ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > الملتقى الاسلامى > الشيعه في الميزان
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

قراءة في التشيٌّع الإمامي .. الآثار والمخاطر

الشيعه في الميزان


قراءة في التشيٌّع الإمامي .. الآثار والمخاطر

الشيعه في الميزان


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-27-2017, 02:21 AM   #1
الباسم
فارس
 
الصورة الرمزية الباسم
 

افتراضي قراءة في التشيٌّع الإمامي .. الآثار والمخاطر

عبدالله بن عمر الخضري
المقدمة
لعل الكثيرين لا يدركون حقيقة التشيّع الإمامي.. لا يدركون أبعاده ومراميَه، ولا أخطاره ودواعيَه؛ وذلك لغياب الرؤية الشاملة المستندة على القراءة الجادة الواعية المنطلقة من جزئياته إلى كلياته، لتتضح الصورة وتتكامل، فإن فقدان الرؤية الصحيحة والمتكاملة للأشياء؛ تحرم أربابها الصواب في الحكم عليها.
وعموماً؛ فإن القراءة الشمولية للأفكار والتصورات والمفاهيم، وتحليل موادها تحليلاً دقيقاً وتشخيصها تشخيصاً موضوعياً، وإرجاعها إلى أصولها ومنابعها وضم بعضها إلى بعض وإلحاق جزئياتها بها ورصها ورصفها؛ كلّ ذلك يجنبنا الخلل في التصورات، والزلل في الأحكام، وكلما اتسعت مساحة النظر فيها؛ صار تقييمها منضبطاً لا تناقض فيه ولا اضطراب، ونخلص - بعدها - إلى رؤية واضحة المعالم لا خلل فيها ولا شطط.
والقراءة التي بين أيديكم لا تبعد كثيراً عن ذلك، فهي قراءة شمولية في العموم، نعم هي غير مستوفية لجزئياتها، لكنها مستوعبة لكلياتها وأصولها؛ لأننا - روماً للاختصار - دللنا بمعلومها على مجهولها، ومنطوقها على مسكوتها، وعبارتها على إشارتها، فجاءت إجمالاً في تفصيل، وتفصيلاً في إجمال، ونرجو أن نكون وفقنا في ذلك .
وعلى كلّ حال؛ فالقراءة الشمولية للأصول الروائية للإمامية - بعد رصّها ورصفها- لم تخرج عن قراءتين شائعتين سائدتين ملازمتين لهم؛ يدينون بها ويدندنون حولها، علماً بأن محتوى إحدى القراءتين يلغي محتوى الأخرى ولا يتعايش معها، لأنهما غير متوائمتين ولا منسجمتين مع بعضهما البعض؛ بل ينقض بعضُها بعضاً ويدفع بعضُها الآخر، ولولا أن العقل الإمامي كان - ولا يزال - مستودعَ الأكاذيب والمخترعات والمختلقات، والمختلفات والمتناقضات، لما وجدت هاتان القراءتان سبيلاً إليه؛ لكن طبيعته وإشكالاته هي التي أملت أن يكون حاضنة مناسبة لتلك القراءتين المتناقضتين.
وثمة قراءة ثالثة؛ لكنها مخفية مطمورة في ركام القراءتين الأوليين والخلوص إليها - بعد النظر والتدقيق - ليس بالأمر الشاق ولا العسير، رغم أنّ القومَ يتفننون في إخفائها وإخفاء معالمها بتأويلها وتحريفها عن غير ما دلَّ عليه ظاهرها وحقيقتها؛ وذلك لأنها تنسجم مع حقيقة الأئمة وحقيقة ما هم عليه من التناسب والتناسق الكبيرين مع معطيات الكتاب والسنّة، ومع الخط العام للأمة، والذي يمثله أهل السنّة والجماعة.
وينبغي أن نشير – هنا – إلى أن لكل قراءة من القراءات الشائعة عندهم؛ ترجمةً سلوكيةً في الواقع الشيعي نصبغه بصبغتها وتصهره في بوتقتها؛ فهي ليست مرويات جامدة لا أثر لها ولا حركة؛ بل هي تبني الفرد الشيعيَّ على أساسها، وتُشكِّله بأشكالها، وتطليه بطلائها، وبالتالي فهي واقع معاش تنعكس فيه سلوكاً ومنهجاً، قولاً وعملاً .
وعليه، فالدراسة التي بين أيديكم؛ كما أنها كشفت عن حقيقة التشيّع الإمامي من خلال القراءات التي أشرنا إليها آنفاً؛ فكذلك أشارت إلى آثارها وأخطارها في الواقع الشيعي تمثيلاً وأداءاً.
يبقى أن نقول: إن القارئ قد يجد فيها حِدّة وشِدة، وقد يجد فيها تحريشاً واستفزازاً، وما ذاك إلا لأن القلوب والعقول التي أُشرِبَتْ الباطلَ وانطبعت به واعتادت عليه، وسلّمت له وانقادت، وانصهرت فيه وتقولبت؛ تحتاج إلى رجّات وهزّات عنيفة كتلك الصعقات الكهربائية التي تدك مواضع الخَبل عند المجانين؛ فتستثير الشعور عندهم، وتحفز العقول لديهم إلى مزيد من التعقل والتفكر والنظر، وحتى تستفيق من غفلتها وتخرج من سباتها وسكرتها وغيبوبتها.
ولا بد من الإشارة – هنا – إلى أن تحت كلّ فقرة من فقرات هذه القراءة وهذه المراجعة روايةً -وأحياناً روايات - تدل عليها وترشد إليها، ولولا خشية الإطالة لأتينا عليها، وحسبنا أنا أحلنا ببعضها إلى باقيها، ومن رام المزيد؛ فعليه بمصادر القوم ومظانهم فسيجد فيها ضالته والمزيد.
ووفْق الرؤية التي سنخلص إليها من خلال قراءتنا للتشيّع الإمامي؛ فإن دائرة الخلاف بيننا وبين الإمامية أوسع بكثير مما يتصوره البعض، وسندرك الهوة السحيقة التي بيننا وبينهم، وأن كلّ دعاوى التقريب ستتحطم على أعتابها وفي واجهاتها، قبل الولوج إلى مجاهيلها المظلمة؛ إلا إذا أردنا التقريب بين الهدى والضلال والحق والباطل والجمع بينهما في نسق واحد، ودون ذلك خرط القتاد، وهي لا تخلو من مجازفة ومخاطرة قد تودي بإهدار الحقّ برمّته، ولقد رأينا تداعياتها في الأعوام المنصرمة، وكيف أنها فتحت أبوابنا مشرعة أمام جحافل الباطل والضلال تعيث في انتماء الأمة بالخلل والفساد.
إن الإمام عند الشيعة الإمامية ليست مشكلته مع الصحابة في اغتصاب ملكه، ولا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته (1) فحسب، ولكنها تنازع الله تعالى في عرشه وملكوته؛ بل وفي ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
ولخطورة هذا الأمر وجسامته؛ كانت هذه الدراسة التي نأمل أن تكون قد كشفت عن حقائق ما كانت لتغيب عن ساحة الصراع السنّي الشيعي وتداعياتها، وتستهلكنا الجوانب الأخرى التي ليست في خطورتها وضخامتها، وهم – الشيعة الإمامية - حريصون كلّ الحرص إلى جرنا بعيداً عنها والنأيَّ بأنفسهم عن لوازمها وأحكامها؛ ما يتوجب علينا إبرازها وتسليط الضَّوء عليها وتحديد الموقف منها؛ حتى نتعرف أكثر فأكثر على موطئ قدمهم من هذه الأمة وصحّة وصدق أنتماؤهم إليها.

ماذا تعني الإمامة عند الشيعة الإمامية:
إن الإمامة - في التصور الإمامي - ليست أصلاً من أصول الدِّين، ولا هي حكم من أحكامه أو شريعة من شرائعه فحسب؛ وإنما هي أصلُ أصوله وقطب رحاه، وهي ليست غايةَ مقاصد الدين والرسالات فقط؛ بل هي غاية الوجود والكون، وعلّةُ الخلق والأمر.
ولا يظنن ظانٌّ بأننا نلقي القول على عواهنه جزافاً، ونتجنى على القوم بما يبرؤون منه ويتبرؤون، وننسب إليهم ما ليس فيهم - معاذ الله - بل هي الحقيقة بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
إن الإمامة عند الإمامية ـ وبحسب الأصول الروائية التي عندهم ـ هي الغاية التي لأجلها خَلق اللهُ الخلق، وبها ابتلى الله العبادَ، وهي أصل التكليف والفروض والواجبات على الإطلاق، وهي محور الوجود العياني والذهني. وبما أنها كذلك؛ فينبغي أن تكون هي المحور الوجداني والشعوري للخلق كلهم.
ففحوى الأصول الروائية للشيعة الإمامية يقوم على تقريرهذا المعنى وتقعيده وتأصيله، والطَّرق بقوة على ترسيخه في الأذهان والقلوب؛ وتتنوع طرائق عرضه، ونمثل ببعض ما تصرح به الروايات:
- فما خُلِقَت سماءٌ مَطويّة، ولا أرضٌ مَدحيّة إلا لأجل هؤلاء الأئمة.
- وما خلق اللهُ الخلقَ من إنس وجنّ ومَلك إلا لهم ولأجلهم، والجماد والحيوان والنبات، والبَّر والبحر والجو.
- وزيادة على ذلك: فما أرسِلت الرسلُ، ولا أنزلت الكتب إلا للدعوة إليهم وإلى إمامتهم.
- وهم الأسماء الحسنى التي لا يقبل اللهُ من العباد عملاً إلا بمعرفتهم.
- وهم عين الله الناظرة، وأذنه السامعة، ولسانه الناطق.
- وهم يعلمون ما في السموات وما في الأرض، وما في الجنَّة وما في النار، ولا يخفى عليهم الشيء.
- والإمام - قبل ذلك وبعده - لا يضل ولا ينسى، ولا يسهو ولا يغفل.
- وهم بهم يمحو - الله - السّيّئات، وبهم يدفع الضّيم، وبهم يُنزّل الرّحمة، وبهم يحيي ميتاً، وبهم يميت حيّاً، وبهم يبتلي خلقه، وبهم يقضي في خلقه قضاءه.
- ثم الصلاح والفساد، والطيب والخبث، والخير والشرّ، والهدى والضلال، والكفر والإيمان، والهلاك والنجاة، والشقاوة والسعادة، والنفع والضر، وكلّ هذه المتضادات ما نشأت ولا صارت ولا انبثقت ولا ظهرت ولا اختفت - في التصور الإمامي - إلا في الإمامة ولها وبسببها.
- وهم الباب المبتلى به الناسُ، وليس هذا فحسب؛ بل ما ظهرت الخصوبة في أرض إلا لقَبولها بتلك الولاية، وما سبخت أرض ولا ساخت إلا لرفضها لتلك الولاية وردِّها لها، وما طاب زرع ونما ولا خبث وخبا، وماطاب لحم فحَلَّ مَطعمه، ولا خبث فحُرِّم مأكله، إلا لقَبول الولاية أو ردّها.
وهل توقف الأمر عند هذا ؟ لا .. لم يتوقف، فلا تزال عجلة الولاية تعمل عملَها في كل شيء، وتأخذ مأخذها من كل شيء، وترتقي في العوالم التي لا قِبَل لأحد بها.
- فما أهلك الله قرناً من القرون ولا أمة من الأمم أو قرية من القرى إلا لعدم إقرارها ... بالتوحيد والرسالة ... عفواً .. لقد أخطأت التعبير؛ بل لأنها لم تقرّ بولاية أمير المؤمنين والأئمة من ولده، وما نجا مَن نجا منهم إلا لإيمانه بتلك الولاية وإقراره بها. وذلك لأن الرسل والأنبياء ما بُعثوا ولا أُرسِلوا - بزعم القوم - إلا بالولاية والدعوة إليها؛ فمَن قبِلها نجا وفاز، ومن ردّها خاب وخسر.
وأزيدكم: إنّ هلاك من هلك، ونجاة من نجا من الأمم والقرون؛ لم يكن بقدرة الله تعالى ومشيئته !! إنما كان بيد عليٍّ وقدرته التي لا حدود لها، فعليٌّ هو الذي باشر ذلك لا غيره، فافهموا عبادَ الله .
صبراً... لا تتعجلوا فلا تزال عجلة الولاية تشق طريقها وتأتي على كل شيء، ولا يزال في جعبتها المزيد، فمعينها لا ينضب، وبحارها لا تجف. وسنقف عند داهية الدواهي ورزية الرزايا وطامة الطامات؛ لنرى عجائب الإمامة والولاية التي لا تنقضي.
ولخطورة الأمر وجسامته؛ فلا بد من صياغته بياناً وإعلاماً وإعلاناً.
أيها القوم: اسمعوا وعوا، ومن كان جاهلاً فليَعلمْ، ومن كان عالماً فليَفهم ... ألا فاسمعوا وأنصتوا، واعلموا وافهموا، وافتحوا آذانكم وأعينكم وأفواهكم وأنوفكم، وتدبروا بعقولكم: ألا أيها الناس، ألا أيها العقلاء ...اعلموا أن ولاية أمير المؤمنين لم يقتصر أمرها والابتلاء بها - عند القوم - على ما ذكرنا من سماء وأرض، وإنس وجنّ، ونبات وحيوان؛ وكأن هذا كله لم يُعطِ الإمامةَ حقَّها وحقوقَها ومنزلتها ورِفعتها، فقد بقي شيء لا بد له من هذه المحنة؛ نعم لم يبقَ إلا الأنبياء والمرسلون؛ ولا بدّ من أن تأخذ محنة الولاية حظَّها منهم، ولا بدّ لهم من الابتلاء بها كما ابتلي سائرُ الخلق؛ حتى ترتقي الولاية مرتقاً صعباً تنحدر دونها المنازل والمقامات والأحوال والدرجات، وتصير هي الغاية القصوى التي ينتهي إليها كل شيء، ولا تنتهي هي إلى شيء .
ووفق هذه الرؤية - التي أسرفتْ في الغلو في الأئمة أيما إسراف - فقد تعرّض الأنبياء والمرسلون لهذه المحنة العظيمة، ومُحِّصُوا بها أشد التمحيص، وابتلوا بها أشد البلاء (وأشد الناس بلاءًا الأنبياء) فمَن قَبِلها منهم آلَ إلى أحسن العواقب، ومن رفضها فإلى أشد العقوبات.. رفضها آدم فأُهبط إلى الأرض، وأنكرها نوح فأغرق الله الأرض، وردَّها يونس فأُلقي في الحوت، وهكذا لم يكد يسلم منها أحد .
وفوق هذا وذاك، فللإمام الولايات التي ليست لغيره؛ وأعظم هذه الولايات وأخطرها الولاية التكوينية وهي التي تنقطع دونها الأعناق، ولا يسعها نبي مرسل ولا مَلَك مقرب، وندخل بعدها في المتاهات والمجاهيل والدهاليز والمتاريس المظلمة التي لا نخرج منها بشيء، غير رداء الربوبية متشحاً به الإمام ومتسربلاً به، وتصير جميع ذرات الكون من الذرة إلى الذروة ـ بموجبها - خاضعة لولايته وسيطرته، وتحت تصرفه وقهره وسلطانه؛ عياذاً بالله من ذلك، تليها الولاية التشريعية التي يشرع - بموجبها - الإمام ما يشاء من الأحكام، فيحلّ ما يشاء ويحرّم ما يشاء تفويضاً وتوكيلاً من الله بزعمهم.
وبمقتضى هذه الولاية يصير مُلك الله تعالى وملكوته ومملكته وشؤون خلقه جميعها تحت تصرف الإمام وتدبيره .
والإمامي ـ وهو يستعرض بعض ما للإمام من تلك المقامات الفارعة، وقد امتلأ بها جوفُه وفؤادُه وانتفخت بها أوداجُه ـ يختمها - وباستحياء وقلق - بخاتمة باردة متلجلجة وبغصة عميقة وحسرة حبيسة فيقول: (كل ذلك بإذن الله) ويجتر الكلمة اجتراراً؛ لأنها تخرج من نفس مرتابة دفعتها ظروف التقية وملابساتها إلى النطق بها لدفع معرّة الغلو فحسب.
وفي ضَوء ذلك؛ فالحصيلة التي ننتهي إليها من هذا التطواف: أن الإمامية لا يختلفون - محتوىً ومعنى - عن المفوِّضة (2) الذين يلعنونهم؛ لأنهم في النتيجة سواء، فهم متفقون معهم في كلّ الخصائص والمقامات التي يثبتونها للأئمة، وأهمها وأعظمها: الولاية التكوينية والولاية التشريعية، والتي بموجبها - كما أسلفنا - فوّض اللهُ تعالى للإمام تدبير شؤون مملكته إيجاداً وإعداداً وإمداداً، كوناً وقدراً، وكذا فوّض إليه تدبيرها شرعاً وحكماً ونظاماً، ويصير بعدها قوله تعالى:{ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... } [الأعراف ، آية : 54] حقاً خالصاً للإمام تفويضاً وتوكيلاً.
فما من معنى من معاني الربّ الحق إلا وقد أضفوه على الإمام، وما من صفة من صفاته إلا وقد خلعوها عليه، لا تجد اختصاصاً للربّ الحق في شيء لم يشركه الإمام فيه، ولم يزاحمه عليه؛ بل ويزاوده عليه. إنها تزاحم الذاتَ الإلهية، لا بل تنازعُها في أخص خصائصها وأخطر حقوقها وأعظم مقاماتها، إنها تزيح الإله الحق وتحلُّ مكانه وتتولى شؤونه؛ حقاً إنها ولاية ربانية وإمامة إلاهية، لا بمعنى التنصيص والتخصيص؛ ولكن بمعنى المماثلة والتشبيه.
والإمام نفسه - في المصادر الروائية للقوم - يكشف عن مواهبه هذه وأحواله تلك بلسان نفسه تعريفاً للخلق بها وإدلاءاً به عليها فيقول - بزهو وخيلاء - :
"أنا وجه الله، أنا جنب الله، وأنا الأول، وأنا الآخِر، وأنا الظاهر، وأنا الباطن، وأنا وارث الأرض، وأنا سبيل الله وبه عزمت عليه".
ويقول: "نحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم، ونحن عين الله في خلقه، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده، عرفَنا مَن عرفنا وجهِلنا من جهِلنا".
فهل أبقوا لله تعالى من شيء؟ وهذا غيض من فيض مما يذكرونه ...
وأخيراً وليس آخراً؛ فبالولاية هذه ـ ولها وعليها فقط !!! – تقوم الساعة، ويحاسَب الخلق، ويدخل أهل الجنة الجنةَ، ويدخل أهل النار النار. ألم يطرق سمعَك أنّ علياً قسيم الجنة والنار يوم القيامة؛ يقول للنار: هذا لي وهذا لكِ!؟. وقل مثل ذلك في كل شيء ...
إن مبدأ العالم ونهايته، وأوله وآخره، عمارته وخرابه، ومادة صلاحه وفساده، طيبه وخبثه، نجاته وهلاكه، شقاوته وسعادته: في الإمامة ولها وعلى يديها؛ ويمكن القول: إن هذه الولاية المزعومة قد انطوى فيها وعليها العالم الأكبر، وانعقدت عليها معاقد الوجود كله، وهي البؤرة التي اجتمع فيها كل شيء وانتهى إليها كل شيء.
ماذا تسمون كل هذا أيها السادة؟ وفي أي زاوية من زوايا التفكير والنظر تلتمسونه؟ وعلى أيّ طبق تضعونه؟
أليس هو إله في مسمّى إمام ؟ وإذا توحدت المعاني؛ فلا مشاحة في الاصطلاح!
وأكاد أجزم أنك لو وضعت واستبدلت مكان كل آية من آيات القرآن الكريم التي تخبر عن أسماء الله وصفاته وأفعاله التي وردت فيها .. لو جعلت مكانها الإمام واسمه؛ لمَا خرجت عن فحوى تلك الروايات التي تحدثت عن تلك الخصائص التي اختص بها الإمام، ولو قُرِئ القرآن على حدِّه - بالمعنى الإمامي - لما خلصنا إلا إلى ذلك؛ وأن توصيف الإمام في الروايات هو - نفسه - توصيف الله تعالى في كتابه . وليس أدلّ على ذلك مما ينسبونه إلى الأئمة من قولهم بأن لفظة الـ (إله) التي ترد في بعض آيّ القرآن؛ معناها والمراد منها هو الإمام، كما أن المراد بالشرك هو الشرك في ولاية الأئمة.
إن مقارنة بسيطة بين فحوى الروايات الشيعية، وما في القرآن؛ تُظهِر - بجلاء ووضوح منقطع النظير -: أن الإمام في الروايات هو الله في القرآن، ولا شيء فوق ذلك ...
وإلا فماذا يعني تفسير الإله بالإمام يا أمة الأسلام؟
وهذه الروايات - بمجموعها - تصلح أن تكون كتاباً مقدساً لدين آخر غير دين الإسلام وملة غير ملته؛ بل وإله غير إله المسلمين ورسول غير رسولهم، ويكون عليٌّ - فيه - هو الإله الحقّ ويكون الله ورسوله أدلّاء عليه تابعين له ليس إلا .
هذا هو التوصيف الموضوعي الذي يرشح عن روايات الإمامية في الإمام، وتثور به رائحتهم، وتنتن به أجواء التوحيد والإيمان والإسلام .

موقفنا من الإمامة بالمعنى الإمامي:
وأنت تطالع هذا الكمَّ الهائل من الروايات -التي تقرّر هذا المعنى الغالي في الإمام وولايته - فيمكن أن يتبادر إلى ذهنك كل مِلل الأرض؛ إلا أن تكون ملة الإسلام وعقيدته وشريعته . إنها لا تمت للإسلام بصلة، وهي أجنبية عليه إلى حد كبير؛ بل هي تضاده في أصله وأسه وأساسه.
وكل هذا الذي ذكرناه - وغيره كثير مما لم نذكره- من شأن الإمام ومقاماته التي يعتقد بها الإمامية والتي لا تقل عن مقام الربوبية والألوهية في شيء؛ هو الذي على الأمة أن تعتقده فيهم؛ وهذه هي الموالاة الحقيقية لأهل البيت - بزعمهم - وهي المحبة الصادقة لهم؛ وهي التي يتبجحون بها ليلاً ونهاراً، ويزاودوننا عليها غدواً وعشياً، ويرفعون بها عقيرتهم.
وإن لم تؤمن بما آمنوا به من ذلك فالويل لك؛ فلستَ محباً موالياً بل عدواً لدوداً وخصماً بغيضاً ناصبياً يحل منك ما يحل من الكفار وأشد . ديدنهم في ذلك ديدن أهل الكتاب لما قالوا: { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ }[البقرة، آية : 73] .
ونحن من جانبنا لا تشرفنا هذه الموالاة ولا نتشرف بها، وهي ليست منّا في شيء ولسنا منها في شيء، لا تنتسب إلينا ولا ننتسب إليها؛ لا من قريب ولا من بعيد، نبرأ إلى الله منها ومن المتلبسين بها والداعين إليها، ومن الذين يزينونها في أعين الناس.
ولا زلنا ـ وسنبقى ـ ننصب لهذه الموالاة العداوة والبغضاء ما حيينا، أسوة بأبينا إبراهيم عليه السلام {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}[الممتحنة ، آية :4] وسنبقى نكشف عوارَها وزيفَها للعباد جهاراً نهاراً، سراً وعلانية .
ونحن نواصب لهذه الولاية التي يزعمونها للإمام وفيه، ولسنا نواصب للإمام معاذ الله .
وهذا الذي ينبغي أن يدركه الجميع .. أننا أعداء لهذه الإمامة وهذه الولاية - بهذا المعنى الإمامي - الذي يخرج به الإمام من مصافي البشرية والعبودية، ويسيح بها في أجواء الربوبية والألوهية .
وذلك لأن هذه الولاية - بالمعنى الإمامي - لا تليق ولا تنبغي إلا لله تعالى وحده، وهي مرادفة للولاية التي اتخذها المشركون لآلهتهم، وهي التي أنكرها الله تعالى عليهم في غير موضع من كتابه، لكنها تختلف عنها في أن ولاية المشرك لآلهته لا تتضمن الإقرار لهم بالولاية التكوينية التي تخضع لها ذرات الكون؛ بل هم ـ المشركين ـ مقرون ومعترفون بأن هذا لا يكون ولا ينبغي إلا لله تعالى وحده؛ لا يشركه في ذلك أحد لا مَلَك مقرب ولا نبيّ مرسل فضلاً عن ولي صالح أو إمام مبجَّل، وعليه فولاية الإمامية للإمام أوسع وأشمل بكثير من ولاية المشركين لآلهتهم؛ بل لا نسبة بينها وبينهم في ذلك البتة .

الآثار الخطيرة للاعتقاد بالإمامة على الواقع الشيعي:
وإذا كان الوجود كله قد انعقد على هذه الولاية؛ فللقلوب - ولا بد - أن تنعقد عليها وتجتمع، وبموجبها صار - عندهم - الإمام هو منتهى إراداتهم ومطالبهم وغاية مقاصدهم وسعيهم؛ وهو تحصيل حاصل، وحتمية عقلية وذهنية، وشعورية ولا شعورية، وعرفية ووجودية، لتلك المقولات الغارقة في الغلو والتطرف؛ بل التي بلغت الغاية فيه ولم تدَعْ وراءها شيئاً .
وحُقَّ لنا أن نتساءل: تُرى.. ماذا تعني قراءة هذه النصوص؟ وإلامَ ينصرف الذهن حين يطالعها وتطالعه؟ وماذا تعني للعامي بالذات وهو يستمع إلى مشايخ الإمامية ومراجعهم على المنابر وفي المنتديات وهم يتمدحون الأئمة، ويخلعون عليهم ثيابَ العظمة والجلال وإزار القداسة والكبرياء ويضفون عليهم كل هذه الصفات وهذه الأحوال التي لم يمدح الله تعالى نفسه في كتابه وعلى لسان رسله بمثلها وبهذا التفصيل الذي تشتط به العقول وتزيغ به القلوب!؟
والآلة الإعلامية والتعليمية والتربوية والتوجيهية الشيعية ـ وبكلّ مفاصلها ـ تسهم إسهاماً كبيراً في ترسيخ هذه المفاهيم والمعاني في الأذهان والقلوب، وتدكها فيها دكاً شديداً.
لقد تجاوزت الإمامةُ - في حس الإمامي والإماميين وعقيدتهم - كونَها محبة وموالاة واتباعاً وتأسياً؛ بل تجاوزت كونها إمامةً تعيينية وولايةً تنصيصية، وتجاوزت الإقرار بأنهم أئمة مفترضو الطاعة وخلفاء لله في أرضه وحجته على خلقه ؛ لقد ذهبت بهم بعيداً بعيداً إلى أبعد من ذلك بكثير وتجاوزته بمراحل، لقد قفزت على كل شيء، ولم تُبقِ على شيء.
إن مقام النبوة والرسالة قد انغمر في منعطفاتها واختفى في منحنياتها وتضاعيفها ولم يعدْ له أثر ذو بال إلا في الدلالة على الإمام والتنصيص عليه، ثم إن النبوة والرسالة تنتهي مهامها وتنسحب وتدع للإمامة أن تعمل عملها في المساحات الواسعة التي لا تتجرأ النبوة والرسالة ولا يسعها العمل في فضاءاتها الرحبة، ثم هي - الإمامة - تعمل على سدّ كل الفراغات التي لا يستطيعها الأنبياء والمرسلون. ألم ينحلوهم قولهم: "إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل".
ولأجل هذا وذاك وانسياقاً مع هذه المنهجية في التربية والتعليم والدعوة والتوجيه عندهم وانسجاماً مع معطياتها الحتمية في التعاطي مع الأئمة؛ فإنهم لا يلهجون إلا بذكرهم وتعظيمهم، ولا يحومون إلا حولهم، ولا يتوجهون إلا إليهم؛ يذكرونهم ذكراً كثيراً، ويسبحونهم بكرة وأصيلاً، ويتغنون بممادحهم ليلاً ونهاراً، ويستعينونهم على قضاء حوائجهم قياماً وقعوداً، تتجافى بالإمامة جنوبهم يدعونهم خوفاً وطمعاً، يخافونهم خوفاً شديداً، ويرهبونهم كثيراً، ويخشعون لهم - وبحضرتهم - خشوعاً عظيماً. وفي مقابل ذلك لا تجد لله تعالى ولا لرسوله حضوراً في قلوبهم ولا على ألسنتهم ولا في أوساطهم ما تجده للأئمة .
وهذه نتيجة حتمية لتلك التعبئة التي لا تنقطع في ليل ولا في نهار، ولا في سرّ ولا في إجهار.
وتظهر آثار هذا الاعتقاد - في ولاية الأئمة - وتداعياته على الشيعة في تصوراتهم وأحكامهم، وتتجسد بسلوكيات وأحوال منسجمة تماماً مع معطيات هذا الاعتقاد، فإنك ما إن تدعو شيعياً إلى أن يفرد الله تعالى بما هو حق له من العبادة والتوجه والتعلق والرغبة والرهبة والدعاء والاستعانة والتوكل والنذر والذبح؛ إلا ونَفَرَ نفرة شديدة { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ . فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ}[المدثر، آية : 50-51] لأنه لا يعرف أن تكون هذه الحقوق؛ إلا للإمام المعصوم لا لغيره، ثم إنه يظنّ أن دعوتك له بذلك؛ تنقيصٌ للإمام وسلبٌ لما هو حق خالص له، بل يعد ذلك نصباً وبغضاً للأئمة وكراهية لهم، وربما اعتقد أنك تريد أن تسحب البساط من تحت الإمام وتجرده من كل شيء.
والشيعي الإمامي؛ لا يعرف ولا يستطيع أن يميز بين ما هو حق خالص لله لا يشركه فيه أحد من عباده كائناً من كان، وما هو من حقوق المخلوقين لا ينسب منها شيء إلى الله، لا يفرّق بين محبة الاتّباع ومحبة العبودية، فلا يفرق بين هذا وهذا؛ اختلطت عنده هذه بتلك، وامتزجت امتزاجاً شديداً، ودخل بعضُها في بعض إلى الحد الذي لا يمكن فيه فكُّ الإرتباط بينها أو فصله عن بعضها. ومراجعهم وعلماؤهم ومشايخهم يزينون لهم ذلك ويلبّسونه عليهم، ويُمعنون فيه إلى حدّ كبير .
وعلى كل حال، فهم يعتقدون أن التوحيد والدعوة إليه سلبٌ للإمامة من حقوقها وتجريدها من خصائصها؛ بل يعدّونه دعوة إلى التخلي عن الإمام وولايته، وما ذاك إلا لاعتقادهم بأن مقامات الإمامة في الصفات والحقوق لا تختلف كثيراً عن مقام الربوبية والألوهية إن لم تربُ عليها، فإذا ما بَينتَ لهم حق الله في ذلك، وأنه المتفرد بذلك وحده لا شريك له؛ ظنوا أن ذلك طعنٌ في الإمام وتعدٍّ على حقوقه، لأن الحقوق قد التبست في حسِّهم واعتقادهم كأنهما وجهان لعملة واحدة.
وهم بهذا قد ألقوا بالعداوة بين التوحيد والإمامة إلى الأبد، وهذا كله امتداد لذلك الاعتقاد الذي أفرزته تلك الروايات وزيّنه كبراؤهم المضلون من مشايخهم وعلمائهم.
ومن إفرازات تلك العقيدة الباطلة؛ أن الإمامي يمكن أن يتصور الإمام علياً والأئمة من ولده بلا شيء، ولكن لا يمكنه أن يتصور شيئاً ما في الوجود بلا عليّ - رضي الله عنه- والأئمة، وكأنّ الوجود كله قائم بهم، وهم ليسوا قائمين بشيء، وكأن كل شيء مفتقر في وجوده وديمومته إليهم وهم لا يفتقرون إلى أحد أبداً، وإنما هم مستغنون بذواتهم عما سواهم .
وتنعكس هذه التربية على الشيعة - عوامهم ومثقفيهم - في سلوكيات وأقوال وأعمال تنبئك عما وراءها وما تحتها، فلا تجد - في وجدانهم ومواجيدهم - تعظيما لله تعالى ولشعائره بالقدر الذي يعظّمون فيه الأئمة وشعائرهم، لأنهم لا يجدون فرقاً بينهما إلا في الأسماء، أما المسميات فهي هي؛ وبعضهم يصرّح بذلك وبعفوية تنساب على لسانه كالزلال، فإذا قلت له ـ وقد استعان بأحد الأئمة -: يا عبد الله، قل: يا الله؛ سارع إلى القول وبتلك العفوية المعهودة: (ماكو فرق!!)، وقد تسمع أحدهم يقول - دون أن يعي ما يقول -: (نحن نعبد الله وأهل البيت) وهو في كل أحواله لا يدعو الله وحده إلا مقروناً بأحد الأئمة؛ بل لا قيمة لدعائه ما لم يكن فيه أحد من أئمة أهل البيت، ويمكنه أن يفرد الإمام بالدعاء، ولكنه لا يمكنه أن يفرد الله تعالى بذلك إلا بحرج شديد!!!
ولا ينبغي الظنّ أن هذه العفوية جاءت من فراغ، ومن لا شيء؛ وإنما هي حصيلة التربية والتغذية المتواصلة، والتعبئة العامة والضخ المستمر - وبقوة - وبلا انقطاع في هذا الاتجاه والذي يقوم بها سدنة هذه الطائفة ويتعاهدونها ليلاً ونهاراً حتى تؤتي أُكلها وتنضج ثمارها على نار العواطف الهائجة التي ينفخون فيها كل حين؛ في خطبهم ومواعظهم وتوجيهاتهم وإرشاداتهم، وتسهم - اليوم - كلّ وسائل الإعلام والنشر المرئية والمسموعة والمقروءة في غرزها وترسيخها وبنائها في القلوب والنفوس، فلا يجد الشيعي نفسه إلا منساقاً تلقائياً لمقتضياتها متمثلة بتلك الأقوال والأعمال الشركية التي لا يجد فيها أيَّ غضاضة؛ لأنها عنده من معاني الولاء والمحبة للأئمة؛ انسجاماً مع معطيات تلك العقيدة الغالية المغروزة في القلوب للإمام وولايته والتي يعتقد الإمامي - بموجبها- في إمامه ما يعتقده الموحّد في ربه عز وجل.
قال لي شاهد عيان وكان شيعياً تحول - هو وأخوته - إلى أهل السنّة الجماعة، فأرادت عشيرته أن تقصيه من العشيرة بسبب ذلك؛ قال: اجتمعتْ عشيرتي لهذا الغرض وحدث سجال طويل بيننا وبينهم، وأخبرناهم بأننا لا زلنا على محبة أهل البيت وموالاتهم، فأثار بعضُهم قضية الدعاء وهل ندعوهم أم لا؟ وقد جعل ذلك فيصلاً في صدق محبتنا وموالاتنا لهم، فطال بنا المقام، وفي أثنائه انبرى أحد الشيعة الحاضرين وفاجأنا بمداخلته مخاطباً عشيرته وأهل الجاه منهم دون سابقة، قال ـ وهو ينقل واقعهم بوضوح وصراحة -: يا جماعة، أنا حين أسمع شيوخنا وسادتنا وهم يتحدثون عن أهل البيت وعن الإمام عليّ والأئمة؛ فإني لا أرى فرقا بينهم وبين الله تعالى لأن هذا هو الذي أفهمه من كلامهم؛ لا... بل هو الذي يدل عليه كلامهم، وقد استقبل الحاضرون كلامه هذا ببرود دون نكارة ولا مراجعة ولا استدراك، فتأمل.
وهذا بعينه هو الذي تفرزه العقيدة الإمامية الغالية - شعروا أم لم يشعروا - وهو الذي يترشح عنها وهو الغاية التي تنتهي إليها، فمبتدؤه محبة أهل البيت، وحصيلته وخلاصته ورحيقه تأليههم وعبادتهم من دون الله تعالى، فموالاتهم - كما أسلفنا - والاعتقاد بولايتهم - بالمعنى الإمامي - هي نفسها وعينها الموالاة الشركية التي يعتقدها المشركون في آلهتهم؛ بل هي تتجاوزها بمراحل، وصدق الإمام الغزالي الخبير بهم لما قال في التشيّع الإمامي: "ظاهره الرفض وحقيقته الكفر المحض"، وقد أصاب فيهم كبد الحقيقة.

الآثار الخطيرة للاعتقاد بالإمامة على أصول الإسلام ورموزه:
وفي ضوء ما سبق؛ يمكن القول إن الشيعي الإمامي يمكنه أن يتصور عليّاً بلا إله ولا رب وبلا كون ولا وجود وبلا قرآن ولا إسلام ولا إيمان؛ يمكنه أن يتصور ذلك كله، لكن لا يمكنه أن يتصور العكس ؛ فإنه يعتقد أن رباً بلا علي ليس برب، وإلهاً بلا علي ليس بإله، وقل مثل ذلك في الأديان والإسلام والإيمان والسنّة والقرآن، وكل ما في الأذهان والأكوان .
فعليّ وأهل البيت هم الفيصل في الأمور كلها؛ بهم تعظم الأشياء وبهم تصغر، وبهم تعرف قيم الأشياء وموازينها ودرجاتها ودركاتها، بهم تعدم وبهم توجد، هم المعيار الأوحد والميزان الأثقل، وهم القيمون على كل شيء، ولا شيء غيرهم .
ولا تذهبنّ بكم المذاهب فتظنون أن هذا خبط من الأقوال وتخليط من الآراء ... وإنما هو الحق الذي يتجلى في الآثار الخطيرة لذلك، ومنها:
1- أنهم لما لم يروا لهذه العقيدة التي يعتقدونها ـ وهي بهذا العيار الثقيل والخطب الجسيم ـ لمّا لم يروا لها ذكراً في كتاب الله تعالى؛ نسبوه إلى التحريف والتزوير؛ فكتابٌ لا يذكر عليّاً والحسين والأئمة ليس بكتاب الله وليس بقرآن .
2- ولمّا لم يروا لهذه الإمامة المزعومة والولاية المفتراة ذِكراً صريحاً في السنّة النبويّة اتهموها بالتحريف أيضاً، وأن الصحابة - وأخصهم أبو بكر وعمر وعثمان - قد كتموها ومنعوا الصحابة من كتابتها، بل وعاقبوا على ذلك .
3- أما الصحابة؛ فمعرّة الولاية والإمامة لاحقتهم أيضاً؛ لأنهم لم يكونوا يعرفونها، ولم يعرفوا النص عليها والوصية بها، فبايعوا مَن يعتقدون تقدمه ومنزلته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أبا بكر وعمر وعثمان، فما كان من الشيعة إلا المسارعة إلى اتهامهم بالردة والمروق عن دين الله تعالى؛ لأنهم - بزعمهم - تآمروا على الوصي المزعوم واستلبوا حقّه في الإمامة والخلافة.
وكان الصحابة في موقفهم ذاك في بيعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان منسجمين تمام الانسجام مع معطيات الكتاب والسنّة اللذَينِ لم يذكرا عليّاً ووصيته، ولم يدلَّا العبادَ عليها.
4- ولما جاء الشيعة لأئمة أهل البيت - الذين يزعمون محبتهم وموالاتهم - ورأوا سيرتهم العامة تُناقض دعواهم في الإمامة والوصية، وتنسجم تماماً مع دلالات الكتاب والسنّة وما عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وتتناسق مع خط الأمة العام، لما رأوا ذلك كله منهم، قالوا: إن الأئمة كانوا يعطون التقية في ذلك كله، فما كان يظهر منهم موافقاً لخط الأمة العام ومخالفاً لما عليه الإمامية، نسبوا ذلك كله إلى التقية؛ حتى يجيِّروه لصالحهم .
وإمعاناً منهم في هذا الاتجاه؛ صادروا كل أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم التي لا تستجيب لمتطلبات عقيدتهم بأنّ كل ما ورد عنهم من ذلك موافقاً لأهل السنّة والجماعة، فإن الرشد في خلافهم؛ لا لشيء إلا لأجل أن تسلَم لهم أصولهم في الإمامة والوصية، ويزيلون بها وحشتهم.
إن قولهم: "إن تسعة أعشار الدين في التقية"؛ يدل دلالة واضحة وصارخة على أن تسعة أعشار ما عليه أهل البيت - والأئمة بالذات - من الدين الذي يدينون الله تعالى به؛ لا ينسجم ولا يتفق مع القول بالإمامة؛ وإنما ينسجم مع الخط العام للأمة والذي يمثله أهل السنّة والجماعة. ولما كان ذلك كذلك؛ فلا بدّ من دفعها ومصادرتها بمثل هذه الدعاوى الفارغة، لأنها لا تتفق مع مذاهبهم.
فانظر كيف فعلت الإمامة فعلَها، فلم تدعْ شيئاً من دين الله إلا أتت عليه ونقضته؛ فلا كتاب ولا سنّة ولا صحابة ولا حتى أهل البيت، إنها لم تُبق على حامل ولا على محمول إلا أزاحته ونقضته، وهي كالإعصار الجارف الذي لا يَدَعُ شيئاً إلا أتى عليه. وهي كما ترى أداة تخريب وهدم، وليست بأداة بناء وردم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا؛ بل إنهم أعلنوها صراحة: أن الرسول بل الله تعالى نفسه إن لم ينسجم مع معطيات هذه الإمامة ويكون عليٌّ خليفته؛ فـلا الربّ ربهم ولا الرسول رسولهم، قال قائلهم: "إن الربّ الذي خليفة نبيّه أبو بكر ليس ربنا، ولا ذلك النبي نبينا" (3) فانظر ماذا فعل الغلو بأهله !!؟؟
وانظر إلى تداعيات هذه الإمامة وآثارها ومخاطرها وانحرافها على كل شيء :
- فالقرآن محرّف .
- والسنّة محرّفة ومكتومة .
- والصحابة مرتدّون .
- وأهل البيت يعطون التقية في أمورهم كلها؛ فلا يظهرون دينهم الذي يدينون ولا ديدنهم الذي حوله يحومون .
- ثم لا ربّ ولا إله، ليس عليّ إمامه.
- ولا نبيّ ولا رسول ليس عليّ خليفته.
- وحاصل ذلك كله ما عبّر به بعضهم: إن إسلاماً بلا عليّ عفطة عنز أو قلامة ظافر .
فهل بقيَ من دين الله تعالى شيءٌ لم ينقضوه ولم ينقصوه !؟.
كل ذلك لأن هذه الأصول لا تتفق مع الإمامة ولا تنسجم مع معطياتها .

القراءة الأخرى
وعليٌّ هذا الذي له كلّ هذه المزايا والخصائص والمقامات، عليٌّ الإمام الذي انطوى فيه العالم الأكبر، عليٌّ الذي يتصرف في جميع ذرات الكون بمقتضى الولاية التكوينية التي مُنحت له، عليٌّ الذي ماخلق الله الخلقَ إلا لأجله، وما امتُحنت الخلائق إلا به، وما دخل أحدٌ الجنة أوالنار إلا به وله؛ عليٌّ هذا بلحمه ودمه وشحمه - وفي التصور الإمامي نفسه - له صورة أخرى وقراءة أخرى عندهم غير هذه تماماً؛ بل تُناقضها تناقضا صارخاً لا يُحتَمل، ولا يمكن أن تجد لها محملاً إلا على بساط الكذب والافتراء والغلو الذي لا يجيد القومُ غيرَه، ولا تجدها إلا في الأساطير والأوهام والخرافات.
والغلو لا سماء له ولا أرض، ولا يقف عند حدّ، وله أحوال يتقلب فيها إما بالزيادة والتهويل أو بالنقيصة والعويل؛ والشيعة الإمامية لهم نصيب من هذا وهذا؛ لا بل إنهم حازوا السبق البعيد في هذا وذاك، ولهم القدح المُعلى فيهما .
وكان لهم في عليّ والأئمة الأحوالُ كلها والمواجيدُ جميعها؛ يتقلبون فيها كيفما يشاؤون، ويتلونون - بها - كالحرباء، ويلتفون حول أنفسهم كالحية الرقطاء كما يحلو لهم ويشتهون، ويتفلتون وينفلتون بحسب ما تقتضيه أهواؤهم ونزواتهم ونزعاتهم ونزغاتهم.
فهم حين يرفعونه يبلغون به أعلى المقامات التي لا تنبغي إلا لله وحده ويُصَعِّدونَ النظر فيه إلى ما لا نهاية، فليس فوقه شيء، وحين يهبطون به؛ فإنهم ينحدرون به إلى أخس الدركات التي يتنزه عنها ويأنف منها السَّقَطة من الناس فضلاً عن أفاضلهم فضلاً عن عليٍّ رضي الله عنه وأرضاه، ويبلغون بهذا الانحدار مبلغاً ليس دونه شيء.
وهكذا فهم لا يعرفون التوسط في الأشياء؛ أوتوا من كل شيء أعلاه أو أدناه، واجتمع فيهم طرفاً التطرف والإجحاف.
إن عليّاً هنا غيره هناك، إنه هنا شخص آخر لا يمتُّ إلى ذلك بصلة، بل لا نسبة بينه وبينه إلا في التسمية فحسب؛ فعلي الآخر - كما سنرى - خوّار جبان ضعيف مقهور مغلوب على أمره لا غيرة له على عرضه ولا على بناته ولا على دينه؛ حاشا عليّاً الذي نعرفه ولا يعرفه القوم لا في إفراطهم فيه ولا في تفريطهم له، لا في غلوهم فيه ولا في جفائهم له؛ فكلتا الوجهتين لا تعرف عليّاً حق معرفته ولا تُعرِّفُ به؛ فحقيقة عليّ تجدها بين الإفراط والتفريط، وتجدها عند النمط الأوسط بين الصنفين الهالكين، وخير من يمثلهم في ذلك هم أهل السنّة والجماعة .
وترى تجليات عليّ الآخر في هذه الأحوال البشعة التي تقلب فيها وانحدرت به الإمامية إلى الدركات التي لا نهاية لها :
- فعليٌّ؛ صاحب المقامات هذا؛ يُسلَب منه حقُّه الإلهي في الخلافة والإمامة، فلا يُحِدث شيئاً؛ لا بل يساق - صاحب الولايات والمقامات - إلى بيعة أبي بكر صاغراً ذليلاً خوّاراً لا قوة له بهم ولا قدرة له على دفعهم، فلا أدري لِمَ لَمْ تسعفْه الولاية التكوينية (التي يخضع لسيطرتها وولايتها ذرات الكون) في استرداد حقّه المسلوب في الولاية السياسية؛ حتى يحتاج إلى شيعته لكي يطالبوا له بحقّه ذاك.
- وتحرم زوجته من حقها في ميراث فدَك وخيبر، فيلوذ بالصمت ويعزّي نفسه بالأماني .
- بل يقتحم الصحابة عليه بيته، ويكسرون ضلعَ زوجته، وتجهض بجنينها، ويحرق عليه بيته وهو مختبئ تحت السرير أو خلف الباب - اختلفت فيها رواياتهم!! - ولا يجرؤ على مواجهة القوم وهو يراهم يفعلون بزوجته - ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم- من الأذى والإيلام ما تستبشع له الأبدان وتستشنعه الأذهان.
- ويُغتصب عرضُ ابنته أم كلثوم؛ فيأخذها عمر عنوة من بيت أبيها، فلا ينهض عليّ ولا ينتهض، ولا تحركه غيرته للانتصاف والانتصار .
- ولم تتوقف عجلة المظالم له ولأهل بيته؛ حتى تعدّت إلى دينه الذي ما جاء الإمام إلا لحراسته وصيانته وحفظه؛ فيرى بأمّ عينيه كيف يُحرِّف الصحابةُ كتابَ الله تعالى يقدمون فيه ويؤخرون، وينقصون منه ويزيدون، يحرّفون الكلِم عن مواضعه، ويحملونه على غير محامله فلا تتحرك مشاعره ولا تهتز جوانحه، لا بل يسهم معهم - رضي الله عنه وحاشاه - في إخفاء ما لا بد من إظهاره وإشهاره إبقاءاً لحجة الله على عباده؛ فيعمد إلى القرآن - بحسب الرواية الشيعية - فيودعه عند الإمام الغائب إلى أن يحين ظهوره الموعود في الزمن المفقود!
ولا أدري هل كانت هذه هي العقوبة المناسبة لكل ما فعله الصحابة من البلايا والرزايا بحق عليّ وأهل بيته ودينه، بحيث تنسجم معطياتها مع شناعات الصحابة أنفسهم، ومن جنس العظائم التي اقترفوها، وهل كانت هذه العقوبة - بحد ذاتها - إلا ما يريده الصحابة!؟.
وهل كان عليّ - بفعله هذا - يعاقب الصحابة أم يتآمر معهم على هدم الإسلام حاشاه؟
فهولاء يتآمرون على القرآن والسنّة بعد مؤامرتهم في صرف الإمامة عنه، ثم هو - عليّ - يكمل لهم المشوار، فيخفي هذا القرآنَ عن الأمة، ويتركها على غير ما تركها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً..." فمن ترك الأمة سادرة في ضلالها بعد هذا الخفاء؟ وهل حُفِظَتْ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الجفاء؟
لقد أخفى القرآنَ الحقَّ، وفيه الآيات البينات، والحجج الدامغات، والدلالات المحكمات الدالة عليه وعلى إمامته؛ فأتمّ بذلك وختم ما بدأ به الصحابة؛ فزاد الطين بلّة والأمر سوءاً، كالذي أراد أن يطبب زكاماً فأحدث جذاماً، أو كالذي أراد أن يبني قصراً فهدم مصراً.
- ثم إن أبا بكر وعمر وعثمان كتموا السنّة، ومنعوا وعاقبوا كل من يتجرأ على روايتها وتدوينها، فحالوا بينها وبين الناس صرفاً لهم - بزعم الشيعة - عن حق عليّ والأئمة الذي تضمنته. وعليّ يرى ذلك كله - وبأمِّ عينيه - لكنه يسكت فلا ينبس ببنت شفة.
- ليس هذا فحسب، بل هم - الصحابة - يتلاعبون بالأحكام الشرعية؛ يحلون ما يشاؤون، ويحرّمون ما يشاؤون، ويحكمون بما يشاؤون، ويضربون بالنصوص عرض الحائط، ويجتهدون في موضع النص، ويعملون رأيهم في كل شيء، ويخالفون في كل شيء، ويدفعون كل شيء؛ يفعلون هذا كلّه وعلى مرأى ومسمع من عليّ، ثم لا نراه يحرّك ساكناً، لا آمراً بمعروف، ولا ناهياً عن منكر .
- وعليّ لم يكتف بالسكوت والصمت وعدم الإنكار لهذا كله؛ بل ساير الصحابة، وتخلى عن سفينته - سفينة النجاة - فسدل دونها ثوباً، وطوى عنها كشحاً، وامتطى سفينتهم وساير موجاتهم؛ يميل حيث يميلون ويسير حيث يسيرون؛ لم يتخلف عنهم وعن ركبهم ومركبهم؛ يجاملهم ويداهنهم ولا يظهر منه إلا الموافقة لهم ومتابعتهم حذوَ القذّة بالقذّة، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، لا بل أبقى سيرته هذه على وتيرتها وفي نفس مساراتها ومنحنياتها؛ حتى حين أفضت الأمور إليه وانتقلت إليه، إذ لم يخرج عن خطهم ومسيرتهم قِيدَ أنملة؛ بل بقي تابعاً أميناً وجندياً مطيعاً، وهو القائل: "ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم".
وهكذا كان - رضي الله عنه - إلى أن أفضى إلى ربِّه - عز وجل - لم يخالف في ذلك ولم يتخالف، ولم يفارق - فيه - ولم يتفارق .
- والشيعي الإمامي وهو يستعرض هذه السيرة لعليّ - بلا حياء ولا استحياء - لا بد له - كالعادة - أن يُخْرِجِ نفسه من مطباتها في لوازم المتابعة والمسايرة، وتوابعها في دفع الإمامة ونقضها، فما يجد بدّاً من التعقيب على ذلك كله تعقيباً سمجاً لا يقل عن قبح الخاتمة التي يختم بها حديثه في المقامات والأحوال، فيقول: "كل ذلك بأمر رسول الله له ووصيته له بالسكوت والإذعان والاستسلام".
فكان في الأولى صاحب الولايات والمقامات والدرجات التي لا تنتهي (بإذن الله)، وفي الأخرى في المهلكات والدركات (بوصية رسول الله)، فيا للعجب الذي لا ينقضي مع الإمام والأئمة، ولا ينتهي!!!
وضاعت حقيقة عليّ والأئمة بين الإذن والوصية، فتدبروا!!!
حقاً... عليٌّ - هنا - ليس عليّاً هناك، وعليّ هذا ليس عليّاً ذاك؛ فقد ذهبت حقوقه واختفت مقاماته ومعالمه، واندرست علاماته وشاراته، وتجرّد من كل شيء، ولم يستطع استعادة شيءٍّ منها في حياته ولا بعد مماته؛ حتى احتاج إلى شيعته ليطالبوا له بحقّه، ويستردّوا له مفقودَه، ويردّوا له ظلامته ومظلوميته، ويثأروا له من أعدائه؛ فهم لأجل ذلك نصبوا له - ولأهل بيته - المنائح والأحزان، وبذلوا لهم الدموع والأشجان، ليستميلوا لهم قلوب الناس، ويستدروا لهم عطفهم وشفقتهم؛ فهم يبكون مظلوميته ليلاً ونهاراً، قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم وبطونهم، يلطمون لهم صدورهم ووجوههم، ويشقون لهم رؤوسهم، ويسلخون لهم ظهورهم؛ لأن مأساة الإئمة بفقد مجدهم وسؤددهم لا يعوضها إلا ماء الشؤون الغزيرة، وبحر الدماء الفائرة الثائرة الحسيرة.
وأولاد عليّ وذريته؛ لم يكونوا أفضلَ حالاً من أبيهم؛ كان دينهم وديدنهم مجاملات لأعدائهم واسترضاءً لشانئيهم، لا يُسأل أحدُهم عن مسألة إلا تلفّت يمنةً ويسرةً قبل أن يجيب؛ خوفاً ورعباً، وكانت أحكامهم وفتاواهم تبعاً لحالات القلق والأمان والاستقرار والاضطراب .
وقد يجيب عن المسألة الواحدة أجوبة شتّى؛ يَضرب بعضُها بعضاً، ويَنقض بعضُها بعضاً، يُضِّيع بذلك على الأمة دينَها الحق لأجل أن يوفر لنفسه جواً من الأمان والأطمئنان، ويدفع عن نفسه غائلة أعدائه، ويسلم هو وأتباعه من تسلط السلطان وجور الزمان، فبَدَل أن يقوم بوظيفته في حراسة الدين وصيانته من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين؛ فإنه يساير هؤلاء جميعاً توظيفاً للدين نفسه في حراسة نفسه وحمايتها وصيانتها، ويدعُ الشيعةَ بعده حيارى يتلفتون - على سنّة إمامهم - يخبطون خبط عشواء لا يدرون أين يذهبون؟ يبحثون في ركام الروايات التي اختلفت وتناقضت وتمانعت، يبحثون فيها عن دين الإمام الحق، فلا يجدونه ولا يظفرون به، وإذا أصابوه مرة أخطؤوه مرات؛ فلا يزداد الناسُ به إلا حيرةً وشقاءً وقلقاً، فأين ذهبت مقاصد الإمامة يا عباد الله؟
هذا وبعد طول أنتظار ونفاد صبر والقوم ينتظرون اليوم الموعود في الزمن المشهود ليطالعهم الإمام الودود بالحق المحمود؛ يتلوا عليهم كتاب الله على حده المفقود ويقيم به الملة والحدود؛ إذا به يفجأ ويفجع شيعته قبل غيرهم بأنه يتأبط الكتاب ويدخل السرداب ويغلق الباب إلى السراب فلا تمتد إليه الأسباب إلا بالسفراء والنواب، يتهارشون على جيّف النيابة تهارش الكلاب؛ وبعد حين تخلو الأرض اليباب من الحجة والكتاب؛ فلا تبق إلا سوق الأرباب يسرحون فيها ويمرحون على مائدة الإمام الغلاب؛ يسوقون بها الدهماء إلى الدمار والخراب؛ وهم يصرخون بنا كل ساعة وكل حين : شاهرين في وجوهنا الخناجر والحراب: الثقلين.. الثقلين .. الثقلين.. العترة والكتاب ..العترة والكتاب ..العترة والكتاب .

وهكذا أسدل الأغيارُ والأغمارُ على مهديّهم الستار، وغاب – رعبا!- عن الأعين والأنظار، ولم تكتحل برؤيته الأبصار؛ وأنقضت به عدة الأئمة الأطهار؛ على بساط الأوهام والأسرار؛ لم يخلف لشيعته من أقلام ولا دوات ولا أحبار؛ في السراديب والجحر والأحجار؛ لا في العبيد ولا في الأحرار. فمن –بعدُ - لعباد الله الأبرار من طوارق الليل والنهار؛ بعد جور الفجار وظلم الأكابر والأشرار، وبعد أندراس الثقلين الأصغر والكبار.

وهم في كل هذا في حيرتهم سادرون، وفي ضلالهم يتقلبون، وعلى وجوههم ينقلبون، كالشياه في الليلة المطيرة، لا يلوون على أمر، ولا يقرون على قرار، ولا يستقرون على حال؛ تفرّقت بهم السبل أيادي سبأ.
نعم ... ذهبت مقامات الأئمة، وطاشت صحائفهم، وانطفأت أنوارهم، وخبت تهاويلهم.
لم تدركهم ولايتهم التكوينية ولا التشريعية ولا الوجودية ولا ... ولا ....ولا ...إلخ؛ ذهب ما هنالك، ولم يبق من ذا شيءٌ البتة.
ورغم ذلك كله، ورغم هذا الغثاء الذي يفترونه وينحلونه الأئمة؛ فإنهم يزاودون على الأمة – كلها - على أنهم وحدَهم راكبو سفينةَ النجاة التي من ركِبها نجا ومن تخلف عنها غرق... زعموا!!!
فلتنجو بنفسها إن نجت ...
وختاماً ... فإن خلاصة تعاطي الشيعي الإمامي مع الإمام وفق تلك القراءتين السائدتين في أوساطهم، واللتين لا تنفكان عنهم ولا ينفكون عنها؛ هي أنه إما أن يدعوه ويعبده أو يبكيه ويندبه !!!
فإنّ الله تعالى - وفق الرؤية الإمامية - قد تنازل عن كلّ ما هو من خصائصه وصفاته وخلعها على الإمام المعصوم، ورضي أن يجلس على عرشه ويستريح بعد أن فوّض للإمام كل وظائفه ومهامه وتخلى عنها - طواعية – له، فالإمام يباشر شؤون الخَلق من دونه تفويضاً وتوكيلاً عنه سبحانه، ولولاه لساخت الأرض، وهم مع هذا التفويض العظيم، وهذه المهمة الجسيمة التي أوكلت إليهم كانوا مساكين مقهورين مذلولين مظلومين على مدار التاريخ؛ منعوا حقّهم في مباشرة مهامهم التي أوكلهم الله إيّاها .
ولأجل ذلك؛ فهم يستحقون الرحمة والشفقة منّا، وعلينا أن نبكيهم في الصباح وفي المساء، ونندب حالهم ونشكو مظلوميتهم .
هذا هو التشيّع الإمامي برمّته؛ وهذه هي إمامته، وهذه هي ديانته، وهذه هي معطياته؛ وهذه هي سفينته في النجاة؛ يزاودوننا عليها كلّ حين؛ ولا شيء غير ذلك!!!
وأما القراءة الثالثة؛ فانتظروها تأتيكم قريباً بمشيئة الله تعالى.




(1) - لكثرة ذكرهم لأئمتهم ومناقبهم ومقاماتهم؛ فقد انغمرت شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم عندهم، ولا تكاد تجد لها حضوراً في أوساطهم إلا بما يعزز مقامات الإمام ومنازله وأحواله ليس غير، والغُرابية كانت تعتقد أن الرسالة كانت لعليّ، لكن جبريل خانه فيها فأحالها إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والناظر في أحوال الإمامية في تعاطيهم مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا يجد كبير فرق بينهم وبين الغرابية، وأنهم لا يبتعدون كثيراً عن حقيقتهم، أولئك بنظريتهم واعتقادهم في الخيانة، والإمامية في تعاطيهم مع الأمر عملياً وتطبيقياً؛ بتحويلهم الرسول والرسالة إلى وسيلة في تقرير الإمامة وإثباتها ليس إلا، والحصيلة إذن واحدة، وهي أن يكون المقصود بالرسالة هو عليّ لا غيره، أولئك أثبتوها بالخيانة، وهؤلاء بمقصودها وغرضها؛ بل إن الإمامية جعلت علياً والدلالة عليه هو مقصود الرسالات كلها، فشأن الرسالة أقل وأصغر من الإمامة بكثير، بخلاف الغرابية الذين جعلوا علياً هو المقصود بالرسالة ابتداءاً فهو لا يتعداها .

(2) - المفوضة: من غلاة الشيعة، زعموا أن الله خلق محمداً، ثم فوّض له خلق العالم وتدبيره، ثم فوّض محمدٌ تدبير العالم إلى علي؛ فهو المدبر الثاني.
انظر عن المفوضة: مقالات الإسلاميين للأشعري: 1/88، الفَرق بين الفِرق للبغدادي: ص251، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي: ص90، الخطط للمقريزي: 2/351.
ومن كتب الشيعة: انظر: المفيد: تصحيح الاعتقاد: ص64-65، المجلسي: بحار الأنوار: 25/345.

(3) - الأنوار النعمانية لنعمة الله الجزائري 2/278.
مجلة الراصد


من مواضيعي
0 المعرفة في الإسلام مصادرها ومجالات
0 منطق الملحدين!!
0 الملحد والهوى
0 حجية الأئمة على القرآن
0 تهافت النظرية الدارونية
0 فذروه في سنبلة
0 الآثار النفسية الخطيرة لمشاهدة الأفلام الإباحية
0 النصرانية... ماهيتها... انحرافها

الباسم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المناهج, الآثار, التشيٌّع, والمخاطر, قراءة

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:49 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009