنَّ ما في أَيديهم من التوراةِ والإِنجيلِ مُصحَّفٌ مُحَرَّف ...
فثبتَ أَنَّ الحَقَّ هو أَنَّ هذا الخطابَ وإِنْ كانَ في الظاهرِ لرسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، إلا أَنَّ المرادَ به أُمَّتُه ".
حذف الفادي هذا الكلامَ كُلَّه ، لأَنه لا يُساعدُ في ما يريدُه من اتهامِ النبيِّ وتخطئةِ القرآن.
حتى الوجهُ الذي قالَه الرازي ، ونقلَه الفادي عنه ليس كما نَقَلَه الفادي ، لأَنه أَخَذَ منه الجزءَ الذي يتفقُ مع هواه ، وأَسقطَ الجزءَ المهمَّ منه ، وهو قولُ الرازي : " وتَمامُ التقرير في هذا الباب : إِنَّ قولَه : *فإن كنُتَ فِى شَكٍّ* فافعلْ كذا وكذا قضيةٌ شرطية ، والقضيهُ الشرطيةُ لا إِشعارَ فيها ألبتة بأَنَّ الشرطَ وَقَعَ أَو لم يَقَعْ ، ولا بأَنَّ الجزاءَ وَقَعَ أَو لم يقع ، وليس فيها إِلّا بيانُ أَنَّ ماهيةَ ذلك الشرط مستلزمةٌ لماهيةِ ذلك الجزاء ... .
إِنَّ الآيةَ تدلُّ على أَنه لو حَصَلَ هذا الشّكّ لكانَ الواجبُ عليه هو ، فِعْلَ كذا وكذا ، فأما أَنَّ هذا الشَّكَّ وَقَعَ أَو لم يقع ، فليسَ في الآيةِ دلالةٌ عليه.
والفائدةُ في إِنزالِ هذه الآيةِ على الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ تَكثيرَ الدلائلِ وتقويتَها مما يَزيدُ في قوةِ اليقينِ وطمأنينة النفس وسكون الصدر ، ولهذا السبب أَكثرَ اللّهُ في كتابِه من تقريرِ دلائلِ التوحيدِ والنبوة ".
ذَكَرْنا ما قالَه الرازي في تفسيرِ الآيةِ لنُطلعَ القراءَ على مزاجيةِ الفادي وافترائِه ، وتلاعُبه وتحريفِه ، وافتقادِه الأَمانةَ العلميةَ في النقلِ والإِحالة ، مع أَنه يلبسُ ثوبَ الموضوعيةِ والمنهجيةِ والحيادِ والبحثِ عن الحقيقة.
واستخرجَ من كلامِ الرازيِّ والبيضاوي أُكذوبةً مفتراة ، لم يذكُرْ أَيٌّ منهما حَرْفاً واحداً منها ؟
قال : " واضحٌ من هذا أَنَ محمداً كان يَشُكُّ في مصدَرِ وَحْيِه ، وأَنَّ كلامَه من عندِ اللّه أَم ليس بوحي ، حتى نَصَحَهُ مَصدَرُ وَحْيِه أَنْ يَسألَ في ذلك اليهودَ والنصارى ، الذين يَقْرَؤونَ الكتابَ من قبلِه ، فإِن كانَ الرسولُ يشكُّ في رسالتِه ، والمبلّغُ يَرتابُ في صِدْقِ بَلاغِه فكيف يَتوقَّعُ من سامِعيه أَنْ يُصَدِّقوه ؟".
ولقد كانَ الفادي كاذباً مفترياً في كلامِه ، وفي هذه النتيجةِ التي خَرَجَ بها ، وسَبَقَ أَنْ نفاها كُلٌّ من الرازي والبيضاوي.
ونفى الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - الشّكَّ عن نفسِه ، ولذلك قال : " واللّهِ لا أَشُكُّ ولا أَسْأَلُ "
أَي : أَنا لستُ في شَكٍّ مما أَوحى اللّهُ إِليَّ ، ولستُ بحاجةٍ إِلى سؤالِ أَهْلِ الكتاب *1*.
وادَّعى الفادي المفترِي دَعوى كاذبةً ، زَعَمَ فيها أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - اعترفَ أَنَّ مرجعَ القرآنِ هو الكتابُ المقَدَّس.
قال : " وفي الوقتِ الذي كانَتْ فيه الشكوكُ تُساورُ محمداً في وحْيِه اعترفَ أَنَّ المرجعَ والمحكَّ لأَقوالِه هو الكتابُ المقَدَّس ، ولذلك قالَ في القرآن : *فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ *94*.
__________
*1* قال القاضي الباقلاني ما نصه :
فأمَّا تعلُّقهم بقوله : *فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ* ، وأن هذا نقيضُ ما وصَفَ به سائر رسله من أنّهم أعلمُ الخَلْق به ، وأعرفُهم بصدقه وصفاته ، وأنهم مختارون ومصطفَون
على علمِ على العالمين ، فإنه لا تعلق لهم فيه من وجوه.
أولها : أنّ هذا القولَ ليس بخبرٍ عن حصول شكه عليه السلام فيما أُنزل عليه وإنّما هو تقريرٌ له وتنبية أنه منزل على غيره أيضًا ، وقد يقول القائل لمن يعلمُ أنه لا شكّ عنده في الأمر ، ولا ريبَ : فإن كنتَ في شك مما أنزله وأخْبَر به فسل غيري وسل الناس عنه ، وسيما إذا كان يريدُ بذلك إظهارُ صدقه بحضرة من يُنكر ذلك ويدفعه ، وربَّما قال له ذلك في الأمر الشائع الذائع ليجعل له طريقاً إلى سؤال الناس وإخبارهم بما عندهم من العلم في ذلك الأمر ليزول ذلك الشك ويقوى سلطانُ الحجَّة ، وتبطل الشبهة.
والقومُ أعني قريشا ، ومن خالفَ الرسولَ كانوا يقولون له فيما نقلوه إفك افتراه ، وإفك مفترًى ومحدَّث ومجنون ، وإن هذا إلا خلق الأولين ، وشاعر مجنون ، فقال له : *فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ* ، ليجعل له ذريعةً إلى ذلك ، ومطالبةُ علمائهم مثلُ عبدُ اللّه بنُ سلام وغيره بما في كتابهم من ذلك تصديقاً لقوله أننا قد أبنَّا بذلك مَنْ كان قبلك ، ولم يقُل إنك شاكٌّ فيما أنزل عليك.
ويُوضح هذا أيضا أن القائلَ قد يقول لمن يعلم بتيقنه ظلمُ زيد وجهلُه وتخليطُه وأنه لا شك في ذلك : إن كنت في شك من ظُلم زيدٍ فعامِلْه لتنظر.
وإن كنتَ في شكٍ من تخليط فلانٍ وخبطه فقاوله وناظره ، وإن كنت في شك من هوْلِ البحر فاركبه ، وإن كنت في شك من جود فلانٍ أو بُخله فمن يعرفُ حالَهُ فسلهُ والتمس منه لتعلم ردّه أو إجابَته ، في أمثال هذا مما قد ظهر استعمالُه بينهم ، فعلى هذا الوجه ورد قولُه : *فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ*.
وقد يمكن أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ظن أن بعض ما أُنزل إليه من العبادات أو بعض ما قصً عليه قد أُنزل على موسى ، وأحب الله أن يقطعَ شكه في ذلك فقال : فإن كنت في شك مما أُنزلَ إليك في أنه منزل على موسى ومن كان قبلك فسَلْهم عن ذلك ليخبروك عنه ، فيزولَ شكُّكَ ، وقد يكونُ من مصالحه ومصالح أمته أو بعضها الأمرُ بسؤال أهل الكتاب عما يشكُ عليه السلامُ في أنَه منزَل عليهم ، وربَّما كان ذلك تقويةً ليقين غيره إذا عَرَفَه ، فلم يُرد بذلك الشكً في أنَه من عند الله ، وإنما أرأدَ الشكُ في أنه منزل على غيره أم لا.
وقد يجوز أيضا أّن يكون أُتزل عليه جملةً قصةٍ وعبادةً مجمَلةً أخرَ عنه بيانها إلى وقت الحاجة ،. وقد بيّن تفصيلَها وشرح تلكَ القصة في كتابِ موسى ، فقال له : "فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ* يعني في شك من تفصيلِه ، فارجع في ذلك إلى أهل الكتاب فإنني قد أنزلتُ تفصيلَ ذلك عليهم ، وليس هذا من الشك في أن ما أُنزلَ عليه منزل من عند الله بسبيل.
وقد يجوز أن يكون أراد بقوله : *فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ* أي إن كان قومك أو بعضُهم في شك فسل أهل الكتاب ليخبروهم بمثل ما تخبرهم به فيؤمنُ عند ذلك من كان إخبارهم إياه به لطفا له ، فيكون ذاكراً للنبي صلى الله عَليه والمرادُ به غيره ، وعلى نحو هذا ورد قولَه : *لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ *65*.
الخطاب له في الظاهر والمرادُ به غيره الشاكُّ فزال بذلك ما قَدَحوا به. اهـ *الانتصار للقرآن. 2 / 715 : 717*
ولا نُعيدُ ما قلناهُ قبلَ قليلٍ عن دلالةِ الجملةِ الشرطية : *فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ*.
إِنما نُشيرُ إِلى افتراءِ وكَذِبِ الفادي في فريتِه ، التي جعلَ فيها الكتابَ المقَدَّسَ مَرْجعاً للقرآنِ ، وحَكَماً عليه.
وقد أَخْبَرَنا اللّهُ أَنَّ القرآنَ هو المرجعُ والحَكَم ، وأَنَّ الكتبَ السابقةَ كالتوراةِ والإِنجيل لا بُدَّ أَنْ تُحاكَمَ إِلى القرآن ، وأَنْ تُعْرَضَ على القرآن ، فما اتفقَ مع القرآنِ منها أَخَذْناهُ ، وما خالفَ القرآنَ رَدَدْناه ، وجَزَمْنا بوضعِه وكَذِبِه واختلاقِه ، وأَنه ليسَ من كلامِ اللّه ، وإِنما هو من كلامِ الأَحبارِ أَو الرهبان.
قال تعالى : *وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ*.
وافترى الفادي كذبةً أُخرى عندما نَسَبَ إِلى القرآنِ إِقْرارَه بأَنَّ توراةَ يهودِ عصْره صحيحةٌ سليمة ، قال : " وأَكَّدَ القرآنُ أَنَّ التوراةَ المَي بينَ يَدي يهودِ عصْرِه صحيحةٌ سليمة ، فيها حُكْمُ اللّه ، والأَوْلى أَنْ يَرْجِعوا إِليها ، لا أَنْ يَرْجِعوا إِلى محمد ، فقال : *وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ*.
وأَوصى القرآنُ المسيحيين أَنْ يُلازِموا أَحكامَ إِنجيلِهم ، وحَكَمَ بالفِسْقِ على مَنْ لا يُقيمُ أَحكامَ الإِنجيل.
فقال : *وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *47*.
لم يُقِر القرآنُ أَنَّ التوارةَ التي مع اليهودِ في عصْرِ التنزيلِ صحيحةٌ سليمةٌ ، فيها حُكْمُ اللّهِ الذي يَجبُ أَنْ يُتَّبَع ، وإِنما جَزَمَ أَن هذه التوارةَ محرفةٌ مَكْذوبة.
وجاءَ هذا في عدةِ آيات ، منها قولُه تعالى : *فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ *79*.
وقوله تعالى : *قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا*.
وأَنكرَ اللّهُ على اليهودِ احتكامَهم إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنهم أَرادوا بذلك التلاعبَ والتحايلَ والمكْرَ والخِداع ، بهدفِ الحُصولِ على حُكْمِ مُخَفَّفٍ منه ، وقد عَرَفَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا التلاعُبَ والمكر ، فحكَمَ فيهم بَحكْمِ اللّهِ في التوراة ، وأَقامَ حَدَّ الرجمِ على اليهوديِّ واليهوديةِ اللَّذَيْنِ زَنَيا.
ودعوةُ القرآنِ النصارى إِلى الاحتكامِ للإِنجيل ، ليقودَ ذلك إِلى الاعتقادِ بأَنَّ القرآنَ كلامُ اللّه ، وأَنَّ محمداً هو رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم -، لأَنَّ الإِنجيلَ بَشَّرَ بالنبيِّ الخاتمِ - صلى الله عليه وسلم - ، فاحتكامُهم الصحيحُ للإِنجيل معناهُ دخولُهم في الإِسلام!!.

هل في القرآن أقوال للناس ؟
هل أَخَذَ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - القرآنَ من النّاس ؟
وهل وَضَعَ فيه أَقوالاً للنّاس ؟
هذا ما يؤكِّدُه الفادي المفترِي ، ولذلك بَدَأَ اعتراضَه السادسَ والثمانينَ على القرآنِ بنَفْي كونِ القرآنِ وَحْياً من عندِ اللّه ، قال : جاءَ في سورةِ المدثر : *إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ *25*.
فقالَ محمد : إِنَّ قرآنَه وحيٌ من اللّه : *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى *4*.
وهذه مغالطةٌ من الفادي المفترِي ، فآيةُ سورةِ المدَّثرِ التي سَجَّلَها ، ذَكَرَ اللّهُ فيها اتهامَ زعيمِ مكةَ الوليدِ بن المغيرةِ للقرآنِ بأَنه سِحْر ، والآيةُ ضمنَ آياتٍ تتحدَّثُ عن حادثةِ الوليدِ واتِّهامِه ، يَعرفُها الفادي عن يَقين ، لكنَّه لم يُشِرْ إِليها.
وخلاصةُ حادثةِ الوليدِ بن المغيرة أَنَ زعماءَ قريشٍ اجْتَمعوا قُبيلَ موسمِ الحَجِّ ، ليتَّفِقوا على كلامٍ موحَّد ، يَقولونَه في القرآن ، ليصُدّوا الناسَ عنه ، فقالَ لهم الوليد : قولوا وأَنا أَسمع.
فقالوا : نَقولُ عنه : إِنَّه شِعْر.
قال : إِنَّه ليس شِعْراً.
فقالوا : نقول : إِنه سِحْر.
قال : إِنَّه ليس سِحْراً.
فقالوا : نقول : إِنه كَذِب.
قال : إِنه ليس كَذباً..
وكُلَّما ذَكروا قولاً رَدَّه الوليدُ بأَنه غيرُ منطقي ، وأَنَّ الذين يَسمعونَه لا يُصَدِّقونه!.
فقالوا له : قُلْ أَنتَ يا أَبا الوليد! فماذا تَقول فىِ القرآن ؟.
قال : دَعوني أُفَكّرْ ...
ولما فَكَّر لم يَجِدْ إِلّا أَنْ يَتَّهمه بأَنه سِحْر! وهو ما نَفاهُ عنه من قَبل.
وقالَ لهم : قولوا : إِنه سِحْرٌ يُؤْثَر ، يُفَرقُ بينَ المرءِ وزوجِه.
وقد أَنزلَ اللّهُ آياتٍ من سورةِ المدَّثِّر تُصَوّرُ الوليدَ بنَ المغيرة صورةً ساخرةً وهو يُفَكِّرُ ويُقَدِّرُ ، ويَقولُ كلاماً لا يُصدقُه هو.
قال تعالى : *ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا *11* وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا *12* وَبَنِينَ شُهُودًا *13* وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا *14* ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ *15* كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا *16* سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا *17* إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ *18* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ *19* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ *20* ثُمَّ نَظَرَ *21* ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ *22* ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ *23* فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ *24* إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ *25* سَأُصْلِيهِ سَقَرَ *26* وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ *27* لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ *28* لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ *29* عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ *30*.
فالذي قالَ عن القرآن : " إِنْ هذا إِلّا قولُ البشر " هو الزعيمُ القرشيّ الكافر ، الوليدُ بنُ المغيرة ، واعتمدَ الفادي المفترِي كلامَه ، لأَنه يوافقُ هوىً في نفسه إ!.
ولاحِظْ قَصْدَ المفترِي الخبيث من قولِه : " فقالَ محمد : إِنَّ قرآنَه وحي من اللّه : *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى *4*.
فهو يُؤَكِّدُ على بشريةِ القرآنِ ، وأَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يُؤَلِّفُ الآيات ، ويَضَعُها في السُّوَر ، ويَدَّعي أَنها من عندِ اللّه " !!.
وأَثارَ الفادي المفترِي الشبهاتِ حولَ " موافقات عمر " ، واستشهدَ بها على فكرتِه الشيطانيةِ حولَ بشريةِ القرآن!.
ومُوافقاتُ عمرَ هي حوادِثُ محدَّدَةٌ ، كانَ عمرُ بن الخطابِ - رضي الله عنه - يقترحُ على رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - فعْلَ شيء مُعَيَّن ، فتنزلُ الآيةُ توافِقُه على اقتراحِه ، ويَدعو اللّهُ فيها إِلى الأَخْذِ به.
قالَ الفادي المفترِي : " أَمّا أَنَّه قولُ البشرِ فواضِحٌ من أَنَّ القرآنَ حوى أَقوالَ عمرَ بنِ الخطابِ التي دَوَّنَها محمد ، باعتبارِ أَنها نزلَتْ من السماء ".
ويَقصدُ المجرمُ من هذا الكلامِ الاستفزازيِّ الوقحِ أَنَّ القرآنَ من قولِ البَشر ، وأَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَه من قولِ الناسِ وكلامِهم وعباراتِهم ، وادَّعى أَنها نازلة عليه من عندِ اللّه ، ونَسَبَ القرآنَ كلَّه للّه!!.
وهو بهذا الاتهامِ يَنفي الجريمةَ التي وَقَعَ هو وأَهْلُ مِلتِه وأَسيادُه اليهودُ بها عن نفسِه وشياطينِه ، ويوجِّهُها للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
اليهودُ والنصارى هم الذين حَرَّفوا التوراةَ والإِنجيل ، وقد أَدانَهم اللّهُ على جريمتِهم ، قال تعالى : *فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ *79*.
أَمّا الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - فقد رَدَّ على الكفارِ الذين طَلَبوا منه تغييرَ القرآنِ أَو تَبديلَه ، بأَنه لا يُمْكِنُهُ أَن يَفعلَ ذلك ، لأَنه مُتَّبعٌ للوحْيِ الذي يَأتيه من عندِ اللّه.
قال تعالى : *وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *15* قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ *16*.
وهَدَّدَ اللّهُ بأَنه لن يسمحَ لأَحَدٍ أَنْ يَتقوَّلَ عليه ، ويَنسبَ له ما لم يَقُلْه ، حتى لو كانَ هذا الشخصُ هو رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قال تعالى : *
فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ *38* وَمَا لَا تُبْصِرُونَ *39* إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *40* وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ *41* وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ *42* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *43* وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ *44* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ *45* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ *46* فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ *47*.
وقد نَسَبَ الفادي المفترِي خمسةَ أَقوالٍ لعُمر ، وزَعَمَ أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَها منه وأَثْبَتَها في القرآن.
قالَ عن القولِ الأَول : " مَرَّةً قالَ عُمر : يا رسولَ اللّه! لو اتَّخَذْنا من مَقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى.
فجاءَ قرآنٌ يَقول : *وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى*.
والروايةُ صحيحة ، ومقامُ إِبراهيمَ هو الحجرُ الذي كانَ إِبراهيمُ - عليه السلام – يَقومُ ويَقفُ عليه وهو يَبْني الكعبة ، حيثُ كانَ ابنُه إِسماعيلُ - عليه السلام - يُناولُه الحجارة ، وكان هو يَقفُ على الحَجَر ، وكان ذلك الحجرُ مُلْتصقاً بالكعبة ، ثم أَبْعَدَه عمرُ عن الكعبة لئلا يَشُقَّ الطوافُ على الطائفين.
وقد اقترحَ عمرُ - رضي الله عنه - على رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُصلِّيَ الطائفون ركعَتي الطوافِ عندَ مَقامِ إِبراهيم ، وهما ركْعَتا السنَّةِ اللَّتان يُصَلّيهما الطائفُ بعد الانتهاءِ من الطواف ، فأَقَرَّه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - على اقتراحِه.
وأَنزلَ اللّهُ قولَه تعالى : *وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى*.
وهو يَدُلُّ على صحةِ اقتراحِ عمرَ - رضي الله عنه – وفطنتِه وبُعْدِ نَظَرِه.
وقالَ عن القولِ الثاني لعُمَر : " ومَرَّةً قالَ عمر : يا رسولَ اللّه! إِنَّ نِساءَك يَدخلُ عليهن البَرُّ والفاجر ، فلو أَمرتَهن أَنْ يحتجبْنَ.
فجاءَ قرآنٌ يقول : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ*.
والروايةُ صحيحة ، دالّةٌ على بُعْدِ نَظَرِ عمرَ - رضي الله عنه - ، فَرَغْمَ أَنَّ أَزواجَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - مُحَرَّماتٌ على المسلمين ، إِلَّا أَنَّ بعضَ المسلمين قد تَخطرُ لهم خواطرُ السوءِ نحوهن ، ولذلك اقترحَ عمرُ على رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يأْمرهن بالحجاب ، لأَنه يدخلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجر ، وهذا من فَرْطِ غيرتِه عليهن.
وأَنزلَ اللّهُ الآيةَ يأمُرُه بذلك ، مما يدلُّ على صحةِ اقتراحِ عمر - رضي الله عنه -.
وقالَ الفادي عن القولِ الثالث : " ومَرَّةً اجتمعَ نساءُ محمدٍ في الغيرة.
فقالَ عمرُ لهنّ : عسى ربُّه إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَه أَزواجاً خيراً منكن.
فجاءَ قرآنٌ يقول : *عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ*.
والروايةُ صحيحة ، فقد اجْتمعَتْ أَزواجُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، واتَّفقْنَ على أَنْ يُطالبنَه بالتوسعةِ عليهن ، وزيادةِ نفقتِهنَّ ، فتألَّمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من مَطالبهن ، فوعَظَهُنَّ عمرُ - رضي الله عنه - وذَكَّرَهُنَّ وهَدَّدَهُنَّ ، وقالَ لهنّ : إِنْ طَلَّقَكنَّ فعسى ربُّه أَنْ يُبدلَه أَزواجاً خيراً منكُنّ.
فأَنزلَ اللّهُ تعالى قوله : *عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ*.
وقال الفادي عن القولِ الرابع : " ومَرَّةً جاءَ قرآنٌ يَقول : *وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ* ... ، فقالَ عمر : *فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ* ، فسجَّلَ محمدٌ قولَ عمرَ في القرآن : *وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ *12* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ *13* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ *14*.
وهذه الروايةُ أَوردَها الحاكمُ وابنُ مردويه وابنُ المنذر ، لكنَّها لم تَصِحّ.
فلا تُصَنَّفُ ضمنَ موافقاتِ عمر.
وقالَ الفادي عن القولِ الخامس : " ومَرةً لقيَ يهوديٌّ عمرَ بنَ الخطاب ، فقالَ : إِنَ جبريلَ الذي يَذْكُرُه صاحبُكم عَدَوٌّ لَنا! فقال له عمرُ : مَنْ كانَ عدوّاً للّهِ وملائكتِه ورسلِه وجبريلَ وميكال فإِنَّ اللّهَ عدوٌّ للكافرين.
فَسَجَّلَ محمدٌ أَقوالَ عمر هذه بنصها : *مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ *98*.
وهذه الروايةُ أَوردَها الحاكم ، ولكنَّها لم تصح.
والحادثةُ وَقَعَتْ بينَ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - وبينَ اليهود ، وليسَ بين عمرَ - رضي الله عنه - وبين اليهود.
روى البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - عن حوارٍ بينَ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - وبينَ اليهودِ حولَ أَسئلةٍ ثَلاثةٍ سأَلوهُ عنها ، لا يَعلمُ جوابَها إِلّا نبيّ ، فلما أَجابَهم عليها الجوابَ الصحيحَ قالوا له : حَدِّثْنا مَنْ وليُّك من الملائكة ، فعندها نجامِعُك أَو نُفارِقُك..
قال : فإِنَّ وَلِيّي جبريلُ ، ولم يَبعث اللّهُ نبيّاً قَطّ إِلّا وهو وليُّه..
قالوا : عندها نفارقُك ، ولو كَانَ وَليُّكَ سِواه من الملائكةِ تابَعْناكَ وصَدَّقْناك!.
قال : فما يمنَعُكُم أَنْ تُصدِّقوه ؟
قالوا : إِنه عَدُوّنا!..
فأَنزلَ اللّهُ قولَه تعالى : *قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *97* مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ *98*.
وبهذا نعرفُ أَنَّ نسبةَ القولَيْن الرابعِ والخامسِ لعمرَ - رضي الله عنه - لم تَصِحّ ، رغم أَنَّهما ذُكِرا في بعضِ الروايات ، ونقلَهما عنها السيوطيُّ في " الإِتقان " ، ومعلومٌ أَنَّ السيوطيَّ لا يتحرّى الدِّقَّةَ في ما يَنقل ، وأَنَّ صحةَ الروايةِ عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأَصحابِه شرطٌ لقَبولِها واعْتمادِها.
أَمَّا الأَقوالُ الثلاثةُ السابقة فقد ذَكَرَها البخاريُّ في صحيحه ، وهي من موافقاتِ عمر.
روى البخاريُّ عن أَنَسِ بنِ مالك - صلى الله عليه وسلم - قالَ : قالَ عمرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه - : وافَقْتُ رَبّي - أَو وافَقَني ربّي - في ثلاث : قلتُ : يا رسولَ اللّه : لو اتّخَذْتَ من مَقامِ إِبراهيمَ مُصلّى ، فنزلَتْ : *وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى*.
وقلتُ : يا رسولَ اللّه : يدخلُ عليك البَرُّ والفاجر ، فلو أَمرتَ أُمَّهاتِ المؤمنين بالحجاب ، فأَنزلَ اللّهُ آيةَ الحجاب.
وبَلَغَني مُعاتبةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بعضَ نسائِه ، فدخَلْتُ عليهنّ فقلْتُ : إِن انتهيْتُنَّ أَو لَيُبْدِلَنَّ اللّهُ رسولَه خيراً منكن ، فأَتَتْ إِحْدى نسائِه ، فقالَتْ : يا عُمَر : أَما في رسولِ اللّهِ ما يَعِظُ نِساءَه ، حتى تَعِظَهُنَّ أَنت ؟
فأَنزلَ اللّهُ قولَه تعالى : *عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ*.
ولا تَدُلُّ موافقاتُ عمرَ - رضي الله عنه - وما نَزَلَ من القرآنِ على لسانِ بعضِ الصحابة كما ذكرَ السيوطيُّ في الإِتقان - على أَنَّ في القرآنِ أَقوالَ الناس.
وأَنَّ القرآنَ صناعةٌ بشرية ، كما قالَ الفادي المفتري! فكلّ مسلمٍ يُؤمنُ أَنَّ القرآنَ كُلَّه كلامُ اللّه ، وأَنَّ ما فيه من موافقاتٍ إِخبارٌ من اللّهِ عن بعضِ ما قالَه الصحابةُ أَو فَعَلوه ، وهذا عِلْمٌ معروفٌ بعِلْمِ " أَسبابِ النزول ".
وهو أَنْ تَقَعَ الحادثةُ ، فتنزل الآيةُ عَقِبَها.
وموافقاتُ عمرَ التي نَزَلَت الآياتُ مُقَرِّرَةً لكلامِ عمرَ واقتراحِه ، تَدُلُّ على فَضْلِ ومنزلةِ وفطنةِ عمرَ - رضي الله عنه - ، بحيثُ يُنزلُ اللّهُ الآيةَ في اعتمادِ كلامِهِ والأَخْذ ومن هذا البابِ ما " حكاهُ " القرآنُ في قصصِه ، ونَسَبَهُ لأُناسٍ من السابقينَ ، من كلماتٍ وأَقوالٍ وحِوارات ، حيث نَقَلَ ما قالوه بلغاتِهم السابقةِ غيرِ العربية بلسانٍ عربيٍّ مبين !!.
ولقد شَتَمَ الفادي المجرمُ القرآنَ والرسولَ - صلى الله عليه وسلم - في عباراتٍ استفزازية ، مثل قولِه : " فَسَجَّلَ محمدٌ قولَ عمرَ في القرآن " ، وقولُه : " فَسَجَّلَ محمّدٌ أَقوالَ عمرَ هذه بنَصها"..
وهو يَجزمُ في هذه العباراتِ بأَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - هو الذي صاغَ القرآنَ وأَلَّفَه ، ونَقَلَ فيه من أَقوالِ الناس ، ومنهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - !!.

حول سور الخَلْع والحَفْد والنّورين
يَرى الفادي المفترِي أَنَّ المسلمينَ حَرَّفوا القرآن ، وأَسقطوا منه بعضَ سُوَرِه ، وأَنَّ بعضَ المسلمين أَلَّفَ بعضَ السورِ القرآنية ، وهو بهذا يُكَذِّبُ آياتِ التحدي ، التي قَرَّرَتْ أَن البَشَرَ لا يمكنُ أَنْ يأتوا بمثْلِ القرآن.
قال : " جاءَ في سورةِ البقرة : *وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *23* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ *24*.
وجاءَ في سورةِ يونس : *أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *38*.
وجاءَ في سورة الإسراء : *قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا *88*. "
ولم يُصَدِّق الفادي المفترِي مضمونَ آياتِ التحدي ، وزَعَمَ أَنه تَمَّ الإِتْيانُ بسُوَرٍ مثلِ القرآن.
قال : " فماذا يَحدثُ لو أَنَّنا أَتينا بسورةٍ واثنتينِ وثلاثِ سُوَرٍ مثلِ القرآن ، دونَ حاجةٍ إِلى اجتماعِ الإِنسِ والجِنِّ ؟ ".
والسورُ الثلاثُ التي زَعَمَ الفادي المجرمُ أَنها مثْلُ القرآن ، هي سور :
الخَلْعِ والحَفْدِ والنُّورَيْن ، وزَعَمَ أَنَّ سورتي الحَفْدِ والخَلْعِ كانتا في مصحفِ أُبَيّ بنِ كَعْب وابنِ عباس ، وذَكَرَ كلماتِ السُّوَرِ الثلاث.
ونَصُّ سورةِ الخلْعِ الذي ذَكَرَه هو : " اللهمَّ إِنّا نَستعينُك ونَستغفرُك ، ونُثْني عليكَ ولا نَكْفُرُك ، ونَخلعُ ونَتركُ مَنْ يَفجرُك ".
ونَصُّ سورةِ الحَفْدِ الذي ذَكَرَه هو : " اللهمَّ إِيّاك نَعْبُد ، ولك نُصَلّي ونَسجد ، وإِليكَ نَسْعى ونَحْفِد ، نَرجو رحمتَك ونَخشى عَذابَك ، إِنَّ عذابَك بالكفارِ مُلْحِق ".
وعَلَّقَ على كلماتِ السورتَيْن المزعومتَيْن بقوله : " ومعلومٌ أَنَّ سورتَي الخَلْعِ والحَفْدِ جاءَتا في مصحفِ أُبَيِّ بنِ كعب ، وفي مصحفِ ابنِ عباس ، وأَنَّ محمداً عَلَّمَهُما لعليّ بن أَبي طالب ، الذي كان يُعَلِّمُهما للناس ، وصَلّى بهما عمر بن الخطاب..
فلماذا لا تُوجدَانِ في القرآن المتداوَلِ اليوم ؟
ولماذا أَسْقَطَهُما المسلمون ؟.. ".
وهذا التعليقُ كَذِب وافتراء ، ومَصاحفُ الصحابةِ الشخصيةُ لا تُخالفُ المصحفَ الإِمامَ ، الذي أَجمعَ عليه الصحابة ، ولم يكنْ لأُبَيِّ بنِ كعبٍ ، ولا لابْنِ عَبّاس ولا لابنِ مسعود - رضي الله عنهم - مصاحِفُ خاصَّة ، فيها سورتا الخَلْعِ والحَفد ، كما زَعَمَ الفادي المفترِي.
وأَلْفاظُ سورتي الخَلْعِ والحَفْدِ التي سَجَّلَها الفادي الجاهلُ ، كان عمرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه - يَقرأ بها في الصلاةَ! وعَلَّمَها الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - علياً ، ليقرأَ بها في الصلاة!! نعم ، هذا صحيح!! لكنْ ليسَ على أَنها من القرآن ، وإِنما على أَنها دعاء للّه.
أَلفاظُ السورتَيْن المزعومتَيْن جزءٌ من دعاءِ القُنوت ، كانَ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - يَدْعو به في الصلاة ، وعَلَّمَه لعمرَ وعليٍّ وغيرهما من الصحابة - رضي الله عنهم - ، وكانوا يَدْعونَ اللّهَ به في الصلاة ، وسمعَه منهم المسلمون ، ورَوَوه عنهم ، وذُكِرَ هذا في الكتب..
وقَرَأَ قومُ الفادي من المستشرقين أَلْفاظَ هذا الدعاء ، وأَنهم كانوا يَذْكُرونَه في الصلاة ، فاعْتَبَروهُ من القرآنِ لجَهْلِهم وغَبائِهم!!.
دُعاءُ القنوتِ الذي يَدْعو به المؤمنون في صلاةِ الفجر ، وفي صلاةِ الوِتْر هو : " اللهمَّ إِنّا نَستعينُك ، ونَستهديك ، ونَستغفرُك ، ونَتوبُ إِليك ، ونُؤمنُ بك ، ونتوكَّلُ عليك ، ونُثْني عليكَ الخيْرَ كُلَّه ، نَشكُرُك ولا نَكفُرُك ، ونَخلعُ ونَتركُ مَنْ يَفجرُك ، اللهمَّ إِيّاك نَعْبُد ، ولكَ نُصَلّي ونَسْجُد ، وإِليكَ نَسْعى ونَحْفِد ، نَرجو رَحْمَتَك ، ونَخشى عَذأبَك ، إِنَّ عذابَكَ الجِدَّ بالكُفّارِ مُلْحِق ".
أَمّا كلماتُ سورةِ النورَيْن التي زعمَ المفْتري وقومُه أَنَّها من القرآنِ المحذوفِ فإِنها كلماتٌ ركيكةٌ ضعيفة ، لا تَرْقى إِلى مستوى الكلامِ العربيِّ الفَصيحِ البليغ ، فَضْلاً عَنْ بُلوغِها مستوى القرآنِ العظيمِ المعجز ، وهي كلماتٌ صاغَها قومٌ ضعفاءُ في التعبيرِ البيانيِّ المشرق!.
وأَضَعُ بين يدي القراءِ كلماتِ هذه السورةِ المفتراة ، وأَدْعوهم إِلى إِمعانِ النظرِ فيها ، ليَعْرِفوا صِدْقَ ما أَقول :
" بسم اللّه الرحمن الرحيم :
يا أيها الذين آمَنوا : آمِنوا بالنورَيْن ، أَنزلناهما ، يَتْلُوان عليكم آياتي ، ويُحَذِّرانكم عذابَ يومٍ عظيم..
نُورانِ بعضهما من بعض ، وإِنّا لَسميعٌ عليم..
إِنَّ الذين يعرفون بعَهْدِ اللّهِ ورسوله في آياتٍ لهم جَناتُ النعيم..
والذين كفروا من بعدِ ما آمَنوا بنقْضهم ميثاقَهم وما عاهَدهم الرسولُ عليه يَقذفونَه في الجحيم..
ظَلموا أَنفسهم ، وعَصوا الوحيَ الرسولَ أُولئك يُسقَوْنَ من حميم..
إِن اللّهَ الذي نَوَّرَ السماواتِ والأَرض بما شاء ، واصطفى الملائكةَ والرسل ، وجَعَلَ من المؤمنين أُولئكَ من خَلْقِه ، يَفعلُ اللّهُ ما يشاء ، لا إِلَه إِلا هو الرحمنُ الرحيم..
قد كفر الذين من قبلِهم برسلهم ، فأَخَذْتُهم بمكْرِهم ، إِنَّ أَخْذي أَليمٌ شديد..
إِنَّ اللّهَ قد أَهلكَ عاداً وثمود بما كَسَبوا ، وجعَلَهم لكم تذكرة ، أفلا تتقون..
وفرعونُ بما طغى على موسى وأَخيه هارون أَغرقْتُه ومَنْ تَبِعَه أَجمعين..
ليكونَ لكم آية ، وإِنَّ أَكثركم فاسقون..
إِنَّ اللّهَ يجَمعُهم يومَ الحشر فلا يَستطيعونَ الجوابَ حين يُسأَلون..
إِنَّ الجحيم مأواهم ، وإنَّ اللّهَ حكيمٌ عليم..
يا أَيها الرسولُ بَلّغْ إِنذاري فسوفَ يَعلمون..
قد خَسِرَ الذين كانوا عن آياتي وحُكْمي مُعْرضين..
مثل الذينَ يوفون بعهدِك إِني جزيتُهم جناتِ النَعيم..
إِني لذو مغفرةٍ وأَجرٍ عظيم ... .
وإِنَّ عليّاً لمن المتَّقين..
وإِنّا لنُوَفِّه حَقَّه يومَ الدين..
وما نحنُ عن ظُلْمِه بغافِلين..
وكَرَّمْناهُ على أَهلِكَ أَجمعين..
وإِنَّه وذريتَه لَصابرون..
وإِنَّ عَدُوَّهم إِمامُ المجرمين..
قل للذينَ كَفَروا بعدما آمَنوا : طَلَبْتُم زينةَ الحَياةِ الدنيا ، واستعجَلْتُم بها ، ونَسيتمُ ما وَعَدَكُم اللّهُ ورسولُه ، ونقضتمُ العهودَ من بعدِ توكيدِها ، وقد ضرَبْنا لكم الأَمثالَ لعلكم تهتدون..
يا أَيها الرسولُ : قد أَنزلْنا إِليكَ آياتٍ مُبَيِّنات ، فيها مَنْ يَتَوَفَّهُ مُؤْمِناً ، ومَنْ يتوَلَّه من بعدِك يَظْهَرون..
فأَعرضْ عنهم إِنهم مُعرضون..
إِنّا لهم مُحَرّضون ، في يوم لا يُغْني عنهم شيءٌ ، ولا هم يُرْحَمون..
إِنَّ لهم في جهنَّم مقاماً عنه لا يَعْدلون..
فَسَبِّحْ باسمِ رَبِّك وكُنْ من الساجدين..
ولقد أَرسلْنا موسى وهارون ، فبَغَوْا هارون ، فصَبْرٌ جَميل ، فجعلْنا منهم القِرَدَةَ والخَنازير ، ولَعَنّاهم إلى يوم يُبْعَثون..
فاصْبِرْ فسوفَ يُبْلون ، ولقد آتينا بك الحُكْم ، كالذينَ من قبلِك من المرسلين..
وجعلْنا لك وَصِيَّاً منهم لعلَّهم يَرجعون..
ومَنْ يَتَولَّ عن أَمْري فإني مُرجعُه ، فلْيتمتَّعوا بكفْرهم قليلاً ، فلا تسأَلْنِ عن الناكثين..
يا أَيها الرسولُ قد جعَلْنا لك في أَعناقِ الذين آمَنوا عهداً ، فَخُذْهُ وكُنْ من الشاكرين..
إِنَّ علياً قائماً بالليلِ ساجِداً ، يَحذرُ الآخرةَ ويَرجو رحمةَ ربه.
قل هل يَستوي الذين ظَلموا ، وهم بِعذابي يعلمون..
سيَجعلُ الأَغلالَ في أَعناقِهم ، وهم على أَعمالِهم يندمون..
إِنا بشرناك بذرية الصالحين..
وإنهم لأمرنا لا يخلفون..
فعليهم مني صلاة ورحمة ، أَحياءً وأَمواتاً ويومَ يُبْعَثون..
وعلى الذين يَبْغونَ عليهم من بعْدِك غَضَبي ، إِنهم قومُ سوءٍ خاسرين..
وعلى الذين سَلَكوا مَسْلَكَهم منّي رحمة وهم في الغُرُفات آمِنون..
والحمدُ للّه ربّ العالمين.. آمين.. ".
هذا هو النصُّ الركيكُ لسورة النّورَيْن ، وقد تَعَمَّدْتُ أَنْ أَذكُرَه كما هو في كتابِ الفادي المفترِي ، بأَخطائِه النحويةِ واللغوية ، وأَدْعو القُرّاءَ إِلى الصبرِ على قراءتِه ، ليعرفوا المستوى الهابط الذي انحدر إليه الذين كتبوه..
وزعموا أنه وحي من اللّه ، وأَنه كانَ في القرآن ، ثم حَذَفَه منه المسلمون زَمَنَ عثمانَ - رضي الله عنه -.
ولا وَجْهَ للمقارنةِ بينَ هذا الكلامِ وبينَ القرآن ، لأَنه لا مُقارنَةَ بين الثّرى على الأَرْضِ والثُّرَيّا في السماء!!.
وكم كان الفادي غَبِيّاً سَخيفاً عندما جَعَلَ عنوانَ كلامِه : " سُوَرٌ مِثْلُه " ،
وادَّعى أَنَّ هذا الكلامَ مِثْلُ القرآن! ولا أَتحرجُ من ذِكْرِ وتَسجيلِ ما زَعَمَه بعضهم من أَنَّه قرآن ، وما ادَّعاهُ بعضُهم من القدرةِ على معارضةِ القرآنِ والإِتيانِ بسوَرٍ مثلِه ، ولا أَخافُ منه على القرآن.
ولدي قراءتِنا لكلامِهم التافهِ الذي كَتَبوه نَزْدادُ ثقةً بالقرآن ، ومحبةً له ، ويَقيناً بأَنَّه كلامُ اللّه ، وعجز البشرِ الأَبَدِيِّ عن معارضتِه!!.

كيف يشاء اللّه الكفر ؟
اعترضَ الفادي المفترِي على قولِ اللّهِ - عز وجل - : *قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا*.
ونَقَلَ من تفسيرِ البيضاويِّ كَلاماً ، خُلاصتُه : " *وَمَا يَكُونُ لَنَا* : ما يَصِحّ لَنا *أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا* خِذلانَنا وارْتِدادَنا..
وفيه دليلٌ على أَنَّ الكفرَ بمشيئةِ اللّه! ".
وسَجَّلَ اعتراضَه وتساؤلَه قائلاً : " ونحنُ نسأل : كيفَ يَشاءُ اللّهُ الكفر ، وهو أَكبرُ المعاصي ؟!
وهل يتفقُ هذا معَ قداسةِ اللّهِ وصَلاحِه وعَدْلِه ؟
أَليسَ الأَوفقُ والأَكرمُ لمجدِ اللّهِ أَنْ نعتقدَ بقولِ التوراةِ وقولِ الإِنجيل : اللّهُ يُريدُ أَنَّ جميعَ الناس يُخْلِصون ، وإِلى معرفةِ الحَقِّ يُقْبِلون ".
الآيةُ التي اعترضَ - عليها المفترِي ضمنَ آياتٍ تتحدثُ عن قصةِ شعيبٍ - عليه السلام - مع قومِه ، وتُسَجِّلُ رَدَّ شعيبِ على تهديدِ قومِه الكافرين له ولأَتْباعِه المؤمنين ، بإِخراجِهم من قريتِهم إِنْ لمَ يَعودوا في مِلَّتِهم.
قال تعالى : *قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ *88* قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا*.
أَخبرَ شعيبٌ - عليه السلام - قومَه بأَنه لنْ يعودَ هو وأَتباعُه المؤمنون في ملَّتِهم الكافرة ، وأَنه لا يكونُ ولا يَنْبَغي له ولأتْباعِه المؤمنين أَنْ يَعودوا إلى الكفر بعدَ أنْ نَجَّاهم اللّه منه ، ومَنَّ عليهم بالإِيمان.
ثم رَبَطَ شعيب - عليه السلام - الأَمْرَ بمشيئةِ اللّه : *وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا*.
والمعنى : نحنُ قَرَّرْنا أَنْ لا نعودَ في ملَّتِكم ، لكن لا نَدري ما الذي يَشاؤُه اللّهُ ويُريدُه ، فإِنْ شاءَ خِذْلانَنا ورِدَّتَنا فإِنَّ مشيئَتَه نافذةٌ ماضية.
والمصْدَرُ " أَنْ يشاءَ اللّهُ ربُّنا " في محلِّ نصب مستثنى ، والاستثناءُ هنا منفصل ، غيرُ مرتبط مع ما قَبْلَه ، والمفعولُ به لفعل " يشاء " محذوف ، تقديرُه : يَشاءُ اللّهُ ربّنا عودَتَنا.
وتقديرُ الاستثناء : ما يكونُ لنا أَنْ نعوَد فيها إِلا مشيئة ربِّنا ذلك.
وحكمةُ ذكْرِ الاستثناءِ هنا ، رَبْطُ كُلِّ شيء بمشيئةِ اللّهِ وإِرادتِه ، وعلمه وقَدَرِه وقَضائِه ، وبيانُ أَنَّ مشيئةَ اللّه هي النافذة ، وأَنَّ إِرادتَه هي الماضية ، وأَنه إِذا أَرادَ شيئاً أَوجَده كما أَراد ، وأَنَّه لن يَقَعَ شيءٌ في الوجودِ كُلِّه إِلا بمشيئتِهِ سبحانَه وإِرادتِه.
وهذا معناه أَنْ يُسَلِّمَ المؤمنُ أَمْرَهُ إِلى اللّه ، وأَنْ يحسنَ التوكلَ عليه ، والتفويضَ إِليه ، والرضا بقدرِه!.
وخاطَبَ إِبراهيمُ - عليه السلام - قومَه بكلامٍ قَريب مما خاطَبَ به شعيبٌ - عليه السلام – قومَه قال تعالى : *وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا*.
فبعدَ أَنْ واجَهَهم بعدمِ خوفِه مِنهم ومِن آلهتِهم ، رَبَطَ الأَمْرَ بمشيئةِ اللّه ، والمعنى : أَنا لا أَخافُ آلهتَكم لأَنها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَع ، فإِنْ شاءَ اللّهُ رَبّي أَنْ تَضُرَّني ، وَقَعَ الضُّرُّ بي ، لأَنَّ اللّهَ شاءَ ذلك ، وليس لأَنها هي تَضُرُّ ، فهي سببٌ في هذه الحالة ، والمسَبِّبُ والمقَدِّرُ هو اللّه!!.
ولم يَفْهَم الفادي الجاهلُ معنى إِرادةِ اللّهِ ومشيئتِه ، وادَّعى أَنَّ اللّهَ لا يَشاءُ الكفر! وهذا ادِّعاءٌ كبير ، وخَطَأٌ فادح!.
إِذا كانَ اللّهُ لا يَشاءُ الكفر ، فمعنى ذلك أَنَّ الكفارَ يَكْفُرون رَغْماً عن اللّه ، وهذا يَقودُ إِلى إثباتِ العجزِ للّه ، لأَنه لا يَستطيعُ مَنْعَ كُفْر الكفار ، وأَنَهُ تَحدثُ في مُلْكِه أَشياءُ بدونِ إِذْنِه!! وهذا اتِّهامٌ للّهِ بالنقصِ والضَّعفِ والعَجْز!!.
ولا إِشكالَ في قولِنا : الكافرُ يكفُرُ بمشيئةِ اللّه ، واللّهُ هو الذي يَشاءُ الكفر ، لأَنه لا يَقعُ شيءٌ في الوجودِ بدونِ إِذْنِ اللّهِ وإِرادتِه ومشيئتِه سبحانه ، ومَنْ هو ذلك الشخصُ المخلوقُ القادرُ على تعجيزِ اللّه ؟!.
ومشيئةُ اللّهِ كُفْرَ الكافرِ تَعْني عِلْمَه بأَنه سيكفُرُ ، وإِرادَتَه في أَنْ يَكْفُر ، ولو لم يُرِدْ ذلك لَمَنَعَ الكافرَ من الكفر ، ومَنَعَ العاصي من المعصية.
ولا يَعْني هذا أَنَ اللّهَ يَرضى ذلك الكفر ، ويحبُّ الكافرَ عندما يكفر ، فإِنَّ اللّهَ لا يَرضى ذلك ، ولا يُحِبه ، وقد نَهى الكافِرَ عنه ، وهَدَّدَه بالعذاب ، وسيحاسِبُه ويعاقِبُه ويُعَذِّبُه.
ومعنى هذا أَنَّ مشيئةَ اللّهِ وإِرادتَه نوعان :
الأَول : مشيئةٌ كونيَّة : وهي مشيئَةٌ تَقومُ على مجردِ العِلْم ، وهي المتعلقةُ بكفرِ الكافرِ ، ومعصيةِ العاصي..
فاللّهُ شاءَ ذلك الكفرَ وأَرادَه ، بمعنى أَنه عَلِمَه ، لكنَه لا يرضى ذلك ولا يَقْبَلُه ، وقد نَهى عنه وحَذَّر منه ، وتَوَعَّدَ فاعِلَه بالعذاب.
الثاني : مشيئة شرعية : وهي تقومُ على العِلْمِ أَوَّلاً ، ثم يَنتجُ عنها الرضا والمحبة ، وهي المتعلقةُ بإِيمانِ المؤمنِ وعبادتِه للّه وطاعتِه له.
فاللّهُ شاءَ إِيمانَ المؤمن وعبادتَه ، بمعنى أَنَّه عَلِمَ أَنَّه سيؤمن ، وقَدَّرَ له أَنْ يُؤمن ، وأَرادَ له أَنْ يُؤمن ، وأَعانَه على أَنْ يُؤمن ، ورضيَ له أَنْ يُؤمن ...
ولَمّا آمَنَ المؤمنُ أَحَبَّهُ اللّه ، وأَثابَه على إِيمانِه ، وأَعطاهُ على ذلك الأَجْرَ والثواب!.
والقرآنُ صَريحٌ في حديثِه عن هاتَيْن المشيئَتَيْن ، وذَكَرَ ذلك في آياتٍ عديدة ، نكتفي منها بقولِ اللّهِ *إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ *7*.
وبهذا نعرفُ أَنَّه لا مَحْذورَ في الحديثِ عن مشيئةِ اللّه ، وتَقْريرِ أَنه يَشاءُ الكفر ، بالمعنى الذي وَضَّحْناه ، وإِنما المحذورُ في نفيِ ذلك عن اللّه ، لأَنه يُؤَدّي إِلى إثباتِ العَجْزِ والضعفِ للّه ، وهو ما يُؤَدّي إِليهِ كلامُ الفادي الجاهل!!.

اللّه يبتلي عباده بالخير والشر
تحدثَتْ آياتُ سورةِ الأَعراف عن قصةِ أَصحابِ السبت ، وهم سُكّانُ قريةٍ من اليهود ، نَهاهم اللّهُ عن صيدِ الأَسْماكِ يومَ السبت ، فتَحَايَلُوا على ذلك ، وارْتَكَبوا المحْذور ، ولم يَسْتَجيبوا للنّاصحين الذين نَصحوهم ونَهوهم عن ذلك ، فعاقَبَهم اللّهُ بأَنْ مَسَخَهم قردةً خاسِئين ، وأَنجى الدعاةَ الذين نَهوهم عن ارتكابِ ما حَرَّمَ اللّه!.
ومما قالَهُ اللّهُ عن أَصحابِ السبت : *وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ *163*.
تُخبرُ الآيةُ أَنَّ اللّهَ ابْتَلى أَصحابَ القرية ، فَوَجَّهَ الأَسماكَ والحيتانَ إِليهم يومَ السبت ، الذي حُرِّمَ عليهم صَيْدُها فيه ، حيث كانت تأتيهم على وجْهِ الماء ، وكأَنها شُرَّعٌ تَسيرُ على وَجْهِ الماء ، وفي باقي الأَيامِ كانت لا تَأتيهم ، وكانوا يُتْعِبونَ أَنفسَهم في البحثِ عنها في البحرِ لصيْدِها.
واعترضَ الفادي على الآية ، وخَطَّأَها ، واعتبرها لا تتفقُ مع عَدْلِ اللّه.
قال : " ومعنى هذا أَنَّ اللّهَ أَوصى بني إِسرائيل أَنْ يسْتَريحوا من أَعمالِهم للعبادةِ يومَ السبت ، وجَعَلَ الحيتانَ تأتي ظاهرةً يَوْمَ السبت ، لإِغرائِهم بصيدها ، وتَخْتَفي باقىِ أَيام الأُسبوع ...
فكيف نتصوَّرُ إِلهاً يُجَرِّبُ عبادَه بالشُّرور ، ويُسَهِّلُ لهم العصيان بإِظهار الحيتانِ يومَ السبت ؟..
مع أَنَّ الإِنجيلَ يَقول : لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذا جُرِّبَ إِني أُجَربُ من قِبَلِ اللّه ، لأَنَّ اللّهَ غَيْرُ مُجَرِّبٍ بالشّرور ، وهو لا يُجَرِّبُ أَحَداً ، ولكن كلُّ واحِدٍ يُجَرَّبُ إِذا انْجَذَبَ وانْخَدَعَ من شهوتِه ".
يَرى الفادي الجاهلُ أَنَّ اللّهَ لا يَبْتَليَ عبادَه ولا يَمتحنُهم ولا يُجَرِّبُهم ، لأَنَّ هذا لا يتفقُ مع عَدْلِه ، أَيْ كيفَ يُقَدِّمُ لهم الشرورَ والمغرياتِ ، ويُسَهِّلُ لهم الحصولَ عليها ، ثم يمنَعُهم منها ويُحَرِّمُها عليهم ؟!.
واعتراضه مرفوض ، وكلامُه مردود ، فاللّهُ خَلَقَ عبادَه وكَلَّفَهم بالتكاليف ، وذلك ليبتَلِيَهم ويمنحِنَهم ، ويُجَرِّبَهم ويَختبرَهم ، فالتكاليفُ والشرائعُ ابتلاءٌ من اللّهِ لعبادِه..
قال تعالى : *الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا*.
واللّهُ يَبْتَلِي عبادَه بالخير ، كما يَبْتَليهم بالشَّرِّ ، ليَميزَ الخبيثَ من الطَّيِّب.
فالمؤمنُ يشكرُ اللّهَ عند الخير والسّرّاء ، ويَصبرُ عندَ الشَّرِّ والضرّاء ، وبذلكَ ينجحُ في هذا الابتلاءِ والاختبار.
أَمّا الكافرُ والفاسقُ فإِنه يَطْغى عندَ الخَيْرِ والنعمة.
ويَيْأَسُ عند الشَّرّ والمصيبة ، وبذلك يَخسرُ ويَرسبُ في الابتلاءِ والامتحان.
قال تعالى : *كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً*.
على ضوءِ هذه الآيةِ نَعرفُ ابتلاءَ أَهْلِ القرية ، حيثُ امتَحَنَهم بعدمِ صَيْدِ الحيتان يوم السبت ، ومبالغةً في الابتلاءِ كان يَسوقُ إِليهم الأَسماكَ والحيتانَ في يومِ السبت ، وكانت هذه الحيتانُ لا تأْتيهم في باقي أَيام الأُسبوع.
ورسب معظم أَصحابِ القريةِ في الامتحان ، حيث تَحايَلوا على حُكْمِ اللّه ، وارْتَكَبوا ما حَرَّمَ اللّه.
وكما ابْتَلى اللّهُ بني إِسرائيلَ بالتكليف ، ومَنَعَهم من الصيدِ يومَ السبت ، ابْتَلى اللّهُ المؤمنين ، ومَنَعَهم من صَيْدِ البَرِّ أَثناءَ إِحرامِهم بالحَجِّ أَو العمرة.
قال تعالى.
*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ *94*.
فاللّهُ قَرَّبَ الصيدَ للمسلمين المُحْرِمين ، كما قَرَّبَ الحيتانَ لليهودِ من أَصحابِ القرية ، وعَبَّرَت الآيةُ عن هذا التقريب : *تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ*.
وقد نجحَ المسلمونَ في هذا الابتلاءِ والامتحان ، والْتَزموا بحُكْمِ اللّه.

حديثُ القرآن عن المسيح - عليه السلام -
تحدَّثَ القرآنُ عن المسيح عيسى ابنِ مريمَ - عليه السلام - كما تَحَدَّثَ عن غيرِه من الرسل ، وكان حَديثُه عن أُولي العزمِ من الرسلِ أَكثرَ من حديثِه عن غيرِهم.
وأُولو العزمِ من الرسلِ خمسةٌ هم : نوحٌ وإِبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمدٌ ، عليهم الصلاةُ والسلام.
وقد كَذَبَ الفادي المفترِي عندما قالَ : " إِنَّ الذي ذَكَرَهُ القرآنُ عن المسيحِ يَفوقُ ما ذَكَرَهُ عن سائرِ البَشَر ، بمنْ فيهم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - أَلا يُشيرُ هذا إِلى تَفَرُّدِ المسيحِ عن سائرِ البشر ؟
وهذا ما يقولُه الإِنْجيلُ عن لاهوتِ المسيح ".
إِنَّ ما ذَكَرَهُ القرآنُ عن محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أَكثرُ مما ذَكَرَه عن عيسى - عليه السلام - ، وكذلك ما ذَكَرَهُ عن إِبراهيمَ وموسى - عليهما السلام - أَكثرُ مما ذَكَرَهُ عنه.
أولاً : مثل عيسى كمثل آدم :
أَخْبَرَ اللّهُ أَنَّ مَثَلَ عيسى كَمَثَلِ آدم - عليه السلام -.
قال تعالى : *إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *59*.
خَلَقَ اللّهُ آدمَ - عليه السلام - من تراب ، ثم نَفَخَ فيه من روحِه ، وقالَ له : كُنْ إِنساناً حَيّاً ، فكانَ إِنْساناً حَيّاً..
وهكذا عيسى - عليه السلام - ، أَرادَ اللّهُ أَنْ يَخْلُقَه بدونِ أَبٍ ، فأَمَرَ جبريلَ - عليه السلام - أَنْ يَنفخَ روحَه في مريم - عليها السلام - فَفَعَل ، وقالَ اللّه لعيسى : كُنْ إِنساناً حَيّاً في رَحِمِ مريم ، فكانَ كما أَرادَ اللّه.
فلا غَرابةَ في خَلْقِ عيسى - عليه السلام - بدونِ أَبٍ ، كما أَنه لا غَرابةَ في خَلْقِ آدمَ بدونِ أَبٍ أَو أُمّ.
ولكنَّ هذا الكلامَ لم يُعْجب الفادي المفترِي ، ولذلك اعترضَ على الآيةِ بقولِه : " ونحنُ نَقولُ : إِنَّ آدَمَ مِثْلُ المسيحِ في أَنه أَبو الجِنْسِ البشريِّ ووكِيلُه ونائبُه ، ولكنَّ آدمَ بمعصيتِه جَرَّ ذريتَه جَميعاً للهَلاك.
أَمّا المسيحُ فهو أَبٌ ووكيلٌ ونائبٌ جَديدٌ للمؤمنين به ، الذين مَنَحَتْهُم كفارتُه وعملُه النيابيُّ وطاعتُه خلاصَهم ، ولهذا قالَ الإِنجيل : آدمُ الذي هو مِثالُ الآتي ".
أَمّا أَنَّ آدمَ - عليه السلام - أَبو البشر فهذا متفقٌ عليه ، لأَنه أَوَّلُ مخلوقٍ من البشر.
وأَمّا أَنّ عيسى المسيحَ - عليه السلام - أَبو البشرِ فهو أَمْرٌ مَرْفوض ، لأَنه وُلدَ بعدَ آدمَ بفترةٍ طويلة ، تَزيدُ عن مئاتِ الآلافِ من السنين.
ولقد كانَ الفادي وأَهْلُ ملَّتِه مُغالين مُبالغين عندما اعْتَبَروا عيسى - عليه السلام - أَباً للبشر ، ووكيلَهم ونائباً عنهم ، لدرجةِ أَنْ فَداهم بنفسِه ، وجَعَلَ دَمَه كفارةً لذُنوبهم ، وتَخْليصاً لهم!! وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي في موضوعِ الكفارةِ والفداءِ والخلاص.
ويُخَطِّئُ الفادي الآيةَ ، لأَنها شَبَّهَتْ عيسى - عليه السلام - بآدمَ : *إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *59*.
فهو يَرى أَنَّ خَلْقَ عيسى ليسَ كخلْقِ آدم ، قال : " أَمّا تَشبيهُ المسيح بآدَم ، بما يُفيدُ أَنَّ المسيحَ
مخلون كآدمَ بأَمْرِ اللّه ، فهذا خَطَأ..
لأَنَّ المسيحَ ليس بكائِنٍ من كلمةِ اللّه ، بل هو ذاتُه كلمةُ اللّهِ الأَزليّ ، الذي تَجَسَّدَ من مريمَ العذراء ، وظَهَرَ بينَ الناسِ ليخلَصَهم.. ".
يَرى الفادي أَنَ آدمَ - عليه السلام - خُلِقَ بكلمةٍ من اللّه ، وكُلُّ بَشَرٍ خُلِقَ بكلمةٍ من اللّه ، إِلّا المسيحُ - عليه السلام - ، فإِنه ليسَ مَخْلوقاً بكلمةٍ من اللّه ، وإِنما هو كلمةُ اللّهِ ذاتُها ، التي يَخْلُقُ بها الناس ، وهي كلمةٌ أَزليةٌ غيرُ مَخلوقة ، وَجَّهَها اللّه ُ إِلى مريم ، وتجسَّدَتْ هذه الكلمةُ في عيسى!!.
ومعنى هذا الكلامِ أَنَّ عيسى ليسَ مخلوقاً ، وإِنما هو أَزَليّ ، والأَزَلِيُّ هو اللّه ، لأَنَّ كُلَّ ما سوى اللّهِ مَخْلوق ، فإِنْ لم يكنْ عيسى مخلوقاً ، وإِنْ كانَ أَزَلِيّاً ، فسيكونُ إِلهاً ، لأَنَّ الموجودَ إِمّا أَنْ يكونَ مَخلوقاً حادِثاً ، وإِمّا أَنْ يَكونَ أَزَليّاً خالِقاً ، فإِنْ لم يكنْ مَخْلوقاً حادِثاً كان أَزَلِيّاً خالقاً!!.
إِنَّ جملةَ الفادي السابقةَ تأليه منه لعيسى - عليه السلام -.
وقد أَدانَ اللّهُ الذين أَلّهوا عيسى - عليه السلام - وكفَّرَهم ، وذلكَ في قولِه تعالى : *لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ*.
ثانياً : وضوح حديث القرآن عن المسيح :
كانَ القرآن واضحاً صريحاً في تقريرِه خَلْقَ عيسى كخلقِ آدمَ - عليه السلام - ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ بينَهما أَنَ كُلّاً منهما خُلِقَ بكلمةِ اللّهِ الأَزلية ، التي خَلَقَ بها باقي المخلوقين ، وهي كلمةُ " كُنْ " التكوينية : *إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *59*.
ورغْمَ تقريرِ القرآنِ الواضحِ بشأنِ خَلْقِ عيسى - عليه السلام - ، وأَنه عبدُ اللّهِ ورسولُه ، إِلَّا أَنَّ الفادي اتَّهَمَهُ بالتناقض.
قال : " ويقولُ القرآنُ في المسيحِ كَلاماً متناقضاً.
تقولُ سورةُ المائدة : *لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا*.
وَوَرَدَ في سورةِ الزخرف : *إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ *59*.
وفي الوقْتِ نفسِهِ توجَدُ آياتٌ أُخرى تُشيرُ إِلى لاهوتِ المسيح ، كشخصٍ غريبٍ وعَجيب بين البشر ، وتُعطيهِ أَعظمَ الأَلْقاب ، التي لم تُعْطَ في القرآنِ لغيره ".
إِنّ الفادي يَفتري على القرآن عندما يَتهمُه بالتناقضِ في حديثِه عن عيسى - عليه السلام - ، وهو الذي لم يُحْسِنْ فهمَ حديثِ القرآن!.
ومن أَرادَ أَنْ يَعرفَ حديثَ القرآن عن عيسى - عليه السلام - ، وأَنْ يَتَعَرَّفَ على شخصيتِه من خلالِ القرآن ، فعليهِ أَنْ يَجمعَ الآياتِ التي تحدثَتْ عنه من مختلفِ السُّور ، وأَنْ يَنظرَ فيها مجتمعة ، وأَنْ يَجمعَ بينها ، ويستخرجَ دلالتَها.
ومعلومٌ أَنه لا تَعارُضَ ولا تَناقُضَ في آياتِ القرآن.
عيسى - عليه السلام - خَلَقَهُ اللّهُ بدونِ أَب : وخَلَقَ روحَه بكلمتِه التكوينية ، " كُنْ " ، وأَمَرَ جبريلَ أَنْ يَحملَ روحَه المخلوقَة ، وأَنْ يَتَوَجَّهَ إِلى مريمَ العذراء ، وأَنْ يَنفخَ تلك الروحَ فيها ، فحملَتْ مريمُ بعيسى بأَمْر اللّه ، وكانَ حملَ معجزةٍ بأَمْرِ اللّه ، وبعدَ ولادةِ عيسى بلحظاتٍ كَلَّمَ أُمَّه ، وبعدَ ذلك كَلَّمَ قومَها ، فهو عبدُ اللّهِ ورسولُه ، وهو كلمتُه التكوينيةُ " كُنْ " ، والروحُ التي فيه روحٌ من عندِ اللّه ، وهو خَيْرُ مَنْ يُقَدِّمُ نفسَه ، عندما كَلَّمَ قومَ أُمَّه بعدَ ميلادِه.
قال تعالى : *قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا *30* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا *31* وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا *32* وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا *33*.
وقد وَقَفَ الفادي أَمامَ كلماتٍ قرآنيةٍ وَرَدَتْ في حديثِ القرآنِ عن عيسى - عليه السلام - ، واستشهدَ بها على عقيدةِ أَهْلِ مِلَّتِه في المسيح ، وحَرَّفَ مَعْناها ودلالتَها ، وهذه الكلماتُ هي :
1 - المسيح كلمة الله :
ذَكَرَ القرآنُ أَنّ عيسى - عليه السلام - كلمةُ اللّه.
قال تعالى : *إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ*.
وقال تعالى : *يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ*.
وفهمَ الفادي الآيتين فَهْماً خاطئاً ، قال : " كلمةُ اللّهِ : هذا الاسْمُ الكريمُ لا يَصِحُّ أَنْ يُسَمّى به مخلوق ، فهو خاصّ بالمسيح ، انفردَ به عن سائرِ البشرِ والملائكة ".
يُصَرخُ الفادي بأَنَّ عيسى ليس مخلوقاً ، لأَنه سُمِّيَ باسمٍ لا يُطْلَقُ على المخلوقين ، فلا يَجوزُ لأَيِّ مخلوقٍ من البشر والملائكةِ أَنْ يُسَمّى " كلمةَ اللّه " ، وبما أَنَّ المسيحَ سُمِّيَ كلمةَ اللّه ، فهذا يَعني أَنه ليسَ مخلوقاً ، وإِذا لم يكنْ مَخْلوقاً كان خالِقاً ، لأَنَّ الموجودَ إِنْ لم يكنْ مَخْلوقاً كان خالِقاً ، وهذا يؤكِّدُ إِيمانَ الفادي وأَهْلِ مِلَّتِه بأَلوهيةِ عيسى وأَزليتِه!.
وزعْمُهُ أَنَّ " كلمةَ اللّه " لم تُطلقْ على غيرِ المسيح في القرآنِ كَذبٌ وافتراء ، وهو يَعلمُ أَنه كاذبٌ مفترٍ ، لأَنه يَعلمُ أَنَّ " كلمةَ اللّه " في القرآنِ أُطلِقَتْ على غير المسيح.
ذُكِرَتْ " كلمةُ اللّه " في مقابلِ " كلمةِ الذين كفروا " ، وذلكَ في سياقِ الحديثِ عن نصرِ اللّهِ رسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم - في رحلةِ الهجرة.
قال تعالى : *فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *40*.
كلمةُ الكفار : هي رغبتُهم وإِرادتُهم في محاربةِ الحَقِّ والقضاءِ عليه.
وكلمةُ اللّهِ : هي إِرادةُ اللّهِ فى نَصْرِ الحَق وهزيمةِ الباطل ، وسُميتْ إِرادَتُه سبحانه " كلمة " ، لأَنها أَمْرٌ من اللّهِ - عز وجل - ، حيثُ يأمرُ بإنفاذِ قدرتِه وإرادتِه ، وتحقيقِ علمه ، فيكونُ ما أَرادَه سبحانه وأَمَرَ به.
قال تعالى : *إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *82*.
وقال تعالى : *وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا* ، وكلمةُ رَبّك : هي إِرادَتُه وأَمْرُه بنَصرِ بني إِسرائيل وإِهلاكِ أَعدائِهم.
فعبارةُ " كلمةِ اللّه " ليستْ خاصةً بالمسيحِ - عليه السلام - ، إِنما أُطلقَتْ في القرآن على عيسى وعلى غيره.
ومعنى كون عيسى - عليه السلام - كلمةَ اللّه : أَنَّ اللّهَ أَرادَ أَنْ يَجعلَ خَلْقَه معجزةً ، عن غيرِ طريقةِ الخَلْقِ المعروفةِ المألوفة ، عن طريقِ التزاوجِ والاتِّصالِ والمعاشرةِ والإِخصاب! فأَنْفَذَ إِرادَتَه وخَلَقَ عيسى في رَحِمِ مريمَ العذراء.
وكان خَلْقُه بكلمتِه التكوينيةِ التنجيزية ، التي تُحَوّلُ إِرادةَ اللّهِ من صورتِها العلميةِ النظريةِ إِلى صورتِها العمليةِ الحادثة ، التي تَمَّ بها إِيجادُ عيسى - عليه السلام - !.
وفَرْقٌ بينَ إِخبارِ القرآنِ أَنَ عيسى كلمةُ *اللّه* ، أَيْ أَنَّه خُلِقَ بكلمةِ اللّهِ وإِرادتِه ، وبين كَلامِ الإِنجيلِ المحَرَّفِ أَنه كلمةُ اللّه : " في البدءِ كان الكلمة ، والكلمةُ كانَ عندَ اللّه ، وكانَ الكلمةُ اللّه ، هذا كانَ في البدءِ عندَ اللّه ! ".
فالمسيحُ كلمةُ اللّه ، أَيْ أَنه هو اللّه! كما سَبَقَ أَنْ صَرَّحَ الفادي بذلك ، لأَنَّهُ يعَتقدُ أَنَ الكلمةَ ليستْ مخلوقة ، وإِنما هي أَزليةٌ مثلُ اللّه ، ملازِمَةٌ للّه ، لا تنفصلُ عن اللّه ، وهذا هو الكفرُ الصريح.
وقد قاس الفادى الجاهلُ كلمةَ اللّهِ على كلمةِ الإِنسان ، فقال : " ولقد سُمّيَ المسيحُ كلمةَ اللّه ، لأَنَّ كلمةَ الإِنسانِ هي منه ، ومن مقوماتِ شخصيتِه ، فهي صورةُ عَقْلِه وفِكْرِه ، والمترجمةُ له ، والمنفذةُ لسلطانِه وقوَّتِه..
فالمسيحُ هو ذاتُ كلمةِ اللّه ، وهذا يُثبتُ لاهوتَه ، لأَنَّ كلمةَ اللّه من اللّهِ وفي اللّهِ منذ الأَزل.
وهل يُمكنُ أَنْ يكونَ قد مَرَّ وَقْتٌ على اللّه كان فيه بلا كلمة ؟ ".
كلمةُ اللّهِ في نظرِ الفادي وأَهْلِ ملته أَزَلِيَّةٌ ملازمةٌ للّه ، وهي اللّهُ نفسُه :
" وكانَ الكلمةُ اللّه " كما وردَ في إِنجيلِ يوحَنّا ، وبما أَنَّ عيسى كلمةُ اللّه فهو أَزليّ مثلُ اللّه ، وليسَ مخلوقاً مثلُ المخلوقاتِ التي خَلَقَها اللّه..
وبما أَنَّ المسيحَ هو كلمةُ اللّه ، وبما أَنَّ الكلمةَ هي اللّه ، فإِنَّ المسيحَ هو اللّه!! وهذا ما يؤمنُ به الفادي وقومُه! وهذا هو كفر النصارى الذي أَدانهم اللّهُ به ، في قوله تعالى : *لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ*.
2 - المسيح روح من الله :
أَخبرَ اللّهُ أَنَّ المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ - عليه السلام - روحٌ من اللّه.
قال تعالى : *يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ*.
وَوَقَفَ الفادي المفترِي الخبيثُ أَمامَ الآية ، واستدلَّ بها على عقيدتِه الباطلة! قال : " لم تكتفِ الآية ُ بنْعتِ المسيحِ بالرسالة ، بل شهدَتْ أَنه كلمةُ اللّه.
ولكي لا نتوهَّمَ خلافَ المقصودِ باللفظِ " كلمةُ اللّه " ، أَتْبَعَها بما يُزيلُ الشّكّ ، وهو " وروحٌ منه " ، لنفهمَ أَنَّ المسيحَ ليس مجردَ رسولٍ عادي ، بل ابنٌ مرسَلٌ من أَبيه إِلى عالمِ الدُّنيا ، كأَشعةِ الشمسِ المنبعثةِ إِلى الأَرضِ من الشمس!!
وما الفرقُ بين القول : إِنَّ المسيحَ نورٌ من نورِ إلهٍ حَقٍّ من إِله حق ، والقول :
روحُ اللّه ، أَو : روحٌ من اللّه ؟
أَليسَ أَنَّه من ذاتِ اللّهِ ومن جَوْهَرِه ؟ ".
يُؤَكِّدُ الفادي على فكرتِه الباطلةِ وعقيدتِه المخالفةِ للحق ، التي تقومُ على أَنَّ المسيحَ جزءٌ ماديّ من ذاتِ اللّهِ المادية!!.
إِنه يرى أَنَّ المسيحَ ليس مجردَ رسولٍ عاديٍّ ! ومعنى هذا أَنه ليسَ رسولاً بَشَراً ، كباقي الرسلِ البشر!.
وهذا كلامٌ مرفوضٌ مردود ؟
فعيسى - عليه السلام - رسول عاديّ كباقي الرسل ، كلُّ ما في الأَمْرِ أَنَّ اللّهَ الحكيمَ خَلَقَه بدونِ أَب ، وأَنطَقَه وهو في المهد ، وهو في هذا يَختلفُ عن باقي الرسل ، وفي ما سوى ذلك هو رسول عاديٌّ كباقي الرسل..
وشَبَّهَ القرآنُ خَلْقَ عيسى بخْلقِ آدم - عليه السلام - ، ليُزيلَ استغرابَ النصارى من خَلْقِه بدون أَب.
قال تعالى : *إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *59* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ *60*.
ونَظرةُ الفادي إِلى المسيحِ - عليه السلام - نظرة باطلة ، إِنّه يرى أَنه " ابنٌ مرسَل من أَبيه إِلى عالمِ الدنيا ".
أَي أَنه ابْنُ اللّه ، واللّهُ أَبوه هو الذي أَرْسَلَه إِلى الدنيا!!
وهذا هو الكفرُ والشركُ باللّه! وقد نفى القرآنُ أَنْ يكونَ للّه وَلَدٌ.
قال تعالى : *مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ*.
وقال تعالى : *بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ*.
صلةُ عيسى باللّهِ عندَ الفادي كصِلَةِ أَشعةِ الشمسِ بالشمسِ! وانظرْ ما أَسْخَفَ هذا التشبيه ، وما أَجهلَ مَنْ ذَكَرَه! أَينَ الشمسُ وأَشعتُها من اللّهِ ورسولِه عيسى - عليه السلام - ؟
الشمسُ كوكبٌ مخلوق مرئيٌّ في السماء ، إِننا نرى الشمسَ المخلوقةَ بعيونِنا ، ونرى أَشعَّتَها المنبعثةَ منها.
وفردقٌ بين الشمسِ المخلوقة ، وبينَ اللّهِ الذي خلَقَها ، إِن اللّهَ لا يُمكنُ أَنْ يُرى بالعينِ المجردةِ في الدنيا ، كما تُرى الشمسُ! وفَرْقٌ بينَ عيسى الذي خَلَقَه اللّه ، وبينَ أَشعةِ الشمسِ المتولدِة عنها والمنبعثةِ منها! لأَنَّ هذه الأَشعةَ منفصلة عن الشمس انفصالاً ماديّاً مُشاهداً ، فهل انفصلَ عيسى عن اللّهِ انفصال الجزءِ الصغيرِ من الكُل الكبير ؟.
إِنّ الفادي الكافرَ يرى أَنَّ عيسى انفصلَ عن اللّهِ انفصال الجزءِ عن الكُلِّ! لأَنَّه جُزْءٌ ماديٌّ صَغيرٌ من ذاتِ اللّهِ الكبيرة! قال : " أَليسَ أَنه من ذاتِ اللّهِ ومن جوهرِه " فهو يؤمنُ أَنَّ للّهِ ذاتاً مادية ، وجَوْهَراً وجوديّاً ، يُمكنُ أَنْ يُحصَرَ وُيجَسَّمَ ويُحَدَّدَ ، ويُمكنُ أَنْ يَنفصلَ عنه جزءٌ صغير ، فيه روحٌ وحياة ، اسْمُه المسيح.
وهذا كُفْرٌ باللّه ، وتجسيم وتَحديدٌ له ، وتَجزئةٌ وتَقسيم له ، وفَصلُ جُزْءٍ منْه عَنْه !.
ولقد كانت الآيةُ دقيقةً في الإخبارِ عن المسيحِ - عليه السلام - : *إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ*.
وتكلَّمْنا عن معنى كون عيسى - عليه السلام - كلمةً في المسألةِ السابقة ، ونُبَيّنَ هنا معنى قولِه تعالى : *وَرُوحٌ مِنْهُ* : فقد وَصَفَ اللّهُ عيسى - عليه السلام - بأنه روحٌ من اللّه.
وفَرْق بعيد بين قولِه : روحٌ من اللّه ، وقوله : روحُ اللّه.
لو قالَ : إِنه روحُ اللّه لكانَ المعنى أَنَّ للّه روحاً مادية ، كانَتْ فيه ، موجودةً داخِلَه ، كما توجَد روحُ أَحَدِنا في كيانِه ، ثم أَخرجَ اللّهُ روحَه من داخلِه وجَعَلَها عيسى ، وهذا الكلامُ لا يَقولُه عاقل!.
عيسى - عليه السلام - "روحٌ من اللّه".
أَيْ خَلَقَ اللّهُ روحَ عيسى - عليه السلام - ، كما يَخلقُ روحَ أَيِّ إِنسانٍ آخَر ، وهذا معناهُ أَنَّ هذه الروحَ غيرُ اللّه! وحَرْفُ الجَرِّ " مِنْ "
في الآيةِ للبيان ، كما أَنه للابتداء.
أَي : الروحُ التي جعلَها اللّهُ في عيسى - عليه السلام - هي روحٌ من عندِ اللّه.
حَرْفُ الجَرِّ " من " في قوله تعالى : *وَرُوحٌ منه* عند الفادي وأَهْلِ ملَّتِه للتبعيض ، أَيْ أَنها جزءٌ وبعفق انفصلَ عن اللّه ودَخَلَ مريم وصارَ عيسى! بينما هذا الحرفُ عند المسلمين للبيانِ والابتداء ، كما وَضَّحْنا!.
3 - عيسى ابن من ؟ :
عيسى هو ابنُ مريمَ - عليها السلام - ، وذَكَرَ القرآنُ ذلك أَكثر من مَرَّة ، وقد شاءَ اللّهُ أَنْ يَخْلُقَه بدونِ أَب..
ولكنَّ الفادي الكافرَ يَقولُ : إِنَّه ابنُ اللّه.
قال : " انفردَ المسيحُ عن سائرِ البشرِ بولادتِه من عذراء! فلماذا تَميَّزَ عن سائرِ الأَنبياءِ بدخولِه عالَمَنا بهذه الطريقةِ المعجزيَّة ؟. ،.
إِنه كلمةُ اللّه وروحُ اللّه ، حَلَّ في أَحشاءِ العذارء ، وتَجسَّدَ وظهرَ بينَ الناسِ ، آيةً ورحمةً للعالَمين ... فهو ابْن مَنْ أُمُّه ؟
مريمُ..
ومَنْ أَبوه ؟ اللّه.
*فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ *91*.
سَبَقَ أَنْ تكلَّمنا عن معنى كونِ عيسى كلمةَ اللّهِ ، وروحاًْ من اللّهِ ، والجديدُ في كُفْرِ الفادي هنا أَنَّهُ نَصَّ على أَنَّ المسيحَ ابنُ اللّه : ْ " ومَنْ أَبوه ؟
.. اللّه! ".
وأَرادَ بالبُنُوَّةِ البنوَّةَ الحقيقيةَ المادية ، لأَنه قال : أُمّه مريمُ وأَبوهُ اللّه! وهذا كُفْرٌ صريحٌ باللّه ، لادِّعاءِ أَنَّ له ابناً وولداً هو المسيح.
وقد كان القرآنُ صريحاً في رفْضِ كونِ عيسى ابناً للّه ، وكُفْرِ الذينَ جَعلوا له وَلَداً ، وإِنكارِ كونِ المسيحِ ابناً للّه على وَجْهِ الخصوص.
قالَ تعالى : *قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *1* اللَّهُ الصَّمَدُ *2* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *3* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *4*.
وقال تعالى : *وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ *30*.
ودَعا اللّهُ النَّصارى إِلى التَّخَلّي عن فكرةِ التثليثِ وزَعْمِ كونِ ولدٍ للّه.
قال تعالى : *يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا *171*.
وبعدَ ما تحدَّثَتْ آياتُ سورةِ مريمَ عن قصةِ حَمْلِ مريمَ بعيسى وولادتِه وكلامِه في المهد ، عَقَّبَتْ على ذلك بنفي بُنُوَّتِه للّه.
قال تعالى : *ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ *34* مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *35*.
4 - عيسى بدون دنب!
تحدَّثَ الفادي في المسألةِ الرابعةِ عن تميُّزِ المسيحِ عن باقي الرسلِ - عليه السلام - ، وجَعَلَ عنوانَ الحديثِ : " قُدُّوسٌ بدونِ شَرٍّ ".
أَيْ أَنه لم يرتكبْ شَرّاً ولا ذَنْباً ، في الوقتِ الذي ارتكبَ فيه الرسلُ الآخَرونَ الشرورَ والذُنوبَ والمعاصي والأَخْطاءَ! وبعدما أَوردَ آيةً قرآنية وحديثاً عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - وكَلاماً لأَبي حامِد الغزالي
عن تميُّزِ عيسى عندَ ولادتِه بإِبعادِ الشيطانِ عنه ، قال : " ونحنُ نسأَلُ :
ما سِرُّ هذه القداسةِ المطلقة والكمالِ الفائق ؟
ولماذا لا يَذكرُ القرآنُ للمسيح خَطَأً كما ذَكَرَ لغيرِه من الأَنبياء ؟
ولماذا لا توجَدُ في القرآنِ إِشارةٌ إِلى أَنَّ المسيحَ تابَ إِلى اللّه ، ولا أَنَّ اللّهَ تابَ عليه ، ولا قَدَّمَ استغفاراً ، ولا أَنَّ اللّهَ غَفَرَ له ، كما جاءَ عن سائرِ الأَنبياءِ والرسلِ ؟
أَليس لأَنَّ المسيحَ ذاتٌ قدسية ، وهو كلمةُ اللّهِ وروحُه ؟ ".
أَمّا أَنَّ اللّهَ أَعاذَ عيسى - عليه السلام - من الشيطان ، فهذا صَحيحٌ ، لأَنه ذُكِرَ في القرآنِ وفي الحديث.
قالَ اللّهُ - عز وجل - عن دُعاءِ أُمِّ مريمَ عند ولادتِها : *وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *36*.
واستجابَ اللّهُ دعاءَها ، فحمى ابنتَها مريمَ عند ولادتِها من الشيطان.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أَبي هريرةَ - رضي الله عنه - عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " ما مِنْ مَوْلودٍ يولَدُ إِلّا والشيطانُ يَمَسُّه حينَ يولَد ، فيستهلُّ صارِخاً من مَسِّ الشيطانِ إِيّاه ، إِلّا مريم وابْنها ".
ثم قالَ أَبو هريرة : اقرؤوا إِنْ شِئْتُم قولَه تعالَى : *وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *36*.
وأَمّا أَنَّ عيسى - عليه السلام - لم يرتكبْ معصيةً ولا ذَنْباً ، فهذا صحيحٌ أَيْضاً ، لأَنه عبدُ اللّهِ ونبيُّه ورسولُه ، فاللّهُ عصمهُ من الأَخطاءِ والذُّنوبِ والمعاصي ، ولم يَجعلْ للشيطانِ سُلْطاناً عليه!.
وأَمّا أَنَ الرسُلَ الآخَرين وَقَعوا في الأَخطاءِ والذنوبِ والمعاصي ، فهذا خَطَأٌ وباطل ، فكما عَصَمَ اللّهُ رسولَه عيسى ، كذلك عَصَمَ باقي الأَنبياءِ والمرسلين ، ونَزَّهَهم من الأَخطاءِ والذنوبِ والمعاصي ، واصْطَفاهم لنفسِه ، وصَنَعَهم على عينِه ، فلم يكنْ للشيطانِ سَبيلٌ ولا سلطانٌ عليهم.
وأَخْطَأَ الفادي في اتهامِه للمرسلين : " ولماذا لم يَذْكُر القرآنُ للمسيحِ خَطَأً كما ذَكَرَ لغيرِه من الأَنبياء ؟ ".
والراجحُ أَنَّ القرآنَ لم يَذْكُرْ للأَنبياءِ أَخطاءً أَو ذُنوباً ، إِنَّما ذَكَرَ بَعْضَ المآخذِ التي أُخِذَتْ عليهم ، وعاتَبَهم اللّهُ عليها..
وهم لم يُخْطِئوا في تلك المواقف ، ولم يُذْنِبوا في تلك الأَفْعال ، وما صَدَرَ عنهم صواب ، ولكنَّ اللّهَ أَرشَدَهم إِلى ما هو أَوْلى ، لأَنَّ اللّهَ يُحِبُّ لهم الأَوْلى والأَفضلَ والأَصْوَبَ والأَكمل.
إِنَّ عيسى - عليه السلام - معصومٌ كَباقي الأَنبياء ، وليسَ للشيطانِ سُلطانٌ عليه كباقي الأَنبياء ، ولذلك لم يَعْصِ ولم يُخْطِئ ولم يُذنب ، كباقي الأَنبياء.
5 - حول معجزات عيسى - عليه السلام - :
من مظاهِرِ كُفْرِ الفادي باللّه ، وجَعْلِه المسيحَ عيسى - عليه السلام - ابْناً للّه ، حديثُه عن معجزاتِه ، التي تَمَيَّزَ بها عن باقي الأنبياء.
قال : " يَشهدُ القرآنُ للمسيحِ بقدرتِه المطلقةِ على إِتيانِ المعجزاتِ بصورةٍ ليس لها مثيلٌ بين سائرِ الأَنبياء " [ص 90].
وهذا كَذِبٌ من المفترِي على عيسى - عليه السلام - ، لأَنَّهُ نَسَبَ له القدرةَ المطلقةَ على إِتيانِ المعجزات ، وهذا مَعناهُ أَنَّه هو الذي يَأتي بالمعجزاتِ ويَخْتارُها ويَصْنَعُها! وهذا خطأ كبير!!.
معجزاتُ الأَنبياءِ ليستْ من اختيارِهم ، وإِنما هي من اللّهِ وَحْدَه.
وقد كانَ القرآنُ صريحاً في تأكيدِ هذه الحقيقة ، وجاءَ هذا في آياتٍ عديدة.
منها قولُه تعالى : *وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ *50*.
وقالَ تعالى : *وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي*.
وليس هذا خاصّاً بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، بل هو عامّ ، يَشملُ جَميعَ الأَنبياءِ والمرسلين ، ومنهم المسيحُ - عليه السلام -.
قالَ تعالى : *وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ*.
ولما طَلَبَ الأَقوامُ السابقونَ من رسلِهم آياتٍ ومُعْجزاتٍ أَخبرهم رسلُهم أَنَّ الآياتِ والمعجزاتِ بيدِ اللّه.
قال تعالى : *قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ *10* قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ*.
فإِذا كان الرسُل جَميعاً يَعترفونَ أَنهم لا يُمكنُ أنْ يأتوا بالمعجزاتِ من أَنفسِهم ، لأَنَّ اللّهَ وَحْدَه هو الذي يَأتيهم بها فكيفَ يَقولُ الفادي المفترِي بأَنه كان للمسيحِ قدرةٌ مطلقةٌ على الإِتيانِ بالمعجزاتِ بصورةٍ ليس لها مَثيلٌ بين سائرِ ألأَنبياء ؟!
إِنَّ هذا افتراءٌ على القرآن ، وكَذِبٌ على المسيحِ - عليه السلام -.
ولما تكلمَ الفادي على معجزاتِ المسيحِ - عليه السلام - في القرآن قَدَّمَ مجموعةً من الافتراءات ، ونَسَبَها إِلى القرآن :
أ - زَعَمَ المفترِي أَنَّ القرآنَ نَسَبَ لعيسى - عليه السلام - العلمَ بالغَيْب ، وذلك ليَخرجَ بنتيجتِه من أَنَّ المسيحَ إِله ، لأَنَّ عِلْمَ الغيبِ خاصٌّ باللّه ، وبما أَنَّ عيسى يَعلمُ الغيبَ فهو إِله!! قال : " نَسَبَ القرآنُ له العلمَ بالغَيب ، وذلك في قولِه : *وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *49*.
مع أَنَّ عِلْمَ الغيبِ خاصٌّ باللّهِ وَحْدَه : *فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ*..
علْمُ الغيبِ خاصٌّ باللّهِ وَحْدَه ، ولا يَعلمُ أَيُّ مخلوقٍ شيئاً من الغيبِ ، إِلّا ما عَلَّمَهُ اللّهُ إِياهء قال تعالى : *قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ* ،
وقالَ تعالى : *عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا *26* إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ*.
فعيسى - عليه السلام - لم يَعْلَمْ شيئاً من الغيبِ إِلّا ما عَلَّمَهُ اللّهُ إِياه.
وكانَ من معجزاتِه لبني إِسرائيلَ أَنه كانَ ينبئُهم ويُخبرُهم بما أَكَلوهُ من طعام ، وما ادَّخَروه في بيوتِهم من الطعام ، وجَعَلَ ذلك دَليلاً على نبوَّتِه.
وهو لم يَعْلَمْ ذلك بنفسِه ، لأَنه لا يَعلمُ الغيب ، وإِنما أَعلمه اللّهُ بذلك ، وهو بدورِه أَنبأَهم به.
فاللّهُ هو الذي عَلِمَ الغيب ، واللّهُ هو الذي أَعْلَمَه بالغيب!!.
وآتى اللّهُ يوسفَ - عليه السلام - وهو في السجنِ مع الفتَيَيْن نفسَ المعجزة ، وذَكَرَها القرآنُ في قوله تعالى : *قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي*.
كان يوسفُ يخبرُ السجينَيْن اللذَيْن معه بنوعِ الطعام الذي سيَأتيهِما في السجنِ قبلَ تقديمِه لهما.
وهذا علمٌ بالغيب ، لكنَّه لم يعلَمْه بنفسِه ، إِنما أَعلمَه به اللّه ، ولذلك صَرَّحَ بقوله : *ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي*.
ب - زعمَ المفترِي أَنَّ القرآنَ نَسَبَ لعيسى - عليه السلام - القدرةَ على الخلق ، والخلقُ خاصٌّ باللّه ، وبما أَنَّ عيسى يَخلقُ خَلْقاً سويّاً فهو إِله ، لأَنَّه لا خالقَ إِلّا اللّه.
قال : " ونسبَ القرآنُ للمسيحِ القدرةَ على الخلقِ.
قال : *أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ* ".
ومعلومٌ أَنَّ الخلْقَ خاصٌّ باللّهِ وَحْدَه : *أَفَمَن يحلُقُ كمَن لَّا يَخْلُق*.
وزَعْمُ المفترِي مردودٌ عليه ، وعيسى - عليه السلام - لم يَخْلُقْ شيئاً خَلْقاً حقيقياً ماديّاً ، يوجِدُ فيه المخلوقَ الحيَّ من العَدَم ، لأَنَّ هذا الخلْقَ خاصّ باللّهِ وَحْدَه ، ولا يُمكنُ أَنْ يَفعلَه عيسى - عليه السلام - ولا غيرُه ، وقد جعلَه اللّهُ دليلاً على وحدانيتِه.
قال تعالى : *وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ *20* أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ*.
وقد نَسَبَ القرآنُ الخلْقَ إِلى عيسى - عليه السلام - ، لكنْ أَيُّ خَلْقٍ ؟
وبإِذْنِ مَنْ كان يَتِمُّ الخلق ؟
كان عيسى - عليه السلام - يَخلقُ الطيرَ من الطين ، لكنْ بإِذن اللّه ، وليس بقدرتِه الذاتية.
قال تعالى : *وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ*.
ما الذي كان يفعلُه عيسى - عليه السلام - ؟
كان يَأخُذُ المادَّةَ الأَوليةَ التي خَلَقَها اللّه ، يأخذُ حفنةً من الترابِ الذي خَلَقَه اللّه ، ويأخُذُ إِناءً من الماءِ الذي خَلَقَه اللّه ، ويَجبلُ الترابَ بالماءِ حتى يَصيرَ طيناً ، ثم يأخذُ ذلك الطينَ ، ويَشَكِّلُه على هيئةِ الطائر ، ويُصَوّرُه على صورتِه ، ويَجعُله تمثالَ طائِر ، ثم ينفخُ فيه ، ويطلبُ من اللّهِ أَنْ يَبُثَّ فيه الروح ، فيَجعلُ اللّهُ فيه الروح ، ويكونُ طيراً حيّاً.
فعيسى لم يَخْلُقْ في الطائرِ روحاً ، ولم يَجعلْه حيّاً ، إِنما اللّهُ الذي فَعَلَ ذلك.
وبمعنى آيةِ سورةِ آلِ عمران السابقة قولُه تعالى : *وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي*.
وقد نَصَّت الآيَتانِ من سورةِ آلِ عمران وسورةِ المائدة على أَنَّ وَضْعَ الروحِ في الطيرِ كان بإِذْنِ اللّه ، فاللّهُ هو الخالقُ في الحقيقة ، وليس عيسى - عليه السلام - ، فهو كانَ مجردَ سببٍ مادّيّ ، يُشَكِّلُ ويُصوِّرُ ويَنفخ ، والمسبِّبُ والمريدُ هو اللّه سبحانه.
ج - زَعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ نَسَبَ لعيسى - عليه السلام - القدرةَ على إِحياءِ الموتى! وإِحياءُ الموتى خاصّ باللّه ، وبما أَنَّ عيسى - عليه السلام - فَعَلَ ذلك فهو إِله ، لأَنه نجحَ في فعْلِ شيءٍ خاص باللّه!..
قالَ : " وَنَسَبَ القرآنُ له القدرةَ على شفاءِ المرضى وإِحياءِ الموتى.
قال : *وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ*.
وإِحياءُ الموتى خاصّ باللّه : *وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ* ".
وكما قُلْنا في خَلْقِه من الطينِ كهيئةِ الطيرِ نَقولُ في إِحيائِه الموتى ، فاللّهُ هو الذي آتاهُ معجزةَ إِحياءِ الموتى..
أَيْ كانَ عيسى - عليه السلام - يَقِفُ أَمامَ الميت ، ويَدْعو اللّهَ أَنْ يُحييَه ، ويَستجيبُ اللّهُ له.
فالذي أَحيا الميتَ في الحقيقةِ هو اللّه ، ولم يَكُنْ عيسى - عليه السلام - إِلّا سَبَباً.
وهذا ما أَكَّدَهُ القرآن ، في قولِه عن هذه المعجزة.
قال تعالى : *وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ*.
وقال تعالى : *وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي*.
قالَ اللّهَ لعيسى - عليه السلام - : إِنكَ ستُخرجُ الموتى بإِذْني.
فأَخْبَرَ عيسى - عليه السلام - بَني إسرائيلَ بذلك ، وقال لَهم : أَنا سأُحيي الموتى بإِذْنِ اللّه.
6 - رفع عيسى - عليه السلام - إلى السماء :
وَقَفَ الفادي المفترِي أَمامَ حديثِ القرآنِ عن رفْعِ عيسى - عليه السلام - إِلى السماء ، وأَساءَ فَهْمَهُ ، واستدل به على عقيدتِه الباطلةِ في أُلوهيةِ المسيح! قال :
" يَشهدُ القرآنُ أَنَّ المسيحَ رُفِعَ من الأَرضِ إِلى اللّه ، وهو حَيٌّ خالدٌ في السماء ، فجاءَ في سورةِ آل عمران *55* : *إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا*.
وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا كلامَ الفادي حولىَ معنى الآية ، وذَكَرْنا مَعْناها الصحيح.
وقد أَلْقى اللّهُ على عيسى - عليه السلام - النومَ ، ورَفَعَهُ إِليه وهو نائم ، والتَّوَفّي هنا تَوَفّي نَوْم وليس تَوَفّيَ مَوْت ، وعيسى - عليه السلام - حَيٌّ الآنَ في السماء.
وهو ليس خالِداً في السماء ، لأَنَّ اللهَ لم يَجعل الخلودَ لأَيّ مَخْلوقٍ من البَشَر ، ولذلك أَخطأَ الفادي في قولِه : " وهو خالدٌ في السماء ".
كُلُّ المخلوقين سَيَموتون ، حتى رسولُ اللّهِ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - سيموت ، والوحيدُ المخلَّدُ الذي لن يَموتَ - في نظرِ الفادي - هو عيسى - عليه السلام - ، وهذا دليل عندَه على أُلوهيتهِ!! قال : " وقيلَ عن محمدٍ : *وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ *34* كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ*.
فلماذا انتصَرَ المسيحُ على المَوْت ، وقد ماتَ الناسُ في كل جيل ، وهو حَيّ خالد ، وله الخُلْدُ ، وله الرفعةُ والمجد ؟ ".
صحيحٌ أَنَّ عيسى - عليه السلام - حَيّ الآنَ في السماء ، بروحِه وجسمِه ، ولكنَّه ليس مُخَلَّداً ، ولنْ ينتصرَ على الموت ، كما ادَّعى الفادي ، وسيُنزلُه اللّهُ إِلى الأَرض في آخرِ الزمان ، وسَيموتُ مَوْتاً طبيعيّاً كما ماتَ البَشَر ، ثم يُبْعَثُ معهم يومَ القيامة.
ونَصَّ القرآنُ على أَنَّ عيسى - عليه السلام - سَيَموت.
قال تعالى : *وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا *33*.
وقال تعالى : *وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا *159*.
7 - المسيحُ وجيهٌ في الدنيا والآخرة :
ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ عيسى - عليه السلام - وجيهٌ في الدنيا والآخرة.
قال تعالى : *إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ *45* وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ *46*.
واستَخرجَ الفادي المفترِي من الآيةِ ما يتفقُ مع هواهُ من تَأليهِ عيسى - عليه السلام -.
قال : " قال في تفسير الجلالين : " *وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ* :
ذا جاه في الدُّنيا بسببِ النبوة ، وفي الآخرةِ بسببِ الشفاعةِ والدَّرَجاتِ العُلا".
فلماذا يَخُصُّ القرآنُ المسيحَ بالوجاهةِ في الدنيا والآخرة ؟ ".
لم يَخُصّ القرآنُ المسيحَ بالوجاهةِ في الدنيا والآخرةِ ، كما ادَّعى
المفتري ، وإِنَّما أَخبرَ أَنه وجيهٌ في الدنيا والآخِرة ، والإِخبارُ بوجاهتِه لا يَعْني اخْتِصاصَه بها.
فقد أَخبرَنا اللّهُ أَنَّ موسى - عليه السلام - وجيهٌ عندَ اللّه.
قال تعالى : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا *69*.
والشفاعةُ في الآخرةِ مَقامٌ محمود ، خَصَّ اللّهُ به أَشرفَ الخلقِ محمداً - صلى الله عليه وسلم -.
قالَ اللّهُ عنه : *عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا *79*.
ويوضِّحُ المرادَ بالمقامِ المحمودِ في الآخرة بأَنه الشفاعةُ ، ما رواهُ -
البخاريّ عن أَنسِ بن مالك - رضي الله عنه - عن رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أَنه قالَ في حديثِ الشفاعةِ الطويل : " ...
يَجتمعُ المؤمنونَ يومَ القيامة ، فيقولون : لو استشفَعْنا إِلى رَبِّنا ، فيأتون آدمَ فيقولون : أَنتَ أَبو الناس..
فاشْفَعْ لنا عنْدَ رَبِّك ، حتى يُريحَنا من مكانِنا هذا ، فيقول : لستُ هُناكم ...
" إِلى أَنْ " يَأتوا عيسى - عليه السلام - ، فيقولون : يا عيسى : أَنتَ عبدُ اللّهِ ورسولُه ، وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريمَ وروحٌ منه ، اشفعْ لنا عندَ رَبّك ، فيقول : لستُ هُناكم ، ولكن ائْتُوا مُحَمداً ، عَبْدَاً غفرَ اللّهُ له
ما تقدَّمَ من ذنبِه وما تَأَخَّر ...
فيَأتوني فأَنطلقُ ، حتى أَستأذنَ على رَبّي ، فَيُؤْذَنَ لي ، فإِذا رأيتُ رَبّي وَقَعْتُ ساجداً ، فيَدَعُني ما شاءَ اللّهُ ، ثم يُقال : ارْفَعْ رأْسَكَ ، وسَلْ تُعْطَهْ ، وقُلْ يُسْمَعْ ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ ".
لم يَخُصّ اللّهُ عيسى - عليه السلام - بالشفاعةِ كما ادَّعى المفْتري ، إِنما خَصّ بها عبدَه ورسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم.
وارتكبَ الفادي المحَرّفُ جَريمةً نكراء ، عندما حَرَّفَ معنى آيةٍ تتحدَّثُ عن اللّهِ رَبِّ العالمين ، وجَعَلَها تتحدثُ عن المسيح - عليه السلام -..
قال : " جاءَ في سورةِ السجدةِ : *اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ *4*.
تَذْكُرُ الآيةُ أَنَّ اللّهَ هو الذي خَلَقَ السمواتِ والأَرضَ في ستةِ أَيام ، وأَنه استوى على العرش ، وتُبَيِّنُ أَنه لا يوجَدُ للناسِ وَلِيٌّ ولا شَفيع من دون اللّه ".
وقد ادّعى المفترِي أَنَّ الآيةَ خَصَّتْ عيسى - عليه السلام - بالشفاعةِ.
قال : " فلماذا لم يُعْطِ اللّهُ سُلْطاناً لأَحَدٍ من البَشَرِ بالشفاعةِ إِلّا المسيح ؟
أَليس لأَنه ابْنُ اللّهِ المتجسِّدُ ، والوسيطُ الوحيدُ بينَ اللّهِ والناس ؟ ".
آيةُ سورةِ السجدةِ لا تتحدَّثُ عن المسيحِ ، وإِنما تتحدَّثُ عن اللّه ، والهاءُ في *مِنْ دُونِهِ* لا تعودُ على المسيح ، وإِنما تعودُ على اللّه.
والمعنى : ليس للناسِ وليٌّ ولا شفيع من دونِ اللّه.
وذَكَرَ الفادي المفترِي الكافِرُ باللّهِ عبارةً كافرةً فاجرة ، جعلَ فيها المسيحَ ابْناً للّه : " أَليس لأَنهُ ابْنُ اللّه المتجسِّدُ ".
ويؤمنُ المؤمنونَ أَن اللّهَ ليسَ له ابْن ولا صاحبة.
حتّى الجنُّ يؤمنون بذلك ، وقد أَخْبَرَنا اللّهُ عن إِيمانِهم بقولِه تعالى : *وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا *3*.
وكَذَبَ الفادي المفترِي عندَما قال : " والمسيحُ هو الوسيطُ الوحيدُ بينَ اللّهِ والناس " ولقد رحمَ اللّهُ النّاس ، فلم يجعلْ أَيَّ شَخصٍ وَسيطاً بينَهم وبينَه ، لا عيسى ولا محمداً ولا مَلَكاً..
وأَذِنَ اللهُ لأَيّ إِنسانٍ أَنْ يتصلَ به مباشرة ، عن طريقِ ذِكْرِهِ وشُكْرِه وعبادتِه ومناجاتِه.
8 - هل المسيح هو المخلِّص وحده ؟ :
ساءَ الفادي المفترِي فَهْمَ اسمِ عيسى الذي ذَكَرَهُ القرآنُ خَمساً وعشرين
مرة ، حيثُ جعلَه بمعنى " يَسوع " ، ومَعنى عيسى ويَسوع عنده هو : " المخُلِّص ".
أَمّا معنى المسيحِ عنده فهو : " المعَيَّنُ مَلِكاً ونَبياً وكاهِناً ".
وقد ذُكِرَ المسيحُ في القرآنِ ثماني مرات : ومعنى " الإِنجيل " هو : " الخبرُ المفرح ".
وقد ذُكِرَ في القرآنِ اثنتي عشرةَ مرة.
وخرجَ الفادي من هذا بنتيجةٍ خاطئة ، اعتبرَ فيها المسيحَ يَسوعَ عيسى - عليه السلام -
هو وَحْدَه المخلِّصَ للجنسِ البشري!!.
وهذا خَطَأٌ مردود ، فليسَ المخلِّصُ والمنقذُ هو عيسى - عليه السلام - وحْدَه ، فكُلُّ نبيٍّ ورسول هو مُخَلِّصٌ أَيضاً ، يُخَلِّصُ الناسَ من الخَطَر ، ويُنقذُهم من الأَذى ، ويُخرجُهم من ظلماتِ الكفرِ إِلى نورِ الهُدى والإِيمان.
قال اللّهُ لنبيّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - : *الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ *1*.
وآخِرُ ما قالَه الفادي المفترِي عن تَمَيُّزِ وتَفَرُّدِ عيسى - عليه السلام - عن سائرِ الأَنبياء ، مما يدل على أُلوهيتِه وعدمِ بشريتِه ؟
قولُه : " إِنَّ الذي ذَكَرَهُ القرآنُ عن المسيح ، يَفوقُ ما ذَكَرَهُ عن سائرِ البشر ، بمن فيهم محمدٌ..
أَلا يُشيرُ هذا إِلى تَفَرُّدِ المسيحِ عن سائرِ البشرِ ؟
وهذا ما يقولُه الإِنجيلُ عن لاهوتِ المسيح ".
إِنَّ الذي ذَكَرَه القرآنُ عن عيسى - عليه السلام - لا يَفوقُ ما ذَكَرَهُ عن سائرِ البشر ، كما ادَّعى الفادي المفترِي ، فهناك رُسُلٌ تحدثَ القرآنُ عنهم أَكثرَ مما تَحَدَّثَ عن عيسى - عليه السلام - ، مثلُ نوحٍ وإبراهيمَ وموسى ومحمدٍ عليهم الصلاة والسلام.
ويُمكنُ الخروجُ بهذه النتيجةِ عندَ المقارنةِ بين ما ذَكَرَهُ القرآنُ عنهم وعن عيسى عليهم الصلاة والسلام ، ولا نَنْسى أَنَّ هؤلاء الرسلَ الخمسةَ هم أُولو العزمِ من الرسل ، وهم أَفضلُ الرسلِ عند اللّه - عز وجل - ، وأَفْضَلُهم وأَشرفُهم هو نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم.
أَمّا عن تَفَرُّدِ المسيحِ - عليه السلام - عن سائرِ البشرِ فإِنه خاصٌّ بولادتِه ، التي اختلَفَ فيها عن ولادةِ سائرِ البشر ، ونُطْقِهِ وهو بالمهد ، ورَفْعِه بعدَ ذلك إِلى السماءِ بروحِه وجسمه ، وإِبقائِه هناك حَيّاً ، وهو الآنَ ينتظرُ إِنزالَه إِلى الأَرْضِ قُبيلَ قيامِ الساعة ، وهو فيما سوى ذلك مِثْلُ باقي الأَنبياءِ والمرسلين.
إِنسانٌ له جسمٌ وروح ، وهو عبدُ اللّهِ ورسولُه ، يَعْتَريه ما يَعْتَري الآخَرينَ من صحةٍ ومَرَضٍ ، وحُزْنٍ وفَرَحٍ ، ونَوْمٍ ويَقَظَة ، وطعامٍ وشراب.
قالَ تعالى : *مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ*.

موقف الملائكة من خلق آدم - عليه السلام -
أَساءَ الفادي فَهْمَ آيةٍ تتحدَّثُ عن موقفِ الملائكةِ من خَلْقِ آدمَ - عليه السلام - ، وهي قولُ اللّهِ - عز وجل - : *وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ *30*.
ما معنى إِخبار اللّهِ الملائكةَ أَنه جاعلٌ في الأَرضِ خليفة ؟
وما معنى سؤالِ الملائكةِ عن الخليفةِ الذي سيفسدُ ويسفكُ الدماءَ ؟
وما معنى إِخبارِهم عن أَنفسِهم أَنهم يُسَبِّحونَ اللّهَ ويَحمدُونه ويُقَدِّسونه ؟.
وقَفَ الفادي الجاهلُ أَمامَ الآية ، وفَكَّرَ في هذه الأسئلة ، فاعْتَبَرَها خطأً
من أَخطاءِ القرآن! قال : " فلماذا يَستشيرُ اللّهُ الملائكة ، وهو غنيّ عن أَن يُشيرَ عليه أَحَد ؟ ...
وهل يُعْقَلُ أَنَّ الملائكةَ الأَبْرارَ يَعْصون ، ويُعارضونَ رَغَباتِ اللّه ، ويَدَّعونَ العلمَ بالغيب بغيرِ حَقٍّ ، ويَطْعَنونَ في آدمَ من قَبْل خَلْقِه ؟
ويُزَكّونَ أَنفسَهم بأَلسنتِهم ؟ ".
فَهِمَ من قولِ اللّهِ للملائكة : *إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً* أَنه يستشيرُهم ، ويقولُ لهم : ما رَأْيُكُم ؟
أَشيروا عَلَيَّ أَيها الملائكةُ ، هل من المناسبِ أَنْ أَجعلَ في الأَرضِ خليفةً ؟
ولذلك عَلَّقَ على ذلك بأَنَ اللّهَ لا يَحتاجُ إِلى أَنْ يُشيرَ عليه أَحَد!.
والصحيحُ أَنَّ قولَ اللّهِ للملائكة : *إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً* ليسَ من بابِ استشارتِهم ، لأَنَّ اللّهَ سبحانَهُ لا يَحتاجُ إِلى مشورةِ أَحَد ، لأَنَّه أَحاطَ بكلِّ شيءٍ علماً ، وهو الأَعلمُ بالأَنسبِ والأَفضلِ والأَحكم ، وكُلُّ فِعْلٍ يفعَلُه فهو صَواب!.
إنَّ قولَه للملائكةِ من بابِ إِخبارِهم بما سيفعَلُه ، ليكونَ عندهم علم وخَبَرٌ بما قررَ سبحانَه أَن يفعلَه ، ولذلك جاءت الجملةُ بصيغةِ الجَزْمِ والقطعِ ، حيثُ قالَ لهم : *إِنِّي جَاعِلٌ* ، ولم يقل : " إني سأجعل " ومن المعلومِ أَنَّ اللّهَ يُخبرُ مَنْ شاءَ مِنْ خَلْقِه بما شاءَ أَنْ يَفعلَه ، سواء كانَ المخلوقُ مَلَكاً مُقَرَّباً أَوْ نبيّاً مُرْسَلاً!!.
وفَهِمَ الفادي من سؤالِ الملائكة : *أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ* : أَنه اعتراضٌ منهم على فِعْلِ اللّه ، فهم يُنكرونَ على اللّهِ فِعْلَه ، ويُخَطِّئونَه في ما سيفعَلُه ، وهذه معصيةٌ منهم للّه ، وتَمَرّدٌ عليه! فكيفَ يفعلونَ ذلك ؟.
وهذا فَهْمٌ خاطئ مردود! فلم يكن سؤالُهم من بابِ الاعتراضِ والإِنكار ، وإِنما كانَ من بابِ الاستفسارِ والاستِعلام ، وكأَنَّهم قالوا : يا رَبَّنا : إِنّا نَعلمُ أَنك عليمٌ حكيم ، وأَنَّ فِعْلَكَ هو الصواب ، لكننا نريدُ منك أَنْ تُخبرنا عن حكمةِ ذلك ، فما حكمةُ جَعْلِكَ خليفةً في الأَرض ، يُفسدُ فيها ويَسفكُ الدماء ؟.
ولم يكن قولُهم عن آدمَ : *مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ* طَعْناً في آدَمَ واتِّهاماً له قَبْلَ خَلْقِه ، كما أَنه لم يكن ادِّعاءَ العِلْمِ بالغيب منهم ، كما فَهِمَ الفادي الجاهل ، فإِنَّه لا يَعلمُ الغيبَ إِلّا اللّه.
وكلامُهم عن الخليفةِ أَنه سيُفسدُ في الأَرضِ ويَسفكُ الدّماءَ صحيح ، بدليلِ إِقرارِ اللّهِ له ، ولو كانَ خَطَأً لأَخبرهم اللّهُ أَنه خطأ ، ولذلك اكتفى بقولِه لهم : *إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ*.
أَيْ : أَنا أَعلمُ أَنَّ ذريةَ الخليفةِ سيُفسدونَ ويَسفكونَ الدماء ، لكنَّ الخلافةَ في الأرضِ وتَعميرَها لا بُدَّ أَنْ يُصاحبَها إِفسادٌ وسَفْكٌ للدماء!*.
أَما كيفَ عَرَفَ الملائكةُ ذلك ، فليس في مصادِرِنا الإِسلامية اليقينيةِ المتمثلةِ في القرآنِ وما صَحَّ من حديثِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما يدلُّ على ذلك ، ونحنُ لا نأخذُ شيئاً عن الإِسرائيليات ، ولا نُفَسّرُ بها كلامَ اللّه!.
ولعلَّ الراجحَ أَنَّ كلامَهم عن إِفسادِ الخليفةِ ولسَفْكِه الدماءَ من بابِ الاستشرافِ وفراسةِ المؤمنين ، فَهُمْ قد شاهَدوا مراحلَ خَلْقِ آدم ، من الترابِ والطين.
ومعلومٌ أَنَّ الترابَ يَعْني الالتصاقَ بالأَرض والهبوطَ إِليها ، والمخلوقُ من الترابِ قد تنحدرُ نفسُه إِلى الأَسْفَل ، فيرتكبُ المُحرَّمات ، ويُفْسِدُ ويَقْتُل!.
ولم يَقصد الملائكةُ من قولِهم : *وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ* أَنْ يُزَكّوا أَنفسَهم بأَلسنتِهم ، كما فهمَ الفادي ذلك منه ، كما أَنهم لم يكونوا طامِعين في أَنْ يَكونوا هم الخلفاء!.
كلّ ما يُؤْخَذُ من قولِهم أَنَّ اللهَ خَلَقَهم من نور ، وفَطَرَهم على ذِكْرِه وتَسبيحِه وتقديسِه ، ولعلهم قاسوا الأَمْرَ عليهم ، فَفَهِموا أَنَّ كُلَّ مخلوقٍ سيخلُقُه اللهُ لا بُدَّ أَنْ يكونَ مثلَهم ، لا يَعرفُ إِلّا ذِكْرَ اللّهِ وتَسبيحَه ، فكيفَ سيكونُ الخليفةُ مُهْتَمّاً بالعملِ في الأَرض ؟!.
وبهذا نعرفُ أَنه ليسَ في الآيةِ التي اعترضَ عليها الفادي ما يَدْعو للاعتراض ، وأَنْ تخطئَتَه لها بسببِ جَهْلِه!!.

ما معنى سجود الملائكة لآدم - عليه السلام - ؟
ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ اللّهَ عَلَّمَ آدمَ الأَسماءَ كُلَّها ، ولما عَجَزَ الملائكةُ عن معرفِتها ، عَرَفَها آدَمُ ، فتميَّزَ عليهم بعلْمِه ، ولذلك أَمَرهم اللّهُ أَنْ يَسْجُدوا له.
قال تعالى : *وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *31* قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *32* قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ *33* وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *34*.
وقد اعترضَ الفادي على هذهِ الآيات وخَطَّاَها ، لأَنَّها تَتعارضُ مع توحيدِ اللّهِ وعدْلِه! قال : " ونحنُ نسأَل : في أَوَّل الأَمْرِ عَلَّمَ اللّهُ آدَمَ الأَسماءَ ، ثم عَرَضَهم على الملائِكةِ فَعَجَزوا عن التَّسمية ، واعْتَرَفوا بالعَجْز! فكيف
يمتحنُ اللّهُ الملائكةَ في ما لا يَعرفونَه ، ويُعطي الإِجاباتِ لآدمَ ليَعْلَمَ ما لا يَعْلَمون ؟
وكيفَ أَمَرَ اللّه ُ الملائكةَ أَنْ يَسْجُدُوا لآدَم ؟
وحاشَ للّهِ القُدْوسِ أَنْ يأْمُرَ بالسجودِ لغيرِ ذاتِه العلِيَّة! قال اللّهُ في الخروج : لا تَسْجُدْ لإلهٍ آخَر ، لأَنَّ الربَّ اسْمُه غَيور ، إِلهٌ غَيورٌ هو ".
واعتراضُه لا وَزْنَ له ، فليسَ في الآيةِ ما يَدْعو للاعتراضِ والإنكار.
أَرادَ اللّهُ أَنْ يُبَيِّنَ للملائكةِ الحكمةَ من جعْلِه آدَمَ وذريَّتَه الخلفاءَ في الأَرض ، مع أَنه قد يَصدُرُ عن هؤلاءِ الخلفاءِ إفسادٌ في الأَرضِ وسفَكٌ للدماء.
فلما طَلَبوا من اللّه أَنْ يُخْبرَهم بحكمةِ استخلافِ آدَمَ أَجْرى لهم ولآدَمَ الامتحان ، الذي أَشارتْ له هذه الآيات ، وهي مرتبطةٌ مع الآيةِ السابقة التي تَحَدَّثْنا عنها في المبحت السابق : *وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ *30*.
رَدَّ على سُؤالِهِم بأَنه يَعلمُ ما لا يعلمون ، أَيْ أَنَّه يَعلمُ أَنه لا يَصلحُ للخلافةِ في الأَرض إلَّا هذا الخليفة ، لِأَنه سيُزَوِّدُه بوسائلَ ومواهبَ وطاقاتٍ وقُدُرات ، يتمكَّنُ بها من حُسْنِ الخلافةِ في الأَرض ، وفي مقدمتِها العلمُ الذي وَهَبَهُ اللّهُ إِياه ، والنطقُ الذي مَكَّنَهُ منه ، بحيثُ يَستطيعُ أَنْ يُعَبِّرَ عما في نفسِه ،
ويَرْمُزَ بالأَسماءِ للمسَمَّيات ، والملائكةُ المسَبِّحونَ للّه لا يَستطيعونَ ذلك ، فالعلمُ والنطقُ والتفكيرُ والتعبير أُمورٌ ضروريةٌ للخلافةِ في الأَرض!.
عَلَّمَ اللّهُ آدَم الأَسماءَ كُلَّها ، وجَعَلَ فيه النطق ، والقدرةَ على التعبيرِ عما في نفسِه ، والرَّمْزِ بالأَسماءِ للمسَمَّيات ، والملائكةُ لا يَعلمونَ ذلك ، لأَنهم لا يَحْتاجونَ إِليه فِي مهمَّتِهم في عبادةِ اللّهِ وتسبيحِه..
وبعد ذلك أَرادَ اللّهُ أَنْ يُبَيِّنَ للملائكةِ الحكمةَ من استخلافِ آدم ، وأَنه مَيَّزَهُ عليهم بالعلمِ والنطقِ والتفكيرِ والتعبير..
فالموضوعُ ليس موضوعَ امتحانِ الملائكة بما لا يَعرفون ، و " تَغْشِيشَ " آدمَ بتقديمِ الإجاباتِ له قبلَ دُخولِه الامتحان ، كما فَهِمَ الفادي الجاهل ، إنما الموضوعُ تَوجيهٌ وتَعليلٌ وبيانٌ للحكمةِ والعِلَّة ، وهذا ما فهمَه الملائكة ، ولذلك صَرَّحوا بعجْزِهم عن الجواب ، لأَنَّ اللّهَ لم يمنَحْهم ذلك العلم ، وقالوا : *سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *32*.
ولما أنبأَهم آدَمُ بالأَسماءِ المطلوبة عَرَفوا حكمةَ استخلافِه في الأَرض ، وذَكَّرَهم اللّهُ بشمولِ عِلْمِه.
قال تعالى : *فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ *33*.
أَما سجودُ الملائكةِ لآدمَ - عليه السلام - فهو ليسَ من بابِ السجودِ لغيرِ اللّه ، ولا عبادةِ آدمَ من دونِ اللّه ، ولا الشركِ باللّه ، كما فَهِمَه الفادي الجاهل ، ثم اعترضَ عليه وخَطَّأَهُ وأَنْكَره.
إنه سجودٌ للّه في الحقيقة ، لأَنَّ اللّه هو الذي أَمَرهم أَنْ يَسْجُدوا لآدَم ، أَيْ هو الذي كَلَّفَهم بذلك ، ولو كان عبادةً لغيرِه لما أَمَرَهم به سبحانَه ، لأَنَّ اللّهَ لا يأذَنُ لأَيّ مَخْلوق أَنْ يَعْبُدَ غيرَه.
وعندما سَجَدَ الملائكةُ لآدَمَ كانوا عابِدينَ للّه ، وكان آدَمُ كَأَنه قِبْلَةٌ لهم في عبادتِهم للّه ، كما يُصلي أَحَدُنا صلاتَه للّه ، ويَجعلُ الكعبةَ قِبْلَةً له ، فهو لا يَعَبُدُها ولا يَسجدُ لها ، وإنما هي مجردُ قِبلَة ، واللّهُ أَمَرَه بالتوجُّهِ إِليها واستقبالِها ، وهكذا كان آدمُ بالنسبةِ للملائكة *1*.
__________
*1* ما عليه المحققون أن السجود كان لآدم - عليه السلام - على وجه التحية والتكريم. والله أعلم.
لم يَكنْ سُجودُهم لآدمَ عبادةً له من دونِ اللّه ، إِنما كانَ سُجودَ تكريمٍ وتَشريفٍ لآدَم ، واعترافاً منهم بفَضْلِ آدَمَ عليهم ، لأَنَّ اللّه مَيَّزَهُ عليهم بالعِلم.

هل جهنم لجميع الأبرار والأشرار ؟
وَقَفَ الفادي أَمامَ آيتَيْن تتحدَّثانِ عن جهَنَّم ، واعترضَ عليهما ، وقارَنَهما بكلامِ الكتابِ المقَدَّس ، وخَرَجَ بخَطَأِ القرآنِ وصَوابِ الإنجيل.
والآيَتانِ هما قولُ اللّه تعالى : *وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ *43* لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ *44*.
وقولُ اللّه : *وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا *71* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا *72*.
لجهَنَّمَ سبعةُ أَبوابٍ كما وَرَدَ في سورةِ الحِجْر ، ونَقَلَ الفادي عن بعضِ العلماءِ تحديدَ أَسماءِ تلكَ الأَبوابِ السَّبْعَة ، وتحديدَ الأَصنافِ الذين يَدْخُلونَ من كلِّ بابٍ منها ، وهذا كلامٌ لَيسَ عليه دَليل ، فلا نَخوضُ فيه ولا نَتوقَّفُ عِنْدَه.
وفَهِمَ الفادي الجاهِلُ من الآياتِ أَنَّ القرآنَ يُخبرُ أَنَّ جهنَّم للجِميع ، سواء كانوا أَبْراراً أَوْ أَشْرارا ، مؤمنين أَو كافرين! ولذلك خَطَّأَ القرآنَ في ذلك.
قال : " ونَحنُ نَسأَل : كيفَ يَذْهَبُ المؤمنُ إِلى جهنم ؟
وما قيمةُ التوبةِ والغفرانِ الإِلهي ؟
يقولُ الكتابُ المَقدَّسُ بوجودِ مكانٍ للأَبرار ، وهو السماء ، ومكانٍ للأَشْرار ، وهو جهنَّم : " فَيَمضي هؤلاء إلى عذاب أَبَديّ ، والأَبرارُ إلى حياةٍ أَبديّة " 251 - 46 ، فلا يَذهبُ الأَبرارُ إلى جَهَنَّم ، لأًنَّ اللّهَ بَرَّرَهم ببرِّهِ الكامل ، وبالتالي لا يَخْرُجون من جهنَّم إِلى السماء ...
وإِذا كانَ جميعُ الناس سَيَذْهبون إلى جهنَّمَ كما يقولُ القرآن ، وإِذا كانت أُمَّةٌ واحدة من الطوائفِ الإسلاميةِ هي التي تَخْلُصُ كقولِ الحَديث ، أَفَلا يُخَيِّمُ الخوفُ من الموتِ والدينونةِ على حَياةِ كُلّ المسلمين ؟
ما أَعظمَ الفرقَ بين حياةِ المسلمِ الخائِفِ الحائِر ، وبينَ حياةٍ المسيحي ، الذي يَشْتَهي أَنْ يَنطلقَ من الدنيا ليكونَ مع المسيح ، ويَنتظر يومَ القيامةِ بفَرَح ، حيثُ يَنال إِكليلَ الحياة! ".
لم يَقُل القرآنُ إِنَّ جَميعَ الناسِ سَيَذْهَبونَ إِلى جهنَّمَ ، والنتائجُ التي بَناها الفادي على هذا الزعم باطلةٌ مَردودة ، لأَنَّ ما بُنِيَ على الفاسدِ فهو فاسد.
ولا تَتَحدثُ آياتُ سورةِ الحِجْر التي خَطَّأَها الفادي الجاهِلُ عن الأَبرارِ والأَشرارِ ، إِنما تتحدَّثُ عن الأَشْرارِ الغاوِين فقط ، الذين اسْتَسْلَموا للشيطان ، وتُقَرِّرُ أَنَّ جهنَّمَ موعدُ هؤلاء الغاوين أَجمعين ، وتَسْتَثْني الصالحينَ الأَبرار.
والآياتُ وارِدةٌ في سياقِ الحديثِ عن ما جَرى بين آدمَ - عليه السلام - وبينَ إِبليس ، وتَعَهُّدِ إِبليسَ بإِغواءِ مَن استجابَ له من بَني آدم.
قال تعالى : *قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *39* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *40* قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ *41* إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *42* وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ *43* لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ *44* إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *45* ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ *46*.
لا أَدري كيفَ فَهِمَ المفترِي من الآياتِ الواضحةِ الصريحة دُخول الأَبرارِ والأَشرارِ جهنم ، مع أَنها صَريحةٌ في دُخول الكفارِ فَقَطْ جَهَنَّمَ..
إِنَّ الضميرَ المتَصِلَ " هم " في قوله : *وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ* يَعودُ على " الغاوين " في الجملة السابقة : *إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ*.
والمعنى : إنَّ جهنَّمَ موعدُ الغاوينَ الذينَ اتَّبَعوك.
ثم إِنَّ الآيات ِ اللاحقةَ صَرَّحَتْ بأَنَّ المتَّقينَ آمِنون في جناتٍ وعيون :
*إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *45* ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ *46*.
لقد تَعَمَّدَ الفادي المجرمُ أَنْ يُحَرّفَ معنى الآياتِ الواضحِ ، وأَنْ يَتْرُكَ الآياتِ والكلماتِ الصريحة ، وأَنْ يَتلاعَبَ بها ، ليخرجَ منها بنتيجةٍ خاطئة ، يُخَطِّئُها بها ، مع أَنَّها لا توحي بها!!.
ولا تَدُلُّ آياتُ سورةِ مريم على دُخولِ الأَبرارِ والأَشْرارِ النار ، كما ادَّعى الفادي المفترِي.
قال تعالى : *فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا *68* ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا *69* ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا *70* وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا *71* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا *72*.
الكلامُ في الآياتِ الأُولى عنِ الكافرين ، حيثُ سيَحْشُرُهم اللّهُ مع شَياطينِهم ، ثم سيُحْضِرُهُم إِلى جَهَنّم ، وسَيَجْثُونَ فيها على رُكبِهم ، ثم يُخرجُ اللّهُ منهم زُعماءَهم الذين هم أَشَدُّ عَدواةً لله ، ثم سَيزيدُ عَذابَ هؤلاءِ الزعماء ، ولا يَدْخُلُ المؤمنون ضمنَ هذه الآيات ، لأَنهم مُؤْمِنون أَبرار صالحون.
وبعدما قَرَّرَتِ الآياتُ دُخولَ الكفارِ جَهَنَّم توجَّهَتْ للمؤمنينَ بالخطاب ، وأَدمجَتْهم في الخطابِ مع الآخرين ، وأَخبرتْ عن وُرودِ جَميعِ الناسِ جهَنَّم ، ولم تستَثْنِ أَحَداً من هذا الورود ، سواء كانَ مُؤْمِناً أَو كافراً ، وقَرَّرَتْ بعدَ ذلك نَجاةَ المتقين وهلاكَ الكافِرين الظالمين : *وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا *71* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا *72*.
فالمرادُ بالورودِ في الآيةِ المرورُ فوقَ جَهَنَّم ، بدليلِ ذِكْرِ نَجاةِ المتَّقين بَعْدَه.
وهذا مَعْناهُ أَنه يُنْصبُ الصِّراطُ على شَفيرِ جَهَنَّم ، ويمُرُّ عليه.
جميعُ البَشَر ، مؤمنين وكافرين ، أَمّا المتقونَ فيُنْجيهم اللهُ برحمتِه ، وأَمّا الظالمونَ فيُسْقِطُهم اللّهُ فيها.
وفَسَّرَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الورودَ بالمُرور.
فقد روى مسلمٌ عن أُمّ مُبَشِّر الأَنصاريةِ - رضي الله عنها - : أَنها سمعَتْ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ عندَ حَفْصَةَ - رضي الله عنها - : " لا يَدْخُلُ النّارَ - إنْ شاءَ اللّهُ - مِنْ أَصحابِ الشَّجرةِ أَحَد! الذينَ بايَعوا تَحْتَها ".
قالَتْ حَفْصَة : بلى يا رسولَ اللّه! فانْتَهَرها رسولُ اللّهُ - صلى الله عليه وسلم -.
فقالتَ حفصة : قالَ اللّهُ : *وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا* ! فقالَ لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : " قالَ الله : *ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا *72*.
لقد فَهمت حفصةُ - رضي الله عنها - الورودَ بأنه بمعنى الدخول ، وأَنَ المؤمنين والكافرين سيَدْخُلونَ جهنَّم جَميعاً ، ولكنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَّرَ الوُرودَ بالمرور ، وأَخْبَرَها أَنَّ اللّهَ يُنجي المؤمنينَ برحمتِه ، فلا يُدْخِلُهم جَهَنَّم ، وإِنما يَمُرّونَ عليها مُروراً سَريعاً ، في طريقِهم إِلى الجنة.
وروى مسلم عن أَبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه - حديثَ رَسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الطويلَ في الشفاعة : " ...
ثم يُضْرَبُ الجِسْرُ على جَهَنَّم ، وتَحِلّ الشَّفاعَة ، ويقولون :
اللهمَّ سَلِّمْ ، سَلّمْ ، قيلَ : يا رسولَ اللّه! وما الجِسْرُ ؟
قال : دَحْضٌ مُزِلَّةٌ ، فيه كَلاليبُ وخَطاطيفُ وحَسَك ، تَكونُ بنَجْد ، فيها شُوَيْكَة ، يُقالُ لها : السَّعْدان ، غيرَ أَنه لا يَعلمُ ما قَدْرُ عِظَمِها إِلّا اللّه.
تَخْطِفُ الناسَ بأَعمالِهم ، فمنهم الموبَقُ بعَمَلِه ، ومنهم المُجازى حتى يَنْجو ، فَيَمُرُّ المؤمنون كَطَرْفِ العَيْن ، وكالعَيْن ، وكالرّيح ، وكالطَّيْرِ.
وكأَجاويدِ الخَيْلِ والرّكاب ، فنَاجٍ مُسْلَّمٌ ، ومَخْدوش مُرسَلٌ ، ومَكْدوسٌ في نارِ جَهَنَّم ... ".
بهذا البيانِ القاطعِ مِن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَّضِحُ أَنْ المرادَ بالورودِ هو المرورُ وليس الدخول ، فالمتَّقونَ لا يَدْخُلونَ جَهَنَّم مُطْلَقاً! وبهذا نَعْرِفُ جَهْلَ وخَطَأَ الفادي في ادِّعائِه وافترائِه.

مظاهر نعيم المؤمنين في الجنة
اعترضَ الفادي المفترِي على حديثِ القرآنِ عن الجنة ، ومظاهر النعيمِ التي فيها ، واعتبرَ هذه المظاهرَ لا تَليقُ بالمؤمنين ، وأَثْنى على حديثِ الكتابِ المَقَدَّسِ عن الجنة ، وسَخِرَ مِن آياتِ القرآنِ التي ذَكَرَتْ صفاتِ الجنة.
وقالَ في بدايةِ اعتراضِه وتهكّمِه : " هذه جنةٌ تُناسِبُ الميولَ الجسدية ، وتُوافِقُ رغباتِهم الماديّة ".
وفَصَّلَ الحديثَ في اعتراضِه قائلاً : " بَدَلَ الصحراءِ المحرقة ، وَعَدَهم بجنةٍ تَجْري من تَحتِها الأَنهار..
وبَدَلَ النومِ على الرمالِ ، وَعَدَهم بجنةٍ فيها سُرُرٌ مرفوعة..
وبَدَل لبسِ وَبَرِ الجِمال ، وَعَدَهم بجنةٍ يُحَلَّونَ فيها من أَساورَ من ذهبٍ ولؤلؤاً ولباسُهم فيها حرير..
وبَدَل القحطِ والمَحْل ، وَعَدَهم بجنَّتَيْن ملآنَتَيْن بالفاكهة..
وبَدَلَ الخيامِ التي لا تَقي من حَرّ الصيفِ وزَمْهريرِ الشتاء ، وَعَدَهم بِقُصورٍ مُشَيَّدَة ، فيها غُرَفٌ من فوقِها غُرَفٌ مبنية ، ولا يَرَوْنَ فيها شَمْساً ولا زَمْهَريراً..
وبَدَلَ النساءِ البدويَّات ، وَعَدَهم بأزواجٍ من الحورِ العين ، لم يطمثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ، وجعلهنَّ أَبكاراً عُرُباً أَتْراباً..
وبدلَ الحرمانِ من الخَدَم وَعَدَهم بولدانِ الحور ، يُقَدِّمونَ لهم ما لَذَّ من الشَّراب..
وبَدَلَ طعامِ الفاقة وَعَدَهم بلحْمِ الطير..
وبَدَلَ الجوعِ والفاقةِ وشَظَفِ العيش ، وَعَدَهم بجناتٍ فيها أَنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسِن ، وأَنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرْ طعْمُه ، وأَنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين ، وأَنهارٌ من عَسَلٍ مُصَفّى ... ".
إنَّ الجنةَ التي يراها الفادي خاليةٌ من النعيمِ المادّي ، فليس فيها أَشجارٌ ولا أَنهارٌ ، ولا قُصورٌ وغُرَف ، ولا أَسِرَّةٌ وبُسُط ، ولا ملابسُ وأَساور ، ولا نِساءٌ ولا ولْدان ، ولا خَدَمٌ ولا حورٌ عين ، ولا طَعامٌ ولا شَراب ، ولا استمتاعٌ ولا شَهوة ، ولا مُلْكٌ ولا أَرض ...
ومع هذا يُسَمِّيها جنة ، ولا أَدري كيفَ تكونُ جَنَّةً وهي خاليةٌ من كلّ هذه المظاهرِ للنعيمِ والاستمتاع ؟!!
وزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ المسيحَ - عليه السلام - نفى وُجودَ نعيم مادّيٍّ في الجنة.
قال : " أين هذه الصفاتُ من قولِ المسيح : " في القيامة لا يُزَوَّجون ولا يَتَزَوَّجون ، بل يَكونونَ كملائكةِ اللّهِ في السماءِ " [متى : 22 -.3 ].
وقولِه أيضاً :
" لأَنَّه ليسَ ملكوتُ اللّهِ أَكْلاً وشُرْباً ، بل هو بِرٌّ وسَلامٌ وفَرَحٌ في الروح القدس ".[رومية : 14 - 17 ] ".
يَنسبُ الفادي للمسيحِ - عليه السلام - أَنَّ المؤمنين يَكونونَ في الجنة بدونِ طَعامٍ أَوْ شراب أو زواج ، فهم كالملائكةِ الذين لا يَأَكلُون ولا يَشْرَبون ولا يتزوَّجون ، وحياتُهم في الجنةِ مُجَرَّدُ فَرَحٍ وسُرورٍ وبِر وسَلام!!.
وأَوردَ الفادي خرافاتٍ حولَ نعيمِ الجنة ، نَسَبَها لرسولِنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وزَعَمَ أَنَّ رسولَنا قال : إِنَّ لكلّ مؤمنٍ قصوراً كثيرةً في الجنة ، في كُلّ قَصْرٍ سَبْعون داراً من ياقوتٍ أَحْمر ، في كل دارٍ سَبْعونَ بيتاً من زُمُردٍ أَخْضَر ، في كُلّ بيتٍ سَرير ، على كُلِّ سَريرٍ سَبْعون فِراشاً من كُلِّ لون ، على كُلِّ فراشٍ سَبْعون زوجةً من ، الحورِ العين ، وفي كُلِّ بيتٍ سَبْعون وَصيفة ، وسَبْعون مائدة ، وعلى كُلِّ مائدةٍ سَبْعون لَوْناً من الطعام ، ويتزوَّجُ الرجلُ في الجنةِ خمسَمئةِ حوراء ، وأَربعةَ آلافِ بِكْر ، وثمانيةَ آلافِ ثَيّب!.
وهذا كلامٌ مَكْذوبٌ على رسولِنا محمدٍ - عليه السلام - ، لم يَقُلْه ، وفيه طابَعُ المبالغةِ والمغالاة ...
وهو كَلامٌ مَرْفوضٌ عندنا لأَنه لم يَصِح عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ومعلومٌ أَنّ الجنةَ من عالمِ الغيب ، ولا نأخذُ عالَمَ الغيبِ إِلّا من آياتِ القرآنِ الصريحة ، وما صَحَّ من حديثِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - !.
وأَنهى الفادي المفترِي اعتراضه على حديثِ القرآنِ عن الجنةِ بادّعاءٍ كاذب ، قال : " ولم يَذْكُر القرآنُ أَنَّ في هذه الجنةِ سعادةً روحيةً في محبةِ الخالقِ وتسبيحه! ".
ولقد ذَكَرَ القرآنُ السعادةَ العاليةَ التي يَكونُ عليها المؤمنونَ فى الجنة ، والفرحَ والسرورَ الذي يُظَللُ حياتَهم.
فوجوهُهم ناضرة ، ضاحكةٌ مستبشرة.
قالَ تعالى : *وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *22* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *23*.
وقالَ تعالى : *وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ *38* ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ *39*.
وقالَ تعالى : *إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ *22* عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ *23* تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ *24*.
ويَحمدونَ اللّهَ على ما أَنعمَ به عليهم ، ويتذكَّرونَ ما كانوا عليه في الدنيا.
قالَ تعالى : *وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ *25* قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ *26* فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ *27* إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ *28*.
ومِنْ سُرورِهم وسَعادتِهم الروحيةِ في الجنة إِذْهابُ الحَزَنِ عنهم فيها.
قال تعالى : *وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ *34* الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ *35*.
ومن سعادتِهم الغامرةِ في الجنةِ أَنهم لا يَسمعونَ فيها إِلّا ما يُحبون سَماعَه.
قال تعالى : *لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا *25* إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا *26*.
وتَأتيهم الملائكةُ ، يَدْخلونَ عليهم ، ويُرَحِّبونَ بهم ويُبَشِّرونَهم.
قال تعالى : *أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ *22* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ *23* سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ *24*.
ومن سعادَتِهم الغامرةِ أَنَّ اللّهَ يُحِلُّ عليهم رِضوانَه ، ويُخبرُهم بذلك ، وهذا الرضوانُ أَكبرُ من كُلِّ مظاهرِ نعيمِ الجنة ، من طَعامٍ وشَرابِ وزَواجٍ ولباس.
قال تعالى : *وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *72*.
تنصّ الآيةُ على أَنَّ الرضوانَ الذي يُحِلّهُ اللّهُ على المؤمنين والمؤمناتِ في الجنةِ أَكبرُ مِن كُلِّ مظاهرِ النعيمِ المادّيِّ فيها.
ووَضَّحَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى.
فقد روى البخاريّ ومسلمٌ عن أَبي سعيدِ الخُدْرِيّ - رضي الله عنه - قال : قالَ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - : " إِنَّ اللهَ تَبارَكَ وتعالى يَقولُ لأَهْلِ الجَنَّة : يا أَهْلَ الجَنَّة.
فيقولون : لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْك.
فيقول : هل رضيتُم ؟
فيقولون : وما لَنا لا نَرْضى ، وقد أَعْطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أَحَداً من خَلْقِك.
فيقول : أَنا أُعطيكُم أَفْضَلَ من ذلك.
قالوا : يا رَبَّنا : وأَيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك ؟
فيقول : أُحِلُّ عليكم رِضْواني ، فلا أَسْخَطُ عليكم بعدَه أَبَداً ".
أَبَعْدَ هذه الآيات ِ القرآنيةِ الصريحة ، التي تُصَوِّرُ ما يكونُ عليه المؤمنونَ في الجنةِ من سَعادةٍ ونَضرَةٍ وفَرَحٍ وسُرور ، يَأتي الفادي المفْتَري ليَتَّهِمَ القرآنَ بأَنه لم يَذْكُرْ شيئاً عن هذه السَّعادَة ؟!.
إِنَّ اللّهَ يُكرِمُ المؤمنينَ في الجنة ، بكُلِّ مَظاهرِ النعيم ، سواء كان نَعيماً مادّيًّا ، مُمَثَّلاً في الجَنّاتِ والأَشْجارِ والأَنْهار والقُصورِ واللِّباسِ والطَّعامِ والشَّرابِ والحُورِ العين.
أَو كان نَعيماً معنويًّا ، مُمَثّلاً في سَعادتِهم وفَرحهِم وسُرورِهم ونَضْرَتِهم..
قال تعالى : *يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ *68* الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ *69* ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ *70* يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *71* وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *72* لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ *73*.

أرواح الشهداء وأجواف الطيور الخضر
خَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ في حديثِه عن حياةِ الشهداءِ عندَ رَبِّهم ، كما خَطَّأَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - في إِخبارِه عن كونِ أَرواحِ الشهداءِ في أَجوافِ طُيورٍ خُضر ، واعترضَ على كلامِ القرآنِ عن البرزَخ.
قالَ اللّهُ عن البرزخ : *حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ *99* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *100*.
والبرزَخُ هو المرحلةُ الانتقاليةُ التي يَكونُ عليها الأَمواتُ من البَشَرِ في قُبورِهم ، بانتظارِ قيامِ الساعة ، وهم إِمّا " مُنَعَّمونَ في قُبورِهم إِنْ كانوا مُحْسنين ، وإِمّا مُعَذَّبون في قُبورِهم إِنْ كانوا مُسيئين ، والقَبْرُ إِمّا روضَةٌ من رياضِ الجَنَّة ، وإِمّا حُفرَةٌ من حُفَرِ النّار ، كما أَخبرَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -
وعَلَّقَ الفادي على كلامِ القرآنِ عن البرزخِ بقوله : " والبرزَخُ هو مكانُ الأَرواح ، فيه تُحْفَظُ أَرواحُ الأَشْرار ، فلا يَقْدِرونَ على الرُّجوعِ إِلى الحياةِ الدنيا ".
وكلامُه غيرُ صحيح ، فالبرزخُ ليسَ مَكاناً لحفْظِ أَرواحِ الأَشْرارِ فقط ، وإِنَّما هو مكانّ لكُلِّ النّاس ، مُؤْمِنين وكافِرين ، ومُحْسِنين ومُسيئين ، لأَنه مرحَلَةٌ حتميةٌ لما بَعْدَ الموت.
كما أَنَّ البرزخَ ليسَ مَكاناً للأَرْواحِ فقط ، وإِنما هو مكانٌ لكُلِّ إِنسان ، بجسْمِه وروحِه وكيانِه كُلِّه.
وقد أَخَبَرنا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ كُلَّ إِنسَانٍ عندما يوضَعُ في قَبْرِه ، تُرَدّ له روحُه في جَسَدِه ، ويأْتيهِ الملَكانِ فَيُجْلِسانِه ويَسأَلانِه ، فإِنْ أَجابَ كانَ مُنَعَّماً في قَبْرِه ، وإنْ لم يُجِبْ كان مُعَذَّباً.
فنَعيمُ القبرِ أَو عَذابُه ليسَ للروحِ فقط ، لكنَّه للروحِ مع الجَسَدَ.
لكنَّ البرزخ من عالَمِ الغيب ، ولا يُقاسُ بمقاييسِنا الماديةِ الدنيوية ، فلو فَتَحْنا قَبْراً ماتَ صاحِبُه قبلَ عشراتِ السنين فلنْ نَجِدَ فيه جِسْماً ولا روحاً ، ولا نَعيماً ولا عَذاباً ، ولن نَجِدَ فيه إِلا تُراباً ، ولا يَعْني هذا أَنَّ صاحبَه صارَ تُراباً حقيقة ، إِنما هو بروحِه وجَسَدِهِ في عالَمِ الغيب ، وهو مُنَعَّمٌ أَو مُعَذَّبٌ في قبرِه ، ويَعِيشُ حياتَه البرزخيةَ بانتظارِ قِيامِ الساعة!.
أَما حياةُ الشهداءِ عندَ اللّه ، فقد ذَكَرَها القرآنُ في قولِه تعالى : *وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *169* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *170* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ *171*.
وهذه الآيات ُ نازلةٌ بعدَ غزوةِ أُحُد ، في السنةِ الثالثةِ من الهجرة ، التي استُشْهِدَ فيها مَن اسْتُشْهِدَ من الصحابة ، فأَخْبَرَ اللّهُ أَهْلَهم عن حياتِهم.
وهذا ما أَكَّدَهُ وَوَضَّحَهُ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
روى مسلمٌ عن عبدِ اللّهِ بنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - قال : سأَلْنا رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية : *وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *169*.
فقال : " أَرواحُهم في جوفِ طَيْرٍ خُضرٍ ، لها قناديلُ مُعَلَّقَةٌ بالعرش ، تَسرحُ من الجنةِ حَيْثُ شاءَتْ ، ثم تَأوي إلى تلك القناديل ".
وروى أَبو داود عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - ، قال : قالَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - : " لما أُصِيْبَ إِخوانُكُم بأُحُد ، جَعَلَ اللّهُ أَرواحَهم في جوفِ طَيْرٍ خُضْرٍ ، تَرِدُ أَنهارَ الجنة ، تَأَكُلُ من ثِمَارِها ، وتَأَوي إِلى قناديلَ من ذَهَب مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العرش..
فلما وَجَدوا طِيبَ مَأكَلِهِمْ ومَشْرَبِهم ومَقيلِهم ، قالوا : مَنْ يُبَلغُ إِخوانَنا عَنّا أَنّا أحياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ ، لِئَلّا يَزْهَدوا في الجهاد ، ولا يَنْكُلوا عندَ الحرب ؟
فقالَ اللّه : أَنا أُبَلِّغُهُم عنكم! فأنزل قوله تعالى : *وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا* ... .
وقد اعترضَ الفادي على كَلامِ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، واعتبرَ جَعْلَ أَرواحِ الشُّهداءِ في أَجْوافِ طُيورٍ خُضْرٍ لا يَتفقُ مع كرامَةِ الإنسان.
قال : " ونَحنُ
نسألُ : إِنْ كانَ اللّهُ خَلَقَ الإنسانَ على أَحْسَنِ تَقْويم ، فكيفَ إذا ذَهَبَ إِلى الجنةِ يُنَزِّلُهُ مَنزلةَ الطير ؟
ويَتناسَخُ الأشرارُ في النارِ إِلى قردةٍ وخَنازير ، والأَبرارُ في الجنةِ إِلى طيورٍ وعصافير ؟ ".
واعتراضُه يَدُلُّ على جَهْلِه وسَخافَةِ تَفْكيره ، فلا يَدُلُّ حَديثُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - على أَنَّ اللّهَ يُحَوّلُ الشُّهداءَ من بَشَر إِلى طيورٍ وعَصافير ، إِنما يَدُلُّ على أَنَ اللّهَ يُكْرِمُهم بعدَ استشهادِهم ، فلا يُبقي أَرواحَهم مع أجسادِهم في الدنيا ، وإنما يَستقدِمُها إِلى الجنة ، ويَجعلُها في
حواصلِ طيورٍ خُضْر ، تتمتَّعُ في الجنةِ حيثُ شاءت ، وتَسرحُ فيها بينَ أَنْهارِها وأَشْجارِها وثمارِها ، وتأوي لَيْلاً إِلى قناديلَ مُعَلَّقَةٍ قي ظِلِّ العرش.
وهذا كُلُّهُ في الدنيا ، فأَجسادُهم بَقِيَتْ في قُبورِهم ، وأَرواحُهم هي التي اسْتَقْدَمَها اللّهُ إِلى الجنة ، فليسَ في الأَمْرِ تناسُخٌ ولا اسْتِنْساخ ، ولا إِهانَةٌ واحْتقار للشهيد ، بتحوِيلِه من إنسانٍ مُكَرَّمٍ إلى عُصفور!.
أَمَّا يومُ القيامة فإِنَ اللّهَ يَبعثُ الشُّهداءَ كما يَبعثُ الناسَ الآخَرين ، ويَسيرونَ إلى الموقفِ بأَرواحِهم وأَجسادِهِم ، ثم يُدخِلُهم اللّهُ الجنةَ برحمتِه ، ويكونونَ فيها بَشَراً أَسْوياء ، مُعَزَّزين مُكرَّمين ، على أَرقى وأَكملِ الصُّوَرِ البشرية!!.

حول تأخر الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ذَكَرَ الفادي المفترِي خُرافةَ مَوْتِ جَرْوٍ تحتَ سريرِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، مما جَعَلَ الوحْيَ يتأَخَّرُ عنه أَياماً ، ولم يَنزلْ عليه إِلا بعدَ إِخراجِ جُثَّةِ الجرو ، وجَعَلَ المفترِي عنوانَ الموضوعِ تَهَكُّمِيًّا : " جَرْوٌ يُعَطِّلُ الوَحْيَ! ".
ونَسَبَ هذه الخرافةَ إِلى تَفسيرِ البيضاوي.
وزَعَمَ أَنَّ خُرافةَ الجَرْوِ الميتِ سببٌ في نُزولِ قولِه تعالى : *وَالضُّحَى *1* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى *2* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى *3*.
قالَ الفادي : " قال البيضاوي : رُوِيَ أَنَّ الوحْيَ تَأَخَّرَ عن رسولِ اللّهِ أَياماً..
لأَنَّ جَرْواً مَيتاً كانَ تَحْتَ سَريرِه..
فقالَ المشركون : إِنَ محمداً وَدَّعَهُ رَبُّه وقَلاه ، فَنَزَلَت رَدّاً عليهم ".
وجعل الفادي المفترِي نفسَه عالِماً بالحديث ، خَبيراً بالتَّصحيحِ والتضعيف ، فَزَعَمَ أَنَّ روايةَ الجَرْوِ المَيِّتِ مرويةٌ بسَنَدٍ صَحيح! قال : " ...
ورُوِيَ بإِسنادٍ صَحيحٍ أَنَّ جَرْواً دَخَلَ بيتَ محمد ، فاتَ تحتَ السرير ، فماتَ ، فانْقَطَع الوحْيُ عنه ، فقال محمدٌ لخادمتِهِ خَوْلَة : يا خَوْلَة! ماذا حَدَثَ في بيتي ؟
جبريلُ لا يَأتيني..
فَقُلْتُ في نَفسي : لو هَيَّأتُ البيتَ فَكَنَسْتُه ، فأَهويتُ بالمكنسَةِ تَحْتَ السَّرير ، فأَخْرَجْتُ الجَرْوَ ...
فجاءَ محمدٌ يَرْعَدُ بجُبَّتِه ، وكانَ إذا نَزَلَ الوَحْيُ أَخَذَتْه الرعدةُ ، فقال : *وَالضُّحَى *1* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى *2* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى *3*.
وهذه الروايةُ مكذوبةٌ موضوعة ، رَغْمَ ورْودِها في بَعْضِ كُتُبِ المأثور ، ومِن غَيْرِ المقبولِ والمعقولِ أَنْ يَموتَ جَرْوٌ تَحْتَ سَرِيرِ رسولِ اللّه - عليه السلام - ، وأَنْ تَبْقى جُثَّتُه تحتَ السَّرير أَياماً عَديدةً ، بدونِ أَنْ تَخْرُجَ رائحتُها المنتنة ، أَو أَنْ يَنْتَبِهَ لها أَحَد.
وأَثارَ الفادي المفترِي على الروايةِ المكذوبةِ أَسئلةً تهكميةً خبيثة ، قال :
" ونحنُ نسأَلُ : أَيُّ نوعٍ من الوحي هذا الذي يَنقطعُ عن البَشَر بسببِ جَرْوٍ؟
وأَيُّ مَلاكٍ هذا الذي يُقاطِعُ نبيًّا بسببِ جَرْوٍ ؟
وما دَخْلُ الجَرْوِ في الوحي ؟
أَلمَ يَكُنْ أَغَلَبُ الأَنبياءِ كإِبراهيمَ وإِسحاقَ ويعقوب وموسى وداودَ رُعاةَ أَغْنامٍ وتَحْرُسها الكلاب ؟
فلماذا لَمْ نَسمعْ بمقاطعة السَّماءِ لهم من أَجْلِ كِلابِهم ؟ ... ".
وكلُّها أَسئلةٌ متهافتةٌ لأَنها تتعلقُ بروايةٍ مَكْذوبةٍ موضوعة ، وهي تَدُلُّ على جَهْلِ الفادي وتحامُلِهِ ، وحِرْصِه على إِثارةِ الشبهاتِ ضدَّ القرآن ، ولو لم يَكُنْ عليها دَليلٌ أَوْ بُرْهان!.

هل تذهب الحسناتُ السيئاتِ ؟
أَخْبَرَنا اللّهُ أَنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئات ، فقالَ تعالى : *وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ *114*.
وقد اعترضَ الفادي المفترِي على هذهِ الآية ، وعلى استشهادِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - بها.
قال : " روى الترمذيُّ عن أَبي البُسْرِ قال : أَتَتْني امرأةٌ تَبْتاعُ تَمْراً ، فقلتُ : إِنَّ في البيتِ تَمْراً هو أَطْيَبُ منه ، فدخلَتْ معي البيتَ ، فأَهْوَيْتُ عليها ، فقبَّلتُها ...
ثم ذَهَبَ إِلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وأَخْبَرَه بما كان ، فأَطْرَقَ محمدٌ طويلاً ، ثم قالَ : *وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ*.
فقالَ : يا رسولَ اللّه! أَهي لي خاصَّة أَمْ للنّاسِ عامة ؟
قال : بل للنّاسِ عامة ".
والذي صَحَّ في نُزولِ الآيةِ ما رواهُ البخاريُّ عن عبدِ اللّهِ بنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - : أَنَّ رَجُلاً أَصابَ من امرأةٍ قُبْلَة ، فأَتى رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ له ذلك ، فأَنزلَ اللّهُ الآيةَ : *وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ*.
تَدُلُّ الحادثةُ على أَنَّ أَحَدَ المسلمين زَلَّتْ قَدَمُه ، وارتكبَ ذَنْباً ، حيثُ قَبَّلَ امرأةً قُبْلَةً مُحَرَّمَة ، ثم استيقظَ ضَميرُه ، وشَعَرَ بِذَنْبِهِ ، واستغفَرَ اللّهَ ، وتابَ إِليه ، وأَتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَسْلِماً ، واضِعاً نَفْسَه بينَ يَدَيْه ، ليَحْكُمَ فيه بأَمْرِه.
ولاحَظَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - صِدْقَ الرجلِ في تَوبتِه ، وإقلاعَهُ عن ذَنْبِه ، وحِرْصَه على الإكثارِ من الحسنات ، فأَخبره أَنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات!!.
وقد صَرَّحَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديثٍ آخَرَ أَنَّ الصلواتِ الخمس تُكَفِّرُ الذُّنوبَ ، وشَبَّهَها برَجُلٍ يَغْتَسلُ في نَهْرٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ في اليوم.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سَمِعَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أَرأَيْتُم لو أَنَّ نَهْراً ببابِ أَحَدِكم يَغتسلُ فيه كُلَّ يومٍ خَمْسَ مَرّات ، هل يَبقى من دَرَنه شَيءٌ ؟" قالوا : لا يَبْقى من دَرَنهِ شيء.
قال : " فذلك مَثَلُ الصلواتِ الخمسِ يمحو اللّهُ بهنَّ الخَطايا ".
وروى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ - رضي الله عنه - عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال : " الصلواتُ الخمسُ ، والجمعةُ إِلى الجمعةِ ، كَفَّارَةٌ لما بينهنّ ، ما لم تُغْشَ الكَبائِر ".
وقد رَفَضَ الفادي ما قَرَّرَتْه الآية ، وما أَكَّدَهُ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - وطَرَحَ حولَها أَسئلتَه التشكيكيةَ ، فقالَ : " ونحنُ نَسألُ : كيفَ يَقترفُ الناسُ الشُّرور ، ثمَّ يُكَفِّرونَ عنها بالصلواتِ الخمس ؟
أَلا يُنافي هذا قداسة اللّهِ وعَدْلَه ؟
فإنه لا يُمكنُ التكفيرُ عن الخطيئةِ إِلّا بَسَفْكِ دَمٍ ، كقولِ الإنجيلِ : " بدون سَفْكِ دَمٍ لا تَحْصُلُ مَغْفِرَة " وكيفَ يَسْتَخِفّونَ بخطِيئةٍ هي أَشنَعُ وأَفظعُ شَيْءٍ أَماْمَ الله ".
لقد قَدَّمَ الفادي طريقاً شاقّاً للتوبةِ والتكفير ، لا تَتَّفِقُ مع عقِيدَتِه النصرانية ، إِنَّه لا توبةَ ولا تَكْفيرَ إِلّا بسَفْكِ دَم ، وبدونِ سَفْكِ دَمٍ لا تَحصُل مغفِرة!! فما مَعْنى هذا ؟
هل يَجِبُ على المذنبِ أنْ يَقتلَ نَفْسَه ليغفرَ اللّهُ له ؟
أَلا يؤمنُ النَّصارى أَنَّ المسيحَ هو الفادي ؟
وأَنَّ اللهَ شاءَ أَنْ يُصْلَبَ ابْنُه ليكونَ فِداءً للبَشَرِ جَميعاً حتى قِيامِ السّاعة ؟
وأَنه لا داعِيَ لأَنْ يَستغفرَ المذْنبون ، فقد فَداهُم الفادي بنفسِه..
فكيفَ يَقولُ المفْتَري الآنَ : إِنه لا مَغفرةَ إِلّا بسَفْكِ دَمٍ ؟!.
أَمّا ادّعاؤُه أَنَّ الآيةَ وحديثَ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - تُجَرِّئُ المسلمينَ على ارتكاب الذنوب ، وتَدْعوهم إِلى الاسْتِخفافِ بالمعاصي ، فهذا افتراءٌ باطل ، لأَنَّ الآياتِ القِرآنيةَ وأَحاديثَ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - تَدْعو إِلى تَقْوى اللّه ومراقبتِه وتعظيم مقامِه ، وعَدَمِ معصيتِه ، فإذا أَخْطَأَ المسلمُ بدونِ قَصْدِ ، وَوَقَعَ في ذنْبٍ بدون تَعَمُّد ، ثم استغفرَ اللّهَ وأَكثر مَن مظَاهر عبادتِه وطاعتِه فإنّ اللّهَ يغفرُ له.
لهذا المسلم التائبِ ، المنيبِ لرَبّه ، المقْلعِ عن ذَنْبِه ، الذي عَملَ الحسناتِ بعدَ السيئات ، تُوَجَّهُ الآيةُ ، تَرغيباً له في الاستمرارِ على طريقِه الإِيجابيِّ بعدَ التوبة : *إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ*، كما تُوَجَّهُ له أَحاديثُ
رسولِ اللّه - عليه السلام - المرغبةُ في فِعْلِ الحسناتِ بعدَ السيئات.

من الذي صُلب : المسيح أم شبيهه ؟
سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في مسألة صَلْبِ المسيح - عليه السلام - وموتِه ورَفْعِه إِلى السماء ، عندما أَثارَ موتَ المسيحِ ثم حياتَه بعدَ موتِه ، وذَكَرْنا ما قالَه القرآنُ حولَ ذلك.
وقد عادَ الفادي إِلى هذا الموضوع ، وخَصصَ له مَبْحثاً خاصّاً ، وهو السؤالُ الثامنُ والتسعون ، الذي جَعَلَ عنوانه : " خِدْعَة إِلْقاءِ شبهِ المسيحِ على غيرِه ".
اتهمَ الفادي المفترِي القرآنَ بالتناقُضِ في حديثِه عن عيسى - عليه السلام - ، فأَحياناً يَذْكُرُ أَنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوهُ ولم يَصْلُبوهُ ، وإِنما قَتَلوا وَصَلَبوا شَبَهَه ، وأَحياناً يذكُرُ أَنهم قَتَلوا المسيحَ ودَفَنوه ، ثم أحياهُ اللّهُ بعدَ موتِهِ ، ورَفَعَهُ إِلى السَّماء!!.
قالَ : " جاءَ في سورةِ النساء : *وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا *157* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا *158*.
بسببِ هذه الآيةِ القرآنيةِ الواحدةِ يُنْكِرُ بعضُ المسلمين صَلْبَ المسيح ، مع أَنَّ في القرآنِ ثلاثَ آياتٍ تقطعُ أَنَّ المسيحَ تُوُفِّيَ ومات ، وبُعِثَ حَيّاً ، ورُفِعَ إِلى السماء.
وهي : *يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ*.
و *كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *117*.
*وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا *33*".
ثم قال : " ونحنُ نَسأل : كَيْفَ يَقولُ القرآنُ مرةً : إِنَّ المسيحَ لم يُصْلَبْ ولم يُقْتَل ، بل رُفِعَ حَيّاً ، ويَقولُ مِراراً : إِنه تُوُفِّيَ وماتَ ثم رفِعَ حَيّاً ؟!.
وإِنْ جازَ أَنْ يُقالَ : إِنَّ اللّهَ يُلقي شَبَهَ إِنسانٍ على آخَر ، أَلا يَفتحُ هذا بابَ الشَّكِّ في كلِّ شَيء ؟
فإِذا رأيتَ زيداً ، يُحتملُ أَنه ليسَ بزَيْد ، بل أُلْقِيَ شَبَهُ زيدٍ عليه ، وعند ذلك لا تَبْقى على الأَرضِ حقيقة! بل إِنّنا نَشُكُّ في التَّواتر ، لأَننا نتساءل إِنْ كانَ ما رواهُ الأَوَّلونَ حقّاً أَو شَبيهاً بالحَق ، بل إِنَّنا نَشُكُّ في الشرائعِ التي جاءَ بها أَشباهُ الأَنبياءِ ، بل الأَنبياءُ أَنفسُهم! وهل في إِلْقاءِ الشَبَهِ على آخَرَ ليَقْتُلَه اليهودُ بَدَلَ المسيح شيءٌ من العَدْلِ على الرجلِ المقْتول ؟
أَلَا يَظُنُّ اليهودُ أَنَّ اللّهَ يُعِزُّ المسيحَ ويُكْرِمُه ؟
إِنَّ الذينَ يُنكرونَ الصلْبَ يَرسمونَ لنا اللّهَ إِلهاً يَرضى بالغِشِّ والكذِب ".
لقد أَثارَ الفادي المفترِي في كلامِه مجموعةً من الإِشكالاتِ والمغالطات ، ويُمكنُ الرَّدُّ عليها في النقاط التالية :
1 - زَعَمَ أَنَّ القرآنَ مُتَناقِضٌ في حديثِه عن نهايةِ المسيح - عليه السلام - ، فقالَ : إِنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوه ولم يَصلبوه ، وإِنما شُبِّهَ لهم ، وقالَ : إِنّ عيسى تُوُفِّيَ وماتَ ثم بُعِثَ حَيّاً ، وصَعَدَ إِلى السّماء.
وهذا زَعْمٌ باطلٌ مردود ، فلم يَتَناقض القرآنُ في حديثِه ، ولا تَناقُضَ بين الآياتِ القرآنيةِ التي تتحدَّثُ عن الموضوعِ الواحد ، وإِذا كان هناكَ تَناقُضٌ أَو تَعارض فهو موهوم ، ناتِجٌ عن سوءِ فَهْمِها ، ويُمكنُ إِزَالةُ ذلك التعارضِ بإِمْعانِ النظرِ فيها ، وإِحسانِ فَهْمِها ، ودِقَّةِ الجَمْعِ بينها.
2 - المعْتَمَدُ في أَمْرِ المسيحِ - عليه السلام - آياتُ سورةِ النساء ، التي تُصَرِّحُ أَنَّ اللّهَ حمى رسولَه عيسى - عليه السلام - ، وعَصَمَه من كيدِ اليهود ، فلما أَتَوْا بالجنودِ الرومانِ لصَلْبِه وقَتْلِه ، أَلْقى اللّهُ شَبَهَهُ على أَحَدِ تلاميذِه المتَبَرِّعين ، فأَخَذوا المؤمنَ المتَبَرِّعَ ، وقَتَلوهُ وصَلبوهُ على أَنه عيسى ، ثم أَنْزَلوهُ ودَفَنوه! أَمّا عيسى - عليه السلام - فقد أَنْجاهُ اللّهُ وعَصَمَه وحَماه ، ورَفَعَه إِلى السماءِ مُباشَرَة ، فلم يُصَبْ بأَذى.
3 - لم يَتَحدث القرآنُ عن صَلْبِ عيسى ودَفْنِه وموتِه ، ثم قيامَتِه حَيّاً من قَبْرِه ، كما ادّعى الفادي ذلك ونَسَبَهُ للقرآن.
وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْناهُ في مَعْنى قولِه تعالى : *إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا*.
وخُلاصةُ مَعْنى الآيةِ : أَنه بعدَ أَنْ أُلْقِيَ شَبَهُ عيسى - عليه السلام - على ذلك الشابَ المتطوّع ، بحيثُ صارَ كَأَنَّه عيسى تَماماً ، أَلقى اللّهُ النومَ على عيسى - عليه السلام - ، فنامَ وهو وسطَ تَلاميذِهِ الحَوارِيّين ، في تلك الليلةِ المثيرة ، وتوفّاة اللّهُ بأَنْ أَنامَه ، ثم رَفَعَه إِلى السماءِ وهو نائم ، وكان ذلك بروحِه وجَسَدِه ، وتَمَّ بآيةٍ خارقةٍ ومعجزةٍ باهرةٍ من اللّه!.
فليسَ معنى قولِه : *إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ* : سأَسْمَحُ لليهود بصلْبِك وقَتْلِك ودَفْنك ، وأَكونُ بهذا قد أَمَتُّكَ وَتَوَفَّيْتُكَ ، ثم أْحْييكَ بعدَ دفنِك مباشرة ، وأَرفعكَ إِلَيَّ حَيّاً.
كما يؤمنُ بذلك الفادي وأَهْلُ مِلَّتِهِ من النصارى.
وإِنما مَعْناها : إِنّي مُنيمُك ، ورافِعُكَ إِلَيَّ وأَنتَ نائِم ، وبذلك أُطهِّرُكَ من الذين كَفَروا ، فلم تَمتدَّ أَيديهم إِليكَ بسوء.
4 - لا يَدُلّ قولُه تعالى : *فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ* : لما أَمَتَّني عَلى الصليب ، كما فهمَ ذلك الفادي المفترِي ، إِنّما المرادُ بها هنا الوفاةُ الحقيقيةُ ، التي سَيَتَوَفّى اللّهُ بها عيسى - عليه السلام - ، عندَ انتهاءِ أَجَلِه ، وذلك بعدَ نزوله في آخرِ الزمان ، حيث سيتوَفّاهُ اللّهُ ويُميتُه كما يَتَوَفّى ويُميتُ أَيَّ إِنْسان!.
5 - أَمّا قولُه تعالى : *وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا* فليس كما فهمَه الفادي المفترِي ، بما يَتفقُ مع هَواه ، من أَنه ماتَ ودُفِنَ ، ثم بَعَثَه اللّهُ حَيّاً بعد ذلك ورَفَعَه إلى السماء ، وإنما يُخبرُ عن المراحلِ الثلاثةِ التي يَمُرُّ بها عيسى - عليه السلام - ، كما يَمُرُّ بها كلُّ إِنسان ، وهي ميلادُه ، ثم موتُه ، ثم بعثُه حيّاً يومَ القيامة.
فعيسى الحيّ الآنَ في السماءِ ، سيُنْزِلُهُ اللّهُ في آخرِ الزمان ، ثم يُميتُه ، ثم يَبْعَثُه حَيّاً يومَ القيامة كما يَبْعَثُ باقي الناس.
وبهذا نُزيلُ التناقضَ الموهومَ بين الآيات ، ونَعْرِفُ من القرآنِ أَنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوا عيسى ولم يَصْلبوه ، وأَنامَه اللّهُ ، وتوفّاه تَوَفِّيَ نَوْمٍ ، ورَفَعَه إِليه وهو نائم ، وسيُنزلِهُ في آخرِ الزمان ، ويُميتُه كما يُميتُ باقي البشر ، ويبعثُه حَيّاً يوم القيامة كما يَبْعَثُ باقي البَشَر!!.
6 - لا يَتَرَتّبُ على إِلقاءِ شَبَهِ عيسى - عليه السلام - على تلميذه المتطوِّعِ الإِشكالاتُ التي ذَكَرَها الفادي ، لأَن هذا أَمْرٌ خاصٌّ أَرادَهُ اللّه ، ومعجزةٌ خاصَّةٌ قَدَّرَها اللّه ، ليحميَ بها عَبْدَه ورسوله عيسى - عليه السلام - ، ولا يَصيرُ ذلك الشابُّ المؤمنُ على شَكْل عيسى - عليه السلام - إِلّا بأَمْرِ اللّه ، ولا يُؤَدي هذا إِلى الشَكِّ في الحقائقِ والأَشياءِ والأَشخاص ، لأَنَّ هذه المعجزةَ لا تُعَمَّم على الجميع! كما أَنه ليسَ في الأَمر ظلمٌ للشاب المتطوِّع ، الذي أُخِذَ وقُتِلَ وصُلِبَ على أَنه عيسى - عليه السلام - ، لأَنه تبرعَ بذلك ورضيَ به ، طالِباً الأَجْرَ من اللّه ، حيثُ استَجابَ لدعوةِ عيسى - عليه السلام - : " مَنْ منكُم يَرْضَى أَنْ يُلقى عليه شَبَهي ، فيؤْخَذَ ويُقْتَلَ ، ويكونَ معي في الجنة ؟ ".
فقالَ ذلك الشاب : أنا.
7 - الجملةُ الأَخيرةُ من كلامِ الفادي فاجرةٌ قَبيحةٌ مرذولة : " إِنّ الذينَ يُنْكرونَ الصَّلْبَ يَرسمونَ لنا اللّهَ إِلهاً يَرضى بالغِشِّ والكَذِب! ".
أَيْ أَنَّ ذلك الشابَّ الفدائى المتطوِّعَ كان كاذِباً غَشّاشاً عندما صارَ شَبيهاً بعيسى - عليه السلام - ، علماً أَنَّ الأَمْرَ لم يَتِمَّ بفعْلِه ، إِنما تَمَّ بفعلِ اللّه ، وبما أَنَّ اللّهَ الذي أَرادَ ذلك وفَعَلَه فهو الصوابُ الذي لا خَطَأ فيه!.

حول تكفير الصوم للخطايا
وَقَفَ الفادي المفترِي أَمَامَ تكفير صومِ رمضانَ للخطايا ، وفَضْلِ ليلةِ القَدْرِ فيه ، التي هي خيرٌ من أَلْفِ شَهْر ، وأوردَ أَحاديثَ لم تَصح عن رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ثم اعترضَ عليها.
بعدَما سَجَّلَ آياتِ سورةِ القَدْرِ قال : جاءَ في حديثٍ عن ابنِ عباس : " إذا كانَتْ ليلةُ القَدْرِ أَمَرَ اللّهُ جبريلَ أَنْ يَنزلَ إِلى الأَرض ، ويَنزلَ معه سَبعُونَ أَلْفَ مَلَك ، سُكان سدرةِ المنْتَهى ، ومعهم أَلويةٌ من النّور ، فَيُرَكّزونَ أَلويتَهم في المسجدِ الحرام ومسجدِ محمد وبيتِ المقدس ، ويُرَكِّزُ جبريلُ لواءً أَخضرَ على ظهرِ الكعبة..
ثم تَتَفرقُ الملائكةُ في أَقطارِ الأَرضين ، فيَدْخُلونَ على كُلِّ مؤمن ، يَجِدونَه في صلاةٍ أَو ذِكْرٍ ، يُسَلِّمون عليه ويُصافحونَه ، ويُؤَمِّنونَ على دُعائِه ، ويَستغفرونَ لجميع أُمَّةِ محمدٍ حتى مَطْلَعِ الفجر ... " !! وفي حديث آخَر : " إِنَّ اللّهَ يُعتقُ في كُلًّ يَوْمٍ من رمضان ستَّمئةِ أَلْفِ عَتيقٍ من النار ، فإِذا كانَ آخْرُ يومٍ منه أَعتقَ بقَدْرِ ما مَضى! ".
والحَديثان اللَّذان ذَكَرَهما لَيْسا صحيحين ، ولم يَقُلْهما رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وفيهما مبالغةٌ واضحة غيرُ مقبولة.
وانظرْ إلى شيطنةِ وخُبْثِ الفادي المجرم ، في قولِه عن المساجدِ الثلاثة :
" فَيُرَكّزونَ أَلويتَهم في المسجدِ الحرامِ ومسجدِ محمدٍ وبيتِ المقدس ".
الروايةُ التي نقلَها تقول : " المسجدُ الحرامُ والمسجِدُ النبويُّ وبيتُ المقدس ".
فَحَذَفَ المفتري المحَرِّفُ كلمةَ " المسجدِ النبوي " ، وَوَضَعَ مكانها " مسجدَ محمد " !.
وذلك ليَنْفي نُبُوَّةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنه لا يؤمنُ بأَنه رسولُ اللّه ، وإِنما هو كاذب مُفْتَرٍ مُدَّعٍ ، ادّعى أَنه نبيّ ، وأَلَّفَ القرآن ، ولذلك يَحرصُ في كتابِه على حَذْفِ أَيِّ كلمةٍ تُشيرُ إِلى نبوَّتِه ، فيحذفُها ويَضَعُ مكانَها اسْمَه المجرَّدَ! حتى لو أَدّى ذلكَ إِلى التلاعبِ بالنَّصِّ الذي أَمامَه وتحريفِه ، وهذا مما لا يتفقُ مع الأَمانةِ العلميةِ في التعامُلِ مع النصوصِ المخالفة!.
وقد اعترضَ الفادي على الحديئَيْن اللذين أَوردَهما ، وخَطَّاَ القولَ بأَنَّ الصومَ يُؤَدّي إِلى مغفرةِ الخطايا.
قال : " ونحنُ نَسْأَل : هل مجردُ صومِ رمضانَ يُؤَدّي إلى الخَلاصِ ، ويَغفرُ الخَطايا ؟
أَلا يُنافي هذا عَدْلَ اللّهِ وقَداسَتَه ؟
لقد وَفَّقَ اللّهُ بحكمَته بينَ عَدْلِه ورحمتِه ، وجَعَلَ المسيحَ بتجسّدِه يَموتُ عن الخُطاة ، ليخَلِّصَهم من الخطيَّة ، ويَمنحَهم القوةَ للعيشةِ بالبِرّ والقَداسَة.
إِنَّ الاتكالَ على رحمةِ اللّهِ فقط دونَ النظرِ للفداءِ يَطْعَنُ في عَدْلِ اللّه ، فيكونُ اللّهُ كمَلِكٍ يُصدرُ قانوناً ، ويَتَهاونُ في تنفيذِه ، فلا يُعاقِبُ كاسِريه! ".
واعتراضُ الفادي على تَكفيرِ الصوْمِ للخَطايا دَليلِّ على جهْلِه ، فالمؤمنُ عندما يَصومُ يَقومُ بجهدٍ وعَمَلٍ وكسْب ، ويَفعلُ الخير ، مُتَقَرِّباً به إِلى اللّه ، ويُكافؤُه اللّهُ على جهدِه وعملِه بتكفيرِ خطاياه ، ومضاعفةِ حَسَناتِه ، وماذا في ذلك ؟
ولماذا لا يَتفقُ هذا التكفيرُ مع عَدْلِ اللّه ؟
ولماذا يُؤَدّي القولُ بهذا إِلى اتِّهامِ اللّهِ بالتهاونِ في تَنفيذِ عِقابِه والتراجعِ عنه ؟!.
إِنَّ اللّهَ واسعُ المغفرة ، يتقبَّلُ الصالحاتِ من عبادِه الصالحين ، ويَتعامَلُ معهم برحمتِه وكَرَمِه ، فيضاعِفُ لهم الحسنات ، وهو يُريدُ منهم أَنْ يَتَّقوهُ ويُطيعوه ، فإِذا أَذْنَبوا ثم تَابوا واسْتَقاموا ، وعَمِلوا الطاعات ، فيقبَلُهم ويَعفو عنهم ، واللّهُ غفورٌ رحيم ، يَغمرُ التائبين العابدين برحمتِه وفَضْلِه!!.
وأَيُّهما الأَدْعى للإِنكارِ والاعتراضِ والتخطئة ؟
فكرةُ الإِسلام عن تكفيرِ العباداتِ من صلاةٍ وصوم للذنوبِ والخطايا ، أَو فِكرةُ النصرانيةِ عن الخَلاص والفداء ؟
التي تَقومُ على أَنًّ اللّهَ ضحَّى بابنِه المسيح ، وأَذِنَ أَنْ يُقْتَلَ ويُصْلَبَ ليكونَ فادياً للناسِ جميعاً ، وكان دَمُ ابنِه المسيح المسفوكُ تَكفيراً لجميعِ ذُنوبِ المذنبين حتى قيامِ الساعة! ولا داعي لأَنْ يَتوبَ هؤلاء المذنبون ، ولا أَنْ يَسْتَغْفِروا اللّه ، ولا أَنْ يَعْمَلوا الصالحات ، ولا أَنْ يَتَوَقَّفوا عن المعاصي! فاللّهُ ضَحَّى بابنِه المخَلِّصِ الفادي من أَجْلِهم!! باللّهِ هذا كلامٌ ؟!
وهذا دين ؟!
وقائلُ هذا الكلامِ هل هو مُوَحِّدٌ للّه ؟
وهل هو مُؤَهَّلٌ للاعتراضِ على الإِسلام وتخطئتِه في كلامِه عن تكفيرِ الخطايا بالعملِ الصالح ؟
صَدَق في كلامِ الفادي الجاهلِ قَولُ الشاعر :
هذاكَلامٌ لَهُ خَبيءٌ ... مَعْناهُ لَيْسَتْ لنا عُقولُ

نفي النبوة عن نسل إسماعيل - عليه السلام -
يَحصرُ الفادي المفترِي وأَهْلُ مِلَّتِه النبوةَ في بني إِسرائيلَ من نَسْلِ إِبراهيمَ - عليه السلام - ، ويَنْفونَ النبوةَ عن نَسْلِ إِسماعيل - عليه السلام - ، وهذا مَعْناهُ أَنهم يَنْفونَ نُبُوَّةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
وبَحَثَ الفادي المفترِي في القرآنِ نفسِه عن دليلٍ يَحصرُ فيه النبوةَ ببني إِسرائيلَ ، ويَنفي نبوةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ! وادَّعى أَنَّه وَجَدَ آيتَيْن تُصَرِّحانِ بذلك!.
قالَ : جاء في سورة الجاثية *16* : *وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ *16*.
وجاء في سورة العنكبوت *27* : *وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا*.
وخَرَجَ من الآيَتيْن بنتيجةٍ فاجرة! قال : " وهذا تَصريحٌ بأَنَّ النبوةَ محصورةٌ في بَني إِسرائيلَ دون سواهم ، وهي تُوافقُ رَأَيَ التوراة ، التي تُحَذِّرُ بَني إِسرائيلَ مِنْ قَبولِ مَنْ يَدَّعي أَنه نبيّ من ذريةِ إِسْماعيل ".
ثم ذَكَرَ الفادي المفترِي نُصوصاً من سِفْرِ التكوينِ تُصَرِّحُ بذلك ، منها :
" قالَ إِبراهيمُ للّه : ليتَ إِسْماعيلَ يَعيشُ أَمامَك! فقال اللّه : بل سارةُ امرأَتك تَلِدُ لك ابْناً وتَدْعو اسْمَه إِسحاق ، وأُقيم عَهدي معه عَهْداً أَبدِياً لنَسْلِه منْ بَعْده ! ".
هذا النَّصُّ يَنفي نُبُوَّةَ إِسْماعيل - عليه السلام - ، ويَرفعُ البركةَ عنه ، وكأَنَّه ليس ابنَ إبْراهيمَ - عليه السلام - ، ويَخُصُّ البركةَ والنبوَّةَ بإِسحاق - عليه السلام - ونَسْلِه وذرِّيَّتِه!! وهذا كَلامٌ باطل ، وهو من تأَليفِ الأَحبار ، وهو مَردودٌ لأَنَّهُ يَتعارَضُ مع القرآنِ الذي صَرَّحَ بنبوةِ إِسْماعيلَ - عليه السلام -.
ويَنقلُ الفادي المفْتَري من سِفْرِ التكوينِ المفترى قولَ اللّهِ لإِسْحاق :
" وأُكَثِّرُ نَسْلَكَ كَنُجومِ السماء ، وأُعْطي نَسْلَكَ جميعَ هذه البلادِ ، وتَتَبارَكُ في نَسْلِكَ جَميعُ أُمَمِ الأَرض "!.
كما يَنقلُ قولَ اللّهِ ليعقوبَ الهاربِ من أخيه عيسو : " ويكونُ نَسْلُكَ كَتُرابِ الأَرض ، وتمتَدُّ شَرْقاً وغَرْباً وشمالاً وجَنوباً ، ويَتَبارَكُ فيك وفي نَسْلِكَ جَميعُ قبائلِ الأَرض ".
وقد كَذَّبَ القرآنُ كَلامَ الأَحبار ، فاللّهُ لم يُعْطِ إِبراهيمَ - عليه السلام - وَعْداً مُطْلَقاً مَفْتوحاً ، له ولذريَّتِه من نَسْلِ إِسحاقَ فقط ، إِنما جعلَ الإمامةَ في الصَّالحينَ من ذريتِه ، سواءٌ كانوا من نَسْلِ إِسماعيلَ أَو من نَسْلِ إِسْحاق ، وحَرَمَ الظالمينَ الكافرين من عَهْدِه وفَضْلِه.
قال تعالى : *وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ *124*.
ثم مَنْ قال : إِنَّ نَسْلَ إِسحاقَ ويَعقوبَ أَكثرُ الأَقْوامِ نَسْلاً ، وأَنَهم لا يُحْصَوْنَ لكثرتِهم ، وأنَّهم كتُرابِ الأَرضِ ونُجومِ السماء ؟
إِنَّ الواقعَ يُكَذَبُ ذلك ، فاليهودُ في هذه الأَيامِ لا يَزيدونَ عن خمسةَ عَشَرَ مَلْيوناً في العالمِ أَجْمع ، وكثيرٌ منهم لَيْسوا من أُصولٍ يَهوديةٍ إِسرائيلية ، أَيْ ليسوا من نَسْلِ إِسحاقَ ويَعقوبَ - عليهما السلام - ، وإنما هم من أُصولٍ غير إِسرائيليةٍ دَخَلَتْ في الديانةِ اليهودية!.
وقد ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ النبوةَ محصورةٌ في نَسْلِ إِبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ - عليهم السلام - قال : " فالبركَةُ للعالَمِ والعهدُ الإِلهيُّ عن النسلِ الموعودِ به يَنحصرُ في نَسْلِ إِبراهيمَ وإِسحاقَ ويَعقوبَ إِلى المسيح ".
ومعنى قولِه هذا نفيُ نُبوَةِ الأَنبياءِ السابقين من غيرِ بَني إِسرائيل ، والكفرُ بهم ، مثلُ هودٍ وصالحٍ وشعيبِ عليهم الصلاة والسلام ، والكفرُ بهم كفرٌ باللّه ، فهذا مظهرٌ من مظاهر كُفْر الفادَي باللّه.
وصرَّحَ الفادي المفترِي بعدَ ذلك بنفيِ نُبُوَّةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
قالَ : " فإذا كانت النبوةُ محصورةً في بَني إِسرائيل ، حسبَ شَهادةِ التوراةِ والإِنجيلِ والقرآن ، فكيف يكونُ محمدٌ نبياً ؟ ".
إِنَّ المفْتَري يَفْتَرِي ويَكْذِبُ على القرآن ، ويَدَّعي أَنَّ القرآنَ حَصَرَ النبوةَ في بَنِي إِسرائيل ، وهذا كَذِبٌ على القرآن ، فقد ذَكَرَ القرآنُ قَصَصَ أَنبياءٍ من غيرِ بَني إِسرائيل ، مثلُ : نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ ومحمد ، عليهم الصلاة والسلام.
وقد صرَّحَ المفترِي بكفْرِهِ الصريح في نَفْي نبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - : "فكيفَ يَكونُ محمدٌ نبياً ؟"
وهو بهذا يُكَذِّبُ الآيات ِ القرآنيةَ الكثيرةَ التي تُصَرِّحُ بنبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - " كقولِه تعالى : *مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ*.
وهذا مظهرٌ آخَرُ من مظاهر كُفْرِه باللّه!.
ويُكَذِّبُ الفادي المجرمُ القرآنَ في تصريحِه بنبوةِ إِسماعيلَ - عليه السلام -.
قال : وكيفَ يقولُ القرآن : *وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا *54* ،
ثم يَقولُ : إِنَّ محمداً وَحْدَه نبيُّ العرب ، وقَبْلَه لم يُرْسَلْ لهم نبيٌّ : *وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ *44* ،
وقال : *لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ *3*.
يُريدُ المفْتَري أَنْ يَتَّهِمَ القرآنَ بالتناقُضِ ، فهو يَذْكُرُ أَنَّ إِسماعيلَ - عليه السلام - كانَ رسولاً نبِياً ، ثم يَذْكُرُ أَنَّ اللّهَ لم يَبْعَثْ رسولاً نبيّاً للعَرَبِ قبل محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
مع أَنه لا تَناقُضَ بين آياتِ القرآن ، فإِسماعيلُ بنُ إِبراهيمَ - عليهما السلام - بَعَثَهُ اللّهُ رسولاً إِلى العربِ الذين كانوا في مكةَ ، عندما تَمَّ بِناءُ الكعبة ، وبذلك ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ ؤرسالتُه!..
ولما نفى اللّهُ وُجودَ رسولٍ نذيرٍ للعرب في الحجازِ قبلَ نبوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - إِنما أَرادَ نَفْيَ وُجودِ نبيٍّ من زَمنٍ قريب ، لأَنَّ آخِرَ الأَنبياءِ هو عيسى - عليه السلام - ، وهو خاتَمُ أَنبياءِ بني إِسرائيل.
وأَخْبَرَنا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن عدمِ وُجودِ أَنبِياءَ بينَه وبينَ عيسى - عليه السلام - ، وهي مدةُ ستةِ قُرونٍ تقريباً ، فالآياتُ التي نَفَتْ إِرسالَ نَذيرٍ للعَرَبِ في الحجازِ تحدَّثَتْ عن الفترةِ بينَ عيسى ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - ولَا تَمتَدُّ هذِه الفترةُ لتَنْفي نبوةَ إِسماعيل ، الذي كانَ قبلَ محمدٍ عليهما الصلاة والسلام بأَكثرَ من أَلْفَيْ سنة!.
إِنَّ إِسماعيلَ نبيٌّ رسولٌ عليه الصلاة والسلام ، وإِنَّ محمداً رسولُ اللّه وخاتَمُ النبيين - صلى الله عليه وسلم - ، هذا ما ذَكَرَهُ القرآن ، وهذا ما نُؤمنُ به ، ومَنْ أَنكرَ نُبُوَّتَهما - كالفادي المجرمِ - فهو كافرٌ باللّه ، لأَنه كَذَّبَ ما قالَه اللّهُ في القرآن..
وليست النبوةُ محصورةً في بني إِسرائيلَ كما ادَّعى الفادي المفترِي ، فهناكَ أَنبياء من غيرِ بني إِسرائيل ، مثلُ هودٍ وصالحٍ - صلى الله عليهما وسلم - ، لأَنَّ اللّهَ بَعَثَ لكلِّ أُمَّةٍ نذيراً ، كما قالَ تعالى : *وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ *24*.
مع أَنَّ معظمَ الأَنبياءِ المذكورين في القرآنِ إِنما بُعِثوا لبني إسرائيل ، وكانوا من بَني إِسْرائيل!!.
ووقفَ الفادي المفترِي أَمامَ بعضِ الآياتِ التي تُثْني على إِسحاقَ ويعقوب ، واستدلَّ بها على عدمِ نبوةِ إِسماعيل.
قال : " وذَكَرَ القرآنُ مِراراً أَنَّ إِسحاقَ *الابنَ الثاني لإِبراهيم* ويَعقوبَ *حفيدَه* هما هبةُ اللّهِ لإِبراهيم ، دونَ ذِكْرِ إِسماعيلَ *مع أَنه بِكْرُ إِبْراهيم* فقال : *وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا* ، وقال : *فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا *49* ".
وما خَرَجَ به الفادي المفترِي من الآياتِ غَيْرُ صَحيح ، فبينما اكْتَفَتْ بعضُ الآياتِ بذكْرِ إِسحاقَ ويعقوب ، فقد ذَكَرَتْ آياتٌ أُخرى إِسماعيل ، وأَثْنَتْ عليه كما أَثْنَتْ عليهما ، عليهم جميعاً الصلاة والسلام.
فالآياتُ التي ذكَرَتْ إِسحاقَ ويَعقوبَ - عليه السلام - في سورةِ مريم ، تَلَتْها آياتٌ أَثْنَتْ على إِسماعيلَ - عليه السلام - ، حيثُ قالَ اللّهُ عنه : *وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا *54* وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا *55*.
وسورةُ الأَنبياءِ التي أَثْنَتْ على إِسحاقَ ويعقوب- عليهما السلام - : *وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ *72*.
أَثْنَتْ بعدَ ذلك على إِسماعيلَ - عليه السلام - : *وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ *85*.
وسورةُ الأَنعامِ التي ذَكَرَتْ إِسحاقَ ويَعقوبَ - عليهما السلام - : *وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا* ، ذَكَرَتْ إِسماعيل - عليه السلام - بعد ذلك : *وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ *86*.
وسورةُ الصافات التي تحدثَتْ عن إِسحاقَ : *وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ *112* وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ *113*.
تَحَدَثْتَ عن إِسماعيلَ غَظبز قبلَ ذلك ، وذكرتْ قصةَ الذبْحِ والفِداء : *فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ *101* فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ *102* فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *103* وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ *104* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *105* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ *106* وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ *107*.
ولما حَضَرَ يعقوبَ - عليه السلام - الموت وأَرادَ أَنْ يطمئِنَّ على تَدَيُّنِ أَولادِه ، سأَلَهم عن مَنْ سيَعْبُدونَ من بعده ؟
فذكروا أنهم سيعبدونَ إِله آبائِه ، ومنهم عَمُّه إِسماعيلُ ، قال تعالى : *أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ *133*.
وقُدِّمَ إِسماعيلُ على إِسحاقَ ضمنَ ذِكْرِ مجموعةٍ من الأَنبياء ، وذلك في قولِه تعالى : *قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ *136*.

هل بلاد العرب للمسيح - عليه السلام - ؟
ذَكَرَ الفادي الآيةَ التي تُخْبِرُ أَنَّ نصارى مَخْصوصينَ هم أَقربُ الناسِ مَوَدة للمؤمنين.
قال تعالى : *لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ *82*.
ولا ننسى أَنَّ هذه الآيةَ لا تَتحدثُ عن كُلِّ النَّصارى ، وإنما عن نصارى مخصوصين ، هم القِسّيسون والرُّهبانُ الذينَ كانوا مع النَّجاشيِّ مَلِك الحبشة ، والذين تَأَثَّروا بالقرآنِ عندما سمِعوه ، وفاضَتْ أَعْيُنُهم من الدَّمْع ، وأَعْلَنوا إِيمانَهم بالقرآنِ وبالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا ما صَرَّحَتْ به الآياتُ التي بَعْدَ تلك الآية :
*وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ *83* وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ *84* فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ *85*.
ولا تَتَحَدَّثُ الآياتُ عن النَّصارى الأَعداءِ المقاتلين الصليبيّين ، الذين جَهّزوا الجيوشَ وغَزَوا بلادَ المسلمين ، وسَفَكوا دِماءَهم! كما أَنها لا تتحدَّثُ عن النَّصارى الذين حارَبوا القرآن ، وشَكَّكوا فيه ، وخَطَّؤُوه ، وَذمّوه وانتهكوه ، من أَمْثالِ هذا الفادي المُعادي!.
وقد جَعَلَ الفادي عنوانَ سُؤالِه الواحِدِ بَعْدَ المئة : " بلادُ العَرَبِ للمسيح " ! وهو عنوانٌ خطيرٌ مُثير ، سَجَّلَ فيه الفادي اَمالَه في أَنْ تكونَ بِلادُ
العَرَبِ للنَّصارى ، بأَنْ يَتَنَصَّرَ أَهْلُها!.
وقالَ المفترِي في كلامِه : " انتشرت المسيحيةُ في بلادِ العَرَب ، ودَخَلَتْ قبائِلُها فيها ، حِمْيَرُ وغَسَّانُ ورَبيعُ ونَجرانُ والحيرة ، وكان بعضُ العربِ حاضِرين عيدَ الخمسين في أُورشليم ، فحملوا أَخبارَ المسيحيةِ لبلادِهم
فلماذا اضطهدَ المسلمون المسيحيّين ، فَقَتَلوا بعضَهم ، وأَجبروا بعضَهم على الإِسلام ، ونَفَوا الباقين ؟ ".
وكلامُ الفادي غيرُ صَحيح ، فلم تَنْتَشر النصرانيةُ في بلادِ العَرَب ، ومعظمُ القبائلِ العربيةِ لم تَتَنَصرْ ، وبَقِيَتْ على وثنيتِها ، والذين تَنَصروا بعضُ القبائلِ العربية على أَطْرافِ بلادِ العَرَب ، مثلُ نجران في منطقةِ تهامة والغساسنةِ في شمالِ الجزيرة على حدودِ الشام والرومان ، والمناذرةِ على حُدودِ فارس.
ولما جاءَ الإِسلامُ ، وجاهَدَ المسلمونَ الكافِرين ، وفَتَحوا بلادَ الشامِ والعراق ، طَرَدوا الرومانَ من مِصْرَ والشام ، وجَعَلوها بلاداً إِسْلامية ، وأَخْضعوا سُكّانَها لسلطان المسلمين ، ولم يَضطهدوا النَّصارى فيها ، ولم يُجْبِروهم على الدخولِ في الإسلام ، لأَنه لا إِكْراهَ في الدين.
ومَكَّنوا النَّصارى من حريةِ الاختيارِ بدونِ إِكْراه ، فدخَلَ معظمُهم في الإِسلام ، والذين بَقوا على النصرانيةِ لم يَتَدَخَّلْ بهم المسلمون!.
ثم ما دَخْلُ هذا الكلامِ عن النَّصارى في بلادِ العرب بأَخطاءِ القرآن ؟
والفادي خَصَّصَ كِتابَه لاكتشافِ وتَسجيلِ أَخطاءِ القرآن!!.

هل أكلت الشاة القرآن ؟
ذَكَرَ الفادي المفترِي آيةَ سورةِ الحِجْرِ التي تَكَفَّلَ اللّهُ فيها بحفْظِ القرآن ، وهي قولُه تعالى : *إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *9*.
وذَكَرَ خرافةً تَتَنَاقَضُ مع الآية ، تَقومُ على أَكْلِ شاةٍ للوَرَقِ المكتوبِ عليه القرآن!
قال : " روى ابنُ ماجه : قالَتْ عائشة : إِنَّ آيةَ الرَّجْمِ والرَّضاعةِ نَزَلَتا ... وكانَ القرطاسُ المكتوبتانِ فيه تَحْتَ فِراشي.
وماتَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ ، وفيما أَنَا مشغولةٌ بموتِه دَخَلَتْ بَهيمةٌ وأَكَلَت القرطاس " !.
وهذه خُرافةٌ مكذوبةٌ موضوعةٌ باطلة ، لم تَرِدْ في حديثٍ صَحيح ، وَرَدَّها علماءُ الحديث.
ولا يَعْتَمِدُها إِلّا صاحبُ هوى مثلُ الفادي المفتري!!
وَهَب الحادثةَ حَصَلَتْ ، وأَنَّ الشاةَ أَكَلَت الورقَ المكتوبَ عليه بعضُ آياتِ القرآن ، الموجودِ في بيتِ عائشة ، فهل معنى هذا أَنه ضاعَ بعضُ آياتِ وسورِ القرآن ؟
التي أَكَلَتْها الشاة لم تَكُنْ هي النسخةَ الوحيدةَ المدوَّنَةَ من القرآن ، بل كانَتْ هناك عشراتُ النُّسَخِ في بيوتِ الصحابة ، يمكنُ أَخْذُ الآياتِ المأكولةِ من أَيِّ نسخةٍ منها! إِلّا إِذا هاجَمَت الغنمُ البيوتَ كُلَّها في وقتٍ واحد ، وبَلَعَت النُّسَخَ كُلَّها في لحظةٍ واحدة!!.
وكم كانَ الفادي بَذيئاً فاقِدَ الذوقِ والأَدَبِ والحياءِ في تَعليقِه السَّمِجِ على تلكَ الأُكذوبة ، حيثُ قال : " فإِذا كان القرآنُ أَقوالَ اللّه ، فلماذا لم يَحْفَظْهُ اللّهُ من الضَّياعِ في جوفِ بَهيمة ؟ ".

حول إحراق عثمان المصاحف
أَثارَ الفادي الشبهاتِ حولَ إِحراقِ عثمانَ - رضي الله عنه - المصاحفَ المخالفةَ لمصحَفِه ، واعتبرَ هذا طَعْناً في صحةِ القرآنِ وحِفْظِه ، ودَليلاً على أَنَّ القرآنَ ليسَ من عندِ اللّه.
ويَتناقضُ مع قوله تعالى : *وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا *62*.
فالآيةُ تُقررُ أَن سنةَ اللّهِ لا تَتَبَدَّل ، وعثمانُ بَدَّلَ القرآن ، وهذا معناهُ أَنَّ القرآنَ ليس كلامَ اللّه ، فلو كان كلامَ اللّهِ لمنَعَ اللّهُ عُثمانَ من تبديلِهِ إ!.
قال الفادي المفترِي في تَعْليقِه على الآيةِ السابقة : " أحرقَ عثمانُ بنُ عَفّان - ثالثُ الخلفاءِ الراشدين - جميعَ نُسَخِ القرآنِ التي تَختلفُ عن نسخَتِه ، وأَبقى على نسختِه التي كَتَبَها هو.
ونحنُ نسأل : أَليستْ جَميعُ الأَقوالِ التي تَختلفُ عن نسخةِ عُثْمان قُرآناً ؟
فلماذا أَحْرَقَها ؟
ولماذا لم تُحْفَظْ من الضَّياعِ بالنار إِنْ كانَتْ أَقوالَ اللّه ؟
ولماذا بَدَّلَ قرآناً بقُرآن ، وأَحرقَ الواحدَ وأَبقى على الآخر ؟ ".
يَكذبُ الفادي عندما يَدَّعي أَنَّ عُثمانَ كَتَبَ نسخَتَه من القرآن ، وأَنه حَرَقَ كُلَّ النسخ المخالفةِ لها ، ومَنْ يقرأُ هذا الكلامَ يَظُنُّ أَنَّ عُثمان أَلَّفَ القرآنَ من عنده ، وأَنه حَرَّفَه وغَيَّرَه وبَدَّلَه ، واستَغَلَّ منصبَه باعتباره خليفَةً ، لإِقرارِ واعتمادِ نسختِه المبَدَّلَة المحَرَّفَة ، وإِتلافِ جميعِ النسخِ الأُخْرى المخالفةِ لها.
ولا يَتَّسِعُ المجالُ للحديثِ المفَصَّلِ عن جَمْعِ القرآنِ وحِفْظِه والمراحلِ التي مَرَّ بها ، إِنما نُشيرُ إِشارةً سريعةً إِلى ذلك.
لقد جُمِعَ القرآنُ أَيامَ رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - بطريقَتَيْن : جَمْعُهُ في الصُّدور ، بإِتْقانِ حِفْظِه من قِبَلِ الآلافِ الحُفّاظِ من الصحابة.
وجَمْعُهُ في السُّطور ، بكتابتِه على أدواتِ الكتابةِ الميَسَّرةِ في عصرِهم ، وهذا تَمَّ على أَيْدي العشراتِ من الصحابة..
حيث كان الصحابيُّ يَكتبُ على أَوراقِهِ بعضَ سورِ القرآن التى يَخْشى نِسيانَها ، فمنهم مَنْ كَتَبَ كُلَّ القرآن ، ومنهم مَنْ كَتَبَ نِصْفَه أَو ثلثَه أَو ربعَه أَو بعضَ سورِه.
وفي خلافةِ أَبي بكرٍ الصديقِ - رضي الله عنه - بدأَتْ حركَةُ الجهاد ، واستُشْهِدَ كثيرٌ من حُفّاظِ القرآن في المعارك ، فدعَت الحاجةُ إلى جَمْع القرآن ، وأَلْهَمَ اللّهُ عمرَ - رضي الله عنه - أَنْ يُشيرَ على أبي بكرٍ - رضي الله عنه - بذلك ، وكَلَّفَ أبو بكرٍ زيدَ بنَ ثابتٍ - رضي الله عنه - بذلك.
فكتبَ زيدٌ النسخةَ الأُولى من المصحف ، وسَجَّلَ فيها القرآنَ مُرَتَّبَ السورِ والآياتِ كما أَمَرَ اللّهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - ، في العَرْضةِ الأَخيرةِ التي حَضَرَها زيدُ بنُ ثابت - رضي الله عنه -.
وكان زيدِّ لا يكتبُ أيةَ آيةٍ في المصحف إِلا بعدَ أَنْ يأتِيَه صحابيٌّ يَحفظُها حِفْظاً مُتْقَناً ، ويأتيهِ بها مكتوبةً عنده ، ومعه شاهِدٌ آخرُ من الصحابة ، وكان زيدٌ نفسُه حافظاً مُتْقِناً.
وبهذا كان يشهدُ على كلِّ آيةٍ أربعةٌ من الصحابةِ الحافظين ، وكانت الآية مدَوَّنَةً مكتوبة.
ووُضعت النسخةُ المعتَمَدَةُ من المصحفِ والتي أَجمعَ عليها جميعُ الصحابةِ عندَ أَبي بكر ، ثم عندَ عُمر ، ثم عندَ حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما -.
والذي دَعا إِلى اْلجمعِ الثالثِ للقرآنِ في خلافةِ عثمانَ هو بَقاءُ النُّسَخِ الخاصَّةِ مِن مصاحفِ بعضِ الصحابة في بيوتِهم ، ولم تَكنْ على طريقةٍ واحدةٍ كما ذكرنا ، فأَدّى هذا إِلى اختلافٍ في بعْضِ تلك النُّسَخ ، في ترتيبِ بعضِ السور والآيات ، للأَسبابِ التي أَشَرْنا لها ، وكانَ كُلُّ واحدٍ يُقْرِئُ الآخرين من نسختِه التي قد تخالفُ بعضَ النسخ ، فأَلهم اللّهُ حذيفةَ بنَ اليَمانِ - رضي الله عنه - أَنْ يُشيرَ على الخليفةِ عثمان بجمعٍ جديدٍ للقرآن ، لاعتمادِ النسخةِ الجديدةِ وإِلغاءِ ما سِواها من النسخ المخالفة!.
فشكَّلَ عثمانُ لجنةً من الصحابةِ برئاسةِ زيدِ بنِ ثابتٍ لإِعادة جَمْع القرآن ، على أَساسِ النسخةِ التي كَتَبَها زيدٌ زمنَ الصديق ، وأجمعت اللجنة على النسخةِ الجديدة ، ثم نَسَخَ منها عدةَ نُسَخ ، أُرسلَتْ إلى العواصمِ الإِسلامية في مكةَ واليمن والبصرة والكوفة والشام ، وأَجمعَ الصحابةُ على اعتمادِ تلكَ النّسْخَة ، بعدَ تَرَدُّدٍ من بعضِهم كعبد اللّه بن مسعود - رضي الله عنه - ، الذي عادَ ووافقَ الصحابةَ على إِجماعهم.
وسُمِّيَ ذلك المصحفُ " المصحفَ العثمانيَّ " ، نسبةً إلى الخليفةِ عثمانَ الذي جُمِعَ في عهده ، وبما أَنه نالَ إِجماع جميعِ الصحابة وإِقْرارَهم ، لذلك سُمّيَ " المصحفَ الإِمامَ " !.
عند ذلك أَمَرَ عُثمانُ - رضي الله عنه - أَيَّ صَحابيٍّ عَنْدَه مصحفٌ كاملٌ أَو جزءٌ منه ، أَو بعضُ سورٍ منه أَنْ يَحرقَ ما عندَه ، لأَنه قد يختلفُ في ترتيبِ بعضِ آياتِه وسورِه عن ما جاءَ في " العَرْضَةِ الأَخيرة " ، التي عَرَضَ فيها جبريلُ القرآنَ على رسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم -.
وبذلك أُحْرِقَتْ تلكَ النُّسَخُ غيرُ الكاملةِ للقرآن ، واعْتُمِدَ المصحفُ العثماني الإِمامُ ، وكان هذا من مظاهرِ حفظِ اللّهِ للقرآن!.
ولقد مَدَحَ عليّ بنُ أَبي طالب عندما كان أَميراً للمؤمنين جَمْعَ عثمانَ للمصحف ، وإِحْراقَه المصاحفَ المخالفة بقولِه : لا تَقولوا في عثمانَ إلّا خَيْراً ، فواللّهِ ما فَعَلَ ما فَعَلَ إِلّا عن موافقةٍ مِنّا ، ولو كنتُ مكانَ عُثْمانَ لفعلْتُ ما فَعَلَ عُثْمان!!.

كيف يضل اللّه الإنسان ثم يعذبه ؟
ذَكَرَ الفادي سِتَّ آياتٍ تُخبرُ أَنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدي مَنْ يشاء ، منها قولُه تعالى : *كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ* ،
وقولُه تعالى : *مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ *178* وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ*.
واعترضَ على ما تُقَرِّرُهُ هذه الآيات ، واعتبرَه لا يَتفقُ مع رحمةِ اللّهِ وعَدْلِه ؟
قال : " ونحنُ نَسأل : أَيُّ إِلهٍ هذا ، الذي يُضلُّ الناسَ الذينَ خَلَقَهم ، ليَملأَ بِهم جهنَّم ، بعدَ أَنْ قضى بهذا منذُ الأَزَل قضاءً مُبرماً لا مَفَرَّ منه بالضَّلالةِ والعذاب ؟
فأينَ كَرامةُ الإِنسان ؟
وأَينَ حريةُ إِرادتِه ؟
وما معنى الأَوامِرِ والنَّواهي والشرائعِ ، والترغيبِ بالثوابِ والتحذيرِ بالعقاب ؟ ".
يُريدُ الفادي أَنْ يَقول : كيفَ يُضلُّ اللّهُ النّاسَ الذينَ خَلَقَهم ؟
وكيفَ كَتَبَ عليهم الضلالَ منذُ الأَزَل ؟
وكيف خَلَقَهم إِلى النار ؟
وإِذا كانوا مَخْلوقينَ إِلى النارِ فأَين إِرادَتُهم واختيارُهم ؟
وما فائدةُ التكاليفِ والشرائعِ والأَوامر ؟.
يتكلمُ الفادي عن قضيةٍ معروفةٍ في الفكر الإِسلاميِّ بقضيةِ " الجَبْرِ والاختيار " وهل الإِنسانُ مُسَيَّر أَو مُخَيَّر ؟
وكَثُرَ حولَهَا الكلامُ عند رجالِ الفرقِ الإِسلامية.
وقد كانَ كَلامُ القرآنِ واضِحاً حولَ هذه القضية.
ونُلَخِّصُ الكلامَ عنها بالإِشاراتِ السريعةِ التالية :
اللّهُ الخالقُ لكُلِّ شيءٍ في هذا الوُجود ، وكُلُّ شيء يكونُ بإِذْنِ اللّه ومشيئتِه وإِرادتِه ، وحاشَ للّه أَنْ يَقعَ شيء في الكونِ رَغْماً عنه ، فالخيرُ والشرّ ، ْوالكفرُ والإِيمان ، والطاعةُ والمعصية ، كلُّ ذلك بإِرادتِه سبحانه ، لكنَّه لا يَرضى الكفْرَ والمعصيةَ والشَّرّ ، ولا يَقْبَلُ ذلك من أَصحابِه ، ولذلك يُعاقِبُهم عليه ، أَمّا الإِيمانُ والطاعةُ فإنه يَرضاهما ، ويقبَلُهما من أصحابهما ، ويثيبهُم عليهما!.
وكَرَّمَ اللّهُ الإِنسانَ الذي خَلَقَه ، ومَنَحَه القدرةَ على اختيارِ ما يُريد ، ولم يُجْبِرْه على أَيِّ شيء ، إِيماناً أَو كفراً ، طاعةً أَو معصية ، فالإِنسانُ يخْتارُ طريقَه بحريتِه وإِرادتِه ، يُمكنُ أَنْ يَختارَ الإِيمانَ والطاعةَ بحريتِه وإرادتِه ، ويمكنُ أَنْ يَختارَ الكفرَ والضلالَ بإِرادتِه وحريتِه ، واللّهُ لا يُجْبِرُه على هذا ، ولا على هذا!!.
لكنَّ الإِنسانَ لا يَختارُ إِحدى الطريقَيْن إِلّا بمشيئةِ اللّهِ وإذنِه وإِرادتِه ؟
لأَنه لا يَحدثُ شيءٌ في الكونِ إِلّا بإِذْنِه ومشيئَتِه كما قَرَّرْنا ، فالمؤمنُ يؤمنُ بمشيئةِ اللّه ، والكافرُ يكفُرُ بمشيئةِ اللّهِ أَيضاً!.
ومشيئةُ اللّهِ مشيئَةُ علْمٍ أَوَّلاً ، أَيْ أَنَّ اللّهَ يَعلمُ أَنَّ فُلاناً سيؤمن ، وأَنَّ فلاناً سيكْفُر ، وعِلْمُه بذلك منْذُ الأَزَل ، قبلَ خَلْقِه سبحانه السمواتِ والأَرض ،
فيكونُ إِيمانُ المؤمنِ وكُفْرُ الكافرِ تَحْقيقاً لما عَلِمَه اللّهُ وشاءَه وقَدَّرَه وأَرادَه!.
ومن المعلومِ أَنَّ اللّهَ لا يُحاسِبُ الإِنسانَ إِلّا على ما كَسَبَه وعَمِلَه وفَعَلَه ، فهو سبحانه لا يُحاسِبُه على ما عَلِمَه منه ، ولكنْ يُحاسبُه بعد فِعْلِه المتفقِ مع ما عَلِمَه منه ، وهو مُخَيَّرٌ في ما سيفْعَلُه ويَختارُه!.
من الآيات ِ الصريحةِ التي تُقَرِّرُ هذه الحقيقةَ قولُه تعالى : *وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *7* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *8* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *9* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *10*.
ومنها قولُه لعالى : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا *3*.
ومنها قولُه تعالى : *إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا *29* وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *30* يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *31*.
وإذا كانَ الإِنسانُ يؤمنُ بإِذْنِ اللّه ، ويكفُرُ بإِذْنِ اللّه ، بالمفهومِ الذي وَضَّحْناه ، كان الإِيمانُ والهُدى بيدِ اللّه ، وكانَ الكفْرُ والضَّلالُ بيدِ اللّه ، فاللّهُ هو الذي يَهْدي مَنْ يَشاءُ هدايتَه ، واللّهُ هو الذي يُضلُّ مَنْ يشاء
إِضْلاله ، بالمفهوم الذي أوضحناه ...
بهذا نفهمُ معنى إسنادِ الهُدى والضَّلالِ إِلى اللّه ، كما في قولِه تَعالى : *كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ* ، وكما في قولِه تعالى : *فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ*.
بقيتْ في هذه القضيةِ مسأَلة ؟
وهي : مَنْ هو الذي يَشاءُ اللّهُ هدايتَه ؟
ومَنْ هو الذي يَشاءُ اللّهُ إِضْلالَه ؟.
يَشاءُ اللّهُ هدايةَ الشخص الذي يَختارُ الإِيمانَ والهدى ويُريدُه ، ويتوَجَّهُ إِليه ، ويَرغبُ فيه ، فهذا يُعينُه اللّهُ ويُثَبِّتُه عليه ، ويُحِبُّه ويَرضى عنه ، ويُثيبُه على ما فعلَ جَنّاتِ النعيم.
ويَشاءُ اللّهُ إِضْلَال الشخصِ ، الذي يَختارُ الكفرَ والضَّلال ، ويَرفضُ الإِيمانَ والهدى ، ويَسيرُ في طريقِ الانحرافِ والفساد ، ويُحصي اللّهُ عليه جرائمَه ، ويُحاسبُه على أَفعالِه ، ويُعَذَبُه في نارِ جهنَّم.
ومن الآياتِ الصريحةِ في تقريرِ هذه الحقيقةِ قولُه تعالى : *مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا *18* وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا *19* كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا *20* انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا *21*.

بين قدر الله وإرادة الإنسان
ذَكَرَ الفادي أَربعَ آياتٍ تُقَرِّرُ أَنَّ كلَّ شيء يَقعُ في هذا الوجودِ - إِنَّما يكونُ بقَدَرِ اللّهِ ومشيئَتِه وإِرادَتِه ، سواء كانَ الشيءُ خَيْراً أَو شَرّاً.
منها قولُه تَعالى : *إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا *3*.
وقولُه تعالى : *إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *49* وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ *50*.
وخَطَّأَ المفترِي هذه الآياتِ ورَفَضَ ما تُقَرِّرُه ، واعترضَ عليها قائلاً : " من هذهِ الآياتِ وغيرها كثيرٌ يَرى الإِسلامُ أَنَّ كُلَّ ما يَقَعُ في الوجودِ من خيرٍ وشَرٍّ هو من عندِ اللّه! فيكونُ اللّهُ عِلَّةَ الشُّرورِ ابتداءً ، وتكونُ رسالةُ الأَنبياءِ وتكليفهُم بالكرازةِ والدعوةِ عَبَثٌ لا ضرورةَ له ولا فائدَة فيه!..
وهذا بعكْسِ تعاليمِ الكتابِ المقَدَّس ".
وبعدما أَوردَ بعضَ كلامِ المسيحِ في الأَناجيل عن حريةِ الإِنسانِ وإِرادتِه قال : " وقال الفلاسفةُ في البيانِ النظريِّ عن الحيوان : إِنَّه الجسمُ الحَسّاسُ المتحركُ بالإِرادَة..
فإِذا كان حَدُّ الحيوانِ البهيميِّ أَنه متصَرَفٌ بالإِرادة ، فكيفَ نتصوَّرُ أَنَّ الإِنسانَ - أَشْرَفَ مخلوقاتِ اللّهِ في عالَمِ الحِسّ - عاجِزٌ ، مَجْبُورٌ
على العصيانِ أَو الطاعة ؟
وإذا كان هناك إجبارٌ فما فائدةُ العَقْل ؟ ".
يَتَحَدَّثُ الفادي المفترِي عن قضيةِ الإِيمانِ بالقَدَر ، ولذلك جَعَلَ عنوانَها :
" اللّهُ قَدَّرَ الشُّرور " !
وهذه القضيةُ مرتبطةٌ بالقضيةِ السابقة ، التي أَثارَها في السؤالِ السابق ، قضيةِ " الجَبْرِ والاختيار ".
ونَدْعو إِلى استصحابِ ما قُلْناهُ في المسألةِ السابقةِ ونحنُ نناقشُ الفادي في كلامِهِ عن الإِيمانِ بقَدَرِ اللّه.
نقررُ بدايةً أَنَّ الإِيمانَ بالقَدَرِ جُزْءٌ سادسٌ من أَركانِ الإِيمانِ ، وإذا لم يؤمن الإنسان بالقدرِ كان كافراً ، حَتّى لو آمَنَ بأَركانِ الإِيمانِ الخَمسةِ الأُخرى : الإِيمانُ باللّه ، وملائكتِه ، وكتبِه ، ورسلِه ، واليومِ الآخِر.
ويَقومُ الإِيمانُ بالقَدَرِ على حقيقةِ أَنَّ كُل شيء يَقَعُ في هذا الوجودِ يكونُ بقَدَرِ اللّهِ ، وحاش للّه أَنْ يقعَ شيءٌ في الوجودِ رَغْماً عنه ، فاللّهُ هو الذي قَدَّرَ كُلَّ شيءٍ وأَرادَه وشاءَه.
والآياتُ التي تُقَرِّرُ هذه الحقيقةَ كثيرة.
منها قولُه تعالى : *إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ *49* وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ *50*.
وقولُه تعالى : *الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا *2*.
وهذا معناهُ أَنَّ اللّهَ قَدَّرَ كُلَّ شيءٍ في الوجودِ وأَرادَه ، وجاءَ هذا الشيءُ كما قَدَّرَهُ اللّهُ وأَرادَه ، سواءٌ كانَ هذا الشيءُ خَيراً أَو شَرّاً ، هُدى أَو ضَلالاً ، طاعةً أَو معصية..
وهذا معناهُ أَنَّ الشُّرورَ والمصائبَ تكونُ بقَدرِ اللّهِ سبحانه ؟
لأَنها إِنْ لم تَكُنْ بقَدَرِ اللهِ وإِرادتِه يكونُ أَصحابُها قد فَعلوها رَغْماً عن اللّه ، ويَكونونَ بذلك قد قَهَروهُ وغَلَبوهُ ، وأَعْجَزوهُ وهَزموه!!.
وليس معنى كونِ الشُّرورِ واقعةً بقَدَرِ اللّهِ وإِرادتِه أَنَّ اللّهَ راضٍ عنها مُحِبّ لأَصحابِها ، أَو أَنَّ اللّهَ مُحِبٌّ لهذه الشرورِ راغبٌ فيها وآمِرٌ بها ، فإِنَّ اللّهَ لا يَرضى عن الشرور ، ولا يُحِبُّ أَصحابَها ، ولا يَأَمُرُ بها سبحانَه.
ولذلك رَدَّ اللّه على الذين بَرَّروا فواحِشَهم بأَنَّ اللّهَ يُحِبُّها ويأمُرُهم بها بقولِه *وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ *28* قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ*.
ولقد فَرَّقَ القرآنُ بينَ تقديرِه للكفرِ وعَدَمِ رضاهُ به ، وبينَ تقديرِه للإِيمانِ والشكرِ ورِضاهُ به.
قالَ تعالى : *إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى*.
وهذا مَعناهُ أَنَّ القرآنَ يُفَرِّقُ بينَ القَدَرِ والرِّضا والإِرادةِ والمحَبَّة ، فليس كلُّ ما يُقَدِّره يَرضى عنه ويَأْمُرُ به ، وليس كُلُّ ما يُريدُهُ اللّهُ يُحِبُّه ، فالشُّرورُ يُقَدِّرُها اللّهُ ويُريدُها ، لكنَّه لا يَرضى عنها ولا يُحِبُّها ، ولذلكَ يُعاقبُ أَصحابَها ، أَمّا الطاعاتُ فإِنَّ اللّهَ يُقَدِّرُها ويَرضى عنها ، ويُريدُها ويحبُّها ، ولذلك يُثيبُ أَصحابَها!!.
ومِن كُرْهِ اللّهِ للشّرورِ أَنه نهى عنها ، ومن محبتِه للطاعاتِ أَنه أَمَرَ بها ، وأَرسلَ رسلَهُ بالدعوةِ إِلى الخيرِ ، والأَمْرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر.
ومن جانبِ آخَر ، فإِنَّ اللّهَ مَنَحَ الإِنسانَ حريةَ الاختيار ، والقدرةَ على الاختيار ، وتمكينَه من الاختيار ، ولم يُجْبِرْه على شيء ، ولم يُكْرِهْهُ على اختيارِ شيء.
عند الإِنسانِ الكافرِ قدرةٌ على اختيارِ الكفر ، وعندَ الإِنسانِ المؤمنِ قدرةٌ على اختيارِ الإِيمان ، لم يَمنع اللّهُ الكافرَ عن كُفْرِه بالقَسْرِ والإِكراه ، ولم يُجبر اللّهُ المؤمنَ على الإِيمانِ إِجباراً ، فالكافرُ كَفَرَ باختيارِه ، والمؤمنُ اَمَنَ باختيارِه.
لكنَّ اللّهَ شاءَ كُفْرَ الكافرِ وأَرادَه ، بمعنى أَنه عَلِمَهُ منذُ الأَزَل ، وقَدَّرَهُ بقدرته ، وأَرادَه بإِرادتِه الكونيةِ العامة ، وكان الكافرُ بكفرِه مُتَوافقاً مع علمِ اللّهِ وقدرتِه وإِرادتِه ، ويُحاسبُه اللّهُ عليه ، لأَنَّه نَهاهُ عنه وكَرِهَهُ ولم يَرْضهُ منه.
أَمّا إِيمانُ المؤمنِ فإِنَّ اللّهَ شاءَهُ وأَرادَه ، بمعنى أَنَّه عَلِمَه منذُ الأَزَل ، وقَدَّرَهُ بقدرَتِه ، وأَرادَه بإِرادتِه الكونية والشرعية ، والمؤمنُ بإِيمانِه متوافقٌ مع عِلْمِ اللّهِ وقدرتِه وإِرادتِه ، واللّهُ يُحِبُّ ذلك ويَرْضاهُ ، ويتقبَّلُهُ منه ، ويُثيبُه عليه.
بهذا البيانِ الواضحِ يتمُّ التوفيقُ والتنسيقُ بين قَدَرِ اللّهِ وقُدْرَةِ الإِنسان ، وبينَ إِرادَةِ اللّهِ واختيارِ الإِنسان ، وكُرْهِ اللّهِ للشرورِ التي يَختارُها الإِنسانُ الشّرّير ، ومحبةِ اللّهِ للطاعاتِ التي يَخْتارُها الإِنسانُ المطيع!! وعلى هذه الحقيقةِ آياتٌ عديدة ، منها قولُه لعالى : *إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا *29* وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *30* يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *31*.
وقولُه تعالى : *إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ *27* لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ *28* وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ *29*.
وقولُه تعالى : *كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ *54* فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ *55* وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ *56*.
وبعدَ هذا نعرفُ جهلَ الفادِي الجاهلِ في اعتراضِه على قدرِ اللّهِ قائلاً :
" كيف نَتَصَوَّرُ الإِنسانَ أَشَرفَ مخلوقاتِ اللّه في عالمِ الحِسّ ، أَنه عاجزٌ مَجْبورٌ على العصيانِ أَو الطاعَة ؟!
وإِذا كانَ هناكَ إِجبارٌ فما فائدةُ العَقْل ؟! ".


من مواضيعي
0 مدعي للالوهية يتحدى العالم ذاكر نايك ويقول له انا الله
0 انفوجرافيك أسوأ 10 دول في سرقة السيارات حول العالم
0 أحاديث الفتن وأشراط الساعة (1-2) ( الدجال )
0 الشريعة الإسلامية ليست امتداداً لعادات الجاهلية
0 انفوجرافيك هل تبحث عن وظيفة في جوجل
0 قصة رجل مع الاستغفار “قصة نجاح تاجر”
0 حديث النبوات و البحث عن يسوع
0 من صنع إليكم معروفا فكافئوه

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
اللاهوتية, المطاعن

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:43 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009