ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > الملتقى الاسلامى > الشيعه في الميزان
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

أهل البيت والبقيع

الشيعه في الميزان


أهل البيت والبقيع

الشيعه في الميزان


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-26-2017, 04:43 PM   #1
الباسم
فارس
 
الصورة الرمزية الباسم
 

افتراضي أهل البيت والبقيع

سعد عبد الله البريك




أهل البيت والبقيع
الحمد لله، وبعد:
فقد روى ابن حبان في صحيحه عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوفى بخمس ليال يخطب الناس فقال: «أيها الناس! إنه قد كان فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ إلى الله أن أتخذ منكم خليلاً، ولو أني اتخذت من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً؛ إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً. وإن من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد؛ فلا تتخذوا قبورهم مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك».
وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت: "فلولا ذاك أبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً" [رواه مسلم].
وروى الإمام مالك في الموطأ عنه أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد؛ اشتد غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
ما سلف من أحاديث - وغيرها كثير- كلها تحذر صراحة من البناء على القبور، وتنهى عن الغلو في أصحابها، واتخاذ المساجد عليها، وبرغم هذا؛ فإن الغلو في القبورِ بشتى صورهِ وأنواعهِ قد انتشر في كثير من بلاد العالم الإسلامي، حيث باتت مزارات تُعبد بالنذر والذبح والتوسل من دون الله، ويُطاف بها ويستغاث بأصحابها، وتُقدم لها القرابين وأكاليل الزهور والبخور، وتهدر فيها الأموال، ظناً منهم أن لها الزلفى عند الله سبحانه وتعالى، بل وصل الأمر بالبعض إلى أن جعلوا لزيارة المراقد والمشاهد مناسك وشعائر كمناسك الحج، فهناك طواف واستلام وصلاة وذبح وأدعية مخصوصة تقال عند كل منسك، حتى باتت زيارة هذه الأضرحة أفضل عندهم من حج بيت الله الحرام.
ولأن الشيء بالشيء يذكر؛ فإن ما حدث مؤخراً في البقيع، ليس عبثاً من بعض المتهورين ممن أراد إثارة الشغب أو زعزعة الاستقرار، بل هو محاولة لسن سنة شركية طهَّر الله منها مهاجَر النبي صلى الله عليه وسلم، بثلم باب التوحيد لينكسر أمام جحافل الغلاة في قبور الأئمة من أهل البيت ودعائهم والاستعانة بهم والاستغاثة بهم من دون الله عز وجل.
مع أن المتتبع لكتب الشيعة نفسها يهاله الكم الكبير من النصوص التي وردت عن الأئمة - وبالسند الصحيح المعتمد عند هذه الطائفة وستأتي معنا - كلها تحذر من الغلو في القبور والتوسل بأصحابها والاستغاثة بهم من دون الله عز وجل، ويزداد العجب لو علمنا أن من يقرأ الأحاديث الثابتة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في التوحيد ووجوب تحقيقه، والتحذير من الشرك ومسالكه ومداخله؛ لظن أنه يقرأ كتاب التوحيد الذي جمعه الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، وإن وُجد اختلاف فهو في رجال الإسناد فقط لا غير، ولولا ضيق المقام لاستطردنا في بسط هذه المسألة، وبينا أقوال الأئمة من أهل البيت عليهم السلام في هذا الباب من مراجع الشيعة المعتمدة وبرقم الجزء والصفحة. ولكن نقتصر على ما خصصنا الخطبة لأجله بنقل ما ثبت عند أهل السنة والجماعة، وما ثبت عن أئمة أهل البيت في مسألة تحريم الغلو في القبور والبناء عليها.
فالغلو في القبور والبناء عليها وجعلها مشاهد ومزارات من المفاسد العظيمة ما يوجب رفع الصوت بالنصح والبيان شفقة ورحمة ورأفة بمن يقع في الشرك بعبادة الله وهو يظن أنه يحسن صنعاً.
فمن أعظم مفاسد اتخاذ القبور أعياد ومزارات: الصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها واستلامها والتمسح بترابها وعبادة أصحابها بسؤالهم النصر والرزق وقضاء الديون وتفريج الكربات، وغير ذلك من أنواع الطلبات، حتى أنهم إذا رأوا هذه القبور من مكان بعيد وضعوا لها جباههم، وقبّلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم، وتباكوا واستغاثوا بمن لا يضر ولا ينفع، فإذا اقتربوا منها صلوا عند القبر ركعتين، وظنوا أنهم قد نالوا من الأجر ما لم ينله من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الميت ورضواناً.
فالغلو سبب الهلاك وأساس كل ضلال، وما عبدت القبور من دون الله إلا بسبب الغلو في أصحابها، ولأجل ذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو أشد التحذير، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون»، وفي مسند الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو».
والغلو: هو مجاوزة الحد، كمن يجعل للمخلوق حقاً من حقوق الله التي لا تنبغي لأحد سواه؛ فإن حق الله الذي لا يشاركه فيه أحد ولا يستحقه سواه هو عبادته وتوحيده وتعظيمه، فله سبحانه الكمال المطلق، والغنى المطلق، والتصرف المطلق من جميع الوجوه، ومن غلا في أحد من المخلوقين حتى جعل له نصيباً من هذه الأشياء فقد ساوى به رب العالمين، وذلك أعظم الشرك، ومن رفع أحداً فوق منزلته التي أنزله الله بها فقد غلا فيه، وذلك وسيلة إلى الشرك.
وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو فيه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» [رواه البخاري].
وروى أبو داوود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد بني عامر حينما قالوا له: أنت سيدنا فقال: «السيد الله تبارك وتعالى»، فقالوا: "وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان».
وقال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس رضي الله عنه أن ناساً قالوا: يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يا أيها الناس! قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» [رواه النسائي].
وروى الراوندي في نوادره - وهو من كتب الشيعة المعتمدة - عن الأئمة عليهم السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ترفعوني فوق حقي، فإن الله تعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً" [نوادر الراوندي ص16].
ولقد حوت مراجع الشيعة نصوصاً عن أهل البيت عليهم السلام تحذر من الغلو فيهم وفي قبورهم ليقينهم وعلمهم أن الغلو أساس الشرك. فقد أورد الطوسي في كتابه الأمالي نصاً يبين شدة وعيد عليٍ رضي الله عنه على من غلا فيه ورفعه فوق مكانته، فقال: "اللهم إني بريء من الغلاة كبراءة عيسى ابن مريم من النصارى، اللهم اخذلهم أبداً، ولا تنصر منهم أحداً" [بحار الأنوار 25/284 وأمالي الطوسي 650 والمناقب1/263].
وقال رضي الله عنه: "وسيهلك فيَّ صنفان: محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، وخير الناس فيّ حالاً النمط الأوسط فالزموه" [شرح نهج البلاغة 8/112 وبحار الأنوار 23/372].
وفي كتاب بحار الأنوار - وهو من كتب الشيعة المعتمدة - أن علياً رضي الله عنه حذر من الغلو فيه فقال: "يهلك فيّ اثنان: محب غالٍ، ومبغض غالٍ" [بحار الأنوار25/285].
والمؤسف أن من يدعون التشيع لعلي رضي الله عنه قد وقعوا في هذا النوع من الغلو في محبته ومحبة أهل بيته، حتى ادعوا كما في كتاب أصول الكافي أن جزءًا من النور الإلهي قد حل في عليّ رضي الله عنه؛ فزعموا أنه رضي الله عنه قال: "... ولكن الله خلطنا بنفسه" [أصول الكافي 1/440 - 41-442].
وفي بعض الكتب المعتمدة عند الشيعة روايات تنسب إلى الأئمة أقوالاً لم يقلها سوى فرعون، ففي أصول الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: "أنا الأول والآخر والظاهر والباطن" [أصول الكافي 558]، فهذا القول لا يختلف عن قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24].
ورواية تزعم أن علياً رضي الله عنه قال: "إن الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه الروح، فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام" [الكافي 1/225].
ورواية تزعم أن: "الأئمة هم المحاسِبون للخلق يوم القيامة، فإلى الخلق إيابهم وحسابهم عليهم وفصل الخطاب عندهم"، وأنه: "بالأئمة أثمرت الأشجار وأينعت الثمار، وبهم تجري الأنهار، وبهم ينزل غيث السماء وينبت عشب الأرض، ولولاهم ما عُبد الله" [الكافي 1/112].
ورواية تزعم أن الله "أعطاهم الأرض وفوضهم في التصرف فيها ... وأن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء" [الكافي 1/337].
لنتأمل هذا الكلام ولنقارن بينه وبين قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة:107]، وقوله سبحانه: {وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة:18]، وقوله جل شأنه: {لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ} [المائدة:120].
والمدهش أن الكتب التي نقلت روايات الغلو في الأئمة، أوردت روايات تناقض روايات الشرك والغلو، وتبين أن علياً رضي الله عنه قد تبرأ من هذا الغلو، وبيَّن أنه متبع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه يخطئ ويصيب، وأنه حقه طاعته فيما أصاب به، فلماذا يعمل القوم بنصوص الغلو والشرك ويتجاهلون النصوص التي تحث على التوحيد وتنهى عن الغلو فيهم وفي غيرهم؟!
ورد في كتاب بحار الأنوار عن عليٍ رضي الله عنه أنه قال: " ألا إني لست بنبي ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم أو كرهتم"[بحار الأنوار35/317 والعمدة 211].
وفي بحار الأنوار أنه رضي الله عنه قال: "دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن فيك مثلاً من عيسى، أبغضته يهود خيبر حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزلة التي ليسَت له، ثم قال علي رضي الله عنه: ألا فإنه يهلك فيَّ اثنان: محب مفرط يفرط بما ليس فيَّ، ومبغض يحمله بغضي على أن يبهتني..." [بحار الأنوار 35/317 والعمدة 211].
كما أن الأئمة أنكروا وتبرأوا من الغلو فيهم، فورد عنهم الرد على من يزعمون أن الرزق بأيديهم، وبينوا أن ذلك بيد الله وحده فهو سبحانه الرازق المعطي؛ ففي رجال الكشي - وهو من مراجع الشيعة المعتمدة عندهم - أن أبا عبد الله قال حينما قيل له: إن المفضل بن عمر يقول: إنكم تقدرون أرزاق العباد.! فقال: "والله ما يقدر أرزاقنا إلا الله، ولقد احتجت إلى طعام لعيالي فضاق صدري، وأبلغت إليّ الفكرة في ذلك حتى أحرزت قوتهم؛ فعندها طابت نفسي، لعنه الله وبرئ منه" [بحار الأنوار 25/301 ورجال الكشي 323].
وجاء في رجال الكشي أيضاً أن جعفر بن محمد قال: "فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضرّ ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإنّ عذّبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله حجّة، ولا معنا من الله براءة، وإنّا لميّتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون، ويلهم! ما لهم! لعنهم الله، فقد آذوا الله وآذوا رسوله صلى الله عليه وسلم في قبره، وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي صلوات الله عليهم ... أشهدكم أنّي امرؤ ولدني رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني وإن عصيته عذّبني عذابًا شديدًا" [رجال الكشّي (225-226)].
وتواترت نصوص الأئمة محذرة من الغلو فيهم وفي غيرهم، قال الصادق عليه السلام كما في بحار الأنوار: "الغلاة شر خلق الله، يصغرون عظمة الله، ويدّعون الربوبية لعباد الله، والله إن الغلاة لشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا" [بحار الأنوار25/286].
وفي بحار الأنوار عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادّعى الربوبية في أمير المؤمنين، وكان والله أمير المؤمنين عبداً طائعاً، الويل لمن كذب علينا، وإن قوماً يقولون فينا ما لا نقول في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم" [بحار الأنوار25/286].
وروى الكليني عن عبد الله قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: "إنا أهل بيت صدّيقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا، ويسقط صدقَنا بكذبه علينا عند الناس" [بحار الأنوار25/287].
فالأئمة عليهم السلام كانوا من المعظمين لربهم الخاضعين له المقرين بضعفهم وافتقارهم إليه معترفين بربويته عز وجل، وهم رضي الله عنهم من جملة المسلمين، ومن عباد الله الصالحين يرجون رحمة الله، ويخشون عذابه، وكانوا يتبرؤون وينكرون على من يغلو فيهم أو ينزلهم فوق المنزلة التي أنزلهم الله إياها.
إن أول شرك وقع في الأرض كان في قوم نوح عليه السلام بسبب الغلو في الصالحين، كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب رضي الله عنهما، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره، وأصله في البخاري: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد الخالص، ثم جاء قوم نوح وكان فيهم من يجهد في عبادو الله، وكانوا يعظمونهم، فلما ماتوا زين لهم الشيطان أن يصوروا لهم التصاوير، يعني التماثيل ليتذكروا شدة اجتهادهم في عبادتهم فيعبدون الله كما كان يعبده أولئك". ولنتأمل هنا مكر الشيطان وطرق الاستدراج التي يسلكها، فهو لا يفتح للإنسان باب الشر على مصراعيه، بل يستدرجه فيفتح له شيئاً أو جزءاً من باب من أبواب الخير ليفتح عليه بعد ذلك ألف باب من أبواب الشر، فلما اندرس العلم ومات الذين كانوا يفعلون ذلك جاء أقوام بعدهم فقالوا: إنهم اتخذوهم وسائل بينهم وبين الله شفعاء فقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، فعبدوهم من دون الله عز وجل. فهذا أول الشرك وأصله، وهو الغلو في الصالحين وبناء المساجد على قبورهم، وهؤلاء قد جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ذكرت له أم سلمة رضي الله عنها كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى»، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الصور أو التماثيل، والقبور، وهذا كان سبباً في عبادة الأصنام.
وأول شرك اليهود والنصارى كان بسبب الغلو في الأنبياء وفي الصالحين فصوروا لهم الصور، ثم بنوا على قبورهم المشاهد والمزارات، وبلغوا بهم إلى درجة الربوبية ودرجة الإلهية، فحسم النبي صلى الله عليه وسلم مادة الشرك واستأصلها حتى لا تقع الأمة فيه، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنه كان في يده في مرض موته خميصة أو قطيفة، فطفق يجعلها في رأسه ثم إذا أفاق قال: «ألا لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك»، وفي تهذيب الأحكام للطوسي - وهو من كتب الشيعة المعتبرة - عن أبي عبد الله قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى على قبر، أو يقعد عليه، أو يبنى عليه" [تهذيب الأحكام للطوسي 1/130، وسائل الشيعة 2/869].
وحرص صلى الله عليه وسلم على حماية جناب التوحيد وسد كل ذريعة تفضي إلى الشرك، فنهى عن الصلاة في المقبرة وإن لم يقصد المصلي بركة المكان بصلاته، ونهى صلى الله عيه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور لأنه هو الذي يوقع الكثير من الناس في الشرك الأكبر، إذ الشرك بقبر الرجل الصالح أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، بل إن حال هؤلاء أشد، فترى الواحد منهم يتضرع عند القبر ويخشع بقلبه وجوارحه خشوعاً لا يفعله في بيوت الله، حتى إن البعض منهم يسجد للقبور ويرجوا من بركة الصلاة والدعاء عندها ما لا يرجوه في المساجد، ويزعم الأفاكون منهم أنهم نذروا عند قبر فلان فقضيت حاجاتهم، وأنهم دعوا عند القبر الفلاني فاستجيب الدعاء، وأن الدعاء عند الولي فلان مستجاب لا يرد، وكل هذا من تلبيس الشيطان وتزيين الأفاكين لإضلال عباد الله.
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تكرار زيارة قبره بحيث تصبح عيداً يفعله المسلم بشكل دوري ودائم وذلك حسماً لمادة الشرك، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيداً»، يعني: من العود، فلا تعتادوا وتزوروا القبر باستمرار، والمشروع هو الزيارة بين الفينة والأخرى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد».
وفي كتاب مستدرك الوسائل - وهو من كتب الشيعة المعتمدة - أن علياً عليه السلام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تتخذوا قبري مسجداً، ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني" [مستدرك الوسائل 3/343، وبحار الأنوار 80/324وكنز الفوائد2/152].
وفي بحار الأنوار عن الأئمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً؛ فإن الله عز وجل لعن اليهود حين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" [من لا يحضره الفقيه 1/178 وسائل الشيعة3/235 5/161بحار الأنوار79/20].
فهذه الروايات من كتب أهل السنة ومن كتب الشيعة تنقل تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو فيه وفي قبره، وسار صحابته صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، وسار أهل بيته عليهم السلام على نهجه صلى الله عليه وسلم في حماية التوحيد وسد طرق الشرك، فحذروا من الغلو في القبور والبناء عليها وتجصيصها وزخرفتها. ففي صحيح البخاري أن علياً رضي الله عنه قال لأبي الهياج الأسدي:" ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته".
وهذا الحديث أوردته كتب الشيعة، فقد روى الكليني في كتاب الكافي عن أبي عبد الله قال: "قال أمير المؤمنين عليه السّلام: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلا محوتها ولا قبرًا إلا سوّيته" [فروع الكافي 2/227 وسائل الشّيعة 2/869]. وفي رواية أخرى: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدم القبور وكسر الصّور" [فروع الكافي 2/226، وسائل الشّيعة 2/870].
وعندما فتح الله العراق في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إليه أبو موسى الأشعري قائلاً: وجدنا قبر نبي الله دانييل، فماذا نفعل؟ فكتب إليه عمر: احفروا ثلاثة عشر قبراً ثم ادفنوه ليلاً في واحد منها. وقطع الصحابة رضي الله عنهم الشجرة التي بويع تحتها النبي ليلة العقبة حسماً لمادة الشرك وقطعاً لتعلق القلوب بغير الله عز وجل.
وورد في كتاب وسائل الشيعة أن أبا عبد الله قال: "لا تبنوا على القبور؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كره ذلك" [تهذيب الأحكام1/130، والمحاسن للبرقي 612، وسائل الشّيعة: 2/870].
وتجاوز نهي الأئمة وتحذيرهم من الصلاة في المقابر إلى النهي عن بناء القبور وتزيينها وتجصيصها؛ فعن علي بن جعفر قال: "سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن البناء على القبر والجلوس عليه: هل يصلح؟ قال: لا يصلح البناء عليه، ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا تطيينه" [الاستبصار1/217].
وفي أمالي الصدوق عن أبي عبد الله عن آبائه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تجصّص المقابر" [أمالي الصّدوق 253، ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه 2/194 ووسائل الشّيعة 2/870].
وفي بحار الأنوار عن الصادق عن آبائه عليهم السلام في حديث المناهي أيضاً: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل الإنسان بشماله، وأن يأكل وهو متكئ، ونهى أن تجصص المقابر ويصلى فيها" [من لا يحضره الفقيه 4/3 وبحار الأنوار3/328].
وبينت بعض الروايات أسباب المنع من ذلك؛ فقد روى النوري الطبرسي عن العلامة الحلي في كتابه "النهاية" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: "نهى أن يجصص القبر أو يبنى عليه وأن يقعد عليه أو يكتب عليه؛ لأنه من زينة الدنيا فلا حاجة بالميت إليه " [مستدرك الوسائل2/347]. لكن الشيعة خالفوا ما سلف من نصوص؛ فبنوا المشاهد على القبور، وزينوا القباب وزخرفوها، ووضعوا روايات على لسان أئمة أهل البيت عليهم السلام، تجعل زيارة هذه المشاهد من أفضل العمل بل هي أفضل الأعمال. ففي كتاب كامل الزيارات أن زيارة قبر الحسين أفضل الأعمال [كامل الزّيارات 146، وبحار الأنوار101/49].
ووصل الغلو في قبر الحسين درجة كبيرة، حيث جعلوا أجر الخطى إلى قبره عليه السلام، كأجر الخطى إلى بيوت الله وجعلوا أجر زيارة قبره رضي الله عنه كمن حج بيت الله الحرام. ففي تهذيب التهذيب للطوسي عن الإمام جعفر بن محمد أنه قال: "من خرج من منزله يريد زيارة الحسين كتب الله له بكلّ خطوة حسنة ... وإذا قضى مناسكه أتاه ملك فقال له: أنا رسول الله، ربّك يقرئك السّلام، ويقول لك: استأنف فقد غفر لك ما مضى" [تهذيب التّهذيب للطوسي 2/14 كامل الزّيارات لابن قولويه 132،ثواب الأعمال 51 وسائل الشّيعة 10/ 341-342].
بل وصلت الجرأة بالبعض إلى أن زعموا أن الله تعالى يناجي زوار قبر الحسين، ففي كتاب وسائل الشيعة رواية تقول: ".. فإذا أتاه (يعني أتى الزّائر قبر الحسين) ناجاه الله فقال: عبدي، سلني أعطك، ادعني أجبك" [وسائل الشّيعة10/ 342،وكامل الزّيارات132، وثواب الأعمال 51].
بل إن الله يزور قبور الأئمة، ففي البحار للمجلسي: "إنّ قبر أمير المؤمنين يزوره الله مع الملائكة ويزوره الأنبياء ويزوره المؤمنون" [بحار الأنوار 100/258].
وليس هذا خاصًا بقبر الحسين بل يشمل قبور كل الأئمة ففي البحار: "من زار الرضا أو واحدًا من الأئمة فصلى عنده؛ فإنه يكتب له بكلّ ركعة كثواب من حجّ ألف حجّة، واعتمر ألف عمرة، وأعتق ألف رقبة، وكأنّما وقف في سبيل الله ألف ألف مرّة مع نبي مرسل"، وزاد: "وله بكل خطوة مائة حجة، ومائة عمرة، وعتق مائة رقبة في سبل الله، وكتب له مائة حسنة، وحط عنه مائة سيئة" [بحار الأنوار100/137-138].
وثمة روايات ترغب بالتمسح بالقبور والانكباب عليها والتمسح بها، ومن ذلك ما رواه المجلسي في البحار: "ثم تنكبّ على القبر وتقول: مولاي إمامي، مظلوم استعدى على ظالمه، النّصر، النّصر حتى ينقطع النّفس" [بحار الأنوار101/285].
وأوجبوا على الزوار استقبال القبور واتخاذها قبلة كبيت الله، قال المجلسي: "إنّ استقبال القبر أمر لازم، وإن لم يكن موافقًا للقبلة، واستقبال القبر للزّائر بمنزلة استقبال القبلة وهو وجه الله، أي جهته التي أمر النّاس باستقبالها في تلك الحالة" [بحار الأنوار101/369].
إن الكتب التي نقلت هذه الأقوال المفتراة حملت روايات تناقضها وتنسفها وتبين بطلانها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.
ففي بحار الأنوار وغيره عن حنّان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في زيارة قبر الحسين صلوات الله عليه فإنه بلغنا عن بعضكم أنه قال: تعدل حجة وعمرة؟ قال فقال: ما أضعف هذا الحديث ما تعدل هذا كله، ولكن زوروه ولا تجفوه فإنه سيد شباب أهل الجنة" [بحار الأنوار 101/35].
وعن زرارة - أحد رواة الحديث الثقات عند الشيعة - قال: " قلت لأبي جعفر عليه السلام: الصلاة بين القبور؟ قال: صلِّ بين خِلالها، ولا تتخذ شيئاً منها قبلة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وقال: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإن الله عز وجل لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" [بحار الأنوار80/313، وعلل الشرائع2/358].
هذه هي نصوص أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم - كما روتها كتب الشيعة - وكلها في الحث على التوحيد والتحذير من الشرك ووسائله ومنها الغلو في القبور والصلاة فيها والبناء عليها وجعلها مزارات، فقد كانوا رضي الله عنهم أحرص الناس على التوحيد وعلى نشر السنة، وكانوا يبينون لأتباعهم أنهم فقراء إلى الله محتاجون إليه لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا رشداً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وسننقل ما روته كتب الشيعة نفسها من روايات عنهم رضي الله عنهم أجمعين.
ورد في رجال الكشي أن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: "فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجة، ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون، ويلهم! ما لهم لعنهم الله؟! فقد آذوا الله وآذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره، وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي صلوات الله عليهم ... أشهدكم أني امرؤ ولدني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذبني عذاباً شديداً" [رجال الكشي 225، 226].
ونقلت المراجع المعتمدة عند الشيعة أدعية لأهل البيت عليهم السلام تبين افتقارهم إلى الله عز وجل ومناجاتهم له سبحانه، وتضرعهم بالاستكانة إليه، وإخلاص الدعاء له وحده، وإظهار الضعف والحاجة إليه سبحانه، فأمير المؤمنين كان يقول - كما في أمالي الصدوق - :" إلهي أفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي، ثم قال: آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه! فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته" [أمالي الصّدوق 48 وبحار الأنوار 94/92].
ونقل صاحب بحار الأنوار رواية تبين افتقار علي رضي الله عنه لربه وإشفاقه على حاله وضعفه فقال: "إلهي كأني بنفسي قد أضجعت في حفرتها، وانصرف عنها المشيعون من جيرتها، ولم يخف على الناظرين ضرّ فاقتها، قد توسدت الثرى وعجز حيلتها" [بحار الأنوار 94/93-94]، فهو رضي الله عنه يبين أن ليس له حيلة إلا برحمة من الله وفضل، فكيف يطلب منه في قبره الشفاعة والغفران؟ والحسين رضي الله عنه لم يستطع أن يدفع عن نفسه القتل فكيف يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله؟!
وفي بحار الأنوار أن الإمام جعفر الصادق كان يقول في دعائه: "اللّهم إنّي أصبحت لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعًا ولا حياة ولا موتًا ولا نشورًا، قد ذلّ مصرعي، واستكان مضجعي، وظهر ضري، وانقطع عذري، وقلَّ ناصري، وأسلمني أهلي ووالدي وولدي بعد قيام حجتك عليّ، وظهور براهينك عندي، ووضوح أدلتك لي. اللهم وقد أعيت الحيل، وتغلقت الطرق، وضاقت المذاهب، ودرست الآمال إلا منك، وانقطع الرّجاء إلا من جهتك" [بحار الأنوار 86/318 ومهج الدّعوات 216].
إنها مخاطبةٌ للعقلاء، ودعوة إلى التفكيـرِ والتأمـلِ في قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّـمَـوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ:21-22]، يقولُ ابن القيم عند هذه الآيةِ: "فتأمـلَ كيف أخذتْ هذه الآية على المشركين بمجامع الطُرقِ التي دخلوا منها إلى الشركِ، وسدتها عليهم أحكم سدٍ وأبلغه؛ فإنَّ العابدَ إنَّما يتعلقُ بالمعبودِ لما يرجو من نفعهِ وإلاَّ فلو لم يرجُ منهُ منفعةً لم يتعلقُ قلبه به، وحينئذٍ فلا بدُّ أن يكونَ المعبُودُ مالكاً للأسباب التي ينفعُ بها عابده، أو شريكاً لمالكها، أو ظهيراً أو وزيراً ومعاوناً له، أو وجيهاً ذا حرمة، وقد يشفعُ عنده؛ فإذا انتفت هذهِ الأمورُ الأربعةِ من كل وجه وبطلت، انتفت أسبابُ الشرك وانقطعت مواده، فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملكَ مثقالَ ذرةٍ في السموات والأرض، فقد يقولُ المشركُ: هي شريكةٌ لمالكِ الحقِّ، فنفى شركتها له، فيقولُ المشركُ: قد تكون ظهيراً ووزيراً ومعاوناً، فقال: {وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ}، فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، وأخبرَ أنَّهُ لا يشفعُ عنده أحد إلا بإذنه" اهـ [الصواعق المرسلة، 2/461، 462].
بل إنَّ طلب الشفاعة ممن في القبور شرك لا يجوز، قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس:18]، فالشفاعةُ كلها لله تعالى، كما قالَ سبحانه: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} [الزمر:44]، وقال عز وجل: {وَلا يَمْلِكُ الَذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} [الزخرف:86]. فلا يملكُ مخلوقٌ الشفاعةَ بحال، ولا يتصورُ أن يكونَ نبي فمن دونه مالكاً لها، بل هذا ممتنعٌ، كما يمتنعُ أن يكونَ خالقاً ورباً.
صحيح أنَّ اللهَ تعالى يأذن للأنبياء والأولياء والشهداء ومن يشاء من الصالحين بالشفاعـة، لكنه نهى عن سؤالهـم ودعائهـم، فقال سبحانه: {وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإن فَعَـلْتَ فَـإنَّكَ إذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ} [يونس:106]، والشفاعةُ نوعٌ من الدعاء، والدعاء لا يجوز إلاَّ لله وحده.
كما أنَّ إعطاءَ اللهِ الأنبياء والأولياء الشفاعة، ليس تمليكاً مطلقاً، بل هو تمليكٌ معلّقٌ على الإذنِ والرضا، وسيدُ الشفعاء صلى الله عليه وسلم لا يشفعُ حتى يقالُ له: «ارفع رأسك، وقل يُسمع، واشفع تشفّع» [(مقتبس من تأسيس التقديس، لأبي بطين، ص82 بتصرف].
إن أدنى تأمل لما يحصل عند المشاهد والقبور من شرك ومخالفات وتجاوزات جدير بأن يزجر العاقل عن الانخداع بأكاذيب السدنة وما هُم عليه من الفجورِ والولوغِ في الفواحش وأكلُ أموالِ الناسِ بالباطل فضلاً عن التعلق بالمقبورين والاستعانة بهم من دون الله تعالى.
يقولُ العلاّمةُ النعمي حاكياً ما يجري عند بعض المشاهد: "ومن ذلك أن رجلاً سألَ من فيه مسكةُ عقل، فقال: كيف رأيتَ الجمع لزيارة الشيخ؟ فأجابه: لم أرَ أكثرُ منهُ إلاَّ في جبالِ عرفات، إلاَّ أنِّي لم أرهم سجدوا لله سجدةً قط، ولا صلوا مدةَ الأيام فريضةً. فقالَ السائلُ: قد تحمّلها عنهم الشيخ. قال النعمي معلقاً: وباب (قد تحمّل عنهم الشيخ) مصراعاه ما بين بُصرى وعدن قد اتسع خرقه وتتابع فتقه ونالَ رشاشَ زقُومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد والمشهد" [معارج الألباب، ص177].
ودوَّن المؤرخ الجبرتي مبيناً ما رآه عند مشهد عبد الوهاب العفيفي وما يحصلُ عندَهُ من أنواعِ الفسوقِ والفجور قائلاً: "ثمَّ إنَّهم ابتدعوا له موسماً وعيداً في كل سنة، يدعون إليه الناس من البلاد، فينصبون خياماً كثيرةً، ومطابخ وقهاوي، ويجتمعُ العالمُ الأكبر من أخلاطِ الناس وخواصهم، وعوامهم وفلاحي الأرياف، وأرباب الملاهي والبغايا، فيملأُون الصحراء، فيطئُون القبور، ويوقدون عليها النيران، ويصبون عليها القاذورات، ويبولون ويتغوطون، ويزنون ويلوطون، ويلعبون ويرقصون، ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً، ويستمر ذلك نحو عشرةَ أيام أو أكثر" [تاريخ الجبرتي، 1/304 باختصار].
ويصفُ الشيخُ عبد الرحمن الوكيل، أحوالَ رواد المشاهد من الصوفيةِ وغيرهم، مشيراً إلى جملةٍ من صورِ الكُفر والفجور في تلك المشاهد والموالد، فيقول: "وسلِ الآمّين تلك الموالد عن عربدةِ الشيطانِ في باحاتها، وعن الإثمِ المهتوكِ في حاناتها، وعن حِممِ الشهواتِ التي تتفجرُ تحت سودِ ليلاتها، فما ينقضي في مصر أسبوع إلا وتحشدُ الصوفيةَ أساطيرَ شركها، وعبّاد أوثانها عند مقبرة يسبّحون بحمد جيفتها، ويسجدون أذلاءَ لرمتها، ويقترفون خطايا المجوسيةِ في حمأتها، ويحتسون آثامَ الخمرِ والحشيش، والأجسادَ التي طرحها الإثمُ على الإثم فجوراً ومعصية، ويُسمونها موالد، أو مواسمَ عبرٍ وذكرياتِ خوالد" [هذه هي الصوفية، ص160، 161، باختصار]
والحمد لله رب العالمين.


من مواضيعي
0 خريطة ذهنية للجدل حول عصمة الكتاب المقدس
0 انفوجرافيك - معلومات لا تعرفها عن واتساب
0 إنفوجراف - كيف تتجنب الإصابة بالبرد؟
0 إنفوجراف الاتفاقيات التجارية المشتركة مع مصر
0 بيان ضلال (الشيعة ) والرد على شبهاتهم
0 الالحاد وارض الجثث
0 كتاب علامات الساعة للشيخ رفاعي سرور
0 التلاعب الشيعي بالقرآن،. سورة (الحشد) نموذجا

الباسم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
البحث, والبقيع

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:21 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009