ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > ملتقى رد الشبهات > ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

نقض المطاعن الاجتماعية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


نقض المطاعن الاجتماعية

ملتقى رد الشبهات حول القران الكريم


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2017, 04:08 PM   #1
ابو يوسف السلفى
فارس
 
الصورة الرمزية ابو يوسف السلفى
 

افتراضي نقض المطاعن الاجتماعية

نقض المطاعن الاجتماعية
لماذا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ؟
اعترضَ الفادي الجاهلُ على تفريقِ القرآنِ بينَ الرجلِ والمرأةِ في الشهادة ، حيثُ جعلَ شهادةَ المرأةِ على النصفِ من شهادةِ الرجل ، وذلك في قوله تعالى : *وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى*.
الموضوعُ الذي تأمُرُ الآيةُ بالإِشهادِ عليه هو الدَّيْن ، وهو موضوغ ماليّ تفصيليّ إِجرائي ، يقومُ على المعاملاتِ بينَ الناس ، ومعلومٌ أَنَّ هذه التفاصيلَ الدقيقة تَعْني الرجال غالباً وتَستهويهم ، أَمّا النساء فإِنهنَّ لا يَنتبهنَ لها غالِباً ، لأنها لا تتفقُ مع ميولِهنَّ.
وإِذا طُلِبَ من المرأةِ أَنْ تَنْتَبِهَ لهذه التفصيلات وتخفظَها فإِنَّها لا تَضبطُ ذلك ، وإِنْ طُلِبَ منها أَنْ تَذكرَ تلك التفصيلاتِ بعدَ فترةٍ فإِنها لا تُحسنُ أَداءَ ذلك.
فإذا جُعلت المرأةُ شاهدةً على تلك التفصيلاتِ المالية ، وطُلبَ منها أَداءُ الشهادة ، فإِنها غالِباً لا تَستحضرُ تلك التفصيلات ، وبذلك لا تُؤَدِّي الشهادةَ على أُصولِها ، وبذلك قد يَضيعُ الحَقُّ على صاحبِه!!.
وإِنَّ اللّهَ العليمَ الحكيمَ الذي خَلَقَ المرأةَ على هذه الصورةْ ، يَعلمُ ذلك منها ، ولذلك جعلَ شهادةَ المرأَتَين مُقابلَ شهادةِ الرجلِ الواحد ، وعَلَّلَ ذلك بقوله : *أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى*.
أي : تَأْتي المرأَتانِ لأَداءِ شهادتِهما على تَفْصيلاتِ الدَّيْن ، وتوقَفُ الشاهِدَتان معاً ، فإِذا نَسيتْ إِحداهُما بعضَ تلك التفصيلاتِ ذَكَّرَتْها صاحبتُها ، وبذلك تتكامَلُ شَهادَتَاهما على تقريرِ الحقيقة!.
ولكنَّ الفادي لا يَعرفُ هذا المعنى ، لذلك اعترضَ على القرآنِ وخطَّأَهُ ، واعتَبَرَهُ امتهاناً للمرأة.
قال : " ونحنُ نَسأل : كم هو مقْدارُ الغبْنِ والمهانة ، التي تَشعرُ بها السيداتُ من هذا المبدَأ المُهين ، البَعيدِ كُلَّ البعدِ عن مبدأ المساواةِ في الشخصيةِ الإِنسانية ؟
كم من امرأةٍ واحدةٍ فاضِلةٍ خيرٌ من عديدٍ من الرجالِ الجُهّال ؟! ".
وكلامُه دليلُ جَهْلهِ وغبائِه ، فالأَمْرُ ليس كما تَصَوَّرَه ، وليس الكلامُ عن الغبنِ والظلم ، والاحتقارِ والمهانَة ، وليس فيه تفضيلُ جنسِ الرِّجالِ على جنسِ النساء ، بل هو موضوعٌ ماليّ إِجرائيّ تَفصيليٌّ خاصّ كما ذكرنا.
والمرأةُ مساويةٌ للرجلِ في الإِنسانية ، وفْقَ التصور الإِسلامي ، ثم تَفترقُ عنه بعدَ ذلك في فُروق خاصَّةٍ بها ، جعلَها اللّهُ في كيانِها ، لتُحققَ رسالتها الإِنسانية ، كما يفترقُ الرجلُ عنها في فروقٍ خاصَّةٍ به ، ليُحققَ رسالسَه الإِنسانية.
ولا ننكرُ أَنَّ بعضَ النساءِ المؤمناتِ الصالحاتِ الفاضلات ، أَفضلُ مِن كثيرٍ من الرجالِ غيرِ الصالحين ؛ لأَنَّ التَّقوى هي أَساسُ التكريمِ عندَ اللّه.
***
لماذا ميراث المرأة نصف ميراث الرجل ؟
اعترضَ الفادي المفترِي على قولِ اللّه - عز وجل - *يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ*
تجعلُ الآية ُ ميراثَ الرجلِ ضعْف ميراثِ الأُنثى ، فالرجلُ يأخذُ مثلَ نصيبِ المرأَتَيْن.
وهذا أَثارَ اعتراضَ الفادي ، فقال : " ونحنُ نسأل : لماذا لا يَتساوى الولدُ والبنتُ في الميراث ؟
أَليسَ لكل منهما جَسَدٌ يَحتاجُ للِكساء ، ومعدةٌ تحتاجُ للقوت ؟
أَليستْ مطالبُ المعيشةِ على كلَيْهما واحدة ؟
بل قد تكونُ أقسى على البنتِ وهي قاصرٌ أو عانس أَو أَرملة! ".
يَقترحُ الفادي أَنْ يَتَساوى الرجلُ والمرأةُ في الميراث ، بحجةِ تَساويهما في الحاجاتِ من طَعامٍ وشَرابٍ وكِساء ، بل إِنَّ المرأةَ أَكثرُ حاجةً في ذلك من الرجل.
ويَعتبرُ أَخْذَ الرجل ضعْفَ نصيبِها من الميراث ظُلْماً لها ، وتفضيلاً للرجلِ عليها.
إِنَّ إِعطاءَ الرجلِ ضعْفَ نصيبِ المرأةِ ليس مرتَبطاً بالتفضيل ، أَيْ ليس الرجلُ أَفضَلَ من المرأةِ تَفْضيلاً جنسيّاً ، فلا يُفَضلُ لِأَنَّه رَجُل..
ويَقومُ التفضيلُ عندَ اللّهِ على أَساسِ العملِ ، بدونِ اعتبارٍ للجنسِ أو اللونِ أَو اللغةِ أَو العمر أَو التملكِ أَو النَّسَبِ ، فالأَكرمُ عندَ اللّهِ هو الأَتْقَى ، سواء كانَ رَجُلاً أو امرأة ، غنياً أَو فقيراً ، شَريفاً أَو وضيعاً ، أَبيضَ أَو أسود.
لقوله تعالى : *إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ*.
وهذا معناهُ أَنَّ المرأةَ الصالحة التقية أَفضلُ عند اللّهِ من آلافِ الرجالِ غيرِ الصالحين.
وتوزيعُ الميراثِ لا يُنْظَرُ فيه إِلى حاجاتِ الجسمِ من طَعامٍ وشَرابِ وكساء ، لأَنَّ الرجلَ والمرأةَ يَتَساويان في ذلك.
لقد أُعْطِيَ الرجلُ ضعفَ نَصيبِ المرأة بسببِ المسؤولياتِ الموكولةِ إِليه ، فالرجلُ هو المسؤولُ مَهْما كانَ وضْعُه العائليّ ، سواء كان أَباً أَو زوجاً أَو أَخاً أَو ابناً ، هو المعيلُ لمن عنْدَه من النساء ، الزوجاتِ والأُمهاتِ والأَخَواتِ والعَمّاتِ ، وهو المتكفلُ بحاجاتِهنّ ، والمُنْفِقُ عليهن..
أما المرأةُ فإنه لا يجبُ عليها إِنفاقُ أَيِّ شيء من مالها ، مهما كان وَضْعُها العائلي ، ومهما كانَ مالُها ، إِلّا إِذا أرادَتْ أَنْ تُنفقَ من مالِها كَرَماً منها!! أَيْ أَنَّ الرجلَ هو الذي يَدفعُ دائَماً ، والمرأةُ هي التي تأخذُ وتَكْسِبُ دائماً ...
ألا يتطلَّبُ ذلك إِعطاءَ الرجلِ ضِعْفَ نَصيبِ المرأةِ من الميراث ؟.
***
حول تعدد الزوجات
اعترضَ الفادي المفترِي على الآيةِ التي تُبيحُ تَعَدُّدَ الزوجات ، وهي قولُ اللّه - عز وجل - : *وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ*.
وبعدما سَجَّلَ الفادي خُلاصَةَ تفسيرِ البيضاوي للآية أَعلنَ رَفْضَه لها.
قال : " ونحنُ نسأل : أَليست الأُسرةُ هي خليَّةً مصغَّرَةً للمجتمع ؟
إِنَّ وُجودَ رجلٍ واحدٍ بينَ أَربعِ نساء ، وعَدَدٍ كبيرٍ من السَّراري مصنَعٌ للمظالم ، وميدانٌ للبغضاءِ والمشاحنات ، ومعملٌ لتخريجِ المطلَّقات والمشَرَّدينَ من الأَطفالِ الأَبرِياء ، وإِذا تزوَّجَ الرجلُ بأَربعٍ أو أَكثرَ في آنٍ واحد ، فلماذا لا تتطلَّعُ المرأةُ للتزوُّجِ بأربعةِ رجالٍ في آنٍ واحد ؟
أَليسَ العدلُ أَنْ تُراعِيَ القانونَ الأَصْليَّ وهو : حواءُ واحد " لآدمَ واحد ؟ ".
وقد سبقَ أَنْ أَثارَ المفترِي الشبهاتِ حولَ تَعَدّدِ الزوجات ، وناقَشْناهُ في ذلك ، وذَكَرْنا أَنَّ التعدُّدَ رخصة مشروطة ، وليسَ واجباً عينياً على كُلِّ رجل ، وهو مشروطٌ بعدْلِ الرجلِ بين زوجاتِه ، فإِنْ لم يعدلْ كان آثماً ، وعندما يَعدلُ الرجلُ بين زوجاتِه تزولُ المخاطرُ التي أَثارَها المفترِي حولَ التعدد ، إِذْ يجعلُ البيتَ الذي فيه أَكثرُ من زوجةٍ مَصنَعاً للمَظالم ، ومَيْداناً للبَغْضاءِ والمشاحنات ، ومَعْملاً لتخريجِ المَطلَّقاتِ والمشَرَّدينَ من الأَطفالِ الأبرياء!! فبالعدلِ بين الزوجاتِ يكونُ البيتُ واحةَ سَلامٍ وأَمان ، ومكانَ مودَّةٍ ومحبةٍ ، ويَنشأُ الأَطفالُ فيه نشأةً سويةً سعيدة..
هكذا كانت بيوتُ الصحابة ، الذين أخذوا برخصةِ التعَدُّد ، وكانوا عادِلينَ بينَ زوجاتهم.
وإِذا كان بعضُ المسلمينَ الآخِذين برخصةِ التَّعَدُّدِ يُسيئونَ استخدامَ هذه الرخصة ويَظلمونَ زوجاتِهم ، فهم المؤاخَذونَ أَمامَ اللّه ، وهم الذين يَتَحمَّلونَ تبعةَ ظُلْمِهم وسوءَ تصرُّفِهم ، ولا يتحمَّلُ ذلك القرآنُ الذي أَباحَ التعددَ مَشْروطاً بالعَدْل.
وافترى الفادي على اللّه عندما زَعَمَ أَنَّ سنةَ اللّهِ هي تزوُّجُ الرجل بامرأةٍ واحدة ، لأَنَّ آدَمَ تزوَّجَ بحواءَ فقط..
وهذا كذبٌ من المفترِي ، فآدمُ تزوَّجَ بحواءَ فقط ، لأَنه لم يكنْ عنْدَه أُنثى غيرُها من البَشَر.
وقد تَزَوَّجَ كثيرٌ من الأَنبياءِ بأَكثرَ من امرأةٍ واحدة ، مثلُ سيدِنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ومثلُ داودَ وسليمان - صلى الله عليهما وسلم - ، اللَّذان تزوَّجا بأكثرَ من زوجةٍ واحدة.
وبما أَنَّ اللّهَ أَذِنَ بتعدُّدِ الزوجاتِ في هذ الآيةِ الصريحةِ ، فهذا هو الحقُّ والصواب ، والحكمةُ دائماً تتحقَّقُ من كلّ ما أَبَاحَهُ اللّهُ أَو أَمَرَ به.
واعتراضُ الفادي على حْكُمِ اللّهِ دليلُ جَهلِهِ ، وكُفْرِه باللّه ، وعدمِ تقديرِه سبحانَهُ حَق قَدْرِه.
وأَيُّهما أَفْضَلُ وأَطهرُ وأَكرمُ للمرأة ، أهو تعدُّدُ الزوجاتِ ، بِأَنْ تعيشَ أَكثرُ من امرأةٍ تحتَ رعايةِ رجلٍ واحد ، أَمْ تعدُّدُ " العشيقات " ، الذي يَقومُ على امتهانِ المرأةِ ، وتحوِيلها إلى مجردِ جَسَدٍ يُشْتَهى ، ويُؤدّي إِلى شيوع الفواحش ؟.
أما ما يطالبُ به من تعدُّدِ الأَزَواجِ للمرأةِ ، مقابلَ تعدّدِ الزوجاتِ للرجل ، فهذا من فُحْشِه وبذاءَتِه ، ودليلٌ على جهْلهِ وغبائِه ، فاللّهُ خلقَ الرجل طالِباً للمرأة ، وجَعَلَ المرأةَ تابعةً للرجل! فيكفي المرأةَ رجلٌ واحدٌ يقومُ عليها ويتكفَّلُ بها.
ثُمَّ إِنَّ تَعَدُّدَ الأَزواجِ للمرأةِ يؤَدِّي إِلى اختلاط الأنساب ، فلا يَعرفُ الولَدُ مَنْ أَبوه ، لاحتمالِ أَنْ يكون كلُّ واحدٍ من أزواجها أَباً له ، وفي هذا من المفاسدِ الاجتماعيةِ والنفسيةِ والإنسانيةِ ما فيه!!.
***
ضرب الزوجات : لماذا ؟ ومتى ؟ وكيف ؟
اعترضَ الفادي على إِباحةِ ضربِ الزوجاتِ في بعضِ الحالات ، وهي التي أَشارَ لها قولُ اللّهِ - عز وجل - : *وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا *34*.
وعَلَّقَ على الآيةِ بقولِه : " يُصرحُ القرآنُ أَنه إِذا خافَت المرأةُ من إِعراضِ زوجِها عنها فلْتلجأ إِلى هيئةِ تَحكيم ، من أَهْلِها وأَهْلِه ، ليُصْلِحا بينَهما صُلْحأ : *وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ*.
ولكنَّه يقولُ : إنه إذا خافَ الرجلُ من إعراضِ زوجتِه عنه فعلَيْه أَنْ يَعِظَها ، ثم يَهْجُرَها ، ثم يضربَها ، سواءٌ صَفْعاً باليد ، أَو لَكْماً بجمعِ اليَد ، أَو رَفْساً ورَكْلاً بالرِّجْل ، أَو نهشاً بالكُرباج ، أَو لَفْحاً بالعَصا ... ".
ثم أَوردَ نَصاً من الإِنجيلِ على محبةِ الرجلِ لامرأتِه ، لأَنها جُزْءٌ منه..
ويَهدفُ الخبيثُ من ذلك إِلى المقارنةِ بينَ القرآنِ والإِنجيلِ في النظرِ إِلى الزوجة ، واتِّهامِ القرآنِ بأَنه دَعا إِلى ظلمِ المرأةِ وإِهانَتِها ، بينما دَعا الإِنجيلُ إِلى مَحَبَّتِها وتكريمها.
وقد دَعَا القرآنُ الرجلَ إِلى السكونِ إِلى امرأتِه ، وجَعَلَ ذلك آيةً من آياتِ اللّه ، قال تعالى : *وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *21*.
ونهى اللّهُ الرجالَ عن ظلمِ نسائِهم وإِيذائِهن ، وأَوجبَ عليهم معاشرتَهُن بالمعروف " قال تعالى : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا *19* وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا *20* وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا *21*.
وفي حالاتٍ نادرةٍ قد تختلفُ المرأةُ مع زوجها ، وتبدأُ بالنشوز والتمرُّدِ على زوجها ، عند ذَلك لا بُدَّ أَن يُعالجَ زوجُها الأَمْرَ ، ويَقضي على النُّشوز ، قبلَ أَنْ يَصِلَ إِلى الطلاق..
وقد أَرْشدَه اللّهُ في هذه الحالةِ إِلى القيامِ بثَلاثِ خطواتٍ متدرِّجَة : يبدأُ بوعْظِها وتذكيرِها باللّه ، وتحذيرِها من عواقبِ النشوز ، فإِنَ لم تنفعْ معها هذه الوسيلةُ لجأَ إِلى هجرِها في المضجع ، فإِنْ لم تتوقَّفْ عن نُشوزِها ضَرَبَها ضَرْباً خفيفاً غيرَ مُبَرِّح!.
وإنَّ اللّهَ الحكيمَ الذي شَرَعَ هذه الوسائلَ لعلاجِ النشوزِ لَيعلم أَنَّ بعضَ حالاتِ النشورِ والتمردِ لا يَنفعُ معها إِلا الضربُ الخفيفُ ، ولذلك شَرَعَهَ وأَذِنَ به.
وقد كانَ الفادي مفترياً كاذباً عندما وَصَفَ الضربَ وَصْفاً همجيّاً وحشيّاً.
حيثُ قال : " ثم يَضربُها ، سواءٌ صَفْعاً باليَد ، أَوَ لَكْماً بجمْعِ اليَد ، أَو رفْساً ورَكْلاً بالرِّجْل ، أَو نهشاً بالكرباج ، أَو لَفْحاً بالعَصا ".
ولم يَأذَن القرآنُ ولا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بهذا الضرب ، ولم يَصِفْهُ أَيّ عالمِ أَو مفسِّر أَو فقيهٍ بهذا الوصف ، ولا يَجوزُ استعمالُ الكرباجِ أَو العصا أَو الرَّجْلِ في ضربِ الزوجة ؛ لأَنَّ هذا ضربُ انتقام ، وليسَ وسيلةَ تربيةٍ وأُسلوبَ علاج.
إِنَّ ضَرْبَ الزوجةِ الناشزِ كأُسلوبِ علاجٍ لا بُدَّ أَنْ يكونَ ضرباً خفيفاً ، بِكَفٍّ أَو إِصبع ، على أن يتجنب الوجه لأنه مكرم عند اللّه ، وعلى أن لا يترك أثراً ، وأن لا يكون مبرِّحاً ، ونكرر أن معظم الأزواج لا يضطرون إلى هذا الأسلوب مع زوجاتهم ، وأنه لا يستعمل إلا في حالات نادرة جدّاً.
***
ماذا بعد الطلقة الثالثة ؟
وَرَدَ في القرآنِ أَنه إِذا طَلَّقَ الرجلُ زوجتَه الطلقةَ الثالثة ، فإِنّها لا تحلُّ له إِلّا بعدَ أَنْ تَنكحَ زوجاً غيرَه.
قال تعالى : *فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ*.
والمعنى أَنه إِنْ طَلَّقَها زوجُها الطلقةَ الثالثة فإنها لا تحلّ له حتى تنكحَ زَوْجاً غيرَه ، وذلك بأَنْ يتزوَّجَها الثاني ، ويدخُلَ بها ، ويُجامعَها ، فإِنْ طَلَّقَها زوجُها فلا جناحَ على زوجِها الأَوَّلِ أَنْ يتزوَّجَها من جَديد.
أَما إِذا عَقَدَ الزوجُ الثاني العقدَ عليها فقط ، بهدفِ تحليلِ عودتِها إِلى زوجِها الأَول ، ولم يُجامعْها ، فهذا لا يَجوز ، وقدْ لعنَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - الرجلَيْن ، المحلِّلَ وهو الزوجُ الثاني ، والمحلَّلَ له ، وهو زوجُها الأَوَّل ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : "لَعَنَ اللّهُ المحلِّلَ والمحَلَّلَ له ".
وهذا التشريعُ كُلُّه لم يُعْجب الفادي المجْرِم ، وأَثارَ عليه اعْتِراضَه وإِنْكِارَه ، وخَظَأَ القرآنَ ، وشَتَمَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ببذاءَة.
قال : " ونحنُ نَسأَل : أَلا يَستنكرُ العُقلاءُ هذا النظامَ الغَريب ؟
لماذا يُصَرّحُ القرآنُ بصُلْحِ المطَلقةِ
ورُجوعِها إلى زوجِها ، بشرطِ أَنْ تُجامِعَ رَجُلاً غيرَه يُسَمَّى مُحَلِّلاً ؟
ولماذا لَعَنَ محمدٌ المحَلّلَ والمحَلَّلَ له ؟
أَليسَ الأَحَقُّ باللَّعن هو المُشرِّع ؟! " *1*.
وكلامُ المجرمِ يَقومُ على التلاعبِ والتحريفِ ، والتَّدْليسِ والتَّمويه ، إِنه لإِجْرامِه وشيطنَتِه يُريدُ أَنْ يُمَوِّهَ على القارئ!.
إِنه يَدْعو العُقَلاءَ إِلى استنكارِ هذا النِّظام الغَريب ، ويزَعُمُ أَنَه لا يتقبَّلُه
العقلُ السَّليم..
ولا أَدري أَينَ مصادمَتُهُ للعقل.
لقد شرَعَ اللّهُ الطَّلاق ، وحَدَّدَ عَدَدَ الطلقات بالثَّلاث ، بعدَ أَنْ كانَ مَفْتوحاً مُطْلَقاً في الجاهلية ، فقد يُطلِّقُ الرجلُ منهم زوجَتَه مئةَ طَلْقَة ، ويُبْقيها زوجةً له ، فجاءَ الإِسلامُ وحَدَّدَه بثَلاثِ طَلْقات..
ويمكنُ للمرأةِ أَنْ تتزوَّجَ رجُلاً آخَرَ بعد انقضاءِ عِدَّتِها من زوجِها الأَوَّل.
وماذا في هذا من تَصادُمٍ مع العقل ؟
ويمكنُ لزوجِها الثاني أَنْ يُطَلِّقَها إِذا أَراد ، وماذا في هذا ؟
وما المانعُ من أَنْ تَعودَ إِلى زوجِها الأَوَّل بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها من زوجِها الثاني ؟
أَينَ الذي يرفُضُه العقلُ السَّليمُ من هذا التشريع ؟
ثم أَليس هو شرعَ اللّه ، جاءَ صَريحاً في القرآن ؟
وهل في شرعِ اللّهِ ما يتناقَضُ مع العقلِ السليم ؟.
وجملةُ المجرمِ مَلْغومَة : " بشَرْطِ أَنْ تُجامِعَ رَجُلاً غيرَه يُسَمّى المحَلِّل " ، ويَقصدُ المجرمُ بالجماعِ هنا الجماعَ المُحَرَّمَ الذي هو الزِّنى ، لأَنه يستنكرُ زواجهَا الثاني ويعتبرُه زنى ، والجِماعُ المباحُ في الإِسلام هو الذي يكونُ بينَ الزوجَيْنِ زَواجاً شرعياً.
والزوجُ الثاني إِنْ تزوَّجَ المرأةَ على الأُصولِ الشرعيةِ زوجٌ كاملُ المواصفاتِ الزوجيةِ وحقوق الزوج ، ولا يُسَمّى محلّلاً ، إِنما يُسَمّى مُحَلِّلاً إِذا تزوَّجَها بهدف تحليلِ إِعادتِها إِلى زوجِها الأَوّل ، واشترطَ عليه أَنْ لا يُجامِعَها!.
وكم كانَ الفادي مُجْرِماً بَذيئاً مَلْعوناً عندما وَجَّهَ لعنة مباشرةً لرسولِنا - صلى الله عليه وسلم - ، وذلكَ في قوله : " ولماذا لَعَنَ محمدٌ المحَلّلَ والمحَلَّلَ له ؟
أليسَ الأَحَقّ باللعنةِ هو المشَرِّع ؟ ".
__________
*1* بل لعائن الله ومقته وغضبه عليك وعلى والديك وعلى كل من آذى الإسلام والمسلمين ، خاب ظنك وضل عملم أيها الخاسر السفيه.
ولا نقولُ إِلَّا أَنَّ هذا المجرمَ عليه لعنةُ اللّهِ والملائكةِ والناسِ أَجْمعين.
***
حول حجاب المرأة
اعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ لأَنه أَمَرَ المرأةَ المسلمةَ
بالاحْتِجاب ، وذلكَ في قوله تعالى : *وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ*.
قال : " والخُمُرُ جمعُ خِمار ، وهو ما تُغَطّي به المرأةُ رأْسَها.
و " جيوبهن " جمعُ جيب ، وهو القَلْبُ أَو الصدْرُ ، والجيبُ أَيضاً هو طَوْقُ القَميص ، فيكونُ المعنى : يَسْتُرْنَ أَعناقَهن بغطاء رؤوسهن.
- ونحنُ نسأَل : كيفَ توضَعُ المرأةُ في حِجابِ يُشْبِهُ السِّجْن ؟
إِنَّ الحجابَ يقتلُ في المرأةِ روحَ العمل والنشاطِ والحريةِ الشخَصية ، ويَرجِعُ بالإِنسانيةِ إِلى عهودِ الرِّقِّ والعبودية ".
لا أَدري لماذا يُهاجمُ الفادي الحِجابَ ، ويَصفُه بهذه الصفاتِ المذمومة ؟
وهو رَجُلُ الدّينِ النَّصْراني ، الذي يَزعمُ حِرْصَه على العَفافِ والطُّهْر ، ومُحاربةِ الانحلالِ والعُهْر ، وإِنَّ الحجابَ صيانةٌ وحفظٌ للمرأة ، ونَشْرٌ للطهارةِ والفضيلةِ في المجتمع.
ومَن الذي قالَ : إِنَّ الحجابَ سجنٌ للمرأة ؟
ولماذا يُرَدِّدُ الفادي دِعاياتِ الشَّياطِين.
إِنَّ دُعاةَ الشهوات ، الحريصين على نَشْرِ الفواحِش ، يُريدونَ فتنةَ الناسِ بالمرأة ، فيُخْرِجونَها متبرجةً متزينةً مغرية ، ويُحاربونَ حِجابَها وسِتْرَها ، وما الفادي إِلَّا واحدٌ من هؤلاءِ الشياطينِ المفسدين ، ولذلك يُهاجمُ الحجاب ويَجعلُه مُدمِّراً للمرأة ، قاتِلاً لروحِ العمل والنشاطِ فيها ، علماً أَنَّ المحَجَّباتِ من أَنشطِ النساءِ في المجتمع!.
حول قتال مانعي الزكاة
ذَكَرَ الفادي آياتٍ من سورةِ التوبة تتحدَّثُ عن إخراج الزكاة ، ثم ذَكَرَ قِتالَ أَبي بكرٍ الصّدّيق - رضي الله عنه - مانعي الزكاة ، حيثُ أَرسلَ خالدَ بنَ الوليدِ - رضي الله عنه - فقاتَلَهم وأَعادَهم للإسلام.
ثم اعترض على ذلك بقولِه : " ونحنُ نسأل : إذا كانت الزكاةُ رُكْناً من أَركانِ الدين ، والدينُ للّه ، فهل يُعْتَبَرُ الدِّينُ قَيِّماً إِذا كُنّا نُمَارسُهُ لا رغبةً وتَطَوّعاً ، بل جَبْراً وقَسْراً ، وإِنَّ زكاةً يجمعُها سيفُ خالدِ بنِ الوليد وأَمثالِه ، يَرفُضها اللّه! لأنها ليستْ إِحْساناً ".
إِنَّ اعتراضَه هنا خارجٌ عن موضوعِ الكتابِ ، فالكتابُ مُخَصَّصٌ للحديثِ عن أَخطاءِ القرآنِ في زَعْمِه ، وهذا الاعتراضُ على ما فَعَلَه أَبو بكر وخالدٌ - رضي الله عنهما - من قِتالِ مانعي الزكاةِ من المرتَدين العرب!.
ومع ذلك نقول : صَحيح أَنَّ الزكاةَ رُكْنٌ من أَركانِ الإِسلام ، وأَنه لا بدَّ للمسلمِ من أَنْ يَدْفَعَها وهو منشرح مُتَفاعِل ، وأَنْ يَتَفاعَلَ كيانُهُ كُلّه بإِعطائِها ، كما قالَ اللّه - عز وجل - : *خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ*.
والمسلمونَ يقومونَ بشعائِر الإِسلام رغبةً وتَطَوّعاً ، لأَنهم يَتَقَرَّبون بذلك إِلى اللّه ، ويَفرحونَ لأنهم بذلك يَنالونَ جَنَّتَه ورِضوانَه.
وقتالُ مانِعي الزكاةِ زمنَ الصدّيقِ - رضي الله عنه - ليسَ من أَجْلِ إِكراهِهم على دفْع الزكاةِ جبراً وقَسْراً ، كما ظَنَّ الفادي الجاهل ، بل من أَجْلِ أَنهم مُرْتَدّون كُفّار "
لأَنهم أَنكروا وُجوبَ الزكاة ، وإِنكار وُجوبِها خروجٌ من دينِ اللّه..
ومن المعلومِ أَنَّ قِتالَ المرتَدّين واجب.
فلما عَادوا للإِسلامِ دَفَعوا الزكاةَ راضين مُتَقَرِّبينَ بذلك إِلى اللّه!.
***
حول توزيع الغنائم
اعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ في توزيعِه الغنائم ، وذلك في قولِه تعالى : *وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ*.
والغنائمُ هي كُلُّ ما أَخِذَ من الكفارِ بعد هزيمتِهم واستسلامِهم.
وهذه الغنائمُ أَحَلَّها اللّهُ للمؤمنين المجاهدين ، ولم يُبِحْها للمسلمين السابقين ، فلما كان السابقونَ يُجاهدونَ الكافرين ويَهزمونَهم ، ويَأخُذون منهم الغنائم ، كانوا يَجْمَعون تلك الغنائمَ ويَحْرِقونَها بالنار ، وعلى هذا قولُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - : " وأُحِلَّتْ لي الغنائم ، ولم تُحَلَّ لأَحَدٍ من قبلي.. ".
وأَمَرَ اللّهُ بتَخْميسِ الغنائم.
أَيْ : تَقْسيمها إِلى خمسةِ أَخْماسٍ متساوية ، تُعْطى أَربعةُ أَخْماسٍ منها للمجاهِدين تكريماً ومكافأةً لهم.
والخُمسُ الخامسُ يَقَسَّمُ على خمسةِ أَصناف ، ذَكَرَتْهم الآية : *فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ*.
وقد اعترضَ الفادي على هذا ، فقال : " ونحنُ نسأَلُ : كيفَ تُستباحُ أَموالُ الناسِ بعد إِراقةِ دمائِهم باسمِ اللّه ؟
وكيفَ يأخُذُ القائدُ الدينيُّ غنيمة ؟! ".
يُنكرُ الفادي المفترِي قِتالَ الكافرين ، حتى لو بَدَؤوا هم بالعُدْوان على المسلمين وقتالِهم ، ويَعتبرُ قَتْلَهُمْ سَفْكاً للدمِ بالباطل ، ويعتبرُ المسلمين معتدين!.
وإذا كان الفادي الجاهلُ يَعترضُ على القرآنِ لإِباحتِه قِتال الكفار ، فإنه يعترضُ على القرآنِ أَيضاً لأَنه أَباحَ أَخْذَ الغنائم من الكفارِ المعتدين ، وقَسَّم تلكَ الغنائمَ عليهم ، وأَعطى النبيَّ جُزْءاً من تلك الغنائم!.
واعتراضُ الفادي مردود ؛ لأَنه يعترضُ على أَمْرٍ أَباحَه الله ، وَوَرَدَ النصُّ عليه في كتابِ اللّه - عز وجل - قال تعالى : *فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *69*.
***
حول أخذ الجزية من أهل الكتاب
اعترضَ الفادي المفترِي على قولِ اللّه - عز وجل - : *قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *29*.
لأَنَّ الآيةَ تأمرُ المؤمنين بقتالِ الكفارِ من اليهودِ والنصارى من أهلِ الكتاب ، وتُبَيِّنُ المبرراتِ التي تَدْعو إِلى قِتالِهم ، ولا يتوقفُ قِتالُهم إِلّا بخضوعِهم للمسلمين ، ودفعِهم الجزيةَ وهم صاغرون.
ونَقَلَ من تفسيرِ البيضاوي تفسيرَ الآية وبيانَ مَعْناها ، ومعنى الجزية ، ومَن الذين تُؤْخَذُ منهم ، وكَيفيةَ أَخَذِها منهم ، واختلافَ المذاهبِ في ذلك.
وقالَ بعدَ ذلك : " ونحنُ نسأَل : كيفَ يُبيحُ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهم أَنْ يُقاتِلوا الناس باسمِ الدين ، ويُخَيِّروهُم بينَ الإِسلام أَو الموت أَو الجزية ؟ " *1*.
أَيْ أَنَّ الفادي المفترِي لا يُجيزُ قِتال الآخرين ، ولا أَخْذَ الجزيةِ منهم ؛ لأَنَّ هذا ظلْم لهم واعتداءٌ عليهم.
إنّ قِتالَ الكفارِ من أَهلِ الكتابِ وأَخْذَ الجزيةِ منهم ، ليس اجتهاداً من المسلمين ، حَتّى نقولَ : إِنْ هذا اجتهاد خاطِئ ، وفَعْلٌ باطل ، ولكنَّ هذا أَمْرٌ صريحٌ من اللّهِ سبحانه وتعالى ، أَنزلَه في كتابِه الكريم ، والمسلمونَ مكُلَّفونَ بتنفيذِه..
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
122- تحليل النهب
إن الله حلل الغنائم ، وهذا أمر بقتل الناس ونهب أموالهم.
الرد على الشبهة :
إن تحليل الغنائم فى التوراة. ففى سفر التثنية : " وغنيمة المدن التى أخذنا.. الجميع دفعه الرب إلهنا أمامنا " [تث 2 : 35 - 36] ، وفى سفر التكوين فى صفات بنيامين : " فى الصباح يأكل غنيمة ، وعند المساء يقسم نهباً " [تك 49 : 27] أى محارب.
ومن أوصاف محمد رسول الله فى التوراة أنه يقسم غنائم. ففى نبوءة العبد المتألم : " ومع العظماء يقسم غنيمة " [إش 53 : 12] ولكن النصارى يفسرونها على المسيح مع أنه لم يحارب أحداً. وفى المزمور الثامن والستين عن محمد صلى الله عليه وسلم : " الملازمة البيت تقسم الغنائم " [مز 68 : 12]. اهـ *شبهات المشككين*.
وبما أَنَّه أَمْرٌ من اللّهِ فهو صواب ، لا خَطَأَ فيه ، ولا اعتراضَ عليه ؛ لأَنَّ اليقينَ عند كُلّ مسلمٍ وجوبُ الالتزامِ بأَحكامِ اللّه ، وتنفيذِ أَوامِرِه.
لماذَا أَمَرَ اللّهُ بقتالِ أَهل الكتابِ من اليهودِ والنصارى ؛ لأَنَّهم كُفّار أَوَّلاً :
*لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ*.
ثم لأَنهم يتآمَرونَ على المسلمين ، ويَعْتَدُونَ عليهم ، ويَطْمَعون فِي بُلدانِهم ، ولا يتوقَّفونَ عن قتالِهم ، وإنْ ظَهَروا عليهم وغَلَبوهم ارْتَكَبوا ضِدَّهم الجرائمَ الفَظيعة : *كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ *8*.
ولماذا أَخْذُ الجزيةِ منهم ؟.
إِنَّ دفْعَ هؤلاء الكافرين المعتدينَ الجزيةَ لليسلمين دليل على خُضوعِهم لسلطانِ المسلمين ، وتوقفِهم عن العدوانِ عليهم ، وهذا معناهُ أَنْ يتكفَّلَ المسلمونَ بحمايتِهم والدفاعِ عنهم ، والمحافظةِ على دمائِهم وأموالِهم ، وهم يَدْفَعون مبلغاً من المال للمسلمين ، مقابلَ هذه الحماية ، وسُمّيَتْ جزيةً من الجَزاء ، وهو دَفْعُ شيءٍ جَزاءً لشيء ، فهم يكسبونَ من المسلمين الحماية والأَمان ، ويَبْذُلونَ المال جزاءً ومكافأةً لذلك!.
***
حول إكراه الجواري على الزنى
اعترضَ الفادي المفترِي على قولِ اللّه - عز وجل - : *وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ *33*.
نَقَلَ الفادي عن تفسيرِ البيضاويّ سببَ نُزولِ هذه الآيةِ وتفسيرَها.
وخلاصَةُ ذلك أَنه كانَ لعبدِ اللّه بنِ أُبَيّ ستّ جَوارٍ من الإماء ، وكان يُكْرِهُهُن على الزنى ، ويُطالبهنَّ بِدْفعِ ضريبةٍ ماليةٍ له مقابل ذلك ، فشكا بعضُهنَ الأَمْرَ إِلى رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم..
فأَنزل اللّهُ الآيةَ لِذَمِّ ابنِ أَبَيّ ومَنْعِه من فعْلِهِ.
والمعنى : لا يجوزُ إِكراهُ الجواري على الزِّنى أَصْلاً ، ولا يَجوزُ إِرسالُهنَّ إِلى الزنى أَصلاً ، حتى لو لم تَكُنَّ مُكْرَهات ، فالموافقةُ على زناهُنَّ حَرام ، وإِرسالُهنّ للزِّنى حَرام ، وإِكراههنَّ على الزّنى حرام.
والشرطُ في قولِه : *إن أردنَ تحصناً* ليس قَيْداً للنَّهي ، لأَنَّ النهيَ عن زناهُنَّ عامّ ، سواءٌ أَرَدْنَ تَحَصناً أَمْ لا ، لكنَّ هذا الشرط لبيانِ الواقع ، لأَنَّ الآيةَ نَزَلَتْ في إماءٍ تَعفَّفْنَ وأَردْن التحصُّن..
فإِذا كُنَّ هؤلاء الإماءُ يُردْنَ التحصُّنَ والتعففَ وهنَّ إِماء ، فكيفَ بغيرِهن من الحرائر ، اللَّواتي يَنْفُرْنَ من الزنَى أساساً ؟!.
وقد اعترضَ الفادي على الآيةِ وصياغَتِها.
قال : " ونحنُ نسأل : أليس الأَولى أَنْ يَأمُرَ الفتياتِ أَنْ يُشهِرْنَ الطاعةَ لله ، والعصيانَ على البشر ، فلا يَقْبَلْنَ ارتكابَ المنكر ؟
وكان الأَوْلَى بدَل أَنْ يقول : *فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ* أنْ يقول : إن الله شديد العقاب ، إلا على من تاب ".
واقتراحُ الفادي دَليلٌ على جهْلِه وغَبائِه ، فهو يَرى أَنَّه كانَ الأَوْلى بالآيةِ أَنْ تَأَمُرَ أُولئك الفتياتِ الجواري بإِعلانِ الطاعةِ للّه ، ورفْضِ ارتكابِ المنْكَرِ.
ومَنْ قال : إِنَّهُنَ لم يفعَلْنَ ذلك ؟!
لقد عَصَيْنَ سيدَهُن عبدَ اللّه بنَ أَبَيّ ، ورفضنَ تنفيذَ طَلَبه ، وشَكَوْنَهُ إِلى رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وفعَلْنَ ذلك من بابِ طاعَتِهنَ للّه!
فلماذا يَقترحُ الغبيُّ على الآيةِ طَلَبَ شيءٍ منهنَّ فعلْنَه ونَفَّذْنَه ؟!.
ويُنكرُ الجاهلُ على الآيةِ خَتْمَها بجملةِ : *فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ* ويقترحُ خَتْمَها بجملةِ : "فإن اللّه شديد العقاب إلا على من تاب".
يَتَعالَمُ الجاهلُ ويَتَفاصَحُ على القرآنِ العظيم المعْجِز ، ويَرى عِبارتَهُ أَبْلغَ وأَفصحَ من عبارةِ القرآن ، فيرَى أَنَّ خَتْمَ آيةٍ تَنهى عن الحَرَامِ والمْنكَرِ بالترغيبِ بالمغفرةِ والرحمةِ غَيْرُ مناسِب ، وكانَ الأَوْلى أَنْ تُخْتمَ الآية ُ بالتهديدِ بالعِقاب!.
إِنَّ الأَنْسَبَ هو خَتْمُ الآيةِ بالترغيبِ بالمغفرةِ والرحمة ، وهذا التَّرغيبُ ليسَ للذي يُكْرِهُهُنَّ على البِغاء ، إِنما هو ترغيِبٌ لهن ، فقد يَزْنينَ مُكْرَهاتٍ نافرات ، فَتَدْعوهُنَّ الآيةُ إِلى التوبةِ والاستغفار ، واللّهُ غفورٌ رحيم ، يَغفرُ لهنَّ ويَرْحَمُهُن!.
أَمّا الذي يُكْرِهُهُنَّ فإنَّ اللّه سيحاسِبُه ويُعَذِّبُه.
والتقدير : ومَنْ يُكْرِهْهُنَّ فسوفَ يُحاسبه اللّه ، أَمّا هُنَّ فإِنَّ اللّهَ سيغفرُ لهنّ ؟
لأَنَّه غَفورٌ رحيم.
***
حول الشهود على الزنى
اعترض الفادي المجرمُ على قولِ اللّهِ وَبَئ : *وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *4*.
تُحَذِّرُ الآية ُ من الحديثِ عنِ الأَعراضِ والاتِّهامِ بالزِّنى ، وتُطالِبُ المُسْلِمِينَ بالاحتياطِ والحَذَرِ والتَّشَدُّد ، وذلكَ بالإِتيانِ بأَربعةِ شُهود ، شاهَدوا الرجلَ يَزْني بالمرأة ، فإِنْ لم يَشْهد الأَربعةُ على ذلك جُلِدوا حَدَّ القَذْف.
وعَلَّق الفادي على ذلك مُعْتَرِضاً فقال : " ونحنُ نسأل : كيِفَ يَتَسَنّى لأَربعةٍ أَنْ يَكونوا شُهوداً لحادثةٍ فِيها دائماً كتمان وسِرِّيَّة ؟
وكيفَ يُحْكمُ بالجلدِ ثمانينَ جلدةً على ثلاثةِ شُهود ، ولو رأوْا بأَعْيُنِهم ارتكابَ الحادث وشهِدُوا عليه ؛ لأَنَّه ليسَ معهم شاهِدٌ رابع ؟
إِنَّ المطالبةَ بأَربعةِ شهودٍ أَقربُ إِلى المستحيل ، وتعجيزٌ وتعطيل ، بهدفِ تبرئةِ المذنب " *1*.
يعترضُ الفادي على طلبِ إِحضارِ أَربعةِ شُهود ، رَأَوُا الزّنى بأَعينهِم " لأَنَّ هذا شِبْهُ مستَحيل ، ولأَنَّ الزِّنى يكونُ غالِباً في مكانٍ خاصّ ، فالهدفُ من اشتراطِ أَربعةِ شُهودٍ هو تبرئةُ الزَّانِيَيْنِ ، وتَعطيلُ الحَدّ!.
__________
*1* جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه :
128- حد الزنا
الرد على الشبهة :
إن جريمة الزنا لهى من أقذر الجرائم حتى أنكرها كل دين ، بل وأنكرها العقلاء والراشدون من الناس ، كما أنكرها أصحاب المدنية الغربية جهرًا وإن قبلوها سرًا وذلك لما فيها من عدوان على حقوق الأزواج ومن اختلاط للأنساب وحل لروابط الأسرة وقتل لما فى قلوب الآباء من عطف وحنان على الأبناء ، ورعاية وبذلٍ سخى لهم بما يبلغ حد التضحية بالراحة والنفس ، الأمر الذى لا يكون إلا إذا ملأت عاطفة الأبوة قلوب الآباء وذلك لا يكون إلا إذا وقع فى قلوب الآباء وقوعًا محققًا أن هؤلاء الأبناء من أصلابهم.
ثم لعلك لا تعجب لما تقرأ من الأخبار الواردة إلينا من أمريكا وأوروبا عن آباء قتلوا أولادهم بأيديهم وأتوا على الأسرة كلها فى لحظة واحدة دون أن ينبض فيهم شعور بالتردد قبل الجريمة أو الندم بعدها ، وذلك شفاء لما فى نفوسهم من شكوك فى صحة نسب هؤلاء الأبناء إليهم حتى لقد تحولت هذه الشكوك إلى عواطف من الجنون الذى أفقد هؤلاء الآباء كل شعور إنسانى نحو الأبناء المشكوك فى نسبهم ، وهيهات أن يخلو شعور أوروبى من الشك فى نسبة أبنائه إليه مع هذه الإباحية المطلقة للجمع بين النساء والرجال فى أى مكان وأى زمان.
فإن أراد الإسلام أن يحارب هذه الجريمة برصد هذه العقوبة الرادعة - الرجم للمحصن ، والجلد لغير المحصن - كان ذلك عند أعداء الإسلام تهمة شنيعة يرمونه بها ويحاكمونه عليها ليخرجوه من حدود الإنسانية المتحضرة إلى عالم سكان الأدغال ورعاة الإبل والشياه فى الصحارى.
ويقولون : كيف يحكم الإسلام بإهدار آدمية الإنسان حتى يأمر بجلده على مرائى ومسمع من الناس ؟ ثم كيف تصل الوحشية فى قسوتها إلى أن يُلقى بالإنسان فى حفرة ثم تتناوله الأيدى رجماً بالحجارة إلى أن يموت.
هكذا يقولون *كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً * *1*.
ولا ننكر أن فى شريعة الإسلام حكم الجلد والرجم يقول الله تعالى : *الزانية والزانى فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين * *2*.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزانى ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ] *3*.
والنظام الإسلامى كل متكامل لا تفهم جزئياته إلا فى نسق واحد.
فإن الإسلام قد حرّم النظر إلى " الأجنبيات " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه إيماناً يجد حلاوته فى قلبه ] *4*. وكذلك أمر النساء ألا يظهرن الزينة إلا للأزواج أو الأقارب من الصلب الذين لا يُخشى منهم فتنة.قال الله تعالى : *يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن * *5* ، وقال :
*وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن * *6*. وأمر أيضاً ألا يختلى رجل بامرأة لا تحل له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما ].
وحرم أيضاً أن يمس الرجل امرأة لا تحل له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لئن تضرب بمخيط فى رأسك فتدمى به رأس خير لك من أن تمس امرأة لا تحل لك ]. وقبل هذا كله فقد استطاع الإسلام أن يربى الضمير فى الرجل والمرأة على حد سواء على ضوء ما جاء فى قصة ماعزو الغامدية.
والإسلام كذلك حض الشباب على إخراج هذه الشهوة فى منفذها الشرعى بالزواج. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ] *7* أى قاطع للشهوة.
وكذلك رخص للرجل أن يتزوج بامرأة واحدة أو اثنين أو ثلاثة أو أربع مادام يملك النفقة ويستطيع العدل.
وأمر أولياء الأمور أن لا يغالوا فى مهور بناتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير ] *8*. وأمر الأغنياء أن يساعدوا الشباب فى نفقات الزواج. وقد قام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بتزويج الشباب والفتيات من بيت مال المسلمين.
هذا كله هو بعض ملامح الإسلام فى تيسير أمر إخراج هذه الشهوة بطريق مشروع ، والحقيقة أن مثل هذه الشنيعة لا تحصل فى المجتمع المسلم - الذى تسوده الفضيلة - إلا بعد تدبير عظيم من كلا الطرفين يدل على إجرام كلا الطرفين ولكن مع كل هذا فإن شريعة الإسلام قد وضعت شروط من الصعب جدًا توافرها قبل إيقاع العقوبة.
فإن لم تتوفر مجتمعة لا يقام الحد على صاحب هذه الفعلة جلداً كان أو رجماً وهذه هى الشروط :
1 - لابد حتى تثبت الجريمة من شهادة أربعة شهود عدول يشهدون بأنهم رأوا من الرجل والمرأة ما يكون بين الرجل وزوجته من اتصال مباشر ، الأمر الذى لا يكاد يراه أحدٌ من البشر.
وكأن الشريعة لا ترصد هذه العقوبة على هذه الفعلة بوصفها ولكنها ترصدها على شيوع هذه الفعلة على الملأ من الناس بحيث لا يبغى بين الناس من يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.
2 - إن الشريعة الإسلامية تقرر درء الحدود بالشبهات بمعنى أن أى شك فى شهادة الشهود يفسر لصالح المتهم فيسقط بذلك الحد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ادرءوا الحدود بالشبهات ] *9*.
3 - فرضت الشريعة عقوبة الجلد ثمانين جلدة على من قذف محصنة ثم لم يأت بأربعة يشهدون بأنهم رأوا منها ومن المقذوف بها ما يكون بين الزوج وزوجته قال الله تعالى : *والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون * *10*.
4 - رغبت الشريعة الإسلامية فى التستر على عورات المسلمين وإمساك الألسنة عن الجهر بالفواحش وإن كانت وقعت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ لرجل جاء يشهد : هلا سترتهما بثوبك ] يقول الله تعالى : *إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون * *11*.
أبعد هذا كله يتخرص متخرص ويقول : إن الإسلام يظلم الإنسان ويهدر أدميته حين يأخذ أولئك الذين يأتون الفاحشة على أعين بما يأخذهم به من جلد بالسياط. وفضح بين الملأ من الناس.
أفلا يسأل هؤلاء المتخرصون أنفسهم ماذا يبقى للإنسان من آدميته وكرامته إذا تركت هذه الفاحشة يعالى بها بعض الآدميين من غير استحياء ثم لا يضرب على أيديهم أحد. إن إنساناً توفرت له كل هذه الميسرات وتجرأ على الترتيب لهذه الفعلة الشنيعة. ثم افتضح حاله حين يراه هذا العدد فى هذا الوضع. إن إنساناً فى مثل هذا الحال لهو إنسان مفسد ضال مضل ولو لم يتم بتره أو تربيته فإن هذا يشكل خطراً على المجتمع كله.
والمتحدثون عن حقوق الإنسان يقولون لا بأس من أن يحبس قترة من الزمن ثم يخرج لكى يمارس عمله ولا يعلمون أن مثل هذا الحبس سوف يمكنه من أن يخالط من هو أجرم منه ليتعلم منه ويعلمه ويخرجان إلى المجتمع بعد أن أصبحا إمامين فى الضلال ليضلا الناس عن طريق رب الناس وهذا هو المشاهد.
فضلاً عن الذى يترتب على الحد من تكفير لهذا الذنب.
وإن المتتبع لا يجد هذه العقوبة قد نفذت " حال تنفيذ العقوبات " إلا فى أعداد محدودة ولا ضرر فى هذا مادام قد وفر الأمن والاستقرار للمجتمع. اهـ *شبهات المشككين*.
__________
*1* الكهف : 5.
*2* النور : 2.
*3* رواه مسلم.
*4* رواه الحاكم فى المستدرك.
*5* الأحزاب : 59.
*6* النور : 31.
*7* رواه البخارى.
*8* رواه ابن ماجه.
*9* رواه الترمذى.
*10* النور : 4.
*11* النور : 19.
إِنّ ما ذكَرَتْه الآية من اشتراطِ أَربعةِ شُهودٍ هو الحَقُّ والصَّواب ، وحكمَةُ ذلك المحافَطةُ على الأعراضِ وصِيانَتُها وعَدَمُ جَعْلِها وسيلةً للإِشاعاتِ وأَحاديثِ المجالس.
تَتَناقَلُها وتُرَدّدُها الأَلسنة ، وبهذا تنتشرُ الرذيلة ، وتُوحي بسهولةِ ارْتكَابِها بينَ الناس ، وتُغْري رُوّادَ الفواحشِ بيُسْرِ الحصولِ عليها.
لذلك حَرَّمَ الإِسلامُ الحديثَ في الأَعْراض ، وقَذْفَ الناسِ بالزنى ، واشْتَرَطَ على المتحدّثِ تَقْديمَ أربعةِ شُهودٍ شاهَدوا ارتكابَ الفاحشةِ بعُيونِهم ، فإِنْ لم يَتِمَّ ذلك أُقيمَ على المتكلّمين حَدُّ القَذْف ، وجُلِدَ كُلّ واحدٍ منهم ثَمانين جلدة.
صحيحٌ أَنه من المتَعَذِّرِ رؤيةُ أَربعةِ رجالٍ الزَّانِيَيْنِ وهما يَزْنِيان " لأَنَّ الزِّنى فية إِسرارٌ وتكتُّمٌ واخْتِفاء ، لكن لا بُدَّ من شهودٍ وبَيِّنَة ، ثم إِنه ليس من هدفِ القرآنِ إِقامةُ حَدّ الزِّنى على الزانِيَيْن ، بل هدفُه تطْهيرُ المجتمعِ الإِسلاميّ من فاحشةِ الزِّنى ، ومحاربتُها ومطاردتُها ، وإبعادُها عن تفكير ومشاعرِ الراغِبين فيها ، بحيثُ يضطرُّ المجرمان المتَّفِقانِ على الزِّنى إِلى الاختفاءِ عَن عيونِ الناس ، وارتكابِ الفاحشةِ في غُرْفَةٍ محكمةِ إِغلاق الأَبوابِ والنوافذِ! وهما إِنْ نَجَيا من إِقامَةِ الحَدِّ في الدنيا ، فلن يَنْجُوا من عذَابِ اللّهِ في الآخرة!.
وعجيبٌ أَمْرُ هذا الفادي المجرم : إِنَّ أَيَّ آيةٍ في القرآنِ تُثيرُ اعْتراضَه
وإِنكارَه ، فاشتراطُ الآيةِ أَربعةَ شهودٍ جَعَلَها تلاَعباً وتبرئةً للزانيَيْن ، ولو تساهَلَت الآيةُ في إِثباتِ الزنى لجعَلَها قاسيةً شديدةً! فمهما قال القرآنُ فهو عنْدَه خطأ!!.
***
لماذا جلد الزاني أمام الناس ؟
عندما أَمَرَ اللّهُ بإِقامةِ حَدّ الجَلْدِ على الزانيةِ والزاني ، أَوجبَ أَنْ يَكونَ ذلك أَمامَ المؤمنين ؟
قال تعالى : *الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *2*.
واعترضَ الفادي المفترِي على ذلك ، فقال : " ونحنُ نَسأل : أَليسَ الأَجْدَرُ أَنْ يُعالَجَ أَمثالُ هؤلاء المذنبين بروحِ الوداعةِ والشفقة ؟
والمسيحيةُ لا تأمُرُ بطرْدِ المخطئ ، بل بفرزِهِ من الجماعةِ تَخْجيلاً له ، ثم قَبولُه والترحيبُ به إِذا نَدِمَ وأَعْلَنَ توبَتَه ".
يَرى الفادي أَنَّ جَلْدَ الزاني عقوبةٌ قاسيةٌ شديدة ، فيها انتقامٌ ووحشيةٌ وعُنْف ، لا سِيَّما أَنَّ الجَلْدَ لا بُدَّ أَنْ يكون علنيّاً ، وأَن يشهدَه طائفةٌ من المؤمنين.
ويُفَضِّلُ الفادي عقوبةَ الزاني في الإِنجيلِ على عقوبتِه في القرآنِ ، لأَنَّ العقوبةَ في الإِنجيلِ تتمُّ بروحِ الوَداعةِ والشفقة ، وتقومُ على فرْزِهِ وفصْلِه عن الجماعةِ تَخْجيلاً له ، وإِذا ندمَ وتابَ يُعادُ إِلى الجماعة!!.
وإِنَّ اعتراضَ الفادي مردودٌ باطل ، لأَنه مُوَجَّهٌ إِلى حكمٍ صادِرٍ عن اللّهِ ، وإِنَّ اللّهَ العليمَ الحكيمَ يَعلمُ أَنه بتطبيقِ هذا الحكمِ يرتدع الزُّناةُ ويتأَدَّبونَ ، لأَنهم يخشونَ الفضيحةَ العلنية ، والعقوبةَ المرئية ، ويحسِبون لها كُلَّ حساب : *وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*.
وبعضُ الذين لا يَخافون من حسابِ اللّهِ وعقابِه ، قد يخافونَ من الفضيحة ، فيتوقَّفونَ عن ارتكابِ الحَرام إِذا نتجَ عنه فضيحة.
ودَعا اللّه المؤمنين إلى عقاب الزانيةِ والزاني بمئةِ جَلْدَة ، ونَهاهُما عن إيقاف العقابِ بحجَّةِ الرأفةِ بهما : *وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ*.
وهذا رَدّ على تَعالُمِ المعْتَرِضين على حُكْمِ اللّه ، من أَمْثالِ الفادي ، الذينَ يَظُنّونَ أَنهم أَرأَفُ وأَرحمُ بالعُصاةِ من اللّهِ ربِّهم ، فيرفُضونَ حكْمَه ، ويُقَدّمونَ بديلاً له ، يَظُنُّونَهُ أَفضلَ..
إِنَّ الأَفضلَ للناسِ هو تطبيقُْ حُكْمِ اللّه ، ولا يُرَبّيهم ويُزَكّيهم إلّا حُكْمُ اللّه ، ولا بَديلَ لحُكْمِ اللّه..
ونقولُ للفادي وأمثالِه ما عَلَّمَنا القرآنُ : *قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ*.
المنسوخ والناسخ في حد الزنى
اعترضَ الفادي على آيةٍ تتحدَّثُ عن عقوبةٍ منسوخةٍ للزنى ، وهي قولُ اللّه - عز وجل - : *وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا *15*.
النساءُ اللواتي يرتكبنَ فاحشةَ الزِّنى ، يَجبُ أَنْ يَشهدَ - عليهنَّ أَربعةُ شُهود ، فإِنْ شهِدوا عوقِبنَ بالحبسِ في البيوت ، حتى يَحينَ أَجَلُهُنَّ وتَنتهي أَعمارُهن ، أَو يأتيَ حكْمٌ جديدٌ من اللّهِ يَنسخُ هذا الحكم : *حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا *15*.
وهذا الحكمُ أَثارَ اعتراضَ الفادي المفترِي ، فقال : " ونحنُ نسأَلُ : هَلْ يُصْلِحُ الحبسُ المؤَبَّدُ في مثلِ هذه الحالةِ المذْنِبَ ؟
كَيفَ يَحْبِسونَ فَتاةً في السادسةَ عشرةَ من عمرِها مَثَلاً ، إِذا قُدِّرَ لها أَنْ تَعيش ثمانينَ سنة ؟
الأَصلحُ أَنْ تُعطى الخاطئةُ فُرْصَةً للتوبةِ والحياةِ المقدسةِ الجديدة.
ويقولُ عُلماءُ المسلمين : إِنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بِحَدِّ الجَلْدِ للزانيةِ غيرِ المحصَنَة في سورةِ النور ، وبحَدّ الرجمِ للزانيةِ المحصَنَة ، ولو أَنَّ آيةَ الرجْمِ نُسِخَتْ تِلاوة..
ويقولُ القرآنُ : إِنَّ حَدَّ الإِماءِ نصفُ حَدِّ الحرائر ، ولكنَّنا لا نعلمُ ما هو نِصْفُ الرَّجْم " !.
يَرى الفادي أَنَّ حبسَ المرأةِ الزانيةِ في البيت لا يُصْلِحُها ، والأَصْلَحُ لها أَنْ تُعطى فرصةً جديدةً للتوبة ، والتخلّي عن الفاحشة ، ولا أَدري كيفَ تُعْطى لها هذه الفُرصة! ويتهكَّمُ على الحكم على الزانيةِ بالحبسِ حتى الموتِ بأَنه حُكمٌ بالسجنِ المؤَبَّدِ ، وسيكون هذا عشراتِ السنين!.
وكلامُه يدل على جَهْلِه ، فهو لا يَعلمُ بأَنَّ الحكْمَ بحبسِ الزانية إِنما هو حُكُمٌ مُؤَقَّت ، وسينسخُه اللّهُ فيما بَعْد.
ولم يُطبَّقْ هذا الحُكْمُ على عهدِ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، فلم تُسَجِّل الرواياتُ الصحيحةُ حادثةً واحدةً حُكِمَ فيها على امرأةٍ زانيةٍ بالحبْسِ في البيتِ حتى الموت ، ولم تَمُتْ زانيةٌ واحدو وهي محبوسةٌ في بيتها ؛ لأَنه لم تَثْبُتْ حالةُ زنى واحدةٌ خلال هذه الفترة.
والدليلُ على أَنَّ الحكمَ بالحبسِ مُؤَقَّتٌ قول اللّه : *أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا* أيّ : سيأتي اللّهُ بحكْمٍ آخرَ ، يَنسخُ هذا الحكْمَ.
وجاءَ الحكمُ الناسخُ في سورةِ النور ، قال تعالى : *الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *2*.
نَسَخَ اللّهُ حكْمَ حَبْسِ الزانياتِ في البيوتِ بجِلْدِهِنَّ مئةَ جَلْدة ، إِذا كُنَّ غيرَ متُزَوِّجاتٍ وقد صَرَّحَ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بأَنَّ آيةَ سورةِ النورِ ناسخةٌ لآيةِ سورةِ النساء ، والسبيلَ الذي وعَدَتْ به آيةُ سورةِ النساء هو ما ذكَرَتْهُ آيةُ سورةِ النور.
روى مسلمٌ عن عبادةَ بنِ الصامت - رضي الله عنه - ، عن رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال : " خُذُوا عَنّي ، خُذُوا عَنّي ، قد جَعَلَ اللّهُ لهنَّ سبيلاً ، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مئةٍ ونفيُ سَنَة ، والثيبُ بالثيبِ جَلْدُ مئةٍ والرَّجْم".
وإذا كان حَدُّ الزاني البكرِ الجلدُ مئةَ جلدةٍ ، قد ثَبَتَ في سورةِ النور ، فإنَّ حَدَّ الزاني المتزوج الرجمَ حتى الموتِ ، قد ثَبَتَ في حديثِ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، حيثُ رَجَمَ زُناةً متَزوِّجين!.
والراجحُ أَنَّ الرجْمَ لم يُذْكَرْ في القرآن ، كما أَنَّ الراجحَ أَنه لا توجَدُ آيَةٌ منسوخةُ التلاوةِ في القرآن ، وأَنَّ النسخَ الذي في القرآنِ هو نسخُ الحكمِ مَعَ بقاءِ التلاوة.
روى مسلمٌ عن عبد اللّه بنِ عباس - رضي الله عنهما - قال : قال عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله عنه - وهو جالسٌ على منبر رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - : "إِنَّ اللّهَ بَعَثَ محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالْحقّ ، وأَنزل عليه الكتاب ، فكانَ مما أَنزلَ عليه آيةُ الرجم ، قرأناها ووَعَيْناها وعَقلناها ، فَرَجَم رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ورَجْمنا بَعْدَه ، فأخشى إِنْ طالَ بالناسِ زَمان أَنْ يقول قائل : ما نَجدُ الرجمَ في كتابِ اللّه ، فيَضلّوا بتركِ فريضةٍ أَنزلَها اللّه ، وإنَّ الرجْمَ في كتابِ اللّهِ حَقٌّ على مَنْ زنى إِذا أُحْصِنَ ، من الرجالِ والنساء ، إِذا قامت البينةُ أَو كانَ الحَبَلُ أَو الاعتراف ".
ومعنى كلامِ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّ اللّه هو الذي أَمَرَ برجْمِ الزاني المحْصَن ، وأوحى بهذا الحكمِ لرسولِ اللّهِ - عليه السلام - ، وعَدَمُ وُجودِه في القرآنِ منصوصاً عليه ، لا يَعْني أَنه غَيْرُ مَشْروع ، فوجودُه في السُّنَّةِ كافٍ لإِثباتِ مشروعيتِه!.
أَمّا الجواري الإِماءُ فإِن عقوبتَهنَّ نِصْفُ عقوبةِ الحَرائر ، كما صرَّحَ بذلك القرآن ، قال تعالى : *فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ*.
ومعنى قولِه : *فَإِذَا أُحْصِنَّ* : إِذا تَزوَّجْنَ ، فإِذا زَنَت الأَمَةُ بعدَ الزواج أُقيمَ عليها الحَدُّ ، وهو على النِّصْفِ من الحَدِّ الذي يُقامُ على الحُرَّة ، وبما أَنَّ حَدَّ الحرةِ المحصنةِ هو الرجم ، فإِنه لا يُقامُ على الأَمَةِ نصفُ الرجم " لأَنَّ الرجْمَ لا يُنَصفُ.
وقد كانَ الفادي خَبيثاً عندما قالَ مُشَكِّكاً : " ويَقولُ القرآنُ : إِنَّ حَدَّ الإِماءِ نصفُ حَدِّ الحَرائِر ، ولكنَّنا لا نَعْلَمُ ما هو نصْفُ الرجم! ".
بما أَنَّ الرجمَ لا يتنصَّفُ ، فينقل الحكْمُ إِلى الجلدِ مئهَ جَلْدَة ، وبما أَنَّ الحرةَ تُجْلَدُ مئةَ جلدة فإِنَّ الأَمَةَ تُجْلَدُ خمسينَ جلْدَة!!.
***
هل أخد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بثأر حمزة ؟
وَقَفَ الفادي أَمامَ قولِ اللّه - عز وجل - : *وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ *126*.
وكان نزولُ هذه الآيةِ بعد غزوةِ أُحُد ، في السنةِ الثانيةِ من الهجرة ، التي جَرى فيها للمسلمين ما جَرى ، وقد استشهدَ حمزةُ - رضي الله عنه - ، بعد أَنْ بَقَرَ المشركونَ بَطْنَه ومَثَّلوا به.
وقد نَقَلَ الفادي عن البيضاويِّ أَنَّه لما رأى رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حمزةَ وقَدْ مُثِّلَ به ، قال : " واللّهِ لئن أَظْفَرني اللّهُ بهم ، لأَمَثِّلَنَ بسبعينَ منهم مكانَك " ، فأنزلَ اللّهُ الآية ، وكَفَّرَ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن يمينِه.
وعَلَّقَ الفادي المغرضُ على ذلك بقولِه : " ونحنُ نَسأل : هل الأَخْذُ بالثأرِ يُهَذّبُ النفسَ ويَحفظُ الأَمْن ؟
إِنّنا نُعاني من عادةِ الأَخْذِ بالثأرِ ويلاتٍ مُرَّة..
قال المسيح : إِنَّ الذينَ يأخُذونَ السيفَ بالسيفِ يَهْلِكون..
وما أبعدَ الفرق بينَ قولِ محمدٍ : " واللّه لئن ظَفِرْتُ بهم لأُمَثلَنَّ بسبعينَ مكانك " وبين قولِ المسيح : إِنْ أَخْطَأَ إِليكَ أَخوكَ سبعينَ مَرَّةً سبْعَ مراتٍ فاغفِرْ له ".
تُبيحُ الآيةُ لمن اعْتُدِيَ عليه وعُوقِبَ وظُلِمَ من المسلمين أَنْ يَنتصفَ ويَأخذَ حَقَّه ممنْ ظَلَمَه واعتدى عليه ، وترشدُه إِلى ما هو أَوْلى ، وهو الصبرُ على الأذَى ، والعفوُ عنِ العِقابِ.
واعترضَ الفادي على الآية ، لأَنها تُبيحُ الأَخْذَ بالثأر ، وهو ينشرُ الفَسادَ ويُخَرّبُ الأَمْنَ ، ولا يُهَذّبُ النَفْسَ.
والعِقابُ بالمثْل ، والإِذْنُ بِرَدِّ الاعتِداء ، ليسَ من بابِ الأَخْذِ بالثَّأْرِ " لأَنَّ الأَخْذَ بالثأرِ عادَةٌ عشائرية ، والعِقابُ بالمثْلِ مبدَأٌ إِسلامي ، وفَرْقٌ بين الأَمْرَيْن.
ورغمَ أَنَّ القرآنَ أَجازَ الانتصافَ من الظالمِ والمعْتَدي إِلّا أَنَّه وَجَّهَ المسلمينَ إِلى الأَفضل ، وهو العَفْوُ والصفْح.
قالَ تعالى : *وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ *39* وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ *40* وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ *41* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *42* وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ *43*.
وقد انتقصَ الفادي المفْتَري رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لأَنه قالَ : " واللّهِ لئن أَظْفَرَني اللّهُ بهم لأُمَثِّلَنَّ بسبعينَ مكانَك " لأَنه أَخْذٌ بالثَّارِ على الطريقةِ الجاهلية ، حيث سيَقْتُلُ سَبْعين شَخْصاً مقابلَ حمزَة - رضي الله عنه -، وقارَنَ بين هذا الموقِف ، وموقفِ عيسى - صلى الله عليه وسلم - الذي دَعا فيه إِلى العَفْوِ عن مَنْ أَخْطَأَ على الإِنسانِ سَبْعينَ مَرَّة.
وكَلامُ الفادي مَرْدود ، لأَنه مبنيّ على باطِل ، فلم يَقُلْ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - " ما نُسِبَ إِليه ، وقد رَدَّ المحَدِّثونَ والمفَسّرونَ هذا الحديثَ لأَنه لم يَصِحّ.
قالَ الإِمامُ ابنُ كثير في حُكْمِه على الحديث : " وقالَ محمدُ بنُ إِسحاق :
عن بعضِ أَصحابِه ، عن عطاءِ بن يسارِ قال : قُتِلَ حمزَةُ - رضي الله عنه - ، ومُثّلَ به يومَ أُحُد ، فقالَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - : لئن أَظْهَرَني اللّهُ عليهم لأُمَثِّلَنَّ بثلاثين رَجُلاً منهم ، فلما سمعَ المسلمونَ ذلك قالوا : واللّهِ لئنْ أظْهَرَنا اللّهُ عليهم لنُمَثِّلَنَّ بهم مُثْلَةً لم يُمَثِّلْها أَحَدٌ من العربِ بأَحَدٍ قط ، فأَنزلَ اللّه تعالى : *وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... * إِلى آخرِ السورة.
وهذا مُرْسَلٌ ، وفيه رَجُلٌ مُبْهَمٌ لم يُسَمَّ!!.
وقد رُوِيَ هذا من وجْه آخَر مُتصل.. عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - : أَنَّ رَسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَ على حَمزةَ بن عبدِ المطلب - رضي الله عنه - حين اسْتُشْهِد ، فَنَظَرَ إِلى مُنْظرٍ لم يُنْظَرْ إِلى مَنظرٍ أوجع للقَلْب منه ، وقد مُثِّلَ به ، فقال : " رحمةُ اللّهِ عليك ، إِن علمتُكَ إِلّا وَصولاً للرَّحِم ، فَعولاً للخَيْرات ، واللّهِ لولا حُزْنُ مَنْ بَعْدَكَ عليك ، لسَرَّني أَنْ أَتركَك حَتَّى يَحشُرَك اللّهُ من بُطونِ السِّباع ، أَما واللّهِ لأُمَثّلَنَّ بسبعينَ كمُثْلَتِك " فنزل جبريلُ - عليه السلام - على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بهذه السورةِ : *وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ* ، فكَفَّرَ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن يَمينِه ، وأَمسكَ عن ذلك ".
وهذا إِسنادٌ فيه ضَعْف ، لأَنَّ صالِحاً هو ابنُ بشيرٍ المرّي ، ضعيفٌ عند الأئمة.
وقال البخاري : هو منكرُ الحديث ".
وبَنى الفادي لجهلِه كَلامَه على حديثٍ ضعيفٍ مردودٍ عندَ المحَدّثين ، ورَتَّبَ عليه نتائج ، وانتقصَ فيها رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وبما أَنَّ الأَساسَ الذي اعتمدَ عليه مَرْدود ، فكلُّ النتائج التي خرجَ بها مردودة.
والذي صَحَّ في هذه الحادثةِ هو ما رواهُ الترمذيُّ وأَحمدُ وابنُ حِبّان والحاكمُ والطبرانى عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ - رضي الله عنه - قال : أُصيبَ من الأَنصارِ يومَ أَحُدٍ أَربعةٌ وستّون ، وأُصيبَ من المهاجرين ستّة ، فيهم حمزةُ ، فَمَثَّلوا بقَتْلاهم ، فقالَت الأنصار : لئن أَصَبْنا منهم يَوماً من الدهْر لَنَرْبِيَنَّ عليهم..
فلما كان يومُ فتحِ مكَّة ، نادى رجلٌ لا يُعْرَف : لا قُريشٌ بعدَ اليوم! فأنزَلَ اللّهُ - عز وجل - على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - : *وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ..*.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : "كُفوا عن القوم ... ".
ثم ماذا فَعَلَ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعدَ أَنْ أَظفرَهُ اللّهُ بقُرَيْش ، وذلك يومَ فتْحِ مكة ؟
هل مَثَّلَ بسبعينَ رجلاً منهم ؟..
لم يَقْتُلْ منهم أَحَداً ، ولقد عَفا عنهم جميعاً ، حتى وَحْشِي بن حَرْبٍ ، الذي قَتَلَ حمزةَ مباشرة عفا عنه ، وحتى هند بِنت عتبة ، التي لاكَتْ كَبِدَ حمزةَ عَفا عنها.
ولما جَمَع رجالَ قريشٍ قال لهم : " ماذا ترونَ أَنّي فاعل بكم ؟
قالوا : خيراً ، أَخٌ كريمٌ وابنُ أَخٍ كريم.
قال : اذْهَبوا فأنتم الطُّلَقاءُ! ".
وإِنَّ الفادي المفترِي يَعْلَمُ هذا قَطْعاً ، لكنّه يتعمَّدُ أَنْ لا يذكُرَه ، ويذكُرَ الكلامَ الضعيفَ المردودَ بَدَلَه ، ليَذُمَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وينتَقِصه!!.
***
حول الإعداد للأعداء
اعترضَ الفادي على قولِ اللّهِ - عز وجل - : *وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ *60*.
وأَخَذَ من تفسير البيضاوي بعضَ ما قالَه في تفسيرِ الآية ، وهي تأمرُ المسلمينَ بإِعدادِ كلّ ما استطاعوا إعدادَه من قوةٍ وسلاحٍ لمواجهةِ أَعداءِ اللّهِ وأَعدائِهم ، ومنْعِ عدوانِهم.
وعلَّقَ على ذلك بقولِه : " ونحنُ نسأل : كيفَ يأمُرُ القرآنُ بحملِ السلاحِ ، والاستعدادِ للغزوِ والفَتْحِ في سبيلِ اللّه ، فَتُزْهَقُ أَرواحُ البَشَر ، وتُنْهَبُ الأَموالُ في سبيلِ الدين ، وقَهْرِ الناسِ على قَبولِه ؟
إِنَّ السيفَ هو حُجَّةُ الذي لا يَحتملُ المناظرة " !.
لا يُريدُ الفادي المفترِي من القرآنِ أَنْ يُوَجِّهَ المسلمين إِلى حَمْلِ السِّلاحِ لقتالِ ألأَعداء المحاربين ، الطّامعين في بلادِ المسلمين وأَموالِهم ، لأَنه يُريدُ أَنْ يُواجِهَ المسلمونَ العُدوان بالاستسلام ، والحربَ بالسَّلام ، وإِذا ما قاتَلَهم أَعداؤُهم كَفّوا أَيديهم عنهم! وعلى القرآنِ أَنْ يَكونَ كتابَ محبة ، يأمُرُ المسلمين بفتْحِ قُلوبِهم وأَيدِيهم لأَعدائِهم!!.
لن يكفَّ الأَعداءُ عن الطمعِ في المسلمين ، والتآمر عليهم ، وتَحَيُّنِ الظرفِ المناسبِ لقتالِهم ، والهجومِ عليهم ، واحتلالِ بلادِهم.
وقد سَجَّلَ التاريخُ الإِسلاميُّ الشواهدَ العمليةَ الكثيرةَ على مصداقيةِ هذه الحقيقة ، ولم تَخْلُ فترةٌ من حربِ الأَعداءِ ضدَّ المسلمين ، في صورةٍ من صورِ الحربِ العديدة.
وإِنّ ما يقولُه الفادي المفترِي في اعتراضِه على الآية لا يَتفقُ مع المنطق!
إِنَّ أَيةَ أُمةٍ - مهما كان دينُها - تَقفُ أَمامَ أعدائِها الطامعين فيها ، والمحاربينَ لها ؛ لَأَنَّ الدفاعَ عن النفسِ والمالِ والأَرض ، وصَدَّ عُدوانِ المعتدين ، فطرةٌ إِنسانية ، فَطَرَ اللّهُ الناسَ عليها ، ولا تبديلَ لهذه الفطرة.
مَنْ هم الذينَ أَمَرَ اللّهُ المسلمين بمواجهتِهم ؟
إِنهم أَعداؤُهم : *وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ*.
إِنَّ إِعدادَ السلاحِ والقوةِ للأَعْداء واجب ، والأَعداءُ هم الكفارُ الذين يُعادونَ المسلمين ، ويتآمرون عليهم ، ويُخَطّطونَ لقتالِهم ، ويَقِفُونَ أَمامَ دينهم ، والهدفُ من هذا الإِعدادِ هو " إِرهابُ " أولئكِ الأعداء ، وتخويفُهم وردْعُهم ، ليتوقَّفوا عن مخططاتِهم..
و " إِرهابُ " أَعداءٍ آخرين ، يتهيَّؤُون للهجومِ على المسلمين.
لم يكن هدفُ المسلمين من التسلحِ والاستعدادِ غزوَ الكفار ، واحتلالَ بلادِهم ، وإِزهاقَ أَرواحِهم ، ونَهْبَ أموالِهم ، وِإكرا هَهم على الدخول في الإِسلام ، كما قال الفادي المفترِي.
وصحيح أَن السيفَ هو حجةُ الذي لا يَحْتملُ المناظرة ، وِإنّ الإِسلامَ يُقَدِّمُ نفسَه بالحُجةِ والبرهان ، ويَدخلُ إِلى العقولِ والقلوب.
والمسلمون مأمورون بالدعوةِ إِلى اللّهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة ، فهذا هو الأَصلُ في الدعوةِ إلى اللّه.
فإذا ما وقفَ الظالمونَ الكافرونَ أَمامَ الدعاةِ إِلى اللّهِ بالحجةِ والحكمةِ والمنطق ، وفَتَنوهم وَعذَّبوهم وقَتَلوهم ، فلن يقفَ المسلمون ساكتينَ على هذا العدوان ، وسينتَصرون لإِخوانِهم الدعاة ، وسيُواجهون أُولئك الأَعداءَ.
فالإِعدادُ والاستعدادُ إنما هو للأَعْداء المقاتِلين المعْتَدين ، وليس للشعوبِ المسالمةِ الوادعة ، التي تَكُفُّ أَيْدِيَها عن الدعاةِ ، المبلِّغين لدينِ اللّه!.
***
حول النهي عن موالاة الكفار
اعترضَ الفادي المفترِي على القرآن ، لأَنه نهى المؤمنين عن موالاةِ الكفارِ من اليهودِ والنصارى ، وذلك في قولِه تعالى : *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *51*.
ذَكَرَ ما قالَه الإِمامُ البيضاويّ في تفسيرِها ، ثم عَلَّقَ على ذلك بقولِه :
" ونَحنُ نسأل : ما هي نتيجةُ هذه النصيحةِ القرآنية ، إِلّا الانكفاءُ على الذات ؟
وكيف يُوَفِّقُ المسلمُ بين الزواجِ من كتابيةٍ ، تُرَبّي عِيالَه وتتولّى أُمورَ بيتِه ، وبينَ هذه الآيةِ المنغلقةِ الفكرِ ؟
وما أَكثرَ الكفاءاتِ التي أُهدرَتْ بسببِ التفرقةِ الدينية!
إِنَّ المسيحية تَدْعو للسلامِ والمحبةِ وخدمةِ الجميع ، على مِثالِ ما فعلَ المسيحُ رَبُّ السلام ، الذي عَلَّمَنا في مَثَلِ السامريِّ الصالحِ كيفَ نُضحِّي ، ونخدُم جميعَ الناسِ على السواء ، من جميعِ الأَجناسِ واللُّغاتِ والأَديان.
إِنَّ نصيحةَ القرآنِ مناسبةٌ ما دامَ المسلمونَ غالبين ، أَمّا اليومَ فهي تُقَوِّضُ روحَ التآخي بينَ شعوبِ الأرض ، وتُعَطِّلُ تَقَدُّمَ المسلمين ".
يَعتبرُ الفادي المفترِي عَدَمَ مُوالاةِ المسلمين للكافرين انكفاءً على الذات ، وتَقَوْقُعاً على النفس ، وقَطْعاً للصلَةِ بالآخرين ، وهَدْراً للكفاءات ، وتَفْريقاً للناس ، وهذا يُعَطِّلُ تَقَدّمَ المسلمين ، ويُقَوِّضُ روحَ التآخي بين الشعوب.
ويَعتبرُ الفادي القرآنَ مُنغلقاً ، وداعِياً إِلى العزلة ، وهذا ليس في مصلحةِ المسلمين ، ويُقارِنُ بين القرآنِ والنصرانية ، ففي الوقتِ الذي يَدْعو القرآنُ المسلمين إِلى العزلة والتقوقعِ والانكفاءِ على الذات - حَسب رأْيِ الفادي -
تَدْعو النصرانيةُ إِلى المحبَّةِ والانفتاحِ على الآخرين ، وخِدمَتهم ومساعدتِهم ، على اختلافِ أَجناسِهم ولغاتِهم وأَديانهم.
ولا يدري الفادي المفترِي كيفَ يوفق بين هذه الآيةِ المنغلقةِ الفكرِ وبين زواجِ المسلمِ من الكتابية ، التي تُرَبّي عِيالَه وتُدَبِّرُ بيتَه!.
إِنَّ الفادي لا يفرقُ - لجهْلِه - بين الولاء المحَرَّم وحسنِ المعامَلَةِ المباح ، فالولاءُ يَقومُ على التحالُفِ والتناصُرِ والتوادُدِ ، وربطِ المصير بالمصير ، ومحبةِ هؤلاءِ الكفار ، والرِّضا بهم ، والانحيازِ إليهم ، والأَنسِ بهم ، وجعلِهِم أعواناً وأَنصاراً وأَحباباً ، وخبراءَ وناصحين ومستشارين ، وإطلاعِهم على أَسرارِ المسلمين ، مع أَنهم كفارٌ أَعداء للمسلمين ، حَريصون على إِفسادِهم وإِضلالِهم.
والآياتُ القرآنيةُ التي تُحَرِّمُ هذا النوعَ من الصلةِ بينَ المسلمين وأَعدائِهم الكافرين كثيرة.
أَمّا حسنُ المعاملةِ بين المسلمين والكفارِ المسالمين فهي مَطلوبة ، وتَتمُّ بها خدمةُ الآخَرين ومساعدتُهم.
وقد فَرَّقَ القرآنُ بين الولاءِ المُحرَّم والمعاملةِ الحسنة ، فقال تعالى : *لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *8* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *9*.
***
هل يدعو القرآن إلى الكراهية ؟
وَقَفَ الفادي أَمامَ آيتَيْن ، معتَرِضاً عليهما ، لأَنَّهما تَدْعُوانِ في نظرِهِ إِلى كراهيةِ كُلِّ البَشَر ، وهما قولُ اللّهِ - عز وجل - : *فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا*.
وقول اللّه - عز وجل - : *يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *73*.
وسَجَّلَ المفترِي فريتَه الكبيرة قائلاً : " لَمّا كانَ محمدٌ بمكةَ كان يُسالِمُ جميعَ الناس ، ويَحترم اليهودَ والنَّصارى والصابئين ، ويَقولُ : إِنَّ لهم الجَنَّة انظر : سورة المائدة : الآية 69 ، ، ولكن لما اشْتَدَّ ساعِدُهُ في المدينةِ بالأَنْصار أَمَرَ بقَتْلِ جميعِ غيرِ المسلمين ، أو يَدْفَعوا الجزية ، أَوْ يَدْخُلوا الإِسلام ، وهذا يَعْني الاقتصارَ على الأُخُوَّةِ الإِسلامية ، وهَدْمَ أَركانِ الأُخُوَّةِ العَامَّة ، وقَطْعَ أَواصِرِ المحبةِ وحُسْنِ المعاملةِ بينَ طَبَقاتِ البَشَر ، وهكذا حَرَّمَ المسلمونَ الاستيطانَ في كُل بلادِ الحجازِ على كل غيرِ المسلمين ".
وفي هذا الكلامِ المفترى مجموعةٌ من المغالطات والأَكاذيب :
1 - يَزعمُ المفترِي أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كان في مَكَّةَ يُسالمُ جَميعَ الناس ، ويَحترمُ اليهودَ والنَّصارى والصابئين ، ويَقولُ : إنَّ لهم الجَنَّة.
وهذا زَعْمٌ باطِل ، فلم يكنْ في مكَّةَ وُجودٌ لليهودِ أَو النَّصارى أَو الصابئين.
لأَنَّ أَهلَ مكةَ كانوا من قريشٍ والعرب ، وكان فيها ثلاثةٌ أَو أَربعةٌ من النَّصارى ، فكيفَ يزعُمُ الفادي المفترِي أَنه كان يحترمُ اليهودَ والنَّصارى والصا بئين ؟!.
ولم يكنْ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - مُسالماً للنّاسِ في مكة ، إِنما كانَ داعيةً مُذَكِّراً مُبَلِّغاً للدين ، يُنذرُهم من عذابِ اللّه ، وكان مأموراً هو وأَتْباعُه المؤمنون بكَفِّ أَيديهم عن قتالِ المشركين لحِكَم كَثيرة..
لكِنَّه كانَ يعلمُ أَنه ستأتي مرحلةٌ جديدة ، يكون فيها قِتالٌ ومُواجهة.
2 - يَكْذِبُ المفترِي عندما يزعمُ أَنَّ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخبرَ وهو في مكةَ أَنَّ اليهودَ والنَّصارى والصابئين في الجنة ، وأَحالَ على قولِه تعالى : *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *69*.
إنَّ هذه الآيةَ مدنيّة ، لأَنَّ سورة المائدةِ مدنية ، وليستْ مكيهً كما ادَّعى المفتري!.
ثم إِنَّ الآيةَ لا تُخبرُ أَنَّ اليهودَ والنَّصَارى والصابئين في الجنة ، إِنما تُخبرُ أَنَّ المؤمنين المسلمين المتَّبِعين لرسولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - هم المؤمنون حقاً ، وهم أَهلُ الجنة ، أَمّا اليهودُ والنصارى والصابئون ، فلا يُقْبَلُ إِيمانُ أَحَدٍ منهم ، إِلّا إِذا آمَنَ باللّهِ وعَمِلَ صالحاً وآمَنَ باليومِ الآخر ، ولَنْ يتحقَّقَ ذلك إِلّا إِذَا آمَنَ بكل كُتُبِ اللّه ، ومنها القرآنُ ، وآمَنَ بكُلِّ رسلِ اللّه ، ومنهم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - ،
فإذا لم يُؤْمن اليهودي أو النصرانيُّ أَو الصابِئُ بالقرآنِ وبالرسولِ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ مؤمِناً ، ولم يكنْ من أَهْلِ الجنة ، لأَنَّهُ فَرَّقَ بين رسلِ اللّه ، فآمَنَ ببعضِهم وكَفَرَ بآخَرين ، وهذا هو الكُفْرُ الصريح.
قالَ اللّهُ - عز وجل - : *إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا *150* أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا *151* وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا *152*.
3 - يَزعُمُ المفترِي أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لما هاجَرَ إِلى المدينةِ واشْتَدَّ ساعِدُه ، وتَقَوّى بالأَنْصار ، وزادَ عَدَدُ أَتْباعِه ، غَيَّرَ أَفكارَه ونظرَتَه إِلى الآخرين ، وتَخَلّى عن مسالمةِ الناس ، وأَعلنَ الحرْبَ عليهم ، وأَمَرَ بقَتْلِ كُلِّ مَنْ كانَ غيرَ مُسْلِم ، إِذا لم يَدْفَع الجزية ، وكانَ أَمامَهُ أَحَدُ خياراتٍ ثلاثة : الإِسلامُ أَو الجزيةُ أَو القِتال.
وهذا الزعْمُ والافتراءُ يعني أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - يُغَيِّرُ مبادِئَه وأَفكارَه من عنْدِه ، ويُؤَلِّفُ القرآنَ من عِنْدِه ، ويَضَعُ أَحكامَ الإِسلامِ من عنْدِه!.
إِنَّ اللّهَ هو الذي أَمَرَ المسلمينَ في مكةَ بكَفّ أَيْديهم عن قتالِ المشركين ، والصَّبْرِ على أَذاهم ، وهو سبحانَه الذي فَتَحَ لهم بابَ الفَرَج في المدينة ، ونَصَرَ دينَه بالأَنصارِ فيها ، وهو الذي أَنزلَ السورَ المدنيّةَ وأَمَرَ فيها بقتالِ المعْتَدين ، وَوَرَد هذا في سورِ البقرةِ وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة ومحمد والصف وغيرها.
4 - يَزعمُ المفْتَرِي أَنَّ القرآنَ بدعوتِه إِلى الأُخُوَّةِ الإِسلاميةِ بينَ المسلمين يَدْعو إِلى هَدْمِ أَركانِ الأُخُوة العامّة ، وقَطْعِ أَوَاصرِ المحبةِ وحُسْنِ المعاملةِ بينَ الناس.
وهذا افتراءٌ منه على القرآن ، فدعوةُ القرآنِ إلى تعميقِ وتوثيقِ الأُخوةِ الإِسلامية بين المسلمين لا تَعْني قَطْعَ الأُخُوَّةِ بين الناس ، فاللّهُ أَمَرَ المْسلِمين أَنْ يُوَثقوا صِلَتَهم بغيرهم ، ويُحْسنوا معامَلَتَهم ، ويُقدِّموا لهم الخير ، واعتبرَ هذا من البِرِّ والإِحسان ، يتقرَّبونَ به إلى اللّه - عز وجل - قال تعالى : *لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *8*.
وقال تعالى : *يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *13*.
أَما تحريمُ إِقامةِ غيرِ المسلمين في بلادِ الحجاز ، فلأَنَّ الحجازَ والجزيرةَ العربية كلَّها صارَتْ دارَ إِسلام ، وقد أَسلمَ أهْلُها جَميعاً في حياةِ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وبما أنهم مسلمونَ فإِنَّ مَنْ تَرَكَ الإِسلامَ منهم يكونُ مرتدّاً ، والمرتَدُّ يُقْتَلُ إِنْ لم يَعُدْ للإِسلامِ ، وغيرُ المسلمين من البلدانِ الأُخرى ليسوا من أَهْلِ الحجاز ، فلماذا يُقيمونَ ويستَوْطِنون فِيها ؟!.
لو طَرَدَ المسلمونَ أَحَدَ أَهلِ الحجازِ الأَصلِيِّين يمكنُ أَنْ يُلامُوا ، لكنَّهم لا يُلامونَ على عَدَمِ السماحِ للمسلمِ بالردة ، ولا على عدمِ السماحِ لابنِ غيرِ المنطقةِ الكافرِ بالإِقامةِ فيها.
***
حول تقبيل الحجر الأسود
زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ شعائرَ الحَجِّ التي يُؤَدّيها المسلمون ، ليستْ من عندِ الله ، وإنما هي من أعمال الجاهلية ، بما في ذلك تقبيلُ الحَجَرِ الأَسودِ عند الطَّواف.
قال : "معلومٌ أَنَّ الحَجَّ إِلى الكعبةِ وشعائِرَهُ هي من شعائرِ الجاهلية ، بما في ذلك تقبيلُ الحجرِ الأَسود!
قال عمرُ بنُ الخَطَّاب للحَجَرِ الأَسود : أَما واللّه لقد عَلمتُ أَنك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَع ، ولولا أًني رأيتُ رسول اللّهِ يقبّلُك ما قَبَّلْتُك " !.
وقد سبقَ أَنْ أَثارَ المفترِي فريةَ أَخْذِ شعائرِ الحَجّ من الجاهلية ، وسَبَقَ أَنْ رَدَدْنا عليه ، وذَكَرْنا أَمْرَ اللّهِ بالحَجِّ من أَيامِ إِبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - ، وأنَّ الجاهليّين توارثوه من أَيامِ إِبراهيمَ - عليه السلام - ، لكنَّهم أضافوا له كثيراً من ممارساتِهم الجاهليةِ الباطلة ، فأزالَ اللهُ ذلك ، وأَعادَ لشعائر الحَجِّ صِفَتَها الإِيمانيةَ الخالصة ، فعندما يُؤدّي المسلمونَ مناسِكَ الحَجّ فإِنهم يُنَفِّذونَ بذلك أَمْرَ اللّهِ سبحانه..
قالَ تعالى في أَمرِ إِبراهيم - عليه السلام - بالحج : *وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ *26* وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *27*.
أَمّا تَقبيلُ الحجرِ الأَسود فقد تهكَّمَ الفادي السفيهُ عليه بسوءِ أَدَب " قال :
" ونحنُ نَسْأَلُ : هل في الحجر الأَسودِ روحٌ حتى يحسَّ بحرارةِ القُبْلَةِ التي يَطبَعُها المسلمون عليه ، أَو هل فيه عَقْلٌ يُدركُ تَقديرَ المسلمينَ له وِإِكرامَهم إِيَّاه ؟
ولماذا يُعطي المسلمونَ كَرامةً لحَجَر ، كان يُؤَدّيها عَرَبُ الجاهليةِ
لأَوثانِهم أو كيفَ أَقْدَمَ محمدٌ على هذا الإِكرام الديني للحَجَر ؟
وكيفَ أبقى محمدٌ هذا الحَجَرَ في الكعبةِ ، ولم يَعْزِلْه كما عَزَلَ بقيةَ الأَصنام ؟!".
إِننا نتركُ الأُسلوبَ البذيء الذي صاغ المجرمُ به أَسئلتَه الوقحة ، ونُقَرِّرُ أَنَّ العَرَبَ الجاهليين لم يَكونوا يَلْمَسون الحَجَرَ الأَسودَ أَو يُقَبِّلونَه ، عندما كانوا يطوفونَ بالكعبة.
وإنَّ لَمْسَ الطائفينَ له وتقبيلَه تَشريعٌ إسلاميّ ، وليس عادَةً جاهلِية.
وهذا لا يَعني إِكرامَ المسلمينَ له لأَنه مجرَّدُ حَجَر ، ولكنهم بذلك يُنَفَذون
أَمْرَ اللّه ، وهم بذلك يَعْبُدونَ اللّه ، وتَقبيلُهم الحَجَرَ الأَسودَ كالطوافِ بالكعبة ، وهم عابِدونِ للّهِ عندما يَطوفون بالكعبة ، وعابِدونَ لله عندما يُقَبّلونَ الحَجَرَ الأَسود.
وما أَجملَ ما قالَه عمرُ بن الخطابِ - رضي الله عنه - وهو يُقَبل الحَجَرَ الأَسودَ أَثناءَ طوافِه : " واللّهِ إِنِّي لأَعلمُ أنك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنفع ، ولولا أَنّي رأيتُ رسولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - يُقَبّلُك ما قَبَّلْتُك ".
إِنَّ هذا الكلامَ الرائعَ لِعُمر أَبلغُ رَدٍّ على مزاعمِ المفَتري ، وهو صريحٌ في نظرةِ المسلمينَ إِلَى الحجرِ الأَسود وهم يُقَبِّلونَه ، كما أَنه دَليلٌ على صفاءِ توحيدِ اللّه في تصوُّرِ المسلمين.
***
حول عدم الاستعانة بالكافرين
نهى اللّهُ المسلمينَ عن اتِّخاذِ الكافرينَ الأَعداءَ أَولياءَ ، وأَشارَ إِلى ذلك قولُه تعالى : *وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا *89*.
ونَقَلَ الفادي كلامَ البيضاويِّ في تفسيرَ الجملةِ الأَخيرةِ من الآية : *وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا* : يَعني جانِبوهم رأساً ، ولا تَقْبَلوا منهم ولايةً ولا نصرةً ولا نصيراً تَنْتَصِرونَ به على عدُوّكُم.
وعَلَّقَ على ذلك بقولِه : " ونحنُ نسأل : هل يَتفقُ هذا مع تاريخِ المسلمين ، الذين اسْتَعانوا بالمسيحيّين في عصورٍ كثيرةٍ ؟
إِنَّ الضرورةَ الاجتماعيةَ والعسكرية تُحَتّمُ التعاونَ مع الغير ، فالعزلة السياسيةُ تتعَارضُ مع القوانينِ المدنية ، وقد لَفَظَها المجتمعُ لعدمِ صلاحيَّتِها ".
دَعا الإِسلامُ المسلمين إِلى عدمِ موالاةِ الكافرين ، وعدمِ الاستعانةِ بهم ، وخاصةً إِذا كانوا مُحارِبين ، وهذا لَم يُعجب الفادي ، ولذلك رَفَضَهُ لأَنَّه يَدْعو إِلى العزلةِ السياسيةِ للمسلمينَ ، ويَتعارَضُ مع القوانينِ المدنية.
ويزعمُ الفادي أَنَّ هذه الدعوةَ القرآنيةَ لم يَلتزمْ بها المسلمون أَنفسُهم ، بل خَرَجوا عليها في تاريخِهم ، واستعانوا بالمسيحيين في عصورٍ كثيرة.
ونحنُ لا يُهِمُّنا ما - فعلَه المسلمون في تاريخِهم ، ولا نقرُّهم على مخالفتِهم توجيهات القرآن ، ونعترفُ أَنَّ كثيراً منهم لم يلتزموا بالقرآن ، في تحدِيدِ صِلاتهِم وارتباطاتِهم بغيرِهم ، فمِنهم مَن استعانَ بالنَّصارى المحارِبين ، ومنهم مَنْ تحالَفوا مع الأَعداءِ ضدَّ إِخوانِهم المسلمين ، وقاتَلوا إِخوانَهم المسلمين بهم!!
وهذه التصرفاتُ كلُّها مخالِفَة للإِسلام ، نرفضها وننكرُها ، في الوقتِ الذي يعتزُّ بها الفادي المفترِي ؛ لأَنها مظهر من مظاهرِ مخالفةِ المسلمين لدينِهم!.
إِنَّ الآيةَ التي اعترض عليها الفادي المفترِي تتحدَّثُ عن كُفارٍ أَعداءٍ للمسلمين ، محاربين لهم ، حَريصين على رِدَّتِهم عن إِسلامِهم ، وبسببِ هذه المعاداةِ فإِنَّ الآيةَ تدعو المسلمين إِلى الحَذَرِ والانتباه ، وعدمِ موالاةِ هؤلاء الأعداءِ ، وعدم الاستنصارِ بهم ، إِذ كيفَ يُوالونَ مَنْ هذه صِفَتُهم وكيفَ يَطلبونَ النصرةَ من الحريصين على إِضعافِهم وردَّتِهم ؟
ولماذا يعترضُ المفترِي على هذه الدعوةِ القرآنية ؟!.
***
حول انتشار الإسلامِ في العالم
وقفَ الفادي أَمامَ سورةِ النصر ، التي تُبَشَرُ بنصْرِ الإِسلامِ وانتشارِه ؟
قال تعالى : *إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *1* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *2* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا *3*.
واعترضَ الفادي على السورة ، واعتبرَ انتشارَ الإِسلامِ ليسَ فَضلاً من اللّه ، ولا دليلاً على أَنه من عندِ اللّه ، ولذلك عَلَّقَ على ذلك قائلاً : " ونحنُ نسأل : إِذا كانَ من المعلومِ أَنَّ الناسَ بطبيعتِهم مُقَلِّدون ، وأَنَّ تَأَثُّرَ الجماعاتِ والقبائل بَعضهم من بعض ، قادَ العربَ وغيرَهم للدُّخول في الإِسلام ...
واعتبرَ المسلمونَ أَنَّ هذا تيسيرٌ من اللّه لم يَخطرْ على بال أَحَد ، وأَنَ هذا شهادةٌ للإِسلام ...
فماذا يقولُ المسلمون في انتشارِ الدينِ الوثنيّ ، وعَدَدُ أَتْباعِه أَضعافُ المتدينين بدينِ محمد ، وله من الأَديرةِ والمعابد ما لا يُحصى عَدّاً.
وكثيرٌ منها غايةٌ في الجَمالِ والغِنى ، وهو ممتدٌّ من غربِ الهندِ إِلى حدودِ سَيْبيريا ، فهل تكونُ الوثنيةُ من عندِ الله ؟ ".
للمفتري تفسيرٌ خَبيثٌ لسرعةِ انتشارِ الإِسلام قُبيلَ وَفاةِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُخالفُ التفسيرَ الصحيحَ ، الذي يتفقُ مع المنطقِ والمنهجيةِ! إِنه يَعْزو ذلك إِلى البُعْدِ القَبَلِيّ والعَشائري ، فالناسُ في العُرْفِ القبليّ يَتَّبِعونَ شيخَ القبيلة ، ولا يُناقشونه ولا يَعترضونَ عليه ، ولهذا قَلَّدَ رجالُ القبائلِ الأَقوياءَ منهم ، الذين دَخَلوا في الإِسلام ، وتابَعَ الناسُ شُيوخَ قبائلِهم!!.
ولو كانَ كَلامُه صحيحاً لأَسلمَ الناسُ في الجزيرةِ العربيةِ منذُ السنواتِ الأُولى..
لقد حارَبَتْ قُريشٌ الإِسلامَ عشرينَ سنةً بكلِّ ما أُوتيتْ من قوة ، ولم تَدخُلْ في الإسلامِ إِلاّ بعدَ هزيمتِها أمامَه.
وإنَّ اللّه هو الذي جاءَ بالنصرِ والفتح ، وهو الذي شَرَحَ له صُدورَ الناس ، فصاروا يَدخلونَ فيه أَفواجاً ، وهو الذي وَعَدَ المسلمينَ بذلك قبلَ تَحَقُّقِه ومجيئِه في أَكثرَ من آية ، منها قوله تعالى : *وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا*.
ومنها قوله تعالى : * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا *28*.
وقولُ الفادي : إِنَّ الوثنيين أَضعافُ عدِد المسلمين ، كَذِبٌ وافتراء ، فالمسلمونَ هم الملةُ الثانيةُ في العَدَدِ بعد النصارى!.
وما زالَ الدينُ الإِسلاميّ قَويّاً ، رغمَ تصعيد الأَعداء حربَهم له ، وكُلُّ يومٍ يدخل فيه أَفرادٌ جُدُد في مختلفِ بِقاع العالمِ ، مع أَنه لا توجَدُ دولة تحملُه وتُطبقُه بصدقٍ في هذا الزمان ، فهو دينٌ زاحفٌ ، رغم أنفِ الأعداءِ وكثرةِ
المعَوِّقات!.
وقد أَخبرَنا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَ الإِسلام سينتشرُ في الأَرض كُلِّها ، ويدخلُ كلَّ بيتٍ عليها ، وسيبلغُ ما بَلَغُ الليلُ والنهار ، وسيَقضي على كُلِّ الأَديانِ الباطلة..
ونقول للفادي : حَلِّلْ كما تَشاء ، ومُتْ بغَيْظِك!!.
***
حول تقاتل المسلمين
امتَنَ اللّهُ على المسلمينَ بأَنه أَلَّفَ بين قلوبهم ، وجَعَلهم إِخْواناً مُتحابّين.
قال تعالى : *وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *103*.
ولكنَّ الفادي المفترِي اعترضَ على الآيةِ وكَذَّبَها ، وذَكَرَ أَمثلةً ونماذجَ لاختلافِ المسلمين وتقاتُلِهم وتَطاحُنِهم ، وقالَ : إِنَّ الحروبَ التي وَقَعَتْ بين المسلمين في صَدْرِ الإِسلامِ أَكثرُ وأعنفُ وأَشَدُّ من الحروبِ التي وقَعَتْ بين العربِ الجاهليّين!.
قال : " يَرى المسلمونَ أَنه من فضائلِ الإِسلامِ الدالَّةِ على أَنه من عندِ اللّه ، أَنَّه أَلَّفَ بينَ قُلوبِ العرب ، بعدَ أَنْ كانوا قبائلَ تَشُنُّ الحروبَ بعضُها على ونحنُ نَرُدُّ : إِنَّ هذا القول باطل ، فالحروبُ والغزواتُ كانت على أَشُدِّها بين العربِ أَيامَ محمد.
ولما ماتَ قامَ أَبو بكر بحروبِ الرِّدَّة ، وبعدَ موتِ عُمَرَ أَعملَ المسلمون السيفَ بعضُهم برقابِ بَعْض ، فماتَ عمرُ وعثمانُ مقتولَيْن ، وحَدَثَتْ حَرْبُ الجَمَلِ بين عائشة وعلي ، ثم بينَ معاويةَ وعلي وابنِه الحسين ...
ثم كانت فتنةُ عبد اللّه بن الزُّبَيْر والحربُ بينه وبينَ الحَجّاجِ في خلافةِ عبدِ الملك بن مروان ...
هكذا كان حالُ العربِ في صَدْرِ الإِسلام ، يقتلُ بعضهم بعضاً ، مُواجهةً وخِدعةً وغَدْراً ، فأَين التآلفُ وإِصلاحُ ذاتَ البينِ الذي أَتى به الإسلام ؟! ".
إِنَّ من المتفقِ عليه أَنَّ العداوةَ والبغضاءَ كانتْ شديدةً بين العربِ في الجاهلية ، وأَنَّ حياتَهم كانت تَقومُ على الغزوِ والقَتْل ، والسلبِ والنهب ، والظلمِ والعدوان ، وكانت تنشبُ بينهم الحروبُ الطويلةُ لأَتْفَهِ الأَسباب..
وجَمَعَهم اللّهُ بعدَ ذلك لما أَسلموا على القرآن ، وامتنَّ اللّهُ على المسلمين بذلك ، ودعاهم إِلى الاعتصام به ، وتَذَكُّرِ ما كانوا عليه من العَداوة ، وما صَاروا إليه من الأُخُوَّةِ والمحبَّة ، وشَتّانَ بين ماضيهم الجاهليِّ وحاضرِهم الإِيمانيّ!.
ونَعتَرفُ بأَنهُ حَصَلَ للمسلمين تَفَرُّقٌ واختلافٌ بعد وفاةِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وأَدّى هذا إِلى تَقاتُلٍ ونزاعٍ ، ونَشَبَت المعاركُ بين المسلمين ، في البصرةِ وصفّين ، واستشهدَ كثيرٌ من خِيارِ المسلمين.
لكنَّ هذه الفترةَ كانت غاشيةً غشيت المسلمين ، ثم تَلاشَتْ وزالَتْ ، وحَلَّ مَحَلَّها اتفاقُهم واجتماعُهم وتَلاقيهم.
ثم إِنَّ هذا الاختلافَ والتقاتُلَ لم يُؤَدِّ إِلى خروجهم عن الإِسلام ، ومع أَنَّ الأَصْلَ أَنْ لا يكون ، لكنَّ وُقوعَه أَمْر حتميّ بينَ مختلفِ الناس.
كما قال الله - عز وجل - : *وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *118* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ*.
ولا يَزالُ القرآنُ عاملَ اجتماعِ وتعاونِ المسلمين ، تَأتلفُ عليه قلوبُهم ، ويُخففُ آثارَ الاختلافِ الذي لا بُدَّ أَنْ يقعَ بين البَشَر!.


من مواضيعي
0 الرد على : شبهة رسول الإسلام والحمير
0 الموحدون من النصارى
0 حجية السنة (أسئلة وإجابات)
0 لماذا تنكرون رؤية يوحنا لله فى المنام والرسول رأى ربه فى المنام وأحمد بن حنبل ايضا؟؟
0 انفوجرافيك ما نوع عمليات التمثيل الغذائي لديك؟
0 الجن يعلمون الغيب؟
0 انفوجرافيك دليلك إلى القهوة
0 اضطرابات النطق واللغة

التوقيع:


غفر لى ولكم وللمسلمين أحياء واموت اللهم آمين
ابو يوسف السلفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المطاعن, الاجتماعية

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:44 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009