ضع اهداء فى ملتقى مقاومة التنصير


العودة   ملتقي مقاومي التنصير > الملتقى الاسلامى > الشيعه في الميزان
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 

أيـن أنـت مـن القـرآن؟؟؟

الشيعه في الميزان


أيـن أنـت مـن القـرآن؟؟؟

الشيعه في الميزان


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-19-2017, 04:04 PM   #1
الباسم
فارس
 
الصورة الرمزية الباسم
 

افتراضي أيـن أنـت مـن القـرآن؟؟؟

نداءات.. نداءات.. نداءات
نداءات الأمل في مفازات الهلاك.. نداءات الهدى في جهالات الضلال.. نداءات الحق في أوهام الخيال.
(( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ))[الانفطار:6-8].
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ))[الحج:73-74].
لقد جاء منادي الحق ينادي: (( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ))[المؤمنون:32].
فصار يهتف في طوفان نوح عليه السلام لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وراح يصدع في قوم الخليل عليه السلام وقد أبرموا أمرهم وأوقدوا نارهم أن: حسبي الله ونعم الوكيل، فجاءت بشرى: (( يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ))[الأنبياء:69]، وجاء متحدياً سحر آل فرعون وجبروته بـ: (( إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ))[الشعراء:62] فانقلب السحر على الساحر.
وجاء تثبيت أنك أنت الأعلى وانتهت المؤامرة بانقلاب السحرة الكفرة إلى شهداء بررة، وليرفعوا لافتة: (( آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ))[الأعراف:121-122].
وتمخض عن دعاء زكريا عليه السلام: (( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ))[مريم:3-5].. (( لا تَذَرْنِي فَرْدًا ))[الأنبياء:89]، فجاءته الملائكة تزف له البشرى: (( إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ))[مريم:7]، فما استكثر ذلك ولا استعظمه بوجود المانع وانتفاء الشرط، فالمرأة عاقر والكبر عتي حاضر، والعظم واهن، والرأس اشتعل شيباً، قال: (( كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ))[مريم:9].
وجاء بالحق ينادي في غيابات الفتنة بعد غيابات الجب عائذاً بالله: (( وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ))[يوسف:23]، فقال: (( مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ))[يوسف:23].. فهب عليه نسيم النجاة: (( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ))[يوسف:24].. ثم آل إلى السجن ليرسم للدعاة أن التوحيد ليس حكراً على حال: (( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ))[يوسف:39-40]، وختم بالحبيب عليه أفضل الصلوات وأذكى التحيات في مؤامرة القتل والإبادة قائلاً: (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟) وتصدق السماء قول الحبيب عليه السلام: (( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))[التوبة:40].
فالحمد لله في الأولى والآخرة، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.. الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يشاركه في الملك أحد، (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ))[الأنعام:1]، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه سبحانه، وأنى لنا ذلك وله كل كمال، وكل جلال، وكل ثناء، وكل مجد وكل مدح، وكل حمد، وكل عز وكل جمال، وكل خير وإحسان، وكل وجود وفضل منه وإليه.
فما ذكر اسمه جل وعلا في قليل إلا كثره، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلّق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العزة، ولا فقير إلا أصاره غنياً، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه، فبه تكشف الكربات، وتستنزل البركات، وتجاب الدعوات، وتقال العثرات، وتستدفع السيئات، وتستجلب الحسنات، وباسمه تعالى قامت الأرض والسموات، وأنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، وشرعت الشرائع، وقامت الحدود، وانقسمت الخليقة إلى السعداء والأشقياء، وبه حقت الحاقة، ووقعت الواقعة، ووضعت الموازين القسط، ونصب الصراط، وقام سوق الجنة والنار فهو سر الخلق والأمر، فالخلق به وإليه ولأجله، قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ))[الذاريات:56].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً، أحداً فرداً صمداً، جل عن الأشباه والأمثال، وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد.. قلوب العباد ونواصيهم بين أصبعين من أصابعه وفي قبضته، لا راد لحكمه ولا معقب لأمره، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، تبارك وتعالى على كل شيء قدير، وقد أحاط بكل شيء علما، فهو السميع الذي يسمع ضجيج الأصوات على اختلاف اللغات وعلى تفنن اللهجات، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح السائلين في سؤاله، وهو البصير الذي يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلية الظلماء، حيث كانت من سهله أو جباله، العليم الذي يعلم السر وما يخفى في عاجل الأمر وآجله، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف تكون أحواله، فالغيب عنده شهادة، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في أرضه أو سمائه، وهو الغني بالذات عن خلقه، وكل خلقه إليه فقر في كل أحواله.
سبحان ذي الجلال والإكرام وذي الفضل والإنعام! فلو كان الشجر كله أقلاماً تكتب والبحار كلها مداداً يمدها وهي تكتب بالليل والنهار عن عظمته وكبريائه ونعوت جلاله وجماله وكماله لنفذت دون أن تحصي عليه الثناء، فلا إله إلا الله رب الأرض والسماء.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائم بحقه، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أرسله الله رحمة للعالمين، وإماماً للمتقين، وحسرة على الكافرين، وحجة على الخلق أجمعين، بعثه على حين فترة من الرسل، وغباوة من الأمم، وانقطاع من الزمان، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته، وتعظيمه، وتوقيره، والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائماً بأمر الله لا يرده عنه راد، ومستمراً في مرضاة الله لا يصده عن ذلك صاد، إلى أن أشرقت الدنيا برسالته ضياءً وابتهاجاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار، فصلوات الله وسلامه عليه كلما غرد طير وطار.
أما بعد:
فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه سدى هملا، بل جعلهم للأمر والنهي محلاً، فلم يخلق سماءً مبنية ولا أرضا مدحية ولا إنساً ولا جان إلا لعبادته وحده دون ما سواه، قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ))[الذاريات:56].
فانقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقرب وبعيد، وأعطاهم مواد العلم والعمل من القلب والسمع والبصر والجوارح نعمة منه وتفضيلاً، فمن استعمل ذلك في طاعته فقد اتخذ إلى مرضاة الله سبيلا، وفاز فوزاً مبيناً، ومن استعملها في شهواته وهواه ولم يرع حق خالقه فقد خسر خسراناً مبيناً، وسوف يحزن حزناً طويلاً، فإنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء لقوله تعالى: (( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ))[الإسراء:36].
بداية الشرك:
اعلم رحمك الله ووفقك لكل خير بأن الله جل وعلا خلق عباده موحدين حنفاء فاجتالتهم الشياطين وأغارت على قلوبهم، وألقت عليهم شراك الغلو والفتنة، وألبست عليهم الحق بالباطل حتى استحسنوه تحت مظلة الحب للأولياء والصالحين، فأوحت إلى أوليائها زخرف القول غروراً: أن علامة صدق المحبين: خيال في العيون، وذكر في اللسان، ومثوى في الفؤاد بلا غياب.
فأوحت إليهم بعد موت الصالحين أن صورواً صور الصالحين، واصنعوا تماثيل الأولياء، وارفعوا قبور الأنبياء، فإنه أولى بالمحبين وذكرى للمشتاقين، وأقنعت المخالفين بأن هذا إنما هو محض ذكر الأولياء.
فلما طال عليهم الأمد وانتكست الفطرة، وطالت الفترة، ونسخ العلم وحل الجهل، وهلك القوم، وأنسيت الفكرة.
جاء قوم آخرون فألبسوا الحق بالباطل فصيروها أوثاناً وأصناماً تعبد من دون الله، وعلامة ودليلاً على الأنبياء والأولياء، ثم اتخذت بعدئذٍ مفاتيح الغوث والدعاء وترياق العليل والشفاء.
واستوى الأنبياء والأولياء بالله تعالى رب الأرض والسماء، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل الكتاب بالحق والميزان، فأفصحوا عن نعوت جلاله وكماله وصفات كبريائه وعظمته، فاجتمعوا على كلمة واحدة وهي: (( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ))[المؤمنون:32].
وكشفوا عن حيلة إبليس باتخاذ الأنداد والوسطاء والشفعاء بأن هذا الاعتقاد إنما هو سوء ظن برب العالمين السميع، العليم المجيب.
وهو محض تعطيل للأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو تشبيه الخالق بالمخلوق، والرازق بالمرزوق، الحي القيوم الذي لا يموت بالعبد الفقير الذي لا يملك لنفسه موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
قال تعالى: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ))[الأنعام:1]، أي: يجعلون له نداً مساوياً من خلقه.
وإذا جاء يوم القيامة؛ يوم الحسرة والندامة.. يوم تبلى السرائر، وتتجلى الحقائق، وتنكشف الضمائر بين يدي الحائر والمكابر يشهد أولئك بالقسم الصريح أنهم كانوا في ضلال مبين، قال تعالى مبيناً حالهم في ذلك اليوم: (( تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ))[الشعراء:97-99].
الفرق بين ملك الملوك وبين المملوك:
ولعمر الله إنه الضلال المبين، والطريق المظلم البهيم، والصراط الأعوج المهين، وسوء الظن برب العالمين، وتشبيه العلي القدير بالعبد الفقير الأسير، حيث زعموا بالقياس الفاسد البعيد أن الدخول على الله بالدعاء أمر عسير وأنه لا يجيب من دعاه ولا يسمع من ناداه إلا بواسطة الأولياء والصالحين، كالدخول على الرؤساء والأمراء، فإنه لا يكون إلا بواسطة المقربين والوزراء، فما أقبح هذا القياس والتشبيه وما أظلمه وأفسده! فهو قياس مع الفارق الكبير، كالفرق بين السيد والعبد، والخالق والمخلوق، والمالك والمملوك.
فكيف يقاس الله ذو الجلال والإكرام بالسلطان العبد الفقير إلى الله؟! فإن الملك أو السلطان لا يعلم ما وراء الجدران وهو محتاج أبداً إلى الجواسيس والأعوان، والله تعالى العليم الخبير الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان.
والملك أو السلطان يحتاج إلى الجنود والحرس والأعوان ليدفعوا عنه الكيد والعدوان، والله تعالى القوي العزيز أمره بين الكاف والنون متى أراد شيئاً كان.
والملك أو السلطان يحتاج إلى الطعام والشراب والنوم والخلان، والله تعالى الغني عن العالمين، تقدس عن الخلق أجمعين، واستغنى عن الولدان والزوجات والخلان.
وهذا سر الحكم بالشرك والكفران على من اتخذ الأولياء شفعاء ووسطاء إلى الله، فإن دعاء الوسطاء والشفعاء إنما هو تشبيه وتعطيل؛ تشبيه الخالق بالمخلوق وتعطيل الأسماء والصفات.
هذا وقد أبطل القرآن الكريم زعم المشركين أنهم لم يعبدوا الشفعاء والوسطاء وإنما جعلوهم باب الله الذي منه يدخلون، فيتوكلون عليهم وإليهم يلجئون، واعتبر ذلك كفراً وشركاً، قال تعالى: (( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ))[يونس:18]، فأنكر عليهم مبطلاً دعواهم وراداً حجتهم حجة التوسل والتشفع في تقريع وتوبيخ بقوله: (( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ))[يونس:18].
أي: أنه سبحانه ليس بحاجة إلى وسيط أو شفيع ليرفع إليه حاجات الخلق؛ لأنه لا يخفى عليه شيء من حال عباده، بل أنكر عليهم التوسط بالأولياء والصالحين، موضحاً أن الأولياء والصالحين عباد أمثالهم، لا يملكون لأنفسهم جلب نفع أو دفع ضر، فضلاً أن يكشفوا عنهم ضراً أو يحولوا عنهم سوءاً، بل إنهم مع قربهم منه جل وعلا يتقربون إليه بالخوف منه والرجاء في رحمته، قال تعالى: (( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ))[الإسراء:56-57].
وقال تعالى: (( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ))[الزمر:3]، فما أشبه اليوم بالبارحة، فإن عامة الناس اليوم يقولون إذا أمرتهم بإخلاص الدعاء والعبادة لله وحده وترك دعاء الأولياء والصالحين: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
إذا علمت هذا علمت أنه لم يحسن الظن بربه من سأل غير الله ونسب إليه الرزق والشفاء والمولد والدواء، وما أحسن الظن بالله! من نسب الخير والنعمة إلى الأئمة والأولياء، والشر والنقمة لله.
وإذا علمت هذا علمت أنه ما أشرك أحد في هذا الملكوت إلا وهو مشبه للمخلوق بذي الكبرياء والجبروت، وسوى الله رب الأرباب بالعبد الفقير التراب، سوى الله جل وعلا بالعبد الذي ناصيته ونفسه بيد الله، وقلبه بين إصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء، وحياته وموته بيد الله، وسعادته وشقاوته بيده، وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بإذنه ومشيئته، فلا يتحرك إلا بإذنه ولا يفعل إلا بمشيئته، وإن وكله إلى نفسه وكله إلى عجز وضيعة وتفريط وذنب وخطيئة، وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله أسيراً.
وهذه آيات القرآن الكريم تخاطب العقل والفطرة والجنان لمن ألقى السمع واعياً وأحضر القلب شاهداً: (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ))[ق:37] حيث يبين الله جل وعلا أن سر الخلق والأمر هو العبودية لله، فما استحق الأنبياء والأولياء المدح والثناء إلا بقيامهم بالعبودية لله، قال تعالى: (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ))[الإسراء:1] وقال: (( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ))[ص:45]، وقال عن أيوب عليه السلام: (( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ))[ص:30]، وقال: (( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ))[مريم:65]، وقال عن الملائكة: (( بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ))[الأنبياء:26]، وقال: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ))[الفاتحة:5].
أرأيتم إخواني الكرام، فإن منهج العبودية لا يقبل إلا الحصر والتخصيص، وهذا معنى شهادة (لا إله إلا الله) التي أفادت النفي والإثبات، نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها حصراً لله، أي: لا معبود بحق إلا الله.
والعبادة إنما هي الأقوال والأعمال التي يحبها الله ويرضاها الظاهرة والباطنة، كالدعاء، والصلاة، والذبح، والخوف، والرجاء، والاستعانة، والتوكل، والنداء، وهذه بمجموعها لا ينبغي منها شيء إلا لله إخلاصاً لا شائبة فيه أو رياء، قال تعالى: (( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ))[الزمر:3]، وقال تعالى: (( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ))[الزمر:2] كإخلاص يوسف عليه السلام وقد غلقت الفتنة عليه الأبواب وقالت: هيت لك بلا حياء أو ارتياب، بداعي الفتوة والشباب، فأدرك ألا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، فانقطع عن جميع الأسباب، وأعرض عن جميع الأبواب، فألقى نفسه على باب سيده ومولاه فقال: معاذ الله! فاستحق أن يخلد في الكتاب: (( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ))[يوسف:24].
وإخلاص يونس عليه السلام في ظلمات الهم والغم وشدة الحزن والكرب وقد أحاطت به من كل حدب وصوب، فنادى في بطن الحوت وهو مكظوم، وأطرق أبواب السماء بالدعاء: (( أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ))[الأنبياء:87]، فاخترق الدعاء السموات، وبدد الظلمات، وجاءته بشارات النجاة: (( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ))[الأنبياء:88]، وجعلها الله سنة للمؤمنين في كشف الكربات.. وكذلك ننجي المؤمنين.. قال تعالى: (( هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[غافر:65].
فشتان بين من يندب إلهه وربه عند الكرب والشدة وبين من يندب علياً عليه السلام قائلاً: يا علي.. يا أبا الشدات! أدركني!
فسبحان ربي العظيم كيف وصلت الأمة إلى هذا الخذلان المبين والجهل المطبق العظيم! حيث فاقوا الأولين في الإشراك، فإن الأولين إنما كانوا يشركون في الرخاء وإذا أصابهم الكرب والشدة أخلصوا لله بالدعاء، قال تعالى: (( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ))[العنكبوت:65]، أما اليوم فإنهم إذا أصابهم الكرب وماج بهم البحر فلا تسمع إلا صرخات الدعاء: يا علي.. يا جيلاني.. يا رفاعي.. فلا إله إلا الله!!
ولو سألت عن مذاهب المجرمين وطرائق الضالين لوجدت أضل خلق الله من أشرك في عبادة الله جل وعلا أحداً من الصالحين والأولياء وهو يعتقد أن الولي يسمع سره ونجواه، قال تعالى: (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ))[الأحقاف:5] وقال تعالى: (( يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ))[الحج:12].
لذلك جاء النهي الصريح من غير إشارة أو تلميح، فعن دعاء غير، الله تعالى على وجه العموم والتوضيح، فقال تعالى: (( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ))[الجن:18] ومعلوم في جميع مذاهب العلماء ومدارك العقلاء أن النكرة إذا جاءت في سياق النهي أنها لا تفيد إلا العموم، وقال تعالى: (( قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ))[غافر:66].
فهذا بيان قد بان لكل ذي بصر وعيان أن الدعاء لغير الله الواحد الديان مناف لدين الإسلام وعين الشرك برب العالمين.
قال تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ))[الجن:20] وقال تعالى: (( وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ))[القصص:87]، وقال تعالى: (( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ))[غافر:12].
حسرة المشركين يوم القيامة:
ومع يقين المشرك وإيمانه وإصراره والتزامه فلا يزال يعيش في أوهامه وينتظر لحظة لقائه بالأولياء والصالحين، إذا فإذن الله تعالى ليوم الدين فهنالك تظهر الحسرات، وتتعالى الصرخات، وتخيم الندمات، عندما يتبرأ الملائكة والأنبياء والصالحون والأولياء من كل شرك وعبادة لهم أو دعاء، فينقلب الأمر عليهم بما لم يكن بالحسبان، قال تعالى: (( وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ))[النحل:86] فيا حسرة من أشرك وهو يثق بيقين أن الأولياء والصالحين شفعاء المشركين فيفاجأ أنه: (( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ))[غافر:18]، ويا حسرته وهو يتطلع إلى من أشرك وهو يرقبه بلهفة ورغبة وتربص وطمع أن ينفس كربته، وأن يرحم زلته، وأن يشفع فكرته، فيجد الأمر كله لله الواحد القهار، وبعد هذه اللهفة والرغبة يأتيه الجواب: (( فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ))[النحل:86]، ثم يتبع ذلك بالبراءة من شرك المشركين بقولهم: (( تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ))[القصص:63]، وما أمرناهم بذلك بل كانوا يعبدون الشياطين، ونسوا وصية رب العالمين، وعهده على الآدميين، قال تعالى: (( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ))[يس:60-61].
وأنى للأنبياء والأولياء أن يصدّقوا على الشرك بالله تعالى وقد كانوا هم يدعون ربهم رغباً ورهباً وكانوا لله خاشعين؟! بل الأنبياء هم الذين جاءوا بالكتاب المبين الذي يحكم على الشرك بالله العظيم أنه الكفر الأكبر المبين، وعلى ذلك درج الأولياء والصالحين يدعون إلى توحيد الله وحده دون ما سواه ويحذرون من الشرك بالله قال تعالى: (( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ))[غافر:14] وقال تعالى: (( حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ))[الأعراف:37]، لذلك يشهد المشركون بعد أن تتجلى الحقيقة في يقين أنهم إذا كانوا يلهثون في سراب وينادون من لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئاً، فيقرون بهذه الحقيقة المرة، أنهم كانوا في ضلال بل لم يكونوا في الحقيقة يدعون شيئاً، قال تعالى: (( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ))[غافر:73-74].
من يدفع الضر ويكشف السوء؟
إخواني الكرام:
كم من داعٍ اليوم يدعو باللفظ الصريح: يا علي.. يا جيلاني.. يا عباس! وكم من داع اليوم يدعو وهو يعتقد أن الأولياء يسمعونه حيثما كان وفي أي مكان! وكم من داع اليوم يدعو وهو يعتقد أن الأولياء على كل شيء يقدرون، وأن لهم اختصاصاً في كشف المضرات وإغاثة اللهفات! وكم من خائف وجل مرتجف من أن يحلف بالإمام زوراً وبهتاناً وهو ليس كذلك عندما يحلف برب الإمام!
إن هذا الاعتقاد يجعل الإمام نداً لله في العبادة، فالعباس عليه السلام عبد لله لم يكن على كل شيء قدير، ولم يكن قد أحاط بكل شيء علماً ولا زعم ذلك، حاشاه، بل كان يعرف قدر نفسه كونه عبداً لله، والعباس عليه السلام أعلم الناس بقول الله: (( وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ))[الأعراف:188] وهذا في حق الرسول عليه الصلاة والسلام وهو له من باب أولى، وهذه حقيقة ناطقة، فإن العباس عليه السلام لم يكن يعلم مؤامرة أهل العراق ولا خيانتهم لسيد شباب أهل الجنة، بل فوجئوا بالخيانة والفرار، ولم يكن يستطع أن يدفع القتل عن نفسه، وقاتل حتى قتل شهيداً عليه السلام.
فعندما يدعوه مائة شخص في العراق ومثلهم في الهند ومثلهم في أمريكا. فالعباس عليه السلام لا يستطيع أن يسمع في الحياة ولا أن يعلمهم فكيف وقد مات عليه السلام؟! بل هذا الأمر من خصائص الله الذي يعلم السر وما يخفى، ويسمع السر والنجوى، ويجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، أما العباس عليه السلام وعامة الأولياء والصالحين ليس لهم من ذلك شيء، وإليك على ذلك الدليل والبرهان، قال تعالى: (( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ))[المائدة:116]، ومعلوم أن دعاء غير الله تأليه له كما قال تعالى: (( فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ))[هود:101] فما من المسيح عليه السلام إلا أن يقول الحقيقة التي أشرنا إليها آنفاً، فقال: (( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ))[المائدة:117] فأنعم النظر في قوله تعالى: (( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ )) أي: ليس لي علم إلا بما شاهدته وحضرته حال عيشي بينهم، ثم قارن ذلك مع قوله تعالى: (( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ))، أما أنا فغائب عنهم لا أعلم من أحوالهم شيئاً، بل هذا إليك أنت وحدك: (( وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)).
ومثل هذا المعنى جاء في حديث الحوض، حيث يذاد أناس من الأمة ويحال بينهم وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام عند الحوض فيقول: (أمتى أمتى، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، على هذا المعنى الدليل الصريح ونبأ العليم الخبير، قال تعالى: (( إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ))[فاطر:14].
فيا خسار من أعرض عن الله في كربه وبلواه وألقى نفسه على العبد المخلوق! ويا خسار من بغى ومن تعدى وطغى على الله العلي المولى، السامع لكل شكوى.
يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشـر بخـير فإن الفـارج الله
الله يحدث بعد العسر ميسـرة لا تجزعــن فإن الكـافي الله
وإذا بليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هـو الله
واللـه ما لك غير الله من أحد فحسبـك الله في كل لك الله
قال تعالى: (( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))[الأنعام:17]، وقال تعالى: (( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ... ))[النمل:62] هذا أيوب عليه السلام ألمت به المصيبة، وأحاط به الكرب، واشتد عليه البلاء فعمد إلى جبة العبودية فلبسها وألقى نفسه على عتبات باب أرحم الراحمين، ورفع لافتة الذل والانكسار، ولسان حاله ومقاله يهتف: يا ألله! وقدم إحسان الله ونعمته عليه وربوبيته إياه بقوله: ربِّ! ثم اتبع ذلك مناجاة المخلصين: (( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ))[الأنبياء:83]، في استكانة وأدب وانكسار، فجاءته فاء التعقيب والفوز بالبشرى: (( فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ))[الأنبياء:84]، وتقلد وسام القدوة للعابدين، (( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ))[الأنبياء:84].
فالله -أيها الأحباب الكرام!- هو الذي كشف ضر أيوب عليه السلام، وهو الذي حفظ موسى بالتابوت، وهو الذي نجى يونس من بطن الحوت، وليس ذلك لأحد كما يزعم المبطلون.
وهذا سؤال يطرح نفسه قائلاً: إذا أصابك الكرب هل يقدر الله على كشفه أم لا يقدر؟ وهل يعلم حالك ويسمع صوتك ويجيب صرختك أم لا؟ فإن كان الجواب بلا كان قائله أكفر الخلق برب العالمين نصاً وإجماعاً، وإن كان الجواب: نعم. فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.. قال تعالى: (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ))[الزمر:36]، وهذا عين السؤال المتقدم، فاختر لنفسك جواباً، فقال تعالى: (( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ))[النمل:62]. فاختر لنفسك جواباً واختر لنفسك مجيباً.
تعال -أخي الحبيب- للنظر في الكتاب المجيد وهو يبين لك بأن الله هو القريب المجيب وأن غير الله تعالى لا يسمع ولا يجيب:
قال تعالى: (( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ))[البقرة:186]، وقال تعالى: (( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ))[الرعد:14]، وقال تعالى: (( قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ))[الزمر:38]، وقال تعالى: (( وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ))[فاطر:14]، وقال تعالى: (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ))[الأحقاف:5]، وقال تعالى: (( وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ))[القصص:64].
ومعرفة ذلك وإدراكه إنما يكون بمعرفة صفات المخلوقين ملائكة، وأنبياء، وأولياء، وصالحين، قال تعالى: (( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ))[الأعراف:197]، فكم من نبي أوذي وكذب وقتل؛ قال تعالى: (( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ))[البقرة:87].
وقال تعالى: (( وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ ))[فاطر:22]، وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ))[النحل:20-21]، وفي هذه الآية نكتة عجيبة وكشف شبهة مريبة، وهو قول أهل الإشراك والقبور: إن هذه الآيات في حجارة الأصنام بالذات في عزى ومناة واللات. فهل الأحجار تبعث من القبور؟! لو كانوا يفقهون، فإن هذه الحجارة إنما هي تماثيل الصالحين وصورتهم وما سمي اللات لاتاً إلا لأنه كان رجلاً صالحاً يلت السويق للحاج، ثم انظر إلى استخدام (الذين) أداة صلة موصولة بالعقلاء على الدوام وليس لها أي علاقة بالجمادات، فتأمل ذلك فإنها توصلك إلى الصواب بإذن الله. وقال جل وعلا في ذكر العباد المؤهلين من دون الله بأن صفات العبودية لازمة لهم على كل حال: (( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ))[المائدة:75-76]، فتأمل أخي الكريم في قوله: ((كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) فإنها قاعدة مضطردة في جميع المعبودات من دون الله، فإن الآية تبين أن عيسى عليه السلام وأمه كانا يأكلان الطعام، ولا شك أن الجميع يعلم أنهما كانا يأكلان الطعام، فلا بد أن الله تعالى أراد أن يبين بهذه الآية شيئاً آخر وهو: الإشارة إلى صفة الحاجة والفقر في المسيح وأمه، وإن الحاجة والفقر لا يليقان بالإله، فتعين كونهما مخلوقين عبدين لله وإنهما لا يملكان لأنفسهما ولا لغيرهما ضراً ولا نفعاً، لذلك جاءت الآية التي تلي هذه الآية مباشرة: (( قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ))، فقس على ذلك باقي الأنبياء والصديقين والأولياء تحصل على الهداية والنجاة، وهذا تقرير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي سد جميع الأبواب في هذا الباب بطريق الأولى كما جاء في الكتاب:
قال تعالى: (( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ))[الأعراف:188].
وقال تعالى: (( قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا ))[الجن:21].
وقال تعالى: (( وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ))[المائدة:41].
وقال تعالى في الأولياء: (( فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا ))[الإسراء:56].
وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ))[فاطر:13].
أبعد هذه الآيات البينات يبقى لذي لب وعقل أدنى شك أو ظن في الفارق الكبير بين صفات الخالق والمخلوق من الإغاثة، والإجابة، والخلق والحفظ والشفاء وإنها لا تنبغي لغير الله؟ فمن أولى بصفات: سميع.. بصير.. مجيب.. كاشف.. مغيث؟ آلله تعالى أم العبد المخلوق الفقير؟
فيا لله لو رأيت النساء والرجال عند قبور الأولياء من الأئمة والصالحين، وقد خشعت قلوبهم، وذلت رقابهم قد طؤطئت رءوسهم في ذلة وانكسار وبكاء وإلحاح وإصرار، رافعين أكف الضراعة إلى قاضي الحاجات ومجيب الدعوات ومغيث اللهفات، وهم يهزون شباك الضريح، يندبون ويصيحون: جئناك قاصدين، فلا تخذلنا، وطالبين فلا تردنا، منك نريد مرادنا، وأما غيرك فلا!!
ولو أدرت البصر ذات اليمين وذات الشمال أبصرت من الأحوال والأقوال ما تكاد تنشق له الأرض وتخر له الجبال هدا أن زعموا لله نداً.
فهذه تصرخ في الشباك هناك: يا أبا الحسن! انقطعت الأسباب، وعجز الطب والطبيب، وأغلقت دوني الأبواب، ولك عليّ القربان العظيم، وما أطلب منك إلا الولد، وإياك أدعو يا لاهوت الأبد!
وتلك تدعو: يا أبا فاضل! لقد طالت الأيام، وتباعد بي الزمان، أسألك الزواج في العاجل قبل الآجل، ولك عليّ الدهر كله لك وعنك أفاضل!
وأخرى تطلب الرزق والجاه، وآخر يطلب كشف الضر بعاجل الشفاء، وآجل التوفيق والعطاء!
وهم يتهامسون بينهم: اطلب كل شيء فهو يعطي الحاجة باليد، وادعوه على من شئت، فإنه ينتقم بالحال كما إن رأسه حارٍ يقصم كل طاغية وجبار دون تأخير أو خيار، ويسطرون لذلك الحكايات والقصص يحفظها الصغار والكبار.
وآخرون اتخذوا إلهاً آخر هم به يثقون، يدعونه في الشدة والغوث: يا جيلاني.. يا من سمعت صوت الفتاة من الهند إلى بغداد.. يا غياث المستغيثين بقبقاب؟! يا من يجيب الدعوات على اختلاف اللغات! إياك أرجو قضاء حاجتي أن تنفس كربتي، وجعلوا لكل إمام نصيبه من الناس، فهذا إمام العشيرة الفلانية.
وذاك سبع الدجيل فهو اختصاص في إغاثة أهل الدجيل.. وآخر للجزيزة، وآخر لعقم النساء، وآخر للشفاء، وتقطعوا أمرهم بينهم كل قوم بما عندهم من الأولياء والقبور فرحين.
وما أبقوا شيئاً يذكر لله اللهم إلا الحلف الكاذب في البيع والشراء، فهضموا حقه تعالى وخالفوا أمره، وما قدروا الله حق قدره، وإذا ذكر الله وحده زمجرت وجوههم وضاقت صدورهم، وإذا ذكر الأئمة والأولياء إذا هم يفرحون ويباركون ويقولون: ما شاء الله! عنده يقين! أي: في الإمام، وحق عليهم قول الله تعالى: (( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ))[الزمر:45].
هذا الحال وغيره لا يحتاج إلى النظر والاستدلال، فلو اختلفت مع أي منهم في البيع والشراء لغلق عليك جميع الحلول إلا أن تجعل العباس عليه السلام بينك وبينه كفيلاً؛ لاعتقاده أن الكاذب سوف يكون حسابه مع الكفيل، فيطمئن ويرضى دون أي رد أو بديل! ولعمر الله إن هذا لهو الضلال البعيد والشرك الذي حرمه الله العزيز المجيد، وحرم الجنة على أهله حتى يتوبوا إلى الله بالتوحيد، قال تعالى: (( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ))[المائدة:72]، وكتب على أهله ألا يغفر لهم فقال: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ))[النساء:48]، وضرب في ذلك الأمثال فقال: (( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ))[العنكبوت:41-43]، وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ))[الحج:73-74].
فحذارِ أخي الحبيب! الذنب العظيم والظلم العظيم: (( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ))[لقمان:13]، فالله جل وعلا: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ))[الشورى:11]، ومهما نقبت في نعوت الأنبياء والأولياء والعظماء والحكماء والملوك والرؤساء، أعييت نفسك ولم تجد له سميا، وأتعبت عقلك ولم تدرك له شبيها سبحانه وتعالى عما يصفون.
فمن الذي أضحك وأبكى؟ ومن الذي أمات وأحيا؟ ومن الذي أغنى وأقنى؟ إنه الله جل وعـلا.. من الذي أهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى؟ إنه الله تبارك وتعالى، فقال سبحانه وتعالى: (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ))[هود:6]، وقال سبحانه وتعالى: (( مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ))[هود:56] وقال: (( الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ))[طه:50].
وكل خلقه في قبضته وتحت قهره وعلمه لا يضل ربي ولا ينسى، (( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ))[مريم:93-95].. (( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ))[النمل:26].. (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ))[طه:5-7].. (( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ))[الجاثية:6].. (( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ))[النجم:55]، فإياك والهوى فإنه يقود إلى الهوان ويضل عن سبيل الله.
نون الهوان من الهوى مسروقة فإذا هويت فقد لقيت هوانا
ولا ترجع إلى الرضاع من الهوى بعد الفطام، فالرضاع للصغار الأطفال لا للرجال ولابد من الصبر على مرارة الفطام، فإن صبرت كوفئت بحلاوة الإيمان بديلا من مرارة الهوى.
قال تعالى: (( إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ))[الأنفال:70].
ولا تكونن في زمرة الأشقياء الذين ورثوا الضلال والشقاء عن الأجداد والآباء، الذين يقولون عن حسرة الاقتداء: (( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ))[الزخرف:23].
وعليك بالقرآن الكريم والنور المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
الذي جعله الله تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين. فقال في أوضح العبارة وألطف الإشارة: (( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ))[الأنعام:38].
ثم تأمل في مواضيع الكتاب، هل ترى قبور الأنبياء والأولياء؟ وهل ترى دعاءً لغير الله؟ هل ترى باباً مزاراً يدعى باب المراد، أو باب الحوايج؟ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير، فلن تجد إلا باباً واحداً هو باب: (( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ))[النمل:62]، ويغيث المستغيث إذا ناداه.. يا ألله! باب العلي القدير.
ثم تأمل في الموضوعات، فهل ترى ما يؤيد الطرق الموضوعات؟ فإن طريقة القرآن لذي الألباب معروفة ولذي الأبصار محسوسة ملموسة في أساليب الاهتمام، والإكثار من ذكر مسائل الدين الكبار كالتوحيد والصلاة والصيام والزكاة.
فأين الدليل على هذه الخرافات؟ أين الدليل على الإمامة بالنص والتعيين التي أصبحت أعظم من التوحيد والصلاة؟ أين الدليل على الطريقة التي يكون المسلم بغيرها في ضلال وحرمان ويكون شيخه الشيطان؟ (( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ))[الأنعام:143].. أين البرهان على قصد قبور الأنبياء والأئمة والأولياء للدعاء والشفاء؟ أين دليل الزيارات التي تلازم العبد مدى الحياة؟ أين دليل الطواف بالقبور والأضرحة وتنوع الطلبات على الإمام؟
لو فتشت في جميع الآيات فإنك لن تجد إلا هيهات هيهات، ومع هذا كله يأتي الدجالون والأفاكون ليوحوا إلى أوليائهم زخرف القول غرورا بالغلو والتعظيم أن الإمام علي عليه السلام كان مع الله في الأبد، وأنه لاهوت الأبد، وأنه كان قبل خلق الخلق ولأجله خلق، وإنه هو الذي نجى جميع الأنبياء في الأزمات والكربات، وغير ذلك من الأوهام والخيالات التي يضلون بها الناس بغير علم ولا دليل، فإن هذا الاعتقاد يجعل الولي برتبة أعظم من النبي والرسول. لا شك إن هذا هو الضلال المبين وتكذيب القرآن الكريم، وعلى ذلك توقيع رب العالمين الذي نزل به الروح الأمين على سيد الأولين والآخرين بلسان عربي مبين، فقال جل وعلا بعد ذكر طائفة النبيين: (( وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ))[الأنعام:86]، وقال تعالى: (( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ))[النساء:69]، وقال تعالى: (( وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ))[النساء:136]، وقال تعالى: (( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ))[النساء:165].
هذا وإنني على يقين أن الصورة قد تجلت بوضوح لكل ذي عينين بأن الله جل وعلا واحد في الخلق، وواحد في الأمر، وواحد في العبادة، وبهذا تبطل تعويذة إبليس، و يزول الظن، والتلبيس وما عليك إلا أن تقول: لا إله إلا الله أمر أن لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
فيا صاحب الذنب الكبير! ويا مسيء الظن برب العالمين! ألا من توبة وأوبة ورجعة إلى الله الواحد القهار، فإن هذا الذنب العظيم والظلم العظيم ليس له إلا توبة من قلب صادق سليم، يقول الله جل وعلا: (( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ))[الفرقان:68-70]، ولابد من الإقلاع عن الذنب بالكلية دونما حنين، فإنها علامة الصادقين، قال تعالى: (( وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ))[الفرقان:71].
ومن تاب ألقى نفسه بين يدي ربه وندم على ما قدمت يداه وجعل دمعته علامة على صدقه، وحسرته وأنينه علامة على استقامة قلبه.
وعالج عاجله بالحسنات التي تمحو السيئات، وجعل شعاره التقوى في كل مكان، فإنها شعار المؤمنين ودثار الصالحين، ووصية الله في الخلق أجمعين …
وألقى ثوب الأماني وراء ظهره وجد في الطاعة والخدمة ونافس التجار في أنفس البضاعة، فمن جد وجد، ومن سار على الدرب وصل، ومن سهر الليالي بلغ المعالي.
طوبى لعبد ألهث لسانه بذكر الله، أستغفر الله وأتوب إليه، حسبي الله ونعم الوكيل، لا قوة إلا بالله فإنه والله كفيل بأن يجعل لك من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجاً.
ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.


من مواضيعي
0 شرح طريقة تغيير باسورد راوتر تي اي داتا TE Data
0 صوت الوحي وصلصلة الجرس
0 د صفوت عبد الغنى رفاعى سرور له فضل على كل التيارات الاسلاميه
0 اعتقاد الشيعة في حل دماء أموال أهل السنة ونجاستهم
0 روابط مجموعة كتب عن العلمانية
0 علاج المشاعر السلبية في ضوء العلم والقرآن
0 الشيعة وموقفهم من السنة
0 تطبيق الشريعة بعدم تطبيق الشريعة! محمد عابد الجابري أنموذجاً

الباسم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
للغة, لدعم, القـرآن؟؟؟

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:30 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009