ملتقي مقاومي التنصير

ملتقي مقاومي التنصير (http://vb.tanseerel.com/index.php)
-   صُوَرٌ من ابْتلاء العُلمَاء (http://vb.tanseerel.com/forumdisplay.php?f=82)
-   -   بين العز بن عبد السلام ونجم الدين أيوب (http://vb.tanseerel.com/showthread.php?t=17652)

ابو يوسف السلفى 05-17-2017 08:12 PM

بين العز بن عبد السلام ونجم الدين أيوب
 
بين العز بن عبد السلام ونجم الدين أيوب

كان لمماليك الأراك نفوذ في الدولة الاسلامية في أواخر حكم العباسيين, وامتد نفوذهم حتى أصبحوا امراء في الدولة أيام حكم نجم الدين أيوب في مصر, وكان الشيخ العز قاضيا للقضاة فيها, وقام_ رحمه الله_ مصلحا لأمر القضاء منفذا بحزم أحكام الشرع, لا تأخذه في ذلك لومة لائم, فنظر في حقيقة قضية أولئك الأمراء التي أثارها هو ثم أصدر قضاءه الآتي:
قال السبكي: ذكر كائنة الشيخ مع أمراء الدولة من الأتراك وهو جماعة, ذكروا أن الشيخ لم يثبت عنده أنهم أحرار وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين. فبلغهم ذلك, فعظم الخطب فيه واحتدم الأمر, والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعا ولا شراء ولا نكاحا, وتعطلت مصالحهم بذلك, وكان من جملتهم نائب السلطنة فاشتاط غضبا واجتمعوا وأرسلوا اليه.
فقال: نعقد لكم مجلسا وينادى عليكم لبيت مال المسلمين ويحصل عتقكم بطريق شرعي, فرفعوا الأمر الى السلطان, فبعث اليه فلم يرجع فجرت من السلطان كلمة فيها غلظة, حاصلها الانكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر, وأنه لا يتعلّق به, فغضب الشيخ وحمل حوائجه على حمار, وأركب عائلته على حمير أخرى, ومشى خلفهم من القاهرة قاصدا الشام فلم يصل الى نحو نصف بريد حتى لحقه غالب المسلمين, لم تكد امرأة ولا صبي ولا رجل لا يؤبه له يتخلف, ولا سيما العلماء والصلحاء والتجار وأنحاؤهم, فبلغ السلطان الخبر, وقيل له متى راح ذهب ملكك قبله, فرجع واتفق معه على أن ينادى على الأمراء فأرسل نائب السلطنة بالملاطفة, فلم يفد فيه, فانزعج النائب.
فقال: ميف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟ والله لأضربنّه بسيفي هذا.
فركب بنفسه في جماعة, وجاء الى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده, فطرق الباب, فخرج ولد الشيخ.. فرأى من نائب السلطنة ما رأى فعاد الى أبيه وشرح له الحال, فما اكترث لذلك ولا تغيّر.
وقال: يا ولدي أبوك أقلّ من أن يقتل في سبيل الله, ثم خرج كأنه قضاء الله قد نزل على نائب السلطنة, فحين وقع بصره على النائب وسقط السيف منها ارتعدت مفاصله, فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له, وقال: يا سيدي, خير أي شيء تعمل؟.
قال: أنادي عليكم وأبيعكم.
قال: ففيم تصرف ثمنا؟.
قال: في مصالح المسلمين.
قال: من يقبضه؟.
قال: أنا. فتمّ له ما أراد ونادى على الأمراء واحدا واحدا وغالى في ثمنهم وقبضه وصرفه في وجوه الخير _ وهذا لم يسمع قبله أحد رحمه الله ورضي عنه.
(الاسلام بين العلماء والحكام 197).
بين العز بن عبد السلام والصالح اسماعيل
ان خلافا نشأ واشتد, وخصاما طفق منذرا بالكيد والحرب بين الأخوين: سلطان الشام الملك الصالح اسماعيل, وسلطان مصر الصالح نجم الدين أيوب وقد أوجس اسماعيل خيفة من نجم الديت أيوب فاستعان بالصليبين أعداء الاسلام, وتحالف معهم على قتال أخيه, وأعطاهم مقابل ذلك مدينة صيدا على رواية المقريزي وغيره, وأمعن اسماعيل في هذه الخيانة فسمح للصليبين أن يدخلوا دمشق ويشتروا منها السلاح وآلات الحرب وما يريدون, وأثار هذا الصنيع المنكر استياء المسلمين وعلماءهم. فهب الشيخ العز بن عبد السلام واقفا في وجه الخيانة والخائنين, وأفتى بتحريم بيع السلاح لهم, وصعد على منبر جامع الأموي بدمشق في يوم الجمعة, حيث كان خطيبه الرسمي وأعلن الفتوى وشدد في الانكار على السلطان بومئذ, وصار يدعو بدعاء " اللهم أبرم لهذه الأمة ابرام رشد يعز فيه أولياؤك ويذل فيه أعداؤك ويعمل فيه بطاعتك وينهى فيه عن معصيتك" والمصلون يضجون بالتأمين على دعائه, ولم يكن السلطان حاضرا لتلك الخطبة, اذ كان خارج دمشق, ولما أعلمه رجاله بذلك أمر بعزل الشيخ عن خطبة الجمعة زاعتقاله مع صاحبه الشيخ ابن الحاجب المالكي لاشتراكه معه في هذا الانكار.
وكان أنصار الشيخ قد أشاروا عليه بأن يغادر البلاد وينجو بنفسه من يد السلطان وأعدوا له وسائل الهرب, ولكنّه أبى ذلك, وألحّوا عليه, فأصر على الاباء, فعرضوا عليه أن يختبىء في مكان أمين لا يهتدي اليه السلطان ورجاله, فرفض هذا الغرض أيضا وقال:" والله لا أهرب ولا أختبىء وانما نحن في بداية الجهاد ولم نعمل شيئا بعد, وقد وطنت نفسي على احتمال ما ألقى في هذا السبيل, والله لا يضيع عمل الصابرين".
ثم لما قدم اسماعيل الى دمشق أفرج عنهما بعد الاعتقال, ولكن العز بن عبد السلام أمر بملازمة داره وأن لا يفتي ولا يجتمع بأحد البتة, فاستأذنه في صلاة الجمعة مؤتما بامامها وأن يعيد اليه طبيب أو مزين اذا احتاج اليهما وأن يدخل الحمام فأذن له في ذلك, ومرّت الأيام والشيخ في اقامته الجبرية وقد منع من الافتاء والاتصال بأحد من اخوانه أو طلابه, وتعطلت هوايته المفضلة وواجبه المقدّس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فطلب الهجرة من دمشق قاصدا مصر. وأفرج عنه بعد محاورات ومراجعات فأقام بدمشق ثم انتزع منها الى بيت المقدس. فوافاه الملك الناصر داود في الفور فقطع عليه الطريق وأخذه وأقام بنابلس مدة وجدت لهمعه خطوب, ثم انتقل الى بيت المقدس حيث أقام مدة, ثم جاء الصالح اسماعيل والملك المنصور صاحب حمص وملوك الفرنج بعساكرهم وجيوشهم الى بيت المقدس يقصدون الديار المصرية, فسير الصالح اسماعيل بعض خواصه الى الشيخ بمنديله, وقال له: تدفع منديلي الى الشيخ وتلطف له غاية التلطف وتستنزله وتعده بالعودة الى مناصبه على أحسن حال, فان وافقك فتدخل به عليّ, وان خالفك فاعتقله في خيمة الى جانب خيمتي. فلما اجتمع الرسول بالشيخ, شرع في مسايسته وملاينته.
ثم قال له: بينك وبين أن تعود الى مناصبك وما كنت عليه زيادة أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير.
فقال الشيخ: والله يا مسكين ما أرضاه أن يقبل يدي فضلا عن أقبّل يده,يا قوم أنت في واد وأنا في واد الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به.
فقال الرسول: يا شيخ قد رسم لي أن توافق على ما يطلب والا اعتقلتك.
فقال الشيخ: افعلوا ما بدا لكم. فأخذه واعتقله في خيمة الى جانب خيمة السلطان وكان الشيخ يقرأ القرآن في معتقله والسلطان يسمعه.
فقال يوما لملوك الفرنج: تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟.
فقالوا: نعم.
قال: هذا أكبر قسوس المسلمين, وقد حبسته لانكاره علي تسليمي لكم حصون المسلمين وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه ثم أخرجته فجاء الى القدس وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم!!.
فقالت له ملوك الفرنج: "لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها".
(واسلاماه لأحمد باكثير 100, وانظر الطبقات للسبكي).


الساعة الآن 03:20 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd

vEhdaa 1.1 by NLP ©2009